الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 374-414

كِتَابُ الشَّهادَاتِ

صفحات 374-414

..................................  فأنْشَدْتُه بَيْتًا فقالَ: «هِيهِ» 1. حتى أنْشدْتُه مِائَةَ قَافيةٍ 2. وقال النبِىُّ - صلى الله عليه وسلم -[يومَ حُنَيْنٍ] 3 أنَا النَّبِىُّ لا كذِبْ … أنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبْ 4 وقد اخْتُلِفَ في هذا، فقيل: ليس بشعرٍ، وإنَّما هو كَلامٌ مَوْزونٌ.
وقيلَ: بل هو شِعرٌ، ولكنَّه بَيْتٌ واحدٌ قَصيرٌ، فهو كالنَّثْرِ.
ويُرْوَى أنَّ أبا الدَّرْداءِ قيلَ له: ما مِن أهلِ بيتٍ في الأنْصارِ إلَّا وقد قال الشِّعْرَ.
قال: وأنا قد قُلْتُ: يُريدُ المَرْءُ 5 أن يُعْطَى مُناهُ … ويَأْبَى الله إلَّاما أرَادَا يَقولُ المَرءُ (5) فائِدَتِى ومَالِى … وتَقْوَى اللهِ أفْضَلُ ما اسْتَفادَا 6 وليس في إباحةِ الشِّعرِ اخْتِلافٌ، وقد قالَه الصَّحابةُ والعلماءُ، والحاجَةُ

..................................  تَدْعُو إليه لمَعْرفَةِ اللُّغةِ والعربيَّةِ، وللاسْتِشْهادِ به في التَّفْسيرِ، وتَعَرُّفِ مَعنى كلامِ اللهِ تعالى، وكلامِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويُسْتدَلُّ به أيضًا على النَّسَبِ، والتَّارِيخِ، وأيَّام العَرَبِ.
ويقالُ: الشِّعْرُ ديوانُ العَربِ.
فإن قِيلَ: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَالشُّعَرَآءُ يَتَّبِعُهُمُ الْغَاوُونَ﴾ 1. وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لأنْ يَمْتَلِى جَوْفُ 2 أحَدِكُمْ قَيْحًا حَتَّى يَرِيَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أنْ يَمْتَلِئَ شِعْرًا».
روَاه أبو داودَ، وأبو عُبَيْدٍ 3. وقال: معنى يَرِيَهُ، يَأْكُلُ جوفَه.
يُقالُ: وَرَاه يَرِيه.
قال الشّاعِرُ 4: وَرَاهُنٌ رَبِّى مثلَ ما قَدْ وَرَيْننِى … وأحْمَى على أكْبادِهِنَّ الْمَكَاوِيَا قُلْنا: أمَّا الآيةُ، فالمُرادُ بها مَن أسْرَفَ وكَذَبَ، بدَليلِ وَصْفِه لهم بقولِه: {أَلَمْ تَرَ أَنَّهُمْ فِي كُلِّ وَادٍ يَهِيمُونَ وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا

..................................  يَفْعَلُونَ} 1. ثم اسْتَثنى المؤمِنينَ بقولهِ: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا﴾ 2. ولأن الغالِبَ على الشُّعراءِ قِلَّةُ الدِّينِ، والكَذِبُ، وقذْفُ المُحْصَناتِ، وهِجَاءُ الأبْرِياء، لا سِيَّما مَن كان فِى ابْتداءِ الإسْلامِ، ممَّن يَهْجُو النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، ويَهْجُو المسلمين، ويَعِيبُ الِإسلامَ، ويَمْدَحُ الكُفَّارَ، فوَقَعَ الذَّمُّ على الأغْلَبِ، واسْتَثْنَى منهم مَن لا يَفْعَلُ الخِصالَ المذْمُومَةَ، فالاَيةُ دَليلٌ على إباحَتِه، ومَدْحِ أهْلِه المُتَّصِفِينَ بالصِّفاتِ الجَمِيلةِ.
وأمَّا الخبرُ، فقال أبو عُبَيْدٍ 3: مَعناهُ أنْ يَغْلِبَ عليه الشِّعْرُ حتى يَشْغَلَه عن القُرْآنِ والفِقْهِ.
وقيلَ: المُرادُ به ما كان هِجاءً وفُحْشًا، فما كان مِن الشعْرِ يتَضَمَّنُ هَجْوَ 4 المسلمينَ، والقَدْحَ في أعْراضِهم، أو التَّشبيبَ بامرأةٍ بعَيْنِها، بالإفْراطِ في وَصْفِها، فذكرَ أصْحابُنا أنَّه مُحَرَّمٌ.
وهذا إن أُرِيدَ به أنَّه مُحَرَّمٌ على قائِلِه، فهو صَحِيحٌ، وأمّا على رَاوِيه 5 فلا يَصِحُّ؛ فإن الْمَغازِىَ يُرْوَى فيها قَصائدُ الذين هَاجَوْا بها أصْحابَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -، لا ينكِرُ ذلك أحدٌ.
وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ في الشِّعرِ الذى تَقاوَلَتْ به الشَّعَراءُ

..................................  في يومِ بَدْرٍ وأُحدٍ وغيرِهما، إلَّا قصيدَةَ أُمَيَّةَ بنِ أبى الصَّلْتِ الحائِيَّةَ 1. وكذلك يُرْوَى شِعْرُ قَيْسِ بنِ الخَطيِمِ 2، في التَّشْبِيبِ 3 بعَمْرَةَ بِنْتِ رَوَاحَةَ، أُخْتِ عبدِ الله بِنِ رَوَاحَةَ، وأُمِّ النُّعْمانِ بنِ بَشِير.
وقد سمعَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - قصيدةَ كَعْبِ بنِ زُهَيْرٍ، وفيها التَّشْبيبُ (3) بسُعادَ.
ولم يَزلِ النَّاسُ يَرْوون أمثالَ هذا، ولا يُنْكَرُ.
ورَوَينا أنَّ النُّعمانَ بنَ بَشِير دخلَ مَجْلِسًا فيه رجُلٌ يُغنِّيهم بقصيدةِ قَيسِ بنِ الخَطِيمِ، فلمَّا دخلَ النُّغمانُ سَكَّتوه مِن قِبَلِ أنَّ فيها ذِكْرَ أمِّه، فقالَ النُّعمانُ: فإنه 4 لم يَقُل بأْسًا، إنَّما قال: وعَمْرَةُ مِن سَرَوَاتِ النِّسا … ءِ تَنْفَحُ بالمِسْكِ أرْدَانُها 5 وكان عِمرانُ 6 بنُ طَلْحةَ في مجلسٍ، فغَنَّاهم رَجُلٌ بشِعْرٍ فيه ذِكرُ أمِّه، فسَكَّتوُه، فقال: دَعُوه، فإنَّ قائِلَ هذا الشِّعْرِ كان زوْجَها.
فأمَّا الشَّاعِرُ، فمتى كان يَهْجُو المسلمين، ويَمْدَحُ بالكَذِبِ، أو يَقْذِفُ مُسْلِمًا أو مُسْلِمَةً، فإنَّ شَهادَتَه تُرَدُّ، وسواءٌ قَذَفَ المُسْلِمَةَ بنَفسِه أو بغيره.

..................................  وقد قيلَ: أعْظَمُ الناسِ ذَنْبًا، رَجُلٌ يهاجِى رَجلًا، فيَهْجُو القَبِيلَةَ بأسْرِها.
وقد رَوَينا أنَّ أبا دُلامةَ 1 شَهِدَ عندَ قَاضٍ، فخافَ أن تُرَدَّ شَهادتُه، فقال: إنِ الناسُ غَطُّونِى تَغطَّيْتُ عنهمُ … وإن بَحثُوا عنِّى فَفِيهم مَباحِثُ فقال القاضى: ومَن يَبْحَثُكَ يا أبا دُلامةَ؟ وغَرِمَ المالَ مِن عندِه، ولم يُظْهِرْ أنَّه رَدَّ شَهادتَه.
فصل في قِراءةِ القُرآنِ بالألْحانِ: أمّا قِراءَتُه مِن غيرِ تَلْحِينٍ، فلا بَأسَ بها، وإن حَسَّنَ صَوْتَه به، فهو أفْضَلُ؛ فإن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «زَيَّنُوا أصْوَاتَكُمْ بالْقُرْآنِ» 2. ورُوِىَ: «زَيَّنُوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكُمْ» 3. وقال: «لَقَدْ أُوتِىَ أبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» 4.

..................................  [ورُوِىَ أن النبَّى - صلى الله عليه وسلم - قال لأبى مُوسى «لَقَدْ مَرَرْتُ بِكَ الْبَارِحَةَ، وَأنْتَ تَقْرَأُ، وَلَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ»] 1. فقال أبو موسى: لو أعْلَمُ أنك تَسْتَمِعُ، لحَبَّرْتُه لكَ تَحْبِيرًا.
ورُوِىَ أنَّ عائشةَ أبْطَأتْ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ليلةً، فقال: «أيْنَ كُنْتِ يَا عَائِشَةُ».
فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، كنتُ أسْتَمِعُ قِراءةَ رَجلٍ في المسجدِ، لم أسْمَعْ أحدًا يَقْرأُ أحْسَنَ مِن قراءَتِه.
فقامَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فاسْتَمَعَ قِراءَتَه، ثم قال: «هذَا سَالِمٌ مَوْلَى أبى حُذَيْفَةَ، الْحَمْدُ لِلّهِ الذِى جَعَلَ فِى أمَّتِى مِثْلَ هَذَا» 2. قال صالحٌ: قلتُ لأبِى: «زَيِّنُوا الْقُرْآنَ بأصْوَاتِكُمْ».
ما مَعناه؟ قال: أن تُحَسِّنَه.
وقيل 3 له: ما مَعْنَى: «مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بالقرآنِ» 4. قال: يَرْفَعُ صَوْتَه به.
وهكذا قال الشَّافعىُّ.
وقال اللَّيْثُ: يتَحزَّنُ به، ويتَخَشَّعُ به، ويَتَباكَى به.
وقال ابنُ عُيَيْنَةَ، وعمرُو بنُ الحارِثِ 5. ووَكِيعٌ: يَسْتَغْنِى به.
فأمَّا القِراءَةُ 6 بالتَّلْحينِ، فيُنْظَرُ فيه؟ فإن لم يُفرِطْ في التَّمْطِيطِ والمَدِّ

..................................  وإشْباعِ الحَرَكاتِ، فلا بَأْسَ به؛ فإنَّ النبَّى - صلى الله عليه وسلم - قد قَرأ، ورَجَّعَ، ورَفَعَ صَوْتَه، وقال الرّاوِى: لولا أن تَجْتَمِعَ النَّاسُ إلىَّ، لَحَكَيْتُ لكم قراءَةَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 1. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ».
وقال: «مَاْ أذِنَ اللهُ لِشَىْءكَأذَنِهِ لنَبِىٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ، يَتَغنَّى بِالْقُرْآنِ» 2. أىْ يَجْهَرُ به.
ومعنى أذِنَ: اسْتَمَعَ.
قال القاضى: هو مَكْرُوهٌ على كلِّ حالٍ.
ونحوُه قولُ أبى عُبَيْدٍ، وقال 3: مَعنَى قولِه: «مَنْ لَمْ يَتَغن بِالْقُرْآنِ» أىْ: يَسْتَغنِى به، قال الشَّاعِرُ: وَكنْتُ امْرَءًا زَمَنًا بالعِراقِ … عَفيف المُناخِ 4 كَثيرَ التَّغنِّى قال: ولو كان مِن 5 الغِناءِ بالصَّوْتِ، لَكانَ: مَن لم يُغنِّ بالقُرآنِ.
ورُوِىَ نحوُ هذا التَّفْسيرِ عن ابنِ عُيَينةَ.
وقال القاضى أحمدُ بنُ محمدٍ البِرْتِىُّ: هذا قولُ مَن أدْرَكْنا مِن أهلِ العلمِ.
وِقال الوليدُ بنُ مسلمٍ: يَتغنَّى بالقُرآنِ، يَجْهرُ به.
وقيلَ: يُحسِّنُ صَوْتَه به.
قال شيْخُنا 6: والصَّحِيحُ أنَّ هذا القَدْرَ مِن التَّلْحينِ لا بَأسَ به، ولأنَّه لو كان مَكْرُوهًا، لم يَفْعَلْه النبُّى - صلى الله عليه وسلم -، ولا يَصِحُّ حَمْلُه على التَّغَنِّى في حديثِ: «مَا أذِنَ

..................................  الله لِشَىْءٍ، كَأَذَنِهِ لِنَبِىٍّ يَتَغَّنى بِالْقُرْآنِ».
على الاسْتِغْناءِ؛ لأنَّ مَعنى أذِنَ: اسْتَمَعَ، وإنَّما تُسْمَعُ القِراءةُ، ثم قال: يَجْهَرُ.
والجَهْرُ صِفَةُ القِراءةِ لا صِفَةُ الاسْتِغْناءِ.
فأمّا إذا أسْرَفَ في المَدِّ والتَّمْطِيطِ وإشْبَاعِ الحَرَكاتِ، بحيثُ يجْعَلُ الضَّمَّةَ واوًا.
والفَتْحَةَ ألِفًا، والكَسْرةَ ياءً، كُرِه له 1 ذلك.
ومِن أصْحابِنا مَن قال: يَحْرُمُ؛ لانَّه يُغيِّرُ القُرآنَ، ويُخْرِجُ الكَلماتِ عن وَضْعِها، ويَجْعَلُ الحَرَكاتِ حُروفًا.
وقد رَوَينَا عن أبى عبدِ اللهِ، أنَّ رَجلًا سأَلَه عن ذلك، فقال له: ما اسمُك؟ قال: محمدٌ.
قال: أَيسُرُّكَ أن يُقالَ لك: يَامُو حَامَّد؟ قال: لا.
قال: ولا يُعْجِبُنِى أن يَتعَلَّمَ الرَّجلُ الألْحانَ، إلَّا أن يكونَ جَرَمُه 2 مِثلَ جَرَمِ 3 أبى موسى.
قال له رجلٌ: فيُكَلَّمون؟ قال: ولا كلُّ ذا.
واتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنَّهِ تُسْتَحَبُّ قِراءَةُ القُرآنِ بالتَّحْزينِ والتَّرْتِيلِ والتَّحْسينِ.
ورَوَي بُرَيْدَةُ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «اقْرَءُوا الْقُرْآنَ بِالْحُزْنِ، فَإنَّه نَزَلَ بِالْحُزْنِ» 4. وقال الْمَرُّوذِىُّ: سمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ قال لرَجُلٍ: لو قَرَأتَ.
وجعلَ أبو عبدِ الله رِبَّما تَغرْغَرَتْ عَيْنُه.
وقال زُهَيْرُ بنُ حَرْبٍ: كنَّا عندَ يحيى القَطَّانِ، فجاءَ محمدُ بنُ سعيدٍ الترمِذِىُّ (1)، فقال له يحيى: اقْرأْ.
فقرأ، فغُشِىَ

..................................  على يحيى حتى حُمِلَ وأُدْخِلَ.
وقال محمدُ بنُ صالِحٍ العَدَوِىُّ: قَرأتُ عندَ يحيى بنِ سعيدٍ القطَّانِ، فغُشِىَ عليه، حتى فاته خَمسُ صَلَواتٍ.
فصل: ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ الطُّفَيْلىِّ؛ وهو الذى يأْتِى طَعامَ النَّاسِ مِن غيرِ دَعْوَةٍ.
وبهذا قال الشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ وذلك لأنَّه يُرْوَى عنِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ أتَى طَعَامًا لَمْ يُدْعَ إلَيْهِ، دَخَلِ سَارِقًا، وَخرَج مُغِيرًا» 1. ولأنَّه يأكُلُ مُحَرَّمًا، ويفْعَلُ ما فيه سَفهٌ ودَناءةٌ وذَهابُ مُروءَةٍ، فإن لم يَتكَرَّرْ هذا منه، لم تُرَدَّ شَهادَته؛ لأنَّه مِن الصَّغائرِ.
فصل: ومَن سَألَ مِن غيرِ أن تَحِلَّ له المسْألةُ، فأكْثَرَ، رُدَّتْ شَهادَتُه؛ لأنَّه فَعَلَ مُحَرَّمًا، وأكلَ سُحْتًا، وأتَى دَناءَةً.
وقد رَوَى قَبِيصَةُ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «إن الْمَسْالةَ لَا تَحِلُّ إلَّا لِأحَدِ ثَلَاَثةٍ؛ رَجُلٍ أصَابَتْهُ جَائِحَةٌ، فَاجْتَاحَتْ مَالَهُ، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أو قال 2: سِدادًا مِنْ عَيْشٍ، [وَرَجُلٍ أصَابَتْهُ فَاقَةٌ، حَتَّى يَشْهَدَ ثَلَاَثَةٌ مِنْ ذَوِى الْحِجَا مِنْ قَوْمِهِ: لَقَدْ أصَابَتْ فُلَانًا فَاقَةٌ.
فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ حَتَّى يُصِيبَ قِوَامًا مِنْ عَيْشٍ - أوْ - سِدَاِدًا مِنْ عَيْشٍ] 3، وَرَجُلٍ تَحَمَّلَ حَمَالَةً، فَحَلَّتْ لَهُ الْمَسْأَلَةُ، حَتَّى يُصِيبَهَا، ثُمَّ يُمْسِكُ،

فَصْلٌ: وَمَتَى زَالتِ المَوَانِعُ مِنْهُمْ، فَبَلَغ الصَّبِىُّ، وَعَقَلَ الْمَجْنُونُ، وَأسْلَمَ الْكَافِرُ، وتَابَ الْفَاسِقُ، قُبلَتْ شَهَادَتُهُمْ بمُجَرَّدِ ذَلِكَ.
[فَمَا سِوَى ذَلِكَ فَهُوَ سُحْتٌ، يأْكُلُهُ صَاحِبُهُ سُحْتًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
رَوَاه مسلمٌ] 1. فأمَّا السَّائِلُ ممَّن تُباحُ له المسْأَلةُ، فلا تُرَدُّ شَهادتُه بذلك، إلَّا أن يكونَ أكْثرَ عُمُرِه سائِلًا، فيَنبغِى أن تُرَدَّ شَهادَتُه؛ لأنَّ ذلك دَناءَةٌ وسُقُوطُ مُروءَةٍ.
ومَن 2 أخذَ مِن الصَّدقةِ مِمَّن يجوزُ له الأخْذُ مِن غيرِ مَسْألةٍ، لم تُرَدَّ شَهادتُه؛ لأنَّه فِعْلٌ جائِرٌ، لا دَناءَةَ فيه.
وإنْ أخذَ منها ما لا يجوزُ له، وتَكَرَّرَ ذلك منه، رُدَّتْ شَهادتُه؛ لأنَّه مُصِرٌّ على الحَرامِ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: «ومتى زالتِ المَوانِعُ منهم، فبَلَغَ الصَّبِىُّ، وعَقَلَ المجْنونُ، وأسْلَمَ الكافِرُ، وتابَ الفاسِقُ، قُبِلَتْ شَهادَتُهم بمُجَرَّدِ ذلك) لأنَّ المُقْتَضِىَ لقَبُولِ الشَّهادَةِ مَوْجودٌ، وإنَّما رُدَّتْ لوُجودِ المانِعِ، فإذا زَالَ المانِعُ، عَمِلَ 3 المُقْتَضِى عملَه، كما لم يُوجَدِ المانِعُ، وتُقْبَلُ تَوْبَةُ الفاسِقِ؛ لقولِ اللهِ سبحانَه وتعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ﴾ 4. وقولِه سبحانَه: {وَمَن يَعْمَلْ سُوَءًا أوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُّمَّ

..................................  يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَّحِيمًا} 1. وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» 2. وقال عمرُ، رَضِىَ الله عنه: بَقِيَّةُ عُمُرِ المَرْءِ لا قِيمَةَ له، يُدْرِكُ فيه ما فاتَ، ويُحْيىِ فيه ما أماتَ، ويُبَدِّلُ اللهُ سَيّئاتِه حَسَناتٍ.
والتَّوْبَةُ على ضَرْبَيْنِ؛ باطِنةٌ، وحُكْمِيَّةٌ، فالباطِنَةُ فيما بينَه وبينَ الله تِعالى، فإن كانتِ المَعْصِيَةُ لا تُوجِبُ حقاً عليه في الحُكْمِ، كقُبْلَةِ الأجْنَبِيَّةِ، والخَلْوَةِ بها، وشُرْبِ المُسكِرِ، والكَذِب، فالتَّوْبَةُ منها النَّدمُ، والعَزْمُ على أن لا يَعُودَ، فقد رُوِىَ عن النَّبِّىِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «النَّدَمُ تَوْبَةٌ» 3،. قيل: التوبةُ النصُوحُ تَجْمَعُ أرْبَعَةَ أشيَاءَ؛ النَّدَمَ بالْقَلْبِ، والاسْتِغْفارَ باللِّسَانِ، وإضْمارَ أن لا يَعُودَ، ومُجانبةَ خُلَطاءِ السُّوءِ.
وإن كانتْ تُوجِبُ حقَّا عليه لله تِعالى، أو لآدَمِىٍّ؛ كمَنْعِ الزَّكاةِ، والغصْب، فالتَّوْبَةُ مهنا بما ذكَرْنا، وتَرْكِ المَظْلَمَةِ حَسْبَ إمْكانِه، بأن يُؤدَّىَ الزَّكَاةَ، ويَرُدَّ المَغصُوبَ أو بَدَلَه.
وإنْ عَجَزَ عن ذلك، نَوَى رَدَّه متى قَدَر عليه.
فإن كان عليه فيها حَقٌّ في البَدَنِ، وكان حقَّا لآدَمِيٍّ، كالقِصاصِ، وحَدِّ القَذْفِ، اشْتُرِطَ في التَّوْبَةِ التَّمْكِينُ مِن نَفْسِه، ببَذلِها

..................................  للمُسْتَحِقِّ، وإنْ كان حقَّا لله تعالى، كحَدِّ الزِّنَى، وشُرْبِ الخمرِ، فتَوْبَتُه بالنَّدَمِ، والعَزْمِ على تَرْكِ العَوْدِ، ولا يشْتَرَطُ الإقْرارُ به، فإن كان ذلك لا يَشْتَهِرُ عنه، فالأوْلَى له سَتْرُ نَفْسِه، والتَّوبةُ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَن أَتَى شَيْئًا مِنْ هَذِه القَاذُورَاتِ، فَلْيَسْتَتِرْ بِسِتْرِ اللهِ، فَإنَّه مَنْ أبْدَى لَنَا صَفْحَتَهُ أقَمْنَا عَلَيْهِ الْحَدَّ» 1. فإنَّ الغامِدِيَّةَ حينَ أقَرَّتْ بالزِّنَى، لم يُنْكِرْ عليها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك 2. وإن كانَتْ مَعْصِيَةً مَشْهُورةً، فذكرَ القاضى أنَّ الأوْلَى الإقْرارُ به 3، ليُقَامَ عليه الحَدُّ؛ لأنَّه إذا كان مَشْهُورًا، فلا فائدةَ في تَرْكِ إقَامَةِ 4 الحَدِّ عليه.
قال شيْخُنا 5: والصَّحِيحُ أن تَرْكَ الإقْرارِ أوْلَى؛ لأن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - عرَّضَ للمُقِرِّ عندَه بالرُّجوعِ 6 عن الإقْرارِ، فعرَّضَ لماعز 7، وللمُقِرِّ عندَه بالسَّرِقةِ 8 بالرُّجوعِ، معِ اشْتِهارِه عنه بإقْرارِه، وكَرِهَ الإقْرارَ، حتى قيلَ - إنَّه لَمَّا قطَعَ السَّارِق: كَأنَّما أُسِفَّ وَجْهُه رمادًا 9. ولم يَردِ الأمرُ بالإقْرارِ، ولا الحَثُّ عليه في كتابٍ ولا سُنَّةٍ، ولا يَصِحُّ له قِياسٌ، إنَّما

وَلَا يُعْتَبَرُ إصْلَاحُ الْعَمَلِ.
وَعَنْهُ، يُعْتَبَرُ فِى التَّائِبِ إصْلَاحُ العَمَلِ سَنَةً.
وَرَدَ الشَّرْعُ بالسَّتْرِ، والاسْتِتارِ، والتَّعْرِيضِ للمُقِر بالرُّجوعِ عن الإقْرارِ.
وقال لهَزَّالٍ، وهو الذى أمرَ ماعِزًا بالإقْرارِ: «يَا هَزَّالُ، لَوْ سَتَرْتَه بِثَوْبِكَ، كَانَ خَيْرًا لَكَ» (1). وقال أصْحابُ الشافعىِّ: تَوْبةُ هذا إقْرارُه ليُقامَ عليه الحدُّ.
وليس بصَحِيحٍ؛ لِما ذكَرْنا، ولأنَّ التَّوْبةَ تُوجَدُ حَقِيقَتُها بدونِ الإقْرارِ، وهى تَجُبُّ ما قبلَها، وَرَدَ في الأخْبارِ، مع ما دَلَّتَ عليه الاَياتُ في مَغْفِرَةِ الذُّنوبِ بالاسْتِغْفارِ، وتَرْكِ الإصرارِ (2). وأمَّا البِدْعَةُ، فالتَّوْبَةُ (3) منها بالاعْتِرافِ بها، والرُّجُوعِ عنها (4)، واعْتِقادِ ضِدِّ ماكان يَعْتَقِدُ منها.

5047 -

مسألة: (ولا يُعْتَبَرُ إصْلَاحُ العَمَلِ. وعنه، يُعْتَبَرُ في التَّائِبِ إصْلَاحُ العَمَلِ سَنَةً)

ظاهِرُ كلامِ أحمدَ والخِرَقِىِّ، أنَّه لا يُعْتَبَرُ في ثُبُوتِ أحْكامِ التَّوْبَةِ، مِن قَبولِ الشَّهادةِ، وصِحَّةِ الوِلَايةِ في النِّكاحِ،1234

..................................  إصْلاح العَمَلِ.
وهو أحد القَوْلَيْن للشافعىِّ.
وفى القَوْلِ الآخَرِ، يُعْتَبَرُ إصْلاح العَمَلِ، إلَّا أن يكونَ ذَنْبُه الشَّهادةَ بالزِّنَى، ولم يَكْفلْ عدَدُ الشُّهودِ، فإنَّه يَكْفِى مجَرَّدُ التَّوْبَةِ مِن غيرِ اعْتِبارِ إصْلاحٍ، وما عَداه فلا تَكْفِى التَّوْبَة 1 حتى تَمْضِىَ عليه سنَةٌ، تَظْهَر فيها تَوْبَته، ويَبِينُ فيها صَلاحُه.
وهذا رِوايةٌ عن أحمدَ، حَكاها أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾ 2. وهذا نَصٌّ، فإنَّه نَهَى عن قَبولِ شَهادَتِهم، ثم اسْتَثْنَى التَّائِبَ المُصْلِحَ، ولأنَّ عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، لَمَّا ضَرَبَ صَبِيغًا أمرَ بهِجْرَانِه، حتى بَلَغَتْه تَوْبتُه، فأمرَ أن لا يُكلَّمَ إلَّا بعدَ سنَةٍ 3. ولَنا، قوْلُه عليه السَّلامُ: «التَّوْبَةُ تَجُبُّ مَا قَبْلَها» 4. وقَوْلُه: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» 5. ولأنَّ المغْفِرَةَ تحْصُلُ

..................................  بمُجَرَّدِ التَّوْبةِ، فكذلك الأحْكامُ، ولأنَّ التَّوْبةَ مِن الشِّرْكِ بالِإسْلامِ، لا تحْتاجُ إلى اعْتِبارِ ما بعدَه، وهو أعْظمُ الذنَّوبِ، فما دونَه أَوْلَى.
وَأمَّا الآيةُ 1، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ الإصْلاحُ مِن التَّوْبَةِ، وعَطْفُه عليها لاخْتِلافِ اللَّفْظَيْنِ، ودليلُ ذلك، قولُ عُمرَ لأبى بَكْرَةَ: تُبْ، أقْبَلْ شَهادَتَكَ 2. ولم يَعْتَبِرْ أمرًا آخَرَ، ولأن مَن كان غاصِبًا، فرَدَّ ما في يَدَيْه، أو مانِعًا للزَّكاةِ 3، فأدَّاها وتابَ إلى اللهِ عز وجل، قد حصَلَ منه الإصْلاحُ، وعُلِمَ نُزوعُه 4 عن مَعْصِيَتِه [بأداءِ ما] 5 عليه، فإنَّه لولم يُرِدِ التَّوْبةَ، لَما أدَّى ما في يَدَيْه، ولأنَّ تَقْدِيرَه بسَنَةٍ تَحَكُّمٌ لم يَرِدْ به الشَّرْعُ، والتَّقْديرُ إنَّما يَثْبُتُ بالتَّوْقِيفِ، وما وَرَد عن عمرَ في حقِّ صَبيغٍ إنَّما كان لأنَّه تائبٌ مِن بِدْعَةٍ، وكانت تَوْبَتُه بسبَبِ الضَّرْبِ والهِجْرانِ، فيَحْتَمِلُ أنَّه أظْهَرَ التَّوْبَةَ تَسَتُّرًا، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
وقد ذكرَ القاضى، أنَّ التَّائِبَ مِن البِدْعَةِ

..................................  يُعْتَبَرُ له مُضِىُّ 1 سَنَةٍ؛ لحديثِ صَبِيغٍ.
رَواه أحمدُ في «الوَرَعِ»، قال: ومِن عَلامَةِ تَوْبَتِه، أنْ يَجْتَنِبَ مَن كان يُوالِيه مِن أهلِ البِدَعِ، ويُوالِى مَن كان يُعادِيه مِن أهلِ السُّنَّةِ.
والصَّحيحُ أنَّ التَّوْبَةَ مِن البِدْعَةِ كغيرِها، إلَّا أن تكونَ التَّوْبةُ [بِفِعْلٍ يُشْبِهُ] 2 الإكْرَاهَ، كَتَوْبَةِ صَبِيغٍ، فيُعْتَبَرُ له مُدَّةٌ يُظْهِرُ أنَّ تَوْبَتَه عن إخْلاصٍ، لا عن إكْراهٍ.
وللحاكمِ أن يَقولَ للمُتَظاهِرِ بالمَعْصِيَةِ: تُبْ أقْبَلْ شَهادتَكَ.
وقال

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ القَاذِفِ حَتَّى يَتُوبَ.
مالِكٌ: لا أعْرِفُ هذا.
قال الشافعىُّ: وكيفَ لا يَعْرِفُه، وقد أمرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّوْبَةِ، وقالَه عُمرُ لأبى بَكْرَةَ!

5048 -

مسألة: (ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ القاذِفِ حتى يَتُوبَ)

وجملةُ ذلك، أنَّ القاذِفَ إذا كان زَوْجًا، فحَقَّقَ قَذْفَه ببَيِّنَةٍ أو لِعانٍ، أو كان أجْنَبِيًّا فَحَقَّقَه بالبَيِّنَةِ أو بإقْرارِ المَقْذُوفِ، لم يَتعلَّقْ بقَذْفِه فِسْقٌ، ولا حَدٌّ، ولا رَدُّ شَهادَةٍ، وإن لم يُحَقِّقْ قَذْفَه بشئٍ مِن ذلك، تَعلَّقَ به وُجوبُ الحدِّ عليه، والحُكْمُ بفِسْقِه، ورَدِّ شَهادَتِه؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ 1. فإن تابَ، لم يَسْقُطْ عنه الحَدُّ، وزَالَ الفِسْقُ، بلا خِلافٍ.
وتُقْبَلُ شَهادَتُه عندَنا.
ورُوِىَ ذلك 2 عن عُمرَ، وأبى الدَّرْداءِ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال عَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، والشَّعْبِىُّ، والزُّهْرِىُّ، وعبدُ اللهِ بنُ عُتْبَةَ، وجَعفرُ 3 بنُ أبى ثابِتٍ، وأبو الزِّنادِ، ومالِكٌ، والشافعىُّ، والبَتِّىُّ،

..................................  وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وذكرَه ابنُ عبدِ البَرِّ، عن يحيى ابنِ سعيدٍ، ورَبيعةَ.
وقال شُرَيْحٌ، والحسنُ، والنَّخَعِىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه إذا جُلِدَ، وإنْ تابَ.
وعندَ أبى حنيفةَ، لا تُرَدُّ شَهادتُه قَبْلَ الجَلْدِ، وإن لم يَتُبْ.
فالخِلافُ معه في فَصْلَيْن؛ أحدُهما، أنَّه عندَنا تَسْقُطُ شَهادَتُه بالقَذْفِ إذا لم يُحَقِّقْه، وعندَ أبى حنيفةَ ومالكٍ، لا تَسْقُطُ إلَّا بالجَلْدِ.
والثانى، أنَّه إذا تابَ، قُبِلَتْ شَهادتُه وإنْ جُلِدَ، وعندَ أبى حنيفةَ، لا تُقْبَلُ، وتُعلَّقُ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا﴾.
وبما رَوَى ابنُ ماجَه، بإسْنادِه عن عَمرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِى الإسْلَامِ» 1. واحْتَجَّ في الفَصْلِ الآخَرِ بأنَّ القَذْفَ قبلَ حُصولِ الجَلْدِ يجوزُ أَن تقومَ به البَيَّنَةُ، فلا يجبُ به التَّفْسِيقُ.
ولَنا، في الفصلِ الثانى، إجْماعُ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فإنَّه رُوِىَ عن عُمرَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه كان يقولُ لأبى بَكْرةَ، حينَ شَهِدَ على المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ: تُبْ أقْبَلْ شَهادَتَكَ.
ولم يُنْكِرْ ذْلك مُنْكِرٌ، فكان إجْماعًا.
قال سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ: شَهِدَ على المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ ثَلاثةُ رِجالٍ؛ أبو بَكْرةَ، وشِبْلُ بنُ مَعْبَدٍ، ونافِعُ بنُ الحارِثِ، ونكَلَ زِيادٌ، فجلَدَ عُمرُ الثَّلاثةَ، وقال لهم عمرُ 2: تُوبوا

..................................  تُقْبَلْ شَهادَتُكم.
فتَابَ رجُلانِ، وقَبِلَ عمرُ شَهادَتَهما، وأبَى أبو بَكْرَةَ، فلم يَقْبَلْ شَهادَتَه، وكان قد عادَ مثلَ النَّصْلِ مِن العِبادةِ 1. ولأنَّه تابَ مِن ذَنْبِه، فقُبِلَتْ شَهادتُه، كالتَّائِبِ مِن الزِّنى، يُحَقِّقُه أنَّ الزِّنَى أعْظمُ مِن القَذْفِ به، وكذلك قَتْلُ النَّفْسِ التى حَرَّمَ اللهُ، وسائِرُ الذُّنوب، إذا تابَ فاعِلُها، قُبِلَتْ شَهادتُه، فهذا أَوْلَى.
وأمَّا الآيةُ، فهى حجَّةٌ لنا؛ لأنَّه اسْتَثْنَى التَّائبين بقولِه تعالى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا﴾ 2. والاسْتِثْناءُ مِن النَّفْىِ إثْباتٌ، فيكونُ تَقْدِيرُه: إلَّا الذينَ تَابُواْ، فاقْبَلوا شَهادَتَهم، ولَيسوا بفَاسِقِينَ.
فإن قالوا: إنَّما يَعودُ الاسْتِثْناءُ إلى الجُملةِ التى تَلِيه، بدَليلِ أنَّه لا يَعودُ إلى الجَلْدِ.
قُلْنا: بل يَعودُ إليه أيضًا؛ لأنَّ هذه الجُمَلَ مَعْطُوفٌ بعْضُها على بعضٍ بالواوِ، وهى للجَمْعِ تَجْعَلُ الجُمَلَ كلَّها كالجُملةِ الواحِدَةِ، فيعودُ الاسْتِثْناءُ إلى جَمِيعِها، إلَّا ما مَنَعَ [منه مانِعٌ] 3، ولهذا لمّا قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَؤْمَّنَّ الرَّجُلُ الرَّجُلَ فِي بَيْتِه، وَلَا يَجْلِسُ عَلَى تَكْرِمَتِهِ إلَّا بِإذْنِهِ» 4. عادَ الاسْتِثْناءُ إلى الجُمْلَتَيْن جميعًا، ولأنَّ الاسْتِثْناءَ يُغايِرُ 5 ما قبلَه، فعادَ إلى الجُمَلِ المعْطُوفِ بعْضُها على بعْضٍ بالواوِ، كالشَّرْطِ، فإنَّه لو قال: امرأتُه طالِقٌ، وعبدُه حُرٌّ،

..................................  إنْ لم يَقُمْ.
عادَ الشَّرْطُ إليهما، كذا الاسْتِثْناءُ، بل عَوْدُ الاسْتِثْناءِ إلى رَدِّ [الشَّهادَةِ أَوْلَى؛ لأنَّ رَدَّ الشَّهادَةِ هو المَأْمُورُ به، فيكونُ هو] 1 الحُكْمَ، والتَّفْسِيقُ خَرَجَ مَخْرَجَ الخَبرِ و [التَّعليلِ لردِّ] 2 الشَّهادةِ، فعَوْدُ الاسْتِثْناءِ إلى الحُكْمِ المَقْصودِ 3، أوْلَى مِن رَدِّه إلى التَّعليلِ، وحديثُهم ضَعِيفٌ، يَرْوِيه الحجَّاجُ بن أرْطَاةَ، وهو ضَعيفٌ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لم يَرْفَعْه مَن 4 في رِوايَتِه حُجَّةٌ، وقد رُوِىَ مِن غيرِ طَرِيقِه، ولم يُذْكَرْ فيه هذه الزِّيادَةُ، فدَلَّ ذلك على أنَّها مِن غَلَطِه، ويَدُلُّ على خَطَئِه قَبولُ شَهادَةِ كُلِّ مَحْدُودٍ في غيرِ القَذْفِ 5 بعدَ توبتِه 6. ثم لو قُدِّرَ صِحَّتُه، فالمُرادُ به مَن لم يَتُبْ، بدليلِ: كُلِّ مَحْدودٍ تاب سِوَى هذا.
وأمّا الفصلُ الأوَّلُ فدَلِيلُنا فيه الآيةُ، فإنه رَتَّبَ على رَمْىِ المُحْصَناتِ ثَلاثةَ أشْياءَ؛ إيجابُ الجَلْدِ، ورَدُّ الشَّهادَةِ، والفِسْقُ، فيَجِبُ أن يَثْبُتَ رَدُّ الشَّهادَةِ بوُجودِ الرَّمْىِ الذى لم يُمْكِنْه تَحْقِيقُه، كالجَلْدِ، ولأنَّ الرَّمْىَ هو المَعْصِيَةُ، والذَّنْبُ الذى يَسْتَحِقُّ به العُقوبَةَ، وتثْبُتُ به المعْصِيَةُ المُوجِبَةُ رَدَّ الشَّهادةِ، والحدُّ كَفَّارَةٌ وتَطْهِيرٌ، فلا يجوزُ تَعْلِيقُ رَدِّ الشَّهادةِ به، وإنَّما الجَلْدُ ورَدُّ الشَّهادةِ حُكْمانِ للقَذْفِ، فيَثْبُتان جميعًا به، وتخلُّفُ اسْتِيفاءِ أحَدِهما لا

وَتَوْبَتُهُ أَنْ يُكْذِبَ نَفْسَهُ.
وَقِيلَ: إنْ عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُهُ أَنْ يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ عَلَى مَا قُلْتُ، وَلَا أَعُودُ إلَى مِثْلِهِ، وَأَنَا تَائِبٌ إلَى اللهِ تَعَالَى مِنْهُ.
يَمْنَعُ ثُبوتَ الآخَرِ.
وقولُهم: إنَّما يتَحقَّقُ بالجَلْدِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الجَلْدَ حُكْمُ القَذْفِ الذى تَعذَّرَ تَحْقِيقُه، فلا يُسْتَوْفَى قبلَ تَحَقُّقِ القَذْفِ، وكيفَ يجوزُ أن يُسْتَوْفَى حَدٌّ قبلَ تحَقُّقِ سَبَبِه، ويَصِيرُ مُتحَقِّقًا بعدَه! هذا باطِلٌ.
فصل: والقاذِفُ في الشَّتْمِ تُرَدُّ شَهادَتُه ورِوايتُه حتى يَتُوبَ، والشاهِدُ بالزِّنَى إذا لم تكْمُلِ البَيِّنَةُ، تُقْبَلُ رِوايتُه دونَ شَهادتِه.
وحُكِىَ عن الشافعيِّ أنَّ شَهادتَه لا تُرَدُّ.
ولَنا، أنَّ عُمرَ لم يَقْبَلْ شَهادةَ أبى بَكْرةَ، وقال له: تُبْ أقْبَلْ شَهادَتَكَ.
ورِوايتُه مَقْبولَةٌ، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في قَبُولِ رِوايَةِ أبي بَكْرَةَ، مع رَدِّ عُمرَ شَهادَتَه.

5049 -

مسألة: (وتَوْبَتُهُ أن يُكْذِبَ نَفْسَهُ. وَقِيلَ: إن عَلِمَ صِدْقَ نَفْسِهِ، فَتَوْبَتُه أن يَقُولَ: قَدْ نَدِمْتُ على ما قُلْتُ، ولا أعُودُ إلى مِثْلِه، وأنا تَائِبٌ إلى الله تِعالى منه)

ظاهِرُ كلامِ أحمدَ والْخِرَقِيِّ، أنَّ تَوْبَةَ القاذِفِ إكْذابُه نَفْسَه، فيقولُ: كَذَبْتُ فيما قلتُ.
وهذا مَنْصوصُ الشافعيِّ، واخْتيارُ الإِصْطَخْرِيِّ مِن أصْحابه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وممَّن قال هذا سَعيدُ ابنُ المُسَيَّبِ، وطاوسٌ، وعَطاءٌ، والشعبيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو

..................................  عُبَيْدٍ 1؛ لِما رُوِىَ عن الزُّهْرِىِّ، عن سَعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، عن عُمرَ، عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال، في قولِ اللهِ تعالَى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ 2. قال: «تَوْبَتُهُ إكْذَابُ نَفْسِهِ» 3. ولأنَّ عِرْضَ المقْذُوفِ يُلَوَّثُ بقَذفِه، فإكْذَابُه نفْسَه يُزيلُ ذلك التَّلْوِيثَ، فتكونُ التَّوْبةُ به 4. وذكرَ القاضي أنَّ القَذْفَ إن كان سَبًّا، فالتَّوْبةُ منه إكْذَابُ نَفْسِه، وإن كانَ شَهادةً، فالتَّوْبةُ منه أن يقولَ: القَذْفُ حرامٌ باطِلٌ، ولَنْ أعُودَ إلى ما قلتُ.
وهذا قولُ بعضِ أصْحابِ الشافعيِّ.
قال: وهو المذهبُ؛ لأنَّه قد يكونُ صادِقًا، فلا يُؤْمَرُ بالكَذِبِ، والخبَرُ مَحْمولٌ على الإِقْرارِ بالبُطْلانِ؛ لأنَّه نوعُ إكْذَابٍ.
قال شَيْخُنا 5: والأَوْلَى أنَّه متى عَلِمَ مِن نَفْسِه الصِّدْقَ فيما قَذفَ به، فتَوْبَتُه الاسْتِغْفارُ، والإِقْرارُ ببُطْلانِ ما قالَه وتَحْرِيمِه، وأنَّه لا يَعودُ إلى مِثْلِه.

..................................  وإن لم يَعْلَمْ صِدْقَ نفْسِه، فتَوْبَتُه إكْذابُ نفْسِه، سواءٌ كان القَذْفُ بشهَادَةٍ أو سَبٍّ 1؛ لأنَّه قد يكونُ كاذِبًا في الشَّهادَةِ، صادِقًا في السَّبِّ 2. ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ اللهَ تعالى سَمَّى القاذِفَ كاذِبًا [إذا لم يَأْتِ بأَرْبَعَةِ شُهَداءَ] 3 على الإِطْلاقِ، بقوْلِه سبحانه: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 4. فتَكْذيبُ الصَّادِقِ نفْسَه يَرْجِعُ إلى أنَّه كاذِبٌ في حُكْمِ اللهِ تِعالى، وإنْ كان في نفسِ الأمْرِ صادِقًا.

فَصْلٌ: وَلَا يُعْتَبَرُ فِى الشَّهَادَةِ الْحُرِّيَّةُ، بَلْ تَجُوزُ شَهَادَةُ الْعَبْدِ فِى كُلِّ شَىْءٍ، إِلَّا فِى الْحُدُودِ وَالقِصَاصِ، عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْأَمَةِ فِيمَا تَجُوزُ فِيهِ شَهَادَةُ النِّسَاءِ.
فصل: قال الشيخ، رَحِمَه اللهُ: (ولا يُشْتَرَط في الشَّهادةِ الحُرِّيَّةُ، بل تَجُوزُ شَهادةُ العَبْدِ في كُلِّ شئٍ، إِلَّا في الحُدودِ والقِصاصِ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْنِ.
وتجوزُ شَهادةُ الأمَةِ فيما تجوزُ فيه شَهادةُ النِّساءِ) الكلامُ في هذه المسْألَةِ في ثلاثةِ فُصُولٍ؛ أحدُها: في قَبولِ شَهادةِ العَبْدِ فيما عدا الحُدُودَ والقِصاصَ، والمذهبُ أنَّها مَقْبولةٌ.
رُوِىَ ذلك عن عليٍّ، وأنَسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما.
قال أنَسٌ: ما عَلِمْتُ أنَّ أحَدًا رَدَّ شَهادةَ العبدِ.
وبه قال عُرْوَة، وشُرَيْحٌ، وإياسٌ، وابنُ سِيرِينَ، والبَتِّيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وداودُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مُجاهِدٌ، والحسنُ، وعَطاءٌ، ومالِكٌ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ،

..................................  والشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ: لا تُقْبَلُ شَهادَتُه؛ لأنَّه غيرُ ذِى مُروءةٍ، ولأنَّها مَبْنِيَّةٌ على الكَمالِ لا تَتَبَعَّضُ، فلم يَدْخُلْ فيها 1 العَبْدُ، كالمِيراثِ.
وقال الشَّعْبِيُّ 2، والنَّخَعِيُّ، والحَكَمُ: تُقْبَلُ في الشئِ اليسيرِ.
ولَنا، عُمومُ آياتِ الشَّهادةِ، وهو داخِلٌ فيها؛ فإنَّه مِن رِجالِنا، وهو عَدْلٌ تُقْبَلُ رِوايَتُه وفُتْياه وأخْبارُه الدِّيِنِيَّةُ.
ورَوَى عُقْبَةُ بنُ الحارِثِ، قال: تَزَوَّجْتُ أُمَّ يحيى بنتَ أبي إهابٍ، فجاءَتْ أَمَةٌ سَوداءُ، فقالتْ: قد أرْضَعْتُكما.
فذَكَرْتُ ذلك لرَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «كَيْفَ وقَدْ زَعَمَتْ ذَلِكَ؟».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وفى رِوايةِ أبي داودَ، فقُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّها لَكاذِبَةٌ.
فقال: «وَمَا يُدْرِيكَ، وقَدْ قَالَتْ مَا قَالَتْ؟ دَعْهَا عَنْكَ».
ولأنَّه عَدْلٌ غيرُ مُتَّهَمٍ، فتُقْبَلُ شَهادتُه، كالحُرِّ.
وقولُهم: ليس له مُروءَةٌ.
مَمْنوعٌ، بل هو كالحُرِّ يَنْقَسِمُ إلى مَن له مُروءةٌ، ومَن لا مُروءَةَ له، وقد يكونُ منهم العُلَماءُ والأُمَراءُ والصَّالِحونَ والأتْقِياءُ.
سُئِلَ إياسُ بنُ مُعاوِيةَ عن شَهادةِ العَبْدِ، فقال: أنا أرُدُّ شَهادةَ عبدِ العزيزِ بنِ صُهَيْبٍ 4! وكان منهم

..................................  [زِيادٌ مَوْلَى ابنِ عَيَّاشٍ] 1، من العُلَماءِ الزُّهَّادِ، كان عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ يَرْفَعُ قَدْرَه، ويُكْرِمُه.
ومنهم عِكْرِمَةُ مَوْلى ابنِ عبَّاسٍ، مِن العُلَماءِ الثِّقاتِ.
وكثيرٌ مِن الموالِى كانوا عَبِيدًا أو أبْناءَ عَبِيدٍ، لم يَحْدُثْ فيهم بالإِعْتاقِ إلَّا الحُرِّيَّةُ، وهى لا تُغَيِّرُ طَبْعًا، ولا تُحْدِثُ عِلْمًا، ولا دِينًا، ولا مُروءَةً، ولا يُقْبَلُ منهم إلَّا مَن كان ذَا مُروءَةٍ.
ولا يَصِحُّ قِياسُ الشَّهادةِ على المِيراثِ؛ فإنَّ المِيراثَ خِلافَةٌ للمَوْروثِ في مالِه وحُقوقِه، والعَبْدُ لا يُمْكِنُه الخِلافَةُ؛ لأنَّ ما يَصِيرُ إليه يَمْلِكُه سَيِّدُه، فلا يُمْكِنُ أنْ يَخْلُفَ فيه، ولأنَّ المِيراثَ يَقْتَضِى التَّمْلِيكَ، والعَبْدُ لا يَمْلِكُ، ومَبْنَى الشَّهادةِ على العَدالَةِ التى هى مَظِنَّةُ الصِّدْقٍ، وحُصولِ الثِّقَةِ مِن القَوْلِ، والعبدُ أهلٌ لذلك، فوجَبَ أنْ تُقْبَلَ شَهادتُه.

..................................  الفصلُ الثاني: أنَّ شهادتَه لا تُقْبَلُ في الحُدودِ، وفي القِصاصِ احْتِمالان؛ أحدُهما، تُقْبَلُ شهادَتُه فيه؛ لأنَّه حَقُّ آدَمِيٍّ، لا يَصِحُّ الرُّجوعُ عن الإِقْرارِ به، أشْبَهَ الأمْوالَ.
والثاني، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه عُقوبَةٌ بدَنِيَّةٌ تُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فأَشْبَهَ الحدَّ وقد ذكَرْنا في هذا الكِتابِ المَشْروحِ 1، في الحدِّ، والقِصاصِ رِوايَتَيْن.
وكذلك ذكَرَه الشَّريفُ، وأبو الخَطّابِ، فإنَّهما ذكَرَا في العُقوباتِ كلِّها رِوايَتَيْن؛ إحْدَاهما، تُقْبَلُ؛ لِما ذكَرْنا، ولأنَّه رجُلٌ عَدْلٌ، فتُقْبَلُ شَهادتُه فيها، كالحُرِّ.
والثانيةُ، لا تُقْبَلُ.
وهي ظاهرُ المذهبِ؛ لأنَّ الاخْتِلافَ في قَبُولِ شهادتِه في الأمْوالِ نَقْصٌ وشُبْهَةٌ، فلم تُقْبَلْ شهادتُه فيما يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولأنَّه ناقِصُ الحالِ، فلم تُقْبَلْ شهادتُه في الحدِّ والقِصاصِ، كالمرْأةِ.
الفصلُ الثالثُ: أنَّ شَهادةَ الأمَةِ تُقْبَلُ فيما تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ، قِياسًا عليْهِنَّ، فإنَّ النِّساءَ لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُنَّ في الحُدودِ والقِصاصِ، وإنَّما

وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الأَصَمِّ عَلَى مَا يَرَاهُ، وَعَلَى المَسْمُوعَاتِ الَّتِي كَانَتْ قَبْلَ صَمَمِهِ.
وَتَجُوزُ شَهَادَةُ الْأَعْمَى فِي المَسْمُوعَاتِ، إذَا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ، وَبِالِاسْتِفَاضَةِ.
تُقْبَلُ في المالِ أو شِبْهِه، والأمَةُ كالحُرَّةِ فيما عداهما، وقد دَلَّ عليه حديثُ عُقبَةَ بنَ الحارِثِ (1). وحُكْمُ المُكاتَبِ والمُدَبَّرِ وأمِّ الوَلَدِ والمُعْتَقِ بعضُه، حكمُ القِنِّ فيما ذكَرْنا؛ لأنَّ الرِّقَّ فيهم، وقد رُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه لا تجوزُ شَهادةُ المُكاتَبِ.
وبه قال عَطاءٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ.
ولَنا، ما ذكَرْناه في العبدِ، ولأنَّه إذا ثبَتَ الحُكْمُ في القِنِّ، ففى هؤلاء أَوْلَى.
فصل: (وتَجُوزُ شَهادَةُ الأصَمِّ) في المَرْئِيَّاتِ (وعلى المَسْمُوعاتِ قبلَ صَمَمِهِ) أمَّا شهادَتُه على المَرْئِيَّاتِ، فهو فيها كالذي يَسْمَعُ، فَتُقْبَلُ شَهادَتُه فيها، وتَجُوزُ شهادَتُه في المَسْمُوعاتِ التى كانَتْ قبلَ صَمَمِهِ، كما تجوزُ شهادةُ الأعْمَىِ على الأفْعالِ التى رَآهَا قبلَ العَمَى، إذا عَرَفَ المَشْهودَ عليه باسْمِه ونسَبِهِ.

5050 -

مسألة: (وتجُوزُ شَهادَةُ الأعْمَى في المَسْمُوعاتِ، إذا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ، وبالاسْتِفاضَةِ)

رُوِىَ هذا عن عليٍّ، وابنِ عباسٍ.
وبه1

..................................  قال ابنُ سِيرِينَ، وعَطاءٌ، والشعْبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، وابنُ أبي ليلَى، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: لا تُقْبَلُ شَهادتُه.
ورُوِىَ ذلك عن النَّخَعِيِّ، وأبي هاشمٍ 1. واخْتُلِفَ فيه عن الحسنِ، وإياسٍ، وابنِ أبي ليلَى.
وأجازَ الشافعيُّ شَهادَتَه بالاسْتِفاضَةِ والتَّرْجَمَةِ، و 2 إذا أقَرَّ عندَ أُذُنِه ويَدُ الأعْمَى على رَأْسِه، ثم ضَبَطَه حتى حضَرَ عندَ الحاكمِ، فشَهِدَ عليه، ولم يُجِزْها في غيرِ ذلك؛ لأنَّ مَن لا تجوزُ شَهادتُه على الأفْعالِ، لا تجوزُ على الأقْوالِ، كالصَّبِىِّ، ولأنَّ الأصْواتَ تَشْتَبهُ، فلا يحْصُلُ اليَقِينُ، فلم يَجُزْ إنْ يشْهَدَ بها، كالخَطِّ.
ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ﴾ 3. ولأنَّه رَجُلٌ عَدْلٌ مَقْبولُ الرِّوايةِ، فقُبِلَتْ شَهادتُه، كالبَصِيرِ، وفارَقَ الصَّبِيَّ؛ فإنَّه ليس برَجُلٍ ولا عَدْلٍ ولا مَقْبولِ الرِّوايَةِ، ولأنَّ السَّمْعَ أحدُ الحَواسِّ التى يَحْصُلُ بها اليَقِينُ، وقد يكونُ المشْهودُ عليه 4 ممَّن ألِفَه الأعْمَى، وكَثُرَتْ صُحْبَتُه له، وعَرَفَ صَوْتَه يَقِينًا، فلا يَشُكُّ فيه، فوجَبَ أن تُقْبَلَ شَهادتُه فيما تَيَقَّنَه، كالبَصِيرِ، [ولا سَبِيلَ إلى إنْكارِ حُصُولِ اليَقِينِ في بعضِ الأحْوالِ، قال قَتادَةُ: للسَّمْعِ قِيافَةٌ كقِيافَةِ] 5

وَتَجُوزُ فِى الْمَرْئِيَّاتِ الَّتِى تَحَمَّلَهَا قَبْلَ الْعَمَى، إِذَا عَرَفَ الفَاعِلَ بِاسْمِهِ وَنَسَبِهِ، وَمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ.
البَصَرِ (1). ولهذا أجازَ الشافعيُّ وأصْحابُه شَهادَتَه بالاسْتفاضَةِ، ولا تَثْبُتُ عندَهم حتى يَسْمَعَها مِن عَدْلَيْنِ، ولا بُدَّ أن يَعْرِفَهما حتى يَعْرِفَ عَدَالَتَهما، فإذا صَحَّ أن يَعْرِفَ الشّاهِدَيْنِ، صَحَّ أنْ يَعْرِفَ المُقِرَّ.
ولا خِلافَ في قَبُولِ رِوايَتِه، وجَوازِ اسْتِماعِه مِن زَوْجَتِه إذا عَرَفَ صَوْتَها، وصِحَّةِ قَبُولِ النِّكاحِ، وجوازُ اشْتِباهِ الأصْواتِ كجَوازِ اشْتِباهِ الصِّفَةِ، وفارَقَ الأفْعالَ، فإن مُدْرَكَها الرُّؤْيَةُ، وهى غيرُ مُمْكِنَةٍ مِن الأعْمَى، والأقْوالُ مُدْرَكُها السَّمْعُ، وهو يُشارِكُ البَصِيرَ فيه، ورُبَّما زادَ عليه، ويُفارِقُ الخَطَّ، فإنَّه لو تَيَقَّنَ مَن كَتَبَ الخَطَّ، أو رآهُ يَكْتُبُه، لم يَجُزْ أن يشْهَدَ بما كَتَبَ فيه.
إذا ثبتَ هذا، فإنَّه لا يجوزُ أن يَشْهَدَ إلَّا إذا تَيَقَّنَ الصَّوْتَ، وعَلِمَ المشْهودَ عليه يَقِينًا.
فإن جَوَّزَ أن يكونَ صَوْتَ غيرِه، لم يَجُزْ أن يَشْهَدَ به، كما لو اشْتَبَهَ على البَصِيرِ المشْهودُ عليه فلم يَعْرِفْه.

5051 -

مسألة: (وتَجُوزُ في المرْئِيّاتِ التى تَحَمَّلَهَا قَبْلَ العَمَى، إذا عَرَفَ الفاعِلَ باسْمِهِ ونسَبِه وما يَتَمَيَّزُ به)

وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تجوزُ شَهادَتُه أصْلًا 2؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يكونَ حاكِمًا.1

فَإنْ لَمْ يَعْرِفْهُ إلَّا بِعَيْنِهِ، فَقَالَ الْقَاضِي: تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ أَيْضًا، وَيَصِفُهُ لِلْحَاكِمِ بمَا يَتَمَيَّزُ بِهِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا تَجُوزَ؛ لِأنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَنْضَبِطُ غَالِبًا.
ولَنا، ما تقَدَّمَ في المسْألةِ قبلَها، ولأنَّ العَمَى فَقْدُ حاسَّةٍ لا تُخِلُّ بالتَّكْليفِ، فلم يَمْنَعْ قَبُولَ الشَّهادةِ، كالصَّمَمِ، وفارَقَ الحُكْمَ، فإنَّه يُعْتَبَرُ له مِن شُروطِ الكَمالِ ما لا يُعْتَبَرُ للشَّهادةِ، ولذلك يُعْتَبَرُ له السَّمْعُ والاجْتِهادُ (1) وغيرُهما.

5052 -

مسألة: (فإن لم يَعْرِفِ المَشْهُودَ عليه)

باسْمِهِ ونسَبِه، ولم يَعْرِفْهُ (إلَّا بعَيْنِه، قُبِلَتْ شَهَادَتُه أيضًا) لِما ذَكَرْنا في الْمَسْأَلَةِ الأُولَى.
وهذا قولُ القاضي (ويَصِفُه للحاكمِ بما يتَمَيَّزُ به) قال شيْخُنا: (ويَحْتَمِلُ أن لا تُقْبَلَ؛ لأنَّ هذا ممَّا لا ينْضَبِطُ غالِبًا).1

وَإِنْ شَهِدَ عِنْدَ الْحَاكِمِ، ثُمَّ عَمِىَ، قُبِلَتْ شَهَادَتُهُ، وَجْهًا وَاحِدًا.
وَشَهَادَةُ وَلَدِ الزِّنَى جَائِزَةٌ فِى الزِّنَى وَغَيْرِهِ.

5053 - مسألة: (وإن شَهِدَ عندَ الحَاكِمِ، ثم عَمِىَ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُ، وَجْهًا واحِدًا)

وجَازَ الحُكْمُ بها.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يجوزُ الحُكمُ بها (1)، لأنَّه مَعْنًى يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهادةِ مع صِحَّةِ النُّطْقِ، فمنَعَ الحُكمَ بها، كالفِسْقِ.
ولَنا، أنَّه مَعْنًى طرَأَ بعدَ أداءِ الشهادةِ (1) لا يُورِثُ تُهْمَةً في حالِ الشَّهادةِ، فلم يَمْنَعْ قَبُولَها، كالموتِ، وفارَقَ الفِسْقَ؛ فإنَّه يُورِثُ تُهْمةً حالَ الشَّهادةِ.
5054 -

مسألة: (وشهادةُ وَلَدِ الزِّنَى جائِزَةٌ، فِى الزِّنَى وغيرِه)

هذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم عَطاءٌ، والحسنُ، والشعبيُّ، والزُّهْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو حنيفةَ، وأصْحابُه.1

..................................  وقال مالِكٌ، واللَّيْثُ: لا تجوزُ شَهادَتُه في الزِّنَى وَحْدَه؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ، فإنَّ العادةَ في مَن فعلَ قَبِيحًا، أنَّه يُحِبُّ أن يكونَ له نُظَراءُ 1. وحُكِىَ عن عثمانَ، أنَّه قال: وَدَّتِ الزّانِيَةُ أنَّ النِّساءَ كُلَّهُنَّ زَنَيْنَ.
ولَنا، عُمومُ الآياتِ، وأنَّه عَدْلٌ مَقْبولُ الشَّهادةِ في غيرِ الزِّنَى، فيُقْبَلُ في الزِّنَى كغيرِه، ولأنَّ مَن قُبِلَتْ شهادتُه في القَتْلِ، قُبِلَتْ في الزِّنَى، كوَلَدِ الرِّشْدَةِ 2. قال ابنُ المُنْذِرِ: وما احْتَجُّوا به غَلَطٌ مِن وُجُوهٍ؛ أحدُها، أنَّ ولدَ الزِّنَى لم يَفْعَلْ فِعْلًا 3 قَبِيحًا، يُحِبُّ أن يكونَ له نُظَراءُ (1) فيه.
والثاني، لا أعْلَمُ ما ذُكِرَ عن عثمانَ ثابِتًا عنه، وأشْبَهُ ذلك أن لا يكونَ ثابِتًا، وغيرُ جائِزٍ أن يثْبُتَ عن 4 عثمانَ كلامٌ بالظَّنِّ 5 عن ضَمِيرِ امرأةٍ لم يَسْمَعْها تَذْكُرُه.
الثالثُ، أنَّ الزَّانِىَ لو (4) تابَ، لَقُبِلَتْ شهادتُه، وهو الذى فَعَلَ الفِعْلَ القَبِيحَ، فإذا قُبِلَتْ شهادتُه مع ما ذَكَرُوه، فغيْرُه أَوْلَى؛ فإنَّه لا يجوزُ أن يَلْزَمَ ولدَه مِن وِزْرِه أكْثَرُ ممَّا لَزِمَه، ولا يتَعَدَّى الحُكْمُ إلى غيرِه مِن غيرِ أن يثْبُتَ فيه، مع أنَّ ولَدَه لا يَلْزَمُه شيءٌ مِن وِزْرِه 6؛ لقولِ اللهِ تعالى:

وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الإِنْسَانِ عَلَى فِعْلِ نَفْسِهِ؛ كَالْمُرْضِعَةِ عَلَى الرَّضَاعِ، وَالْقَاسِمِ عَلَى الْقِسْمَةِ، وَالْحَاكِمِ عَلَى حُكْمِهِ بَعْدَ الْعَزْلِ.
﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ (1).. ووَلَدُ الزِّنَى لم يَفْعَلْ شيئًا يَسْتَوْجِبُ به حُكْمًا.

5055 -

مسألة: (وتُقْبَلُ شَهادَةُ الإِنْسانِ على فِعْلِ نَفْسِهِ؛ كالمُرْضِعَةِ على الرَّضَاعِ، والقاسِمِ على القِسْمَةِ، والحَاكِمِ على حُكْمِه بعدَ العَزْلِ)

تجوزُ شهادةُ المُرْضِعَةِ على الرَّضاعِ؛ لِما ذكَرْنا مِن حديثِ عُقبةَ بنِ الحارِثِ 2، وكذلك شَهادةُ القاسِمِ على القِسْمَةِ؛ لأنَّه يشْهَدُ لغَيْرِه، فَصَحَّ على فِعْلِ نفْسِه، كما لو شَهِدَ على فِعْلِ غيرِه، وكذلك تُقْبَلُ1

..................................  شَهادة الحاكمِ على حُكْمِه بعدَ العَزْلِ؛ لذلك، وفى ذلك كلِّه اخْتِلافٌ، ذكَرْناه 1 فيما مَضَى.

وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الْبَدَوِيِّ عَلَى الْقَرَوِىِّ، وَالْقَرَوِىِّ عَلَى الْبَدَوِىِّ.
وَعَنْهُ، فِى شَهَادَةِ البَدَوِىِّ عَلَى الْقَرَوِىِّ: أَخْشَى أَنْ لَا تُقْبَلَ.
فَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنَ.

5056 - مسألة: (وَتُقْبَلُ شَهادَةُ البدَوِىِّ على الْقَرَوِىِّ، والقَرَوِىِّ على البَدَوِىِّ)

إذا اجْتَمَعَتِ الشُّرُوطُ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قولُ ابنِ سِيرِينَ، وأبي حنيفةَ، والشافعيِّ، وأبي ثورٍ.
واختارَه 1 أبو الخَطَّابِ (وعن أحمدَ، في شَهادةِ البَدَوِىِّ على القَرَوِيِّ: أخْشَى أن لا تُقْبَلَ.
فيَحْتَمِلُ وَجْهَيْن) أحدُهما، لا تُقْبَلُ.
وهو قولُ جَماعةٍ مِن أصْحابِنا، ومذْهبُ أبي عُبَيْدٍ.
وقال مالكٌ كقَوْلِ أصْحابِنا، فيما عَدا

..................................  الجِراحَ، وكقولِ الباقِينَ [في الجِراحِ] 1؛ احْتِياطًا للدِّماءِ.
واحْتَجَّ أصْحابُنا بما رَوَى أبو داودَ في «سُنَنِه» 2، عن أبي هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا تَجُوزُ شَهادَةُ بَدَوِىٍّ عَلَى صَاحِبِ قَرْيَةٍ».
ولأنَّه مُتَّهَمٌ، حيثُ عَدَلَ [عن 3 أن يُشْهِدَ] 4 قَرَوِيًّا وأشْهَدَ بَدَوِيًّا.
قال أبو عُبَيْدٍ: ولا أرَى شَهادَتَهم رُدَّتْ إلَّا لِما فيهم 5 مِن الجَفَاءِ بحُقوقِ اللهِ، والجَفَاءِ في الدِّينِ.
والثاني، تُقْبَلُ؛ لأنَّ مَن قُبِلَتْ شَهادَتُه على أهْلِ [البلدِ، وقُبِلَتْ شَهادتُه على] 6 البَدْوِ، قُبِلَتْ شَهادتُه علىِ أهْلِ القُرَى، ويُحْمَلُ الحدِيثُ على مَن لم تُعْرَفْ عدَالته مِن أهلِ البَدْوِ، ونخُصُّه

..................................  بهذا؛ لأنَّ الغالِبَ أنْ لا يكونَ له مَن يَسْألُه الحاكمُ، فيَتَعَرَّفُ عَدالتَه.

بَابُ مَوَانِع الشَّهَادَةِ

وَيَمْنعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ خَمْسَةُ أَشْيَاءَ؛ أَحدُهَا، قَرَابَةُ الْوِلَادَةِ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ وَالِدٍ لِوَلَدِهِ، وَإِنْ سَفُلَ، وَلَا وَلَدٍ لِوَالِدِهِ، وَإِنْ عَلَا، فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ.
وَعَنْهُ، تُقْبَلُ فِيمَا لَا يَجُرُّ بِهِ نَفْعًا غَالِبًا، نَحْوَ أَنْ يَشْهَدَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ بِعَقْدِ نِكَاحٍ، أَوْ قَذْفٍ.
وَعَنْهُ، تُقْبَلُ شَهَادَةُ الوَلَدِ لِوَالِدِهِ،  باب موانعَ الشَّهادَةِ (ويَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهادةِ خَمسةُ أشْياءَ؛ أحدُها، قَرابَةُ الوِلادَةِ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ وَالدٍ لوَلَدِه، وإن سَفُلَ، ولا وَلَدٍ لوالِدِه، وإن عَلا) ظاهِرُ المذهبِ أنَّ شَهادةَ الوالِدِ لولدِه لا تُقْبَلُ، ولا لِولَدِ وَلَدِه، وإن سَفُلَ، وسَواءٌ في ذلك وَلَدُ البَنِينَ وولدُ البَناتِ.
ولا تُقْبَلُ شَهادةُ الولَدِ لوالدِه، ولا والِدَتِه، ولا جَدِّه، ولا جَدَّتِه مِن قِبَلِ أبِيه وأُمِّه وإن عَلَوا، وسَواءٌ في ذلك الآباءُ والأُمَّهاتُ، وآباؤُهُما وأُمَّهاتُهما.
وبه قال شُرَيْحٌ،

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ.
والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ.
ورُوِىَ عن أحمدَ رِوايةٌ ثانِيةٌ، تُقْبَلُ شَهادةُ الابْنِ لأبيه، ولاتُقْبَلُ شَهادةُ الأبِ لابْنِه؛ لأنَّ مالَ الابْنِ في حُكْمِ مالِ الأبِ، له أَن يَتَمَلَّكَه إذا شاءَ، فشهادتُه له شَهادةْ لنَفْسِه، أو يَجُرُّ بها لنَفْسِه نَفْعًا، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أنْتَ وَمَالُكَ لِأَبِيكَ» 1. وقال: «إنَّ أطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِه، وَإنَّ أَوْلَادَكُمْ مِنْ أَطْيَبِ 2 كَسْبِكُمْ،

جارٍ التحميل