الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 361-403

وَهُوَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وَتَسْبِيلُ الْمَنْفَعَةِ.
كتابُ الوَقْفِ (وهو تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعةِ) وهو مُسْتَحَبٌ.
والأصْلُ فيه ما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ، قال: أصابَ عُمَرُ أرْضًا بخيبرَ، فأتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْتَأمِرُه فيها، فقال: يا رسولَ الله إنِّي أصَبْتُ أرْضًا بخَيبَرَ، لم أُصِبْ قَطُّ مالًا أنْفَسَ عِنْدِي منه، فما تَأمُرُنِي فيه؟ قال: «إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا، وتَصَدَّقْتَ بِها، غَيرَ أنَّه لَا يُبَاعُ أصْلُهَا، ولا يُبْتَاعُ، وَلَا يُوهَبُ، وَلَا يُورَثُ».
قال: فتَصَدَّقَ بها عُمَرُ في الفُقَراءِ، وذَوي القُرْبَى، والرِّقابِ، وابْنِ السَّبِيلِ، والضَّيفِ، لا جُنَاحَ على مَن وَلِيَها أن يَأكلَ منها، أو يُطْعِمُ صَدِيقًا بالمَعْرُوفِ، غَيرَ مُتَأثِّلٍ فيه، أو غيرَ مُتَمَوِّلٍ فيه.

..................................  مُتَّفَقٌ عليه 1. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذَا مَاتَ ابْنُ آدَمَ، انْقَطَعَ عَمَلُه إلَّا مِنْ ثَلَاثٍ؛ صَدَقَةٍ جَارِيَةٍ، أو عِلْمٍ يُنْتَفَعُ بِهِ مِنْ بَعْدِه، أوْ وَلَدٍ صَالِح يَدْعُو لَهُ».
قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورَواه مسلمٌ 2. فصل: والقولُ بصِحَّةِ الوَقْفِ قولُ أكثرَ أهْلِ العِلْمِ مِن السَّلَفِ ومَن بعدَهم.
قال جابِرٌ: لم يَكُنْ أحَدٌ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ذو مَقْدِرَةٍ إلَّا وَقَف.
ولم يَرَه شُرَيحٌ، وقال: لا حَبْسَ عن فرائِضِ اللهِ.
قال أحمدُ: هذا مَذْهَبُ أهْلِ الكُوفةِ.
وحَدِيثُ ابنِ عُمَرَ حُجةٌ على مَن خالفَه، وهو صَرِيحٌ في الحُكْمِ مع صِحَّتِه، وقولُ جابِرٍ نَقْلٌ للإِجْماعِ، فلا يُلْتَفَتُ إلى خِلافِ ذلك.

وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أنهُ يَحْصُل بِالقوْلِ والفِعْلِ الدَّال عَلَيهِ؛ مِثْلَ أنْ يبنِيَ مَسْجِدًا وَيَأذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، أوْ يَجْعَلَ أرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، أوْ سِقَايَةً وَيَشرَعَهَا لَهُمْ.
وَالأُخْرَى، لَا يَصِحُّ إلَّا بِالْقَوْلِ.

2553 - مسألة: (وَفِيهِ رِوَايَتَانِ؛ إحْدَاهُمَا، أنهُ يَحْصُل بِالقوْلِ والفِعْلِ الدَّال عَلَيهِ؛ مِثْلَ أنْ يبنِيَ مَسْجِدًا وَيَأذَنَ لِلنَّاسِ بِالصَّلَاةِ فِيهِ، أوْ يَجْعَلَ أرْضَهُ مَقْبَرَةً وَيَأذَنَ لَهُمْ فِي الدَّفْنِ فِيهَا، أوْ سِقَايَةً وَيَشرَعَهَا لَهُمْ)

ظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ الوَقْفَ يَحْصُلُ بالفِعْلِ مع القَرائِنِ الدّالَّةِ عليه التي ذكرناها.
قال أحمدُ في روايةِ أبي داودَ، وأبي طالبٍ، في مَن أدْخَلَ بَيتًا في المَسْجِدِ وأذِن فيه: لم يَرْجِعْ فيه.
وكذلك إذا اتَّخَذَ المَقابِرَ وأذِن للناسِ، والسِّقايَةَ، فليس له الرُّجُوعُ.
هذا قولُ أبي حنيفةَ.
(و) الرِّواية (الأخْرَى، لا يَصِحُّ إلَّا بالقَوْلِ) ذَكَرَها القاضي.
وهو مَذْهَبُ الشافعي.
وأخَذَه القاضي مِن قولِ أحمدَ، إذ سَألَه الأثْرَمُ عن رجلٍ أحاطَ حائِطًا على أرْض ليَجْعَلَها مَقْبَرَةً، ونَوَى بقَلْبِه، ثم بَدا له العَوْدُ؟ فقال: إن كان جَعَلَها

..................................  للهِ فلا يَرْجِعُ.
قال شيخُنا 1: وهذا لا يُنافِي الرِّوايةَ الأولَى، فإنَّه إن 2 أرادَ بقَوْلِه: إن كان جَعَلَها للهِ.
أي نَوَى بتَحْويطِها جَعْلَها للهِ، فهذا تَأكيدٌ للرِّوايةِ الأولَى وزِيادَةٌ عليها، إذ مَنَعَه مِن الرُّجُوعِ بمُجَرَّدِ التَّحْويطِ مع النِّيَّةِ، وإن أرادَ بقَوْلِه: جَعَلَها للهِ.
أي اقْتَرَنَتْ بفِعْلِه قَرائِنُ دالَّةٌ على إرادَةِ ذلك مع إذْنِه للناسِ في الدَّفْنِ فيها، فهو الرِّوايَةُ الأولَى بعَينها، وإن أرادَ: إذا وَقَفَها بقولِه.
فيَدُلُّ بمَفْهُومِه على أنَّ الوَقْفَ لا يَحْصُلُ بمُجَرَّدِ التَّحْويطِ والنيَّةِ، وهذا لا يُنافِي الرِّوايةَ الأولَى؛ لأنَّه في الأولَى انْضَمَّ إلى فِعْلِه إذنه للناسِ في الدَّفْنِ، ولم يُوجَدْ هاهُنا، فلا تَنافِيَ بينهما، ولم يُعْلَمْ مُرادُه مِن هذه الاحْتِمالاتِ، فانْتَفَتْ هذه الرِّوايةُ، وصارَ المذْهَبُ رِوايةً واحِدَةً.
واحْتَجُّوا بأنَّ هذا تَحْبِيسٌ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فوَجب أن لا يَصِحَّ بدُونِ اللَّفْظِ، كالوَقْفِ على الفُقَراءِ.
ولَنا، أنَّ العُرْفَ جارٍ بذلك، وفيه دَلالة على الوَقْفِ، فجاز أن يَثْبُتَ به، كالقَوْلِ، وجَرَى

..................................  مَجْرَى مَن قَدَّمَ إلى ضَيفِه طَعامًا كان إذنا في أكْلِه، ومَن مَلأ خابِيَةَ ماءٍ على الطَّرِيقِ كان تَسْبِيلًا له، ومَن نَثَر نِتارًا كان إذنا في أخْذِه، كذلك دُخُولُ الحَمّام واسْتِعْمالُ مائِه مِن غيرِ إذنٍ مُباحٌ بدَلالةِ الحالِ.
وقد ذَكَرْنا في البَيعِ أنَّه يَصِحُّ بالمُعاطاةِ، وكذلك الهِبَةُ والهَدِيَّةُ؛ لدَلالةِ الحالِ، كذلك هذا.
وأمّا الوَقْفُ على المَساكِينِ، فلم تَجْرِ به عادَة بغيرِ لَفْظٍ، ولو كان شيءٌ جَرَتْ به العادَة أو دَلَّتِ الحالُ عليه، كان كمَسْألتِنا.

وَصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وَحَبَّسْتُ، وَسَبَّلْتُ.
وَكِنَايَتُهُ: تَصَدَّقْتُ، وَحَرَّمْتُ، وَأبدتُ.
فَلَا يَصِح الْوَقْفُ بِالْكِنَايَةِ إِلا أنْ يَنْويَهُ، أوْ يَقْرِنَ بِهَا أحَدَ الألفَاظِ الْبَاقِيَةِ، أوْ حُكْمَ الْوَقْفِ، فيَقُولَ: تَصَدَّقْتُ

2554 - مسألة: (وصَرِيحُه: وَقَفْتُ، وسَبَّلْتُ، وحَبَّسْتُ)

فمتى أتَى بواحِدَةٍ منها، صار وَقْفًا مِن غيرِ انْضِمامِ أمْر زائِدٍ؛ لأنَّ هذه الألْفاظَ ثَبَت لها عُرْفُ الاسْتِعْمالِ بينَ الناسِ، وانْضَمَّ إلى ذلك عُرْفُ الشَّرْعِ، بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعُمَرَ: «إنْ شِئْتَ حَبَّسْتَ أصْلَهَا، وَسَبَّلْتَ ثَمَرَتَها» 1. فصارَتْ هذه الألْفاظُ في الوَقْفِ كلَفْظِ التَّطْلِيقِ في الطَّلاق.
والكِنايَةُ (تَصَدَّقْتُ، وحَرَّمْتُ، وأبَدْتُ) فليست صَرِيحةً؛ لأنَّ لَفْظَةَ الصَّدَقَةِ والتَّحْرِيمِ مُشْتَرَكَة، فإن الصَّدَقَةَ تُسْتَعْمَلُ في الزكاةِ والهِباتِ، والتَّحْرِيمَ يُسْتَعْمَلُ في الظِّهارِ والأيمانِ، ويَكونُ تَحْرِيمًا على نَفسِه وعلى غيرِه، والتَّأبِيدَ يَحْتَمِلُ تَأبِيدَ التَّحْرِيمِ، وتَأبِيدَ الوَقْفِ، فلم يَثْبُتْ لهذه الألْفاظِ عُرْفُ الاسْتِعْمالِ، فلا يَصِحُّ الوَقْفُ بمُجَرَّدِها، ككِناياتِ

صَدَقَةً مَوْقُوفَةً، أو مُحَبَّسَةً، أوْ مُسَبَّلَةً، أو مُحَرَّمَةً، أو مُؤبّدَةً، أو لَا تُبَاعُ، وَلَا تُوهَبُ، وَلَا تُورَثُ.
الظِّهارِ.
فإذا انْضَمَّ إليها أحَدُ ثَلاثةِ أشْياءَ، حَصَل الوَقف بها؛ أحَدُها، أن يَنْوِيَ الوَقف، فيكونَ على ما نَوَى، إلَّا أنَّ النيةَ تَجْعَله وَقْفًا في الباطِنِ دُونَ الظّاهِرِ؛ لعَدَمِ الاطِّلاعِ عليها، فإنِ اعْتَرَفَ بما نَواهُ، لَزِم في الحُكْمِ؛ لظُهُورِه، وإن قال: ما أرَدْتُ الوَقف.
فالقول قولُه؛ لأنَّه أعْلَمُ بما نَوَى.
الثاني، أن يُضِيفَ إليها لَفْظَةً تُخَلِّصُها مِن الألْفاظِ الخَمْسَةِ، (فيقولَ: صَدَقَة مَوْقُوفَة، أو مُحَبَّسَة، أو مُسَبَّلَةٌ، أو مُؤبَّدَة، أو مُحَرَّمَةٌ) أو يقولَ: هذه مُحَرَّمَةٌ مَوْقُوفَة، أو مُحَبَّسَة، أو مُسَبَّلَةٌ، أو مُؤبَّدَةٌ.
الثالثُ، أن يَصِفَها بصِفاتِ الوَقْفِ، فيقولَ: صَدَقَة (لا تُباعُ، ولا تُوهَبُ، ولا تُورَثُ) لأنَّ هذه القَرِينَةَ تُزِيلُ الاشْتِراكَ.

وَلَا يَصِحُّ إلا بِشرُوطٍ أرْبَعَةٍ؛ أحَدهَا، أنْ يَكونَ فِي عَين يَجُوز بَيعُهَا وَيمْكِنُ الانْتِفَاعُ بِهَا دَائِمًا مَعَ بَقَاءِ عَينهَا؛ كَالْعَقَارِ، وَالْحَيَوَانِ، وَالْأثَاثِ، وَالسِّلَاحِ.

2555 - مسألة: (ولا يَصِحُّ)

الوَقْفُ (إلَّا بشُرُوطٍ أرْبعةٍ؛ أحدُها، أن يكونَ في عَين يَجوزُ بَيعُها ويُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها دائِمًا مع بَقاءٍ عَينها؛ كالحَيَوانِ، والعَقارِ، والأثاثِ، والسِّلاح) وجملةُ ذلك، أن

..................................  الذي يَصِحُّ وَقْفُه ما جاز بَيعُه مع بَقاءِ عَينه، وكان أصْلًا يَبْقَى بَقاءً مُتَّصِلًا؛ كالعَقارِ، والحَيَوانِ، والسِّلاحِ، والأثاثِ، وأشْباهِ ذلك.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ الأثْرَم: إنَّما الوَقْفُ في الدُّورِ والأرَضِينَ، على ما وَقَف أصْحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وقال في مَن وَقَف خمْسَ نَخَلاتٍ على مَسْجِدٍ: لا بَأسَ به.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو يُوسُفَ: لا يَجوزُ وَقْفُ الحَيوانِ، ولا الرَّقِيقِ، ولا العُرُوضِ إلَّا الكُراعَ 1، والسِّلاحَ، والغِلْمانَ، والبَقَرَ، والآلةَ في الأرْضِ المَوْقُوفَةِ تَبَعًا لها؛ لأنَّ هذا حَيوانٌ لا يُقاتَلُ عليه، فلم يَجُزْ وَقْفُه، كما لو كان الوَقْفُ إلى مُدَّةٍ.
وعن مالكٍ في الكُرَاعِ والسِّلاحِ رِوايتان.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أما خَالِدٌ فإنَّه قَدِ احْتَبَسَ أدرَاعَهُ واعْتَادَهُ في سَبِيلِ اللهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2، وفي روايةٍ «أعتُدَهُ».

..................................  أخْرَجَه البُخارِيّ.
قال الخَطّابي 1: الأعْتادُ ما يُعِدُّه الرجل مِن مَرْكُوبٍ وسِلاحٍ وآلةِ الجهادِ.
ورُوِيَ أنَّ أمَّ مَعْقِل جاءتْ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبا مَعْقِلٍ جَعَل ناضِحَه في سَبِيلِ اللهِ، وإنِّي أرِيدُ الحَجَّ، أفَأرْكَبُه؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ارْكَبِيهِ، فإنَّ الحَجَّ والعُمْرَةَ مِنْ سَبِيلِ اللهِ» 2. ولأنَّه يَحْصُلُ فيه تَحْبِيس الأصْلِ وتَسْبِيل المَنْفَعَةِ، فصَحَّ وَقْفُه، كالعَقارِ والفَرَسِ الحَبِيسِ، أو نقولُ: يَصِحُّ وَقْفُه مع غيرِه، فَصَح وَحْدَه، كالعَقارِ.
فصل: قال أحمد، رحمه الله، في رجل له دارٌ في الرَّبَضِ 3، أو قَطعَة، فأرادَ التَّنَزُّهَ منها، قال: يَقِفُها.
وقال: القَطائِعُ تَرْجِعُ إلى الأصْلِ.
أرادَ 4 جَعْلَها للمَساكِينِ.
فظاهِرُ هذا إباحَةُ وَقْفِ السَّوادِ، وهو في الأصْلِ وَقْف، ومعناه أنَّ وَقْفَها يُطابِقُ الأصْلَ، لا أنَّها تَصِيرُ بهذا القَوْلِ وَقْفًا.

وَيَصِحُّ وَقْف الْمُشَاعِ.

2556 - مسألة: (ويَصِحُّ وَقفُ المُشاعِ)

وبهذا قال مالك، والشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ.
وقال محمدُ بنُ الحسَنِ: لا يَصِحُّ.
وبَناه على أصْلِه في أنَّ القَبْضَ شَرْط، وهو لا يَصِحُّ في المُشاعِ.
ولَنا، أنَّ في حَدِيثِ عُمَرَ، أنَّه أصابَ مائةَ سَهْم مِن خَيبَرَ، فاسْتَأذَنَ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فيها، فأذِنَ له في وَقفِها.
وهذا صِفَةُ المُشاعِ، ولأنَّه عَقْد يَجوزُ على بعضِ الجُمْلَةِ مُفْرَدًا، فجاز عليه مُشاعًا، كالبَيعِ، ولأنَّ الوَقفَ تَحْبِيس الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، وهذا يَحْصُلُ في المُشاعِ كحُصُولِه في المُفْرَدِ 1، ولا نُسَلِّمُ اعْتِبارَ القَبْضِ، وإن سَلَّمْنا، فهو يَصِحُّ في الوَقفِ كما يَصِحُّ في البَيْعِ.

وَيَصِحُّ وَقْفُ الْحَلْي عَلَى اللُّبْسِ وَالْعَارِيةِ.
وَعَنْهُ، لَا يَصِحُّ.
فصل: وإن وقف دارَه على جهَتَين مُخْتَلِفَتَين، مثلَ أن يَقِفَها على أوْلادِه وعلى المَساكِينِ؛ نِصْفَين، أو أَثْلاثًا، أو كيفما كان، جاز.
وسواء جَعَلِ مَال المَوْقُوفِ على أوْلادِه وعلى (1) المَساكِينِ، أو على جِهَةٍ سِواهم؛ لأنه إذا جاز وَقْفُ الجُزْءِ مُفْرَدًا، جاز وَقْفُ الجُزْأْينِ.
وإن أطْلَقَ الوَقْفَ، فقال: وَقَفْتُ دارِي هذه على أوْلادِي، وعلى المَساكِينِ.
فهي بينَهما نِصْفَين؛ لأنَّ إطْلاقَ الإضافَةِ إليهما يَقْتَضِي التَّسْويَةَ بينَ الجِهَتَين، ولا تتَحَقَّقُ إلَّا بالتنصِيفِ.
وإن قال: وَقَفْتها على زَيدٍ وعَمْرو والمَساكِينِ.
فهي بينَهم أثْلاثًا.

2557 -

مسألة: (ويَصِحُّ وَقْفُ الحَلْي على اللبْسِ والعارِيَّةِ)

لأنَّ ذلك نَفْعٌ مُباحٌ مَقصُود يجوزُ أخْذُ الأجْرَةِ عليه، فصحَّ الوَقْفُ عليه، كوَقْفِ السلاح في سَبِيلَ اللهَ، ولِما روَى نافِع، قال: ابْتاعَتْ حَفْصَةُ حَلْيًا بعِشرِين ألْفًا، فحَبَّسَتْه على نِساءِ آلِ الخَطّابِ، فكانت لا تُخْرِجُ1

وَلَا يَصِحُّ الْوَقْفُ فِي الذِّمَّةِ؛ كَعَبْدٍ، وَدَارِ،  زَكاتَه.
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه (1). ولأنَّه عَينٌ يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها مع بَقائِها دائمًا، فصَحَّ وَقْفُها، كالعَقارِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه لا يَصِحُّ وَقْفُها عليه.
وأنْكَرَ الحَدِيثَ عن حَفْصَةَ في وَقْفِه.
ووَجْهُ هذه الرِّوايةِ أنَّ التَّحَلِّيَ ليس هو المَقْصُودَ الأصْلِيَّ مِن الأثْمانِ، فلم يَصِحَّ وَقْفُها عليه، كما لو وَقَف الدَّنانِيرَ والدَّراهِمَ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ؛ لِما ذَكرنا، والتَّحَلِّي مِن المَقاصِدِ المُهِمَّةِ، والعادَةُ جارِيَةٌ به، وقد اعْتَبَرَه الشَّرْعُ في إسْقاطِ الزكاةِ عن مُتَّخِذِه، وجَوَّزَ إجارَتَه لذلك.
ويُفارِقُ الدَّراهِمَ والدَّنانِيرَ، فإنَّ العادَةَ لم تَجْرِ بالتَّحَلِّي بها، ولا اعْتَبَرَ الشَّرْعُ ذلك في إسْقاطِ زَكاةٍ، ولا ضَمانِ نَفْعِه في الغَصْبِ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.

2558 -

مسألة؛ (ولا يَصِحُّ الوَقْفُ في الذِّمَّةِ؛ كعَبْدٍ، ودارٍ)

وسِلاحٍ غيرِ معيَّنٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ إبْطالٌ لمَعْنَى المِلْكِ فيه، فلم يَصِحَّ في غيرِ مُعَيَّن، كالعِتْق.1

وَلَا غَيرِ مُعَيَّن، كَأحَدِ هَذَينِ، وَلَا وَقْفُ مَا لَا يَجُوزُ بَيعُهُ، كَأمِّ الْوَلَدِ، وَالْكَلْبِ،

2559

  • مسألة: (ولا)

يَصِحُّ في (غيرِ مُعَيَّن؛ كأحَدِ هذَين) العَبْدَين؛ لأنَّه نَقْل للمِلْكِ على وَجْهِ القرْبَةِ، فلم يَصِحَّ في غيرِ مُعَيَّن، كالهِبَةَ.
2560 - مسألة: (ولا) يَصِحُّ (وَقْف) ما لا يَجُوزُ بَيعُه؛ كأمِّ الوَلَدِ، والكَلْبِ) والمَرْهُونِ، وكذلك الخِنْزِيرُ، وسائِرُ سِباعِ البَهائِم التي لا تَصْلُحُ للصَّيدِ، وجَوارِحُ الطَّيرِ التي لا يُصادُ بها؛ لأنَّه نَقْل للمِلْكِ فيها في الحياةِ، فلم يَجُزْ، كالبَيع، ولأنَّ الوَقْف تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، وما لا مَنْفَعَةَ فيه مُباحة فلا يَحْصُلُ فيه تَسْبِيلُ المَنْفَعَةِ، والكلْبُ أُبِيحَ الانْتِفاعُ به على خِلافِ الأصْلِ للضَّرُورَةِ، فلم يَجُزِ التَّوَسُّعُ فيها، والمَرْهُونُ في وَقْفِه إبْطال حَقِّ المُرْتَهِنِ منه، فلم يَجُزْ إبْطالُه.
ولا يَصِحُّ وَقْف الحَمْلِ المُنْفَرِدِ؛ لأنَّه لا يجوزُ بَيعُه.

وَمَا لَا يُنْتَفَعُ بِهِ مَعَ بَقائِهِ دَائِمًا؛ كَالْأثْمانِ، وَالمَطْعُومِ، وَالريَاحِينَ.
فصل: (ولا) يَصِحُّ وَقْفُ (ما لا يُنْتَفَعُ به مع بَقائِه دائِمًا؛ كالأثْمانِ، والمَطْعُومِ، والرَّياحِينِ) ما لا يُمْكِنُ الانْتِفاعُ به مع بَقاءِ عينه؛ كالدّارهم والدنانير، المَطعُوَم 1، والمَشْرُوب، وأشْباهه من الرَّياحِينِ، لايجوزُ وَقْفُه في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ وأهْلِ العِلْمِ، إلَّا شيئًا حُكِيَ عن مالكٍ، والأوْزاعِيِّ، في وَقْفِ الطَّعامِ، أنَّه يجوزُ.
ولم يَحْكِه أصْحابُ

..................................  مالكٍ.
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَحْبِيسُ الأصْلِ وتَسْبِيل المَنْفَعَةِ، وما لا يُنْتَفعُ به إلَّا بالإتْلافِ لا يَصِحُّ ذلك فيه.
وقيل في الدَّراهِمِ والدنانِيرِ: يَصِحُّ وَقْفُها.
عندَ مَن أجاز إجارَتَها.
ولا يَصِحُّ؛ لأن تلك المَنْفَعَةَ ليستِ المَقْصُودَ الذي خُلِقَتْ له الأثْمانُ، ولهذا لا تُضْمَنُ في الغَصْبِ، فلم يَجُزِ

..................................  الوَقْفُ له، كوقفِ الشَّجَرِ على نَشْرِ الثِّيابِ، والغَنَمِ على دَوْسِ الطِّينِ، والشَّمْعِ ليُتَجَمَّلَ به.
وكذلك 1 لا يَصِحُّ وَقْفُ الشَّمْعِ للإِشْعالِ؛ لأنَّه يَتْلَف بالانْتِفاعِ به، فهو كالمَأكَولِ.

الثَّانِي، أنْ يَكونَ عَلَى بِرٍّ؛ كَالْمَسَاكِينِ، وَالْمَسَاجِدِ، وَالْقَنَاطِرِ، وَالْأقَارِبِ، مُسْلِمِينَ كَانُوا أوْ مِنْ أهْلِ الذمَّةِ.
(الثاني، أن يكونَ على بِرٍّ، كالمَساكِينِ، والمَساجِدِ، والقَناطِرِ، والأقارِبِ مسلمين كانوا أو مِن أهْلِ الذِّمَّةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الوَقْفَ لا يَصِحُّ إلَّا على بِرٍّ أو مَعْرُوفٍ؛ كوَلَدِه 1 وأقارِبِه، والمَساجِدِ، والقَناطِرِ، وكُتُبِ الفِقْهِ والعِلْمِ، والقُرْآنِ، والسقاياتِ، والمَقابِرِ، وسبيلِ اللهِ، وإصْلاحِ الطرق، ونحو ذلك مِن القُرَبِ.
ويَصِحُّ على أهْلِ الذِّمَّةِ، لأنَّهم يَمْلِكُون مِلْكًا محْتَرَمًا، وتَجُوزُ الصَّدَقَةُ عليهم، قال اللهُ تعالى: ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيهِمْ﴾ 2. وإذا جازتِ الصدَقَةُ عليهم جاز الوَقْفُ عليهم، كالمسلمين.
ورُوِيَ أنَّ صَفِيَّةَ زَوْجَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَقَفَتْ على أخٍ لها يَهُودِيّ 3. ولأنَّ مَن جاز أن يَقِفَ عليه الذِّمِّيُّ جاز أن يَقِفَ المسْلِم عليه، كالمسْلِمِ.
ولو وَقَف على مَن يَنْزِلُ كَنائِسَهم وبِيَعَهم مِن المارَّةِ والمُجْتازِين مِن أهْلِ الذِّمَّةِ وغيرِهم، صَحَّ، لأنَّ الوَقْف عليهم لا على المَوْضِعِ.

وَلَا يَصِحُّ على الْكَنَائِس وَبُيُوتِ النَّارِ، وَكِتَابَةِ التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيل.

2561

  • مسألة: (ولا يَصِحُّ على الكَنائِسِ، وبُيُوتِ النّارِ) والبِيَعِ (وكُتُبِ التَّوْراةِ والإنْجِيلِ) لأن ذلك مَعْصِيَة، فإنَّ هذه المَواضِعَ

..................................  بُنِيَتْ للكُفْرِ، وكُتُبُهم مُبَدَّلَةٌ مَنْسُوخَةٌ، ولذلك غَضب النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على عُمَرَ حينَ رأى معه صَحِيفَة فيها شيءٌ مِنٍ التَّوْراةِ، وقال: «أفِي شَكٍّ أنتَ يَا ابْنَ الخَطَّابِ؟ ألَم آتِ بها بَيضاءَ نقِيَّة؟ لو كان أخِي مُوسَى حَيًّا مَا وَسِعَهُ إلَّا اتِّباعِي» 1. ولولا أنَّ ذلك مَعْصِيَة ما غَضِب منه.
وحُكْمُ الوَقْفِ على قَنادِيلِ البِيعَةِ وفَرْشِها ومَن يَخْدِمُها ومَن يَعْمُرُها كالوَقْفِ عليها؛ لأنَّه يُرادُ لتَعْظِيمِها.
والمُسْلِمُ والذِّمِّيُّ في ذلك سواء.
قال أحمدُ، في نَصارَى وَقَفُوا على البِيعَةِ ضِياعًا وماتُوا، ولهم أبناء نَصارَى فأسْلَمُوا، والضِّياعُ بيَدِ النَّصارَى: فلهم أخْذُها، وللمُسْلِمين عَوْنُهم حتى يَسْتَخْرِجُوها مِن أيدِيهم.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
قال شيخُنا 2: ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّ ما لا يَصِحُّ مِن المُسْلِمِ الوَقْفُ عليه، لا يَصِحُّ وَقْفُ الذِّمِّيِّ، كغيرِ

..................................  المُعَيَّنِ.
فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم: إنَّ أهْلَ الكِتابِ إذا عَقَدُوا عُقُودًا فاسِدَةً، وتَقابَضُوا، ثم أسْلَمُوا وتَرافَعُوا إلينا، لم نَنْقُضْ ما فَعَلُوه، فكيف أجَزْتُمُ الرُّجوعَ فيما وَقَفُوه على كَنائِسِهم؟ قُلْنا: الوَقْفُ ليصر بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، إنّما هو إزالةُ مِلْكٍ في المَوْقُوفِ على وَجْهِ القُرْبَةِ، فإذا لم يَقَعْ صَحِيحًا، لم يَزُلِ المِلْكُ، فبَقِيَ 1 بحالِه، كالعِتْقِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن أشْهَدَ في وَصِيَّته، أن غُلامَه فلانًا يَخْدِمُ البِيعَةَ خَمْسَ سِنِين، ثم هو حُرٌّ، ثم مات مَوْلاه وخَدَم سَنَةً، ثم أسْلَمَ، ما عليه؟ قال: هو حُرٌّ، ويَرْجِعُ على الغُلام بأجْرِ خِدْمَتِه مَبْلَغَ أرْبعِ سِنِينَ.
ورُي عنه، قال: هو حُرٌّ ساعةَ مات مَوْلاه؛ لأنَّ هذه مَعْصِيَة.
وهذه الروايَةُ أصَحُّ وأوْفَقُ لأصُولِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّ قَوْلَه: يَرْجِعُ عليه بخِدْمَتِه أرْبَعَ سِنِين.
لم يكُنْ لصِحةِ الوَصِيَّةِ 2، بل لأَنه إنَّما أعْتَقَه بعِوَض يَعْتَقِدان صِحَّتَه، فإذا تَعذَّرَ العِوَضُ بإسْلامِه، كان عليه ما يَقُومُ مَقامَه، كما لو تَزَوجَ الذِّمِّيُّ ذِميةً على ذلك ثم أسْلَمَ، فإَّنه يَجِبُ عليه المَهْرُ، كذا ههُنا يَجِبُ عليه العِوَضُ.
والأوَّلُ أوْلَى.

وَلَا عَلَى حَرْبي، وَلَا مُرْتَدٍّ.

2562 - مسألة: (ولا)

يَصِحُّ الوَقْفُ (على حَرْبِي، ولا مُرْتَد) لأنَّ أمْوالهم مُباحَةٌ في الأصْلِ، تجوزُ إزالتها، فما يَتَجَدَّدُ لهم أوْلَى، والوَقْفُ يَجِبُ أن يكونَ لازِمًا؛ لأنَّه تَحْبِيسُ الأصْلِ.

وَلَا يَصِحُّ عَلَى نَفْسِهِ، فِي إحْدَى الرِّوَايَتَينِ.

2563 - مسألة: (ولا يَصِحُّ على نَفْسِه، في إحدى الرِّوايَتَين)

فإن وَقَف على غيرِه، واسْتَثْنَى الأكْلَ منه مُدةَ حَياته، صَحَّ.
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن وَقَف على نَفْسِه، ثم على المَساكِينِ، أو على وَلَدِه، فقال في رِوايَةِ أبي طالبٍ، وقدَ سُئِل عن هذا، فقال: لا أعْرِفُ الوَقْفَ إلَّا ما أخْرَجَه للهِ تعالى أو في سَبِيله، فإذا وَقَفَه عليه حتى يَمُوتَ، فلا أعْرِفُه.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يكونُ الوَقْفُ عليه باطِلًا.
وهل يَبْطُلُ على مَن بعدَه؟ على وَجْهَين، بِناءً على الوَقْفِ المُنْقَطِعِ الابتِداءِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَقْفَ تَمْلِيك للرَّقَبَةِ أو للمَنْفَعَةِ، ولا يجوزُ أن يُمَلِّكَ الإِنْسانُ نَفْسَه مِن نَفْسِه، كما لا يجوزُ أن يَبيعَ ماله مِن نَفْسِه، ولأنَّ الوَقْفَ على نَفْسِه إنَّما حاصِلُه مَنْعُ نَفْسِه مِن التَّصَرُّفِ في رَقَبَةِ المِلْكِ،

..................................  فلم يَصِحَّ ذلك، كما لو أفْرَده بأن يقولَ: لا أبِيعُ هذا ولا أهَبُه ولا أوَرِّثُه.
ونَقَل جَماعَة أنَّ الوَقْف صَحِيح، اخْتارَ ابنُ أبي موسى.
قال ابنُ عَقِيلٍ: وهي أصَحُّ.
وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، وأبي يُوسُف، وابن سُرَيجٍ 1؛ لِما نَذْكُرُه في المَسألةِ بعدَها، ولأَنه يَصِحُّ أن يَقِفَ وَقْفًا عامًّا فيَنْتَفِعَ به، كذلك إذا خَصَّ نَفْسَه بانْتِفاعِه.
والأوّلُ أقْيَسُ.

وإنْ وَقَفَ عَلَى غَيرِهِ وَاسْتَثْنَى الْأكْلَ مِنْهُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ، صَح.
فصل: ومَن وَقَف وَقْفًا صَحِيحًا على إنْسانٍ، فقد صارَتْ مَنافِعُه جَمِيعُها للمَوْقُوفِ عليه، وزال مِلْكُه عن الواقِفِ، ومِلْكُ مَنافِعِه، فلم يَجُزْ أن يَنْتَفِعَ بشيءٍ منها.
فأمّا إن وَقَف شيئًا للمسلمين، دَخَل في جُمْلَتِهم؛ مثلَ أن يَقِفَ مَسْجِدًا، فله أن يُصَلِّيَ فيه، أو مَقْبَرَةً، فله الدَّفْنُ فيها، أو بِئْرًا للمسلمين، فله أن يَسْتَقِيَ منها، أو سِقايَةً، أو شيئًا يَعُم المسلمين، فيكونُ كأحَدِهم.
لا نَعْلَمُ في ذلك خِلافًا.
وقد رُوِيَ عن عُثْمانَ بنِ عَفّانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه سَبَّلَ بِئْرَ رُومَةَ، وكان دَلْوُه فيها كدِلاءِ المُسْلِمِين (1).

2564 -

مسألة: (وإن وَقف على غيرِه واسْتَثْنَى الأكْلَ منه مُدَّةَ

1

..................................  حَياتِه، صَحَّ) إذا وَقَف وَقْفًا على غيرِه، وشَرَط أن يُنْفِقَ منه على نَفْسِه، صَحَّ الوَقْفُ والشَّرْطُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
قال الأثْرَمُ: قِيل لأبِي عبدِ اللهِ: أشْتَرِطُ في الوَقْفِ أنِّي أنْفِقُ على نَفْسِي وأهْلِي؟ قال: نعم.
واحْتَجَّ، قال: سَمِعْتُ ابنَ عُيَينَةَ، عن ابنِ طاوُس، عن أبيه، عن حُجْر المَدَريِّ 1 أنَّ في صَدَقَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَأكلَ أهْلُه منها بالمَعْرُوفِ غيرِ المُنْكَرِ.
قال القاضي: يَصِحُّ الوَقْفُ، رِوايةً واحِدَةً؛ لأنَّ أحمدَ نصَّ عليها في رِوايةِ جَماعَةٍ.
وبذلك قال ابنُ أبِي لَيلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو يُوسُفَ، والزُّبَيرِيُّ، وابنُ سُرَيجٍ، وقال مالكٌ، والشافعيّ، ومحمدُ بنُ الحَسَنِ: لا يَصِحُّ الوَقْفُ؛ لأنَّه إزالةُ المِلْكِ، فلم يَجُزِ اشْتِراطُ نَفْعِه لنَفْسِه، كالبَيعِ والهِبَةِ، وكما لو أعْتَقَ عَبْدًا واشْتَرَطَ أن يَخْدِمَه، ولأنَّ ما يُنْفِقُه على نَفسِه مَجْهُولٌ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُه، كما لو باعَ شيئًا واشترط أن ينتفع به.
ولنا،

..................................  الخَبَرُ 1 الذي ذَكَرَه الإمامُ أحِمدُ، ولأنَّ عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، لَمّا وَقَف، قال: لا بَأسَ على مَن وَلِيَها أن يَأكُلَ منها، أو يُطْعِمَ صَدِيقًا، غيرَ مُتَمَوِّلٍ منه 2. وكان الوَقْفُ في يَدِه إلى أن مات.
ولأنه إذا وَقَف وَقْفًا عامًّا، كالمَساجِدِ، والسِّقاياتِ، والمَقابِرِ، كان له الانْتِفاعُ به، فكذلك ههُنا.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَشْتَرِطَ لنَفْسِه الانْتِفاعَ به مُدَّةَ حَياتِه، أو مُدَّةً مَعْلُومَةً مُعَيَّنةً، وسواء قَدَّرَ ما يَأكُلُ منه، أو أطْلَقَه، فإنَّ عُمَرَ لم يُقَدِّرْ ما يَاكُلُه الوالِي ويُطْعِمُ إلَّا بقَوْلِه: بالمَعْرُوفِ.
وفي حديثِ صَدَقَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه شَرَط أن يَأكل أهْلُه منها بالمَعْرُوفِ غيرِ المُنْكَرِ.
إلَّا أنَّه إذا شَرَط أن يَنْتَفِعَ بها مُدّةً مُعَيَّنة، فمات فيها، فيَنْبَغِي أن يكونَ ذلك لوَرَثَتِه، كما لو باعَ دارًا واشْتَرطَ أن يَسْكُنَها سَنَةً فماتَ في أثْنائِها.

..................................  فصل: ويَصِحُّ أن يَشتَرِطَ أن يَأكُلَ منها أهْلُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَرَط ذلك في صَدَقَتِه.
وإن شَرَط أن يَأكُلَ منه مَن وَلِيَه ويُطْعِمَ صَدِيقًا، صَحَّ؛ لأنَّ عُمَرَ شَرَط ذلك في صَدَقَتِه التي اسْتَأمَرَ فيها رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فإن وَلِيَها الواقف، كان له أن يَأكلَ ويُطْعِمَ صَدِيقًا؛ لأنَّ عُمَرَ وَلِيَ صَدَقَتَه.
وإن وَلِيَها أحَد مِن أهْلِه، فله ذلك؛ لأنَّ حَفْصَةَ بِنْتَ عُمَرَ كانت تَلِي صَدَقَتَه بعدَ مَوْتِه، ثم وَلِيَها بعدَها عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ 1. فصل: فإنِ اشْتَرَطَ أن يَبِيعَه متى شاءَ، أو يَهَبَه، أو يَرْجِعَ فيه، بَطل الوَقف والشَّرْطُ.
لا نَعْلَمُ في بُطْلانِ الشَّرْطِ خِلافًا؛ لأنَّه يُنافِي مُقْتَضَى الوَقْف.
ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ الشَّرْطُ ويَصِحَّ الوَقف، بِناءً على الشُّرُوطَ الفاسدَةِ في البَيعِ.
وإن شَرَط الخِيارَ في الوَقْف، فَسَد.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أبو يُوسُف في رِوايةٍ عنه: يَصِحُّ؛ لأنَّ الوَقف تَمْلِيكُ المَنافِعِ، فجاز شَرْطُ الخِيارِ فيه، كالإجارَةِ.
ولَنا، أنَّه شَرْط يُنافِي مُقْتَضَى العَقْدِ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَط أنَّ له بَيعَه متى شاءَ، ولأنه إزالةُ مِلْكٍ للهِ تعالى، فلم يَصِحَّ شَرْطُ الخِيارِ فيه، كالعِتْقِ، ولأنَّه ليس بعَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فلم يَصِحَّ اشْتِراطُ الخِيارِ فيه، كالهِبَةِ، بخِلافِ الإجارَةِ، فإنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، وههُنا لو ثَبَت الخِيارُ لثَبَتَ مع ثُبُوتِ حُكْمَ الوَقْف، فافْتَرَقا.

..................................  فصل: وإن شَرَط في الوَقْفِ أن يُخْرِجَ مَن شاءَ مِن أهْلِ الوَقف، ويُدْخِلَ مَن شاءَ مِن غيرِهم، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه شَرْط يُنافِي مُقْتَضَى الوَقف فأفْسَدَه، كما لو شَرَط أن لا يَنْتَفِعَ به.
فأمّا إن شَرَط للنّاظِرِ أن يُعْطِيَ مَن يَشاءُ مِن أهْلِ الوَقف، ويَمْنَعَ مَن يشاءُ، جاز؛ لأنَّ ذلك ليس بإخْراجٍ للمَوْقُوفِ عليه مِن الوَقْف، وإنَّما عَلَّقَ اسْتِحْقاقَ الوَقْف بصِفَةٍ، فكأنّه جَعَل له حَقًّا في الوَقْفِ إذا اتَّصَفَ بإرادَةِ النّاظِرِ عَطِيَّتَه، ولم يَجْعَلْ له حَقا إذا انتَفتْ تلك الصِّفَةُ فيه، فأشْبَهَ ما لو وَقَفَه على المُشْتَغِلِين بالعِلْمِ مِن وَلَدِه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ منهم مَن اشْتَغلَ دُونَ مَن لم يَشْتَغِلْ، فمتى تَرَك المُشْتَغِلُ الاشْتِغال، زال اسْتِحْقاقُه، فإن عاد إليه عاد اسْتِحْقاقُه.
فصل: إذا جَعَل عُلْوَ دارِه مَسْجِدًا دُونَ أسْفَلِها، أو أسْفَلَها دُونَ عُلْوها، صَحَّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ، لأنَّ المَسْجِدَ يَتْبَعُه هَواؤه.
ولَنا، أنَّه يَصِحُّ بَيعُها كذلك، فصَحَّ وَقْفُها، كالدّارِ جَمِيعِها، ولأنَّه تَصَرُّفٌ يُزِيلُ المِلْكَ إلى مَن يَثْبُتُ له حَقُّ الاسْتِقْرارِ والتَّصَرُّفِ، فجاز فيما ذكَرْنا، كالبَيع.
فصل: فإن جَعَل وَسَطَ دارِه مَسْجِدًا، ولم يَذْكُرْ الاسْتِطْراقَ، صَحَّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ الاسْتِطْراقَ.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ يُبِيحُ الانْتِفاعَ، مِن ضَرُورَتِه الاسْتِطْراقُ، فصَحَّ وإن لم يَذْكُرْه، كما لو أجَرَ بَيتًا مِن دارِه.

الثَّالِثُ، أنْ يَقِفَ عَلَى مُعَيَّن يَمْلِكُ.
وَلَا يَصِح عَلَى مَجْهُولٍ؛ كَرَجُلٍ وَمَسْجِدٍ،

2565 - مسألة: (الثالثُ، أن يَقِفَه على مُعَيَّن يَمْلِكُ. ولا يَصِحُّ على مَجْهُولٍ؛ كرجل، ومَسْجِدٍ)

لأنَّه تَمْلِيك، أشْبَهَ البَيعَ، ولأن الوَقْفَ تَمْلِيكٌ للعَينِ أو للمَنْفَعَةِ، فلا يَصِحُّ عك غيرِ مُعَيَّن، كالإجارَةِ.

وَلَا عَلَى حَيَوَانٍ لَا يَمْلِكُ؛ كَالْعَبدِ، وَالْحَمْل، والملك، وَالْبَهِيمَةَ.

2566 - مسألة: (ولا)

يَصِحُّ (على حَيوانٍ لا يَمْلِكُ؛ كالعَبْدِ) القِنِّ، وأمِّ الوَلَدِ، والمُدَبَّرِ، والمَيِّتِ (والحَمْلِ، والمَلَكِ، والبَهِيمَةِ) والجِنِّ.
قال أحمدُ في مَنِ وَقَف على مَمالِيكِه: لا يَصِحُّ الوَقْفُ حتى يُعْتِقَهم.
وذلك لأنَّ الوَقْف تَمْلِيك، فلا يَصِحُّ على مَن لا يَمْلِكُ.
فإن قِيل: فقد جَوَّزْتُمُ الوَقْفَ على المَساجِدِ والسِّقاياتِ وأشْباهِها، وهي لا تَمْلِكُ.
قُلْنا: الوَقْفُ هناك على المُسْلِمِين، إلَّا أنَّه عُيِّنَ في نَفْع خاص

..................................  لهم.
فإن قِيلَ: فيَنْبَغِي أن يَصِحَّ الوَقْفُ على الكَنائِسِ، ويكونَ الوَقْفُ على أهْلِ الذِّمَّةِ، والوَقْفُ عليهم جائِز.
قُلْنا: على الجِهَةِ التي عُيِّنَ صَرْفُ الوَقْفِ فيها ليست نَفْعًا، بل هي مَعْصِيَةٌ مُحَرَّمَة، يَزْدادُون بها عِقابًا وإثْمًا،

..................................  بخِلافِ المَساجِدِ.
فإن قِيل: فلِمَ لا يَصِح الوَقْفُ على العَبْدِ إذا قلنا: إنَّه يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ؟ قلنا: لأنَّ الوَقْفَ يَقْتَضِي تَحْبِيسَ الأصْلِ، والعَبْدَ لا يَمْلِكُ مِلْكًا لازِمًا.
ولا يَصِحُّ على المُكاتَبِ وإن كان يَمْلِكُ؛ لأنَّ مِلْكَه غيرُ مُسْتَقِرٍّ.

الرَّابعُ، أنْ يَقِف نَاجِزًا، فَإنْ عَلَّقَهُ عَلَى شَرْطٍ، لَمْ يَصِحَّ، إلَّا أنْ يَقُولَ: هُوَ وَقفٌ بَعْدَ مَوْتِي.
فَيَصِحَّ فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ.
وَقَال أبو الْخَطَّابِ: لَا يَصِحُّ.

2567 - مسألة: (الرابُع، أن يَقِفَ ناجِزًا، فإذا عَلَّقَه على شَرْطٍ، لم يَصِحَّ، إلَّا أن يقولَ: هو وَقفٌ بعدَ مَوْتِي. فيَصِحَّ في قَوْلِ الخِرَقِيِّ. وعندَ أبِي الخَطّابِ، لا يَصِحُّ)

لا يَصِحُّ تَعْلِيقُ ابْتِداءِ الوَقْفِ على شَرْطٍ في الحَياةِ، مثلَ أن يقولَ: إذا جاء رَأسُ الشّهْرِ فدارِى وَقفٌ -أو- فَرَسِي حَبِيسن -أو- إذا وُلِد لِي وَلَدٌ -أو- إذا قَدِم غائِب.
ونحوُ ذلك.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا؛ لأنه نَقْل للمِلْكِ فيما لم يُبْنَ على التَّغْلِيبِ والسِّرايَةِ، فلم يَجُزْ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ في الحَياةِ، كالهِبَةِ.

..................................  فصل: فأما إذا قال: هو وَقْف بعدَ مَوْتِي.
فظاهِرُ كلامِ الخِرَقِي أنَّه يَصِحُّ، ويُعْتَبَرُ مِن الثُّلُثِ، كسائرِ الوَصايا.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ.
وقال القاضي: لا يَصِحُّ هذا؛ لأنه تَعْلِيق للوَقْفِ على شَرْطٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو عَلَّقَه على شَرْطٍ في حَياتِه.
وحَمَل كلامَ الخِرَقِي على أنَّه قال: قِفُوا بعدَ مَوْتِي.
فيكونُ وَصِيَّةً بالوَقْفِ لا إيقافًا.
ولَنا على صِحَّةِ الوَقْفِ المُعَلَّقِ بالمَوْتِ، ما احْتَجَّ به أحمدُ، أنَّ عُمَرَ أوْصَى، فكان في وَصيته: هذا ما أوْصَى به عبدُ اللهِ عُمَرُ أميرُ المُومِنِين إن حَدَث به حَدَث، أنَّ ثَمْغًا 1 صَدَقَةٌ، والعَبْدَ الذي فيه، والسَّهْمَ الذي بخَيبَرَ، ورَقِيقَه الذي

..................................  فيه، والمائةَ وَسْقٍ الذي أطْعَمَنِي محمدٌ - صلى الله عليه وسلم -، تَلِيه حَفْصَةُ ما عاشَتْ، ثم يلِيه ذو الرَّأي من أهْلِه، لا يُباعُ ولا يُشْتَرَى، يُنْفِقُه حيثُ؛ يَرَى مِن السائلِ، والمَحْرُومِ، وذَوي القُرْبَى، ولا حَرَجَ على مَن وَلِيَه إن أكَلَ

..................................  أو اشْتَرَى رَقِيقًا.
روَاهُ أبو دَاوُدَ 1 بنَحْو مِن هذا.
وهذا نَصّ في مَسْألَتِنا، ووَقْفُه هذا كان بأمْرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - ولأنَّه اشْتَهَر في الصَّحابَةِ ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّ هذا تَبَرُّع مُعَلَّق بالمَوْتِ، فصَحَّ، كالهِبَةِ والصدَقَةِ المُطْلَقَةِ.
أو نقولُ: صَدَقَةٌ مُعَلَّقَةٌ بالمَوْتِ، فأشْبَهتْ غيرَ الوَقْفِ.
وفارَقَ هذا التَّعْلِيقَ على شَرْطٍ في الحياةِ، بدَلِيلِ الصَّدَقَةِ المُطْلَقَةِ، أو الهِبَةِ، وغيرِهما، وذلك لأنَّ هذا وَصِيَّة، والوَصِيَّةُ أوْسَعُ

فَصْلٌ: وَلَا يُشْتَرَطُ الْقَبُولُ، إلَّا أنْ يَكُونَ عَلَى آدَمِيٍّ مُعَيَّن،  مِن التَّصَرُّفِ في الحياةِ، بدَلِيلِ جَوازِها بالمَجْهُولِ والمَعْدُومِ، وللمَجْهُولِ وللحَمْلِ، وغيرِ ذلك، وبهذا يَبِينُ فَسادُ قِياسِ مَن قاسَ على هذا الشَّرْطِ بَقِيَّةَ الشُّرُوطِ.
وسَوَّى المُتَأخِّرُون مِن أصْحابِنا بينَ تَعْلِيقِه بالمَوْتِ، وتَعْلِيقِه بشَرْطٍ في الحَياةِ.
ولا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الفَرْقِ بينَهما.
فصل: (ولا يُشْتَرَطُ القَبُولُ، إلَّا أن يكونَ على آدَمِيٍّ مُعَيَّن، ففيه

فَفِيهِ وَجْهَانِ؛ أحَدُهُمَا، يُشْتَرَطُ ذَلِكَ.
فَإن لَمْ يَقْبَلْهُ أوْ رَدَّهُ، بَطَلَ فِي حَقِّهِ دُونَ مَنْ بَعْدَهُ، وَكَانَ كَمَا لَوْ وَقَفَ عَلَى مَنْ لَا يَجُوزُ ثُمَّ عَلَى مَنْ يَجُوزُ، يُصْرَفُ فِي الْحَالِ إلَى مَنْ بَعْدَهُ.
وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ، أنهُ أنْ كَانَ مَنْ لَا يَجُوزُ الْوَقْفُ عَلَيه يَعْرِفُ انْقِرَاضَهُ؛ كَرَجُل مُعَيَّن، صُرِفَ إلَى مَصْرِفِ الْوَقْفِ الْمُنْقَطِعِ إلَى أنْ يَنْقَرِضَ، ثُمَّ يُصْرَفُ إِلَى مَنْ بَعْدَهُ.
وَجْهانِ؛ أحَدُهما، يُشْتَرَطُ.
فإن لم يَقْبَلْ أو رَدَّه، بَطَل في حَقِّه دُونَ مَن بعدَه، وصار كما لو وَقَف على مَن لا يجوزُ ثم على مَن يجوزُ، يُصْرَفُ في الحالِ إلى مَن بعدَه) وجُمْلةُ ذلك، أنَّ الوَقْفَ إذا كان على غيرِ مُعَيَّنٍ؛ كالمَساكِينِ، أو مَن لا يُتَصَوَّرُ منه القَبُولُ كالمَساجِدِ والقَناطِرِ، لم يَفتَقِرْ إلى القَبُولِ.
وإن كان على آدَمِيٍّ مُعَيَّن، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُشْتَرَطُ.
اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه أحَدُ نوْعَي الوَقْفِ، فلم يُشْتَرَطْ له القَبُولُ، كالنَّوْعِ الآخَرِ، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ يَمْنَعُ البَيْعِ والهِبَةَ والمِيراثَ، فلم يُعْتَبَرْ فيه قَبُول، كالعِتْقِ.
والثاني، يُشْتَرطُ؛ لأنه تبَرُّعٌ لآدَمِيٍّ مُعَيّنٍ،

..................................  فكان مِن شَرْطِه القَبُولُ، كالهِبَةِ والوَصِيَّةِ، يُحَقِّقُه أنَّ الوَصِيَّةَ إذا كانت لآدَمِيٍّ مُعَينٍ، وَقَفَتْ على قَبُولِه، وإن كانت لغيرِ مُعَيَّن، كالمساكِينِ أو لِمَسجِدٍ أو نحوه، لم تَفْتَقِرْ إلى قَبُولٍ، كذا ههُنا.
والأوَّلُ أوْلَى، والفَرْقُ بينَه وبينَ الهِبَةِ والوَصِيَّةِ، أن الوَقْفَ لا يَخْتَصُّ المُعَيَّنَ، بل يتَعَلَّقُ به حَقُّ مَن يَأتِي مِن البُطُونِ في المُسْتَقْبَلِ، فيكونُ الوَقْفُ على جَمِيعِهم، إلَّا أنَّه مُرَتَّب، فصار بمَنْزِلَةِ الوَقْفِ على الفُقَراءِ الذي لا يَبطُلُ برَدِّ واحدٍ منهم ولا يَقِفُ على قَبُولِه، والوَصِيَّةُ للمُعَين بخِلافِه.
وهذا مَذْهَبُ الشافعي.
وإذا قُلْنا: لا يَفْتَقِرُ إلى القَبولِ.
لم يبطُلْ بالرَّد، كالعِتْقِ.
وإن قلْنا: يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ.
فرَدَّه، بَطَل في حَقه دُونَ مَن بعدَه.
وصار كالوَقْفِ المنْقَطِعِ الابتِداءِ، يُخَرَّجُ في صِحَّتِه في حَقِّ مَن سِواه وبُطْلانِه وَجْهان، بِناءً على تَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.

جارٍ التحميل