..................................
لأنَّ لها ثلاثَةَ أخْماسَ الرِّقابِ، وذلك أكْثَرُ مِن قِيمَتِها، فورثَتْ وبَطَلَتْ وَصِيَّتُها.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَعْتِقْنَ، وتَسْعَى كلُّ واحِدَةٍ مِن الأُخْتِ للأبِ والأُخْتِ لأُمِّ للأُخْتِ مِن الأبوَين في خُمْسَيْ قِيمَتِها؛ لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ منهما 1 تَرِثُ ثلاثَةَ أخْماسِ رَقَبةٍ.
وعلى قولِ الشافعيِّ، لا يَعْتِقْنَ.
فصل: وإذا اشْتَرَى المَرِيضُ أباه بألْفٍ لا مال له سِواه، ثم مات وخَلَّفَ ابنًا، فعلى القولِ الَّذي حَكاه الخَبْرِيُّ، يَعْتِقُ كلُّه على المَرِيضِ وله وَلاؤُه.
وعلى قولِ القاضي: يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ ويَعْتِقُ الباقِي على الابنِ؛ لأنَّه جَدُّه، ويكونُ ثُلُثُ وَلائِه للمُشْتَرِي، وثُلُثاه لابنِه.
وهذا قولُ مالِكٍ.
وقِيلَ: هو مَذْهَبٌ للشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ، ويَسْعَى للابنِ في قِيمَةِ ثُلُثَيه.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَعْتِقُ سُدْسُه؛ لأنَّه وَرِثَه، ويَسْعَى في خَمْسَةِ أسْداسِ قِيمَتِه للابنِ، ولا وَصِيَّةَ له.
وقِيلَ على قولِ الشافعيِّ: يَنْفَسِخُ البَيعُ، إلَّا أن يُجِيزَ الابنُ عِتْقَه.
وقِيلَ: يُفْسَخُ في ثُلُثَيه، ويَعْتِقُ ثُلثه، وللبائِعِ الخِيارُ؛ لتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ عليه.
وقِيلَ: لا خِيار له؛ لأنَّه مُتْلِفٌ.
فإن تَرَكَ ألْفَين سواه، عَتَقَ كلُّه، ووَرِثَ سُدْسَ الألْفَين، والباقِي للابنِ.
وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقيلَ: نَحْوُه قولُ الشافعيِّ.
وقِيلَ على قَوْلِه: يَعْتِقُ ولا يَرِث.
وقِيلَ:
..................................
شِراؤُه مَفْسُوخٌ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَرِثُ الأبُ سُدْسَ التَّرِكَةِ، وهي 1 خَمْسُمائةٍ، يَحْتَسِبُ بها مِن رَقَبَتِه، ويَسْعَى في نِصْفِ قِيمَتِه، ولا وَصِيَّةَ له.
فإنِ اشْتَرَى ابنَه بألْفٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، ومات وخَلَّفَ أباه، عَتَقَ كلُّه بالشِّراءِ، في الوَجْهِ الأوَّلِ.
وفي الثانِي، يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ، وثُلُثاه على جَدِّه عندَ المَوْتِ، ووَلاؤُه بينَهما أثْلاثًا.
وبهذا قال مالِكٌ.
وقولُ الشافعيِّ فيه على ما ذَكَرْنا في مَسْأَلةِ الأبِ.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثُه بالوَصِيَّةِ، ويَسْعَى في قِيمَةِ ثُلُثَيه للأبِ ولا يَرِثُ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمد: يَرِثُ خَمْسَةَ أسْداسِه، ويَسْعَى في قِيمَةِ سُدْسِه.
فإن تَرَك ألْفَين سِواه، عَتَقَ كلُّه، وَوَرِثَ خَمْسَةَ أسْداسِ الألْفَين، وللأبِ السُّدْسُ.
وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: للأبِ سُدْسُ التَّرِكَةِ خَمْسُمائةٍ، وباقِيها للابنِ، يَعْتِقُ منها ويَأْخُذُ ألْفًا وخَمْسَمائةٍ.
وإن خَلَّفَ مالًا يَخْرُجُ المَبِيعُ مِن ثُلُثِه، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَعْتِقُ كلُّه ويَرِثُ منه، كأنَّه حُرُّ الأصْلِ.
وعلى الوَجْهِ الثانِي، يَعْتِقُ منه بقَدْر ثُلُثِ التَّرِكَةِ، ويَرِثُ بقَدْرِ ما فيه مِن الحُرِّيّةِ.
فإن لم يُخَلِّفِ المُشْتَرِي إلا أخًا حُرًّا ولم يَتْرُكْ مالًا، عَتَقَ مِن رَأسِ المالِ على الوَجْهِ الأوّلِ، ويَعْتِقُ ثُلُثُه على الثانِي، ويَرِثُ الأخُ ثُلُثَيه، ثم يَعْتِقُ عليه.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ.
ثُلُثُه، ويَسْعَى لعَمِّه في قِيمَةِ ثُلُثَيه.
وقال أبو يُوسُف، ومحمدٌ: يَعْتِقُ كلُّه، ولا سِعايَةَ.
وإن خَلَّفَ ألْفَين سِواه، عَتَقَ، ووَرِث الألْفَين، ولا شيءَ للأخِ في
..................................
الأقْوالِ، إلَّا فيما قِيلَ على قولِ الشافعيِّ: إَّنه يَعْتِقُ ولا يَرِثُ.
وقِيلَ: شِراؤُه باطِلٌ.
فإنِ اشْتَرَى ابنَه بألْفٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، وقِيمَتُه ثُلُثا الألْفِ، وخَلَّفَ ابْنًا آخَرَ، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَعْتِقُ مِن رَأْسِ المالِ، ويَسْتَقِرُّ مِلْكُ البائِع على قَدْرِ قِيمَتِه مِن الثَّمَنِ، وله ثُلُثُ الباقِي؛ لأنَّ المُشْتَرِيَ حاباه ولم يَبْقَ مِن التَّرِكَةِ سِواه، فيكونُ له ثُلُثُه، وهو تُسْعُ ألْفٍ، ويَرُدُّ التُّسْعَين، فتكونُ بينَ الابْنَين 1. وعلى الوَجْهِ الثاني، يَعْتِقُ ثُلُثُه، ويَرِثُ أخُوه ثُلُثَيه، ويَعْتِقُ عليه، وللبائِعِ ثُلُثُ المُحاباةِ، ويَرُدُّ ثُلُثَيها، فيكونُ مِيراثًا.
وقال أبو حنيفةَ: الثلُثُ للبائِعِ، ويَسْعَى المُشْتَرِي في قِيمَتِه لأخِيه.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَسْعَى في نِصْفِ رَقَبَتِه ويَرِث نِصْفَها.
وقال الشافعيُّ: المُحاباةُ مُقَدَّمَة لتَقَدُّمِها، ويَرِثُ الابنُ الحُرُّ أخاه فيَمْلِكُه.
وقِيلَ: يُفْسَخُ البَيعُ في ثُلُثَيه ويَعْتِقُ ثُلُثُه، ولا تُقَدَّمُ المُحاباةُ، لأنَّ في تَقْدِيمِها تَقْرِيرَ مِلْك الأبِ على وَلَدِه.
وقِيلَ: يُفْسَخُ البَيعُ في جَمِيعِه.
فإن كانت قِيمَتُه [ثُلُثَ ألْفٍ] 2، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يَعْتِقُ مِن رَأْسِ المالِ، وتَنْفُذُ المُحاباةُ في ثُلُثِ الباقِي، وهو تُسْعَا الألْفِ، ويَرُدُّ البائِعُ أرْبَعَةَ أتْساعِ الألْفِ، فتكونُ بينَ الابنَينِ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يَحْتَمِلُ وَجْهَين؛ أحَدُهما، يُقَدَّمُ العِتْقُ على المُحاباةِ، فيَعْتِقُ
..................................
جَمِيعُه، ويَرُدُّ البائِعُ ثُلُثَي الألْفِ، فيكونُ بينَهما.
والثانِي، يَعْتِقُ ثُلُثُه، ويكونُ للبائِعِ تُسْعَا الألْفِ، ويَرُدُّ أرْبَعَةَ أتْساعِها، كما قُلْنا في الوَجْهِ الأوَّلِ.
وقال أبو حنيفةَ: للبائِعِ بالمُحاباةِ الثُّلُثُ، ويَرُدُّ الثُّلُثَ، ويَسْعَى الابنُ في قِيمَتِه لأخِيه.
وفي قولِ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ، يَرُدُّ البائِعُ ثُلُثَ الألْفِ، [فيكونُ للابنِ الحُرِّ، ويَعْتِقُ الآخَرُ بنَصِيبِه مِن المِيراثِ.
وقِيلَ على قول الشافعيِّ: يَرُدُّ البائِعُ ثُلُثَ الألْفِ] 1، فيكونُ ذلك مع المُشْتَرِي للابنِ الحُرِّ.
وقِيلَ غيرُ ذلك.
وإنِ اشْتَراه بألْفٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، [وقِيمَتُه ثلاثَةُ آلافٍ] 2، فمَن أعْتَقَه مِن رَأْسِ المالِ، جَعَلَه حُرًّا، ومَن جَعَل ذلك وَصِيَّةً، أعْتَقَ ثُلُثَه بالشِّراءِ، ويَعْتِقُ باقِيه على أخِيه، إلا في قولِ الشافعيِّ ومَن وافَقَه، فإنَّ الحُرَّ يَمْلِكُ بَقِيَّةَ أخِيه، فيَمْلِكُ مِن رَقَبَتِه قَدْرَ ثُلُثَي الثَّمَنِ، وذلك تُسْعا رَقَبَتِه؛ لأنَّهُ يَجْعَلُ ثَمَنَه مِن الثُّلُثِ دُونَ قِيمَتِه.
وقِيلَ: يُفْسَخُ البَيعُ في ثُلُثَيه.
وقيلَ: في جَمِيعِه.
وقال أبو حنيفةَ: يَسْعَى لأخِيه في قِيمَةِ ثُلُثَيه.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَسْعَى له في نِصْفِ قِيمَتِه.
فإن تَرَكَ ألْفَين سِواه، عَتَقَ كلُّه؛ لأنَّ التَّرِكَةَ هي الثَّمَنُ مع الألْفَينِ، والثَّمَنُ يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، فيَعْتِقُ، ويَرِثُ نِصْفَ الألْفَين.
وهو قولٌ للشافعيِّ.
وقِيلَ: يَعْتِقُ ولا يَرِثُ.
وعندَ أبي حنيفةَ وأصحابِه، التَّرِكَةُ قِيمَتُه مع الألْفَينِ، وذلك خَمْسَةُ آلافٍ.
فعلى قولِ أبي حنيفةَ: يَعْتِقُ منه
..................................
قَدْرُ ثُلُثِ ذلك، وهو ألْفٌ وثُلُثَا أَلْفٍ، ويَسْعَى لأخِيه في ألْفٍ وثُلُثِ ألْفٍ.
وفي قولِ صاحِبَيه، يَعْتِقُ منه نِصْفُ ذلك، وهو خَمْسَةُ أسْداسِه، ويَسْعَى لأخِيه في خَمْسِمائةٍ.
والأَلْفانِ لأخِيه في قَوْلِهم جَمِيعًا.
فصل: ولو اشْتَرَى المَرِيضُ ابنيْ عَمٍّ له بألْفٍ لا يَمْلِكُ غيرَه، وقِيمَةُ كل واحِدٍ منهما ألْفٌ، فأعْتَقَ أحَدَهما، [ثم وَهَبَه أخاه] 1، ثم مات وخَلَّفَهما وخَلَّفَ مَوْلاه، فإنَّ قِياسَ قولِ القاضي، إن شاء اللهُ، أن يَعْتِقَ ثُلُثا المُعْتَقِ، إلَّا أن يُجِيزَ المَوْلَى عِتْقَ جَمِيعِه، ثم يَرثُ بثُلُثَيه ثُلُثَيْ بَقِيَّةِ التَّرِكَةِ، فيَعْتِقُ منه ثمانيةُ أتْساعِه، يَبقَى تُسْعُة وثُلُثُ أخِيه للمَوْلَى.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَعْتِقَ كلُّه، ويَرِثَ أخاه، فيَعْتِقانِ جَمِيعًا؛ لأنَّه يَصِيرُ بالإِعْتاقِ وارِثًا لثُلُثَيِ التَّرِكَةِ، فتَنْفُذُ إجازَتُه في إعْتاقِ باقِيه، فتَكْمُلُ له الحُرِّيَّةُ، ثم يَكْمُلُ له المِيراثُ.
وفي قِياسِ قولِ أبي الخَطّابِ، يَعْتِقُ ثُلُثاه، ولا يَرِثُ؛ لأنَّه لو وَرِث لكان إعْتاقُه وَصِيَّةً له، فيَبْطُلُ إعْتاقُه، ثم يَبْطُلُ إرْثُه، فيُؤدِّي تَوْرِيثُه إلى إبْطالِ تَوْرِيثِه.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
ويَبْقَى ثُلُثُه وابنُ العَمْ الآخَرِ للمَوْلَى.
وقال أبو حنيفةَ: يَعْتِقُ ثُلُثَا المُعْتَقِ ويَسْعَى في قِيمَةِ ثُلُثِه، ولا يَرِثُ.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَعْتِقُ كلُّه، ويَعْتِقُ عليه أخوه بالهِبَةِ، ويكونُ أحَقَّ بالمِيراثِ مِن المَوْلَى.
فإن كان للمَيِّتِ مالٌ سِواهما، أخَذا ذلك المال بالمِيراثِ، ويَغْرَمُ المُعْتَقُ لأخِيه المَوْهُوبِ نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِه ونِصْفَ قِيمَةِ أخِيه؛ لأنَّ عِتْقَ الأوَّلِ وَصِيَّة، ولا وَصِيَّةَ لوارِثٍ،
..................................
وقد صار وارِثًا مع أخيه، فوَرِثَ نِصْفَ قِيمَةِ رَقَبَتِه ونِصْفَ قِيمَةِ أخِيه، ووَرِثَ أخُوه الباقِيَ، وكان أخوه المَوْهُوبُ له هِبَةً مِن المَريضِ له، فيَعْتِقُ بقَرابَتِه له، ولم يَعْتِقْ مِن المَرِيضِ، فلم يكُنْ عِتْقُه وَصِيَّةً، بل اسْتَهْلَكَها بالعِتْقِ الَّذي جَرَى فيها فيَغْرَمُ الأوَّلُ نِصْف قِيمَتِه ونِصْفَ قِيمَةِ أخِيه لأخِيه.
وأمّا قولُ أبي حنيفةَ، فإن كان المَيِّتُ لم يَدَعْ وارِثًا غيرَهما، عَتَقَ 1، وغَرِمَ الأوَّلُ لأخِيه نِصْفَ قِيمَةِ أخِيه، ولم يَغْرَمْ له نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِه؛ لأنَّه إذا لم يَدَعْ وارِثًا، جازت وَصِيَّتُه؛ لأَنهما لا يَرِثانِ، ولا يَعْتِقانِ حتَّى تَجُوزَ وَصِيَّةُ الأوَّلِ؛ لأنَّه متى بَقِيَتْ عليه سِعايَةٌ، لم يَرِث واحِدٌ منهما، ولم يَعْتِقْ، فلا بُدَّ مِن أن تَنْفُذَ للمُعْتَقِ وَصِيَّة ليَصِيرَ حُرًّا، فيَعْتِقَ أخوه بعِتْقِه، وقد جازت له الوَصِيَّةُ في جَمِيعِ رَقَبَتِه؛ لأنَّ المَيِّتَ إذا لم يَدَعْ وارِثًا، جازت وَصِيَّتُه بجَمِيعِ مالِه، ويَرِثانِ جَمِيعًا، ويَرْجِعُ الثانِي على الأوَّلِ بنِصْفِ قِيمَتِه؛ لأنَّه يقولُ: قد صِرْتُ أنا وأنت وارِثَين، فلا تَأْخُذ مِن المِيراثِ شيئًا دُونِي، وقد كاتت رَقَبَتِي لك وَصِيَّةً فعَتَقَت مِن قِبَلِك، فاضْمَنْ لي نِصْفَ رَقَبَتِي.
فإن كان مُعْسِرًا، أو هناك مالٌ غيرُهما، أخَذَ الثانِي نِصْفَه، ثم أخَذَ مِن النِّصْفِ الثانِي نِصْفَ قِيمَةِ نَفْسِه، وكان ما بَقِيَ مِيراثًا لأخِيه الأوَّلِ.
وَلَوْ أَعْتَقَ أَمَتَهُ وَتَزَوَّجَهَا فِي مَرَضِهِ، لَمْ تَرِثْهُ عَلَى قِيَاسِ الأَوَّلِ، وَقَال الْقَاضِي: تَرِثُهُ.
2647 - مسألة: (ولو أعْتَقَ أمَتَه وتَزَوَّجَها في مَرَضِه)
فنَقَلَ المَرُّوذِيُّ عن أحمدَ، أنَّها تَرِثُ.
اخْتارَه القاضي.
وقال الشافعيُّ: لا تَرِثُ؛ لأنَّ تَوْرِيثَها يُفْضِي إلى إبْطالِ عِتْقِها؛ لأنَّه وَصِيَّةٌ، وإبْطالُ عِتْقِها يُبْطِلُ تَوْرِيثَها.
ولَنا، أنَّ العِتْقَ في هذه الحالِ وَصِيَّةٌ بما لا يَلْحَقُه الفَسْخُ، فيَجِبُ تَصْحِيحُه للوارِثِ، كالعَفْو عن العَمْدِ في مَرَضِه، فإنَّه لا يُسْقِطُ مِيرَاثَه، ولا تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ.
وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ، ثمَّ تَزَوَّجَهَا وَأصْدَقَهَا مِائَتَينِ لَا مَال لَهُ سِوَاهُمَا، وَهُمَا مَهْر مِثْلِهَا، ثمَّ مَاتَ، صَحَّ الْعِتْقُ، وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا، ثُمَّ يَبْطلَ صَدَاقهَا.
وَقَال الْقَاضِي: تَسْتَحِقُّ الْمِائَتَينِ.
2648 - مسألة: (وَلَوْ أَعْتَقَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ، ثمَّ تَزَوَّجَهَا وَأصْدَقَهَا مِائَتَينِ لَا مَال لَهُ سِوَاهُمَا، وَهُمَا مَهْر مِثْلِهَا، ثمَّ مَاتَ، صَحَّ الْعِتْقُ، وَلَمْ تَسْتَحِقَّ الصَّدَاقَ؛ لِئَلَّا يُفْضِيَ إِلَى بُطْلَانِ عِتْقِهَا، ثُمَّ يَبْطلَ صَدَاقهَا.
وَقَال الْقَاضِي: تَسْتَحِقُّ الْمِائَتَين)
وتَعْتِقُ لأنَّ العِتْقَ وَصِيَّةٌ لها، وهي غيرُ وارِثَةٍ، والصَّداقُ اسْتَحَقَّتْه بعَقْدِ المُعاوَضَةِ، وهي تَنْفُذُ مِن رَأْسِ المالِ، فهو كما لو تَزَوَّجَ أَجْنَبِيَّةً وأصْدَقَها المائَتَين.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يَسْقُطُ مَهْرُها، ولا تَرِثُ؛ لكَوْنِها لا تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، وسُقُوطُ العِتْقِ في بعضِها يَبْطِلُ نِكاحَها 1 ويُسْقِطُ مَهْرَها 2، فأسْقَطْنا المَهْرَ والمِيراثَ، وأنْفَذْنا العِتْقَ والنِّكاحَ، قال شيخُنا 3: وهذا أوْلَى مِن القولِ بصِحَّةِ العِتْقِ
وَإنْ تَبَرَّعَ بِثُلُثِ مَالِهِ، ثُمَّ اشْتَرَى أبَاهُ مِنَ الثُّلُثَينِ، فَقَال الْقَاضِي:
والصَّداقِ جَمِيعًا؛ لأنَّه يُفْضِي إلى القولِ بصِحَّةِ العِتْقِ في مَرَضِ المَوْتِ مِن جَمِيعِ المالِ، ولا خِلافَ في فَسادِ ذلك.
ولو أصْدَقَ المائَتَين أجْنَبِيَّةً، صَح، وبَطَل العِتْقُ في ثُلُثَي الأمَةِ؛ لأنَّ الخُرُوجَ مِن الثُّلُثِ مُعْتَبَرٌ بحالةِ المَوْتِ، وحالةَ المَوْتِ لم يَبْقَ له مالٌ.
وهكذا لو تَلِفَتِ المائتان قبلَ مَوْتِه، لم يَنْفُذْ مِن عِتْقِ الأمَةِ إلَّا الثُّلُثُ، وإذا بَطَلَ بعضُ عِتْقِها بذَهابِ المائَتَين إلى غيرِها، فأوْلى أن يَبْطُلَ بذَهابِها إليها، وبُطْلانُ عِتْقِها يُبْطِلُ نِكاحَها، فالقولُ بسُقُوطِ المَهْرِ وَحْدَه أوْلَى.
2649 -
مسألة: (وإن تَبَرَّعَ بالثُّلُثِ، ثم اشْتَرَى أباه مِن الثُّلُثَين)
وله ابنٌ، فعلى قولِ مَن قال: ليس الشِّراءُ بوَصِيَّةٍ.
يَعْتِقُ الأبُ، ويَنْفُذ من التَّبَرُّعِ قَدْرُ ثُلُثِ المالِ حال المَوْتِ، وما بَقِيَ فللأبِ سُدْسُه وباقِيه
يَصِحُّ الشِّرَاءُ وَلَا يَعْتِقُ، فَإِذَا مَاتَ عَتَقَ عَلَى الْوَرَثَةِ إِنْ كَانُوا مِمَّنْ يَعْتِقُ عَليهِمْ، وَلا يَرِث؛ لأنهُ لمْ يَعْتِقْ في حَيَاتِهِ.
للابنِ.
وعلى قولِ القاضي، ومَن جَعَلَه وَصِيَّةً، لا يَعْتِقُ الأبُ؛ لأنَّ تَبَرُّعَ المَرِيضِ إنَّما يَنْفُذُ في الثُّلُثِ، ويُقَدّمُ الأوَّلُ فالأوَّلُ، وإذا قُدِّمَ التَّبَرُّعُ لم يَبْقَ مِن الثُّلُثِ شيءٌ، ويَرِثُه الابنُ فيَعْتِقُ عليه، ولا يَرِثُ؛ لأنَّه إنَّما عَتَقَ بعدَ المَوْتِ.
وإن وُهِب له أبوه، عَتَقَ، ووَرِثَ؛ لأنَّ الهِبَةَ ليست بوَصِيَّةٍ، وكذلك إن وَرِثَه.
وإنِ اشْتَرَى أباه ثم أعْتَقَه، لم يَعْتِقْ على قولِ القاضِي؛ لأنَّه إذا لم يَعْتِقْ بالمِلْكِ وهو أقْوَى مِن الإعْتاقِ بالقولِ بدَلِيل نُفُوذِه في حَقِّ الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ، فأوْلَى أن لا يَنْفُذَ بالقولِ.
والله سبحانه وتعالى أعْلَمُ.
..................................
فُصُولٌ في تَصَرُّفِ المَريض
فصل: إذا أعْتَقَ أمَةً لا يَمْلِكُ غيرَها ثم تَزَوَّجَها، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ في الظّاهِرِ.
فإذا مات ولم يَمْلِكْ شيئًا آخَرَ، تَبَيَّنَ أنَّ نِكاحَها باطِلٌ، ويَسْقُطُ مَهْرُها إن كان لم يَدْخُلْ بها.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
ويَعْتِقُ منها ثُلُثُها ويَرِقُّ ثُلُثاها.
فإن كان قد دَخَل بها ومَهْرُها نِصْف قِيمَتِها، عَتَقَ منها ثلاثةُ أسْباعِها، ويَرِقُّ أرْبَعَةُ أسْباعِها، وحِسابُ ذلك أن تقولَ: عَتَقَ منها شيء، ولها بصَداقِها نِصْفُ شيء، وللوَرَثَةِ شَيئانِ، فيُجْمَعُ ذلك فيكونُ ثلاثةَ أشْياءَ ونِصْفًا، نَبْسُطُها فتكونُ سَبْعَةً، لها منها ثلاثةٌ، ولهم أرْبَعَةٌ، ولا شيءَ للمَيِّتِ سِواهَا، فنَجْعَلُ لنَفْسِها منها ثلاثةَ أسْباعِها يكون حُرًّا والباقِي للوَرَثَةِ.
وإن أحَبَّ الوَرَثَةُ أن يَدْفَعُوا إليها حِصَّتَها مِن مَهْرِها، وهو سُبْعاه، ويَعْتِقَ منها سُبْعاها، ويَسْتَرِقُّوا خَمْسَةَ أسْباعِها، فلهم ذلك.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يُحْسَبُ مَهْرُها مِن قِيمَتِها, ولها ثُلُثُ الباقِي، ويَسْعَى فيما بَقِيَ، وهو ثُلُثُ قِيمَتِها.
فإن كان يَمْلِكُ مع الجارِيَةِ قَدْرَ نِصْفِ قِيمَتِها، ولم يَدْخُلْ بها، عَتَقَ منها نِصْفُها وَرَقَّ نِصْفُها؛ لأنَّ نِصْفَها هو ثُلُثُ المال، وإن دخل بها، عَتَقَ منها ثلاثَةُ أسْباعِها, ولها ثلاثةُ أسْباعِ مَهْرِها.
وابما قَلَّ العِتْقُ فيها؛ لأنَّها لَمّا أخَذَتْ ثلاثةَ أسْباعِ مهْرِها نَقَص المالُ به، فيَعْتِقُ منها ثُلُثُ الباقِي، وهو ثلاثةُ أسْباعِها.
وطَرِيقُ حِسابِها أن تقولَ: عَتَقَ منها شيءٌ، ولها بمَهْرِها نِصْفُ شيءٍ،
..................................
وللوَرَثَةِ شَيئانِ، يَعْدِلُ ذلك الجارِيَةَ ونِصْفَ قِيمَتِها، فالشيءُ سُبْعاها وسُبْعَا نِصْف قِيمَتِها، وهو ثلاثةُ أسْباعِها، وهو الذي عَتَقَ منها، ويَأْخُذُ نِصْفَ ذلك مِن المالِ بمَهْرِها، وهو ثلاثةُ أسْباعِه.
فإن كان يَمْلِكُ معها مِثْلَ قِيمَتِها ولم يَدْخُلْ بها، عَتَقَ ثُلُثاها، ورَقَّ ثُلُثُها، وبَطَل نِكاحُها.
وإن كان دَخَل بها، عَتَقَ أرْبَعةُ أسْباعِها, ولها أرْبَعَةُ أسْباعِ مَهْرِها، ويَبْقَى للوَرَثَةِ ثلاثةُ أسْباعِها وخَمْسَةُ أسْباعِ قِيمَتِها، وهو يَعْدِلُ مِثْلَيْ ما عَتَقَ منها.
وحسابُها أن تَجْعَلَ السَّبْعَةَ الأشْياءَ مُعادِلَةً لها ولقِيمَتِها، فيَعْتِقُ منها بقَدْرِ سُبْعَي الجَمِيعِ، وهو أرْبَعَةُ أسْباعِها، وتَسْتَحِقُّ سُبْعَ الجَمِيعِ بمَهْرِها، وهو أرْبَعَةُ أسْباعِ مَهْرِها.
فإن كان يَمْلِكُ معها مِثْلَيْ قِيمَتِها، عَتَقَتْ كلها، وصَحَّ نِكاحُها؛ لأنَّها تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ إن أسْقَطَتْ مَهْرَها.
وإن أربتْ أن تُسْقِطَه، لم يَنْفُذْ عِتْقُها، وبَطَل نِكاحُها، فإن كان لم يَدْخُلْ بها فيَنْبَغِي أن يُقْضَى بعِتْقِها ونِكاحِها، ولا مَهْرَلها؛ لأنَّ إيجابَه يُفْضِي إلى إسْقاطِه وإسْقاطِ عِتْقِها ونِكاحِها، فإسْقاطُه وَحْدَه أوْلَى.
وإن كان دَخَل بها، عَمِلْنا فيها على ما تَقَدَّمَ، فيَعْتِقُ سِتَّةُ أسْباعِها, ولها سِتَّةُ أسْباعِ مَهْرِها، ويَبْطُلُ عِتْقُ سُبْعِها ونِكاحُها.
ولو أعْتَقَها ولم يَتَزَوَّجْها ووَطِئَها، كان العَمَلُ فيها في هذه المواضِعِ كلِّها 1 كما لو تَزَوَّجَها.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وذَكر القاضي في مِثْلِ (1) هذه المسألةِ التي قبلَ الأخِيرَةِ
..................................
ما يَقْتَضِي صِحَّةَ نِكَاحِها وعِتْقِها، مع وُجُوبِ مَهْرِها فيما إذا أعْتَقَ 1 في مَرَضِه أمَةً قِيمَتُها مائة، وأصْدَقَها مائَتَين لا مال له سِواهما، وهو مَهْرُ مِثْلِها، وهو مَذْكُورٌ في هذا البابِ.
وقال أبو حَنِيفةَ، فيما إذا تَرَك مِثْلَيْ قِيمَتِها، وكان مَهْرُها نِصْفَ قِيمَتِها؛ تُعْطَى مَهْرَها وثُلُثَ الباقِي، يُحْسَبُ ذلك مِن قِيمَتِها، وهو نِصْفُها وثُلُثُها، فيَعْتِقُ ذلك، وتَسْعَى في سُدْسِها الباقِي، ويَبْطُلُ نِكاحُها.
فإن كان 2 خَلَّفَ أرْبَعَةَ أمْثالِ قِيمَتِها، صَحَّ عِتْقُها ونِكاحُها وصَداقُها، في قولِ الجَمِيعِ؛ لأنَّ ذلك يَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، وتَرِثُ مِن الباقِي في قولِ أصحابِنا وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا تَرِث.
وهو مُقْتَضَى قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّها لو وَرِثَتْ لكان عِتْقُها وَصِيَّةً لوارِثٍ، واعْتِبارُ الوَصِيَّةِ بالمَوْتِ.
فصل: ولو أنَّ امرأةً مَرِيضَةً أعْتَقَتْ عَبْدًا قِيمَتُه عَشَرَةٌ، وتَزَوَّجَها بعَشَرَةٍ في ذِمّتِه، ثم ماتت وخَلَّفَتْ مائةً، اقْتَضَى قولُ أصحابِنا أن تُضَمَّ العَشَرَةُ التي في ذِمَّتِه إلى المائةِ، فيكونَ ذلك هو التَّرِكَةَ، ويَرِثَ نِصْف ذلك، ويبقَى للوَرَثَةِ خَمْسَةٌ وخَمْسُون.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
وقال صاحِباه: تُحْسَبُ عليه قِيمَتُه أيضًا، وتُضَمُّ إلى التَّرِكَةِ، ويَبْقَى للورَثَةِ سِتُّون.
وقال الشافعي: لا يَرِث شيئًا، وعليه أداءُ العَشَرَةِ التي في ذِمَّتِه؛
..................................
لئلا يكونَ إعْتاقُه وَصِيَّةً لوارِثٍ.
وهذا مُقْتَضَى قولِ الخِرَقِيِّ، إن شاء الله تعالى.
فصل: فأمّا إن أعْتَقَ أمَتَه في صِحَّتِه ثم تَزَوَّجَها في مَرَضِه، صَحَّ، ووَرِثَتْه بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
فأمّا إن أعْتَقَها في مَرَضِه ثم تَزَوَّجَها، وكانت تَخْرُجُ مِن ثُلُثِه، عَتَقَتْ ووَرِثَتْ في اخْتِيارِ أصْحابِنا وقولِ أبي حنيفةَ.
ونَقَلَه المَروذِيُّ عن أحمدَ، كما لو كان عِتْقُها في صِحَتِه.
وقال الشافعيُّ: لا تَرِثُ.
وقد ذَكَرْناه.
والله أعلمُ 1.
كتابُ الْوَصَايَا
وَهِيَ الأمْرُ بِالتَّصَرُّفِ بَعْدَ الْمَوْتِ.
وَالْوَصِيَّةُ بِالْمَالِ هِيَ التبرعُ بِهِ بَعْدَ الْمَوْتِ.