الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 316-355

..................................  مِن ثُلُثِه، وإلَّا فليس على وَرَثَتِه شيءٌ.
فعلى قَوْلِهم، إن لم يَفِ الثُّلُثُ بالمُوصَى به، وإلَّا لم يَزِدْ على الثُّلُثِ؛ لأنَّ الحَجَّ عِبادَةٌ، فلا يَلْزَمُ الوارِثَ، كالصلاةِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْ كان على أبِيكَ دَينٌ، أكُنْتَ تَقْضِيهِ 1؟» قال: نعم.
قال: «فَدَينُ الله أحَقُّ أنْ يُقْضَى» 2. والدَّينُ مِن رأسِ المالِ، فما هو أحَقُّ منه أوْلَى، ولأنَّه واجِبٌ، فكان مِن رأسِ المالِ، كدَينِ الآدَمِيِّ.
وإن كان تَطَوُّعًا، أُخِذ الثُّلُثُ لا غيرُ إذا لم يُجِزِ الوَرَثَةُ، ويُحَجُّ به، على ما ذَكَرْنا.

وَإِنْ قَال: يُحَجُّ عَنِّي حَجَّةٌ بِأَلْفٍ.
دُفِعَ الْكُلُّ إلَى مَنْ يَحُجُّ بِهِ.

2697 - مسألة: وإن وَصَّى أن يُحَجَّ عنه حَجَّة بألْفٍ (دُفِعَ الكلُّ إلى مَن يَحُجُّ)

إذا وَصَّى أن يُحَجَّ عنه حَجَّةٌ واحِدَةٌ بقَدْرٍ مِن المالِ، وكان فيه فَضْلٌ عمّا يُحَجُّ به، فهو لمَن يَحُجُّ؛ لأنَّه قَصَد إرْفاقَه بذلك، فكأنَّه صَرَّحَ فقال: حُجُّوا عنى حَجَّةً واحِدَةً بألْفٍ، وما فَضَل منها فهو لمَن يَحُجُّ.

فَإِنْ عَيَّنهُ في الْوَصِيَّةِ، فَقَال: يَحُجُّ عَنِّي فُلَانٌ بِأَلْفٍ.

2698 - مسألة: (فإن عَيَّنَه في الوصيةِ، فقال: يَحُجُّ عني فُلانٌ بألْفٍ)

صُرِف ذلك إليه.
وإن لم يُعَيِّنْ، فللمُوصَى إليه صَرْفُه إلى مَن شاء؛ لأنَّه فَوَّضَ إليه الاجْتِهادَ، إلَّا أنَّه لا يَمْلِكُ صَرْفَها إلى وارِثٍ إذا كان فيها فَضْلٌ إلَّا بإذْنِ الورثةِ، وإن لم يكنْ فيها فَضْلٌ، جاز؛ لأنَّه لا مُحاباةَ فيها.
ثم يُنْظَرُ؛ فإن كان الحَجُّ المُوصَى به تَطَوُّعًا، اعْتُبِرَ مِن الثُّلُثِ، وإن كان واجِبًا، فالزّائِدُ عن نَفَقةِ المِثْلِ مُعْتَبَرٌ مِن الثُّلُثِ.
وإن لم يَفِ المُوصَى به بالحَجِّ، أُتِمَّ مِن رأسِ المالِ.
وفيه مِن الخِلافِ ما ذَكَرْنا.

فَأبَى الْحَجَّ، وَقَال: اصْرِفُوا إِلَيَّ الْفَضْلَ.
لَمْ يُعْطَهُ، وَبَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ في حَقِّهِ.

2699 - مسألة: فإن (أبَى الحَجَّ، وقال: اصْرِفُوا لي الفَضْلَ. لم يُعْطَه، وبَطَلَتِ الوصيةُ في حَقِّه)

إذا قال المُعَيَّنُ ذلك، بَطَل التَّعْيِينُ، ويُحَجُّ عنه بأقَلِّ ما يُمْكِنُ إنْسانٌ ثِقَةٌ سِواه، ويُصْرَفُ الباقِي إلى الورثةِ.
ويَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ الوصيةُ إن كان الحَجُّ تَطَوُّعًا؛ لأنَّه عَيَّنَ لها جِهَةً، فإذا لم يَقْبَلْها، بَطَلَتْ، كما لو قال: بِيعُوا عبدِي لفلانٍ بمائةٍ.
فأبَى شِراءَه.
والظّاهِرُ أنَّها لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه قَصَد القُرْبَةَ والتَّعْيِينَ، فإذا بَطَل التَّعْيِينُ، لم تَبْطُلِ القُرْبَةُ، كما لو قال: بِيعُوا عبدِي لفلانٍ وتَصَدَّقُوا بثَمَنِه.
فلم يَقْبَل فلانٌ، فإنَّه يُباعُ مِن غيره ويُتَصَدَّقُ بثَمَنِه.
فإن قال المُعَيَّنُ: اصْرِفوا لي الفَضْلَ عن نَفَقَةِ الحَجِّ؛ لأنَّه مُوصًى أتى لي به.
لم يُصْرَفْ إليه شيءٌ؛ لأنَّه إنَّما أوْصَى به بالزِّيادَةِ بشَرْطِ أن يَحُجَّ، فإذا لم يُوجَدِ الشَّرْطُ، لم يَسْتَحِقَّ شيئًا.
فصل: فإذا قال: حُجُّوا عني حَجَّةً.
ولم يَذْكُرْ قَدْرًا مِن المالِ، فإنَّه لا يُدْفَعُ إلى مَن يَحُجُّ إلَّا قَدْرُ نَفَقَةِ المِثْلِ؛ لِما ذَكَرْنا، والباقِي للورثةِ.
وهذا يَنْبَنِي على أنَّه لا 1 يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه، إنَّما يَنُوبُ عنه نائِبٌ، فما

..................................  يُنْفَقُ عليه فيما يَحْتاجُ إليه فهو مِن مالِ المُوصِي، وما بَقِيَ للورثةِ.
فإن تَلِفَ المالُ في الطَّريقِ، فهو مِن مالِ المُوصِي، وليس على النّائِبِ إتْمامُ الحَجِّ.
وإن قُلْنا: يجوزُ الاسْتِئْجارُ على الحَجِّ.
فلا يَسْتَأْجِرُ إلَّا ثِقَةً بأقَلِّ ما يُمْكِن، وما فَضَل فهو للأجِيرِ؛ لأنَّه مَلَك ما أُعْطِيَ بعَقْدِ الإِجارَةِ.
وإن تَلِف المالُ في الطَّرِيقِ بعدَ قَبْضِ الأجيرِ له، فهو مِن مالِه، ويَلْزَمُه إتْمامُ الحَجِّ.
وإن قال: حُجُّوا عنِّي.
ولم يَقُل: حَجَّة واحِدَةً.
لم يحَجَّ عنه إلَّا حَجَّةٌ؛ لأنَّه أقَلُّ ما يَقَعُ عليه الاسْمُ.
فإن عَيَّنَ مع هذا، فقال: يَحُجُّ عنى فلان.
دُفِع إليه بقَدْرِ نفَقَتِه مِن بَلَدِه إذا خَرَج مِن الثُّلُثِ.
فإن أبَى الحَجَّ إلَّا بزِيادَةٍ تُصْرَفُ إليه، فيَنْبَغِي أن يُصْرَفَ إليه أقَلُّ قَدْرٍ يُمْكِنُ أن يَحُجَّ به غيرُه.
فإن أبَى الحَجَّ وكان واجِبًا، اسْتُنِيبَ غيرُه بأقَلِّ ما يمكنُ اسْتِنابَتُه.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وإن وَصّى أن يَحُجَّ عنه زيدٌ بمائةٍ، ولعمرٍو بتَمامِ الثُّلُثِ، ولسعدٍ بثُلُثِ مالِه، فأجاز الورثةُ، أُمْضِيَتْ على ما قال المُوصِي.
فإن

..................................  لم يَفْضُلْ عن المائةِ شيءٌ، فلا شيءَ لعمرٍو؛ لأنَّه إنّما وَصَّى له بالفَضْلِ، ولا فَضْلَ.
وإن رَدَّ الوَرَثةُ، قُسِم الثُّلُثُ بينَهم نِصْفَين؛ لسعدٍ السُّدْسُ، ولزيدٍ مائةٌ، وما فَضَل مِن الثُّلْثِ فلعمرٍو.
فإن لم يَفْضُلْ منه شيءٌ، فلا شيءَ لعمرٍو؛ لأنَّه إنَّما وَصَّى له بالزِّيادَةِ، ولا زِيادَةَ.
ولا تَمْتَنِعُ المُزاحَمَةُ به، ولا يُعْطَى شيئًا، كوَلَدِ الأبِ مع وَلَدِ الأبَوَين، في مُزاحَمَةِ الجَدِّ.
ويَحْتملُ أنَّه متى كان في الثُّلُثِ فَضْلٌ عن المائةِ، أن يُرَدَّ كل واحِدٍ إلى نِصْفِ وَصِيَّتِه؛ لأنَّ زيدًا إنَّما اسْتَحَقَّ المائةَ بالإجازَةِ، فمع الرَّدِّ يدْخُلُ عليه مِن النَّقْصِ بقَدْرِ وَصِيّتِه، كسائِرِ الوَصايا.

..................................  فصل: وإن وَصَّى لزيدٍ بعبدٍ بعينِه، ولعمرٍو ببَقِيةِ الثُّلُثِ، قُوِّمَ العبْدُ يومَ مَوْتِ المُوصِي -لأنَّه حالُ نُفُوذِ الوصيَّةِ- ودُفِع إلى زيدٍ، ودُفِعَ بَقِيَّةُ الثُّلُثِ إلى عمرٍو.
فإن لم يَبْقَ مِن الثُّلُثِ شيءٌ، بَطَلَتْ وصيةُ عمرٍو.
وإن مات العَبْدُ بعدَ مَوْتِ المُوصِي، [أو رَدّ زيدٌ وصيتَه، بَطَلَتْ، ولم تَبْطُلْ وصيةُ عمرٍو.
وهكذا إن مات زيدٌ قبلَ موتِ المُوصِي 1. وإن مات العبدُ قبلَ موتِ المُوصِي] 2، قَوَّمْنا التَّرِكَةَ حال موتِ المُوصِي بدُونِ العبدِ، ثم نُقَوِّمُ العبدَ لو كان حَيًّا، فإن بَقِيَ مِن الثُّلُثِ بعدَ قِيمَتِه شيءٌ، فهو لعمرٍو، وإلَّا بَطَلَتْ وصيَّتُه.
ولو قال لأحَدِ عَبْدَيه: أنت مُدَبَّرٌ.
ثم قال لآخَرَ: أَنْتَ مُدَبَّرٌ في زِيادَةِ الثُّلُثِ عن قِيمَةِ الأوَّلِ.
ثم بَطَل تَدْبِيرُ الأوَّلِ بمَوْتِه، فهي كالتي قبلَها، على ما ذَكَرْنا، أو رُجُوعِه فيه، أو خُرُوجِه مُسْتَحَقًّا، أو غيرِ ذلك.

وَإِنْ وَصَّى لأهْلِ سِكَّتِهِ، فَهُوَ لأهْلِ دَرْبِهِ.

2700 - مسألة: (وإن وَصَّى لأهلِ سِكَّتِه، فهو لأهلِ دَرْبِه)

لأنَّ السِّكَّةَ الطَّرِيقُ، والدَّرْبُ مُضافٌ إليه.

وَإِنْ وَصَّى لِجيرَانِهِ، تَنَاوَلَ أرْبَعِينَ دَارًا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: مُسْتَدَارُ أرْبَعِينَ دَارًا.

2701 - مسألة: (وإن وَصَّى لجيرانِه، تَناوَلَ أرْبَعِين دارًا مِن كلِّ جانِبٍ)

نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الأَوْزاعِيُّ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: الجارُ المُلاصِقُ؛ لأنَّ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجارُ أحَقُّ بِصَقَبِهِ» 1. يَعْنِي الشُّفْعَةَ، وإنَّما تَثْبُتُ للمُلاصِقِ.
ولأنَّ الجارَ مُشْتَقٌّ مِن المُجاوَرَةِ، وقال قَتادَةُ: الجارُ الدّارُ والدّارانِ.
ورُوِيَ عن عليٍّ، - عليه السلام -، في قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا صَلَاةَ لِجَارِ المَسْجِدِ إلَّا في المَسْجِدِ» 2. قال: مَن سَمِع النِّداءَ.
وقال سعيدُ بنُ عمرو بنِ جَعْدَةَ: مَن سَمِع الإقامَةَ.
وقال أبو يُوسُفَ: الجِيرَانُ أهلُ المَحَلَّةِ إن جَمَعَهم مسجدٌ، فإن تَفَرقَ أهلُ المَحَلَّةِ في مَسْجِدَين صَغِيرَين مُتَقارِبَين، فالجميعُ جِيرانٌ، وإن كانا عَظِيمَين، فكلُّ أهلِ مَسجدٍ جِيرانٌ، وأمّا الأمْصارُ التي فيها القَبائِلُ، فالجِوارُ على الأفْخاذِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ

وَإِنْ وَصَّى لِأَقْرَبِ قَرَابَتِه، وَلَهُ أَبٌ وَابْنٌ، فَهُمَا  أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «الجارُ أرْبَعُونَ دارًا، هَكَذَا وهَكَذَا وهَكَذَا وهَكَذَا» (1). وهذا نَصٌّ لا يَجُوزُ العُدُولُ عنه إن صَحَّ، وإن لم يَثْبُتِ الخَبَرُ، فالجارُ هو المُقارِبُ، ويُرْجَعُ في ذلك إلى العُرْفِ (وقال أبو بكرٍ: مُسْتَدارُ أرْبَعِينَ دارًا) مِن كلِّ جانِبٍ، والحديثُ يَحْتَمِلُه.

2702 -

مسألة: (وإن وَصَّى لأقْرَبِ قَرابَتِه)

أو لأقْرَبِ النّاسِ إليه، أو أقْرَبِهم به رَحِمًا، لم يُدْفعْ إلى الأبعَدِ مع وُجُودِ الأقرَبِ (فإن1

سَوَاءٌ، وَالْجَدُّ والأخُ سَوَاءٌ.
وَيَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ الابنِ عَلَى الْأَبِ، وَالْأَخِ عَلَى الْجَدِّ.
كان له أبٌ وابنٌ، فهما سَواءٌ) لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُدْلِي بنفْسِه 1 من غيرِ واسِطَةٍ.
(والأخُ والجَدُّ سواءٌ) لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يُدْلِي بالأبِ مِن غيرِ واسِطَةٍ.
(ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ الابنِ على الأبِ) لأنَّه يُسْقِطُ تَعْصِيبَه.
والأولَى أوْلَى؛ لأنَّ إسقاطَ تَعْصِيبِه لا يَمْنَعُ مُساواتَه في القُرْبِ، ولا كَونَه أقْرَبَ منه، بدَليِلِ أنَّ ابنَ الابنِ يُسْقِطُ تَعْصِيبَه مع بُعْدِه، (و) يحْتَمِلُ تَقْدِيمُ (الأخِ على الجَدِّ) لأنَّ الأخَ يُدْلِي بِبُنُوَّةِ الأبِ، والجَدَّ يُدْلِي بالأبُوَّةِ، فهما كالأبِ والابنِ.
والأوَّلُ أوْلَى، ولا يَصِحُّ قِياسُ الأخِ على الابنِ؛ لأنَّه لا يُسْقِطُ تَعْصِيبَ الجَدِّ، بخِلافِ الابنِ.
ويُقَدَّمُ الابنُ على الجَدِّ، والأبُ على ابنِ الابنِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُقَدَّمُ ابنُ الابنِ على الأبِ في وَجْهٍ؛ لأنَّه يُسْقِطُ تَعْصِيبَه.
ولَنا، أنَّ الأبَ يُدْلِي بنَفْسِه، ويَلِي ابنَه مِن غيرِ حاجِزٍ، ولا يَسْقُطُ مِيراثُه بحالٍ، بخِلافِ ابنِ الابنِ.
والأبُ والأمُّ سَواءٌ، وكذلك الابنُ والبِنْتُ، والجَدُّ أبو الأبِ وأبو الأمِّ، وأُمُّ الأبِ وأُمُّ الأمِّ، كلُّهم سَواءٌ.
هكذا ذَكَرَه شيخُنا 2.

وَالْأَخُ مِنَ الْأَبِ والْأَخُ مِنَ الأُمِّ سَوَاءٌ، وَالْأَخُ مِنَ الْأَبَوَين أحَقُّ مِنْهُمَا.
ويَحْتَمِلُ تَقْدِيمُ أبِي الأبِ على أبِي الأُمِّ؛ لأنَّه يُسْقِطُه.
ثم بعدَ الأوْلادِ أوْلادُ البَنِينَ وإن سَفَلُوا، الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، الذُّكُورُ والإناثُ، وفي أوْلادِ البَناتِ وَجْهانِ، بِناءً على دُخُولِهم في الوَقْفِ، ثم مِن بَعْدِ الوَلَدِ الأجْدادُ، الأقْرَبُ منهم فالأقْرَبُ؛ لأنَّهم العَمُودُ الثاني، ثم الإخْوَةُ والأخَواتُ، ثم وَلَدُهم وإن سَفَلُوا, ولا شيءَ لوَلَدِ الأخَواتِ، إذا قُلْنا: لا يدخلُ وَلَدُ البَناتِ.

2703 -

مسألة: (والأخُ مِن الأبِ والأخُ مِن الأمِّ سَواءٌ، والأخُ مِن الأبَوَين أحَقُّ منهما)

الأخُ مِن الأبِ والأخُ مِن الأمِّ سَواءٌ؛ لأنَّهما على دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، وكذلك وَلَداهما، والأخُ مِن الأَبوَين أحَقُّ منهما؛ لأنَّ له قَرَابَتَين، فهو أقْرَبُ ممَّن له قَرَابَةٌ واحِدَةٌ.

..................................  فصل: والأخ للأبِ أوْلَى مِن ابن الأخِ مِن الأبوين، كما في المِيراثِ، ثم بعدَهم الأعْمامُ، ثم بَنُوهم وإن سَفَلوا.
ويَسْتَوي العَمُّ مِن الأبِ والعَمُّ مِن الأمِّ، وعلى الاحْتمالِ الذي ذَكَرْناه في تَقْدِيمِ أبي الأبِ على أبي الأمِّ تَقْدِيمُ العَمِّ مِن الأبِ على العَمِّ مِن الأمِّ، وكذلك أبْناؤُهما، وعلى هذا التَّرْتِيبِ.
ذَكَرَه القاضي.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ، إلَّا أنَّه يَرَى دُخُولَ وَلَدِ البَناتِ والأخَواتِ والأخْوالِ والخالاتِ، وهذا القولُ يُخَرَّجُ على مَذْهَبِ أحمدَ على الرِّوايَةِ التي تَجْعَلُ القَرابَةَ فيها كلَّ مَن يَقَعُ عليه اسْمُ القَرابَةِ.
فأمّا على الروايةِ التي تقولُ: إن اسمَ القرابةِ يَخْتَصُّ كان مِن أوْلادِ الآباءِ.
وهي التي اخْتارَها الخِرَقِيُّ، فلا تَدْخُلُ فيه الأمُّ ولا أقارِبُها؛ لأنَّ مَن لم يكنْ مِن القرابةِ لم يكنْ مِن أقْرَبِ القرابةِ.
فعلى هذا تَتَناوَلُ الوصيةُ مَن كان أقْرَبَ مِن أوْلادِ المُوصِي، وأولادِ آبائِه إلى أربعةِ آباءٍ، ولا تَعْدُوهم.
فإن وَصَّى لجماعةٍ مِن أقْرَبِ الناسِ إليه، أُعْطِيَ ثلاثةٌ مِن أقْرَبِ الناسِ إليه.
فإن وجِد أكْثَرُ مِن ثلاثةٍ في دَرَجَةٍ واحدةٍ، كإخْوَةٍ، فالوصيةُ

فَصْلٌ: وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ لِكَنِيسَةٍ، وَلَا بَيتِ نَارٍ،  لجَمِيعِهم؛ لأنَّ بعضَهم ليس بأوْلَى مِن بعضٍ، والاسمُ يَشْمَلُهم.
وإن لم يُوجَدْ ثلاثةٌ في درجةٍ واحدةٍ، كُمِّلَتْ مِن الثانيةِ.
فإن كان 1 في الدَّرَجَةِ الثانيةِ جَماعَةٌ، سُوِّيَ بينَهم؛ لِما ذَكَرْنا في الدَّرَجَةِ الأولَى، وإن لم تُكَمَّلْ مِن الثانيةِ، فمِن الثالثةِ، فإذا وُجِد ابنٌ وأخٌ وعَمٌّ، فالوصيةُ بينَهم أثلاثًا، وكذلك إن كان ابنٌ وأخَوان، وإن كان ابنٌ وثلاثةُ إخْوَةٍ، دخل جميعُهم في الوصيةِ، ويَنْبَغِي أن يكونَ للابنِ ثُلُثُ الوصيةِ ولهم ثُلُثاها.
فإن كان الابنُ وارثًا، سَقَط حَقُّه مِن الوصيةِ إن لم يُجَزْ له، والباقِي للإخْوَةِ.
وإن وَصَّى لعَصَبَتِه، فهو لمَن يَرِثُه بالتَّعْصِيبِ في الجملةِ، سواءٌ كان مَن يَرِثُ في الحالِ أو لم يكنْ.
ويُسَوَّى بينَ قَرِيبِهم وبَعِيدِهم؛ لشُمُولِ اللفظِ لهم.
ولا خِلافَ في أنَّهم لا يكونون مِن جِهَةِ الأمِّ بحالٍ.
فصل: قال الشيخُ، رَضِيَ اللهُ عَنه: (ولا تَصِحُّ الوصيةُ لكَنِيسَةٍ، ولا بَيتِ نارٍ) ولا لعِمارتِهما والإنفاقِ عليهما.
وبهذا قال

وَلَا لِكَتْبِ التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ،  الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وسواءٌ كان المُوصِي مسلمًا أو ذِمِّيًّا.
وقال أصحابُ الرَّأي: تَصِحُّ.
وأجازَ أبو حنيفةَ الوصيةَ بأرضِه تُبْنَى كنيسةً.
وخالفَه صاحِباه.
وأجازَ أصحابُ الرأْي أن يُوصِيَ بشراءِ خَمْرٍ أو خنازِيرَ ويُتَصَدَّقَ بها على أهلِ الذِّمَّةِ.
ولَنا أنَّ هذه أفعالٌ مُحَرَّمَة، وفِعْلُها مَعْصِيَةٌ، فلم تَصِحَّ الوصيةُ بها، كما لو وَصَّى بعبدِه أو أمتِه للفُجُورِ، ولأنَّها لا تَجوزُ في الحياةِ، فلا تجوزُ في المماتِ.

2704 -

مسألة: وإن وَصَّى (لكَتْبِ التوارةِ والإنجيلِ)

لم تَصِحَّ؛ لأنَّها كُتُب مَنْسُوخَةٌ وفيها تَبْدِيلٌ، والاشْتِغالُ بها غيرُ جائزٍ، وقد غَضِب

وَلَا لِمَلَكٍ، وَلَا لِمَيِّتٍ، وَلَا لِبَهِيمَةٍ.
النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ رَأى مع عُمَرَ شيئًا مَكْتُوبًا مِن التوارةِ (1). وذَكَر القاضي أنَّه لو أوْصَى لحُصُرِ البِيَعِ وقَنادِيلها، وما شاكَلَ ذلك، ولم يَقْصِدْ إعْظامَها بذلك، صَحَّتِ الوصيةُ؛ لأنَّ الوصيةَ لأهلِ الذِّمَّةِ، فإنَّ النَّفْعَ يَعُودُ إليهم، والوصيةُ لهم صحيحةٌ.
والصحيحُ أنَّ الوصيةَ لا تَصِحُّ بهذا؛ لأنَّ ذلك إنَّما هو إعانةٌ لهم على مَعْصِيَتِهم، وتَعْظِيمٌ لكَنائِسِهم.
ونُقِل عن أحمدَ ما يَدُلُّ على صحةِ الوصيةِ مِن الذِّمِّيِّ بخِدْمَةِ الكَنِيسَةِ.
والأوَّلُ أوْلَى وأصَحُّ.
وإن وَصَّى ببِناءِ بَيتٍ ليَسْكُنَه المُجْتازُون مِن أهلِ الذِّمَّةِ وأهلِ الحَرْبِ، صَحَّ؛ لأنَّ بِناءَ مَساكِنِهم ليس بمَعْصِيَةٍ.
فصل: ولا تَصِحُّ الوصيةُ لكافِرٍ بمُصْحَفٍ ولا عبدٍ مسلمٍ؛ لأنَّه لا يجوزُ هِبَتُهما له ولا بَيعُهما منه.
وإن وَصَّى له بعبدٍ كافِرٍ، فأسْلَمَ قبلَ مَوْتِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوصيةُ، وإن أسْلَمَ بعدَ الموتِ وقبلَ القَبُولِ، وقُلْنا: إنَّ المِلْكَ إنَّما ثَبَت حينَ القَبُولِ.
بَطَلَتْ؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَبْتَدِئَ المِلْكَ على مسلمٍ.
وإن قلنا: يَثْبُتُ المِلْكُ بالموتِ قبلَ القَبُولِ.
فالوصيةُ صحيحةٌ؛ لأنَّا نَتَبَيَّنُ أنَّهْ أسْلَمَ بعدَ أن مَلَكَه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَصِحَّ أَيضًا، لأنَّه يَأْتِي بسَبَبٍ لَوْلاه لم يَثْبُتِ المِلْكُ، فمنَعَ منه، كابْتِداءِ المِلْكِ.

2705 -

مسألة: (ولا)

تَصِحُّ (لمَلَكٍ، ولا لبَهِيمَةٍ) ولا لجِنِّيٍّ؛ لأنَّه تَمْلِيكٌ، فلم يَصِحَّ لهم، كالهِبَةِ (ولا) تَصِحُّ (لمَيِّتٍ)1

وَإِنْ وَصَّى لِحَيٍّ وَمَيِّتٍ يَعْلَمُ مَوْتَهُ، فَالْكُلُّ لِلْحَيِّ.
وَيَحْتَمِلُ ألا يَكُونَ لَهُ إلَّا النِّصْفُ.
فَإنْ لَمْ يَعْلَمْ، فَلِلْحَيِّ نِصْفُ الْمُوصَى بِهِ.
لذلك.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: إن عَلِم أنَّه مَيِّتٌ، صَحَّتِ الوصيةُ، وهي لوَرَثَتِه بعدَ قضاءِ دُيُونِه وتَنْفِيذِ وصاياهُ؛ لأنَّ الغَرَضَ نفْعُه بها، فأشْبَهَ ما لو كان حَيًّا.
ولَنا، أنَّه أوْصَى لمَن لا تَصِحُّ الوصية له لو لم يَعْلَمْ حاله، فلا تَصِحُّ إذا عَلِم حاله، كالبَهِيمَةِ، وفارَقَ الحَيَّ؛ فإنَّ الوصيةَ تَصِحُّ له في الحالين، ولأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فلم يَصِحَّ للمَيِّتِ، كالهِبَةِ.

2706 -

مسألة: (وإن وَصَّى لحيٍّ ومَيِّتٍ يَعْلَمُ موتَه، فالكلُّ للحيِّ. ويَحْتَمِلُ أن لا يكونَ له إلَّا النِّصْفُ. وإن لم يَعْلَمْ، فللحيِّ نِصْفُ المُوصَى به)

إذا وَصَّى بثُلُثِه أو بمائةٍ لحيٍّ ومَيِّتٍ، فللحيِّ نِصْفُ الوصيةِ، سَواءٌ عَلِم موتَه أو لم يَعْلَمْ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، وإسحاقَ، والبَصْرِيِّين.

..................................  وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: إذا قال: هذه المائةُ لفلانٍ وفلانٍ الميِّتِ.
فهي للحيِّ منهما.
وإن قال: بينَ فلانٍ وفلانٍ.
فوافَقَنا الثوْرِيُّ على أنَّ نِصْفَها للحيِّ.
وعن الشافعيِّ كالمَذْهَبَين.
وقال أبو الخَطّابِ: عندِي إذا عَلِمَه مَيِّتًا، فالكلُّ للحيِّ، وإن لم يَعْلَمْه مَيِّتًا، فللحيِّ النِّصْفُ.
وقد نُقِلَ عن أحمدَ ما يَدُلُّ على هذا القولِ، فإنَّه قال، في روايةِ ابنِ القاسِمِ: إذا وَصَّى لفلانٍ وفلانٍ بمائةٍ، فبان أحَدُهما مَيِّتًا، فللحيِّ خَمْسُون.
فقِيلَ له: أليس إذا قال: ثُلُثِي لفلانٍ وللحائِطِ.
أليس كله لفلانٍ؟ قال: وأيُّ شيءٍ يُشْبِهُ هذا؟ الحائطُ له مِلْكٌ! فعلى هذا، متى شَرَّكَ بينَ مَن تَصِحُّ الوصيةُ له وبينَ مَن لا تَصِحُّ، مثلَ أن يُوصِيَ لفلانٍ وللمَلَكِ أو الحائطِ، أو لفلانٍ وللمَيِّتِ، فالمُوصَى به كله لمَن تَصِحُّ له،

..................................  إذا كان عالمًا بالحالِ؛ لأنَّه إذا شَرَّكَ بينَهما في هذه الحالِ، عُلِم أنَّه قَصد بالوصيةِ كلِّها مَن تَصِحُّ الوصيةُ له.
وإن لم يَعْلَمْ بالحالِ، فلِمَن تَصِحُّ الوصيةُ له نصفُها, لأنَّه قَصَد إيصال نصفِها إليه وإلى الآخَرِ النِّصْفِ، ظنًّا منه أنَّ الوصيةَ له صحيحةٌ، فإذا بَطَلَتِ الوصيةُ في حقِّ أحَدِهما، صَحَّتْ في حَقِّ الآخَرِ بقِسْطِه، كتَفْرِيقِ الصَّفْقَةِ.
ووَجْهُ القَوْلِ الأوّلِ، أنَّه جَعَل الوصيةَ لاثْنَين، فلم يَسْتَحِقَّ أحدُهما جَميعَها، كما لو كانا ممَّن تَصِح الوصيةُ لهما فمات أحدُهما، أو كما لو لم يَعْلَمِ الحال.
فأمّا إن وصَّى لاثنَين حَيَّين

وَإِنْ وَصَّى لِوَارِثِهِ وَأَجْنَبِيٍّ بِثُلُثِ مَالِهِ، فَرَدَّ الْوَرَثَةُ، فَلِلأَجنَبِيِّ السُّدْسُ.
فمات أحدُهما، فللآخَرِ نصفُ الوصيةِ.
لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ومِثْلُه لو بَطَلَتِ الوصيةُ في حَق أحَدِهما؛ لرَدِّه لها، أو لخُرُوجِه عن أن يكونَ مِن أهلِها.
ولو قال: أوْصَيتُ لكلِّ واحِدٍ مِن فلانٍ وفلانٍ بنِصْفِ الثُّلُثِ -أو- بنصفِ المائةِ -أو- بخَمْسِين.
لم يَسْتَحِقَّ أحَدُهما أكْثَرَ مِن نِصْفِ الوصيةِ، سواءٌ كان شَرِيكُه حَيًّا أو مَيِّتًا؛ لأنَّه عَيَّنَ وصيتَه في النصفِ، فلم يَكُنْ له حَقٌّ فيما سِواه.

2707 -

مسألة: (فإن وَصّى لوارِثِه وأجْنَبِيٍّ)

بثُلُثِه، فأجاز سائِرُ

وَإنْ وَصَّى لَهُمَا بِثُلُثَي مَالِهِ،  الوَرَثَةِ وصيةَ الوارِثِ، فالثُّلُثُ بينَهما نِصْفَين.
وإن وَصَّى لكلِّ واحدٍ منهما بمُعَيَّنٍ قِيمَتُهما الثُّلُثُ، فأجاز سائِرُ الورثةِ وصيةَ الوارِثِ، جازَتِ الوَصِيّتان لهما.
وإن ردُّوا، بَطَلَتْ وصيةُ الوارِثِ في المسْأَلتَين، وللأجْنَبِيِّ السُّدْسُ في الأُولَى، والمُعَيَّنُ المُوصَى له به في الثانيةِ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْي، وغيرِهم.

2708 -

مسألة: (وإن وَصَّى لهما بثُلُثَي مالِه)

وأجاز الورثةُ لهما، جازت.
وإِن عَيَّنُوا نَصِيبَ الوارثِ بالرَّدِّ وَحْدَه، فللأجْنَبِيِّ الثُّلُثُ كامِلًا؛ لأنَّهم خَصُّوا الوارِثَ بالإِبطالِ، فالثُّلُثُ كله للأجْنَبِيِّ، وسَقَطَتْ وصيةُ الوارِثِ، فصار كأنَّه لم يُوصِ له.
وإن أبْطَلوا الزّائِدَ عن الثُّلُثِ مِن غيرِ تَعْيينِ نصيبِ.
أحَدِهما، فالثُّلُثُ الباقِي بينَ الوَصِيَّين، لكلِّ واحِدٍ منهما

فَكَذِلَكَ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ، لَهُ الثُّلُثُ كُلُّهُ.
السُّدْسُ.
وهذا الذي ذَكَرَه القاضِي.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأن الوارِثَ يُزاحِمُ الأجْنَبِيَّ إذا أجاز الورثةُ الوَصِيَّتين، فيكونُ لكلِّ واحدٍ منهما الثُّلُثُ، فإذا أبْطَلُوا نِصْفَهما بالرَّدِّ، كان البُطْلانُ راجِعًا إليهما، وما بَقِيَ منهما بينَهما، كما لو تَلِف ذلك بغيرِ الرَّدِّ.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّ الثُّلُثَ جَميعَه للأجْنَبِيِّ.
وحُكِيَ نحوُه عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّهم لا يَقْدِرُونَ على إبْطالِ الثُّلُثِ فما دُونَ إذا كان لأجْنَبِيٍّ، ولو جَعَلْنا الوصيةَ بينَهما لمَلَكُوا إبْطال ما زاد على السُّدْسِ، فإن صَرَّحَ الورثةُ بذلك، فقالوا: أجَزْنا الثُّلُثَ لكما، ورَدَدْنا ما زاد عليه مِن وَصِيَّتِكما.
أو قالوا: رَدَدْنا مِن وصيةِ كلِّ واحِدٍ منكما نِصْفَها، وبَقَّينا له نِصْفَها.
كان ذلك آكَدَ في جَعْلِ السُّدْسِ لكلِّ واحدٍ منهما؛ لتَصْرِيحِهم به.
وإن قالوا: أجَزْنا وصيةَ الوارثِ كُلَّها، ورَدَدْنا وصيَّةَ الأجْنَبِيِّ.
فهو على ما قالُوا؛ لأنَّ لهم أن يُجِيزُوا لهما وأن يَرُدُّوا عليهما، فكان لهم أن يُجيزُوا لأحَدِهما ويرُدُّوا على الآخرِ.
وإن أجازُوا للأجْنَبِيِّ جَمِيعَ وصيتِه ورَدُّوا على الوارِثِ نِصْفَ وصيتِه، جاز،

وَإنْ وَصَّى بِمَالِهِ لِابْنَيهِ وَأَجْنَبِيٍّ، فَرَدَّا وَصِيَّتَهُ، فَلَهُ التُّسْعُ  كما قُلْنا.
وإن أرادُوا أن يَنْقُصُوا الأجْنَبِيَّ عن نِصْفِ وصيتِه، لم يَمْلِكُوا ذلك، سواءٌ أجازُوا للوارِثِ أو رَدُّوا عليه.
فإن رَدُّوا جَمِيعَ وصيةِ الوارِثِ ونِصْفَ وصيةِ الأجْنَبِيِّ، فعلى قولِ القاضِي، لهم ذلك؛ لأنَّ لهم أن يُجِيزُوا الثُّلُثَ لهما، فيَشْتَرِكان فيه، ويكونُ لكلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه، ثم إذا رَجَعُوا فيما للوارِثِ، لم يَزِدِ الأجْنَبِيُّ على ما كان له في حالِة الإجازَةِ للوارِثِ.
وعلى قولِ أبي الخَطّابِ، يَتَوَفَّرُ الثُّلُثُ كلُّه للأجْنَبِيِّ؛ لأنَّه إنَّما يُنْتَقَصُ (1) منه بمُزاحَمَةِ الوارِثِ، فإذا زالتِ المُزاحَمَةُ، وَجَب توْفِيرُ الثُّلُثِ عليه؛ لأنَّه قد أوْصَى له به.

2709 -

مسألة: (ولو وَصَّى بمالِه لابنَيه وأجْنَبِيٍّ)

فرَدُّوا وَصِيَّةَ الوارِثِ، فهو على ما قال، وإن أجازُوا للوارِثِ، فالثُّلُثُ بينَهما؛ لأَن الوصيةَ تَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ.
ولو قال: أوْصَيتُ لفلانٍ بثُلُثِي، فإن مات قبلِي فهو لفلانٍ.
صَحَّ.
فإن وَصَّى لوارِثِه، فأجاز بعضُ باقِي الورثةِ الوصيةَ دُونَ البعضِ، نَفذَ في نَصِيبِ مَن أجاز وَحْدَه.
وإن أجازُوا بعضَ الوصيةِ دُونَ بعضٍ، نَفَذَتْ فيما أجازُوا دُونَ ما لم يُجِيزُوا.
وإن أجازَ بعضُهم بعضَ الوصيةِ، وأجاز بعضُهم جَمِيعَها أو رَدُّوها، فهو على1

عِنْدَ الْقَاضِي، وَعِنْدَ أبي الْخَطَّابِ لَهُ الثُّلُثُ، وَإنْ وَصَّى لِزَيدٍ وَلِلْفقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ بِثُلُثِهِ، فَلِزَيدٍ التُّسْعُ.
ما فَعَلُوا مِن ذلك.
فلو خَلَّفَ ثلاثةَ بَنِينَ، وعَبْدًا لا يَمْلِكُ غيرَه، فوَصَّى به لأحَدِهم، أو وَهَبَه إيّاه في مَرَضِ مَوْتِه، فأجازَ له أخَواه، فهو له، وإن أجازَ له أحَدُهما وَحْدَه، فله ثُلُثاه، وإن أجازا (1) له نِصْفَ العَبْدِ، فله نِصْفُه، ولهما نِصْفه، وإن أجاز أحَدُهما له نِصْفَ نَصِيبِه ورَدَّ الآخَرُ، فله النِّصْفُ، الثُّلُثُ بنَصِيبِه والسُّدْسُ مِن نَصِيبِ المُجيزِ، وإن أجازَ كلُّ واحدٍ منهما له نِصْفَ نَصِيبِه، كَمَل له الثُّلُثان، وإن أجاز لَه أحَدُهما نِصْفَ نَصِيبِه، والآخَر ثُلُثَه، أو باع نَصِيبَه، كَمَل له ثلاثةُ أرْباعِ العَبْدِ.
وإن وَصَّى بالعبدِ لاثْنَين منهما، فللثالثِ أن يُجِيزَ لهما أو يَردَّ عليهما، أو يُجيزَ لهما بعضَ وَصِيَّتِهما، إن شاء متَساويًا، وإن شاء مُتَفاضِلًا، أو يَرُدَّ على أَحَدِهما ويُجيزَ للآخرِ وَصِيَّتَه كلَّها أو بعضَها، أو يُجِيزَ لأحَدِهما جَمِيعَ وَصِيّتِه وللآخَرِ بعضَها، فكلُّ ذلك جائِزٌ؛ لأنَّ الحَقَّ له، فكَيفَما شاء فَعَل فيه.

2710 -

مسألة: (وإن وَصَّى لزيدٍ والفقَراءِ والمَساكِينِ بثُلُثِه، فلزَيدٍ التُّسْعُ)

وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومحمدٌ.
وعن محمدٍ، لزيدٍ الخمْسُ،1

..................................  وللفُقَراءِ الخُمْسانِ، وللمَساكِينِ الخُمْسان؛ لأنَّ أقَلَّ الجَمْعِ اثْنانِ.
ولأصْحابِ الشافعيِّ وَجْهانِ؛ أحَدُهما، كقَوْلِنا.
والثانِي، له السُّبْعُ؛ لأنَّ أقَلَّ الجمعِ ثلاثةٌ، فإذا انْضَمَّ إليهم صاروا سَبْعَةً.
ولَنا، أنَّه وَصَّى لثَلاثِ جِهَاتٍ، فوَجَبَ أن يُقْسَمَ بينَهم بالسَّويَّةِ، كما لو وَصَّى لزيدٍ وعَمْرٍو وخالِدٍ.
وإن كان زَيدٌ مِسْكِينًا، لم يُدْفَعْ إليه مِن سَهْمِ المَساكِينِ شيءٌ.
وبه قال الحسنُ، وإسحاقُ؛ لأنَّ عَطْفَهم عليه يَدُلُّ على المُغايَرَةِ بينَهم، إذ الظّاهِرُ بينَ المَعْطُوفِ والمَعْطُوفِ عليه المُغايَرَةُ 1، ولأنَّ تَجْويزَ ذلك

..................................  يُفْضِي إلى تَجْويزِ دَفْعِ نَصِيبِ المَساكِينِ كلِّه إليه، ولَفْظُه يَقْتَضِي خِلافَ ذلك.
فأمّا إن كانتِ الوصيةُ لقوم يُمْكِنُ اسْتِيعابُهم وحَضرُهم، مثلَ أن يقولَ: هذا لزيدٍ وإخْوَتِه.
فهي كالتي قبلَها.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ كأحَدِهم؛ لأنَّه شَرَّكَ بينَه وبينَهم على وَجْهٍ لا يجوزُ الإخْلالُ ببعضِهم، فتَساوَوْا فيه، كما لو قال: هذا لكم.

بَابُ الْمُوصَى بِهِ

تَصِحُّ الْوَصِيّةُ بِمَا لَا يَقْدِرُ عَلَى تَسْلِيمِهِ؛ كَالْآبِقِ، وَالشَّارِدِ، وَالطَّيرِ: فِي الْهَوَاء، وَالْحَمْلِ في الْبَطْنِ، وَاللَّبَنِ في الضَّرْعِ، وَبِالْمَعْدُومِ؛ كَالَّذِي تَحْمِلُ أمَتُهُ أوْ شَجَرَتُهُ أبَدًا، أوْ في مُدَّةٍ مُعَينةٍ.
بابُ المُوصَى به (تَصِحُّ الوَصِيةُ بما لا يَقْدِرُ على تَسْلِيمِه؛ كالآبِقِ، والشّاردِ، والطَّيرِ في الهَواءِ، والحَمْلِ في البَطْنِ، واللَّبَن في الضَّرْعِ) لأنَّ الوصيةَ إذا صَحَّتْ بالمَعْدُومِ، فبغيرِه أوْلَى، ولأَنَّها أُجْرِيَتْ مُجْرَى المِيراثِ، وهذا يُورَثُ، فيُوصَى به.
فإن قَدَر عليه، أخَذَه وَسَلَّمَه إذا خَرَج مِن الثُّلُثِ، وللوَصِيِّ السَّعْيُ في تَحْصِيلِه، فإن قَدَر عليه، أخَذَه إذا خَرَج مِن الثُّلُثِ.
فصل: وتَصِحُّ بالحَمْلِ إذا كان مَمْلُوكًا، بأن يكونَ رَقِيقًا، أو حَمْلَ بَهِيمَةٍ مَمْلُوكَةٍ؛ لأنَّ الغَرَرَ والخَطَرَ لا يَمْنَعُ صِحَّةَ الوصيةِ، فجَرَى مَجرَى إعْتاقِ الحَمْلِ.
فإنِ انْفَصَلَ مَيِّتًا، بَطَلَتِ الوصيةُ، وإن خَرَج حَيًّا وعَلِمْنا وُجُودَه حال الوصيةِ، أو حَكَمْنا بوُجُودِه، صَحَّتِ الوصيةُ، وإن لم يكنْ كذلك لم يَصِحَّ؛ لجَوازِ حُدُوثِه.

2711 -

مسألة: (و)

تَصِحُّ (بالمَعْدُومِ) فلو قال: أوْصَيتُ

فَإنْ حَصَلَ مِنْهُ شَيْءٌ فَهُوَ لَهُ، وَإِلَّا بَطَلَتِ الْوَصيَّةُ.
وَإِنْ وَصَّى لَهُ بمِائَةٍ لا يَمْلِكُهَا، صَحَّ.
فَإِنْ قَدَرَ عَلَيهَا عِنْدَ الْمَوْتِ أوْ عَلَى شَيءٍ مِنْهَا، وَإلَّا بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
لك بما تَحْمِلُ جارِيتِي هذه -أو- ناقَتِي هذه -أو- نَخْلَتِي هذه.
صَحَّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن صِحَّتِها مع الغرَرِ، سواءٌ وَصَّى بما تَحْمِلُه أبدًا أو مُدَّةً بعَينِها؛ لأنَّ المَعْدُومَ يجوزُ أن يُمْلَكَ بالسَّلَمِ والمُساقاةِ، فجاز أن يُمْلَكَ بالوصيةِ (فإن حَصَل منه شيءٌ، وإلَّا بَطَلَت وصيَّتُه) لأنَّ المُوصَى به عُدِم، فبَطَلَتِ الوصيةُ به، كالمَوْهُوبِ إذا عُدِم؛ لأنَّ الوصيةَ كالهِبَةِ (وإن وَصَّى له بمائةٍ لا يَمْلِكُها، صَحَّ.
فإن قَدَرَ عليها عندَ المَوْتِ أو على شيءٍ منها، وإلَّا بَطَلَتْ) لِما ذَكَرْنا في المسألةِ قبلَها.

وَتَصِحُّ بِمَا فِيهِ نَفْعٌ مُبَاحٌ مِنْ غَيرِ الْمَالِ؛ كَالْكَلْبِ، وَالْزَّيتِ النَّجِسَ.

2712 - مسألة: (وتَصِحُّ بما فيه نَفْعٌ مُباحٌ مِن غيرِ المالِ؛ كالكَلْبِ، والزَّيتِ النَّجِسِ)

تَصِحُّ الوصيةُ بالكَلْبِ المُباحِ اقْتِناؤُه؛ ككَلْبِ الصَّيدِ والماشِيةِ والحَرْبِ؛ لأنَّ فيه نَفْعًا مُباحًا، وتُقَرُّ اليَدُ عليه، والوصيةُ تَبَرُّعٌ، فصَحَّت في المالِ وفي غيرِ المالِ، كالهِبَةِ.
وإن كان ممّا لا يُباحُ اقْتناؤُه، لم تَصِحَّ الوصيةُ به، سواءٌ قال: كَلْبًا مِن كلابي -أو- مِن مالي.
لأنَّه لا يَصِحُّ شِراءُ الكَلْبِ؛ لأنَّه لا قِيمَةَ له، بخِلافِ ما إذا أوْصَى له بشاةٍ ولا شاةَ له، فإنَّه يُمْكِنُ تَحْصِيلُها بالشِّراءِ.
فإن كان له كَلْبٌ ولا مال له سِواه، فله ثُلُثُه.
وإن كان له مالٌ سِواه، فقد قِيلَ: للمُوصَى له جَمِيعُا لكَلْبِ وإن قَلَّ المالُ؛ لأنَّ قَلِيلَ المالِ خيرٌ مِن الكَلْبِ؛ لكونِه لا قِيمَةَ له.
وقيل: للمُوصَى له به ثُلُثُه وإن كَثُرَ المالُ؛ لأنَّ مَوْضُوعَ الوصيةِ على أن يُسَلَّمَ ثُلُثَا التَّرِكَةِ للوَرَثةِ، وليس في التَّرِكَةِ شيءٌ مِن جِنْسِ المُوصَى به.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمُوصِي مَالٌ فَلِلْمُوصَى لَهُ ثُلُثُ ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ لَهُ مَالٌ، فَجَمِيعُ ذَلِكَ لِلْمُوصَى لَهُ وَإنْ قَلَّ الْمَالُ، في أحَدِ الْوَجْهَينِ، وَفِي الآخَرِ، لَهُ ثُلُثُهُ.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ كَلْبٌ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ بِهِ.
فصل: وإن وَصَّى لرجلٍ بكِلابِه ولآخَرَ بثُلُثِ مالِه، فللمُوصَى له بالثُّلُثِ الثُّلُثُ، وللمُوصَى له بالكِلابِ ثُلُثُها، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ ما حَصَل للورثةِ 1 مِن ثُلُثَيِ المال قد جازَتِ الوصيةُ فيما يُقابِلُه مِن حَقِّ المُوصَى له، وهو الثُّلُثُ، فلا يُحسَبُ عليهم في حَقِّ الكِلابِ.
ولو وَصّى بثُلُثِ مالِه، ولم يُوصِ بالكِلابِ، دُفِع إليه ثُلُثُ المالِ، ولم يُحْتَسَبْ بالكِلاب على الورثةِ؛ لأنَّها ليست بمالٍ.
وإذا قُسِمَتِ الكِلابُ بينَ الوارِثِ

..................................  والمُوصَى له، أو بينَ اثْنَين مُوصًى لهما بها، قُسِمَتْ على عَدَدِها؛ لأنَّها لا قِيمَةَ لها، فإن تَشاحُّوا في بعضها، فيَنْبَغِي أن يُقْرَعَ بينَهم.
وإن وَصَّى له بكلبٍ 1، وله كِلابٌ يُباحُ اتِّخاذُها، ككِلابِ الصَّيدِ والماشِيَةِ والحَرْثِ، فله واحِدٌ منها بالقُرْعَةِ، أو ما أحَبَّ الورثةُ، على الروايةِ الأُخْرَى.
وإن كان له كَلْبٌ يُباح اتِّخاذُه، وكَلْبُ هِراشٍ 2، فله الكَلْبُ المُباحُ.
ومَذْهَبُ الشَّافعيِّ في هذا الفَصلِ كلِّه 3 على ما ذَكَرْنا، إلَّا أنَّه يَجْعَلُ للمُوصَى له بكَلْبٍ ما أحَبَّ الورثةُ دَفْعَه إليه.
ولا تَصِحُّ الوصيةُ بالجَرْو الصغيرِ، في أحَدِ الوَجْهَين، وتَصِحُّ في الآخَرِ، بِناءً على جَوازِ اقْتِنائِه وتَرْبِيتِه للصَّيدِ، وقد سَبَق ذلك في كِتابِ البَيعِ 4.

وَلَا تَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِمَا لَا نَفْعَ فِيهِ، كَالْخَمْرِ وَالْمَيتَةِ وَنَحْوهِمَا.
فصل: فأمّا الزَّيتُ النَّجِسُ، فإن قُلْنا بجَوازِ الاسْتِصباحِ به، فهو كالكَلْبِ الذي يُباحُ اتِّخاذُه.
وإن قُلْنا: لا يجوزُ.
لم تَصِحَّ الوصيّةُ؛ لأنَّه ليس فيه نَفْعٌ مُبَاحٌ، أشْبَهَ الخِنْزِيرَ.
فصل: ولا تَصِحُّ الوصيةُ بالخِنْزِيرِ، ولا بشيءٍ مِن السِّباعِ التي لا تَصْلُحُ للصَّيدِ؛ كالأسَدِ، والذِّئْبِ؛ لأنَّها لا مَنْفَعَةَ فيها.
ولا تَصِحُّ بشيءٍ ليس فيه مَنْفَعَةٌ مُباحَةٌ مِن غيرِها (كالخَمْرِ والمَيتَةِ ونحوهما) لأنَّ الوصيةَ تمليكٌ، فلا تَصِحُّ بذلك، كالهِبَةِ، ولأنَّ ذلك مُحَرَّمٌ، فلا تَصِحُّ.
الوصيةُ به، كالخِنْزِيرِ.

وَتَصِحُّ الْوَصِيَّةُ بِالْمَجْهُولِ؛ كَعَبْدٍ، وَشَاةٍ، وَيُعْطَى مَا يَقَعُ عَلَيهِ الاسْمُ.

2713 - مسألة: (وتَصِحُّ الوصيةُ بالمَجْهُولِ؛ كعَبْدٍ، وشاةٍ)

لأنَّ الوصيةَ تَصِحُّ بالمَعْدُومِ، فالمَجْهُولُ بطَرِيقِ الأوْلَى، ولأنَّ المَجْهُولَ يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، فصَحَّتِ الوصيةُ به، كالمَعْلُومِ.
ويُعْطِيه الورثةُ ما شاءُوا ممّا يَقَعُ عليه الاسْمُ؛ لأنَّه اليَقِينُ، كما لو أقَرَّ له بعَبْدٍ، فإن لم يَكُنْ له عَبِيدٌ اشْتُرِيَ له ما يُسَمَّى عبدًا، وإن كان له عَبِيدٌ أعْطاه الورثةُ ما شاءُوا؛ لِما ذَكَرْنا.
وقال القاضي: يُعْطِيه الورثةُ ما شاءُوا مِن ذَكَرٍ أو أُنْثَى.
قال شيخُنا 1: والصَّحِيحُ عِنْدِي أنَّه لا يَسْتَحِقُّ إلَّا ذَكَرًا؛ فإنّ الله تعالى فَرَّقَ بينَ العَبِيدِ والإِماءِ بقَوْلِه سبحانه: ﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ﴾ 2. والمَعْطُوفُ يُغايِرُ

فَإنِ اخْتَلَفَ الاسْمُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْعُرْفِ؛ كَالشَّاةِ في الْعُرْفِ لِلأنْثَى، وَالْبَعِيرُ وَالثَّوْرُ هُوَ في الْعُرْفِ لِلذَّكَرِ وَحْدَهُ، وَفِي الْحَقِيقَةِ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى، غُلِّبَ الْعُرْفُ.
وَقَال أصْحَابُنَا: تُغَلَّبُ الْحَقِيقَةُ.
المَعْطُوفَ عليه ظاهِرًا، ولأنَّه في العُرْفِ كذلك، فإنَّه لا يُفْهَمُ مِن إطْلاقِ اسمَ العَبْدِ إلَّا الذَّكَرُ.
و (1) لو وَكَّلَه في شِراءِ عبدٍ لم يكنْ له شِراءُ أمَةٍ، وإن وَصَّى له بأمَةٍ لم يكنْ له أن يُعْطِيَه إلَّا أُنْثَى.
وليس له أن يُعْطِيَه خُنْثَى مُشْكِلًا؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه ذَكَرًا ولا أُنْثَى.
وإن وَصَّى له بواحِدٍ مِن رَقِيقِه، أو بِرَأْسٍ ممّا مَلَكَتْ يَمينُه، دَخَل في وصيتِه الذَّكَرُ والأُنْثَى والخُنْثَى.

2714 -

مسألة: (فإنِ اخْتَلَفَ الاسمُ بالحَقِيقَةِ والعُرْفِ، كالشّاةِ في العُرْفِ)

اسمٌ (للأُنْثَى، والبَعِيرُ والثَّوْرُ اسْمٌ للذَّكَرِ، غُلِّبَ العُرْفُ) في اخْتِيارِ شيخِنا؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ المُتَكَلِّمَ إنَّما يَتَكَّلمُ بعُرْفِه، ولا يُرِيدُ إلَّا ما يَفْهَمُه أهْلُ بَلَدِه (وقال أصحابُنا: تُغَلَّبُ الحقيقةُ) ولهذا يُحْمَلُ عليه كلامُ الله تعالى وكلامُ رسولِه.
فعلى هذا، إذا وَصَّى له بشاةٍ، يَتناوَلُ الضَّأْنَ1

..................................  والمَعْزَ.
قال أصحابُنا: ويتناولُ الصَّغيرَةَ والكَبِيرَةَ، [والذَّكَر] 1 والأنْثَى؛ لأنَّ اسْمَ الشّاةِ يتناولُ جَميعَ ذلك؛ بدَلِيلِ قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «في أرْبَعِينَ شَاةً شَاةٌ» 2. يُريدُ الذُّكُورَ والإِناثَ، والصِّغَارَ والكِبارَ.
وقال شيخُنا 3: لا يَتناوَلُ إلَّا أُنثَى كَبِيرةً، إلَّا أن يكونَ في عُرْفِهم في بَلَدٍ يَتَناوَلُ ذلك، فأمّا مَن لا يَتَناوَلُ عُرْفُهم إلَّا الإِناثَ، فإن وَصِيَّتَه لا تَتَناوَلُ إلَّا ما يُسَمَّى في عُرْفِهم؛ لِما ذكَرْنا.
والكَبْشُ الذَّكَرُ الكَبِيرُ مِن الضَّأْنِ.
والتَّيسُ لا يَقَعُ إلَّا على الذَّكَر الكَبِيرِ مِن المَعْزِ.
فإن وَصَّى بعَشْرَةٍ مِن الغَنَمِ، تَناوَلَ عَشْرَةً مِن الذُّكُورِ والإِناثِ، والصِّغارِ والكِبارِ.
فصل: وإن وَصَّى بجَمَلٍ، فهو الذَّكَرُ، وإن وَصَّى بنَاقةٍ، فهي الأنْثَى.
وإن قال: عَشرَةٌ مِن إبِلي.
وَقَع على الذَّكَرِ والأنثَى جَمِيعًا.
ويَحْتَمِلَانَه إن قال: عَشَرَةُ.
بالهاءِ، فهي للذُّكُورِ.
وإن قال: عَشْرٌ.

وَالدَّابَّةُ اسْمٌ لِلذَّكَرِ وَالأُنْثَى مِنَ الْخَيلِ وَالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ.
فهو للإِناثِ.
وكذلك الغَنَمُ؛ لأنَّ العَدَدَ في العَشَرَةِ مِن الثلاثةِ إلى العَشَرَةِ للذُّكُورِ بالْهاءِ، وللمُؤَنَّثِ بغيرِها، قال اللهُ تعالى: ﴿سَخَّرَهَا عَلَيهِمْ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ﴾ (1). وإن وَصَّى ببَعِيرٍ، ففيه وَجْهانِ؛ أحَدُهما، هو للذَّكَرِ وَحْدَه؛ لأنَّه في العُرْفِ اسْمٌ له.
والثانِي، هو للذَّكَرِ والأنْثَى؛ لأنَّه يَتَناوَلُهما جَمِيعًا في لسانِ العَرَبِ، فيقولُ: حَلَبْتُ البَعِيرَ.
يُرِيدُ النّاقَةَ، والجَمَلُ في لِسانِهم كالرجلِ مِن بني آدَمَ، والنّاقَةُ كالمَرأةِ، والبَكْرَةُ كالفتاةِ.
وكذلك القَلُوصُ والبَعِيرُ كالإِنْسانِ.
وإن وَصَّى له بثَوْرٍ، فهو ذَكَرٌ، وإن وَصَّى ببقرةٍ، فهي أُنْثَى.

2715 -

مسألة: (والدّابّةُ اسْمٌ للذَّكَرِ والأُنْثَى مِن الخَيلِ والبغالِ والحَمِيرِ)

لأنَّ الاسْمَ في العُرْفِ يَقَعُ على جَمِيعِ ذلك.
فإن قَرَن به ما يَصْرِفُه إلى أحَدِها، كقَوْلِه: دابَّةٌ يُقاتِلُ عليها.
انصَرَفَ إلى الخَيلِ.
وإن قال: دابَّةٌ يَنْتَفِعُ بظَهْرِها ونَسْلِها.
خَرَج منه البِغالُ وخَرَج منه الذَّكَرُ.
وإن وَصَّى له بحمارٍ، فهو ذَكَرٌ، والأتَانُ أُنْثَى.
وإن وَصَّى بحِصانٍ فهو ذَكَرٌ، والفَرَسُ يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ والأُنثَى.1

وَإِنْ وَصَّى لَهُ بِغَيرِ مُعَيَّنٍ؛ كَعَبْدٍ مِنْ عَبِيدِهِ، صَحَّ، وَيُعْطِيهِ الْوَرَثَةُ مَا شَاءُوا مِنْهُمْ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: يُعْطى وَاحِدًا بِالْقُرْعَةِ.

2716 - مسألة: (وإن وصَّى له بغيرِ مُعَيَّنٍ؛ كعَبْدٍ مِن عَبِيدِه، صَحَّ، ويُعْطِيه الوَرَثَةُ ما شاءُوا)

الوصيةُ بغيرِ مُعَيَّنٍ؛ كعَبْدٍ مِن عَبيدِه، وشاةٍ مِن غَنَمِه، صَحيحَةٌ.
وقد ذَكَرنا صحةَ الوصيةِ بالمَجْهولِ فيما

..................................  مَضَى.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ.
واخْتَلَفَتِ الروايةُ فيما يَسْتَحِقُّه المُوصَى له، فرُوِيَ أنَّه يَسْتَحِق أحَدَهم بالقُرْعَةِ.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
ونَقَل ابنُ مَنْصُورٍ، أنَّه يُعْطَى أخَسَّهم.
يَعْنِي يُعْطِيه الورثة ما أحَبُّوا.
وهو قولُ الشَّافعيِّ.
وقال مالكٌ قولًا يَقْتَضِي أنَّه إذا وَصَّى بعَبْدٍ وله ثلاثةُ أعْبُدٍ فله ثُلُثُهم، وإن كانوا أربعةً فله رُبْعُهم، فإنَّه قال: إذا وَصَّى بعَشْرٍ مِن إبلِه، وهي مائةٌ، يُعْطَى عُشْرَها، والنَّخْلُ والرَّقِيقُ والدَّوابُّ على ذلك.
والصحيحُ، إن شاء الله تعالى، أنَّه يُعْطَى عَشَرَةً بالعَدَدِ؛ لأنَّه الذي تَناوَلَه لَفْظُه، ولَفْظُه هو المُقْتَضى، فلا يُعْدَلُ عنه، لكنْ يُعْطَى واحِدًا بالقُرْعَةِ؛ لأنَّه يَسْتَحِقُّ واحِدًا غيرَ مُعَيَّن، وليس واحِدٌ بأوْلَى مِن واحِدٍ، فوَجَبَ المَصِيرُ إلى القُرْعَةِ، كما لو أعْتَقَ واحِدًا منهم.
وعلى ما نَقَلَه ابنُ مَنْصُورٍ، يُعْطِيه الوَرَثَةُ ما شاءُوا، مِن صحيحٍ أو مَعِيبٍ، جَيِّدٍ أو رَدِيءٍ؛ لأنَّه يَتناوَلُه اسْمُ العَبْدِ، فأجْزَأ، كما لو وَصَّى له بعَبْدٍ ولم يُضِفْه إلى عَبِيدِه.

فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَبِيدٌ، لَمْ تَصِحَّ الْوَصِيَّةُ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ وَتَصِحُّ في الآخَرِ، وَيُشْتَرَى لَهُ مَا يُسَمَّى عَبْدًا.

2717 - مسألة: (وإن لم يكنْ له عَبِيدٌ، لم تَصِحَّ الوصيةُ، في أحَدِ الوَجْهَين)

لأنَّه أوْصَى له بلا شيءٍ، فهو كما لو قال: أوْصَيتُ لك بما في كِيسي.
ولا شيءَ فيه.
أو: بدَارِي.
ولا دارَ له.
وهذا أحَدُ الوَجْهَين.
فإنِ اشْتَرَى قبلَ مَوْتِه عَبِيدًا، احْتَمَلَ أن لا تَصِحَّ الوصيةُ؛ لأنَّها وَقَعَتْ باطِلَةً، فهو كما لو قال: أوْصَيت لك بما في كِيسي.
ولا شيءَ فيه ثم جَعَل في كِيسِه شيئًا, ولأنَّ الوصيةَ تَقْتَضِي عَبْدًا مِن المَوْجُودِين حال الوصيةِ.
وقد روَى ابنُ مَنْصُورٍ، عن أحمدَ، في مَن قال في مَرَضِه: أعْطُوا فلانًا مِن كِيسِي مائةَ دِرْهَمٍ.
فلم يُوجَدْ في كِيسِه شيءٌ: يُعْطَى مائةَ دِرْهَمٍ.
فلم يُبْطِلِ الوصيةَ؛ لأنَّه قَصَد إعْطاءَه مائةَ درهمٍ،

وَإنْ كَانَ لَهُ عَبِيدٌ فَمَاتُوا إلَّا وَاحِدًا، تَعينَّتَ الْوَصِيَّةُ فِيهِ.
وَإنْ قُتِلُوا كُلُّهُمْ، فَلَهُ قِيمَةُ أحَدِهِمْ عَلَى قَاتِلِهِ.
وظَنَّها في الكِيسِ، فإذا لم تكنْ له في الكِيسِ، أُعْطِيَ مِن غيرِه.
فكذلك يُخَرَّجُ في الوصيةِ بعَبْدٍ مِن عَبِيدِه إذا لم يكن له عَبِيدٌ، يُشْتَرَى له عَبْدٌ ويُعْطاهُ.
وهذا الوَجْهُ الثانِي.
ووَجْهُه أنَّه لَمّا تَعَذَّرَتِ الصِّفَةُ، بَقِيَ أصْلُ الوصيةِ، فأشْبَهَ ما لو وَصَّى له بألْفٍ لا يَمْلِكُه ثم مَلَكَه.

2718 -

مسألة: (فإن كان له عَبِيدٌ فماتوا إلَّا واحِدًا، تَعَيَّنَتَ الوصيةُ فيه)

وكذلك إن لم يكنْ له إلَّا عَبْدٌ واحِدٌ؛ لتَعَذُّرِ تَسْلِيمِ الباقِي.
وإن تَلِف رَقِيقُه جَمِيعُهم قبلَ مَوْتِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوصيةُ؛ لأنَّها إنَّما تَلْزَمُ بالمَوْتِ، ولا عَبِيدَ له حِينَئِذٍ.
وإن تَلِفُوا بعدَ مَوْتِه بغيرِ تَفْرِيطٍ مِن الورثةِ، بَطَلَتْ أَيضًا؛ لأنَّ التَّرِكَةِ عندَ الورثةِ غيرُ مَضْمُونَةٍ؛ لأنَّها

جارٍ التحميل