..................................
له مُفْتَرِقِين، ولا وَلَدَ له، ومات ولم يُولَدْ له 1، لم تَصِحّ الوَصِيَّةُ لغيرِ الأخِ مِن الأبِ إلَّا بإجازَةِ الورثةِ.
وإن وُلِد له ابن، صَحَّتِ الوَصِيَّةُ للجَمِيعِ مِن غيرِ إجازَةٍ، إذا لم تَتَجاوَزِ الثُّلُثَ.
وإن وُلِد له بنتٌ، جازَتِ الوَصِيَّةُ لغيرِ الأخِ مِن الأبوَينِ، فيكونُ لهما ثُلُثا المُوصَى به بينَهما, ولا يجوزُ للأخِ مِن الأبوَينِ؛ لأنَّه وارِثٌ.
وبهذا يقولُ الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وابن المُنْذِرِ، وأصحابُ الرأي.
ولا نَعْلَمُ عن غيرِهم خِلافَ ذلك.
وْلو وَصَّى لهم وله ابنٌ، فمات ابنُه قبلَ مَوْتِه، لم تَجُزِ الوَصِيَّةُ لأخِيه مِن أبوَيه، ولأ لأخيه مِن أمِّه، لي جازت لأخيه مِن أبيه.
وإن مات الأخ مِن الأبوَين قبلَ مَوْتِه، لم تَجُزِ الوَصِيَّةُ للأخِ مِن الأبِ أيضًا؛ لأنَّه صار وارِثًا.
فصل: ولو وَصَّى لامرأةٍ أجْنَبِيَّةٍ وأوْصَتْ له، ثم تَزَوَّجَها, لم تَجُزْ وَصِيَّتهما 2 إلَّا بإجازَةِ الوَرَثَةِ.
وإن أوْصَى أحَدُهما للآخرِ ثم طَلَّقَها، جازَتِ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّه صار غيرَ وارِثٍ، إلَّا أنَّه إن طَلَّقَها في مَرَضِ مَوْتِه، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّها لا تُعْطَى أكْثَرَ مِن مِيراثِها؛ لأنَّه يُتَّهَمُ أنّه طَلَّقَها ليُوصِلَ إليها ماله بالوَصِيَّةِ، فلم يُنَفَّذْ لها ذلك، كما لو طَلَّقَها في مَرَضِ موتِه وأوْصَى لها بأكثرَ مِن مِيراثِها.
وَلَا تَصِحُّ إجَازَتُهُمْ وَرَدُّهُمْ إلا بَعْدَ مَوْتِ الْمُوصِي، وَمَا قَبْلَ ذَلِكَ لَا عِبْرَةَ بِهِ.
2661 - مسألة: (ولا تَصِحُّ إجازَتُهم ورَدُّهم إلَّا بعدَ مَوْتِ المُوصِي، وما قبلَ ذلك لا عِبْرَةَ به)
فلوْ أجازُوا قبلَ ذلك ثم رَدُّوا، أو أذِنُوا لمَوْرُوثِهم بالوَصِيَّةِ في حَياتِه بجَمِيعِ المالِ، أو بالوَصِيّةِ لبعضِ الوَرَثَةِ، ثم بَدا لهم فرَدُّوا بعدَ وَفاتِه، فلهم الرّدُّ، سواءٌ كانتِ الإجازَةُ في صِحَّةِ المُوصِي أو مَرَضِه.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ أبي طالِبٍ.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعودٍ.
وهو قولُ شُرَيح، وطاوُسٍ، والحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، والحسنِ بنِ صالِحٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي حنيفةَ وأصحابِه.
وقال الحسنُ، وعَطاءٌ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، وعبدُ الملِكِ بنُ يَعْلَى، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، والأوْزَاعِيُّ، وابنُ أبي ليلى: ذلك جائِزٌ عليهم؛ لأن الحَقَّ للوَرَثَةِ، فإذا رَضُوا بتَرْكِه، سَقَط حَقُّهم،
وَمَنْ أجَازَ الْوَصِيَّةَ ثُمَّ قَال: إِنَّمَا أجَزْتُ لأننِي ظَنَنْتُ الْمَال قَلِيلًا.
فَالْقَوْلُ قَوْلُهُ مَعَ يَمِينهِ، وَلَهُ الرُّجُوع بِمَا زَادَ عَلَى مَا ظَنَّهُ، في أظْهَرِ الْوَجْهينِ، إلّا أن تقُومَ عَلَيهِ بَيِّنة.
كما لو رَضِيَ المُشْتَرِي بالعَيبِ.
وقال مالكٌ: إن أذِنُوا له في صِحَّتِه، فلهم أن يَرْجِعُوا، وإن كان ذلك في مَرَضِه وحينَ يُحْجَبُ عن مالِه، فذلك 1 جائِزٌ عليهم.
ولَنا، أنَّهم أسْقَطُوا حُقُوقَهم فيما لم يَمْلِكُوه، فلم يَلْزَمْهم، كالمرأةِ إذا أسْقَطَتْ 2 صَداقَها قبلَ النِّكاح، أو أسْقَطَ الشَّفِيعُ حَقَّه مِن الشفْعَةِ قبلَ البَيعِ، ولأنَّها حالة لا يَصِحُّ فيها رَدُّهم للوَصِيَّةِ، فلم تَصِحَّ فيها إجازَتُهم، كما قبلَ الوَصِيَّةِ.
2662 -
مسألة: (ومَن أجاز الوَصِيَّةَ ثم قال: إنَّما أجَزْتُ لأنِّي ظَنَنْتُ المال قَلِيلًا.
فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينه، وله الرُّجُوعُ بما زاد على ما ظَنَّه، في أظْهَرِ الوَجْهَين، إلَّا أن تَقُومَ به بَيِّنةٌ)
وجملةُ ذلك، أنَّه إذا وَصَّى بزِيادَةٍ على الثُّلُثِ، فأجازَ الوارِثُ الوَصِيَّةَ، ثم قال: إنَّما أجَزْتُها ظَنًّا أنَّ المال قَلِيلٌ فبان كَثِيرًا.
فإن كانت للمُوصَى له بَيِّنة تَشْهَدُ باعْتِرافِه بقَدْرِ المالِ، أو كان
..................................
المالُ ظاهِرًا لا يَخْفَى عليه، لم يُقْبَلْ قَوْلُه إذا قُلْنا: الإجازَةُ تَنْفِيذ.
فإن قُلْنا: هي هِبَة مُبْتَدَأة.
فله الرُّجُوعُ فيما يجوزُ الرُّجُوعُ في الهِبَةِ في مِثْلِه.
وإن لم تَشْهَدْ بَيِّنة باعْتِرافِه، ولم يكنِ المالُ ظاهِرًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينه؛ لأنَّ الإجازَةَ تَنَزَّلَتْ مَنْزِلَةَ الإبراءِ، فلا تَصِحُّ في المَجْهُولِ، والقولُ قَوْلُه في الجَهْلِ به مع يَمينه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ العلمِ، فإذا وَصَّى بنِصْفِ مالِه، فأجازه الوارِثُ، وكان المالُ سِتَّةَ آلافٍ، فقال: ظَنَنْتُه ثلاثةَ آلافٍ.
فله الرُّجُوعُ بخَمْسِمائةٍ؛ لأنَّه رَضِيَ بإجازَةِ الوَصِيَّةِ على أنَّ الزّائِدَ على الثُّلُثِ خَمْسُمائةٍ، فكانتْ ألفًا، فيَرْجِعُ بخَمْسِمائةٍ، فيَحْصُلُ للموُصَى له ألفان وخَمْسُمائةٍ.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه لا يُقْبَلُ قَوْلُه؛ لأنَّه أجاز عَقْدًا له الخِيارُ في فَسْخِه، فبَطَلَ خِيارُه، كما لو أجاز البَيعَ مَن له الخِيارُ في فَسْخِه بعَيبٍ أو خِيارٍ، أو أقَرَّ بدَينٍ ثم قال: غَلِطْتُ.
وإنْ كَانَ الْمُجَازُ عَينًا، فَقَال: ظَنَنْتُ بَاقِيَ الْمَالِ كَثِيرًا.
لَمْ يقْبَلْ قَوْلُهُ، في أظْهَرِ الْوَجْهَينِ.
2663 - مسألة: (وإن كان المُجازُ عَيْنًا)
كعَبْدٍ 1 أو فَرَسٍ يَزِيدُ على الثُّلُثِ، فأجازَ الوَصِيَّةَ بها (ثم قال: ظَنَنْتُ باقِيَ المالِ كَثِيرًا) تَخْرُجُ الوَصِيَّةُ مِن ثُلُثِه فبان قَلِيلًا.
أو: ظَهَر عليه دَين لم أعْلَمْه.
لم تَبْطُل الوَصيَّةُ؛ لأنَّ العَبْدَ مَعْلُومٌ لا جَهالةَ فيه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنه يَمْلِكُ الفَسْخَ؛ لأنَّه قد يَسْمَحُ بذلك ظَنًّا منه أن يَبْقَى له مِن المالِ ما يَكْفِيه، فإذا بأن خِلافُ ذلك لَحِقَه الضَّرَرُ في الإجازَةِ، فمَلَكَ الرُّجُوعَ، كالمسألةِ التي قبلَها.
فصل: ولا تَصِحُّ الإجازَةُ إلا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ، ولا تَصِحُّ مِن الصَّبِيِّ والمَجْنُونِ والمَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ؛ لأنَّها تَبَرعٌ بالمالِ، فلم تصِحَّ منهم، كالهِبَةِ.
فأمّا المَحْجُورُ عليه لفَلَسٍ، فتَصِح منه إن قُلْنا: هي تَنْفِيذٌ.
وإن قلنا: هي هِبَة.
لم تَصِحَّ منه؛ لأنَّه ليس له هِبَةُ مالِه.
وَلَا يَثْبُتُ الْمِلْكُ لِلْمُوصَى لَهُ إلا بِالْقَبُولِ بَعْدَ الْمَوْتِ، فَأمَّا قَبُولُهُ وَرَدُّهُ قَبْلَ الْمَوْتِ فَلَا عِبْرَةَ بِهِ.
2664 - مسألة: (ولا يَثْبُتُ المِلْكُ للمُوصَى له إلَّا بالقَبُولِ بعدَ المَوْتِ، فأمّا رَدُّه وقَبُولُه قبلَ ذلك فلا عِبْرَةَ به)
يُشْتَرطُ لثُبُوتِ المِلْكِ للمُوصَى له شَرْطان؛ أحَدُهما، القَبُولُ إذا كانت لمُعَيَّن يُمْكِنُ القَبُولُ منه، في قولِ جُمْهُورِ الفُقَهاءِ؛ لأنَّها تَمْلِيكُ مالٍ لمَن هو مِن أهْلِ المِلْكِ، مُتَعَيِّنٌ، فاعْتُبِرَ قَبُولُه، كالهِبَةِ والبَيعِ.
قال أحمدُ: الهِبَةُ والوَصِيَّةُ واحِدٌ.
فإن كانت لغيرِ مُعَيَّن؛ كالفُقَراءِ والمَساكِينِ، أو لمَن لا يُمكِنُ حَصْرُهم؛ كبَنى تَمِيمٍ، أو على مَصْلَحَةٍ؛ كمسجدٍ أو حَجٍّ، لم تَفْتَقِرْ إلى قَبُولٍ، ولَزِمَتْ بمُجَرَّدِ المَوْتِ؛ لأنَّ اعْتِبارَ القَبُولِ مِن جَميعِهم مُتَعَذِّرٌ، فسَقَطَ اعْتِبارُه، كالوَقْفِ عليهم، ولا يَتَعَيَّنُ واحِدٌ منهم فيُكْتَفَى
..................................
بقَبُولِه 1، ولذلك لو كان منهم ذو رَحِمٍ مِن المُوصَى به، مثلَ أن يُوصِيَ بعَبْدٍ للفُقَراءِ، وأبوه فَقِير، لم يَعْتِقْ عليه.
ولأن المِلْكَ لا يَثْبُتُ للمُوصَى لهم، بدَلِيلِ ما ذَكَرْنا مِن المسألةِ، وإنَّما يَثْبُتُ لكلِّ واحِدٍ منهم بالقَبْضِ، فيَقُومُ قَبْضُه مَقامَ قَبُولِه.
أمّا الآدَمِي المُعَيَّنُ، فيَثْبُتُ له المِلْكُ، فيُعْتَبَرُ قَبُولُه، لكنْ لا يَتَعَيَّنُ القَبُولُ باللَّفْظِ، بل يَحْصُلُ بما قام مَقامه مِن الأخْذِ والفِعْلِ الدّالِّ على الرِّضا، كقَوْلِنا في الهِبَةِ والبَيعِ.
ويَجُوزُ القَبُولُ على الفَوْرِ والتَّراخِي: الثاني، أن يَقْبَلَ بعدَ مَوْتِ المُوصِي؛ لأنه قبلَ ذلك لم يَثْبُتْ له حَقٌّ، ولذلك لم يَصِحَّ رَدُّه.
فَإِنْ مَاتَ الْمُوصَى لَهُ قَبْلَ مَوْتِ الْمُوصِي، بَطَلَتِ الْوَصِيَّةُ.
2665 - مسألة: (وإن مات المُوصَى له قبلَ مَوْتِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوصيةُ)
هذا قولُ أكثَرِ أهلِ العلمِ.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه.
وبه قال الزُّهْرِيُّ، وحَمّادُ بنُ أبي سُلَيمانَ، ورَبِيعةُ، ومالكٌ،
وَإنْ رَدَّهَا بَعْدَ مَوْتِهِ، بَطَلَتْ أَيضًا.
والشافعي، وأصحابُ الرأي.
وقال الحسنُ: تكونُ لوَلَدِ المُوصَى له.
وقال عَطاءٌ: إذا عَلِم المَرِيضُ بمَوْتِ المُوصَى له، ولم يُحْدِثْ فيما أوْصَى به شيئًا فهو لوارِثِ المُوصَى له؛ لأنَّه مات بعدَ عَقْدِ الوَصِيَّةِ، فيَقُومُ الوارِثُ مَقامَه، كما لو مات بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ القَبُولِ.
ولَنا، أنها عَطِيَّةٌ صادَفَتِ المُعْطَى مَيِّتًا، فلم تَصِحَّ، كما لو وَهَبَ مَيِّتًا؛ وذلك لأنَّ الوَصِيَّةَ عَطِيَّةٌ بعدَ الموتِ.
وإذا مات قبلَ القَبُولِ، بَطَلَتِ الوَصِيَّةُ أيضًا.
وإن سَلَّمْنا صِحَّتَها، فإنَّ العَطِيَّةَ صادَفَتْ حَيًّا، بخِلافِ مسألتِنا.
2666 -
مسألة: (وإن رَدَّها بعدَ موتِه، بَطَلَتْ أيضًا)
لا يَخْلُو رَدُّ الوَصِيَّةِ مِن أرْبَعَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَرُدَّها قبلَ مَوْتِ المُوصِي، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ لم تَقَعْ بعدُ، أشْبَهَ رَدَّ المَبِيعِ قبلَ إيجابِ البَيعِ،
..................................
ولأنَّه ليس بمَحَلٍّ للقَبُولِ، فلا يكونُ مَحَلًّا للرَّدِّ، كما قبلَ الوصيةِ.
الثاني، أن يَرُدَّها بعدَ المَوْتِ وقبلَ القَبُولِ، فيَصِحُّ الرَّدُّ وتَبْطُلُ الوَصِيَّةُ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافا؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقَّه في حالٍ يَمْلِكُ قَبُولَه وأخْذَه، فأشْبَهَ عَفْوَ الشَّفِيعِ عن الشفْعَةِ بعدَ البَيعِ.
الثالثُ، أن يَرُدَّ بعدَ القَبُولِ والقَبْضِ، فلا يَصِحُّ الرَّدُّ؛ لأنَّ مِلْكَه قد اسْتَقَرَّ عليه، فأشْبَهَ رَده لسائِرِ مِلْكِه، إلَّا أن يَرْضَى الوَرَثَةُ بذلك، فتكونَ هِبَة منه لهم تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ.
الرّابعُ، أن يَرُدَّ بعدَ القَبُولِ وقبلَ القَبضِ، فيُنْظَرُ؛ فإن كان المُوصَى به مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، صَحَّ الرَّدُّ؛ لأنَّه لا يَسْتَقِرُّ.
مِلْكه عليه قبلَ قَبْضِه، فأشْبَهَ رَدَّه قبلَ القَبُولِ، وإن كان غيرَ ذلك، لم يَصِحَّ الرَّد 1؛ لأنَّ مِلْكَه قد اسْتَقَرَّ عليه، فهو كالمَقْبُوضِ.
ويَحْتَمِل أن يَصِحَّ الرَّدُّ، بناءً على أن القَبْضَ مُعْتَبَر فيه.
ولأصحابِ الشافعيِّ في هذه الحالِ وَجْهانِ، أَحَدُهما، يَصِحُّ الرَّدُّ في الجميعِ، فلا فرقَ بينَ المَكِيلِ والموزونِ وغيرِهما.
وهو المنصوصُ عن الشافعيِّ؛ لأنَّهم لمّا مَلَكُوا الرَّدَّ مِن غيرِ قَبُولٍ، مَلَكُوا الرَّدَّ مِن غيرِ قَبْض، ولأنَّ مِلْكَ الوَصِيِّ لم يَستَقِرَّ عليه قبلَ القَبْصِ، فصَحَّ رَدُّه كما قبلَ القَبُولِ.
والثاني، لا يَصِحُّ الرَّدّ؛ لأنَّ المِلْكَ يَحْصُلُ بالقَبُولِ مِن غيرِ قَبْضٍ.
..................................
فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ صَحَّ الرَّدُّ فيه، فإنَّ الوَصِيَّةَ تَبْطُلُ بالرُّدِّ، ويَرْجِعُ المُوصَى به إِلى التَّرِكَةِ، فيكونُ الجَميعُ للوارِثِ؛ لأنَّ الأصْلَ ثُبُوتُ الحَقِّ لهم، وإنَّما خرَج بالوَصِيَّةِ، فإذا بَطَلَتْ رَجَع إلى ما كان عليه، كأنَّ الوَصِيَّةَ لم تُوجَدْ.
ولو عَيَّنَ بالرَّدِّ واحِدًا فقَصَدَ تَخْصِيصَه بالمَرْدُودِ، لم يكنْ له ذلك، وكان لجَمِيعِهم؛ لأنَّ رَدَّه امْتِناعٌ مِن تَمَلُّكِه، فبَقِيَ على ما كان عليه، ولأنَّه لا يَمْلِكُ دَفْعَه إلى أجْنَبِي، فلم يَمْلِكْ دَفْعَه إلى وارِثٍ يَخُصُّه به.
وكلُّ موضعٍ امْتَنَعَ الرَّدُّ لاسْتقْرارِ مِلْكِه عليه، فله أن يَخصَّ به بعضَ الوَرَثَةِ، لأنَّه ابْتِداءُ هِبَةٍ، ولأنَّه يَمْلِكُ دَفْعَه إلى أجْنَبِيٍّ، فمَلَكَ دَفْعَه إلى الوارِثِ.
فلو قال: رَدَدْتُ هذه الوَصِيَّةَ لفُلانٍ.
قِيلَ له: ما أرَدْتَ بقَوْلِك لفُلانٍ؟ فإن قال: أرَدْتُ تَمْلِيكَه إيّاها وتَخْصِيصَه بها.
فقَبِلَها، اخْتَصَّ بها.
وإن قال: أرَدْتُ رَدَّها إلى جميعِهم ليَرْضَى فُلانٌ.
عادت إلى الجميعِ إذا قَبِلُوها، فإن قَبِلَها بعضُهم دُونَ بعض فلمَن قَبِل حِصَّتُه منها.
فصل: ويَحْصُلُ الرَّدُّ بقَوْلِه: رَدَدْتُ الوَصِيَّةَ.
وقَوْلِه: ما أقْبَلُها.
وما أدَّى هذا المَعْنَى.
قال أحمدُ: إذا وَصَّى لرجلٍ بألْفٍ، فقال: لا أقْبَلُها.
فهي لوَرَثَتِه 1.
وَإنْ مَاتَ بَعْدَهُ وَقَبْلَ الرَّدِّ وَالْقَبُولِ، قَامَ وَارِثُهُ مَقَامَهُ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
وَقَال الْقَاضِي: تَبْطُلُ الْوَصِيَّةُ عَلَى قِيَاسِ قَوْلِهِ.
2667 - مسألة: (وإن مات بعدَه وقبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، قام وارِثُه مَقامَه. ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وقال القاضي: تَبْطُلُ على قِياسِ قَوْلِه)
إذا مات المُوصَى له بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، قام وارِثُه مَقامَه في القَبُولِ والرَّدِّ.
كذلك ذَكَرَه الخِرَقِيُّ؛ لأنَّه حَقٌّ يَثْبُت للمَوْرُوثِ، فثَبَتَ للوارِثِ بعدَ مَوْتِه؛ لقَوْلِه، عليه الصلاةُ والسلامُ: «مَنْ تَرَك حَقًّا فَلِوَرَثَتِه» 1. وكخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
وقال أبو عبدِ اللهِ بنُ حامِدٍ: تَبْطُلُ الوَصِيَّةُ؛ لأنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ، فإذا مات مَن له القَبُولُ قبلَ القَبُولِ، بَطَل العَقْدُ، كالهِبَةِ.
قال القاضي: هو قِياسُ المَذْهَبِ؛ لأنَّه خِيارٌ لا يُعْتاضُ عنه، فبَطَلَ، كخِيارِ المَجْلِسِ والشَّرْطِ وخِيارِ الأخْذِ بالشُّفْعَةِ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: تَلْزَمُ الوَصِيَّةُ في حَقِّ الوارِثِ، وتَدْخُلُ في مِلْكِه حُكْمًا بغيرِ قَبُولٍ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ قد لَزِمَت مِن جِهَةِ المُوصِي، وإنَّما الخِيارُ للمُوصَى له، فإذا مات بَطَل خِيارُه ودَخَل
..................................
في مِلْكِه، كما لو اشْتَرَى شيئًا على أنَّ الخِيارَ له فمات قبل 1 انْقِضائِه.
ولَنا على أنَّ الوَصِيَّةَ لا تَبْطُلُ بمَوْتِ الوَصِيِّ، أنَّها عَقْدٌ لازِمٌ مِن أحَدِ الطَّرَفَين، فلم يَبْطُلْ بمَوْتِ مَن له الخِيارُ، كعَقْدِ الرَّهْنِ والبَيعِ إذا شُرِط فيه الخِيارُ لأحَدِهما، ولأنَّه عَقْدٌ لا يَبْطُلُ بمَوْتِ المُوجِبِ له، فلا يَبْطُلُ بمَوْتِ الآخَرِ، كالذي ذَكَرْنا.
ويُفارِقُ الهِبَةَ والبَيعَ قبلَ القَبُولِ مِن الوَجْهَين اللَّذَين ذَكَرْناهما، وهو أنَّه جائِزٌ مِن الطَّرَفَين، ويَبْطُلُ بمَوْتِ المُوجِبِ له، ولا يَصِحُّ قِياسُه على الخِياراتِ؛ لأنَّ ثَمَّ يَبْطُلُ الخِيارُ، ويَلْزَمُ العَقْدُ، فنَظِيرُه في مسألتِنا قولُ أصحابِ الرَّأْي.
ولَنا على إبْطالِ قولِهم، أنَّه عَقْدٌ يَفْتَقِرُ إلى قَبُولِ المُتَمَلِّكِ، فلم يَلْزَمْ قبلَ القَبُولِ، كالبَيعِ والهِبَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الوارِثَ يَقُومُ مَقامَ المُوصَى له في الرَّدِّ والقَبُولِ؛ لأنَّ كلَّ حَقٍّ مات عنه المُسْتَحِقُّ فلم يَبْطُلْ بالمَوْتِ، قام الوارِثُ فيه مَقامَه، فإن رَدَّ الوارِثُ الوَصِيَّةَ بَطَلَتْ، وإن قَبِلَها صَحَّتْ.
وإن كان الوارِثُ جماعَةً، اعْتُبرَ القَبُولُ والرَّدُّ مِن جَميعِهم، فإن رَدَّ بعضُهم وقَبِل بعضٌ، ثَبَتَ المِلْكُ لمَن قَبِل في حِصَّتِه، وبَطَلَتِ الوَصِيَّةُ في حَقِّ مَن رَدَّ.
فإن كان منهم مَن ليس له التَّصَرُّفُ، قام وَلِيُّه مَقامَه في ذلك، وليس له أن يَفْعَلَ إلَّا ما للمُوَلَّى عليه فيه الحَظُّ، فإن فعَل غيرَه لم يَصِحَّ، فإذا كان الحظُّ في قَبولِها، لم يَصِحَّ
وَإنْ قَبِلَهَا بَعْدَ الْمَوْتِ، ثَبَتَ الْمِلْكُ حِينَ الْقَبُولِ، فِي الصَّحِيحِ.
الردُّ وكان له قَبولُها بعدَ ذلك، وإن كان الحَظُّ في رَدِّها، لم يَصِحَّ قَبُولُه لها؛ لأنَّ الوَلِيَّ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ في حَقِّ المُوَلَّى عليه بغيرِ ما له الحَظُّ فيه.
فلو وَصَّى لصَبيٍّ بذي رَحِمٍ يعْتِقُ بمِلْكِه له، وكان على الصَّبيِّ ضَرَرٌ في ذلك، بأن تَلْزَمَه نَفَقةُ المُوصَى به؛ لكَونِه فَقِيرًا لا كَسْبَ له، والمُولَّى عليه مُوسِرٌ، لم يكنْ له قَبُولُ الوَصِيَّةِ، وإن لم يكنْ عليه ضَرَرٌ، لكونِ المُوصَى به ذا كَسْبٍ، أو لكَوْنِ المُوَلَّى عليه فَقِيرًا لا تَلْزَمُه نَفَقَتُه، تَعَيَّنَ القَبُولُ؛ لأنَّ في ذلك نَفْعًا للمُوَلَّى عليه، لعِتْقِ قَرابَتِه مِن غيرِ ضَرَرٍ يَعُودُ عليه، فتَعَيَّنَ ذلك.
والله أعلم.
2668 -
مسألة: (وإن قَبِلَها بعدَ المَوْتِ، ثَبَت المِلْكُ حينَ القَبُولِ، في الصَّحِيحِ)
مِن المَذْهَبِ.
وهو قولُ مالِكٍ، وأهلِ العِراقِ،
..................................
ورُوِيَ عن الشافعيِّ.
وفيه وَجْهُ آخَرُ ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، أنه إذا قَبِل تَبَيَّنَّا أنَّ المِلْكَ ثَبَت حينَ مَوْتِ المُوصِي.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ ما وَجَب انْتِقالُه بالقَبُولِ، وَجَب انْتِقالُه مِن جِهَةِ المُوجِبِ عندَ الإِيجابِ، كالهِبَةِ والبَيعِ، ولأنَّه لا يجوزُ أن يَثْبُتَ المِلْكُ فيه للوارِثِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ﴾ 1. والإِرْثُ بعدَ الوَصِيَّةِ، ولا يَبْقَى للمَيِّتِ؛ لأنَّه صار جَمادًا لا يَمْلِكُ شيئًا.
وللشافعيِّ قولٌ ثالثٌ غيرُ مَشْهُورٍ، أنَّ الوَصِيَّةَ تُمْلَكُ بالمَوْتِ، ويُحْكَمُ بذلك قبلَ القَبُولِ؛ لِما ذَكَرْنا.
ولَنا، أنَّه تَمْلِيكُ عَينٍ لمُعَيَّنٍ يَفْتَقِرُ إلى القَبُولِ،
..................................
فلم يَسْبِقِ المِلْكُ القَبُولَ، كسائِرِ العُقُودِ، ولأنَّ القَبُولَ مِن تَمامِ السَّبَبِ، والحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه، ولأنَّ القَبُولَ لا يَخْلُو مِن أن يكونَ شَرْطًا أو جُزْءًا مِن السَّبَبِ، والحُكْمُ لا يَتَقَدَّمُ سَبَبَه ولا شَرْطَه، ولأنَّ المِلْكَ في الماضِي لا يجوزُ تَعْلِيقُه بشَرْطٍ مُسْتَقْبَلٍ.
فإن قِيلَ: فلو قال لامرأتِه: أنت طالقٌ قبلَ مَوْتِي بشَهْرٍ.
ثم مات، تَبَيَّنّا وُقُوعَ الطلاقِ قبلَ مَوْتِه بشَهْرٍ.
قُلْنا: ليس هذا شَرْطًا في وُقُوعِ الطَّلاقِ، وإنَّما نَتَبَيَّنُ الوَقْتَ الذي يَقَعُ فيه الطَّلاقُ.
ولو قال: إذا مِتُّ فأنتِ طالِقٌ قبلَه بشَهْرٍ.
لم يَصِحَّ.
وأمّا انْتِقالُه مِن جِهَةِ الموُجِب في سائِرِ العُقُودِ فإنَّه لا يَنْتَقِلُ إلَّا بعدَ القَبُولِ، فهو كمسألتنا، غيرَ أنَّ ما بينَ الإيجابِ والقَبُولِ ثَمَّ يَسِير لا يَظْهَرُ له أثرٌ، بخِلافِ مسألتِنا.
قولُهم: إنَّ المِلْكَ لا يَثْبُتُ للوارِثِ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ المِلْكَ يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ بحُكْمِ الأصْلِ، إلَّا أن يَمْنَعَ منه مانِع، فأمّا قولُ اللهِ تعالى: ﴿مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَينٍ﴾.
قُلْنا: المُرادُ به وَصِيَّةٌ مَقْبُولةٌ، بدَلِيلِ أنَّه لو لم يَقْبَلْ، لكان مِلْكًا للوارِثِ، وقبلَ قَبُولِها فليست مَقْبُولَةً.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المُرادُ بقَوْلِه: ﴿فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا﴾ 1. أي لكم ذلك مُسْتَقِرٌّ.
ولا يَمْنَعُ هذا ثُبُوتَ المِلْكِ غيرَ مُسْتَقِرٍّ.
ولهذا لا يَمْنَعُ الدَّينُ ثُبُوتَ المِلْكِ في التَّرِكَةِ، وهو آكَدُ مِن
..................................
الوَصِيَّةِ.
وإن سَلَّمْنا أنَّ المِلْكَ لا يَبْقَى للوارِثِ، فإَّنه يَبْقَى مِلْكًا للمَيِّتِ، كما إذا كان عليه دَينٌ وقولُهم: لا يَبْقَى له مِلْكٌ.
مَمْنُوعٌ، فإّنه يَبْقَى مِلْكُه فيما يَحْتاجُ إليه مِن مُؤْنَةِ تَجْهِيزِه ودَفْنِه، وقَضاءِ دُيُونِه.
ويجوزُ أن يَتَجَدَّدَ له مِلْكٌ في دِيَتِه إذا قُتِل، وفيما إذا نَصَب شَبَكَةً فوَقَعَ فيها صَيدٌ بعدَ مَوْتِه، بحيث تُقْضَى دُيُونُه، وتَنْفُذُ وصاياه، ويُجَهَّزُ إن كان قبلَ تَجْهِيزِه، فهذا يَبْقَى على مِلْكِه، لتَعَذُّرِ انْتِقالِه إلى الوارِثِ مِن أجْلِ الوَصِيَّةِ، وامْتِناعِ انْتِقالِه إلى الوَصِيِّ قبلَ تَمامِ السَّبَبِ، فإن رَدَّ المُوصَى له، أو قَبِل، انْتَقَلَ حِينَئِذٍ.
فإن قلنا بالأوَّلِ، وأنَّه يَنْتَقِلُ إلى الوارِثِ، فإنَّه يَثْبُتُ له المِلْكُ على وَجْهٍ لا يُفِيدُ إباحَةَ التَّصَرُّفِ، كثُبُوتِه في العَينِ المَرْهُونَةِ، فلو باع المُوصَى به، أو رَهَنَه، أو أعْتَقَه، أو تَصَرَّفَ بغيرِ ذلك، لم يَنْفُذْ شيءٌ مِن تَصَرُّفاتِه.
ولو كان الوارِثُ ابنًا للمُوصَى به، مثلَ أن تَمْلِكَ امرأةٌ زَوْجَها الذي لها منه ابْنٌ، فتُوصِيَ به لأجْنَبِيٍّ، فإذا ماتت،
فَمَا حَدَثَ قَبْلَهُ مِنْ نَمَاءٍ مُنْفَصِلٍ فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ، وإِنْ كَانَ مُتَّصِلًا تَبِعَهَا.
انْتَقَلَ المِلْكُ فيه إلى ابْنِه إلى (1) حينِ القَبُولِ، ولا يَعْتِقُ عليه.
2669 -
مسألة: فما حَصَل مِن كَسْبٍ أو (نَماءٍ مُنْفَصِلٍ)
في المُوصَى به بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ القَبُولِ، كالوَلَدِ والثَّمَرَةِ والكَسْبِ (فهو للوَرَثَةِ) على الوَجْهِ الأوَّلِ؛ لأنَّه مِلْكُهم (فإن كان مُتَّصِلًا تَبعَها) لأنَّه يَتْبَعُ في العُقُودِ والفُسُوخِ.1
وَإنْ كَانَتِ الوَصِيَّةُ بِأَمَةٍ فَوَطِئَهَا الْوَارِثُ قَبْلَ الْقَبُولِ وَأَوْلَدَهَا، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَلَا مَهْرَ عَلَيهِ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ لَا تَلْزَمُهُ قِيمَتُهُ، وَعَلَيهِ قِيمَتُهَا لِلْوَصِيِّ لَهُ.
2670 - مسألة: (وإن كانتِ الوَصِيَّةُ بأمَةٍ فَوَطِئَها الوارِثُ قبلَ القَبُولِ فأوْلَدَها، صارت أُمَّ وَلَدٍ له، وولَدُها حُرٌّ)
لأنَّه وَطِئَها في مِلْكِه (وعليه قِيمَتُها للوَصِيِّ) إذا قَبِلَها؛ لأنَّه فوَّتَها عليه (ولا مَهْرَ عليه، ولا تَلْزَمُه قِيمَةُ الوَلَدِ) لذلك.
فإن قِيلَ: فكيف قَضَيتُم بعتْقِها ههُنا، وهي لا تَعْتِقُ بإعْتاقِها؟ قلنا: الاسْتِيلادُ أقْوَى، ولذلك يَصِحُّ مِن المَجْنُونِ، والرّاهِنِ، والأبِ، والشَّرِيكِ المُعْسِرِ، وإن لم يَنْفُذْ إعْتاقهم.
وعلى
وَإنْ وَصّى لَهُ بزَوْجَتِهِ فَأَوْلَدَهَا قَبْلَ الْقَبُول لَمْ تَصِرْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ رَقِيقٌ.
وَمَنْ أُوْصِيَ لَهُ بِأَبِيهِ فَمَاتَ قَبْلَ الْقَبُولِ، فَقَبِلَ ابْنُهُ، عَتَقَ الْمُوصَى بِهِ حِيَنَئِذٍ، وَلَمْ يَرِثْ شَيئًا.
الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ وَلَدُه رَقِيقًا والأمَةُ باقِيَةً على الرِّقِّ.
فإن وَطِئَهَا المُوصَى له [قبلَ قَبُولِها، كان ذلك قَبُولًا لها] (1)، ويَثْبُتُ المِلْكُ له به؛ لأنَّه لا يجوزُ إلَّا في المِلْكِ، فإقْدامُه عليه دَلِيلٌ على اخْتِيارِه المِلْكَ، فأشْبَهَ ما لو وَطِئَ مَن له الرَّجْعَةُ زَوْجَتَه الرَّجْعِيَّةَ، أو وَطِئَ مَن له الخِيارُ في البَيعِ الأمَةَ المَبِيعَةَ، أو وَطِئَ مَن له خِيارُ فَسْخِ النِّكاحِ امرأتَه.
2671 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بزَوْجَتِه فأوْلَدَها)
بعدَ مَوْتِ المُوصِي و (قبلَ القَبُولِ، فوَلَدُه رَقِيقٌ) للوارِثِ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ (2) حُرَّ الأصْلِ، ولا وَلاءَ عليه، وأُمُّه أُمُّ وَلَدٍ؛ لأنَّها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ في مِلْكِه.
2672 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بأبيه فمات قبلَ القَبُولِ، فقَبِلَ
12
..................................
ابنه، عَتَقَ المُوصَى به، ولم يَرِثْ شيئًا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا وَصَّى له بأبِيه، فمات المُوصَى له بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ الرَّدِّ والقَبُولِ، فلوَارِثِه قَبُولُها، على قولِ الخِرَقِيِّ.
وهو الصحيحُ، إن شاء اللهُ تعالى.
فإن قَبِلَها ابنه، صَحَّ، وعَتَقَ عليه الجَدُّ، ولم يَرِثْ مِن ابنِه شيئًا؛ لأنَّ حُرِّيَّتَه إنَّما حَدَثَتْ حينَ القَبُولِ بعدَ أن صار المِيراثُ لغيرِه.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، تَثْبُت حُرِّيَّتُه مِن حينِ مَوْتِ المُوصِي، ويَرِثُ مِن ابنِه السُّدْسَ.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: لا يَرِثُ أيضًا؛ لأنَّه لو وَرِث لاعْتبِرَ قَبُولُه، ولا يجوز اعْتِبارُ قَبُولِه قبلَ الحُكْمِ بحُرِّيَّتِه، وإذا لم يَجُزِ اعْتِبارُه لم يَعْتِقْ، فيُؤَدِّي تَوْرِيثُه إلى إبْطالِ تَوْرِيثِه.
وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّه لو أقَرَّ جَميعُ الوَرَثَةِ بمُشارِكٍ لهم في المِيرَاثِ، ثَبَتَ نَسَبُه، ووَرِث، مع أنَّه يَخْرُجُ المُقِرُّون
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَثْبُتَ الْمِلْكُ حِينَ الْمَوْتِ، فَتَنْعَكِسَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ.
به عن كونِهم جَمِيعَ الوَرَثَةِ.
ومِن فُرُوعِ ذلك، أنَّه لو مات المُوصَى له فقَبِلَ وارِثُه، لثَبَتَ المِلْكُ للوارِثِ القابِلِ ابْتِداءً مِن جِهَةِ المُوصِي، لا مِن جِهَةِ مَوْرُوثِه، ولم يَثْبُتْ للموصَى له شيءٌ، فحِينَئِذٍ لا تُقْضَى دُيُونُه ولا تَنْفُذُ وصاياه، ولا يَعْتِقُ مَن يَعْتِقُ عليه.
فإن كان منهم مَن يَعْتِقُ على الوارِثِ، عَتَقَ عليه، وكان وَلاؤُه له دُونَ المُوصَى له.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، نَتبَيَّنُ أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا للمُوصَى له، وأنَّه انْتَقَلَ منه إلى وارِثِه، فتَنْعَكِسُ هذه الأحْكامُ، فتُقْضَى دُيُونُه، وتَنْفُذُ وصاياه، ويَعْتِقُ مَن يَعْتِقُ عليه، وله وَلاؤُه يَخْتَصُّ به الذُّكُورُ مِن وَرَثَتِه (ويَحْتَمِلُ أن يَثْبُتَ المِلْكُ مِن حينِ المَوْتِ، فتَنْعَكِسَ هذه الأحْكامُ) وقد ذَكَرْناه.
فصل: وتَصِحُّ الوَصِيَّةُ مُطْلَقَةً ومُقَيَّدةً: فالمُطلَقَة، أن يقولَ: إن مِتُّ فثُلُثِي للمَساكِينِ.
أو: لزيدٍ.
والمُقَيَّدَةُ، أن يقولَ: إن مِتُّ في مَرَضِي هذا.
أو: في هذه البَلْدَةِ.
أو: في سَفَرِي هذا، فثُلُثِي للمَساكِينِ.
فإن بَرَأ مِن مَرَضِه، أو قَدِمَ مِن سَفَرِه، أو خرَج مِن البلدةِ، ثم مات، بطَلَتِ الوَصِيَّةُ المُقَيَّدَةُ دُونَ المُطْلَقَةِ.
قال أحمدُ، في مَن وَصَّى وَصِيَّةً إن مات مِن مَرَضِه هذا أو مِن سَفَرِه هذا، ولم يُغَيِّرْ وَصِيَّتَه، ثم مات بعدَ ذلك: فليس له وَصِيَّةٌ.
وبهذا قال الحسن، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ،
فَصْلٌ: وَيَجُوزُ الرُّجُوعُ فِي الْوَصِيَّةِ.
وأصحابُ الرَّأْي.
وقال مالكٌ: إن قال قولًا، ولم يَكْتُبْ كِتابًا، فهو كذلك، وإن كَتَب كتابًا ثم صَحَّ مِن مَرَضِه، وأقَرَّ الكِتابَ، فوَصِيَّتُه بحالِها ما لم يَنْقُضْها.
ولَنا، أنَّها وصيةٌ بشَرْطٍ لم يُوجَدْ شَرْطُها، فبَطَلَتْ، كما لو لم يَكْتُبْ كتابًا، أو كما لو وَصَّى لقَوْمٍ فماتُوا قبلَه، ولأنَّه قَيَّدَ وَصِيته بقَيدٍ، فلا تَتَعدَّاه، كما ذَكَرْنا.
وإن قال لأحَدِ عَبْدَيه: أنت حُرٌّ بعدَ مَوْتي.
وقال للآخَرِ: أنت حُرٌّ إن مِتُّ مِن مَرَضِي هذا.
فمات مِن مَرَضِه، فالعَبْدانِ سَواءٌ في التَّدْبِيرِ.
وإن بَرَأ مِن مَرَضِه ذلك، بَطَل تَدْبِيرُ المُقَيَّدِ وبَقِيَ تَدْبِيرُ المُطْلَقِ بحالِه.
ولو وَصَّى لرجلٍ بثُلُثِه، وقال: إن مِتَّ قبلِي فهو لعمرٍو.
صَحَّتْ وَصِيَّتُه على حَسَبِ ما شَرَطَه.
وكذلك سائِرُ الشُّرُوطِ، فإنّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ» 1.
فصل: قال، رَضِيَ الله عنه: (ويَجُوزُ الرُّجُوعُ في الوَصِيَّةِ) اتَّفَقَ أهلُ العلمِ على أنَّ للمُوصِي أن يَرْجِعَ في كلِّ ما وَصَّى به، وفي بعضِه،
فَإذَا قَال: قَدْ رَجَعْتُ فِي وَصِيَّتِي.
أوْ: أَبْطَلْتُهَا.
وَنَحْوَ ذَلِكَ، بَطَلَتْ.
إلَّا الوَصِيَّةَ بالإِعْتاقِ، فقد اخْتُلِفَ فيها، فالأكْثَرُون على جَوازِ الرُّجُوعِ فيها أيضًا.
رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: يُغيِّرُ الرجلُ ما شاء مِن وَصِيَّتِه (1). وبه قال عَطاءٌ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والزُّهْرِيُّ، وقتادَةُ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الشَّعْبِيُّ، وابنُ سِيرِينَ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والنَّخَعِيُّ: يُغَيِّرُ ما شاء منها إلَّا العِتْقَ؛ لأَنه إعْتاقٌ بعدَ المَوْتِ، فلم يَمْلِكْ تَغْيِيرَه، كالتَّدْبيرِ.
ولَنا، أنَّها وَصِيَّةٌ، فمَلَكَ الرُّجُوعَ عنها، [كغيرِ العِتْقِ] (2)، ولأنَّها عَطِيَّةٌ تَنْجُزُ بالمَوْتِ، فجاز له الرُّجُوعُ عنها قبلَ تَنْجِيزِها، كهِبَةِ ما يَفْتَقِرُ إلى القَبْضِ قبلَ قَبْضِه.
وأمّا التَّدْبِيرُ، فلَنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ، فإنَّ الوَصِيَّةَ تُفارِقُ التَّدْبِيرَ، فإنَّه تَعْلِيقٌ على شَرْطٍ، فلم يَمْلِكْ تَغْيِيرَه، كتَعْلِيقِه (3) على صِفَةٍ في الحَياةِ.
2673 -
مسألة: (فإذا قال: قد رجعتُ في وَصِيَّتِي. أو: أبْطلْتُها. أو نحوَ ذلك)
كقولِه: غيَّرتُها (بَطَلَتْ) لأنَّه صريحٌ في123
وَإنْ قَال فِي الْمُوصَى بِهِ: هَذَا لِوَرَثَتِي.
أوْ: مَا أوْصَيتُ بِهِ لِفُلَانٍ فَهُوَ لِفُلَانٍ.
كَانَ رُجُوعًا.
وَإنْ وَصَّى بِهِ لِآخَرَ وَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ، فَهُوَ بَينَهُمَا.
الرجوعِ (وإن قال في المُوصَى به: هو لوَرَثَتي) أو: في ميراثي.
فهو رُجوعٌ؛ لأنَّ ذلك يُنافِي كونَه وصيَّةً.
2674 -
مسألة: وإن قال: (ما أوْصَيتُ به لفُلانٍ فهو لفلانٍ.
كان رُجُوعًا) وبه قال الشافعي، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّه صَرَّحَ بالرُّجُوعِ عن الأوَّلِ بذِكْرِه أنَّ ما أوْصَى به مَرْدُودٌ إلى الثانِي، أشْبَهَ ما لو قال: رَجَعْتُ عن وَصِيَّتِي لفلانٍ وأوْصَيتُ بها لفلانٍ.
2675 -
مسألة: (وإن وَصَّى به لآخَرَ ولم يَقُلْ ذلك، فهو بينَهما)
إذا وَصَّى لإِنسانٍ بمُعَيَّنٍ مِن مالِه ثم وَصَّى به لآخَرَ، أو وَصَّى
..................................
لرجلٍ بثُلُثِه ثم وَصَّى لآخَرَ بثُلُثِه، أو وَصَّى بجَمِيعِ مالِه لرجلٍ ثم وَصَّى به لآخرَ، فهو بينَهما، وليس ذلك رُجُوعًا في الوَصِيَّةِ الأولَى.
وبه قال رَبيعَةُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وأَصحابُ الرَّأْي.
وقال جابرُ بن زيدٍ، والحسنُ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وداودُ: وَصِيَّتُه للأخِيرِ منهما؛ لأنه وَصَّى للثانِي بما وَصَّى به للأوَّلِ، فكان رُجُوعًا، كما لو قال: ما وَصَّيتُ به لفلانٍ فهو لفلانٍ.
ولأن الثانيةَ تُنافِي الأُولَى، فإذا أتَى بها كان رُجُوعًا، كما لو قال: هذا لوَرَثَتِي.
ولَنا، أنَّه وَصَّى بها لهما، فاسْتَوَيا فيها، كما لو قال: وَصَّيتُ لكما بهذه العَينِ.
وما قاسُوا عليه صَرَّحَ فيه بالرُّجُوعِ عن وَصِيَّةُ للأوَّلِ، وفي مسألتِنا يَحْتَمِلُ أنَّه قَصَد التَّشْرِيكَ، فلم تَبْطُلْ وَصِيَّةُ الآخَرِ بالشَّكِّ.
فصل: إذا وَصَّى بعَبْدٍ لرجل ثم وَصَّى لآخَرَ بثُلُثِه، فهو بينَهما أرْباعًا.
وعلى قولِ الآخَرِين يَنْبَغِي أن يكونَ للثانِي ثُلثه كامِلًا.
وإن وَصَّى بعَبْدِه لاثْنَين، فرَدَّ أحَدُهما وَصِيتَّهَ، فللآخَرِ نِصْفُه.
وإن وَصَّى لاثْنَين بثُلُثَي ماله، فرَدَّ الوَرَثَةُ ذلك، ورَدَّ أحَدُ الوَصِيَّين وَصِيَّتَه، فللآخَرِ الثُّلُثُ كامِلًا؛ لأنَّه وَصَّى له به مُنْفَرِدًا وزالتِ المُزاحَمَةُ، فكَمُلَ له، كما لو انْفَرَدَ به.
..................................
فصل: إذا أقَرَّ الوارِثُ أنَّ أباه وَصَّى بالثُّلُثِ لرجل، وأقام آخَرُ شاهِدَين أنَّه أوْصَى له بالثُّلُثِ، فرَدَّ الوارِثُ الوَصِيَّين، وكان الوارِثُ رجلًا عَدْلًا، وشَهِد بالوَصِيَّةِ، حَلَف معه المُوصَى له، واشتَرَكا في الثُّلُثِ.
وبهذا قال أبو ثَوْرٍ.
وهو قِياسُ قولِ الشافعيِّ.
وقال أصحابُ الرَّأْي: لا يُشارِكُه المُقَرُّ له.
بناءً منهم على أنَّ الشّاهِدَ واليَمِينَ ليس بحُجَّةٍ شَرْعِيَّةٍ.
وقد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى بشاهِدٍ ويَمِينٍ.
رَواهُ مسلمٌ 1. وإن كان المُقِرُّ ليس بعَدْلٍ، أو كان امرأةً، فالثُّلُثُ لمَن شَهِدَتْ له البَيِّنَةُ؛ لأنَّ وَصِيَّتَه ثابِتةٌ، ولم تَثبُتْ وَصِيَّةُ الآخَرِ.
وإن لم يكنْ لواحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، فأقَرَّ الوارِثُ أنَّه أقَرَّ لفُلانٍ بالثُّلُثِ، أو بهذا العَبْدِ، و 2 أقَرَّ لآخَرَ به بكلامٍ مُتَّصِلٍ، فالمُقَرُّ به بينَهما.
وبهذا قال أبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
وإن أقَرَّ به لواحِدٍ، ثم أقَرَّ به لآخَرَ في مجلِس آخَرَ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه؛ لأنَّه ثَبَت للأوَّلِ بإقْرارِه، فلا يُقْبَلُ قولُه فيما يَنْقُصُ به حَقُّ الأوَّلِ، إلَّا أن يكونَ عَدْلًا فيَشْهَدَ بذلك ويَحْلِفَ معه المُقَرُّ له، فيُشارِكَه، كما لو ثَبَت للأوَّل ببَيِّنَةٍ.
وإن أقَرَّ للثانِي، في المَجْلِسِ بكَلامٍ مُنْفَصِلٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّ حَقَّ الأوَّلِ ثَبَت في الجميعِ، فأشْبَهَ ما لو أقَرَّ له في مَجْلِسٍ آخَرَ.
والثانِي، يُقْبَلُ؛ لأن المَجْلِسَ الواحِدَ كالحالِ الواحِدَةِ.
وَإِنْ بَاعَهُ، أَوْ وَهَبَهُ، أَوْ رَهَنَهُ، كَانَ رُجُوعًا.
2676 - مسألة: (وإن باعَه، أو وَهَبَه، أو رَهَنَه، كان رُجُوعًا)
إذا وَهَب المُوصَى به، أو تَصَدَّقَ به، أو أكَلَه، أو أطْعَمَه، أو أتْلَفَه، أو كان ثَوْبًا ففَصَّلَه ولَبِسَه، أو جارِيَةً فأحْبَلَها، أو ما أشْبَهَ ذلك، فهو رُجُوعٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العِلْمِ، أنَّه إذا أوْصَى لرجلٍ بطَعامٍ فأكَلَه، أو بشيءٍ فأتْلَفَه، أو وَهَبَه، أو تَصَدَّقَ به، أو بجارِيَةٍ فأحْبَلَها، أو أوْلَدَها، فإنه يكونُ رُجُوعًا، وكذلك إن باعَها.
وحُكِيَ عن أصحابِ الرَّأي، أنَّ بَيعَه ليس برُجُوعٍ؛ لأنَّه أخَذَ بَدَلَه، بخِلافِ الهِبَةِ.
ولَنا، أنَّه أزال مِلْكَه عنه، فكان رُجُوعًا، كما لو وَهَبَه.
وإن عَرَضَه على البَيعِ، أو وَصَّى ببَيعِه، أو أوْجَبَ الهِبَةَ فلم يَقْبَلْها المَوْهُوبُ له، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه يَدُلُّ على اخْتِيارِه للرُّجُوعِ، ووَصِيَّتُه بِبَيعِه أو إعْتاقِه رُجُوعٌ، لكونِه وَصَّى بما يُنافِي الوَصِيَّةَ الأُولَى.
وَإنْ كَاتَبَهُ، أَوْ دَبَّرَهُ، أَوْ جَحَدَ الْوَصِيَّةَ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
وإن رَهَنَه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه عَلَّقَ به حَقًّا يجوزُ بَيعُه، فكان أعْظَمَ مِن عَرْضِه على البَيعِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه ليس برُجُوعٍ.
وهو وَجْهٌ لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُزِيلُ المِلْكَ، أشْبَهَ إجارَتَه.
2677 -
مسألة: (وإن كاتَبَه، أو دَبَّرَه، أو جَحَد الوَصِيَّةَ، فعلى وَجْهَين)
أحَدُهما، يكونُ رجُوعًا؛ لأنَّ الكِتابةَ بَيعٌ، والتَّدْبِير أقْوى مِن الوَصِيَّةِ؛ لأنَّه يَنْتَجِزُ بالموتِ، فسَبَق أخْذَ المُوصَى له، وجَحْدُ الوَصِيَّةِ
فَإن خَلَطَهُ بِغَيرِهِ عَلَى وَجْهٍ لَا يَتَمَيَّزُ، أَوْ أَزْال اسْمَهُ فَطَحَنَ
رُجُوعٌ؛ لأنَّه يدُلُّ (1) على الرُّجُوعِ، ولأنَّ جَحْدَه يَدُلُّ على أنَّه لا يريدُ إيصاله إلى المُوصَى له.
والثانِي، لا يكونُ رُجُوعًا؛ لأنَّ الكِتابَةَ والتَّدْبِيرَ لا يَخْرُجُ بهما عن مِلْكِه، ولأنَّ الوَصيةَ عَقْدٌ، فلا تَبْطُلُ بالجُحُودِ، كسائِرِ العُقُودِ.
وهو رِوايَةٌ عن أبي حنيفةَ.
2678 -
مسألة: (وإن خَلَطَه بغيرِه على وَجْهٍ لا يَتَمَيَّزُ)
منه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه يَتَعَذَّرُ تَسْلِيمُه، فيَدُلُّ على رُجُوعِه.
وإن خَلَطَه بما يَتَمَيَّزُ منه، لم يكن رُجُوعًا؛ لأنَّه لا يَمْنَعُ التَّسْلِيمَ.
وإن (أزال اسْمَه، فطَحَنَ1
الْحِنْطَةَ أوْ خَبَزَ الدَّقِيقَ، أوْ جَعَلَ الْخُبْزَ فَتِيتًا، أَوْ نَسَجَ الْغَزْلَ، أوْ نَجَرَ الْخَشَبَةَ بَابًا وَنَحْوَهُ، أو انْهَدَمَتِ الدَّارُ وَزَال اسْمُهَا، فَقَال الْقَاضِي: هُوَ رُجُوعٌ.
وَذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ فِيهِ وَجْهَينِ.
الحِنْطَةَ) أو عَجَن الدَّقِيقَ، أو خَبَز العَجِينَ 1 (أو جَعَلَ الخُبْزَ فَتِيتًا) فهو رُجُوعٌ؛ لأنَّه أزال اسْمَه.
وذَكَرَه القاضِي؛ لأنَّه أزال اسْمَه وعَرَّضَه للاسْتِعْمالِ، وذلك دَلِيلٌ على رُجُوعِه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وعلى قِياسِ ذلك إذا (نَجَر الخَشَبَةَ بابًا ونحوَه) لأنَّه أزال اسْمَه، فهو في مَعْناه.
وإن كان قُطْنًا أو كَتّانًا فغَزَلَه، أو غَزْلًا فنَسَجَه، أو ثَوْبًا فقَطَعَه، أو نُقْرَةً 2 فضَرَبَها، أو شاةً فذَبَحها، كان رُجُوعًا.
وبه قال أصحابُ الرَّأي، والشافعيُّ في ظاهِرِ مَذْهَبِه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ، أنَّه ليس برُجُوعٍ.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه لا يُزِيلُ اسْمَه.
ولَنا، أنَّه عَرضَه للاسْتِعْمالِ، فكان رُجُوعًا؛ لأن فِعْلَه يَدُلُّ على الرُّجُوعِ.
وقولُهم: إنَّه لا يُزِيلُ اسْمَه.
لا يَصِحُّ؛ فإنَّ الثَّوْبَ لا يُسَمَّى غَزْلًا، والغَزْلَ لا يُسَمَّى كَتَّانًا.
.................................. فصل: وإن حَدَث بالمُوصَى به ما يُزِيلُ اسْمَه مِن غيرِ 1 فِعْل المُوصِي، مِثْلَ أن سَقَط الحَبُّ في الأرْضِ فصار زَرْعًا، أو انْهَدَمَتِ الدّارُ فصارت فَضاءً في حَياةِ المُوصِي، بَطَلَتِ الوَصِيّةُ بها؛ لأنَّ الباقيَ لا يَتَناوَلُه
وَإنْ وَصَّى لَهُ بِقَفِيزٍ مِنْ صُبْرَةٍ، ثُمَّ خَلَطَ الصُّبْرَةَ بِأُخْرَى، لَمْ يَكُنْ رُجُوعًا.
الاسْمُ.
وهو اخْتِيارُ القاضي.
وذَكَر أبو الخَطّابِ، في الدّارِ إذا انْهَدَمَتْ وزال اسمُها وَجْهًا، أنَّه لا يكونُ رُجُوعًا؛ لأنَّ المُوصِيَ لم يَقْصِدْ ذلك.
والأوَّلُ أوْلَى.
وإن كان انْهِدامُ الدّارِ لا يُزِيلُ اسْمَها، سُلِّمَتْ إليه.
2679 -
مسألة: (وإن وَصَّى له بقَفِيزٍ مِن صُبْرَةٍ، ثم خَلَط الصُّبْرةَ بأُخْرَى، لم يكن رُجُوعًا)
سَواءٌ خَلَطَها بمِثْلِها، أو خَيرٍ منها، أو دُونِهَا؛
.................................. لأنَّه كان مُشاعًا، وبَقِيَ مُشاعًا، وقِيلَ: إن خَلَطَه بخيرٍ منه، كان رُجُوعًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه تَسْلِيمُ المُوصَى به إلَّا بتَسْلِيمِ خَيرٍ منه، ولا يَجِبُ على الوارِثِ تَسْلِيمُ خَيرٍ منه، فصار مُتَعَذِّرَ التَّسْلِيمِ، بخِلافِ ما إذا خَلَطَه بمِثْلِه أو دُونِه.
وَإنْ زَادَ فِي الدَّارِ عِمَارَةً، أو انْهَدَمَ بَعْضُهَا، فَهَلْ يَسْتَحِقُّهُ المُوصَى لَهُ؟ عَلَى وَجْهَينَ.
2680 - مسألة: (وإن زاد في الدّارِ عِمارَةً، أو انْهَدَمَ بعضُها، فهل يَسْتَحِقُّه المُوصَى له؟ على وَجْهَين)
أحَدُهما، لا يَسْتَحِقُّه؛ لأنَّ
..................................
الزِّيادَةَ لم تَتَناوَلْها الوصيةُ، والأنْقاضَ لا تَدْخُلُ في مُسَمَّى الدارِ، وإنَّما يَتْبَعُ الدارَ في الوصيةِ ما 1 يَتْبَعُها في البَيعِ.
والوَجْهُ الآخَرُ، يَدْخُلانِ في الوَصِيَّةِ؛ لأن الزِّيادَةَ تابِعَةٌ للمُوصَى به، فأشْبَهَ سِمَنَ العَبْدِ وتَعْلِيمَه، والمُنْهدِمُ قد دَخَل في الوصيةِ، فتَبْقَى الوصيةُ ببَقائِه.
فصل: نَقَل الحسنُ بنُ ثَوَابٍ، عن أحمدَ، في رجلٍ قال: هذا ثُلُثِي لفُلانٍ، ويُعْطَى فُلانٌ منه مائة في كلِّ شهر إلى أن يَمُوت.
فهو للآخَرِ منهما، ويُعْطَى هذا مائةً في كلِّ شهرٍ، فإن مات وفَضَل شيءٌ؛ رُدَّ إلى صاحِبِ الثلُثِ.
فحَكَمَ بصِحَّةِ الوَصِيَّةِ وإنْفاذِها، على ما أمَرَ به المُوصِي.
وَإِنْ أوْصَى لِرَجُلٍ ثُمَّ قَال: إنْ قَدِمَ فُلَانٌ فَهُوَ لَهُ.
فَقَدِمَ في حَيَاةِ الْمُوصِي، فَهُوَ لَهُ.
وَإِنْ قَدِمَ بَعْدَ مَوْتِهِ، فَهُوَ لِلْأَوَّلِ، فِي أحَدِ الْوَجْهَينِ.
وَفِي الْآخرِ، هُوَ لِلْقَادِمِ.
2681 - مسألة: (وإن وَصَّى لرجلٍ)
بشيءٍ (ثم قال: إن قَدِم فلانٌ فهو له.
فقَدِمَ في حَياةِ المُوصِي، فهو له) لأنَّه جَعَلَه له بشرْطِ قُدُومِه، وقد وُجِد الشَّرْطُ (وإن قَدِم بعدَ مَوْتِ المُوصِي، فهو للأوَّلِ، في أحَدِ الوَجْهَين) لأنَّه لَمّا مات قبلَ قُدُومِه انْتَقَلَ إلى الأوَّلِ، لعَدَمِ الشرْطِ في الثانِي، وقَدِم الثانِي بعدَ مِلْكِ الأوَّلِ له وانْقِطاعِ حَقِّ المُوصِي منه، فيَبْقَى للأوَّلِ.
ذَكَرَه القاضي (وفي الوَجْهِ الثانِي، هو للقادِم) لأنَّه مَشرُوْطٌ له بقُدُومِه، فأشْبَهَ ما لو قال: إن حَمَلَتْ نَخْلَتِي بعدَ مَوتِي فهو لفلانٍ.
فحَمَلَتْ بعدَ مَوْتِه، فإنَّه يَسْتَحِقُّ حَمْلَها بعدَ مِلْكِ الوَرَثَةِ لأصْلِها.
..................................
فصل: إذا أوْصَى بأمَةٍ لزَوْجِها الحُرِّ فقَبِلَها، انْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يَجْتَمِعُ مع مِلْكِ اليَمينِ.
وظاهِرُ المَذْهَبِ أنَّ المُوصَى له إنَّما مَلَك المُوصَى به بالقَبُولِ، فحِينَئِذٍ يَنْفَسِخُ النِّكاحُ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه إذا قَبِل، تَبَيَّنّا أنَّ المِلْكَ كان ثابِتًا مِن حينِ مَوْتِ المُوصِي، فتَبَيَّن أن النِّكاحَ انْفَسخَ مِن حينِ مَوْتِ المُوصِي.
فإن أتت بوَلَدٍ، لم يَخْلُ مِن ثلاثةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن تكونَ حامِلًا به 1 حينَ الوصيةِ، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَأْتِيَ به لأقَلَّ مِن سِتةِ أشْهُرٍ منذ أوْصَى، فالصَّحِيحُ أنَّه يكونُ مُوصَّى به معها؛ لأنَّ للحَمْلِ حُكْمًا، ولهذا تَصِحُّ الوَصِيَّةُ به وله، وإذا صَحَّتِ الوصيةُ به مُنْفَرِدًا، صَحتْ به مع أُمِّه، فيَصِيرُ كما لو كان مُنْفَصِلًا، فأوْصَى بهما جميعًا.
وفيه وَجْهٌ (1) آخَرُ، لا حُكْمَ للحَمْل، فلا يَدْخُلُ في الوصيةِ، وإنَّما يَثْبُتُ له الحُكمُ عندَ انفِصالِه، كأنَّه حَدَث حِينَئِذٍ.
فعلى هذا، إنِ انْفَصَلَ في حَيَاةِ المُوصِي، فهو له (1)، كسائِرِ كَسْبِها، وإنِ انْفَصَلَ بعدَ مَوْتِه وقبلَ القَبُولِ، فهو للوَرَثَةِ، على ظاهِرِ المَذْهَبِ، وإنِ انْفَصَلَ بعدَه، فهو للوَصِيِّ 2. الحالُ الثانِي، أن تَحْمِلَ به بعدَ الوصيةِ، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَضَعَه بعدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينَ أوْصَى؛ لأنَّها وَلَدَتْه لمُدَّةِ الحَمْلِ بعدَ الوَصِيَّةِ، فيَحْتَمِلُ أنَّها حَمَلَتْه بعدَها، فلم تَتَناولْه، والأصْلُ عَدَمُ الحَمْلِ حال الوَصيةِ، فلا نُثْبِتُه بالشَّكِّ، فيكونُ مَمْلُوكًا
..................................
للمُوصِي إن وَلَدَتْه في حَياتِه، وإن وَلَدَتْه بعدَه، وقُلْنا: للحَمْلِ حُكْمٌ.
فكذلك.
وإن قُلْنا: لا حُكْمَ له.
فهو للوَرَثَةِ إن وَلَدَتْه قبلَ القَبُولِ، ولأبيه إن وَلَدَتْه بعدَه.
وكلُّ مَوْضِع كان الوَلَدُ للمُوصَى له، فإنَّه يَعْتِقُ عليه بأنَّه ابنُه، وعليه وَلاءٌ لأبيه؛ لأنَّه عَتَقَ عليه بالقَرابَةِ، وأُمُّه أمَةٌ يَنْفَسِخُ نِكاحُها بالمِلْكِ، ولا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّها لم تَعْلَقْ منه بحُرٍّ في مِلْكِه.
الحالُ الثالثُ، أن تَحْمِلَ بعدَ مَوْتِ المُوصِي وقبلَ القَبُولِ، ويُعْلَمُ ذلك بأن تَضَعَه لأكْثَرَ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينِ المَوْتِ، فإن وَضَعَتْه قبلَ القَبُولِ، فهو للوارِثِ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأن المِلْكَ إنَّما يَثْبُتُ للمُوصَى له بعدَ القَبُولِ.
وعلى الوَجْهِ الآخَرِ، يكونُ للمُوصَى له.
وإن وَضَعَتْه بعدَ القَبُولِ فكذلك؛ لأن الظّاهِرَ أنَّ للحَمْلِ حُكْمًا، فيكونُ حادِثًا على مِلْكِ الوارِثِ.
وعلى الوَجْهِ الآخرِ، يكونُ للمُوصَى له.
فعلى هذا، يكونُ حُرًّا لا وَلاءَ عليه؛ لأنَّها أمُّ وَلَدٍ لكونِها عَلِقَتْ منه بحُرٍّ في مِلْكِه، فهو كما لو حَمَلَتْ به بعدَ القَبُولِ.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ قَرِيبٌ ممّا قُلْناه.
وقال أبو حنيفةَ: إذا وَضَعَتْه بعدَ مَوْتِ المُوصِي، دَخَل في الوصيةِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّها تَسْتَقِرُّ بالمَوْتِ وتَلْزَمُ، فوَجَبَ أن تَسْرِيَ إلى الوَلَدِ، كالاسْتِيلادِ.
ولَنا، أنَّها زيادَةٌ مُنْفَصِلَةٌ حادِثَةٌ بعدَ عَقْدِ الوصيةِ، فلا تَدْخُلُ فيها، كالكَسْبِ، وكما لو وَصَّى بعِتْقِ جارِيَةٍ فوَلَدَتْ، ويُفارِقُ الاسْتِيلادَ؛ لأنَّ
فَصْلٌ: وَتُخْرَجُ الْوَاجِبَاتُ مِنْ رَأَسِ الْمَالِ، أَوْصَى بِهَا
له تَغْلِيبًا وسِرايَةً.
وهذا التَّفْرِيعُ فيما إذا خَرَجَتْ مِن الثُّلُثِ، وإن لم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، مَلَك منها بقَدْرِ الثُّلُثِ، وانْفَسَخَ النِّكاحُ؛ لأن مِلْكَ بعضِها يَفْسَخُ النِّكاحَ، كمِلْكِ جَمِيعِها.
وكلُّ مَوْضِع يكونُ الوَلَدُ لأبيه، فإنَّه يكونُ له منه ههُنا بقَدْرِ ما مَلَك مِن أُمِّه، ويَسْرِي العِتْقُ إلى باقِيه إن كان مُوسِرًا، وإن كان مُعْسِرًا فقد عَتَقَ منه ما مَلَك وَحْدَه.
وكلُّ مَوْضِعٍ قُلْنا: تكونُ أُمَّ وَلَدٍ.
فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ ههُنا، سواءٌ كان مُوسِرًا أو مُعْسِرًا، على قول الخِرَقِيِّ، إذا اسْتَوْلَدَ الأمَةَ المُشْتَرَكَةَ.
وقال القاضي: يَصِيرُ منها أُمُّ وَلَدٍ بقَدْرِ ما مَلَك منها.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (وتُخْرَجُ الواجِباتُ مِن رَأْسِ المالِ، أوْصَى بها أو لم يُوصِ) كقَضاءِ الدَّينِ، والحَجِّ، والزكاةِ؛ لأنَّ حَقَّ الوَرَثَةِ بعدَ أداءِ الدَّينِ؛ لقَوْلِه سبحانه: {مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ