.................................. أشْهُرٍ وعَشْرٍ، لتَقْضِيَ 1 العِدَّةَ بِيَقِينٍ؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ منهُنَّ يَحْتَمِلُ أن تكون مُخْتارَةً أو مُفارَقَةً، وعِدَّةُ المختارَةِ عِدَّةُ الوَفاةِ، وعِدَّةُ المُفارَقَةِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ، فأوْجَبْنا 2 أطْوَلَهُما 3، لتَقْضِيَ 4 العِدَّةَ بيَقينٍ، كما قُلْنا في مَن
..................................
نَسِيَ صَلَاةً لا يَعْلَمُ عَينَها: عليه خَمْسُ صَلَواتٍ.
هذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في كتابِ «المُغْنِي» و «الكافِي» 1. وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وهو الصَّحيحُ.
والقولُ الأوَّلُ لا يَصِحُّ.
وَالْمِيرَاثُ لِأَرْبَعٍ مِنْهُنَّ بِالْقُرْعَةِ.
3234 - مسألة: (والمِيراثُ لأرْبَعٍ منهُنَّ بالقُرْعَةِ)
في قِياسِ المَذْهَبِ.
وعندَ الشافعيِّ يُوقَفُ حتَّى يصْطلِحْنَ.
وسنذكُرُ هذا في غيرِ هذا الموضِعِ، إن شاء اللهُ تعالى.
وإنِ اخْتَرْنَ الصُّلْحَ، جازَ كَيفَما اصْطَلَحْنَ؛ لأنَّ الحَقَّ لهُنَّ.
فصل: وإذا أسْلَمَ قَبْلَهُنَّ، وقُلْنا: تُتَعَجَّلُ الفُرْقَةُ باخْتِلافِ الدِّينِ.
فلا كَلامَ.
وإن قُلْنا: تقِفُ على انْقِضَاءِ العِدَّةِ.
فلم يُسْلِمْنَ حتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، تَبَيَّنَّا أنَّهُنَّ بِنَّ مُنْذُ اخْتَلَفَ الدِّينانِ.
فإن كان قد طَلَّقَهنَّ قَبْلَ انْقِضاءِ عِدَّتِهِنَّ، تَبَيَّنَّا أنَّ طَلاقَه لم يَقَعْ بِهِنَّ، وله نِكاحُ أرْبَعٍ منهُنَّ إذا أسْلَمْنَ.
وإن كان وَطِئَهُنَّ، تَبَيَّنَّا أنَّه وَطِئَ غيرَ نِسائِه، وإن آلى مِنهُنَّ، أو ظاهَرَ، أو قَذَفَ، تَبَيَّنَّا أنَّ ذلك كان 1 في غيرِ زَوْجَةٍ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو خاطَبَ بذلك أجْنَبِيَّةً، فإن أسْلَمَ بعْضُهُنَّ في العِدَّةِ.
تَبَيَّنَّا أنَّها زَوْجَةٌ، فوَقَع طَلاقُه بها، وكان وَطْؤُه لها وَطْئًا لِمطَلَّقَتِه.
وإن كانتِ المُطَلَّقَةُ غيرَها، فَوَطْؤُه لها وَطْءٌ لامرأتِه.
وكذلك إن كان وَطْؤُه لها (1) قبلَ طَلاقِها.
وإن طَلَّق الجميعَ، فأسْلَم أرْبَعٌ مِنْهُنَّ أو أَقَلُّ في عِدَّتِهِنَّ، ولم يُسْلِمِ البَوَاقِي، تَعَيَّنَتَ الزَّوْجِيَّةُ في المُسْلِماتِ، وَوَقَع الطَّلاقُ بِهِنَّ، فإذا أسْلَمَ البَوَاقِي، فله أن يَتَزَوَّجَ مِنهُنَّ؛ لأنَّه لم يَقَعْ طَلاقُه بِهِنَّ.
..................................
فصل: ولو أسْلَمَ وتَحْتَه ثَمانِ نِسوةٍ، فأسْلَمَا أرْبَعٌ مِنهُنَّ، فله اخْتِيارُهُنَّ، وله الوُقوفُ إلى أن يُسْلِمَ البَوَاقِي.
فإن مات اللَّاتي أسْلَمْنَ، ثم أسْلَمَ الباقِياتُ، فله اخْتِيارُ المَيِّتاتِ، وله اخْتِيارُ الباقِياتِ، وله اخْتِيارُ بعضِ هؤلاءِ وبعضِ هؤلاءِ؛ لأنَّ الاخْتِيارَ ليس بعَقْدٍ، وإنَّما هو تَصْحيحٌ للعَقْدِ الأوَّلِ فيهِنَّ.
والاعْتِبارُ في الاخْتيارِ بحالِ ثُبُوتِه، وحال ثُبُوتِه كُنَّ أحْياءً.
وإن أسْلَمَتْ واحدَة مِنهنَّ، وقَال: اخْتَرْتُها 1. جاز، فإذا اخْتار أرْبَعًا على هذا الوَجْهِ، انْفَسَخَ نِكاحُ البَواقِي.
وإن قال للْمُسْلِمَةِ: اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكاحِها.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الْفَسْخَ إنَّما يكونُ فيما زادَ على الأرْبَعِ، والاخْتِيارُ للأرْبَعِ، وهذه مِن جُمْلَةِ الأرْبَعِ، إلَّا أن يُرِيدَ بالفَسْخِ الطلاقَ، فيَقَعُ؛ لأنه كِنايَةٌ، ويكونُ طَلَاقُه لها اخْتيارًا لها.
وإن قال: اخْتَرتُ فُلَانةَ.
قبْلَ أن تُسْلِمَ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه ليسِ بوَقْتٍ للاخْتِيارِ؛ لأنَّها جارِيةٌ إلى بَينُونَةٍ، فلا يَصِحُّ إمْساكُها.
وإن فسَخ نِكاحَها، لم يَنْفَسِخْ؛ لأنَّه لمَّا لم يَجُزْ الاخْتِيارُ لم يَجُز الفَسْخُ.
وإن نَوَى بالفَسْخِ الطَّلاقَ، أو قال: أنْتِ طالقٌ.
فهو مَوْقُوفٌ، فإن أسْلَمَتْ ولم يُسْلِمْ زِيادَةٌ على أرْبَعٍ، أو أَسْلَمَ زِيادَةٌ فاختارَها، تَبَيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلاقِ بها، وإلَّا فلا.
فصل: وإن قال: كُلَّما أسْلَمَتْ واحدةٌ اخْتَرْتُها.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ الاخْتِيارَ لا يَصِحُّ تَعْلِيقُه على شَرْطٍ، ولا يَصِحُّ في غيرِ مُعَيَّنٍ.
وإن قال: كُلَّما أسْلَمَتْ واحدةٌ اخْتَرْتُ فَسْخَ نِكاحِها.
لم يَصِحَّ أيضًا؛ لأنَّ الفَسْخَ
..................................
لا يَتَعَلَّقُ بالشَّرْطِ، ولا يَمْلِكُه في واحدةٍ حتى يَزيدَ عددُ المُسْلِماتِ على الأرْبَعِ، فإن أرادَ به الطّلاقَ، فهو كما لو قال: كُلَّما أسْلَمَتْ واحدةٌ فهي طالقٌ.
وفي ذلك وَجْهان؛ أحدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الطَّلاقَ يَصِحُّ تَعْلِيقُه بالشَّرْطِ، ويَتَضَمَّنُ الاخْتِيارَ لها، [وكلَّما أسْلَمَتْ واحدةٌ كان اختِيارًا لها] 1، وتَطْلُقُ بِطَلاقِه.
والثاني، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الطلاقَ يَتَضَمَّنُ الاخْتِيارَ، والاختيارُ لا يصحُّ تعْليقُه بالشَّرْطِ.
فصل: إذا أسْلَمَ، ثم أحْرَمَ بحجٍّ أو عُمْرةٍ، ثم أسْلَمْنَ، فله الاختيارُ؛ لأنَّ الاخْتيارَ اسْتِدامةٌ للنِّكاحِ، وتَعْيِينٌ للمَنْكوحةِ، وليس بابْتِداءٍ له.
وقال القاضي: ليس له الاخْتيارُ.
وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ.
ولَنا، أنَّه اسْتِدامةُ نِكاحٍ، لا يُشْتَرَطُ له رِضَا المرأةِ، ولا وَلِيٌّ، ولا شُهُودٌ، ولا يَتَجَدَّدُ به مَهْرٌ، فجازَ له في الإِحْرامِ، كالرَّجْعةِ.
فصل: فإن أسْلَمْنَ معه، ثم مِتْنَ قبلَ اخْتِيارِه، فله أن يَخْتارَ منهنَّ أرْبَعًا، فيكونُ له مِيراثُهُنَّ، ولا يَرِثُ الباقياتِ؛ لأنَّهُنَّ لَسْنَ بِزَوْجاتٍ له.
وإن مات بعضُهُنَّ، فله الاختيارُ مِن [الأحْياءِ، وله الاخْتِيارُ مِنَ المَيِّتاتِ.
وكذلك لو أسْلَم بعضُهُنَّ فمِتْنَ، ثم أسْلَم البَواقِي، فله الاخْتِيارُ مِنَ] 2 الجميعِ، فإنِ اختار الميِّتاتِ، فله مِيراثُهُنَّ؛ لأنَّهنَّ مِتْنَ
وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ، اخْتَارَ مِنْهُمَا وَاحِدَةً،
وهُنَّ نِساؤُه، وإنِ اختارَ غيرَهُنَّ، فلا مِيراثَ له منهنَّ؛ لأنَّهنَّ أجْنَبِيَّاتٌ.
وإن لم يُسْلِمِ البَواقِي، لَزِمَ النِّكاحُ في الْمَيِّتاتِ، وله مِيراثُهُنَّ.
فإن وَطِئَ الجميعَ قبلَ إسْلامِهِنَّ، ثم أسْلَمْنَ، فاخْتارَ أرْبَعًا مِنهنَّ، فليس لهُنَّ إلَّا المُسَمَّى؛ لأنَّهُنَّ زَوْجاتٌ، ولسائِرِهِنَّ المُسَمَّى بالعَقْدِ الأوَّلِ، ومَهْرُ المِثْلِ للوَطْء الثاني؛ لأنَّهُنَّ أجْنبيَّاتٌ.
وإن وَطِئَهُنَّ بعدَ إسْلامِهِنَّ، فالمَوْطوءاتُ أَولًا المُخْتاراتُ، والبَواقِي أجْنَبيَّاتٌ، والحُكمُ في المَهْرِ على ما ذكَرْنا.
3235 -
مسألة: (وإن أسْلَمَ وتَحْتَه أُخْتانِ، اختار منهما واحدةً)
هذا قولُ الحسنِ، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ.
وقال أبو حنيفةَ في هذه كقولِه في عَشْرِ نِسْوةٍ.
ولَنا، ما روَى الضَّحَّاكُ بنُ فَيرُوزَ، عن أبِيه، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أسْلَمْتُ وتَحْتِي أُخْتان.
قال: «طَلِّقْ أيَّتَهُما شِئْتَ».
روَاه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، وغيرُهما 1، ولأنَّ أنْكِحةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، وإنَّما حَرُمَ الجَمْعُ في الإِسلامِ، وقد أزاله، فصَحَّ، كما لو طَلَّق إحداهما قبلَ إسْلامِه، ثم أسْلَمَ والأُخْرَى في حِبالِه.
وكذلك الحُكْمُ في المرأةِ وعَمَّتِها أو خالتِها؛ لأنَّ المعنى في الجميعِ واحدٌ.
فصل: ولو تزوَّجَ وَثَنِيَّةً، فأسْلَمَتْ قبلَه، ثم تزوَّجَ في شِرْكِه أُخْتَها، ثم أسْلَما في عِدَّةِ الأُولَى، فله أن يخْتارَ منهما؛ لأنَّه أسْلَمَ وتَحْتَه أُخْتان
..................................
مُسْلِمتان 1. وإن أسْلَمَ هو قبلَها، لم يَكُنْ له أن يتزوَّجَ أُخْتَها في عِدَّتِها، ولا أَرْبَعًا سِواها.
فإن فعل، لم يَصِحَّ النِّكاحُ الثاني.
وإذا أسْلَمَتِ الأُولَى في عِدَّتِها، فنِكاحُها لازِمٌ؛ لأنَّها انْفَرَدَتْ به.
فصل: وإذا تزوَّجَ أُخْتَين، فدَخَل بهما، ثم أسْلَمَ وأسْلَمَتا معه، فاخْتارَ إحْداهُما، لم يَطَأْها حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ أُخْتِها 2؛ لئلَّا يكونَ وَاطِئًا لإِحْدَى الأُخْتَين في عِدَّةِ الأُخْرَى.
وكذلك إذا أسْلَمَ وتَحْتَه أكثرُ مِن أربَعٍ، قد دَخَل بِهِنَّ، فأسْلَمْنَ معه، وكُنَّ ثَمانِيًا، فاختارَ أرْبَعًا منهنَّ، وفارَقَ أرْبَعًا، لم يَطَأْ واحدَةً مِن المُخْتاراتِ حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ المُفارَقاتِ؛ لئلَّا يكونَ وَاطِئًا لأكثرَ مِن أرْبعٍ.
فإن كُنَّ خمْسًا ففارَقَ إحداهُنَّ، فله وَطْءُ ثَلاثٍ مِنَ المُخْتاراتِ، ولا يَطَأُ الرابعةَ حتى تَنْقَضِيَ عدةُ المفارَقَةِ.
وإن كُنَّ سِتًّا، ففارَقَ اثْنَتَين، فله وَطْءُ اثْنَتَينِ مِن المختاراتِ.
وإن كُنَّ سَبْعًا ففارَقَ ثَلاثًا، فله وَطْءُ واحدَةٍ مِن المختاراتِ، ولا يَطَأُ الباقياتِ حتى تَنْقَضِيَ عِدَّةُ المُفارَقاتِ، فَكُلَّما انْقَضتْ عِدَّةُ واحدةٍ مِن المُفارَقاتِ، فله وَطْءُ واحدةٍ مِن المختاراتِ.
هذا قياسُ المذهبِ.
فصل: وإن تزوَّجَ أُخْتَين في حالِ كُفْرِه، فأسْلَمَ وأسْلَمَتا معًا قبلَ الدُّخُولِ، فاختارَ إحداهُما، فلا مَهْرَ للأُخْرَى؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وقَعَتْ بإسْلامِهِم جميعًا، فلا تَسْتَحِقُّ مَهْرًا، كما لو فَسَخ النِّكاحَ لعَيبٍ في إحداهما،
فَإِنْ كَانَتَا أُمًّا وَبِنْتًا، فَسَدَ نِكَاحُ الْأُمِّ، وَإِنْ كَانَ دَخَلَ بِالْأُمِّ، فَسَدَ نِكَاحُهُمَا.
ولأنَّه نِكاحٌ لا يُقَرُّ عليه في الإِسْلامِ، فلا يجبُ به مَهْرٌ إذا لم يَدْخُلْ بها، كما لو تزوَّجَ المَجُوسِيُّ أُخْتَه ثم أسْلَما قبلَ الدُّخُولِ.
وهكذا (1) الحكْمُ فيما زاد على الأرْبَعِ، إذا أسْلَمُوا جميعًا قبلَ الدُّخولِ، فاختارَ أربعًا، وانْفَسَخَ نِكاحُ الْبَواقِي، فلا مَهْرَ لهنَّ؛ لِما (2) ذَكَرْنا.
والله أعلمُ.
3236 -
مسألة: (وإن كَانَتا أُّمًّا وبِنْتًا)
ولم يَدْخُلْ بِالْأُمِّ (انْفَسَخَ نِكَاحُها، وإن كان دَخَل بِالأُمِّ، فَسَد نِكاحُهُمَا) أمَّا إذا كان إسْلامُهُم جميعًا قبلَ الدُّخُولِ، فإنَّه يَفْسُدُ نِكاحُ الأمِّ، ويَثْبُتُ نِكاحُ البِنْتِ.
وهذا أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ، واخْتيارُ المُزَنِيِّ.
وقال في الآخَرِ: يَخْتارُ أيَّتَهُما شاءَ؛ لأنَّ عَقْدَ الشِّرْكِ إنَّما يَثْبُتُ له حكمُ الصِّحَّةِ إذا انْضَمَّ إليه الاخْتِيارُ، فإذا اخْتارَ الأُمَّ فكأنَّه لم يَعْقِدْ على البِنْتِ.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ﴾ 3. وهذه أُمُّ زَوْجَتِه، فتَدْخُلُ في عُمُومِ الآيةِ، ولأنَّها أُمُّ زَوْجَتِه، فتَحْرُمُ عليه، كما لو طَلَّقَ ابْنَتَها في حالِ شِرْكِه، ولأنَّه لو تَزَوَّجَ البنتَ وَحْدَها، ثم طَلَّقَها، حَرُمَتْ عليه أُمُّها إذا أسْلَمَ، فإذا لم يُطَلِّقْها12
..................................
وتَمَسَّكَ بنِكاحِها أوْلَى.
وقولُهم: إنَّما يَصِحَّ العَقْدُ بانْضِمامِ الاخْتيارِ إليه.
غيرُ صحيحٍ؛ فإنَّ أنْكِحَةَ الكُفَّارِ صحيحةٌ، يَثْبُتُ لها أحكامُ الصِّحَّةِ.
وكذلك لو انْفَرَدَتْ، كان نِكاحُها صحيحًا لازِمًا مِن غيرِ اخْتيارٍ، ولهذا فُوِّضَ إليه الاخْتيارُ ههُنا.
ولا يَصِحُّ أن يختارَ مَن ليسَ نِكاحُها صَحِيحًا، وإنَّما اخْتصَّتِ الأُمُّ بفَسادِ نِكاحِها؛ لأنَّها تَحْرُمُ بمُجَرَّدِ العَقْدِ على ابْنَتِها على التَّأْبِيدِ، فلم يُمْكِنِ اختِيارُها، والبِنْتُ لا تَحْرُمُ قبلَ الدُّخُولِ بِأُمِّها، فَتَعَيَّنَ النِّكاحُ فيها 1، بخِلافِ الأُخْتَينِ.
فصل: فإن كان قد 2 دخَلَ بالأُمِّ أو بهما، حَرُمَ نِكاحُهما على التَّأْبِيدِ؛ الأمُّ لأنَّها أُمُّ زَوْجَتِه، والبِنْتُ لأنَّها رَبِيبتُه، مدْخُولٌ بأُمِّها.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَع على هذا كُلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ.
وهو قولُ الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وقَتَادَةَ، ومالكٍ، وأهلِ الحجازِ، والثَّوْرِيِّ، وأهلِ العراقِ، والشافعيِّ، ومَن تَبِعَهم.
فإن دَخَل بالبِنْتِ وَحْدَها، ثَبَتَ نِكاحُها، وفَسَد نِكاحُ أمها، كما لو لم يَدْخُلْ بهما، فإن لم يُسْلِمْ معه إلا إحْدَاهما، كان الحُكْمُ كما لو أسْلَمَتا معه معًا؛ فإن كانتِ المُسْلِمَةُ هي الأمَّ، فهي مُحَرَّمَةٌ عليه على كلِّ حالٍ، وإن كانتِ البِنْتَ ولم يَكُنْ دَخَلَ بأُمِّها، ثَبَتَ نِكاحُها، وإن كان دَخَل بها، فهي مُحَرَّمَةٌ
..................................
على التَّأْبِيدِ.
[ولو أسْلَم وله جاريتان، إحداهما أُمُّ الأخْرَى، وقد وَطِئَهما جميعًا، حَرُمَتا عليه على التَّأْبِيدِ] 1، وإن كان قد وَطِئَ إحدَاهما، حَرُمَتِ الأُخْرَى على التَّأْبِيدِ، ولم تَحْرُمِ الموْطُوءَةُ، وإن لم يَكُنْ وَطِئَ 2 واحدِةً منهما، فله وَطْءُ أَيَّتِهُما شاءَ، فإذا وَطِئَها، حَرُمَتِ الأخْرَى على التَّأبِيدِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: إذا أسْلَمَ عَبْدٌ، وَتَحْتَه زَوْجَتان قد دَخَلَ بِهما، فأسْلَمَتا في العِدَّةِ، فهما زَوْجَتاهُ.
وإن كُنَّ أكثرَ، اختارَ منهُنَّ اثْنَتَين؛ لأنَّ حُكْمَ العَبْدِ فيما زادَ على [الاثْنَتَينِ حُكْمُ الحُرِّ فيما زاد على] 3 الأرْبَعِ، فإذا أسْلَمَ وتحتَه زَوْجتان، فأسْلَمَتا معه، أو في عِدَّتِهِما، لَزِمَ نِكاحُه، حُرَّتَين كانَتا أو أمَتَين، أو حُرَّةً وأمَةً؛ لأنَّ له الجمعَ بَينَهما في ابْتِداءِ نِكاحِه، فكذلك في اخْتِيارِه.
وإن كُنَّ أكثرَ، اخْتارَ منهنَّ اثْنَتَينِ، بنَاءً على ما مَضَى في الحُرِّ، فلو كان تَحْتَه حُرَّتانِ وأَمَتانِ، فله أن يخْتارَ الحُرَّتَين أو الأمَتَين، أو حُرَّةً و 4 أَمةً، وليس للحُرَّةِ إذا أسْلَمَتْ معه الخيارُ في فِراقِه؛ لأنَّها رَضِيَتْ بِنكاحِه وهو عَبْدٌ، ولم يتجَدَّدْ رِقُّه بالإِسْلامِ، ولا تَجَدَّدَتْ حُرِّيَّتُها بذلك، فلم يكُنْ [لها خيارٌ] 5، كما لو تَزَوَّجَتْ مَعِيبًا تَعْلَمُ عَيبَه ثم أسْلَما.
..................................
وذكر القاضي وجهًا 1، أنَّ لها الخيارَ؛ لأنَّ الرِّقَّ عَيبٌ تجدَّدَتْ أحكامُه بالإِسلامِ، فكأنَّه عَيبٌ حادِثٌ.
والأوَّلُ أَصَحُّ؛ فإنَّ الرِّقَّ لم يَزَلْ عيبًا ونَقْصًا عندَ العُقلاءِ، ولم يَتَجَدَّدْ نَقْصُه بالإِسْلامِ، فهو كسائرِ العُيُوبِ.
فصل: ولو أسْلَمَ وتَحْتَه أرْبَعُ حَرَائِرَ، فأُعْتِقَ، ثم أسْلَمْنَ في عِدَّتِهِنَّ، أو أسْلَمْنَ قبلَه، ثم أُعْتِقَ، ثم أَسْلَمَ، ثَبَتَ نِكاحُ الأرْبَعِ؛ لأنَّه ممَّن يجُوزُ له الأرْبَعُ في وَقْتِ اجتمَاعِ إسْلامِهِم؛ لأنَّه حرٌّ.
فأمَّا إن أسْلَمُوا كُلُّهم، ثم أُعْتِقَ قبلَ أن يختارَ، لم يَكُنْ له أن يخْتارَ إلَّا اثْنَتَينِ؛ لأنَّه كان عَبْدًا حينَ ثَبَتَ له الاخْتيارُ، وهو حالُ اجتماعِهِم، على الإِسْلامِ، فتَغَيُّرُ حالِه بعدَ ذلك لا يُغَيِّرُ الحُكْمَ، كمن أسْلَمَ وتَحْتَه إماءٌ، فأسْلَمْنَ معه، ثم أيسَرَ.
ولو أسْلَمَ معه اثْنَتان، ثم أُعْتِقَ، ثم أسْلَمَ الباقِياتُ 2، لم يَخْتَرْ إلَّا اثْنَتَين؛ لأنَّه ثَبَتَ له الاختيارُ بإسْلامِ الأُولَيَين.
فصل: فإن تزَوَّجَ أرْبَعًا مِن الإِماءِ، فأسْلَمْنَ، وأُعْتِقْنَ قبلَ إسْلامِه، فلَهُنَّ فَسْخُ النِّكاحِ؛ لأنَّهُنَّ عَتَقْنَ تَحْتَ عَبْدٍ، وإنَّما مَلَكْنَ الفَسْخَ وإن كُنَّ جارِياتٍ إلى بَينُونَةٍ؛ لأنَّه قد يُسْلمُ [فيَقْطَعُ جَرَيانَهُنَّ إلى البَينُونَةِ، فإذا فَسَخْنَ ولم يُسْلِمِ الزَّوْجُ، بِنَّ باخْتِلافِ الدِّينِ مِن حينَ أسْلَمْنَ] 3، وتَبَيَّنَ أنَّ الفَسْخَ لم يَصِحَّ.
وإن أسْلَمَ في العِدَّةِ، بِنَّ بفَسْخِ النِّكاحِ،
..................................
وعليهِنَّ عِدَّةُ الحرائِرِ في المَوْضِعَينِ؛ لأنَّهُنَّ ههُنا وَجَبَتْ عليهنَّ العِدَّةُ وهُنَّ حرائرُ، وفي التي قبلَها عَتَقْنَ في أثْناءِ العِدَّةِ التي يُمْكِنُ الزَّوْجَ تلافِي النِّكاحِ فيها، فأشْبَهْنَ الرَّجْعِيَّةَ.
فإن أَخَّرْنَ الفَسْخَ حتى أسْلَمَ الزَّوْجُ، فهُنَّ كالرَّجْعِيَّةِ إذا أُعْتِقَتْ وأخَّرَتِ الفَسْخَ، لأنَّ تَرْكَهُنَّ الفَسْخَ اعتمادٌ على جَرَيانِهِنَّ إلى البَينُونَةِ، فلم يتَضَمَّنِ الرِّضَا بالنِّكاحِ.
ولو أسْلَمَ قَبْلَهنَّ، ثم أُعْتِقْنَ فاخْتَرْنَ الفَسْخَ، صَحَّ، لأنَّهُنَّ إماءٌ عَتَقْنَ تحْتَ عَبْدٍ.
وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ وقال بعضُهم: لا خِيارَ لهُنَّ؛ لأنَّه لا حاجَةَ بهنَّ إلى الفَسْخِ، لكَوْنِه يَحْصُلُ بإقامَتِهنَّ على الشِّرْكِ، بخِلافِ التي قَبْلَها.
وليس بصحيحٍ، فإنَّ السَّبَبَ مُتَحَقِّقٌ، وقد يَبْدُو لهنَّ الإِسْلامُ، وهو واجِبٌ عليهنَّ.
فإن قِيلَ: فإذا أسْلَمْنَ اخْتَرْنَ الفَسْخَ.
قُلْنا: يَتَضَرَّرْنَ بطولِ العِدَّةِ، فإنَّ ابْتِداءَها مِن حينِ الفَسْخِ، ولذلك ملَكْنَ الفَسْخَ فيما إذا أسْلَمْنَ وعَتَقْنَ قبلَه.
فأمَّا إنِ اخْتَرْنَ المُقَامَ، وقُلْنَ: قَدْ رَضِينَا بالزَّوْجِ.
فذَكَر القاضي أنَّه يَسْقُطُ خيارُهُنَّ؛ لأنَّها حالةٌ يَصِحُّ فيها اخْتِيارُ الفَسْخِ، فَصَحَّ فيها اخْتِيارُ الإِقامَةِ، كحالِ اجْتِماعِهم على الإِسْلامِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: لا يَسْقُطُ خِيارُهُنَّ 1، لأنَّ اختيارَهُنَّ للإقامَةِ ضِدُّ الحالةِ التي هُنَّ عليها، وهي جَرَيَانُهُنَّ إلى البَينُونَةِ، فأشْبَهَ ما لو ارْتَدَّتِ الرَّجْعِيَّةُ، فراجَعَها الزَّوجُ حال رِدَّتِها.
وهذا يَبْطُلُ بما إذا قال: إذا جاء رَأْسُ الشَّهْرِ فأنْتِ طَالِقٌ.
ثم عَتَقَتْ، فاختارَتْ زَوْجَها.
فَصْلٌ: وَإِنْ أسْلَمَ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، وَكَانَ فِي حَالِ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ مِمَّنْ يَحِلُّ لَهُ الإِمَاءُ، فَلَهُ الاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ، وَإلَّا فَسَدَ نِكَاحُهُنَّ.
فصل: قال الشَّيخُ، رحمه الله: (فإن أسْلَمَ وتحْتَه إماءٌ فأسْلَمْنَ معه، وكان في حالِ اجْتِماعِهِم على الإسْلامِ ممَّن يَحِلُّ له الإماءُ، فله الاخْتِيارُ منهنَّ، وإلَّا فَسَدَ نِكاحُهُنَّ) إذا كان في حالِ اجْتِماعِهِم على الإِسْلامِ عادِمًا للطَّوْلِ خائِفًا للعَنَتِ، فله أن يَخْتارَ منهنَّ واحدةً.
فإن كانت لا تُعِفُّه، فله أن يَخْتارَ منهنَّ مَن تُعِفُّه، في إحدَى الرِّوايَتَين.
والأُخْرَى، لا يَخْتارُ إلَّا واحدةً.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وتَوْجيهُهُما قد مَضَى ذِكْرُه.
وإن عُدِمَ فيه الشَّرْطانِ، انْفَسَخَ النكاحُ في الكُلِّ، ولم يكُنْ له خِيارٌ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو ثورٍ: له أن يَخْتارَ منهنَّ؛ لأنَّه اسْتِدامَةٌ للعَقْدِ لا ابْتِداءٌ له، بدَلِيلِ أنَّه لا يُشْتَرَطُ له 1 شُرُوطُ العَقْدِ، أشْبَهَ الرَّجْعَةَ.
ولَنا،
وَإِنْ أَسْلَمَ وَهُوَ مُوسِرٌ، فَلَمْ يُسْلِمْنَ حَتَّى أَعْسَرَ، فَلَهُ الاخْتِيَارُ مِنْهُنّ،
أنَّ هذه امرأةٌ لا يَجُوزُ ابْتِداءُ العَقْدِ عليها حال الإِسْلام، فلم يَمْلِكِ اخْتِيارَها، كالمُعْتَدَّةِ مِن غيرِه، وذَواتِ محارمِه.
وأمَّا الرَّجعَةُ فهي قَطْعُ جَرَيانِ النِّكاحِ إلى البَينُونَةِ، وهذا إثْباتُ النِّكاحِ في امرأةٍ.
فإن كان دَخَل بهنَّ ثم أسْلَمَ، ثم أسْلَمْنَ في عِدَّتِهِنَّ، فالحُكْمُ كذلك.
وقال أبو بكرٍ: لا يَجُوزُ له ها هنا اخْتِيارٌ، بل يَبِنَّ بمُجَرَّدِ إسْلامِه؛ لئَلَّا يُفْضِيَ إلى اسْتِدامَةِ نِكاحِ مُسْلِمٍ في أمَةٍ كافِرَةٍ.
ولَنا، أنَّ إسْلامَهُنَّ في العِدَّةِ كإسْلامِهِنَّ معه (1). وإن لم يُسْلِمْنَ إلَّا بعدَ العِدَّةِ، انْفَسَخَ نِكاحُهُنَّ [وإن] (2) كُنَّ كِتابِيَّاتٍ؛ لأنَّه لا يجُوزُ اسْتِدامَةُ النِّكاحِ في أَمَةٍ كتابِيَّةٍ.
3237 -
مسألة: (فإن أسْلَمَ وهو مُوسِرٌ، فلم يُسْلِمْنَ حتَّى أَعْسَر، فله الاخْتِيارُ منهُنَّ)
لأنَّ شَرائِطَ النِّكاحِ تُعْتَبَرُ في وَقْتِ الاخْتِيارِ.
وإن أسْلَم وهو مُعْسِرٌ، فلم يُسْلِمْنَ حتى أيسَرَ، فليس له الاخْتيارُ؛ لذلك.
وإن أسْلَمَتْ إحْداهُنَّ وهو مُوسِرٌ، ثم أسْلَم البَواقِي بعدَ إعْسَارِه، لم يَكُنْ له أن يخْتارَ منهُنَّ شيئًا؛ لأنَّ وقْتَ الاخْتِيارِ دَخَل بإسْلامِ12
وَإِنْ أَسْلَمَتْ إِحْدَاهُنَّ بَعْدَهُ، ثُمَّ عَتَقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَ الْبَوَاقِي، فَلَهُ الاخْتِيَارُ مِنْهُنَّ، وَإِنْ عَتَقَتْ، ثُمَّ أَسْلَمَتْ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، لَمْ يَكُنْ لَهُ الاخْتِيَارُ مِنَ الْبَوَاقِي.
الأُولَى، ألَا تَرَى أنَّه لو كان مُعْسِرًا كان له اخْتِيارُها، فإذا كان مُوسِرًا بَطل اختيارُه.
وإن أسْلَمتِ الأُولَى وهو مُعْسِرٌ، فلم يُسْلِمِ البَواقِي حتى أيسَرَ، لَزِمَ نكاحُ الأُولَى، ولم يَكُنْ له الاخْتيارُ مِنَ البواقِي؛ لأنَّ الأُولَى اجْتَمَعَتْ معه في حالٍ يجوزُ له (1) ابتداءُ نِكاحِها، بخِلافِ البواقِي.
ولو أسْلَم وأسْلَمْنَ معه وهو مُعْسِرٌ، فلم يَخْتَرْ حتى أيسَرَ، كان له أن يختارَ؛ لأنَّ حال ثُبُوتِ الاخْتِيارِ كان له ذلك، فتَغَيُّرُ حالِهِ لا يُسْقِطُ ما ثَبَتَ، كما لو تزوَّجَ أو اختارَ ثم أيسَرَ، لم يَحْرُمْ (2) عليه اسْتِدامةُ النِّكاحِ.
3238 -
مسألة: (وإن أسْلَمَتْ إحْداهُنَّ بعدَه، ثم عَتَقَتْ، ثم أسْلَمَ البَواقِي، فله الاخْتِيارُ منهنَّ)
لأنَّ العِبْرَةَ بحالةِ الاخْتِيارِ، وهي حالةُ اجْتِماعِهِم على الإِسْلامِ، وحالةَ اجْتِماعِهما على الإِسْلام كانت أمَةً (وإن عَتَقَتْ) إحْداهُنَّ (ثم أسْلَمَتْ، ثم أسْلَمَ البَوَاقِي، لم يَكُنْ له أن يَخْتارَ12
..................................
مِن الإِماءِ) لأنَّه مالِكٌ 1 لعِصْمَةِ حُرَّةٍ حينَ اجْتِماعِهما على الإِسْلامِ.
فصل: فإن أسْلَم وأسْلَمَتْ معه واحدةٌ منهنَّ، وهو ممَّن يجوزُ له نِكاحُ الإِماءِ، فله أن يَخْتارَ مَن أسْلَمَتْ معه؛ لأنَّ له أن يختارَها لو أسْلَمْنَ كُلُّهُنِّ، فكذلك إذا أسْلَمَتْ وحْدَها.
وإن أحَبَّ انْتِظارَ البَواقِي، جازَ؛ لأنَّ له غرضًا صحيحًا، وهو أن يَكُونَ عندَه مَن هي آثرُ 2 عندَه مِن هذه.
فإنِ انْتَظَرَهُنَّ فلم يُسْلِمْنَ حتى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ، تَبَيَّنَ أنَّ نِكاحَ هذه كان لازِمًا، وبان البَواقِي منذُ اخْتَلَف الدِّينانِ.
وإن أسْلَمْنَ في العدَّةِ، اختار منهنَّ واحدَةً، وانْفَسَخ نِكاحُ الباقِياتِ حينَ 3 الاخْتِيارِ، وعِدَدُهُنَّ مِن حينِ الاختيارِ.
وإن أسْلَم بعْضُهُنَّ دون بعضٍ، بان 4 اللَّاتي لم يُسْلِمْنَ منذُ اخْتَلَف الدِّينان، والبَواقِي مِن حينِ اخْتِيارِه.
وإنِ اختار التي أسْلَمَتْ معه حينَ أسْلَمَت، انْقَطَعتْ عِصْمَةُ البَواقِي، وثَبَتَ نِكاحُها.
فإن أسْلَمَ البَواقِي في العِدَّةِ، تَبَيَّنَ أنَّهُنَّ بِنَّ منه باخْتِيارِه، وعِدَّتُهُنَّ مِن حِينِئِذٍ.
وإن
..................................
لم يُسْلِمْنَ، بِنَّ 1 باختِلافِ الدِّينِ، وعِدَّتُهُنَّ منه.
وإن طَلَّقَ التي أسْلَمَتْ معه، طَلُقَتْ، وكان اخْتِيارًا لها.
وحُكْمُ ذلك حُكْمُ ما لو اختارَها صريحًا؛ لأنَّ إيقاعَ طَلاقِه عليها يتَضَمَّنُ اخْتِيارَها.
فأمَّا إنِ اختارَ فَسْخَ نِكاحِها، لم يَكُنْ له؛ لأنَّ الباقِياتِ لم يُسْلِمْنَ معه، فما زَادَ العَدَدُ على ما لَه إمْساكُه في هذه الحالِ، ولا يَنْفَسِخُ نِكاحُها، ثم ننظُرُ؛ فإن لم يُسْلِم البَواقِي، لَزِمَه نِكَاحُها، وإن أسْلَمْنَ فاخْتارَ منهُنَّ واحدةً، انْفَسَخَ نِكاحُ [البَواقِي، و] 2 الأُولَى مَعهنَّ.
وإنِ اختارَ الأُولَى التي فَسَخَ نِكاحَها، صَحَّ اختيارُه لها؛ لأنَّ فَسْخَه لنِكاحِها ما صَحَّ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ ذكَرَه القاضي، أنَّه لا يَصِحُّ اخْتيارُه لها؛ لأنَّ فَسْخَه إنَّما لم يَصِحَّ مع إقامَةِ البَواقِي على الكُفْرِ حتى تَنْقَضِيَ العِدَّةُ؛ لأنَّا نَتَبَيَّنُ 3 أنَّ نِكاحَها كان لازمًا، فإذا أسْلَمْنَ لَحِقَ إسْلامُهُنَّ بتلك الحالِ، فصار كأنَّهُنَّ أسْلَمْنَ في ذلك الوَقْتِ، فإذا فَسَخَ نِكاحَ إحْدَاهن، صَحَّ الفَسْخُ، ولم يَكُنْ له أن يَخْتارَها.
وهذا يَبْطُلُ بما لو فسَخَ نِكاحَ إحْداهنَّ قبلَ إسْلامِها، فإنَّه لا يَصِحُّ، ولا يُجْعَلُ إسْلامُهُنَّ الموْجُودُ في الثاني 4 كالموجودِ سابقًا، كذلك ها هنا.
وَإِنْ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ حُرَّةٌ وَإِمَاءٌ، فَأَسْلَمَتِ الْحُرَّةُ فِي عِدَّتِهَا قَبْلَهُنَّ أَوْ بَعْدَهُنَّ، انْفَسَخَ نِكَاحُهُنَّ.
3239 - مسألة: (وإن أسْلَم وتحتَه حُرَّةٌ وإماءٌ، فأسْلَمتِ الحُرَّةُ في عِدَّتِها قبلَهُنَّ أو بعدَهُنَّ، انْفَسَخَ نِكاحُهنَّ)
إذا أسْلَمَ وتَحْتَه حُرَّةٌ وإماءٌ، ففيه ثَلاثُ مسائِلَ؛ إحداهُنَّ، أسْلَم وأسْلَمْنَ معه كُلُّهُنَّ، فإنَّه يَلْزَمُ نِكاحُ الحُرَّةِ، ويَنْفَسِخُ نِكاحُ الإِماءِ؛ لأنَّه قادرٌ وعلى الحُرَّةِ، فلا يَختارُ أمَةً.
وقال أبو ثورٍ: له أن يختارَ.
وقد مَضَى الكلامُ معه.
الثانيةُ، أسلَمَتِ الحُرَّةُ معه دونَ الإِماءِ، فثَبَت نِكاحُها، وانْقَطعتْ عِصْمَةُ الإِماءِ، فإن لم يُسْلِمْنَ حتى انْقَضَتْ عِدَّتُهُنَّ 1، بِنَّ باخْتِلافِ الدِّينِ، وابْتِداءُ عِدَدِهِنَّ مِن حينَ أسْلَم.
وإن أسْلَمْنَ في عِدَدِهِنَّ، بِنَّ مِن حينِ إسْلامِ الحُرَّةِ، وعِدَدُهُنَّ من حينِ إسْلامِها.
فإن ماتَتِ الحُرَّةُ بعدَ إسْلامِها، لم يَتَغَيَّرِ الحُكْمُ بمَوْتِها؛ لأنَّ مَوْتَها بعدَ ثُبُوتِ نِكاحِها وانْفِساخِ نِكاحِ الإِماءِ لا يُؤَثِّرُ في إباحَتِهِنَّ.
الثالثةُ، أسْلَمَ الإِماءُ دونَ الحُرَّةِ وهو مُعْسِرٌ، فلا يخْلُو؛ إمَّا أن تَنْقَضِيَ عِدَّتُها قبلَ إسلامِها، فتَبِينُ باخْتِلافِ الدِّينِ، وله أن يخْتارَ مِنَ الإِماءِ؛ لأنَّه لم يَقْدِرْ على الحُرَّةِ، أو تُسْلِمَ في عِدَّتِها، فيَثْبُتُ نِكاحُها، ويَبْطُلُ نِكاحُ الإِماءِ، كما لو أسْلَمْنَ دَفْعةً واحدةً.
و 2 ليس له أن يخْتارَ
..................................
مِنَ الإِماءِ قبلَ إسْلامِها وانقِضاءِ عِدَّتِها؛ لأنَّنا لا نعلمُ أنَّها لا تُسْلِمُ، فإن طَلَّق الحُرَّةَ ثلاثًا قبلَ إسلامِها، ثم لم تُسْلِمْ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّا تَبَيَّنَّا أنَّ النِّكاحَ انْفَسَخ باخْتِلافِ الدِّينِ، وله الاختيارُ مِن الإِماءِ، وإن أسْلَمَتْ في عِدَّتِها، بانَ أَنَّ نِكاحَها كان ثابِتًا، ووَقَعَ فيه الطلاقُ، وبِنَّ الإِماءُ بثُبُوتِ نِكاحِها قبلَ الطَّلاقِ.
فصل: فإن أسْلَمَ وتحتَه إماءٌ وحُرَّةٌ، فأسْلَمْنَ، ثم عَتَقْنَ قبلَ إسْلامِها، لم يكُنْ له أن يخْتارَ منهنَّ، لأنَّ نِكاحَ الأمةِ لا يجوزُ لقادِرٍ على حُرَّةٍ، وإنَّما يُعْتَبَرُ حالُهنَّ حال ثُبُوتِ الاخْتِيارِ، وهو حالةُ اجتماعِ إسْلامِه وإسْلامِهِنَّ، ثم نَنْظُرُ؛ فإن لم تُسْلِمِ الحُرَّةُ، فله الاخْتيارُ منهنَّ، ولا يخْتارُ إلَّا واحدةً، اعتبارًا بحالةِ اجْتماعِ إسْلامِه وإسْلامِهِنَّ.
وإن أسْلَمَتْ في عِدَّتِها، ثَبَتَ نِكاحُها 1، وانْقَطعَتْ عِصْمَتُهنَّ، فإن كان قد اختارَ واحدةً مِن المُعْتَقاتِ في عِدَّةِ الحُرَّةِ، ثم لم تُسْلِمْ، فلا عِبْرَةَ باخْتيارِه؛ لأنَّ الاخْتِيارَ لا يكونُ موقوفًا، فأمَّا إن عَتَقْنَ قبلَ أن يُسْلِمْنَ، ثم أسْلَمْنَ و 2 اجْتَمَعْنَ معه على الإِسْلامِ وهُنَّ حرائِرُ، فإن كانْ جميعُ الزَّوْجاتِ أرْبَعًا فما دُونَ، ثَبَت نِكاحُهُنَّ، وإن كُنَّ زائداتٍ على أرْبَعٍ، فله أن يختارَ منهنَّ أرْبَعًا، وتَبْطُلُ عِصْمةُ الخامسةِ؛ لأنَّهُنَّ صِرْنَ حرائرَ في حالةِ الاخْتيارِ، وهي حالةُ اجْتماعِ إسْلامِه وإسْلامِهِنَّ، فصارَ حُكْمُهُنَّ حُكْمَ
..................................
الحرائرِ الأصْلِيَّاتِ، وكما لو أُعْتِقْنَ قبلَ إسْلامِه وإسْلامِهِنَّ.
وإن أسْلَمْنَ قبلَه، ثم أُعْتِقْنَ، ثم أسْلَمَ، فكذلك، ويكونُ الحكمُ في هذا كما لو أسْلَم وتحتَه خَمْسُ حَرائِرَ أو أكثرُ، على ما مَرَّ تَفْصِيلُه.
فصل: ولو أسْلَمَ وتحتَه خَمْسُ حرائرَ، فأسْلَمَ معه منهنَّ اثْنَتان، احْتَمَل أن يُجْبَرَ على اخْتيارِ إحْداهما؛ لأنَّه لا بُدَّ أن يَلْزَمَه نِكاحُ واحدةٍ منهما، فلا معنَى لِانْتِظارِ 1 البَواقِي.
فإذا اختارَ واحدةً ولم يُسْلِمِ البَواقِي، لَزِمَه نِكاحُ الثانيةِ.
وكذلك إن لم يُسْلِمْ مِنَ البَواقِي إلَّا اثْنَتَانِ، لَزِمَه نِكاحُ الأرْبَعِ.
وإن أسْلَم الجميعُ في العِدَّةِ، كُلِّفَ أن يخْتارَ ثَلَاثًا مع التي اخْتارَها أوَّلًا، ويَنْفسِخُ نِكاحُ الباقيةِ.
وعلى هذا، لو أسلمَ معه ثلاثٌ، كُلِّفَ اخْتيارَ اثْنَتَين.
وإن أسْلَمَ معه أرْبَعٌ، كُلِّفَ اخْتيارَ ثلاثٍ منهنَّ، إذ لا معنَى لانْتِظارِ الخامسةِ.
ونِكاحُ ثلاثةٍ منهنَّ لازِمٌ له 2 على كلِّ حالٍ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُجْبَرَ على الاختيارِ؛ لأنَّه إنَّما يكونُ عندَ زيادةِ العَدَدِ على أرْبَعٍ، وما وُجِدَ ذلك، ولذلك لو أسْلَمَتْ معه واحِدَةٌ (2) مِن الإماءِ، لم يُجْبَرْ على اخْتيارِها، كذا ههُنا.
قال شيخُنا 3: والصحيحُ ههُنا أنَّه يُجْبَرُ على اختيارِها؛ لِما ذكرْنا مِن المعنى، وأمَّا الأمَةُ، فقد يكونُ له غَرَضٌ في اخْتيارِ غيرِها، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
وَإِنْ أَسْلَمَ عَبْدٌ وَتَحْتَهُ إِمَاءٌ، فَأَسْلَمْنَ مَعَهُ، ثُمَّ أُعْتِقَ، فَلَهُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ، وَإِنْ أَسْلَمَ وَأُعْتِقَ، ثُمَّ أَسْلَمْنَ، فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْحُرِّ، لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتَارَ مِنْهُنَّ إلَّا بِوُجُودِ الشَّرْطَينِ فِيهِ.
3240 - مسألة: (وإنْ أسْلَمَ عَبْدٌ وتحتَه إماءٌ، فأسْلَمْنَ معه، ثم أُعْتِقَ، فله أن يَخْتارَ منهُنَّ)
لأنَّه حالةَ اجْتِماعِهم على الإسْلامِ كان عبدًا، يجُوزُ له الاخْتيارُ مِنَ الإِماءِ.
3241 -
مسألة: (وإن أسْلَمَ وأُعْتِقَ، ثم أسْلَمْنَ، فحكمُه حُكْمُ الحُرِّ، لا يجوزُ أن يختارَ منهُنَّ إلَّا بوجودِ الشَّرْطَينِ فيه)
لأنَّه حالةَ اجْتماعِهم في الإِسْلامِ كان حرًّا، فيُشْتَرَطُ في حَقِّه ما يُشْتَرَطُ في حَقِّ الحُرِّ.
واللهُ تعالى أعلمُ.