..................................
صاحِبَه، فهو كالأجْنَبِيِّ منه.
فصل: وللابْنِ نِكاحُ أمَةِ أبيه؛ لأنَّه لا مِلْكَ له فيها، ولا شُبْهَةَ مِلْكٍ, فأشْبَهَ الأجْنَبِيَّ، وكذلك سائرُ القَراباتِ.
ويجوزُ للرجلِ أن يُزَوِّجَ ابْنَتَه لمَمْلُوكِه.
ومتى ماتَ الأبُ فوَرِثَ أحدُ الزَّوْجَين صاحِبَه أو جُزْءًا منه، انْفَسَخَ النِّكاحُ.
وكذلك إن مَلَكَه أو جُزْءًا منه بغيرِ الإِرْثِ، لا نعلمُ فيه خِلافًا، إلَّا أنَّ الحسنَ قال: إذا اشْتَرَى امرأتَه للعِتْقِ، فأعْتَقَها حينَ مَلَكَها، فهما على نِكاحِهما.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّهما مُتَنافِيان، فلا يَجْتَمِعان قليلًا ولا كثيرًا، فبِمُجَرَّدِ المِلْكِ لها انْفَسَخَ نِكاحُها سابقًا على عِتْقِها.
وَإنِ اشْتَرَى الْحُرُّ زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا، وَإنِ اشْتَرَاهَا ابْنُهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
3169 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى الحُرُّ زَوْجَتَه)
أو جُزْءًا منها، أو 1 مَلَكَه بغيرِ الشِّراءِ (انْفَسَخَ نِكاحُها) وكذلك إن مَلَكَتِ المرأةُ زَوْجَها، أو جُزْءًا منه، ولا نَعْلَمُ في ذلك اخْتِلافًا؛ لِما ذكَرْناه (وإنِ اشْتَرَاها ابْنُه، فعلى وَجْهَين) أحَدُهما، يَنْفَسِخُ النِّكاحُ؛ لأنَّ مِلْكَ الابنِ كمِلْكِه في إسْقاطِ الحَدِّ، وحُرْمَةِ الاسْتِيلادِ 2، فكان كمِلْكِه في إبْطالِ
..................................
النِّكاحِ.
والثاني، لا يَبْطُلُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُها بمِلْكِ الابنِ، فلم يَبْطُلْ نِكاحُه، كالأجْنَبِي.
فصل: وإذا مَلَكَتِ المرأةُ زَوْجَها أو بعضَه فانْفَسَخَ نِكاحُها، فليس ذلك طَلَاقًا، فمتى أعْتَقَتْه ثم تَزَوَّجَها، لم تُحْتَسَبْ عليه 1 بتَطْلِيقَةٍ.
وبهذا قال الحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وإسحاقُ.
وقال الحسنُ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، والأوْزَاعِيُّ: هي 2
وَمَنْ جَمَعَ بَينَ مُحَرَّمَةٍ وَمُحَلَّلَةٍ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ، فَهَلْ يَصِحُّ فِي مَنْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
تَطْلِيقَةٌ.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه لم يَلْفِظْ بطَلاقٍ صَريحٍ ولا كِنايَةٍ، وإنَّما فُسِخَ النِّكاحُ بوُجُودِ ما يُنافِيه، فأشْبَهَ انْفِساخَه بإسْلامِ أحَدِهما [أو رِدَّتِه] (1).
فصل: ولو مَلَك الرجلُ بعضَ زَوْجَتِه، انفسخَ نِكاحُها، وحَرُمَ وَطْؤها، في قولِ عامَّةِ المُفْتِينَ، حتى يَسْتَخْلِصَها، فيَحِلُّ له وَطْؤها بمِلْكِ اليمينِ.
ورُوِيَ عن قَتادَةَ أنَّه قال (2): لم يَزِدْه مِلْكُه فيها إلَّا قرْبًا.
وليس بصحيحٍ؛ لأنَّ النِّكاحَ لا يَبْقَى في بعضِها، ومِلْكَه لم يَتِمَّ عليها، ولا يَثْبُتُ الحِلُّ فيما لا يَمْلِكُه ولا نِكاحَ فيه.
3170 -
مسألة: (ومَنْ جَمَع بينَ مُحَلَّلَةٍ ومُحَرَّمَةٍ فِي عَقْدٍ واحِدٍ، فهل يَصِحُّ في مَن تحِلُّ؟ على رِوايَتَين)
وإذا عَقَد النِّكاحَ على أُخْتِه وأجْنَبِيَّةٍ مَعًا، بأن يكونَ لرجلٍ أُخْتٌ وابنةُ عَمٍّ، إحدَاهُما رَضِيعَةٌ12
..................................
للمتزَوِّجِ 1، فيقولَ له: زَوَّجْتُكَهُما.
فيَقْبَلُ ذلك، فالمنصوصُ صِحَّةُ نِكاحِ الأجْنَبيَّةِ، فيما ذَكَره الخِرَقِيّ.
ونَصَّ في مَن تَزَوَّجَ حُرَّةً وأمَةً، أنَّه يَثْبُتُ نِكاحُ الحُرَّةِ، ويُفارِقُ الأمَةَ.
وذَكَر شيخُنا 2 فيه رِوَايَتَين؛ إحداهما، يَفْسُدُ فيهما.
وهو أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ، [واختيارُ أبِي بكرٍ] 3؛ لأنَّه عَقْدٌ واحدٌ جَمَع حَلالًا وحَرامًا، فلم يَصِحَّ، كما لو جَمَع بينَ أُخْتَين.
والثانيةُ، يَصِحُّ في الحُرَّةِ.
وهي أظهرُ الرِّوايَتَين.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّها مَحَلٌّ قابِلٌ للنِّكاحِ، أُضِيفَ إليها عَقْدٌ صادِرٌ مِن أهْلِه، لم يَجْتَمِعْ معها فيه مِثْلُها، فصَحَّ، كما لو انْفَرَدَتْ به، وفارَقَ العَقْدَ على الأخْتَين؛ لأنَّه لا مَزِيَّةَ [لإِحداهما على الأُخْرَى] 4، وهاهُنا قد تَعَيَنّتِ التي بَطَل النِّكاحُ فيها.
فعلى هذا القولِ،
..................................
يكونُ لها مِن المُسَمَّى بقِسْطِ مَهْرِ مِثْلِها منه.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّ لها نِصْفَ المُسَمَّى.
وأصْلُ هذين الوَجْهَين، إذا تَزَوَّجَ امرأتين يجوزُ له نِكاحُهُما بمَهْرٍ واحدٍ، هل يكونُ بينَهما على قَدْرِ صَدَاقِهِما، أو نِصْفَين؟ على وَجْهَين، يَأتِي ذِكْرُهما إن شاء الله تَعالى.
فصل: ولو تَزَوَّجَ يَهُودِيَّةً ومَجُوسِيَّةً، أو مُحَلَّلَةً [ومُحَرَّمةً] 1، في عقدٍ واحدٍ، فَسَدَ في المَجوسِيَّةِ والمُحَرَّمَةِ، وفي الأُخْرَى وَجْهان.
وإن نَكَح أرْبَعَ حَرَائِرَ وأمَةً، فَسَد في الأمَةِ، وفي الحَرائِرِ وَجْهان.
وإن نَكَح العَبْدُ حُرَّتَين وأمَةً، بَطَل نِكاحُ الجميعِ.
وإن تَزَوَّجَ امرأةً وابْنَتَها فَسَد فيهما؛ لأنَّ الجمعَ بينَهما مُحَرَّمٌ، فلم يَصِحَّ فيهما 2، كالأُختَين.
وَمَنْ حَرُمَ نِكَاحُهَا، حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِين، إلا إِمَاءَ أهْلِ الْكِتَابِ.
3171 - مسألة: (و)
كلُّ (مَن حَرُم نِكاحُها حَرُم وَطْؤُها بمِلْكِ اليمينِ، إلَّا إماءَ أهْلِ الكتابِ) الكلامُ في هذه المسألةِ في فصلَين؛ أحدُهما، أنَّ إماءَ 1 أهلِ الكتاب حَلالٌ.
وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ، إلَّا الحسنَ، فإنَّه كَرِهَه؛ لَأنَّ الأمَةَ الكِتابِيَّةَ يَحْرُمُ نِكاحُها، فحَرُمَ التَّسَرِي بِها، كالمَجُوسِيَّةِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَو مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيرُ مَلُومِينَ﴾ 2. ولأنَّها مِمَّن يَحِلُّ نِكاحُ حَرائِرِهم، فحَلَّ له التَّسَرِي بِها، كالمُسْلِمَةِ.
فأمَّا نِكاحُها، فيَحْرُمُ؛ لأنَّ فيه إرْقاقَ وَلَدِه، وإبْقَاءَه مع كافِرَةٍ، بخِلافِ التَّسَرِي.
الفصلُ الثاني، أنَّ مَن حَرُمَ نِكاحُ حَرائِرِهم مِن المَجُوسِيَّاتِ وسائرِ الكَوافِرِ سِوَى أهلِ الكتابِ، لا يُبَاحُ وَطْءُ الإماءِ منهنَّ بمِلْكِ اليمينِ.
في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الزُّهْرِيُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والأوْزاعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 3: على هذا جَماعَةُ فُقَهاءِ الأمصارِ، وجمهورُ العلماءِ، وما خالفَه فشُذُوذٌ لا يُعَدُّ خِلافًا، ولم يَبْلُغْنا إباحَةُ ذلك إلَّا عن طاوُسٍ؛ لقولِه تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ
..................................
إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ} 1. وقولِه: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 2 الآية.
وروَى أبو سعيدٍ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَعَث يَوْمَ حُنَينٍ 3 بَعْثًا قِبَلَ أوْطَاسٍ 4، فأصابُوا لهم سَبَايَا، [فكان ناسٌ] 5 مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَحَرَّجُوا مِن غِشْيَانِهِنَّ مِن أجْلِ أزواجهنَّ مِن المشْرِكِينَ، فأنْزَلَ اللهُ عزَّ وجلَّ في ذلك: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إلا مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ﴾.
قال: فهُنَّ لهم حلالٌ إذا انْقَضَتْ عِدَّتُهنَّ.
وعنه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال في سَبَايَا أوْطاسٍ: «لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ، وَلَا [غَيرُ ذَاتِ حَمْلٍ] 6 حتَّى تَحِيضَ حَيضَةً».
رَواهما أبو داودَ 7. وهذا حديثٌ 8 صحيحٌ.
وهم
..................................
عَبَدَةُ أوْثَانٍ وهذا ظاهرٌ في إباحَتِهِنَّ، ولأنَّ الصحابةَ في عصرِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كان أكثرُ سَبَايَاهُم مِن كُفَّارِ العَرَبِ، وهم عَبَدَةُ الأوثانِ، فلم يكُونُوا يَرَوْنَ تَحْرِيمَهُنَّ ذلك، ولا نُقِلَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - تَحْرِيِمُهُنَّ، ولا أمَرَ الصحابةَ باجْتِنَابِهِنَّ، وقد دَفَع أبو بَكْرٍ إلى سَلَمَةَ بنِ الأكْوَعِ امرأةً مِن بعضِ السَّبْيِ، نَفَلَه إيَّاها، وأخَذَ عمرُ وابنُه مِن سَبْي هَوازِنَ، وكذلك غيرُهما مِن الصحابةِ، وأُمُّ محمدِ بنِ الحَنَفِيَّةِ مِن سَبْي بَنِي حنيفةَ، وأخَذَ الصَّحابةُ سَبَايَا فارِسَ، وهم مَجُوسٌ، فلم يَبْلُغْنا أنّهم اجْتَنَبُوهُنَّ، وهذا ظاهِرٌ في إباحَتِهِنَّ، لولا اتِّفَاقُ سائِرِ أهلِ العلمِ على خِلافِه.
وقد أجَبْتُ عن حديث أبي سعيدٍ بأجْوبَةٍ، منها، أنَّه يَحْتَمِلُ أنَّهُنَّ أسْلَمْنَ، كذلك رُوِيَ عن أحمدَ، حينَ سَألَه محمدُ بنُ الحَكَمِ، قال: قلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: فهَوازِنُ 1: أليسَ كانوا عَبَدَةَ أوثانٍ؟ قال: لا أدْرِي، كانوا أسْلَمُوا 2 أو لا.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: إباحَةُ وَطْئِهِنَّ مَنْسُوخَةٌ بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ﴾ 3.
فَصْلٌ: وَلَا يَحِلُّ نِكَاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حَتَّى يَتَبَيَّنَ أمْرُهُ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال الْخِرَقِيّ: إِذَا قَال: أنَا رَجُلٌ.
لَمْ يُمْنَعْ مِنْ نِكَاحِ النِّسَاء، وَلَمْ يَكُنْ لَهْ أَنْ يَنْكِحَ بِغَيرِ ذَلِكَ بَعْدُ، وَإنْ قَال: أنَا امْرأةٌ.
لَمْ يَنْكِحْ إلّا رَجُلًا.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ولا يَحِلُّ نِكاحُ خُنْثَى مُشْكِلٍ حتى يَتَبَيَّنَ أمرُه.
نَصَّ عليه) في رِوايةِ المَيمُونِيِّ.
وذَكَرَه أبو إسحاقَ مذهبًا للشافعيِّ؛ وذلك لأنَّه لم يَتَحَقَّقْ وُجُودُ ما يُبِيحُ له النِّكاحَ، فلم يُبَحْ له، كما لو اشْتَبَهَتْ عليه أُخْتُه بنِسْوَةٍ، ولأنَّه قد اشْتَبَهَ المُباحُ بالمحظورِ في حَقِّه، فحَرُمَ؛ لِما ذَكَرْنا (وقال الخِرَقِي: إذَا قال: أنا رجلٌ.
لم يُمْنَعْ مِن نِكاحِ النِّساءِ، ولم يَكُنْ له أن يَنْكِحَ بغيرِ ذلك بعدُ، وإن قال: أنا امرأةٌ.
لم يَنْكِحْ إلَّا رجلًا) وذلك لأنَّه لا يَخْلُو مِن أن يكُونَ رَجلًا أو امرأةً، قال اللهُ تعالى: ﴿وَأَنَّهُ خَلَقَ الزَّوْجَينِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى﴾ 1. وقال تعالى: ﴿وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً﴾ 2. فليس ثَمَّ خَلْقٌ ثالثٌ.
..................................
فإذا كان مُشْكِلًا لم يَظْهَرْ فيه علاماتُ الرجالِ ولا النِّساءِ، فقد اخْتَلَف فيه أصحابُنا، واختارَ الخِرَقِيُّ، أنَّه يُرْجَعُ إلى قولِه، فإن 1 ذَكَر أنَّه رجلٌ، وأنَّه يَمِيلُ طَبْعُه إلى نِكاحِ النِّساءِ، فله نِكاحُهُنَّ، وإن ذَكَر أنَّه امرأةٌ، يَمِيلُ طبْعُه إلى الرجالِ، زُوِّجَ رجلًا؛ لأنَّه مَعْنًى لا يُتَوَصَّلُ إليه إلَّا مِن جِهَتِه، وليس فيه إيجابُ حَقٍّ على 2 غيرِهِ، فقُبِلَ قولُه فيه، كما يُقْبَلُ قولُ المرأةِ في حَيضِها وعِدّتِها، وقد يَعْرِفُ نفْسَه بِمَيلِ طبعِه إلى أحدِ الصِّنْفَين، وشَهْوَتِه له، فإنَّ اللهَ تعالى أجْرَى العادَةَ في الحيواناتِ بِمَيل الذَّكَرِ إلى الأنْثَى، ومَيلها إليه، وهذا المَيلُ أمرٌ في النَّفْسِ والشَّهْوَةِ، لا يَطَّلِعُ عليه غيرُه، وقد تَعَذَّرَتْ علينا مَعْرِفَةُ عَلاماتِه الظاهرةِ، فيُرْجَعُ فيه إلى الأمورِ الباطِنَةِ فيما يَخْتَصُّ هو بحُكْمِه.
وأمّا الميراثُ والدِّيَةُ، فإن أقَرَّ على نَفْسِه بما يُقَلِّلُ 3 مِيراثَه أو دِيَتَه، قُبِلَ منه، وإنِ ادَّعَى ما يَزِيدُ ذلك،
فَلَوْ تَزَوَّجَ امْرأةً ثُمَّ قَال: أنَا امْرَأَةٌ.
انْفَسَخَ نِكَاحُهُ،
لم يُقْبَلْ، لأنَّه مُتَّهَم فيه فلا يُقْبَلُ قولُه على غيرِه.
وما كان مِن عِباداتِه وسُتْرَتِه وغيرِ ذلك، فيَنْبَغِي أن يُقْبَلَ قولُه فيه، لأنَّه حُكْمٌ بَينَه وبينَ اللهِ تعالى.
قال القاضي: ويُقْبَلُ قولُه في الإِمامَةِ، وولايةِ النِّكاحِ، وما لا يُثْبِتُ حقًّا (1) [على غيرِه.
وإذا زُوِّجَ امرأةً أو (2) رجلًا، ثم عاد فقال خلافَ قولِه الأَوَّلِ، لم يُقْبَلْ قولُه في التَّزْويجِ] (3) بغيرِ الجِنْسِ الذي زُوِّجَه أوَّلًا، لأنَّه مُكَذِّبٌ لنَفْسِه، ومدَّعٍ ما يُوجِبُ الجَمْعَ بينَ تَزْويجِ الرجالِ والنساءِ.
3172 -
مسألة: (فإن تَزَوَّجَ امرأةً ثم قال: أنا امرأةٌ. انْفَسَخَ نِكاحُه)
لإِقْرارِه ببُطلانِه، ولَزِمَه نصْفُ المَهْرِ إن كان قبلَ الدُّخُولِ، وجَميعُه إن كان بعدَه، ولا يَحِلُّ له بعدَ ذلك أن يَنْكِحَ، لأنَّه أقَرَّ بقولِه: أنا رجلٌ.
بتَحرِيمِ الرجالِ، وأقرَّ بقوله: أنا امرأةٌ.
بتحرِيمِ النِّساءِ.123
وَلَوْ زُوِّجَ بِرَجُلٍ ثُمَّ قَال: أَنَا رَجُلٌ.
لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ فِي فَسْخِ النِّكَاحِ.
3173 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَ رجلًا ثم قال: أنا رجلٌ. لم يُقْبَلْ قولُه في فَسْخِ نِكاحِه)
لأنَّه حَقٌّ 1 عليه.
فإذا زَال نِكاحُه فلا مَهْرَ له لأنَّه يُقِرُّ أنَّه لا يَسْتَحِقُّه، وسَواءٌ دُخِلَ به 2 أو لم يُدْخَلْ.
ويَحْرُمُ عليه 3 النِّكاحُ بعدَ ذلك؟ لِما ذَكَرْنا.
واللهُ أعلمُ.
بَابُ الشُّرُوطِ فِي النِّكَاحِ
باب الشُّرُوطِ في النِّكاحِ
وَهِيَ قِسْمَانِ، صَحِيحٌ، مِثْلَ اشْتِرَاطِ زِيَادَةٍ فِي الْمَهْرِ أو نَقْدٍ مُعَيَّن، أوْ أَن لَا يُخْرِجَهَا مِنْ دَارِهَا أَوْ بَلَدِهَا، أو لَا يَتَزَوَّجَ عَلَيهَا، أوْ لَا يَتَسَرَّى، فَهَذَا صَحِيحٌ لَازِمٌ، إِنْ وَفَّى بِهِ، وَإلَّا فَلَهَا
(وهي قِسْمان؛ صحيحٌ) وفاسدٌ، فالصحيحُ نوعان؛ أحدُهما، يَقْتَضِيه العَقْدُ، كتَسْلِيمِ المرأةِ إليه وتَمْكِينه (1) مِن الاسْتِمْتاعِ بها، فهذا لا يُؤثِّرُ في العَقْدِ، وُجُودُه كعدَمِه.
الثاني، شَرْطُ ما تَنْتَفِعُ به المرأةُ، كزيادَةٍ على مَهْرِها (أو نَقْدٍ مُعَيَّن) فهو صحيحٌ يَجبُ الوَفاءُ به، كالثَّمَنِ في البَيعِ (2).
3174 -
مسألة: (فإن شَرَط أن لا يُخْرِجَها مِن دارِها أو بَلَدِها، أو لا يَتَزَوَّجَ عليها، أو لا يَتَسَرَّى، فهو صحيحٌ لازِمٌ إن وَفَّى به، وإلَّا
12
الْفَسْخُ.
فلها الفَسْخُ) يُرْوَى ذلك عن عمرَ بنِ الخطابِ، وسعدِ بنِ أبي وَقّاص، ومعاويةَ، وعمرِو بنِ العاصِ، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال شُرَيحٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيز، وجابرُ بنُ زيدٍ، وطاوُسٌ، والأوْزاعِيُّ، وإسحاقُ.
وأبطَلَ هذه الشُّرُوطَ الزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، وهشامُ بنُ عُرْوَةَ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْريُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأي.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: يَفْسُدُ المَهْرُ، ولها مَهْرُ المِثْلِ.
واحْتَجُّوا بقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيسَ في كِتَابِ اللهِ فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ» 1. وهذا ليس في كتابِ اللهِ؛ لأن الشَّرْعَ لا يَقْتَضِيه.
وبقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ، إلَّا شَرْطًا أحَلَّ حَرَامًا، أو حَرَّمَ حَلَالًا» 2. وهذا يُحَرِّمُ الحَلال، وهو التزويجُ والتَّسَرِّي والسَّفَرُ،
..................................
ولأنَّ هذا شَرْطٌ ليس مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ ولا مُقْتَضاه، ولم يُبْنَ على التَّغْلِيبِ والسِّرَايةِ، فكان فاسِدًا، كما لو شَرَطَتْ أن لا تُسَلِّمَ نَفْسَها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ أحَقَّ ما وَفَّيتُمْ بِهِ مِنَ الشُّرُوطِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ».
رَواه سعيدٌ 1. وفي لَفْظٍ: «إنَّ أحَقَّ الشُّرُوطِ أنْ تُوفُوا بِهَا، مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الفُرُوجَ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُسْلِمُونَ عَلَى شُرُوطِهِمْ».
ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينَا مِن الصحابةِ، ولا يُعْرَفُ لهمِ مُخالفٌ في عَصْرِهم، فكان إجماعًا.
وروَى الأثرَمُ بإسْنادِه، أنَّ رجلًا تزَوَّجَ امرأةً، وشَرَط لها دارَها، ثم أراد نَقْلَها، فخاصَمُوه إلى عمرَ، فقال: لها شَرْطُها.
فقال الرجل: إذًا يُطَلِّقْنَنا.
فقال عمرُ: مَقَاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ 3. ولأنَّه شَرْطٌ لها 4 فيه مَنْفَعَةٌ ومَقْصُودٌ لا يَمْنَعُ
..................................
المَقْصُودَ مِن النِّكاحِ، فكان لازِمًا، كما لو اشْتَرَطَتْ زِيادَةً في المَهْرِ أو غيرَ نَقْدِ البَلَدِ.
وأمّا قولُه - صلى الله عليه وسلم -: «كُلُّ شَرْطٍ لَيسَ فِي كِتَابِ اللهِ فهُوَ بَاطِلٌ».
أي ليس في حُكْمِ اللهِ وشَرْعِه، وهذا مَشْرُوعٌ، قد ذَكَرنا ما دَلَّ على مَشْرُوعِيَّته، وعلى مَن نَفَى ذلك الدليلُ.
وقولُهم: إنَّ هذا يُحَرِّمُ الحَلال.
قُلْنا: لا يُحَرمُ حلالًا، وإنَّما يُثْبِتُ للمَرْأةِ خِيارَ الفَسْخِ إن لم يَفِ لها به.
وقولُهم: ليس مِن مَصْلَحَةِ العَقْدِ.
مَمْنُوعٌ، فإنَّه مِن مَصْلَحَةِ المَرْأةِ، وما كان مِن مصلحةِ العاقِدِ كان مِن مصلحةِ عَقْدِه، كاشْتِرَاطِ
..................................
الرَّهْنِ والضَّمِينِ [في البَيعِ] 1، ثم يَبْطُلُ بالزِّيادَةِ على مَهْرِ المِثْلِ.
وإذا ثَبَت أنَّه شَرْطٌ لازِمٌ فلم يَفِ به، فلها الفَسْخُ، ولهذا قال عمرُ للذي قَضَى عليه بلُزُومِ الشَّرْطِ -حينَ قال: إذًا يُطَلِّقْنَنا-: مَقاطِعُ الحُقُوقِ عندَ الشُّرُوطِ.
ولم يَلْتَفِتْ إلى قولِه.
ولأنَّه شَرْطٌ لازِم في عَقْدٍ، فيَثْبُتُ حَقُّ الفَسْخِ بتَرْكِ 2 الوَفاءِ به، كالرَّهْنِ في البَيعِ.
وَإنْ شَرَطَ لَهَا طَلَاقَ ضَرَّتِهَا، فَقَال أَبُو الْخَطَّابِ: هُوَ صَحِيحٌ.
وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ بَاطِلٌ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَسْأَلِ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَكْتَفِيء مَا فِي صَحْفَتِهَا وَلْتَنْكِحْ، فَإِنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَهَا».
3175 - مسألة: (وإن شَرَط لَها طَلاقَ ضَرَّتِها، فقال أبو الخطابِ: هو صَحِيحٌ)
لأنَّه شَرْطٌ لا يُنافِي العَقْدَ، ولها فيه فائِدَةٌ، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَتْ عليه أن لا يَتَزَوَّجَ عليها.
قال شيخُنا 1: ولم أرَ هذا لغيرِه (ويَحْتَمِلُ أنَّه باطِلٌ) وهو الصَّحِيح، لِما روَى أبو هريرةَ، قال: نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن تَشْتَرطَ المرأةُ طَلاقَ أُخْتِها.
وفي لَفْظٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: («لَا تَسْأل المَرْأة طَلَاقَ أُخْتِها لِتَكْتَفِيء مَا في صَحْفَتِها 2، وَلْتَنْكِحْ،
..................................
فإنَّ لَهَا مَا قُدِّرَ لَها»).
رَواهما البخاريُّ 1. والنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسادَ المَنْهِيِّ عنه.
ولأنَّها شَرَطَت عليه فَسْخَ عَقْدِه، وإبْطال حَقِّه وحَقِّ امْرَأتِه، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَتْ عليه 2 فسْخَ بَيعِه.
وعلى قِياسِ هذا ما لو شَرَطَتْ عليه [بَيعَ أمَتِه] 3.
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّانِي، فَاسِدٌ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ؛ أحَدُهَا، مَا يُبْطِلُ النِّكَاحَ، وَهُوَ ثَلَاثَةُ أشْيَاءَ؛ أحَدُهَا، نِكَاحُ الشِّغَارِ، وَهُوَ أنْ يُزَوِّجَهَ وَلِيَّتَه عَلَى أنْ يُزَوِّجَهُ الْآخَرُ وَلِيَّته وَلَا مَهْرَ بَينَهُمَا،
3176 - مسألة؛ قال، رَحِمَه الله: (القِسْمُ الثاني، فاسِدٌ، وهو ثلاثةُ أنواعٍ؛ أحَدُها، ما يُبْطِلُ النِّكاحَ، وهو ثلاثةُ أشياءَ؛ أحدُها، نِكاحُ الشِّغَارِ، وهو أن يُزَوِّجَه وَلِيَّته على أن يُزَوِّجَه الآخَرُ وَلِيَّتَه ولا مَهْرَ
..................................
بينَهما) قِيلَ: إنَّما سُمِّيَ هذا النِّكاحُ شِغارًا لقُبْحِه، تَشْبِيهًا برَفْعِ الكَلْبِ رِجْلَه ليَبُولَ، في القُبْحِ 1. يُقالُ: شَغَر الكَلْبُ.
إذا رَفَع رِجْلَه ليَبُولَ.
وحُكِيَ عنِ الأصْمَعِيِّ أنَّه قال: الشغارُ الرَّفْعُ.
فكأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما رَفَع رِجْلَه للآخرِ 2 عمَّا يُرِيدُ.
ولا تَخْتَلِفُ الرِّوايةُ عن أحمدَ في أنَّ نِكَاحَ الشِّغارِ فاسدٌ.
رَواه عنه جماعة.
قال أحمدُ: ورُوِيَ عن عمرَ، وزيدِ بنِ ثابتٍ، أنَّهما فَرَّقَا فيه.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
وحُكِيَ عن عطاءٍ، وعمرِو بنِ دينارٍ، ومكحولٍ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، أنَّه يَصِحُّ، وتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ الفَسادَ مِن قِبَلِ المَهْرِ لا يُوجِبُ فَسادَ العَقْدِ، كما لو تَزَوَّجَ على خَمْرٍ أو خِنْزِيرٍ، [وهذا] 3 كذلك.
ولَنا، ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الشِّغارِ.
متَّفَقٌ عليه 4. وروَى أبو هريرةَ مثلَه.
أخْرَجَه مسلمٌ 5.
..................................
وروَى الأثْرَمُ بإسنادِه عن عِمْرانَ بنِ حُصَين، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا جَلَبَ 1، ولا جَنَبَ 2، وَلَا شِغَارَ فِي الإِسْلَامِ» 3. ولأنَّه جَعَل كُلَّ واحدٍ مِن العَقْدَين سَلَفًا في الآخَرِ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْنِي ثَوْبَك على أن أبِيعَكَ ثَوْبِي.
قولُهم: إنَّ فَسادَه مِن قِبَلِ التَّسْمِيَة.
قُلْنا: بل فَسادُه مِن جِهَةِ أنَّه وَقَفه على شَرْطٍ فاسدٍ.
ولأنَّه شَرَط تَمْلِيكَ البُضْعِ لغيرِ الزَّوْجِ، فإنَّه جَعَل تَزْويجَه إيَّإها مَهْرًا للأخْرَى، فكأنَّه مَلَّكَه إيّاه بشَرْطِ انْتِزاعِه منه.
إذا ثَبَت هذا، فلا فَرْقَ بينَ أن يقولَ: على أنَّ صَداقَ كُلِّ واحدةٍ منهما بُضْعُ الأخْرَى.
أو 4 لم يَقُلْ ذلك.
وقال الشافعيُّ: هو أن يقولَ ذلك ولا يُسَمِّيَ لكلِّ واحدةٍ صَداقُا؛ لِما روَى ابنُ عمرَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الشِّغارِ.
والشِّغارُ أن يقولَ الرجُلُ للرجلِ: زَوَّجْتكَ ابْنَتِي = كما أخرجه النسائي، في: باب تفسير الشغار، من كتاب النكاح.
المجتبى 6/ 92. وابن ماجه، في: باب النهي عن الشغار، من كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 606. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 286، 439، 496.
فَإِنْ سَمَّوْا مَهْرًا، صَحَّ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال الْخِرَقِيّ: لَا يَصِحُّ.
على أن تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك.
ويكونُ بُضْعُ كُلِّ واحدةٍ منهما [مَهْرَ الأخْرَى] 1. ولَنا، ما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن الشِّغارِ.
والشِّغارُ أن يُزَوِّجَ الرجلُ ابْنَتَه على أن يُزَوِّجَه الآخَرُ ابْنَتَه، وليس بينَهما صَداقٌ.
هذا لفْظُ الحديثِ الصَّحِيحِ المُتَّفَقِ عليه.
وفي حديثِ أبي هريرةَ: [والشِّغارُ] 2 أن يقولَ الرجلُ للرجلِ: زَوجْنِي ابْنَتَكَ وأُزَوِّجُكَ ابْنَتِي، وزَوجْنِي أُخْتَك وأزَوِّجكَ أُخْتِي.
رَواه مسلمٌ.
وهذا يَجِبُ تَقْدِيمُه لصِحَّتِه، وعلى أنَّه قد أمْكَنَ الجمعُ بينهما بأن يُعْمَلَ بالجميعِ.
ويَفْسُدُ النِّكاحُ بأيِّ ذلك كان.
ولأنَّه إذا شَرَط في نِكاحِ إحدَاهما تَزْويِجَ الأخْرَى، فقد جَعَل بُضْعَ كل واحدةٍ منهما صَداقَ الأخْرَى، ففسَدَ، كما لو لَفَظ به 3.
فصل: فإن سَمَّيَا مع ذلك مَهْرًا، فقال: زَوَّجْتُك ابْنتي على أن
..................................
تُزَوِّجَنِي ابنتَك، ومَهْرُ كلِّ واحدةٍ منهما مِائَةٌ -أو- مَهْرُ ابْنَتِي مِائَةٌ، ومَهْرُ ابْنَتِك خَمْسونَ.
أو أقلُّ أو أكثرُ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ صِحَّتُه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لِما تَقَدَّمَ مِن حديثِ ابنِ عمرَ، ولأنَّه 1 قد سَمَّى صَداقًا، فصَحَّ، كما لو لم يَشرُطْ ذلك (وقال الخِرَقِيُّ: لا يَصِحُّ) لحديثِ أبي هُرَيرَةَ، ولما روَى أبو داودَ 2 عن الأعْرَجِ، أنَّ العباسَ بنَ عبدِ اللهِ بن العباسِ، أنْكَحَ عبدَ الرحمنِ بنَ الحَكَمِ ابْنَتَه، وأنكَحَه عبدُ الرحمنِ ابْنَتَه، وكانا جَعَلَا صَداقًا، فكَتَبَ مُعاويَةُ إلى مَرْوَانَ، فأمرَه أن يُفَرِّقَ بينَهما، وقال في كِتابِهِ: هذا الشِّغَارُ الذي نَهَى عنه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ولأنَّه شَرَط نِكاحَ إحدَاهما لنِكاحِ 3 الأخْرَى، فلم يَصِحَّ، كما
..................................
لو لم يُسَمِّيا صَداقًا.
يُحَقِّقُه أنَّ عَدَمَ التَّسْمِيَةِ ليس بمُفْسِدٍ للعَقْدِ، بدَليلِ نِكاحِ المُفَوّضَةِ، فدَلَّ على أنَّ المُفْسِدَ هو الشَّرْطُ، وقد وُجِدَ، ولأنَّه سَلَفٌ 1 في عَقْدٍ، فلم يَصِحَّ، كما لو قال: بِعْتُكَ ثَوْبِي بعَشَرَةٍ على أن تَبِيعَنِي ثَوْبَكَ بعِشْرِينَ.
وهذا [الاخْتِلافُ فيما] 2 إذا لم يُصَرِّحْ بالتَّشْرِيكِ، فأما إن قال: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي على أن تُزَوِّجَنِي ابْنَتَك 3، ومَهْرُ كلِّ واحدَةٍ منهما مائَةٌ وبُضْعُ الأخْرَى.
فالنِّكاحُ فاسِدٌ؛ لأنَّه صَرَّحَ بالتَّشْرِيكِ، فلم يَصِحَّ العَقْدُ، كما لو 4 لم يَذْكُرْ مُسَمًّى.
فصل: ومتى قُلْنا بصِحَّةِ العَقْدِ إذا سَمَّيَا صَداقًا، ففيه وجْهان؛ أحدُهما، تَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ، ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما لم يَرْضَ بالمُسَمَّى إلَّا بِشَرْطِ أن يَتَزَوَّجَ وَلِيَّةَ 5 صاحبِه،
..................................
فَنَقَص المَهْرُ لهذا الشَّرْط، وهو باطلٌ، فإذا احْتَجْنا إلى ضَمانِ النَّقْصِ، صار المُسَمَّى مَجْهُولًا، فبَطَلَ.
والوَجْهُ الثاني ذَكَرَه القاضي في «الجامعِ»، أنَّه يَجِبُ المُسَمَّى؛ لأنَّه ذَكَر قَدْرًا مَعْلُومًا يَصْلُحُ 1 أن يكونَ مَهْرًا، فصَحَّ، كما لو قال: زَوَّجْتُك ابْنَتِي 2 على ألفٍ، على أنَّ لي منها مِائَةً.
فصل: فإن سَمَّى لإِحْداهما مَهْرًا دونَ الأخْرَى، فقال أبو بكرٍ: يَفْسُدُ النِّكاحُ فيهما؛ لأنَّه فَسَد في إحْدَاهما، ففَسَدَ في الأخْرَى.
والأوْلَى أنَّه يَفْسُدُ في التي لم يُسَمِّ لها صَداقًا؛ لأنَّ نِكاحَها خَلَا مِن صَداقٍ سِوَى نِكاحِ الأخْرَى.
ويكونُ في التي سَمَّى لها صَدَاقًا رِوايتان؛ لأنَّ فيه تَسْمِيَةً وشَرْطًا، فأشْبَهَ ما لو سَمَّى لكُلِّ واحدةٍ منهما مهرًا.
ذَكَرَه القاضي هكذا.
فصلِ: فإن قال: زَوَّجْتُك جارِيَتي هذه على أن تُزَوجَنِي ابْنَتَك، [وتكون رَقَبَتُها] 3 صَداقًا لابنتِك.
لم يَصِحَّ تَزْويجُ الجاريةِ، في قِياسِ المذهبِ؛ لأنَّه لم يَجْعَلْ لها صَداقًا سِوَى تَزْويجِ ابْنَتِه.
وإذا زَوَّجَه ابْنَتَه على أن يَجْعَلَ رَقَبَةَ الجاريةِ صَداقًا لها، صَحَّ؛ لأنَّ الجاريةَ تَصْلُحُ أن تكونَ
وَالثَّانِي، نِكَاحُ الْمُحَلِّل، وَهُوَ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا عَلَى أنَّهُ إِذَا أحَلَّهَا طَلَّقَهَا.
صَدَاقًا.
وإن زَوَّجَ عَبْدَه امْرَأةً، وجَعَلَ رَقَبَتَه صَداقًا لها، لم يَصِحَّ الصَّداقُ؛ لأنَّ مِلْكَ المَرأةِ زَوْجَها يَمْنَعُ صِحَّةَ النِّكاحِ، فيَفْسُدُ الصّداقُ، ويَصِحُّ النِّكاحُ، ويَجِبُ مَهرُ المِثْلِ.
(الثاني، نِكاحُ المُحَلِّلِ، وهو أن يَتَزَوَّجَها على أنَّه إذا أحَلَّها طَلَّقَها) نِكاحُ المُحَلِّلِ باطلٌ حَرامٌ، في قول عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم الحسنُ، والنَّخَعِيُّ، وقَتادَةُ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ المباركِ، والشافعيُّ.
وسَواءٌ قال: زَوَّجْتُكَها إلى أن تَطَأها.
أو شَرَط أنَّه إذا أحَلَّها فلا نِكاحَ بينَهما، أو إذا أحَلَّها للأوَّلِ طَلَّقَها.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّه يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وقال الشافعيُّ في الصُّورَتُين الأولَيَين: لا يَصِحُّ.
وفي الثالثةِ: على قَوْلَين ولَنا، ما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه، والتِّرْمِذِيُّ 1، وقال: حديث حَسَنٌ صَحِيحٌ، والعَمَلُ عليه عند
..................................
أهلِ العلمِ مِن أصْحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -؛ منهم عمرُ بنُ الخَطَّابِ، وعثمانُ، [وعبدُ اللهِ بنُ عمرَ] 1، وهو قولُ الفُقَهاءِ مِن التابِعِينَ.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ.
وقال ابنُ مسعودٍ: المُحَلِّلُ والمُحَلَّلُ لَهُ مَلْعُونون، على لسانِ محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - 2. وروَى ابنُ ماجَه 3 عن عُقْبَةَ بنَ عامر، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألا أخْبِرُكُمْ بِالتَّيسِ المُسْتَعَار».
قالوا: بَلَى يا رسولَ اللهِ.
قال: «هو المُحَلِّلُ 4، لَعَنَ الله المُحلِّلَ (4) = كما أخرجه النسائي، في: باب إحلال المطلقة ثلاثا....، من كتاب الطلاق، وفي: باب الموتشمات....، من كتاب الزينة.
المجتبى 6/ 121، 8/ 127. والدارمي، في: باب في النهي عن التحليل، من كتاب النكاح.
سنن الدارمي 2/ 158. والإمام أحمد، في: المسند 1/ 83، 87، 88، 93، 107، 121، 133, 150, 158, 450, 451, 462, 2/ 22.
فَإِنْ نَوَى ذَلِكَ مِنْ غَيرِ شَرْطٍ، لَمْ يَصِحَّ أَيضًا، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَقِيلَ: يُكْرَهُ وَيَصِحُّ.
والمُحَلَّلَ لَهُ».
وروى (1) الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن قَبِيصَةَ عن جابرٍ، قال سَمِعْتُ عمرَ [وهو] (2) يَخْطُبُ الناسَ وهو يقولُ: واللهِ لا أوتَى بمُحِلٍّ (3) ولا مُحَلَّل لَهُ إلَّا رَجَمْتُهُما (4). ولأنَّه نِكاحٌ إلى مُدَّةٍ، أو فيه شَرْطٌ يَمْنَعُ بَقَاءَه، فأشْبَهَ نِكاحَ المُتْعَةِ.
3177 -
مسألة: (فإن نَوَى ذلك مِن غيرِ شَرْطٍ، لم يَصِحَّ أيضًا، في ظاهِرِ المذهبِ. وقِيلَ: يُكْرَهُ ويَصِحُّ)
إذا تَوَاطَآ عليه قَبْلَ العَقْدِ، ولم يُذْكَر [في العَقْدِ ونَواه] 5، أو نَوَى التَّحَلُّلَ 6 مِن غيرِ شَرْطٍ، فالنِّكاحُ باطِل أيضًا.
قال إسماعيلُ بنُ سعيدٍ: سَألْتُ أحمدَ عن الرَّجلِ يَتَزَوَّجُ المرأة، وفي نَفْسِه أن يُحَلِّلَها 7 لزَوْجِها الأوَّلِ، ولم تَعْلَمِ المرأَةُ بذلك.
قال: هو1234
..................................
مُحَلِّلٌ إذا أرادَ بذلك الإِحْلال، [وهو] 1 مَلْعُونٌ.
وهذا ظاهرُ قولِ الصّحابةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، فرَوَى نافِعٌ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رجلًا قال له: امرأةٌ تَزَوَّجْتُها أُحِلُّها لزَوْجِها، لم يَأمُرْنِي، ولم يَعْلَمْ.
قال: لا، إلَّا 2 نِكاح رَغْبةٍ، إن أعْجَبَتْكَ أمْسِكْها، وإن كَرِهْتَها فارِقْها.
قال: وإن كُنَّا نَعُدُّه على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - سِفَاحًا.
وقال: لا يَزَالان زَانِيَين وإن مَكَثَا عِشْرِينَ سنةً، إذا عَلِم أنَّه يُرِيدُ أن يُحِلَّها 3. وهذا قولُ عثمانَ بنِ عفانَ، رَضِيَ الله عنه.
وجاء رجلٌ إلى ابنِ عباس، فقال: إن عَمِّي طَلَّقَ امْرَأتَه ثَلاثًا، أيُحِلُّها له رجلٌ؟ قال: مَن يُخادِعِ اللهَ يَخْدَعْهُ 4. وهذا قولُ الحَسَنِ، والنَّخَعِيِّ، والشَّعْبِي، وقَتادَةَ، وبكر المُزَنيِّ، واللَّيثِ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ: العَقْدُ صحيحٌ.
وذَكَر القاضي في صِحَّتِه وَجْهًا مثلَ قَوْلِهما، لأنَّه خَلَا عن شَرْطٍ يُفْسِدُه، فأشبَهَ ما لو نَوَى طَلاقَها لغيرِ الإِحْلالِ، أو ما لو نَوَتِ
..................................
المرأةُ ذلك، ولأنَّ العَقْدَ إنَّما يَبْطُلُ بما شُرِطَ لا بما قُصِدَ، بدليلِ ما لو اشْتَرَى عبدًا بشَرْطِ أن يَبِيعَه، لم يَصِحَّ، ولو نَوَى ذلك لم يَبْطُلْ، ولأنَّه قد رُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ الله عنه، ما يَدُلُّ على إجازَته، فرَوَى أبو حَفْص بإسْنادِه عن محمدِ بنِ سِيرِينَ، قال: قَدِمَ مَكَّةَ رجلٌ ومعه إخْوَة له صِغَارٌ، وعليه إزارٌ، مِن بينِ يَدَيه رُقْعَة، ومِن خَلْفِه رُقْعَة، فسألَ عمرَ، فلم يُعْطِه شيئًا، فبينما هو كذلك إذ نَزَغ الشَّيطانُ بينَ رجل مِن قريش وبينَ امْرَأتِه فطَلَّقَها، فقال لها: هل لكِ أن تُعْطِي ذا الرُّقْعَتَين شيئًا، ويُحِلَّكِ 1 لي؟ قالت: نعم، إن شِئْتَ.
فأخْبرُوهُ بذلك.
قال: نعم.
فتَزَوَّجَها ودَخَلَ بها.
فلما أصْبَحَتْ أدْخَلَتْ إخْوَتَه 2 الدّارَ، فجاء القرَشِيّ يَحُومُ حَوْلَ الدّارِ، ويقولُ: يا وَيلَه، غُلِبَ على امرأتِه 3. فأتَى عمرَ، فقال: يا أمِيرَ المؤمنينَ، غُلِبْتُ على امْرَأتي.
قال: مَن غَلَبَكَ؟ قال: ذو الرُّقْعَتَين.
قال: أرْسِلُوا إليه.
فلما جاءَه الرسولُ، قالت له المرأةُ: كيف مَوْضِعُكَ مِن قَوْمِكَ؟ قال: ليس بمَوْضِعِي 4 بَأسٌ.
قالتْ 5: إنَّ أمِيرَ المؤمنينَ يقولُ لك: طَلِّقِ امْرأتَكَ.
فقُلْ 6: لا، واللهِ
..................................
لا أُطَلِّقُها.
فإنَّه لا يُكْرِهُكَ.
فألْبَسَتْه حُلَّةً، فلمَّا رَآه عمرُ من بعيدٍ، قال: الحمدُ للهِ الذي رَزَق ذا الرُّقْعَتَين.
فدَخَلَ عليه، فقال: أتُطَلقُ امْرَأَتَكَ؟ قال: لا، واللهِ لا أُطَلِّقُها.
قال عمرُ: لو طَلَّقْتَها لأوْجَعْتُ رَأْسَكَ بالسَّوْطِ.
ورَواه سعيدٌ 1، عن هُشَيمٍ، عن يُونسَ بنِ عُبَيدٍ، عن ابنِ سِيرِينَ، نحوًا مِن هذا، وقال: مِن أهلِ المَدِينةِ.
وهذا قد تَقَدَّمَ فيه الشَّرْطُ على العَقْدِ، ولم يَرَ به عمرُ بَأسًا.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ وَالمُحَلَّلَ لَهُ».
وقولُ مَن سَمَّينا مِن الصحابةِ، ولا مُخالِفَ لهم، فيكونُ إجْماعًا، ولأنَّه قَصَد به التَّحْلِيلَ، فلم يَصِحَّ، كما لو شَرَطَه.
أمَّا حديثُ ذِي الرُّقْعَتَين، فقال أحمدُ: ليس له إسْنَادٌ.
يَعْنِي أنَّ ابنَ سِيرِينَ لم يَذْكُرْ إسْنادَه إلى عمرَ.
وقال أبو عُبَيدٍ: هو مُرْسَلٌ.
فأين هو مِن الذي سَمِعُوه يَخْطُبُ به على المِنْبَرِ: لا أُوتَى بمُحَلِّلٍ ولا مُحَلَّل له إلَّا رَجَمْتُهُما.
ولأنَّه ليس فيه أنَّ ذا الرُّقْعَتَين قَصَد التَّحْلِيلَ، ولا نَواه، وإذا كان كذلك، لم يَتَنَاوَلْ مَحَلَّ النِّزَاعِ.
فصل: فإن شُرِطَ عليه أن يُحِلَّها قبلَ العَقْدِ، فنَوَى بالعَقْدِ غيرَ ما شَرَطُوا عليه، وقَصَد نِكاحَ رَغْبَةٍ، صَحَّ العقدُ؛ لأنَّه خَلَا عن نِيَّةِ التَّحْلِيلِ وشَرْطِه، فصَحَّ، كما لو لم يُذْكَرْ ذلك، وعلى هذا يُحْمَلُ حديث ذي الرُّقْعَتَين.
فإن قَصَدَتِ المرأةُ أو وَلِيُّها التَّحْليلَ دُونَ الزَّوْجِ، لم يُؤثِّرْ ذلك
..................................
في العَقْدِ.
وقال الحسنُ، وإبراهيمُ: إذا هَمَّ أحَدُ الثَّلَاثَةِ، فَسَد النِّكاحُ.
قال أحمدُ: كان الحسنُ وإبراهيمُ والتابعون، يُشَدِّدُونَ [في ذلك] 1. قال أحمدُ: الحَدِيثُ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أتُرِيدِينَ أنْ تَرْجعِي إلَى رِفَاعَةَ؟» 2. ونِيَّةُ المرأةِ ليس بشيءٍ، إنَّما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَعَنَ اللهُ المُحَلِّلَ والمُحَلَّلَ لَهُ».
ولأنَّ العقدَ إنَّما يَبْطُلُ بنِيَّةِ الزَّوْجِ؛ لأنَّه الذي إليه المُفارَقَةُ والإِمْساكُ، أمَّا المرأةُ فلا تَمْلِكُ رَفْعَ العَقْدِ، فوُجُودُ نِيَّتها وعَدَمُها سَواءٌ، وكذلك الزَّوْجُ الأوَّلُ لا يَمْلِكُ شيئًا مِن العَقْدِ، ولا مِن رَفْعِه، فهو أجْنَبِيٌّ كسائرِ الأجانِبِ.
فإن قِيلَ: فكَيفَ لَعَنَه النبي - صلى الله عليه وسلم - قلنا: إنَّما لَعَنَه إذا رَجَع إليها بذلك التَّحْلِيلِ؛ لأنَّها لم تَحِلَّ له، فكان زانِيًا، فاسْتَحَقَّ اللَّعْنَةَ لذلك.
..................................
فصل: وإنِ اشْتَرَى عبدًا فزَوَّجَها إيَّاه، ثم وَهَبَها العَبْدَ أو بَعْضَه ليَنْفسِخَ النِّكاحُ بمِلْكِها، لم يَصِحَّ.
قال أحمدُ في روايةِ حَنْبَل: إذا طَلَّقَها ثَلاثًا، وأرادَ أن يُراجِعَها، فاشترَى عبدًا وزَوَّجَها إيَّاه، فهذا الذي نَهَى عنه عمرُ، يُؤدَّبان جَمِيعًا، وهذا فاسدٌ، ليس بكُفْءٍ، وهو شِبْهُ المُحَلِّلِ.
وعَلّلَ أحمدُ فَسادَه بشَيئَين؛ أحَدُهما، أنَّه شِبْهُ المُحَلِّلِ؛ لأنَّه إنَّما زَوَّجَها إيَّاه ليُحِلَّها 1 له.
والثاني، كَوْنُه ليس بكُفْءٍ لها.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ النِّكاحُ إذا لم يَقْصِدِ العَبْدُ التَّحْلِيلَ؛ لأنَّ المُعْتَبَر في الفَسادِ نِيَّةُ الزَّوْجِ لا نِيَّةُ غيرِه، [ولم يَنْو] 2.
..................................
فصل: ونِكاحُ المُحَلِّلِ فاسِدٌ، تَثْبُتُ فيه أحكامُ العُقُودِ الفاسدةِ 1، ولا يَحْصُلُ به الإِحْصانُ، ولا الإِباحَةُ للزَّوْجِ الأوَّل، كما لا يَثْبُتُ في سائِرِ العُقُودِ الفاسدةِ.
فإن 2 قيلَ: قد سَمَّاه النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُحَلَّلًا، [وسَمَّى الزَّوْجَ مُحَلَّلًا له، ولو لم يَحْصُلِ الحِلّ لم يَكُنْ مُحَلَّلًا ولا مُحَلَّلًا له.
قُلْنا: سَمَّاه مُحَلَّلًا] 3 لأنَّه قَصَد التَّحْلِيلَ في مَوْضِعٍ لا
الثَّالِثُ، نِكَاحُ الْمُتْعَةِ، وَهُوَ أن يَتَزَوَّجَهَا إِلَى مُدَّةٍ،
يَحْصُلُ فيه الحِلُّ، كما قال: «مَا آمَنَ بالْقُرْآنِ مَنِ اسْتَحَلَّ مَحَارِمَهُ» 1. وقال اللهُ تعالى: ﴿يُحِلُّونَهُ عَامًا وَيُحَرِّمُونَهُ عَامًا﴾ 2. ولو كان مُحَلَّلًا 3 في الحقيقةِ والآخرُ مُحَلَّلًا له، لم يكونا مَلعُونين.
(الثالثُ، نِكاحُ المُتْعَةِ، وهو أن يَتَزَوَّجَها إلى مُدَّةٍ) مثلَ أن يقولَ: زَوَّجْتُكَ ابْنَتِي شَهْرًا -أو- سَنَةً -أو- إلى انْقِضاءِ المَوْسِمِ -أو 4 - قُدُومِ الحاجِّ.
وشِبْهه، سَواءٌ كانتِ المُدَّةُ مَعْلُومَةً أو مَجْهُولَةً، فهو باطِلٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: نِكاحُ المُتْعَةِ حَرامٌ.
وقال أبو بكْرٍ: فيها رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّها مَكْرُوهَةٌ غيرُ حرام، لأنَّ ابنَ مَنْصُورٍ سَأل أحمدَ عنها، فقال: يَجْتَنِبُها أحَبُّ إليَّ.
قال: فظاهِرُ هذا الكَرَاهةُ دُونَ التَّحْريمِ.
وغيرُ أبي بكرٍ مِن أصْحابِنا يَمْنَعُ هذا، ويقولُ: المسألةُ روايةٌ واحدةٌ في تَحْرِيمِها.
وهذا قولُ عامَّةِ الصحابةِ والفُقَهاءِ.
ومِمَّن رُوِيَ 5 عنه
..................................
تَحْرِيمُها؛ عمرُ، وعليٌّ، [وابنُ عمرَ] 1، وابنُ مسعودٍ، وابنُ الزُّبَيرِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: وعلى تَحْرِيمِ المُتْعَةِ مالكٌ، وأهلُ المدينةِ، وأبو حنيفةَ في أهلِ الكوفةِ، والأوْزاعِيُّ في أهلِ الشامٍ، واللَّيثُ في أهلِ مصْرَ، والشافعي، وسائِرُ أصحابِ الآثارِ.
وقال زُفرُ: يَصِحُّ النِّكاحُ، ويَبْطُلُ الشَّرْطُ.
وحُكِيَ [عن ابنِ عباسٍ، أنَّها جائزةٌ.
وعليه أكثَرُ أصْحابِه؛ عطاء، وطاوسٌ.
وبه قال ابنُ جُرَيجٍ.
وحُكِيَ] 3 ذلك عن أبي سعيدٍ الخُدْرِيِّ، وجابر.
وإليه ذَهَب الشِّيعَةُ؛ لأنَّه قد ثَبَت أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أذِنَ فيها.
ورُوِيَ أنَّ عمرَ قال: مُتْعَتان كانَتَا على عهدِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أنا أنهَى عنهما، وأُعاقِبُ عليهما؛ مُتْعَةُ النساءِ، ومُتْعَةُ الحَجِّ 4. ولأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ، فجازَ مُؤقَّتًا، كالإِجارَةِ.
ولَنا، ما روَى الرَّبِيعُ بنُ سَبْرَةَ أنَّه قال: أشْهَدُ على أبي، أنَّه حَدَّث أنَّ رسولَ اللهِ
..................................
- صلى الله عليه وسلم - نَهَى عنه 1 في حَجَّةِ الوَداعِ 2. وفي لَفْظٍ: أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَرَّم مُتْعَةَ النساء.
رَواه أبو داودَ 3. وفي لفظٍ رَواه ابنُ ماجَه 4، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا أيُّها النَّاسُ، إنِّي كُنْتُ قد 5 أذِنْتُ لَكُمْ فِي الاسْتِمْتَاعِ، ألا وإنَّ اللهَ قَدْ حَرَّمَهَا إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
وروَى سَبْرَةُ: أمَرَنَا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالمُتْعَةِ عامَ الفَتْحِ حينَ دخَلْنا مَكَّةَ، فلَم نَخْرُجْ حتى نَهانا عنها.
رَواه مسلم 6. ورِوَى عليُّ بنُ أبي طالبٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن مُتْعَةِ النِّساءِ يَوْمَ خيبَرَ، وعن لُحُومِ الحُمُرِ الأهْلِيَّةِ.
مُتَّفَقٌ عليه، ورَواه مالكٌ في «المُوَطَّأ»، وأخْرَجَه الأئِمَّةُ، النَّسَائِيُّ