الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 336-375

..................................  كما لو لم تَحمِلْ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ يُؤمِنُ بِاللهِ وَاليَومِ الآخِرِ، فَلَا يَسْقِي مَاءَهُ.
زَرعَ غَيرِهِ» 1. يعني وَطْءَ الحَوامِلِ.
وقَول النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لا تُوطَأ حَامِلٌ حَتَّى تَضَعَ» 2. حديث صحيحٌ، وهو عام.
ورُوِيَ عن سعيدِ بنِ المُسَيَّب، أنَّ رجلًا تَزَوَّجَ امرأةً، فلمَّا أصابَها وَجَدَها حُبْلَى، فرُفِعَ ذلك إلى النبي - صلى الله عليه وسلم - ففَرَّقَ بينَهما، وجَعَل لها الصَّداقَ، وجَلَدَها مائةً.
رَواه سعيدٌ 3. ورَأى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - امرأةً مُجِحًّا 4 على بابِ فُسْطَاطٍ، فقال: «لَعَلَّهُ يرِيدُ أنْ يلمَّ بِها 5؟» قالوا: نعم.
قال: «لَقَد همَمتُ أنْ ألْعَنَهُ لَعنَةً تَدخُلُ مَعَه قَبْرَهُ، كَيفَ يَسْتَخْدِمُه وَهُوَ لا يَحِلُّ لَهُ؟ أم كَيفَ يُوَرِّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلُّ لَهُ؟».
أخْرَجَه مسلم 6. ولأنَّها حامِلٌ مِن غيرِه، فحَرُمَ عليه نِكاحُها، كسائرِ

..................................  الحَوامِلِ.
وإذا ثَبَت هذا، لَزِمَتْها العِدَّةُ، وحَرُمَ النِّكاحُ فيها؛ لأنَّها في الأصلِ لمعرِفةِ بَراءَةِ الرَّحِمِ، ولأنَّها قبلَ العِدَّةِ يَحتَمِلُ أن تكونَ حامِلًا، فلم يَصِحَّ نِكاحُها، كالمَوْطُوءَةِ بشُبْهةٍ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعي: لا عِدَّةَ عليها؛ لأنَّه وَطْءٌ لا تَصِيرُ به فِراشًا، فأشْبَه وَطْءَ الصَّغِيرِ.
ولَنا، ما ذَكَرناه، وإذا لم يَصِحَّ نِكاحُ الحاملِ، فغيرُها أوْلَى؛ لأنَّ وَطْءَ الحاملِ لا يُفْضِي إلى اشْتِباهِ النَّسَبِ، وغيرُها يَحتَمِلُ أن يكُونَ وَلَدُها مِن الأوَّلِ، ويَحتَمِلُ أن يكونَ مِن الثاني، فيُفْضِي إلى اشْتِباه الأنْسابِ، فكان بالتَّحرِيم أوْلَى، ولأنَّه وَطء في القُبُلِ، فأوْجَبَ العِدَّةَ، كوَطْء الشُّبْهةِ، ولا نُسَلِّمُ وَطْءَ الصغيرِ الذي يمكِنُه الوَطْءُ.
والشَّرطُ الثاني، أنَّ تتوبَ مِن الزنَى.
وبه قال قَتادَةُ، وإسحاق، وأبو عُبَيدٍ.
وقال أبو حنيَفةَ، ومالكٌ، والشافعيُّ: لا يُشْتَرَطُ ذلك؛ لِما روِيَ أنَّ عمرَ ضَرَب رجلًا وامرأةً في الزِّنَى، وحَرَص أن يَجْمَعَ بينَهما، فأبَى الرجلُ 1. ورُوِيَ أنَّ رجلًا

..................................  سأل ابنَ عباس عن نِكاحِ الزَّانِيَةِ، فقال: يجوزُ، أرَأيتَ لو سَرَقَ مِنْ كَرم، ثم ابْتاعَه، أكان يجوزُ؟ ولَنا، قولُ الله عزَّ وجلَّ: ﴿وَحُرِّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤمِنِينَ﴾ 1. وهي قبلَ التَّوبَةِ في حُكْمِ الزِّنَى، فإذا تابَتْ 2 زال ذلك؛ لقولِ النبيّ - صلى الله عليه وسلم -: «التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ كمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ» 3. وقولِه: «التَّوْبَةُ تَمْحُو الْحُوبَةَ» 4. ورُوِيَ أنَّ مَرثَدًا الغَنَويَّ دَخَل مَكَّةَ، فرأى امرأةً فاجرةً يُقال لها: عَنَاق.
فَدَعَتْهُ إلى نَفْسِها، فلم يُجِبْها، فلمَّا قَدِم المدينةَ سألَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال له: أنْكِحُ عَنَاقًا؟ فلم يُجِبْه، فنزلَ قولُه تعالى: ﴿الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً وَالزَّانِيَةُ لَا يَنْكِحُهَا إلا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ﴾ 5. فدَعاه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فَتَلا عليه الآيةَ وقال: «لا تَنْكحها» 6. ولأنَّها إذا كانَتْ مُقِيمَةً على الزِّنَى لم يَأمَنْ أن تُلْحِقَ

..................................  به وَلَدًا مِن غيرِه، وتُفْسِدَ فِراشَه.
فأمَّا حديثُ عمرَ، فالظاهِرُ أنَّه اسْتَتَابَهما، وحديثُ ابنِ عباسٍ ليس فيه بَيان، ولا تَعَرُّضَ له بمَحَلِّ النِّزاعِ.
إذا ثَبَت هذا، فعِدَّةُ الزَّانِيَةِ كعِدَّةِ المُطلَّقةِ؛ لأنَّه اسْتِبْرَاءٌ لحُرَّةٍ، أشْبَه عِدَّةَ المَوْطُوءَةِ بشُبْهةٍ.
وحكى ابنُ أبي موسى عن أحمدَ، أنَّها تُسْتَبْرأ بحَيضَةٍ؛ لأنَّه ليس مِن نِكاح ولا شُبْهةِ نِكاح، فأشْبَه اسْتِبْراءَ أمِّ الوَلَدِ إذا عَتَقَتْ.
وأمَّا التَّوْبَةُ، فهي الاسْتِغْفارُ والنَّدَمُ والاقْلاعُ عن الذَّنْبِ، كالتَّوْبَةِ مِن سائرِ الذّنُوبِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عمرَ، أنَّه قِيلَ له: كيف تعرَفُ تَوْبَتُها؟ قال: يُرِيدُها على ذلك، فإن طاوَعَتْه فلم تَتُبْ، وإن أبتْ فقد تَابتْ.
فصار أحمدُ إلى قولِ ابنِ عمرَ اتباعًا له.
قال شيخُنا 1: والصحيحُ الأولُ، فإنَّه لا ينبغِي لمُسْلم أن يَدعُوَ امرأةً إلى الزِّنَى، ويَطْلُبَه منها، فإنَّ طَلَبَه منها إنَّما يكونُ في خَلْوَةٍ، [ولا تَحِلُّ الخَلْوَةُ] 2 بأجْنَبِيَّةٍ ولو كان في تَعلِيمِها القرآنَ، فكيف تحِلُّ 3 في مُراوَدَتِها على الزِّنَى! ثم 4 لا يَأمَنُ إن أجابَتْه إلى ذلك أن تَعُودَ إلى المَعصِيَةِ، فلا

..................................  يَحِلُّ التَّعَرُّضُ لمثلِ هذا، ولأنَّ التَّوْبَةَ مِن سائرِ الذُّنُوبِ، في حَقِّ سائرِ الناسِ، بالنِّسْبةِ إلى سائرِ الأحكامِ، على غيرِ هذا الوَجْهِ، [فكذلك هذا] 1. فصل: وإذا وُجِدَ الشّرطان حَلَّ نِكاحُها للزَّانِي وغيرِه، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم أبو بكر، وعمرُ، وابْنُه، وابنُ عباس، وجابرٌ، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعطاء، والحسنُ، والزُّهْرِيّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصحابُ الرَّأي.
و 2 رُوِيَ عن ابنِ مسعودٍ، والبَرَاءِ بنِ عازبٍ، وعائشةَ، أنَّها لا تَحِلُّ للزَّانِي بحالٍ، قالوا: لا يَزَالان زَانِيَين ما اجْتَمَعَا، لعُمُومِ الآيةِ والخَبَرِ 3. فيَحتَمِلُ أنَّهم أرادُوا بذلك ما كان قبلَ التَّوْبَةِ، أو قبلَ اسْتِبْرائِها، فيكونُ كقَوْلِنا.
فأمَّا تَحرِيمُها على الإِطْلاقِ فلا يَصِحُّ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ﴾ 4. ولأنَّها مُحَلَّلة لغيرِ الزَّانِي، فحَلَّتْ له، كغيرِها.

..................................  فصل: فإن زَنَتِ امرأةُ رجل، أو زَنَى زَوْجُها، لم يَنْفَسِخِ النِّكاحُ، سَواء كان قبلَ الدُّخولِ أو بعدَه، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم عطاءٌ، والنَّخَعِيّ، والثوْرِيّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرأي.
وعن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أنَّ المرأةَ إذا زَنَتْ يُفَرَّقُ بينَهما، وليس لها شيءٌ.
وكذلك رُوِيَ عن الحسنِ.
ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه فرَّقَ بينَ رجلٍ وامرأتِه، زَنَى قبلَ أن يَدخُلَ بها 1. واحتُجَّ لهم بأنَه لو قَذَفَها ولاعَنَها بانتْ منه؛ لتَحَقُّقِه الزِّنَى عليها، فدَلَّ على أنَّ الزِّنَى يُبِينها.
ولَنا، أنَّ دعواه الزِّنَى عليها لا يُبِينُها، ولو كان النِّكاحُ يَنْفسِخ به لانْفَسَخَ بمُجَرَّدِ دَعواه، كالرَّضاعِ، ولأنَّها معصِيَة لا تُخْرِجُ عن الإِسلام، فأشبَهتِ السَّرِقَةَ، فأمَّا اللِّعانُ فإنَّه يَقْتَضِي الفَسْخَ بدُونِ الزِّنَى، بدَليلِ أَنها إذا لاعَنَتْه

..................................  فقد قابَلَتْه، فلم يَثْبُتْ زِناها، ولذلك أوْجَبَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الحَدَّ على مَن قَذَفَها، والفَسْخُ واقِعٌ، ولكنَّ أحمدَ اسْتَحَبَّ للزَّوْجِ مُفارَقَةَ امرأتِه إذا زَنَتْ، وقال: لا أرَى أن يُمسِكَ مثلَ هذه؛ لأنَّه، لا يُؤمَنُ أن تُفْسِدَ فِراشَه، وتُلْحِقَ به وَلَدًا ليس منه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لَعَلَّ مَن كَرِه هذه المرأةَ إنَّما كَرِهها على غيرِ وجْهِ التَّحرِيمِ، فيكون مثلَ قولِ أحمدَ.
ولا يَطؤها حتى يَسْتَبْرِئَها بثلاثِ حِيَض؛ لِمَا روَى رُوَيفِعُ بنُ ثابتٍ، قال: سمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ [يومَ حُنَين: «لَا يَحِلُّ لامرِئ يُومِنُ باللهِ وَاليَوْم الآخِرِ] 1 يَسْقِي مَاءَهُ زَرعَ غَيرِه».
يَعنِى إتْيانَ الحَبالى.
ولأَنَّها ربَّما تأتِي بوَلَدٍ مِن الزِّنَى فَيُنْسَبُ إليه.
والأوْلَى أنَّه يَكْفِي اسْتِبْراؤها 2 بِحَيضَةٍ واحدَةٍ؛ لأنَّها تكْفِي في اسْتِبْراءِ الإماءِ، وفي أمِّ الوَلَدِ إذا عَتَقَتْ بمَوْتِ سَيِّدِها أو بإعتاقِه، فكَفَى ههُنا، ولأَنَّ المَقْصُودَ مُجَرَّدُ الاسْتِبْراءِ، وقد حَصَل بحَيضَةٍ، فاكْتُفِي بها.

..................................  فصل: إذا عَلِمَ الرجلُ مِن أمَتِه الفُجُورَ، فقال أحمدُ: لا يَطَؤُها؛ لَعَلَّها 1 تُلْحِقُ به ولدًا ليس منه.
قال ابنُ مسعودٍ: أكْرَهُ أن أطَأَ أَمَتِي وقد بَغَتْ 2. وروَى مالكٌ 3، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ، عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، أنَّه كان يَنْهى أن يَطَأَ الرجلُ أمَتَه وفي بَطْنِها ولدٌ جَنِينٌ لغيرِه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 4: هذا مُجْمَعٌ على تَحْرِيمِه.
وكان ابنُ عباسٍ يُرَخِّصُ

وَمُطَلَّقَتُهُ ثَلَاثًا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ، وَالْمُحْرِمَةُ حَتَّى تَحِلَّ.
في وَطْءِ الأَمةِ الفاجِرَةِ (1). ورُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
ولَعَّلَ مَن كَرِه ذلك كَرِهَه قبلَ الاسْتِبْراءِ، أو (2) إذا لم يُحَصِّنْها ويَمْنَعْها مِن الفُجُورِ، وَمَن أباحَهُ، أباحَه بعدَهما، فيكونُ القَولان مُتَّفِقَين.
والله أعلمُ.

3152 -

مسألة: (و)

تَحْرُمُ (مُطَلَّقَتُه ثَلاثًا حتى تَنْكِحَ زَوْجًا غيرَه) لقولِ الله تعالى: ﴿فَإِنْ طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيرَهُ﴾ 3. بعد قولِه: ﴿الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ﴾ 4. وسنَذْكُرُ هذا في بابِ الرَّجْعَةِ، بأبْسَطَ مِنْ هذا، إن شاء الله تعالى.
3153 - مسألة: (و) تَحْرُمُ (المُحْرِمَةُ حتى تَحِلَّ) يَحْرُمُ نِكاحُ المُحْرِمَةِ، ويَحْرُمُ على المُحْرِمِ أن يَعْقِدَ النِّكاحَ في حالِ إحْرامِه، فإن12

وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمَةٍ نِكَاحُ كَافِرٍ بِحَالٍ، وَلَا لِمُسْلِمٍ نِكَاحُ كَافِرَةٍ، إلا حَرَائِرَ أَهْلَ الْكِتَابِ،  عَقَد أحَدٌ نِكاحًا لمُحْرِم أو على مُحْرِمَةٍ، أو عَقَد المُحْرِمُ نِكاحًا لنفسِه أو لغيرِه، لم يَصِحَّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَنْكِحُ المُحْرِمُ، وَلَا يُنْكَحُ، وَلَا يَخْطُبُ».
رَواه مسلمٌ (1). وعنه، أنَّ عَقْدَ المُحْرِمِ النِّكاحَ لغيرِه صحيحٌ؛ لأنَّه حَرُمَ عليه، لكَوْنِه مِن دَواعِي الوَطْءِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بكونِه وَليًّا.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لعُمُومِ الخَبَرِ.
وقد ذَكَرْنا هذه المسألةَ في الحَجِّ، وذكرنا الاخْتِلافَ فيها.

3154 -

مسألة: (ولا يَحِلُّ لمُسْلِمَةٍ نِكاحُ كافِرٍ بحالٍ)

لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا﴾ 2. ولقولِه سبحانه: ﴿لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ﴾ 3. ولا نَعْلَمُ خِلافًا في ذلك.
3155 - مسألة: (ولا) يَحِلُّ (لمُسْلِمٍ نِكاحُ كافِرَةٍ بحالٍ، إلَّا حَرائِرَ أهْلِ الكِتابِ) ليس بينَ أهلِ العلمِ، بحمدِ اللهِ، اخْتِلافٌ في حِلِّ حَرائِرِ 4 أهلِ الكتابِ للمُسْلِمِ، ومِمَّن رُوِيَ عنه ذلك؛ عمرُ،1

..................................  وعثمانُ، وطلحةُ، وحذيفةُ، وسلمانُ، وجابرٌ، وغيرُهم.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا يَصِحُّ عن أحدٍ مِن الأوائِلِ أنَّه حَرَّمَ ذلك.
وروَى الخَلَّالُ بإسنادِه، أنَّ حُذيفَةَ، وطلحةَ، والجارودَ بنَ المُعَلَّى، وأُذَينَةَ العَبْدِيَّ، تَزَوَّجوا نساءً مِن أهلِ الكتابِ.
وبه قال سائِرُ أهلِ العلمِ، ولم يُنْقَلْ تَحْرِيمُه إلَّا عن الإِمَامِيَّةِ، تَمَسُّكًا بقولِه تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾.
و: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ﴾.
إلى قولِه: ﴿وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ﴾ 1. وإجْماعُ الصحابةِ.
فأَمَّا قولُه سبحانَه: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾.
فرُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّها نُسِخَتْ بالآيةِ التي في سورةِ المائِدَةِ.
وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ ذلك في الآيةِ الأُخْرَى؛ لأنَّهُما مُتَقَدِّمتان، والآيَةُ التي في المائِدَةِ مُتأخِّرَةٌ عنهما.
وقال آخرون: ليس هذا نَسْخًا، فإنَّ لَفْظَةَ

..................................  المُشْرِكين [بإطلَاقِها، لا تَتَناوَلُ أهلَ الكتابِ، بدلِيلِ قولِه سبحانه: ﴿لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ] 1 مُنْفَكِّينَ﴾ 2. وقال: ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ﴾ 3. وقال: ﴿لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا﴾ 4. وقال: ﴿مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ﴾ 5. وسائِرُ آيِ 6 القرآنِ يَفْصِلُ بينَهما 7، فدَلَّ على أنَّ لَفْظَةَ المشركين بإطلاقِها لا تَتَناوَلُ أهلَ الكتابِ خاصَّةً 8، وهذا مَعْنَى قول سعيدِ بنِ جُبَيرِ، وقَتادَةَ، ولأنَّ ما احْتَجُّوا به عامٌّ في كلِّ كافِرَةٍ 9، [وآيَتُنا خاصَّةٌ] 10 في حِلِّ 11 نساءِ أهلِ الكتابِ، والخاصُّ يَجِبُ

..................................  تَقْدِيمُه.
إذا ثَبَت هذا، فالأَوْلَى أن لا يَتَزَوَّجَ كِتابِيَّةً؛ لأنَّ عمرَ قال للَّذينَ تَزَوَّجُوا نساءً مِن 1 أهلِ.
الكتابِ: طَلِّقُوهُنَّ.
فَفَعَلُوا إلَّا حُذَيفَةَ، فقال له عمرُ: طَلِّقْها.
قال: أتَشْهَدُ أنَّها حرامٌ؟ قال: هي جَمْرَةٌ 2، طَلِّقْها.
قال: تَشْهدُ أنَّها حرامٌ؟ قال: هي جَمْرةٌ (2). قال: قد عَلِمْتُ أنَّها جَمْرةٌ (2)، ولكنَّها لي حلالٌ.
فلما كان بعدُ طَلَّقَها، فَقِيلَ له: أَلَا طَلَّقْتَها حينَ أمَرَكَ عمرُ؟ قال: كَرِهْتُ أن يَرَى النَّاسُ أنِّي رَكِبْتُ أمْرًا لا يَنْبَغِي لي 3. ولأنَّه رُبَّما مال إليها قَلْبُه 4 فَفَتَنَتْه، ورُبَّما كان بينَهما وَلَدٌ فيَمِيلُ إليها.
فصل: وأهْلُ الكتابِ الذِينَ هذا حُكْمُهم، أهلُ التَّوْراةِ والإِنْجِيلِ، قال اللهُ تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا﴾ 5. فأهلُ التَّوْراةِ اليَهُودُ والسَّامِرَةُ، وأهلُ الإِنْجِيلِ النَّصارَى ومَن وافَقَهم مِن [الإِفْرنْجِ و] 6 الأرْمَنِ، وغيرِهم.
وأمّا الصَّابِئونَ فاخْتَلَفَ فيهم السَّلَفُ كثيرًا، فرُوىَ عن أحمدَ أنَّهم جِنْسٌ مِن النَّصارَى.

..................................  ونَصَّ عليه الشافعيُّ، وعَلَّقَ القولَ فيهم في موضعٍ آخَرَ.
وعن أحمدَ قال: بَلَغَنِي أنَّهم يَسْبِتُونَ، فهؤلاءِ إذًا يُشْبِهُون اليَهُودَ.
والصحيحُ فيهمِ أنَّهم إن 1 كانوا يُوافِقون اليهودَ أو النَّصارَى في أصْلِ دِينِهم، ويُخالِفُونهمَ في فُرُوعِه 2، فهم مِمَّن وَافَقُوه 3، وإن خَالفُوهم في أصلِ الدِّينِ، فليس هم منهم.
فأمّا مَن سِوَى هؤلاء مِن الكفارِ، مثلَ المُتَمَسِّكِ بصُحُفِ إبراهيمَ وشِيثٍ، وزَبُورِ دَاودَ، فليسوا بأهلِ كتابٍ، لا تَحِلُّ مُناكَحَتُهم ولا ذَبائِحُهُم.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وذَكَر القاضي فيه وَجْهًا آخَرَ، أنَّهم مِن أهلِ الكتابِ، تَحِلُّ ذَبائِحُهُم، ونِكاحُ نسائِهم، ويُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ؛ لأنَّهم تَمَسَّكُوا بكتابٍ مِن كُتُبِ اللهِ، فأشْبَهوا اليهودَ والنَّصارَى.
[ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿أَنْ تَقُولُوا إِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ عَلَى طَائِفَتَينِ مِنْ قَبْلِنَا﴾.
ولأنَّ تلك الكُتُبَ كانت مواعِظَ وأمْثَالًا، [لا أحكامَ فيها] 4، فلم يَثْبُتْ لها حكمُ الكُتُبِ المُشْتَمِلَةِ على الأحْكامِ] 5.

..................................  فصل: فأَمَّا المَجُوسُ، فليس لهم كتابٌ، ولا تَحِلُّ ذَبائِحُهم، ولا نِكاحُ نسائِهم.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عامَّةِ العلماءِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ، فإنَّه أباحَ ذلك؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أهْلِ الْكِتَابِ» 1. ولأنَّه يُرْوَى أنَّ حُذَيفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً 2. ولأنَّهم يُقَرُّونَ بالجِزْيَةِ، فأشْبَهُوا اليهودَ والنَّصارَى.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ﴾ 3. وقولُه: ﴿وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ﴾ 4. فخصَّ 5 مِن 6 ذلك أهلَ الكِتابِ، فمَن عدَاهُم يَبْقَى على العُمُومِ، ولم يَثْبُتْ أنَّ للمَجُوسِ كتابًا.
وسُئِلَ أحمدُ: أيَصِحُّ 7 أنَّ للمَجُوسِ كِتَابًا؟ فقال: هذا باطلٌ.
واسْتَعْظَمَه جدًّا.
ولو ثَبَت أنَّ لهم كِتابًا، فقد بَيَّنَّا أنَّ

..................................  حُكْمَ أهلِ الكتابِ لا يَثْبُتُ لغَيرِ 1 أهلِ الكِتابَين.
وقولُه عليه الصلاةُ والسلامُ: «سُنُّوا بِهِم سُنَّةَ أَهْلِ الكِتَابِ».
دليلٌ على أنَّه لا 2 كِتابَ لهم، وإنَّما أرادَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - في حَقْنِ دِمائِهم وإقْرَارِهم بالجِزْيَةِ لا غيرُ، وذلك أنَّهم لمّا كانت لهم شُبْهَةُ كتابٍ، غُلِّبَ ذلك في تَحْرِيمِ دِمائِهم، فيجِبُ أن يُغَلَّبَ حُكْمُ التَّحْرِيمِ لنسائِهم وذبائحِهم، فإنَّا إذا غَلَّبْنَا الشُّبْهَةَ في التَّحريمِ، فتَغْلِيبُ الدليلِ الذي عارضتْه الشُّبْهَةُ في التَّحريمِ أوْلَى، ولمِ يَثْبُتْ أنَّ حُذَيفَةَ تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً، [وضَعَّفَ أحمدُ روايةَ مَن روَى عن حُذيفَةَ أنَّه تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةَ] 3، وقال: أبو وائِلٍ يقولُ: تَزَوَّجَ بيَهُودِيَّةٍ.
وهو أوْثَقُ مِمَّن روَى عنه أنَّه تَزَوَّجَ مَجُوسِيَّةً.
وقال ابنُ سيرينَ: كانتِ امرأةُ حُذَيفَةَ نَصْرَانِيَّةً.
ومع 4 تعارُضِ الرِّواياتِ لا يَثْبُتُ حكمُ إحدَاهُنَّ إلَّا بتَرْجيحٍ، ولو ثَبَت عن حُذَيفَةَ، لم يَجُزْ الاحْتِجاجُ به مع مُخالفَةِ الكِتابِ وقولِ سائِرِ العلماءِ.
وأمّا إقْرَارُهم بالجِزْيَةِ، فلأنَّنا غَلَّبْنَا حكمَ التَّحْريم [لدِمائِهم، فيَجِبُ أن نُغَلِّبَ حُكْمَ التَّحْريمِ] 5 في ذَبائحِهِم ونسائِهم.

فَإِنْ كَانَ أَحَدُ أَبَوَيهَا غَيرَ كِتَابِيٍّ، أَوْ كَانَتْ مِنْ نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فَهَلْ تَحِلُّ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

3156 - مسألة: (فإن كان أحَدُ أُبوَيها غيرَ كِتابِيٍّ، أو كانت مِن نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، فهل تَحِلُّ)

له؟ (على رِوايَتَين) إذا كان أحدُ أُبوَيِ الكافِرَةِ كِتابيًّا والآخَرُ غيرَ كِتابِيٍّ، لم يَحِلَّ نِكاحُها، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ، سَواءٌ كان وَثَنِيًّا أو مَجُوسِيًّا أو مُرْتَدًّا.
وبهذا قال الشافعيُّ فيما إذا كان الأبُ غيرَ كتابِيٍّ؛ لأنَّ الوَلَدَ يَنْتَسِبُ إلى أبِيه، ويَشْرُفُ بشَرَفِه، ويَنْتَسِبُ إلى قَبِيلَتِه، وإن كانتِ الأمُّ.
فله فيه قَوْلان.
ولَنا، أنَّها غيرُ مُتَمَحِّضَةٍ مِن أهلِ الكتابِ، أشْبَهَ ما لو كان أبوها وَثَنِيًّا، ولأنَّها مُتَوَلِّدَة بينَ مَن يَحِلُّ وبينَ 1 مَن لا يَحِلُّ، [فلم يَحِلَّ] 2،

..................................  كالسِّمْعِ 1 والبَغْلِ.
وفيه رِوايةٌ ثانيةٌ، أنَّها تَحِلُّ بكلِّ حالٍ؛ لدخُولِها في عُمُومِ الآيةِ المُبِيحَةِ، ولأنَّها كِتابِيَّةٌ، فأشْبَهَتْ مَن أبَواها كِتابيَّان.
وعلى هذا، فالحُكْمُ في مَن أبَواها غيرُ كِتابِيَّين، كالحكمِ في مَن أحَدُ أبوَيها

..................................  غيرُ كتابِيٍّ؛ لأنَّها إذا حَرُمَتْ بكونِ أحَدِ أبوَيها وَثَنِيًّا، فلَأن تَحْرُمَ إذا كانا وَثَنِيَّينِ أوْلَى.
وعلى الرِّوايةِ التي تقولُ: لا تَحْرُمُ.
فهو مُتَحَقِّقٌ وإن كان أبَوَاها وَثَنِيَّين، اعْتِبارًا بحالِ نفسِها دونَ أبَوَيها.
فصل: فإن كانت مِن نِسَاءِ بَنِي تَغْلِبَ، ففيها أيضًا روايتان؛ إحْدَاهما، تَحِلُّ.
وهي أصَحُّ؛ لدُخُولِها في قولِه تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ

وَلَيسَ لِلْمُسْلِمِ وَإِنْ كَانَ عَبْدًا نِكَاحُ أَمَةٍ كِتَابِيَّةٍ.
وَعَنْهُ، يَجُوزُ.
أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ} (1). وهم اليهُودُ والنَّصارَى.
والثانيةُ، تَحْرُمُ نِساءُ بَنِي تَغْلبَ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ دُخُولَهم في دِينِهم قبلَ تبْدِيلِ كِتابِهم.
فصل: وسائرُ الكفَّارِ غيرُ أهلِ الكتابِ، كمَن عَبَد ما اسْتَحْسَنَ مِن الأصنامِ والأحجارِ والشَّجَرِ والحيوانِ، فلا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ في تَحْرِيمِ نِسائِهِم وذبائِحِهم؛ وذلك لِما ذَكَرْنا مِن الآيَتَين، وعَدَمِ المُعارِضِ لهما.
والمُرْتَدَّةُ يَحْرُمُ نِكاحُها على أيِّ دِينٍ كانت؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ لها حكمُ أهلِ الدِّينِ الذي انْتَقَلَتْ إليه بإقْرارِها عليه، ففي حِلِّها أوْلَى.

3157 -

مسألة: (وليس للمُسْلِمِ وإن كان عَبْدًا نِكاحُ أمَةٍ كِتَابِيَّةٍ. وعنه، يَجُوزُ)

ظاهرُ مذهبِ أحمدَ أنَّ ذلك لا يَجُوزُ، رَواه عنه جماعةٌ.
وهو قولُ الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، ومَكْحُولٍ، ومالكٍ،1

..................................  والشافعيِّ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ، واللَّيثِ، وإسحاقَ.
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ مسعودٍ، ومجاهدٍ.
وقال أبو مَيسَرَةَ، وأبو حنيفةَ: يجوزُ للمُسْلِمِ نِكاحُها؛ لأنَّها تَحِلُّ بمِلْكِ اليَمِينِ، فحَلَّتْ بالنِّكاحِ، كالمُسْلمَةِ.
ونُقِلَ ذلك عن أحمدَ، قال: لا بَأْسَ بِتَزْويجِها.
إلَّا أنَّ الخَلَّال رَدَّ هذه الرِّوايةَ وقال: إنَّما تَوَقَّفَ أحمدُ فيها، ولم يَنْفذْ له قولٌ، ومَذْهَبُه أنَّها لا تَحِلُّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ 1. فشَرَطَ في إباحَةِ نِكاحِهِنَّ الإِيمانَ، ولم يُوجَدْ، وتُفارِقُ المُسْلِمَةَ؛ لأنَّه لا يُؤَدِّي إلى اسْتِرقاقِ الكافرِ وَلَدَها، لأنَّ الكافِرَ لا يُقَرُّ مِلْكُه على مُسْلِمَةٍ، والكافرةُ تكونُ مِلْكًا لكافرٍ، ويُقَرُّ مِلْكُه عليها، ووَلَدُها مَمْلُوك لسَيِّدِها، ولأنَّه [قد اعْتَوَرَها] 2 نَقْصان؛ نَقْصُ الكُفْرِ والمِلْكِ، فإذا اجْتَمَعَا مَنَعَا، كالمَجُوسِيَّةِ لمَّا اجْتَمَعَ فيها نَقْصُ الكُفْرِ 3 وعَدَمُ الكِتابِ، لم يُبَحْ نِكاحُها.
ولا فَرْقَ بينَ الحُرِّ والعَبْدِ في تَحْرِيمِ نِكاحِها؛ لعُمُومِ ما ذَكَرْنا مِن الدليلِ، ولأنَّ ما حَرُمَ على الحُرِّ تَزْويجُه 4 مِن أجْلِ دِينِه، حَرُمَ على العَبْدِ، كالمَجُوسِيَّةِ.

وَلَا يَحِلُّ لِحُرٍّ مُسْلِم نِكَاحُ أَمَةٍ مُسْلِمَةٍ، إلا أَنْ يَخَافَ الْعَنَتَ، وَلَا يَجِدَ طَوْلَا لِنِكَاحِ حُرَّةٍ، وَلَا ثَمَنَ أَمَةٍ.

3158 - مسألة: (ولا يَحِلُّ لحُرِّ نِكاحُ أمَةٍ مُسْلِمَةٍ، إلَّا أن يَخافَ العَنَتَ، ولا يَجِدَ طَوْلًا لنِكاحِ حُرَّةٍ، ولا ثَمَنَ أَمَةٍ)

الكلامُ في هذه المسألةِ في فَصْلَين؛ أحَدُهما، أنَّه يَحِلُّ له نِكاحُ الأمَةِ المُسْلِمَةِ إذا وُجِدَ فيه الشَّرْطان؛ خَوْفُ العَنَتِ، وعَدَمُ الطَّوْلِ.
وهذا قولُ عامَّةِ العلماءِ، لا نَعْلَمُ بينَهم فيه اخْتِلافًا، لقولِ اللهِ سبحانَه: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
الآية.
والصَّبْرُ عنها مع ذلك خَيرٌ وأفْضَلُ، لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيرٌ لَكُمْ﴾.
الفصلُ الثاني، إذا عُدِمَ الشَّرْطان أو أحَدُهما، لم يَحِلَّ نكاحُها لِحُرٍّ.
رُوِيَ ذلك 1 عن جابِرٍ، وابنِ عباس.
وبه قال عطاءٌ، وطاوُسٌ، والزُّهْرِيُّ، وعَمْرُو بنُ دِينارٍ، ومَكْحُولٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، [وإسحاقُ] 2. وقال مجاهدٌ: مِمّا وَسَّعَ اللهُ على هذه الأُمَّةِ نِكاحُ الأمَةِ وإن كان مُوسِرًا.
وبه قال أبو حنيفةَ، إلَّا أن يكونَ تَحْتَه حُرَّةٌ، لأنَّ القُدْرَةَ على النِّكاحِ لا تَمْنَعُ النِّكاحَ، كما يَمْنَعُه

..................................  وُجُودُ النِّكاحِ، كنِكاحِ الأُخْتِ والخامِسَةِ.
وقال قَتادَةُ، والثَّوْرِيُّ: إذا خَافَ العَنَتَ، حَلَّ له نِكاحُ الأمَةِ [وإن وَجَد الطَّوْلَ؛ لأنَّ إباحَتَها لضَرُورَةِ خَوْفِ العَنَتِ، وقد وُجِدَتْ، ولا يَنْدَفِعُ إلَّا بنِكاحِ الأمَةِ] 1، فأشْبَهَ عدمَ الطَّوْلِ.
ولَنا، قولُ اللهِ سبحانَه وتعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ﴾ إلى قولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
فشَرَطَ في نِكاحِها عَدَمَ اسْتِطاعَةِ الطَّوْلِ، فلم يَجُزْ مع الاسْتِطاعَةِ، لفَواتِ شَرْطِه، وكالصَّوْمِ في كَفّارَةِ الظِّهارِ مع استِطاعةِ الإِعْتاقِ.
ولأنَّ في تَزْويجِ الأمَةِ إرقاقَ وَلَدِه مع الغِنَى عنه، فلم يَجُزْ، كما لو كان تَحْتَه حُرَّةٌ.
وقياسُهم لا يَصِحُّ؛ لأنَّ نِكاحَ الخامسةِ والأُختِ إنَّما حَرُمَ لأجْلِ الجَمْعِ، وبالقُدْرَةِ على الجَمْعِ لا يَصِيرُ جامِعًا، والعِلَّةُ ههُنا هو الغِنَى عن إرْقاقِ وَلَدِه، وذلك يَحْصُلُ بالقُدْرَةِ على نِكاحِ الحُرَّةِ.
وأمّا مَن يَجِدُ 2 الطَّوْلَ ويَخافُ العَنَتَ، فإن كان ذلك لكَوْنِه لا يَجِدُ إلَّا حُرَّةً صغيرةً أو غائبةً أو مَريضةً لا يُمْكِنُ وَطؤُها، أو وَجَد مالًا ولم يُزَوَّجْ لقُصُورِ نَسَبِه، فله نِكاحُ الأمَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ في الغائبةِ.

..................................  وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: لا يجوز؛ لوُجْدانِ الطَّوْلِ.
ولَنا، أنَّه غيرُ مستطيعٍ للطَّوْلِ إلى حُرَّةٍ تُعِفُّه، فأشْبَهَ مَن لا يَجِدُ شيئًا، ألا تَرَى أنَّ الله سبحانه نَزَّلَ ابنَ السَّبِيلِ الذي له اليَسارُ في بَلَدِه فَقِيرًا؛ لعَدَمِ قُدْرَتِه عليه في الحالِ.
وإن كانت له حُرَّةٌ يتَمَكَّنُ مِن وَطْئِها والعِفَّةِ بها، فليس بخائِفٍ للعَنَتِ.
فصل: فإن قَدَر على شِراء أمَةٍ تُعِفُّه، فهو كما لو وَجَد طَوْلَ الحُرَّةِ، لا يَحِلُّ له نِكاحُ الأمَةِ؛ لأنَّه أمْكَنَه صِيانَةُ وَلَدِه عن الرِّقِّ، فأشْبَهَ القادِرَ على طَوْلِ الحُرَّةِ، وكذلك إن قَدَر على تَزْويجِ كِتابِيَّةٍ تُعِفُّه.
وهذا ظاهرُ

..................................  مذهبِ الشافعيِّ، وذَكَرُوا وَجْهًا آخَرَ أنَّه [يجوزُ له] 1؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ﴾.
وهذا غيرُ مستطيعٍ لذلك.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾.
وهذا غيرُ خائِفٍ له، ولأنَّه قَدَر على صِيانةِ وَلَدِه مِن الرِّقِّ، فلم يَجُزْ له إرْقاقُه، كما لو قَدَر على نِكاحِ مُؤْمِنَةٍ.
فصل: ومَن كانت تحتَه حُرَّةٌ يُمْكِنُ أن يَسْتَعِفَّ بها، لم يَجُزْ له نِكاحُ أمَةٍ، لا نعلمُ في هذا خِلافًا، ولافَرقَ بينَ المُسْلِمَةِ والكِتابِيَّةِ في ذلك؛ لِما ذَكَرْنا مِن قبلُ.

..................................  فصل: ومَن يَجِدْ طَوْلًا، لكنْ وَجَد مَن يُقْرِضُه ذلك، لم يَلْزَمْه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في بَقاءِ الدَّين في ذِمَّتِه، ولصاحِبِه مُطَالبَتُه [به في الحالِ.
وكذلك إن رَضِيَتِ الحُرَّةُ بتَأْخِيرِ صَداقِها، أو تَفْويضِ بُضْعِها 1؛ لأنَّ لها مُطالبَتَه] 2 بفَرْضِه 3. وكذلك إن بَذَل له باذِلٌ 4 أن يَزِنَهُ 5 عنه، أو يَهَبَه إيَّاه، لم يَلْزَمْه؛ لِما عليه مِن ضَرَرِ المِنَّةِ، [وله في ذلك كلِّه] 6 نِكاحُ الأمَةِ.
فإن لم يَجِدْ مَن يُزَوِّجُه إلَّا بأكثرَ مِن مَهْرِ المِثْلِ، وكان قادِرًا عليه، ولا يُجْحِفُ به، لم يَكُنْ له نِكاحُ الأمَةِ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: له ذلك، كما لو لم يَجدِ الماءَ إلَّا بِزيادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، فله التَّيَمُّمُ.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾.
وهذا مُسْتَطِيعٌ، ولأنَّه

..................................  قادِرٌ على نِكاحِ حُرَّةٍ بما لا يَضُرُّه، فلم يَجُزْ له إرْقاقُ وَلَدِه، كما لو كان بمَهْرِ مِثْلِها، وما ذَكَرُوه مَمْنُوعٌ، ثم إنَّ هذا مُفارِقٌ للتَّيَمُّمِ مِن وَجْهين؛ أحَدُهما، أنَّ التَّيَمُّمَ رُخْصَةٌ عامَّةٌ، وهذا أُبِيحَ للضَّرُورَةِ، ومع القُدْرَةِ على الحُرَّةِ لا ضَرُورَةَ.
الثاني، أنَّ التَّيَمُّمَ يَتَكَرَّرُ، فإيجابُ شِرائِه بزِيادَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ يُفْضِي إلى الإِجْحافِ به، وهذا لا 1 يَتَكَرَّرُ، فلا ضَرَرَ فيه.
فصل: فإن كان في يَدِه مالٌ فذَكرَ أنَّه مُعْسِرٌ، وأنَّ المال لغيرِه، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه حُكْمٌ بينَه وبينَ اللهِ سبحانَه وتعالى، فقُبِلَ قولُه فيه، كما لو ادَّعَى مَخافَةَ العَنَتِ.
ومتى تَزَوَّجَ الأمَةَ، ثم ذَكَر أنَّه كان مُوسِرًا حال النِّكاحِ،

..................................  فُرِّقَ بينَهما؛ لأنَّه أقَرَّ بفَسادِ نِكاحِه.
وهكذا إن أقَرَّ أنَّه لم يَكُنْ يَخْشَى العَنَتَ، فإن كان قبلَ الدُّخُولِ فصَدَّقَه السَّيِّدُ، فلا مَهْرَ، وإن كَذَّبَه، فله نِصْفً المَهْرِ؛ لأنَّه يَدَّعِي صِحَّةَ النِّكاحِ، والأصْلُ معه.
وإن كان بعدَ الدُّخُولِ، فعليه المُسَمَّى جميعُه.
فإن كان مَهْرُ المِثْلِ أكثرَ مِن المُسَمَّى، فعلى قولِ مَن أوجَبَ مَهْرَ المِثْلِ في النِّكاحِ الفاسِدِ، يَلْزَمُه مَهْرُ المِثْلِ 1، لإِقْرارِه به.
وإن كان المُسَمَّى أكثرَ، وَجَب [للسَّيِّدِ، إلَّا أن] 2 يُصَدِّقَه فيما قال، فيكونُ له مِن [مَهْرِ المِثْلِ] 3 ما يَجِبُ في النِّكاحِ الفاسِدِ.
وهل ذلك المُسَمَّى أو مَهْر المِثْلِ؟ على رِوايَتَين.

وَإنْ تَزَوَّجَهَا وَفِيهِ الشَّرْطَانِ، ثُمَّ أَيسَرَ، أَوْ نَكَحَ حُرَّةً، فَهَلْ يَبْطُلُ نِكَاحُ الْأَمَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

3159 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَها وفيه الشَّرْطان، ثم أيسَرَ، أو نَكَح حُرَّةً، فهل يَبْطُلُ نِكاحُ الأمَةِ؟ عَلَى رِوايَتَين)

أمَّا إذا أيسَرَ، فظاهرُ المذهبِ أنَّه لا يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأمَةِ.
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
وفيه رِوايةٌ، أنَّه يَفْسُدُ نِكاحُ الأمَةِ.
وهو قولُ المُزَنِيِّ؛ لأنَّه إنَّما أُبِيحَ للحاجَةِ، فإذا زالتِ الحاجَةُ، لم يَجُزِ اسْتِدامَتُه، كمَن أُبِيحَ له أكْلُ المَيتَةِ للضَّرُورَةِ، فإذا وَجَد الحَلَال لم يَسْتَدِمْه.
ولَنا، أنَّ فَقْدَ الطَّوْلِ أحدُ شَرْطَيْ إباحَةِ نِكاحِ الأمَةِ، فلم تُعْتَبَرِ اسْتِدَامَتُه،

..................................  كخَوْفِ العَنَتِ، ويُفارِقُ أَكْلَ المَيتَةِ، فإنَّ أكْلَها بعدَ القُدْرَةِ ابْتِدَاءٌ للأكلِ، وهذا لا يَبْتَدِئُ النكاحَ، إنَّما يَسْتَدِيمُه، والاسْتِدَامَةُ للنِّكاحِ تُخالِفُ ابْتِداءَه، بدَلِيلِ أنَّ العِدَّةَ والرّدَّةَ وأمْنَ العَنَتِ يَمْنَعْنَ ابْتِداءَه دُونَ اسْتِدامَتِه.
فصل: فإن تَزَوَّجَ على الأمَةِ حُرَّةً، صَحَّ.
وفي بُطْلانِ نِكاحِ الأمَةِ رِوايَتان؛ إحداهما، لا يَبْطُلُ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعطاءٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ورُوِيَ مَعْنَى ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه.
والثانيةُ، يَنْفَسِخُ نِكاحُ الأمَةِ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، ومَسْرُوقٍ،

وَإنْ تَزَوَّجَ حُرَّةً أَوْ أَمَةً فَلَمْ تُعِفَّهُ، وَلَمْ يَجِدْ طَوْلًا لِحُرَّةٍ  وإسحاقَ، والمُزَنِيِّ.
ووَجْهُ الرِّوايَتَينِ [ما تقدَّم] (1) في المسألةِ قبلَها.
وقال النَّخَعِيُّ: إن كان له مِن الأمَةِ وَلَدٌ، لم يُفارِقْها، وإلَّا فارَقَها.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّ ماكان مُبْطلاً للنِّكاحِ في غيرِ ذاتِ الوَلَدِ، أبْطَلَه في ذاتِ الوَلَدِ، كسائرِ مُبْطِلاته، ولأنَّ وَلَدَه منها مَمْلُوكٌ لسَيِّدِها، ونَفَقَتُه عليه.
وقد اسْتُدِلَّ على بَقاءِ النِّكاحِ بما رُوِيَ عن عليٍّ، كرَّمَ الله وَجْهَه، أنَّه قال: إذا تَزَوَّجَ الحُرَّةَ على الأمَةِ، قَسَمَ للحُرَّةِ لَيلَتَين، وللأمَةِ لَيلَةً (2). ولأنَّه لو بَطَل بنِكاحِ الحُرَّةِ لبَطَلَ بالقُدْرَةِ عليه، فإنَّ القُدْرَةَ على المُبْدَلِ كاسْتِعْمالِه، بدليلِ الماءِ مع التُّرَابِ.

3160 -

مسألة: (وإن تَزَوَّجَ حُرَّةً أو أمَةً فلم تُعِفَّه، ولم يَجِدْ طَوْلًا

12

أُخْرَى، فَهلْ لَهُ نِكَاحُ أَمَةٍ أُخْرَى؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
لحُرَّةٍ أُخْرَى، فهل له نِكاحُ أمَةٍ أُخْرَى؟ على رِوايتَين) اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه الله، في إباحَةِ أكثرَ مِن أمَةٍ إذا لم تُعِفَّه، فعنه أنَّه قال: إذا خَشِيَ العَنَتَ تَزَوَّجَ أرْبعًا، إذا لم يَصْبِرْ كيف يَصْنَعُ؟ وهذا قولُ الزُّهْرِيِّ، والحارثِ العُكْلِيِّ، ومالكٍ، وأصحابِ الرَّأْي.
وعنه أنَّه قال: لا يُعْجِبُنِي أن يَتَزَوَّجَ إلَّا أمَةً واحدةً.
يَذْهبُ إلى حديثِ ابنِ عباسٍ، قال: الحُرُّ لا يَتَزَوَّجُ مِن الإِماءِ إلَّا واحدةً.
وقَرَأَ: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ﴾ 1. وبه قال قَتادَةُ، والشافعيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، لأنَّ 2 مَن له زَوْجَةٌ يُمْكِنُه وَطْؤُها لا يَخاف العَنَتَ.
ووَجْهُ الأُولَى قولُه تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا﴾ الآية.
وهذا داخِلٌ في عُمُومِها.
ولأنَّه عادِمٌ

..................................  للطَّوْلِ، خائِفٌ للعَنَتِ، فجازَ له نِكاحُ أمَةٍ، كالأُولَى.
وقوْلُهم: لا يَخْشَى العَنَتَ.
قُلْنا: الكلامُ في مَن يَخْشَاه 1. وقولُ ابنِ عباسٍ يُحْمَلُ على مَن لم يَخْشَ العَنَتَ، وكذلك الرِّوَايةُ الأُخْرَى عن أحمدَ.
فإن كان تَحْتَه حُرَّةٌ لم تُعِفَّه، ففيها الرِّوَايتانِ أيضًا، مثلَ نِكاحِ الأمَةِ، ذَكَرَهما أبو الخطّابِ، إذا لم تُعِفَّه الأمَةُ، لِما ذَكَرْنا.
فإن كانَتِ الحُرَّةُ 2 تُعِفُّه، [أو كان تحتَه أمَةٌ تُعِفُّه] 3، فلا خِلافَ في تَحْرِيمِ نِكاحِ الأمَةِ الأُخْرَى.

قَال الْخِرَقِيُّ: وَلَهُ أَنْ يَنْكِحَ مِنَ الإمَاءِ أَرْبَعًا إِذَا كَانَ الشَّرْطَانِ فِيهِ قَائِمَينِ.
فإن نَكَح أمَتَين في عَقْدٍ، وهو يَسْتَعِفُّ بواحدةٍ، فنِكاحُهُما باطلٌ؛ لأنَّه يَبْطُل في إحْداهما، وليست بأوْلَى مِن الأُخْرَى، فَبَطَلَ، كما لو جَمَع بينَ أُخْتَين.

3161 -

مسألة: (قال الخِرَقِيُّ: وله أن يَتَزَوَّجَ مِن الإِماءِ أرْبَعًا، إذا كان الشَّرْطان فيه قَائِمَين)

لِما ذَكَرْنا.

وَلِلْعَبْدِ نِكَاحُ الْأَمَةِ، وَهَلْ لَهُ أَنْ يَنْكِحَهَا عَلَى حُرَّةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

3162 - مسألة: (وللعَبْدِ نِكاحُ الأَمَةِ)

وإن فُقِدَ فيه الشَّرْطان؛ لأنَّه مُساوٍ لها، فلم يُعْتَبَرْ فيه هذان الشَّرْطان، كالحُرِّ مع الحُرَّةِ، وله نِكاحُ أمَتَين مَعًا، وواحدَةٍ بعدَ واحدَةٍ؛ لأنَّ خَشْيَةَ العَنَتِ غيرُ مَشْرُوطَةٍ فيه.
3163 -

مسألة: (وهل له أنْ يَنْكِحَها على حُرَّةٍ؟ على رِوايَتَين)

وَإنْ جَمَعَ بَينَهُمَا فِي الْعَقْدِ، جَازَ،  إحداهما، له ذلك.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّها مساويَةٌ له، فلم يُشْتَرَطْ لصِحَّةِ نِكاحِها عَدَمُ الحُرَّةِ، كالحُرِّ مع الحُرَّةِ، ولأنَّه لو اشْتُرِطَ عَدَمُ الحُرَّةِ، لاشْتُرِطَ عَدَمُ القُدْرَةِ عليها، كما في حَقِّ الحُرِّ.
والثانيةُ، لا يجوزُ؛ وهو قولُ أصحاب الرَّأْي؛ لأنَّه يُرْوَى عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ أنَّه قال: تُنْكَحُ الحُرَّةُ على الأَمَةِ، ولا تُنْكَحُ الأمَةُ على الحُرَّةِ.
ولأنَّه مالِكٌ لبُضْعِ حُرَّةٍ، فلم يَكُنْ له أن يَتَزَوَّجَ أمَةً، كالحُرِّ.

3164 -

مسألة: (وإن جَمَع بينَهُمَا في العَقْدِ، جاز)

لأنَّ كلَّ واحدةٍ منهما يجوزُ إفْرادُها بالعَقْدِ 1، فجازَ الجَمْعُ بينَهما، كالأَمتَين،

وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ.
هذا إذا قُلْنا: ليست حُرِّيَّةُ الزَّوْجِ شَرْطًا في نِكاحِ الحُرَّةِ (ويَتَخَرَّجُ أن لا يَجُوزَ) بِناءً على قولِه: لا يجوزُ نِكاحُ الأمَةِ على حُرَّةٍ.
ولأنَّه لا يَجُوزُ نِكاحُ الأمَةِ على الحُرَّةِ، فحَرُمَ عليه الجَمْعُ بينَهما، كالأُخْتَين.

وَلَيسَ لَهُ نِكَاحُ سَيِّدَتِهِ، وَلَا لِلْحُرِّ أن يَتَزَوَّجَ أَمَتَهُ، وَلَا أمةَ ابْنِهِ،

3165 - مسألة: (وليس للعَبْدِ نِكاحُ سَيِّدَتِه)

قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ نِكاحَ المرأةِ عَبْدَها باطِلٌ؛ لأنَّ أحكامَ المِلْكِ والنِّكاحِ تَتَناقَضُ، إذ مِلْكُها إيَّاه يَقْتَضِي وُجُوبَ نَفَقَتِه عليها، وسَفَرَه بسَفَرِها، وطاعَتَه إيَّاها، ونِكاحُه إيَّاها يُوجب عَكْسَ ذلك، فيَتَنافَيَان، ولِما روَى الأثْرَمُ بإسنادِه عن أبي الزُّبَيرِ، عن جابرٍ، أنَّه سَألَه عن العَبْدِ يَنْكِحُ سَيِّدَتَه، فقال: جاءَتِ امرَأة إلى عمرَ بنِ الخطابِ ونحنُ بالجابِيَةِ (1) وقد نَكَحَتْ عَبْدَها، فانْتَهَرَها عمرُ، وهَمَّ أن يَرْجُمَها، وقال: لا يَحِلُّ لكِ (2). 3166 -

مسألة: (وليس للحُرِّ أن يَتَزَوَّجَ أمَتَه)

لأنَّ مِلْكَ الرَّقَبَةِ يُفِيدُ (3) مِلْكَ المَنْفَعَةِ، وإباحَةَ البُضْعِ، فلا يَجْتَمِعُ معه عَقْدٌ أضْعَفُ منه.
ولا يجوزُ أن يَتَزَوَّجَ أمَةً له فيها مِلْكٌ.
ولا يَتَزَوَّجُ مُكاتَبَتَه؛ لأنَّها مَمْلُوكَتُه.
3167 -

مسألة: (ولا)

يَجُوزُ للحُرِّ أن يَتَزَوَّجَ (أمَةَ ابْنِه) لأنَّ123

..................................  له فيها شُبْهَةَ مِلْكٍ.
وهذا قولُ أهلِ الحجازِ.
وقال أهلُ العراقِ: له ذلك، لأنَّها ليستْ مَمْلُوكَةً له، ولا تَعْتِقُ بإعْتاقِه إيَّاها.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أنْتَ وَمَالُكَ لأبِيكَ» 1. ولأنَّه لو مَلَك جُزْءًا مِن أمَةٍ، لم يَصِحَّ نِكاحُه

وَيَجُوزُ لِلْعَبْدِ نِكَاحُ أَمَةِ ابْنِهِ.
لها، فما هي مُضافَةٌ بجُمْلَتِها شَرْعًا أوْلَى بالتَّحرِيمِ.
وكذلك لا يَجُوزُ للعبْدِ نِكاحُ أمِّ (1) سَيِّدِه أو سَيِّدَتِه، مع ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.

3168 -

مسألة: (ويجوز للعبدِ نِكاحُ أمَةِ ابْنِه)

لأنَّ الرِّقَّ قَطَع ولايتَه عن ابْنِه ومالِه، ولهذا 2 لا يَلِي ماله ولا نِكاحَه، ولا يَرِثُ أحدُهما1

جارٍ التحميل