..................................
طَلاقِه؛ لأنَّه عاقِل مُمَيِّزٌ، يَمْلِكُ الطَّلاقَ، أشْبَهَ البالِغَ.
فصل: والمَهْرُ والنَّفَقَةُ على السَّيِّدِ، سَواءٌ ضَمِنَهُما 1 أو لا، وسَواءٌ باشَرَ العَقْدَ.
بنَفْسِه أو أذِنَ لعَبْدِه فعَقَدَه، مَأْذُونًا له في التِّجارَةِ أو مَحْجُورًا عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّ ذلك يَتَعَلَّقَ بكَسْبِه، فإنَّه قال: نَفَقَتُه مِن ضَرِيبَتِه.
وقال 2: إن كان بقِيمَةِ ضَرِيبَتِه، أنْفَقَ عليها، ولا يُعْطِي المَوْلَى، وإن لم يَكُنْ عندَه ما يُنْفِقُ، فُرِّقَ بينَهما.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّ مَن ألْزَمَ السَّيِّدَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ، أوْجَبَهما عليه وإن لم يَكُنْ للعبدِ كَسْبٌ، وليس للمرأةِ الفَسْخُ؛ لعَدَم كَسْبِ العبدِ، وللسَّيِّدِ استخدامُه ومَنْعُه الاكْتِسابَ، ومَن عَلَّقَه بكَسْبِه فلم يَكُنْ له كَسْبٌ، فللمرأةِ الفَسْخُ، وليس للسَّيِّدِ مَنْعُه مِن التَّكَسُّبِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ تَعَلَّقَ بالعَبْدِ 3 برِضَا سَيِّدِه، فتَعَلَّقَ بسَيِّدِه، وجازَ بَيعُه فيه، كما لو رَهَنَه بدَينٍ.
فعلى هذا، لو باعَه سَيِّدُه أو أعْتَقَه، لم يَسْقُطِ المَهْرُ عن السَّيِّدِ.
نصَّ عليه؛ لأنَّه حَقٌّ تَعَلَّقَ بذِمَّتِه، فلم يَسْقُطْ ببَيعِه وعِتْقِه، كأرْشِ جِنايَتِه، فأمَّا النَّفَقَةُ فإنَّها تَتَجَدَّدُ، فتكونُ في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ على المُشْتَرِي أو على العَبْدِ إذا عَتَق.
..................................
فصل: ويَجُوزُ أن يَتَزَوَّجَ السَّيِّدُ لعَبْدِه بإذْنِه، وأن يَأْذَنَ للعَبْدِ فيَتَزَوَّجَ لنَفْسِه؛ لأنَّه مُكَلَّفٌ يَصِحُّ طلاقُه، فكان مِن أهلِ مُباشَرَة العَقْدِ كالحُرِّ.
ويَجُوز أن يَأْذَن له مُطْلقًا ومُعَينًا، فإن عَيَّنَ له امرأةً، أو نِساءَ بَلَدٍ أو قَبِيلَةٍ، أو حُرَّةً أو أمَةً، فتَزَوَّجَ غيرَها، لم يَصِحَّ؛ لأَنه مُتَصَرِّفٌ بالإِذْنِ، فتَقييَّدَ 1 تَصَرُّفُه بما 2 أُذِنَ له فيه كالوَكِيلِ.
وإن أذِنَ له مُطْلَقًا، فله أن يَتَزَوَّجَ مَن شاءَ، لكنْ إن تَزَوَّجَ امرأةً مِن بَلْدَةٍ أُخْرَى، فلسَيِّدِه مَنْعُه مِن الخُرُوجِ إليها، وإن كانت في البَلَدِ، فعلى سَيِّدِه إرْسالُه لَيلًا للاسْتِمْتَاعِ.
وإن أحَبَّ سَيِّدُه أن يُسْكِنَها في مَسْكَنٍ مِن دارِه، فله ذلك إذا كان مَسْكَنَ مِثْلِها، ولا يَلْزَمُه إرْسالُه نَهارًا؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى اسْتِخْدامِه، وليس النَّهارُ مَحِلًّا للاسْتِمْتَاعِ غالبًا.
ولسَيِّدِه السَّفَرُ به، فإنَّ حَقَّ امرأةِ العبدِ عليه لا يَزِيدُ على حَقِّ امرأةِ الحُرِّ، والحُرُّ يَمْلِكُ السَّفَرَ وإن كَرِهَتِ امْرأتُه، كذا ههُنا.
فصل: وللسَّيِّدِ أن يُعَيِّنَ له المَهْرَ، وله أن يُطْلِقَ، فإن تَزَوَّجَ بما عَيَّنَه أو دُونِه، أو بمَهْرِ المِثْلِ عندَ الإِطْلاقِ أو دونِه، لَزِم المُسَمَّى، وإن تَزَوَّجَ بأكْثَرَ 3 مِن ذلك، لم تَلْزَمِ السَّيِّدَ 4 الزِّيادَةُ.
وهل يَتَعَلَّقُ برَقَبَةِ العَبْدِ أو ذِمَّتِه يُتْبَعُ بها بعدَ العِتْقِ؟ على رِوايَتَين، بِناءً (4) على اسْتِدانَةِ العَبْدِ
وَلَا يَجُوزُ لِسَائِرِ الْأَوْلِيَاءِ تَزْويجُ كَبِيرَةٍ إلا بِإِذنِهَا، إلا الْمَجْنُونَةَ، لَهُمْ تَزْويجُهَا إِذَا ظَهَرَ مِنْهَا الْمَيلُ إِلَى الرِّجَالِ.
المَحْجُورِ عليه، وقد ذَكَرْنا ذلك في كتابِ الحَجْرِ (1).
فصل: وإذا تَزَوَّجَ أمَةً ثم اشْتَراها بإذْنِ سَيِّدِه لسَيِّدِه، لم يُوثِّرْ ذلك في نِكاحِه، وإنِ اشْتَراها لنَفْسِه وقُلْنا: إنَّه لا يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ.
[فكذلك، وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالتَّمْلِيكِ] (2). انْفَسَخَ نِكاحُه، كما لو اشْتَرَى الحُرُّ امرأتَه (3). وله وَطْؤُها بمِلْكِ اليَمِينِ بإذْنِ سَيِّدِه، فإن كان بعضُه حُرًّا فاشْتَراها في ذِمَّتِه أو بما يَخْتَصُّ بمِلْكِه، انْفَسَخَ نِكاحُه؛ لأنَّه مَلَكَها وحَلَّتْ له بمِلْكِ يَمِينِه، وإن مَلَكَ بَعْضَها، انْفَسَخَ نِكاحُه ولم تَحِلَّ له؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ جَمِيعَها، وإنِ اشْتَرَاها بعَينِ مالٍ مُشتَرَكٍ (4) بينَه وبينَ سَيِّدِه بغيرِ إذْنِه وقُلْنا: إنَّه لا تُفَرَّقُ الصَّفْقَةُ.
لم يَصِحَّ البَيعُ، والنِّكاحُ بحالِه.
وإن قُلْنا بتَفْرِيقِها، صَحَّ في قَدْرِ مالِه، وانْفَسَخَ النِّكاحُ بمِلْكِه بَعْضَها.
3095 -
مسألة: (وليس لسائرِ الأوْلياءِ تَزْويجُ كبيرةٍ إلَّا بإذْنِها، إلَّا المجنونةَ، لهم تَزْويجُها إذا ظَهَر منها المَيلُ إلى الرِّجالِ)
ليس لسائِرِ الأوْلياءِ غيرِ الأبِ تَزْويجُ كبيرةٍ بغيرِ إذْنِها، جَدًّا كان أو غيرَه.
وبه قال مالكٌ،1234
..................................
وأبو عُبَيدٍ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي ليلَى.
وهو قولُ الشافعيِّ إلَّا في الجَدِّ، فإنَّه جَعَلَه كالأبِ؛ لأنَّ ولايَتَه ولايةُ إيلادٍ، فمَلَكَ الإِجْبارَ، كالأبِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا تُنْكَحُ الْأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ».
فقالوا: يا رسولَ اللهِ، فكيف
..................................
إذْنُها؟ قال: «أنْ تسْكُتَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولأنَّ الجَدَّ قاصِرٌ عن الأبِ، فلم يَمْلِكِ الإِجْبارَ، كالعَمِّ، ولأنَّه يُدْلِي بغيرِه، فأشْبَهَ سائِرَ العَصَباتِ، وفارَقَ الأبَ؛ فإنَّه يُدْلِي بغيرِ واسِطَةٍ، ويُسْقِطُ الجَدَّ، ويَحْجُبُ الأمَّ عن ثُلُثِ المالِ إلى ثُلُثِ الباقي في زَوْجٍ وأبوَين، [أو امْرأةٍ وأبوَين] 2. فأمَّا المجنونةُ 3 فلهم تَزْويجُها إذا ظَهَر لهم منها المَيلُ إلى الرِّجالِ.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وقال القاضي: لا يُزَوِّجُها إلَّا الحاكِمُ؛ لأنَّه النَّاظِرُ لها في مالِها دُونَهم، فيَجِبُ أن يَخْتَصَّ بالولايَةِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ،
..................................
أنَّ ولايتَهم مُقَدَّمَةٌ على ولايَةِ الحاكِمِ لو كانت عاقلةً، فكذلك إذا كانتْ مجنونةً.
وقال الشافعيُّ: لا يَجُوزُ تزْويجُها إلَّا أن يقولَ أهلُ الطِّبِّ: إنَّ عِلَّتَها تَزُولُ بذلك.
ولَنا، أنَّها مُحْتاجَةٌ إليه لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عنها، وصِيانَتِها عن الفُجُورِ، وتَحْصِيلِ النَّفَقَةِ والمَهْرِ، فجازَ تَزْويجُها تحْصِيلًا لهذه المصالِحِ، كغيرِها.
فصل في تَزْويجِ المجنونةِ: إن كانت ممَّن تُجْبَرُ لو 1 كانت عاقلةً، جازَ تَزْويجُها لمَن يَمْلِكُ إجْبارَها؛ لأنَّه إذا مَلَك إجْبارَها مع عَقْلِها وامْتِناعِها، فمع عَدَمِه أوْلَى.
وإن كانت مِمَّن لا يُجْبَرُ، فهي ثَلاثةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، أن يكونَ وَلِيُّها الأبَ أو وَصِيَّه، كالثَّيِّبِ 2 الكبيرةِ، فهذه يَجُوزُ لوَلِيِّها تَزْويجُها.
ذَكَرَه القاضي.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه جَعَل للأبِ تَزْويجَ المَعْتُوهِ، فالمرأَةُ أوْلَى.
وهذا قول الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ.
ومَنَع منه أبو بكرٍ؛ لأنَّها ولايةُ إجْبارٍ، وليس على الثَّيِّبِ 3 ولايَةُ إجْبارٍ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ فإنَّ ولايةَ الإِجْبارِ إنَّما انْتَفَتْ عن العاقلةِ بحُصُولِ المباشَرَةِ منها والخِبْرَةِ، وهذه بخلافِ ذلك.
وكذلك الحُكْمُ في
..................................
الثَّيِّبِ 1 الصغيرةِ إذا قُلْنا بعَدَمِ الإِجْبارِ في حَقِّها، إذا كانت عاقلةً.
القسمُ الثاني، أن يكونَ وَلِيُّها الحاكمَ، ففيها وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له تَزْويجُها 2 بحالٍ؛ لأنَّ هذه ولايةُ إجْبارٍ، فلا تَثْبُتُ لغيرِ الأبِ، [كحالِ عَقْلِها] 3. والثاني، له تَزْويجُها إذا ظَهَر منها شَهْوَةُ الرِّجالِ، كبيرةً كانت أو صغيرةً.
وهو اخْتِيارُ ابنِ حامِدٍ، وأبي الخَطَّابِ، وقولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ لها حاجَةً إليه لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّهْوَةِ عنها، وصِيانَتِها عن الفُجُورِ، وتَحْصِيلِ المَهْرِ والنَّفَقَةِ، والعَفافِ لي صِيانَةِ العِرْضِ، ولا سَبِيلَ إلى إذْنِها، فأُبِيحَ تَزْويجُها، كالثَّيِّبِ 4 مع أبِيها، وكذلك يَنْبَغِي أن يَمْلِكَ تَزْويجَها إن قال أهلُ الطِّب: إنَّ (2) عِلَّتَها تَزُولُ بتَزْويجِها؛ لأنَّ ذلك مِن أعْظَمِ مَصالِحِها.
وقال الشافعيُّ: لا يَمْلِكُ تَزْويجَ صغيرةٍ بحالٍ، ويَمْلِكُ تَزْويجَ الكبيرةِ إذا قال أهْلُ الطِّبِّ: إنَّ عِلَّتَها تَزُولُ بتَزْويجِها.
ولَنا، أنَّ المَعْنَى المُبِيحَ للتَّزْويجِ وُجِد في حَقِّ الصغيرةِ، فأُبِيحَ تَزْويجُها، كالكبيرةِ وإذا [ظَهَرَتْ منها] 5 شَهْوَةُ الرِّجالِ 6، ففي تَزْويجِها مَصْلَحَتُها ودَفْعُ حاجَتِها.
وتُعْرَفُ شَهْوَتُها مِن كلامِها، ومِن قَرائِنِ أحْوالِها، كَتَتَبُّعِها الرِّجال ومَيلِها إليهم، وأشْباهِ ذلك.
القسمُ الثالثُ، مَن وَلِيُّها غيرُ الأبِ والحاكِمِ، فقال القاضي: لا يُزَوِّجُها إلَّا الحاكِمُ.
فيكونُ حُكْمُها حُكْمَ
وَلَيسَ لَهُمْ تَزْويجُ صَغِيرَةٍ بِحَالٍ.
وَعَنْهُ، لَهُمْ ذَلِكَ، وَلَهَا الْخِيَارُ إِذَا بَلَغَتْ.
وَعَنْهُ، لَهُمْ تَزْويجُ ابْنَةِ تِسْعِ سِنِينَ بِإِذْنِهَا.
القِسْمِ الثاني على ما بَيَّنَّا.
وقال أبو الخَطَّابِ: لهم تَزْويجُها في الحالِ التي يَمْلِكُ الحاكمُ تَزْويجَ مُوَلِّيَته فيها.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ وِلايَتَهم مُقَدَّمَةٌ على ولايَةِ الحاكِم، فقُدِّمُوا عليه في التَّزْويجِ، كما لو كانت عاقلةً.
ووَجْهُ قولِ القاضي، أنَّ الحاكِمَ هو النَّاظِرُ في مالِها دُونَهم، فكان وَلِيًّا دُونهم، كتَزْويجِ أَمَتِها، ولأنَّ هذا دَفْعُ حاجَةٍ ظاهرةٍ، فكانت إلى الحاكِمِ، كدَفْعِ حاجَةِ الجُوعِ والعُرْيِ.
فإن كان وَصِيٌّ (1) في مالِها، لم يَمْلِكْ تَزْويجَها؛ لأنَّه لا ولايَةَ له (2)، والحكمُ في تَزْويجِها حُكْمُ مَن وَلِيُّها غيرُ الأبِ والحاكِمَ، كما ذكَرنا.
3096 -
مسألة: (وليس لهم تَزْويجُ صغيرةٍ بحالٍ)
لما رُوِيَ أنَّ قُدامَةَ بنَ مَظْعُونٍ زَوَّجَ ابْنَةَ أخِيه مِن عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، فرُفِعَ ذلك إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «إنَّهَا يَتِيمَةٌ وَلَا تُنْكَحُ إلَّا بإذْنِهَا» 3. [والصغيرةُ] 4 لا إذن لها (وعن أحمدَ) أنَّ (لهم ذلك، ولها الخِيارُ إذا بَلَغَتْ) وهو قولُ الحسنِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ،12
..................................
وقَتادَةَ، وابنِ شُبْرُمَةَ، والأوْزاعِيِّ، وأبي حنيفةَ.
وقال هؤلاء غيرَ 1 أبي حنيفةَ: إذا زَوَّجَ الصَّغِيرَين غيرُ الأبِ، فلهما الخِيارُ إذا بَلَغَا؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ﴾ 2. مَفْهُومُه أنَّه إذا لم يَخفْ فله تَزْويجُ اليَتِيمَةِ، واليَتِيمَةُ التي لم تَبْلُغْ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُتْمَ بَعْدَ احْتِلَامٍ» 3. قال عُرْوَةُ: سألتُ عائشةَ عن قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى﴾.
قالتْ: يا ابنَ أُخْتِي، هذه اليَتِيمَةُ تكونُ في حِجْرِ وَلِيِّها، يُعْجِبُه مالُها وجمالُها، يُرِيدُ أن يَتَزَوَّجَها بغيرِ أن يُقْسِطَ في صَداقِها، فيُعْطِيَهَا مثلَ ما يُعْطِيها غيرُه، فنُهوا عن نِكاحِهِنَّ إلَّا أن يُقْسِطُوا فِيهنَّ، ويَبْلُغوا
..................................
أعْلَى 1 سُنَّتِهِنَّ في الصَّداقِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ورَوَتْ عائشةُ أنَّ جاريةً بِكْرًا زَوَّجَها أبُوها وهي كارِهَةٌ، فَخَيَّرَها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - 3. الحدِيثُ مُرْسَلٌ.
والثالثةُ، لهم تَزْويجُها إذا بَلَغَتْ تِسْعَ سِنِينَ؛ لقول رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُها، وإنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيهَا».
رَواه أبو داودَ 4. وقد انْتَفَى الإِذْنُ في مَن لم تَبْلُغْ تِسْعَ سِنِينَ، فيَجِبُ حَمْلُه على مَن بلَغَتْ تِسْعًا.
..................................
فصل: ويُسْتَحَبُّ للأبِ اسْتِئْذانُ ابْنَتِه البِكْرِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ به، ونَهَى عن الإِنْكاحِ بدُونِه، وأقَلُّ أحْوالِ ذلك الاسْتِحْبابُ، ولأنَّ فيه تَطْييبَ قَلْبِها، وخُرُوجًا مِن الخِلافِ، وقالت عائشةُ: سألتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الجارِيَةِ يُنْكِحُها أهْلُها 1، أتُسْتَأْمَرُ أم لا؟ فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «نَعَمْ، تُسْتَأْمَرُ» 2. وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «اسْتَأْمِرُوا النِّسَاءَ فِي أَبضَاعِهِنَّ».
قيل 3: فَإنَّ البِكْرَ تَسْتَحْيي فتَسْكُتُ.
قال (3): «فَهُوَ إذْنُهَا» 4. مُتَّفَقٌ عليهما 5. ورُوِيَ عن عطاءٍ قال: كان النبيُّ
..................................
- صلى الله عليه وسلم - يَسْتَأْمِرُ بَناتِه إذا أنْكَحَهُنِّ.
قال: كان يَجْلِسُ عندَ خِدْرِ المَخْطُوبَةِ فيقولُ: «إنَّ فُلَانًا يَذْكُرُ فُلَانةَ».
فإن حَرَّكَتِ الخِدْرَ لم يُزَوِّجْها، وإن سكَتَتْ زَوَّجَها 1. ويُسْتَحَبُّ اسْتِئْذانُ المرأةِ في تَزْويجِ ابْنَتِها؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «آمِرُوا النِّسَاءَ فِي بَنَاتِهِنَّ» 2. ولأنَّها تُشارِكُه في النَّظَرِ لبِنْتِها وتَحْصِيلِ المَصْلَحَةِ لها؛ لشَفَقَتِها عليها، وفي اسْتِئْذانِها تَطْيِيبُ قَلْبِها وإرْضاؤُها، فيكونُ أوْلَى.
وَإِذْنُ الثَّيِّبِ الْكَلَامُ، وَإذْنُ الْبِكْرِ الصُّمَاتُ.
3097 - مسألة: (وإذْنُ الثَّيِّبِ الكَلامُ، وإذْنُ البِكْرِ الصُّماتُ)
أمَّا الثِّيِّبُ 1، فلا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في أنَّ إذْنَها الكلامُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّ اللِّسَانَ هو المُعَبِّرُ عمّا في القَلْبِ، وهو المُعْتَبَرُ في كُلِّ مَوْضِعٍ يُعْتَبَرُ فيه الإِذْنُ، غيرَ أشْياءَ يَسِيرَةٍ أُقِيمَ الصَّمْتُ فيها مُقامَه لعَارِضٍ.
وأمَّا البِكْرُ فإذْنُهَا صُماتُها في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ؛ منهم شُرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِيُّ، وابنُ شُبْرُمَةَ، وأبو حنيفةَ.
ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الوَلِيِّ أبًا أو غيرَه.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: في صَمْتِها في حَقِّ غيرِ الأب وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَكونُ إذْنًا؛ لأنَّ الصُّماتَ عَدَمُ الإِذْنِ، فلا يكَونُ إذْنًا، ولأنَّه مُحْتَمِلٌ للرِّضا [والحياءِ وغيرِهما] 2، فلا يكونُ إذْنًا، كما في حَقِّ الثَّيِّبِ، وإنَّما اكْتُفِيَ به في حَقِّ
..................................
الأبِ؛ لأنَّ رِضَاها غيرُ مُعْتَبَرٍ.
وهذا شُذُوذٌ عن أهلِ العلمِ، وتَرْكٌ للسُّنَّةِ الصَّحِيحَةِ الصَّريحَةِ، يُصانُ الشافعيُّ عن إضافَتِه إليه، وجَعْلِه مذهبًا له، مع كَوْنِه مِن أتْبَعِ النَّاسِ لسُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، [ولا يُعَرِّجُ مُنْصفٌ على هذا القولِ، وقد تقَدَّمَتْ رِوايَتُنا عن رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -] 1 أنَّه قال: «لَا تُنْكَحُ الأيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، ولَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ».
فقالوا: يا رسولَ اللهِ، فكيف إذْنُها؟ قال: «أنْ تَسْكُتَ» 2. وفي روايةٍ عن عائشةَ أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ البِكْرَ تَسْتَحْيي.
قال: «رِضَاؤُهَا صَمْتُهَا».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وفي رِوايَةٍ: «تُسْتَأمَرُ الْيَتيمَةُ فِي نَفْسِهَا، فَإنْ سَكَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا» 4. وهذا صَرِيحٌ في غيرِ ذاتِ الأبِ.
والأخْبارُ
..................................
في هذا كثيرةٌ.
ولأنَّ الحَيَاءَ عُقْلَةٌ على 1 لِسَانِها، يَمْنَعُها النُّطْقَ بالإِذْنِ، ولا تَسْتَحيي مِن إبائِها وامْتِناعِها، فإذا سَكَتَتْ غَلَب على الظنِّ أنَّه لرِضاها 2، فاكْتُفِيَ به.
وما ذَكَرُوه يُفْضِي إلى أن لا يكونَ صمْتُها إذْنًا في حَقِّ الأبِ أيضًا؛ لأنَّهم جَعَلُوا وُجُودَه كعَدَمِه، فيَكونُ إذًا رَدًّا على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - بالكُلِّيَّةِ، واطِّرَاحًا للأخْبارِ الصَّرِيحةِ الجَلِيَّةِ، وخرْقًا لإِجْماعِ الأُمَّةِ.
فصل: فإن أذِنَتْ بالنُّطْقِ فهو أبْلَغُ وأتَمُّ، وإن ضَحِكَتْ أو بَكَت فهو بِمَنْزِلَةِ سُكُوتِها.
وقال أبو يوسف، ومحمدٌ: إن بَكَت فليس بإذْنٍ؛ لأنَّه يَدُلُّ على الكَراهَةِ، وليس بصَمْتٍ فيَدْخُلَ في عُمُومِ الحديثِ.
ولَنا، ما روَى أبو بكرٍ 3 بإسْنادِه عن أبي هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «تُسْتَأْمَرُ اليَتِيمَةُ، فَانْ بَكَتْ أو سَكَتَتْ فَهُوَ رِضَاهَا، وإنْ أبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيهَا».
ولأنَّها غيرُ ناطِقَةٍ بالامْتِناعِ مع سَماعِها للاسْتِئْذانِ، فكان إذْنًا منها، كالصُّماتِ أو 4 الضَّحِكِ، والبُكاءُ يَدُلُّ على فَرْطِ الحَيَاءِ، لا على الكَراهَةِ، ولو كَرِهَتْ لامْتَنَعَتْ، فإنَّها لا تَسْتَحْيي مِن الامْتِنَاعِ،
وَلَا فَرْقَ بَينَ الثُّيُوبَةِ بِوَطْءٍ مُبَاحٍ أوْ مُحَرَّمٍ، والحديثُ يَدُلُّ بصَرِيحِه على أنَّ الصَّمْتَ إذْنٌ، وبمَعْناه على ما في مَعْناه مِن الضَّحِكِ والبُكاءِ، ولذلك أقَمْنا الضَّحِكَ مُقامَه.
3098 -
مسألة: (ولا فَرْقَ بينَ الثُّيُوبَةِ بوَطْءٍ مُباحٍ أو مُحَرَّمٍ)
وجُمْلته أنَّ الثِّيِّبَ المُعْتَبَرَ نُطْقُها، هي الموْطُوءَةُ في القُبُلِ، سَواء كان الوَطْءُ مُباحًا أو مُحَرَّمًا.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، في المُصابَةِ بالفُجُورِ: حُكْمُها حُكْمُ البِكْرِ في إذْنِها و 1 تَزْويجِها؛ لأنَّ عِلَّةَ الاكْتِفاءِ بصُماتِ البِكْرِ الحَيَاءُ، [والحَياءُ] 2 مِن الشيءِ لا يَزُولُ إلَّا بمُباشَرَتِه، وهذه لم تُباشِرِ الإِذْنَ في النِّكاحِ، فبَقِيَ حَياؤُها منه بحالِه.
ولَنا، قولُه عليه السَّلامُ: «الثَّيِّبُ 3 تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا» 4. ولأنَّ قولَه عليه السَّلامُ: «لَا تُنْكَحُ الأَيِّمُ حَتَّى تُسْتَأْمَرَ، وَلَا تُنْكَحُ البِكْرُ حَتَّى تُسْتَأْذَنَ، وإذْنُهَا أنْ تَسْكُتَ» 5. يَدُلُّ على أنَّه لا بدَّ مِن نُطْقِ الثَّيِّبِ؛ لأنَّه قَسَم النِّساءَ قِسْمَين، فجَعَلَ السُّكُوتَ إذْنًا لأحَدِهما، فوَجَب
فَأمَّا زَوَالُ الْبَكَارَةِ بِإِصْبَعٍ أَوْ وَثْبَةٍ، فَلَا يُغَيِّرُ صِفَةَ الإِذْنِ.
أن يكونَ الآخَرُ بخِلافِه، وهذه ثَيَّبٌ، فإنَّ الثَّيِّبَ المَوْطُوءَةُ في القُبُلِ، وهذه كذلك.
ولأنَّه لو وَصَّى لثَّيِّبِ النِّساءِ دَخَلَتْ في الوَصِيَّةِ، ولو وَصَّى للأبْكارِ لم تَدْخُلْ، ولو اشْتَرَطَها في التَّزْويجِ أو الشِّراءِ بِكْرًا (1) فوَجَدَها مُصابَةً بالزِّنَى، مَلَك الفَسْخَ، ولأنَّها مَوْطُوءَةٌ في القُبُلِ، أشْبَهَتِ المَوْطُوءَةَ بشُبْهَةٍ، والتَّعْلِيلُ بالحيَاءِ لا يَصِحُّ؛ فإنَّه أمْرٌ خَفِيٌّ لا يُمْكِنُ اعْتِبارُه بنَفْسِه، وإنَّما يُعْتَبَرُ بمَظِنَّتِه، وهي البَكارَةُ، ثم هذا التَّعْلِيلُ يُفْضِي إلى إبْطالِ مَنْطُوقِ الحديثِ، فيكونُ باطلًا في نَفْسِه.
ولا فَرْقَ بينَ المُكْرَهَةِ والمُطاوعَةِ، وعلى هذا ليس لأبِيها إجْبارُها إذا كانت بالِغَةً.
وفي تَزْويجِها إذا كانت صغيرةً وَجْهان.
قولُهم: إنَّها لم تُباشِرِ الإِذْنَ.
قُلْنا: يَبْطُلُ بالمَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ، وبمِلْكِ يَمِينٍ، و (2) المُزَوَّجَةِ وهي صغيرةٌ.
3099 -
مسألة: (فأمَّا زَوالُ الْبَكارَةِ بإِصْبَعٍ أو وَثْبَةٍ، فلا يُغَيِّرُ صِفَةَ الإِذْنِ)
إذا ذَهَبَتْ بكارَتُها بغير الوَطْءِ؛ كالوَثْبَةِ، أو شِدَّةِ حَيضَةٍ،12
..................................
أو إصْبَعٍ، أو عُودٍ، فحُكْمُها حكمُ الأبْكارِ.
ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ؛ لأنَّها لم تَخْبُرِ 1 المَقْصُودَ، ولا وُجِد وَطْؤُها في القُبُلِ، فأشْبَهَتْ مَن لم تَزُلْ عُذْرَتُها.
وكذلك لو وُطِئَتْ في الدُّبُرِ؛ لأنَّها غيرُ مَوْطُوءَةٍ في القُبُلِ.
فصل: إذا اخْتَلَفَ الزَّوْجُ والمرأةُ في إذْنِها قبلَ الدُّخُولِ، فالقولُ قولُها في قولِ أكثرِ الفُقَهاءِ.
وقال زُفَرُ في الثَّيِّبِ كقَوْلِ الجماعةِ، وفي البِكْرِ: القولُ قولُ الزَّوْجِ؛ لأنَّ الأصْلَ السُّكُوتُ، والكلامُ حادِثٌ، والزَّوْجُ يَدَّعِي الأصْلَ، فالقولُ قولُه.
ولَنا، أنَّها مُنْكِرَةٌ للإِذْنِ، والقولُ قولُ المُنْكِرِ، ولأنَّه يَدَّعِي أنَّها اسْتُؤُذِنتْ وسَمِعَتْ فصَمَتَتْ، والأصلُ عدَمُ
..................................
ذلك، وهذا جَوابٌ عن قولِه 1. وإنِ اخْتَلَفا بعدَ الدُّخولِ ققال القاضي: القولُ 2 قولُ الزَّوْجِ؛ لأنَّ التَّمْكِينَ مِن الوَطْءِ دليلٌ على الإِذْنِ وصِحَّةِ النِّكاحِ 3، فكان الظَّاهِرُ معه.
وهل تُسْتَحْلَفُ المرأةُ إذا قُلْنا: القولُ قولُها؟ قال القاضي: قِياسُ المذهبِ أنَّه لا يَمِينَ عليها، كما لو ادَّعَى زَوْجِيَتَّهَا فأنْكَرَتْه.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال 4 الشَّافِعِيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: تُسْتَحْلَفُ.
فإن نَكَلَتْ، فقال أبو يوسفَ، ومحمدٌ: يَثْبُتُ النِّكاحُ.
وقال الشافعيُّ: يُسْتَحْلَفُ الزَّوْجُ، ويَثْبُتُ النِّكاحُ.
ولَنا، أنَّه اخْتِلافٌ في زَوْجِيَّةٍ 5، فلا يَثْبُتُ بالنُّكُولِ، كما لو ادَّعَى الزَّوْجُ أصْلَ التَّزْويجِ فأنْكَرَتْه.
فإن كانتِ المرأةُ ادَّعَتْ أنَّها أذِنَتْ وأنْكَرَ وَرَثَةُ الزَّوْجِ، فالقول قولُها؛ لأنَّه اخْتِلافٌ في أمْرٍ مُختصٍّ بها، صادِرٍ مِن جهتِها، فكان القولُ قولَها فيه، كما لو اخْتَلَفوا في نِيَّتِها فيما تُعْتَبَرُ فيه نِيَّتُها، ولأنَّها تَدَّعِي صِحَّةَ العَقْدِ وهم يَدَّعُونَ فَسادَه، فالظَّاهِرُ معها.
..................................
فصل في المَحْجُورِ عليه للسَّفَهِ: والكلامُ في نِكاحِه في ثلاثةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أنَّ لوَلِيِّه تَزْويجَه إذا عَلِم حاجَتَه إلى النِّكاحِ؛ لأنَّه نُصِبَ لمَصالِحِه، وهذا مِن مَصالِحِه، لأنَّه يَصُونُ به دِينَه وعِرْضَه ونَفْسَه، فإنَّه رُبَّما تَعَرَّضَ بتَرْكِ التَّزْويجِ للإِثْمِ بالزِّنَى المُوجِبِ للحدِّ، وهَتْكِ العِرْضِ، وسَواءٌ عَلِم بحاجَتِه بقولِه أو بغيرِ قولِه، وسَواءٌ كانت حاجَتُه إلى الاسْتِمْتاعِ أو إلى الخِدْمَةِ، فيُزَوجُه امرأةً لتَحِلَّ له؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى الخَلْوَةِ بها.
وإن لم يَكُنْ به حاجَةٌ إليه، لم يَجُزْ تَزْويجُه؛ لأنَّه تَلْزَمُه بالنِّكاحِ حُقُوقٌ؛ مِن المَهْرِ، والنفقةِ، والعِشْرَةِ، والمَبِيتِ، والسُّكْنَى، فيكونُ تَضْيِيعًا لمالِه ونَفْسِه في غيرِ فائدةٍ، فلم يَجُزْ، كتَبْذِيرِ مالِه.
وإذا أرادَ تَزْويجَه اسْتَأْذَنَه في تَزْويجه، فإن زَوَّجَه بغيرِ إذْنِه فقال أصحابُنا: يَصِحُّ؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فمَلَكَه الوَلِيُّ في حَقِّ المُوَلَّى عليه، كالبَيعِ، ولأنَّه مَحْجُوزٌ عليه، أشْبَهَ الصغيرَ والمجْنونَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ تَزْويجَه بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّه يَمْلِكُ الطَّلاقَ، فلم يُجْبَرْ على النِّكاحِ، كالرَّشِيدِ والعَبْدِ الكبيرِ، وذلك لأنَّ إجْبارَه على النِّكاحِ مع مِلْكِ الطَّلاقِ مُجَرَّدُ إضْرارٍ، فإنَّه يُطَلِّقُ فيَلْزَمُه الصَّداقُ مع فَواتِ النِّكاحِ، ولأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في امْرَأةٍ، ولا يكونُ له في أُخْرِى، فإذا أُجْبرَ على مَن يَكْرَهُها لم تَحْصُلْ له المصلحةُ منها، وفاتَ عليه غرَضُه مِن الأخَرَى، فيَحْصُلُ مُجَرّدُ ضَرَرٍ مُسْتَغْنًى عنه.
وإنَّما جازَ ذلك في حَقِّ المَجْنُونِ والطفْلِ، لعَدَمِ إمْكانِ الوُصُولِ إلى ذلك مِن قولِهما، ولا يَتَعَذَّرُ ذلك ههُنا، فوَجَبَ
..................................
أن لا يُفَوِّتَ ذلك عليه، كالرَّشِيدِ.
الحالُ الثاني، أنَّ للوَلِيِّ أن يَأْذَنَ له في التَّزْويجِ في الحالِ التي للوَلِيِّ تَزْويجُه فيها، وهي حالةُ الحاجَةِ؛ لأنَّه مِن أهلَ النِّكاحِ، فإنَّه عاقِلٌ مُكَلَّفٌ، ولذلك 1 يَمْلِكُ الطَّلاقَ والخُلْعَ، فجازَ أن يُفَوِّضَ إليه ذلك، وهو مُخَيَّرٌ بينَ أن يُعَيِّنَ له المرأةَ أو يَأْذَنَ له مُطْلَقًا.
وقال بغضُ الشافعيةِ: يَحْتاجُ إلى التَّعْيينِ له؛ لئلَّا يَتَزَوَّجَ شَرِيفَةً يَكْثُرُ مَهْرُها ونَفَقَتُها، فيَتَضَرَّرُ بذلك.
ولَنا، أَنَّه أذِنَ في النِّكاحِ، فجازَ مِن غيرِ تَعْيِينٍ، كالإِذْنِ للعَبْدِ، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه.
ولا يَتَزَوَّجُ إلَّا بمَهْرِ المِثْلِ، فإن زادَ على مَهْرِ المِثْلِ، بَطَلَتِ الزِّيادَةُ، لأنَّها مُحاباةٌ بمالِه، وهو لا يَمْلِكُها.
وإن نَقَص عن مَهْرِ المِثْلِ، جازَ؛ لأنَّه رِبْحٌ 2 مِن غيرِ خُسْرانٍ.
الحالُ الثالثُ، إذا تَزَوَّجَ بغيرِ إذْنٍ، فقال أبو بكرٍ: يَصِحُّ النِّكاحُ، أوْمَأ إليه أحمدُ.
قال القاضي: يَعْنِي إذا كان مُحْتاجًا، فإن عُدِمَتِ الحاجَةُ لم يَجُزْ، لأنَّه إتْلافٌ لمالِه في غيرِ فائدةٍ.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: إن أمْكَنَه اسْتِئْذانُ وَلِيِّه لم يَصِحَّ إلَّا بإذْنِه؛ لأنَّه مَحْجُورٌ عليه، فلم يَصِحَّ منه التَّصَرُّفُ بغيرِ إذْنِه، كالعَبْدِ، وإن طَلَب منه النِّكاحَ، فأبَى أن يُزَوِّجَه، ففيه وَجْهان.
ولَنا، أنَّه إذا احْتاجَ إلى النِّكاحِ فحَقه مُتَعَيِّنٌ فيه، فصَحَّ اسْتِيفاؤُه بنفسِه، كما لو اسْتَوْفَى دَينَه الحالَّ عندَ امْتِناعِ وَلِيِّه مِن اسْتِيفائِه.
فأمَّا إن تَزَوَّجَ مِن غيرِ حاجةٍ، لم يَصِحَّ، فإن وَطِئَ، فعليه مَهْرُ المِثْلِ للزوْجَةِ؛ لأنَّه أتْلَفَ بُضْعَها بشُبْهَةٍ، فلَزِمَه عِوَضُ
فَصْلٌ: الثَّالِثُ، الْوَلِيُّ، فَلَا نِكَاحَ إلا بِوَلِيٍّ، فَإِنْ زَوَّجَتِ الْمَرأَةُ نَفْسَهَا أَوْ غَيرَهَا، لَمْ يَصِحَّ.
ما أتْلَفَ، كإتْلافِ مالِها.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ اللهُ عنه: (الثَّالِثُ، الوَلِيُّ، فلا نِكاحَ إلَّا بوَلِيٍّ، فإن زَوَّجَتِ المرأةُ نَفْسَها أو غيرَها، لم يَصِحَّ) ولا تَمْلِكُ تَوْكِيلَ غيرِ وَلِيِّهَا [في تَزْويجِها] 1، فإن فَعَلَتْ، لم يَصِحَّ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عبّاس، وأبي هُرَيرَةَ، وعائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وإليه ذَهَب سعيدُ بنُ المُسَيَّب، والحسنُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وجابِرُ بنُ زيدٍ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أَبى ليلَى، وابنُ شُبْرُمَةَ، وابنُ المباركِ، وعُبَيدُ 2 اللهِ العَنْبَرِيُّ، [والشافعيُّ] (1)، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ.
ورُوِيَ عنِ ابنِ سِيرِينَ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، والحسنِ بنِ صالحٍ، وأبي يوسف، لا يَجُوزُ لها ذلك بغيرِ إذْنِ الوَلِيِّ، فإن فَعَلَتْ كان مَوْقُوفًا على إجازَتِه.
وقال أبو حنيفةَ: لها أن تُزَوِّجَ نَفْسَها وغيرَها، وتُوَكِّلَ في النِّكاحِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ﴾ 3. أضافَ النِّكاحَ إليهِنَّ، ونَهَى عن مَنْعِهِنَّ منه 4، ولأنَّه خالِصُ حَقِّها، وهي مِن أهلِ
..................................
المُباشَرَةِ، فصَحَّ منها، كبَيعِ أمَتِها، ولأنَّها إذا مَلَكَتْ بَيعَ أَمتِها، وهو تَصَرُّفٌ في رَقَبَتِها وسائِرِ مَنافِعِها، ففي النِّكاحِ الذي هو عَقدٌ على بعضِ نَفْعِها أوْلَى.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ».
رَوَتْه عائشةُ، وأبو مُوسى، وابنُ عباسٍ 1. قال المَرُّوذِيُّ: سَألْتُ أحمدَ ويَحْيَى عن حديثِ: «لَا نِكَاحَ إلَّا بِوَلِيٍّ».
فقالا: صَحِيحٌ.
ورُوِيَ عن عائشةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أَيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ بَاطِلٌ بَاطِلٌ، فَإنْ أَصابَهَا فَلَهَا 2 المَهْرُ بِمَا اسْتَحَلَّ مِنْ فَرْجِهَا، فَإِنِ اشْتَجَرُوا فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَلِيَّ لَهُ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وغيرُهما 3. فإن قِيلَ: فإنَّ الزُّهْرِيَّ راويه 4، وقد أنْكَرَه.
[قال ابنُ جُرَيجٍ: سَألْتُ الزُّهْرِيَّ عنه فلم يَعْرِفْه.
قُلْنا: لم يَنْقُلْ هذا عن ابنِ جُرَيجٍ غيرُ ابنِ عُلَيَّةَ، كذلك] 5 قال الإِمامُ أحمدُ ويَحيى،
..................................
ولو ثَبَت 1 هذا، لم يَكُنْ فيه حُجَّةٌ، لأنَّه قد نَقَلَه ثِقاتٌ عنه، فلو نَسِيَه الزُّهْرِيُّ لم يُضِرْه، لأنَّ النِّسْيانَ لم يُعْصمْ منه إنْسانٌ، قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «نَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ» 2. ولأنَّها مُولًّى عليها في النِّكاحِ، فلا تَلِيهِ، كالصَّغيرةِ.
فأمَّا الآيَةُ، فإنَّ عَضْلَها الامْتِناعُ مِن تَزْويجِها، وهذا يَدُلُّ على أنَّ نِكاحَها إلى الوَلِيِّ، و 3 يَدُلُّ عليه 4 أنَّها نزَلَتْ في شَأْنِ مَعْقِلِ بنِ يَسارٍ حينَ امْتَنَعَ مِن تَزْويجِ أختِه 5، فدَعاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - فزَوَّجَها 6. وأضافَه إليها لأنَّها مَحَلٌّ له.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يَجُوزُ لها تَزْويجُ أحدٍ 7.
وَعَنْهُ، لَهَا تَزْويجُ أَمَتِهَا وَمُعْتَقَتِهَا.
فَيُخَرَّجُ مِنْهُ صِحَّةُ تَزْويجِ نَفْسِهَا بِإِذْنِ وَلِيِّهَا، وَتَزْويجِ غَيرِهَا بِالْوَكَالةِ.
وَالْأَوَّلُ الْمَذْهَبُ.
3100 - مسألة: (وعن أحمدَ)
أنَّ (لها تَزْويجَ أمَتِها ومُعْتَقَتِها) وهذا يَدُلُّ على أنَّه تَصِحُّ عِبارَتُها 1 في النِّكاحِ (فيُخرَّجُ منه) أنَّ لها (تَزْويجَ نَفْسِها بإذْنِ وَلِيِّها، وغيرِها بالوَكالةِ) وهو مذهبُ 2 محمدِ بن الحسنِ.
ويَنْبَغِي أن يكونَ قوْلًا لابنِ سِيرينَ ومَن معه؛ لأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ».
يَدُلُّ بمَفْهُومِه على صِحَّتِه بإذْنِه.
ولأنَّها 3 إنَّما مُنِعَت الاسْتِقْلال بالنِّكاحِ لِقُصُورِ عَقْلِها، فلا يُؤْمَنُ انْخِداعُها ووُقُوعُه منها على وَجْهِ المَفْسَدَةِ، وهذا مَأْمُونٌ فيما إذا أذِنَ فيه وَلِيُّها (والمذهبُ الأوَّلُ) لعمومِ قولِه: «لَا نِكَاحَ إلَّا بوَلِيٍّ».
وهذا يُقَدَّمُ على دليلِ الخِطابِ،
.................................. والتَّخْصِيصُ ههُنا خَرَج مَخْرَجَ الغالِبِ، فإنَّ الغالِبَ أنَّها لا تُزَوِّجُ نَفْسَها إلَّا بغيرِ إذْنِ وَلِيِّها، والعِلَّةُ في مَنْعِها صِيانَتُها عن مُباشَرَةِ ما يُشْعِرُ بوَقاحَتِها ورُعُونَتِها 1 ومَيلِها إلى الرِّجالِ، وذلك يُنافِي حال أهلِ 2 الصِّيانَةِ والمُرُوءَةِ.
..................................
فصل: فإن حَكَمَ بصِحَّةِ هذا العَقْدِ حاكِمٌ، أو كان المُتَوَلِّي لعَقْدِه حاكِمًا، لم يَجُزْ نَقْضُه، وكذلك سائِرُ الأنْكِحَةِ الفاسدةِ.
وخَرَّجَ القاضي وَجْهًا في هذا خاصَّةً أنَّه يُنْقَضُ.
وهو قولُ الإِصْطَخْرِيِّ مِن أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه خالفَ نَصًّا.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّها مَسألةٌ مُخْتَلَفٌ فيها، ويَسُوغُ فيها الاجْتِهادُ، فلم يَجُزْ نَقْضُ الحُكْمِ به، كما لو حَكَمَ بالشُّفْعَةِ للجارِ، وهذا النَّصُّ مُتَأَوَّلٌ، وفي صِحتِه كلامٌ، وقد عارَضَتْه ظواهِرُ.
وَأحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ الْمَرأَةِ الْحُرَّةِ أَبُوهَا،
3101 - مسألة: (وأحَقُّ النَّاسِ بِنِكَاحِ المرأةِ الحُرَّةِ أبُوها)
إنَّما قَيَّدَ المرأةَ بالحريَّةِ 1؛ لأنَّ الأمَةَ لا ولايةَ لأبِيها عليها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
وأوْلَى النَّاسِ بتَزْويجِها أبُوها؛ لأنَّه 2 لا ولايَةَ لأحَدٍ معه.
وبهذا قال
..................................
الشافعيُّ.
وهو المَشْهُورُ عن أبي حنيفةَ.
وقال مالكٌ، والعَنْبَرِيُّ، وأبو يوسفَ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: الابنُ أَوْلَى.
وهي رِوايَةٌ عن أبي حنيفةَ؛ لأنَّه أوْلَى منه بالمِيرَاثِ، وأقْوَى تَعْصِيبًا؛ لأنَّه يُسْقِطُ تَعْصِيبَ جَدِّه.
ولَنا، أنَّ الوَلَدَ مَوْهُوبٌ لأبِيه، قال اللهُ تعالى: ﴿وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى﴾ 1. وقال زَكَرِيَّا: ﴿رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً﴾ 2. وقال إبراهيمُ: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ﴾ 3. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أَنْتَ وَمَالُكَ لأَبيكَ» 4. وإثْباتُ ولايَةِ المَوْهُوبِ له 5 على الهِبَةِ أوْلَى مِن العَكْسِ، ولأنَّ الأبَ أكْمَلُ نَظرًا، وأشَدُّ شَفَقَةً، فوَجَبَ تَقْدِيمُه في الولايَةِ، كتَقْدِيمِه على الجَدِّ، ولأنَّ الأبَ يَقُومُ على وَلَدِه في صِغَرِه وسَفَهِه وجُنُونِه، فَيَلِيه في سائِرِ ما تَثْبُتُ الولايَةُ عليه فيه، بخِلافِ الابنَ، ولذلك اخْتَصَّ بولايةِ المالِ، وجازَ له أن يَشْتَرِيَ لها مِن مالِه، وله مِن مالِها، إذا كانت صغيرةً، بخِلافِ غيرِه، ولأنَّ الولايَةَ احْتِكامٌ، وإحْكامُ الأصْلِ على فَرْعِه أَوْلَى مِن العَكْسِ، وفارَقَ المِيراثَ، فإنَّه لا يُعْتبَرُ له النَّظرُ، ولهذا يَرِثُ الصَّبِيُّ والمجْنُونُ، وليس فيه احْتِكامٌ ولا ولايةٌ على المَوْرُوثِ، بخِلافِ مما نحنُ فيه.
ثُمَّ أَبُوهُ وَإِنْ عَلا،
3102 - مسألة: (ثم أبُوه وإن عَلَا)
يَعْنِي أنَّ الجَدَّ أبَا الأبِ، وإن عَلَتْ دَرَجَتُه، أحَقُّ بالولايةِ مِن الابنِ وسائِرِ الأوْلِياءِ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ الابنَ مُقَدَّمٌ على الجَدِّ.
وهو قولُ مالكٍ ومَن وافَقَه؛ لما تَقَدَّمَ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ ثالثةٌ، أنَّ الأخَ مُقَدَّمٌ على الجَدِّ؛ لأنَّ الجَدَّ يُدْلِي بأُبُوَّةِ الأبِ، والأخَ يُدْلِي بالبُنُوَّةِ، والبُنُوَّة مُقَدَّمَةٌ.
وعنه رِوايةٌ رابعةٌ، أنَّ الأخَ والجَدَّ سَواءٌ؛ لاسْتِوائِهما في المِيرَاثِ بالتَّعْصِيبِ، واسْتِواؤُهُما في القَرابَةِ يُوجِبُ اسْتِواءَهما في الولَايةِ، كالأخَوَين، ولأنَّهما عَصَبَتانِ لا يُسْقِطُ أحَدُهما الآخَرَ، فاسْتَوَيا في الولايةِ، كالأخوَين.
ولَنا، أنَّ الجَدَّ له إيلادٌ وتَعْصِيبٌ، فيُقَدَّمُ عليهما، كالأبِ، ولأنَّ الابنَ والأخَ يُقادان بها، والأخَ يُقْطَعُ بسَرِقَةِ مالِها، بخِلافِ الجَدِّ، والجَدُّ لا يَسْقُطُ في المِيراثِ إلَّا بالأب، والأخُ يَسْقُطُ به وبالابنِ وابْنِه، وإذا ضاقَ المالُ وفي المسألةِ جَدٌّ وأَخٌ، سَقَط الأخُ وحدَه، فوَجَبَ تَقْدِيمُه عليهما، كالأبِ، وكتَقْدِيمِه على العَمِّ وسائِرِ العَصَباتِ.
إذا ثَبَت هذا، فالجَدُّ وإن عَلَا أوْلَى مِن جميعِ العَصَباتِ غيرَ الأبِ، وأوْلَى الأجْدادِ أقْرَبُهم، كالجَدِّ مع الأبِ.
ثُمَّ ابْنُهَا، ثُمَّ ابْنُهُ وَإِنْ نزَلَ،
3103 - مسألة: (ثم ابْنُها، ثم ابْنُه وإن سَفَل)
متى عُدِمَ الأبُ وآبَاؤُه، فأوْلَى النَّاسِ بتَزْويجِ المرأةِ ابْنُها، ثم ابْنُه بعدَه وإن نَزَلَتْ دَرَجَتُه، الأقْرَبُ فالأقْرَبُ منهم.
وبه قال أصحابُ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: لا ولايةَ للابْنِ إلا أن يكونَ ابْنَ عَم أو مَوْلًى أو حاكِمًا، فيَلِي بذلك لا بالبُنُوَّةِ، لأنَّه ليس بمُنَاسبٍ لها، فلا يَلِي نِكاحَها كخالِها 1، ولأنَّ طَبْعَه يَنْفِرُ مِن تَزْويجِها، فلا يَنْظُرُ لها.
ولَنا، ما رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ، أنَّها لمَّا انْقَضَتْ عِدَّتُها، أرْسَلَ لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَخْطُبُها فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، ليس أحَدٌ مِن أوْلِيَائِي شاهِدًا.
قال: «لَيسَ مِنْ أوْلِيَائِكِ شَاهِدٌ وَلَا غَائِبٌ يَكْرَهُ ذلِكَ».
فقالتْ: قُمْ يا عُمَرُ 2 فزَوِّجْ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -. فزَوَّجَه.
رَواه النَّسَائِي 3. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: فحديثُ عُمَرَ بنِ أبي سَلَمَةَ حين زَوَّجَ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَّه أُمَّ سَلَمَةَ، أليس كان صغيرًا؟ قال: ومَن يقولُ كان صغيرًا، ليس فيه بَيان.
[ولأنَّه] 4 عَدْلٌ مِن عَصَباتِها، فيَثْبُتُ له ولايَةُ
ثُمَّ أَخُوهَا لِأَبَوَيهَا، ثُمَّ لِأَبِيهَا.
تَزْويجِها، كأخِيها.
وقولُهم: ليس بمُناسبٍ لها.
مَمْنُوعٌ، وإن سُلِّمَ فهو يَبْطُلُ بالحاكِمِ (1) والمَوْلَى.
وقولُهم: إنَّ طَبْعَه يَنْفرُ مِن تزْويجِها.
قُلنا: هذا مُعارضٌ في الفَرْعِ ليس له أصْلٌ، ثم يَبْطُلُ بما إذا كان ابْنَ عَمٍّ أو مَوْلًى أو حاكِمًا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُقَدَّمُ على الأخِ ومَن بعدَه، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه عندَ مَن يقولُ بولايَتِه؛ لأنَّه أقْوَى منه تَعْصِيبًا، وقد اسْتَوَيَا في عَدَمِ الإِيلَادِ.
3104 -
مسألة: (ثُم أخوها لأبَوَيها، ثم لأبيها)
لا خِلافَ فِي تَقْديمِ الأخِ بعدَ عَمُودَي النَّسَبِ؛ لكَوْنِه أقْرَبَ العَصَباتِ بعدَهم، فإنَّه ابْنُ الأبِ، وأقْواهم تَعْصِيبًا، وأحَقُّهم بالمِيرَاثِ.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في الأخِ [للأبَوَين والأخِ] 2 للأبِ إذا اجْتَمَعَا، فعنه، أنَّهما سَواءً.
اخْتارَها الخِرَقِيُّ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، والشافعيُّ في القديمِ؛ لأنَّهما اسْتَوَيَا في الإِدْلاءِ بالجِهَةِ التي تُسْتَفادُ بها العُصُوبَةُ، وهي جِهَةُ الأبِ، فاسْتَوَيا في الولايةِ، كما لو كانا مِن أبٍ، وإنَّما رُجِّحَ الآخَرُ 3 في المِيرَاثِ بجِهَةِ الأمِّ، ولا مَدْخَلَ لها في الولايَةِ، فلم يُرَجَّحْ بها، كالعَمَّين أحدُهما خالٌ، وابْنَيْ عَمٍّ أحَدُهما أخٌ مِن أُمٍّ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، الأخُ مِن الأبوَين أوْلَى.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ،1
وَعَنْهُ تَقْدِيمُ الابْنِ عَلَى الْجَدِّ، وَالتَّسْويَةُ بَينَ الْجَدِّ وَالْأخِ، وَبَينَ الْأَخِ لِلْأبَوَينَ وَالْأخِ لِلْأَبِ.
والشافعيِّ.
وهو الصَّحِيحُ، إن شاءَ الله تعالى؛ لأنَّه حَقٌّ يُسْتَفادُ بالتَّعْصِيبِ، فيُقَدَّمُ فيه الأخُ مِن الأبوَين، كالمِيراثِ، وكاسْتِحْقاقِ المِيراثِ بالوَلاءِ، فإنَّه لا مَدْخَلَ للنِّساءِ فيه، وقد قُدَّمَ الأخُ للأبَوَين فيه.
وبهذا يَبْطُلُ ما ذُكِرَ للرِّوايةِ (1) الأُولَى.
وهكذا الخِلافُ في بَنِي الإِخْوَةِ والأعْمامِ وبَنِيهم.
وأمَّا إذا كان ابْنَا عَم لأبٍ أحَدُهما أخٌ لأُمٍّ، فهما سَواءٌ؛ لأنَّهما اسْتَوَيا في التَّعْصِيبِ والإِرْثِ به.
وقال القاضي: فيهما مِن الخِلافِ مثلُ ما في ابْنِ عَمٍّ مِن أبَوَينِ وابن عَمٍّ مِن أبٍ؛ لأنَّه يُرَجَّحُ بجهةِ (2) أُمِّه.
وليس كذلك؛ لأنَّ جِهَةَ أُمِّه يَرِثُ بها مُنْفَرِدَةً، وما وَرِث بها مُنْفَرِدًا لم يُرَجَّحْ به، ولذلك (3) لم يُرَجَّحْ به في المِيراثِ بالوَلاءِ ولا في غيرِه.
فعلى هذا، إذا اجْتَمَعَ ابنُ عمٍّ مِن أبوَين وابْنُ عمٍّ مِن أبٍ هو أخٌ مِن أمٍّ، فالولايَةُ لابنِ العَمِّ مِن الأبوَين عندَ مَن يَرَى تَقْدِيمَ وَلَدِ الأبوَين.
3105 -
مسألة: (وعنه تَقْدِيمُ الابْنِ على الجَدِّ، والتَّسْويَةُ بينَ الجَدِّ والإِخْوَةِ، وبينَ الأخِ للأبَوَين والأخِ للأبِ)
وقد ذَكَرْناه.123
ثُمَّ بَنُو الإخْوَةِ وَإنْ سَفَلُوا، ثُمَّ الْعَمُّ، ثُمَّ ابْنُهُ، ثُمَّ الْأقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ مِنَ الْعَصَبَاتِ، عَلَى تَرْتِيبِ الْمِيرَاثِ.
3106 - مسألة: (ثم بَنُو الإِخْوَةِ وإن سَفَلُوا، ثم العَمُّ، ثم ابْنُه، ثُم الأقْرَبُ فالأقْرَبُ مِن العَصَباتِ، على تَرْتِيبِ المِيرَاثِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الولايةَ بعدَ الإِخْوَةِ تَتَرَتَّبُ على تَرْتِيبِ المِيراثِ بالتَّعْصِيبِ، فأحَقُّهم بالمِيراثِ أحَقُّهم بالولايةِ، فبعدَ الإِخْوَةِ بَنُوهم وإن سَفَلُوا، ثم بَنُو الجَدِّ وهم الأعمامُ 1، ثم بَنُوهم وإن سَفَلُوا، [ثم بنو جَدِّ الأبِ وهم أعمَامُ الأبِ، ثم بَنُوهم وإن سَفَلُوا] 2، [ثم بَنُو جَدِّ الجَدِّ، ثم بَنُوهِم] 3، وعلى هذا، لا يَلي بَنُو أبٍ أَعْلَى مع 4 بَنِي أبٍ أقْرَبَ منه وإن نزَلَتْ دَرَجَتُهم، وأَوْلَى وَلَدِ كُلِّ أبٍ أقْرَبُهم إليه؛ لأنَّ مَبْنَى الولايَةِ على النَّظَرِ والشَّفَقَةِ، وذلك مُعْتَبَرٌ بمَظِنَّتِه، وهي القَرابَةُ، فأقْرَبُهم أشْفَقُهم.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ.
ثُمَّ الْمَوْلَى الْمُنْعِمُ، ثُمَّ عَصَبَاتُهُ مِنْ بَعْدِهِ، الأَقْرَبُ فَالْأَقْرَبُ، ثُمَّ
فصل: ولا ولايةَ لغيرِ العَصَباتِ مِن الأقارِب؛ كالأخِ مِن الأمِّ، والخالِ، وعَمِّ الأمِّ، وأبي الأُمِّ، ونحوهم.
نَصَّ عليه الإِمامُ أحمدُ في مَواضِعَ.
وهو قولُ الشافعيِّ، وإحْدَى الرِّوايَتَين عن أبي حنيفةَ.
والثانيةُ، أنَّ كلَّ مَن يَرِثُ بفَرْضٍ أو تَعْصِيبٍ يَلِي؛ لأنَّه يَرِثُها، فولِيَها كعَصَبَاتِها.
ولَنا، ما رُوِيَ عن علي، رَضِيَ الله عنه، أنَّه إذا بَلَغ النِّساءُ نَصَّ الْحَقَائقِ، فالعَصَبَةُ أوْلَى.
يَعْنِي إذا أدْرَكْنَ.
رَواه أبو عُبَيدٍ في «الغريبِ» (1). ولأنَّه ليس مِن عَصَباتِها، أشْبَهَ الأجْنَبِيَّ.
3107 -
مسألة: (ثم المَوْلَى المُنْعِمُ، ثم عَصَباتُه مِن بعدِه،
1
السُّلْطَانُ.
الأقْرَبُ فالأقْرَبُ، ثم السُّلْطانُ) إذا لم يَكُنْ للمرأةِ عَصَبَةٌ مِن نَسَبِها، فوَلِيُّها مَولاها يُزَوِّجُها، ولا نَعْلَمُ خِلافًا في أنَّ العَصَبَةَ المُناسِبَةَ أوْلَى منه، وذلك لأنَّه عَصَبَةُ مَوْلاتِه، يَرِثُها ويَعْقِلُ عنها عندَ عَدَم عَصَباتِها، فكذلك يُزَوِّجُها، وقُدِّمَ عليه المُناسِبُونَ كما قُدِّموا عليه في الإِرْثِ والعَقْلِ.
فإن عُدِمَ المَوْلَى أو لم يَكُنْ مِن أهلِ الولايَةِ، كالمرأةِ والطِّفْلِ والكافرِ، فعَصباتُه الأقْرَبُ منهم فالأقْرَبُ، على تَرْتيبِ المِيراثِ، ثم مَوْلَى المَوْلَى، ثم عَصَباتُه مِن بعدِه، كالمِيراثِ سَواءً.
فإنِ اجْتَمَعَ ابنُ المُعْتِقِ وأبُوه، فالابنُ أوْلَى، لأنَّه أحَقُّ بالميراثِ وأقْوَى [في التَّعْصِيبِ] 1، وإنَّما قُدِّمَ الأبُ المُناسِبُ على الابنِ المُناسِبِ، لزِيادَةِ شَفَقَتِه وفَضِيلَةِ ولادَتِه، وهذا مَعْدُومٌ في أبي المُعْتِقِ، فرُجِعَ فيه إلى الأصْلِ.
(ثم السُّلْطانُ) لا نعلمُ خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ في أنَّ للسُّلْطانِ ولايةَ تَزْويجِ المرأةِ عندَ عَدَمِ
..................................
أوْلِيائِهَا أو عَضْلِهم.
وبه يقولُ مالكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
والأصْلُ فيه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَالسُّلْطَانُ وَلِيُّ مَنْ لَا وَليَّ لَهُ» 1. وروَى أبو داودَ 2 بإسْنادِه عن أمِّ حَبِيبَةَ، أنَّ النَّجاشِيَّ زَوَّجَها رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم -، وكانت عندَه.
ولأنَّ للسُّلْطانِ ولايةً عامَّةً، بدليلِ أنَّه يَلِي المال ويَحْفَظُ الضَّوَالَّ، فكانت له الولايةُ في النِّكاحِ كالأبِ.
فصل: والسُّلطانُ ههُنا هو الإِمامُ، أو الحاكِمُ، أو مَن فَوَّضَا 3 إليه ذلك.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ في والِي البَلَدِ، فقال في مَوْضِع: يُزَوِّجُ وَالِي البلدِ.
وقال في الرُّسْتَاقِ 4 يكونُ فيه الوالِي وليس فيه قاضٍ، قال: يُزَوِّجُ إذا احْتاطَ لها في المَهْرِ والكُفْءِ، أرجو أن لا يكونَ به بَأْسٌ؛ لأنَّه ذو سلطانٍ، فيَدْخُلُ في عُمومِ الحديثِ.
وقال في موضِعٍ آخَرَ، في المرأةِ إذا لم يَكُنْ لها وَلِيٌّ: فالسلطانُ المُسَلَّطُ على الشيءِ 5؛ القاضِي
..................................
يَقْضِي في الفُرُوجِ والحُدُودِ والرَّجْمِ، وصاحِبُ الشُّرْطَةِ إنَّما هو مُسَلَّطٌ في الأدَبِ والجِنَايَةِ 1. وقال: ما للوالِي وذَا! إنَّما هو إلى القاضي.
وتَأَوَّلَ القاضي الرِّوايَةَ الأُولَى على أنَّ الوالِي أذِنَ له في التَّزْويجِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه جَعَل له ذلك إذا لم يَكُنْ في مَوْضِعِ ولايَتِه قاضٍ، فكأنَّه قد فَوَّضَ إليه النَّظَرَ فيما يَحْتاجُ إليه في ولايَتِه، وهذا منها.
فصل: إذا اسْتَوْلَى أهلُ البَغْي على بَلَدٍ، جَرَى حُكْمُ سُلْطانِهم وقَاضِيهم في ذلك مَجْرَى الإِمامِ وقاضِيه؛ لأنَّه أُجْرِىَ مُجْراه في قَبْضِ الصَّدَقاتِ و 2 الجِزْيَةِ والخَراجِ، فكذلك في هذا.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في المرأةِ تُسْلِمُ على يَدِ رجلٍ، فقال في مَوْضِعٍ: لا يكونُ وَلِيًّا لها، ولا يُزَوجُ حتى يَأْتِيَ السُّلطان؛ لأنَّه ليس مِن عَصَبَتِها، ولا يَعْقِلُ عنها، ولا يَرِثُها، فأشْبَهَ الأجنبيَّ.
وقال في روايةِ حَرْبٍ، في امرأةٍ أسْلَمَتْ على يَدِ رَجُلٍ: يُزَوِّجُها هو.
وهو قولُ إسْحاقَ.
ورُوِيَ عن ابنِ سِيرِينَ أنَّه لا يَفْعَل 3 ذلك حتى يَأْتِيَ السُّلطانَ.
وعن الحسنِ أنَّه كان لا يَرَى بَأْسًا في أن يُزَوِّجَها نَفْسَه؛ وذلك لِما روَى أبو
..................................
داودَ 1 بإسْنادِه عن تَمِيمٍ الدَّارِيِّ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، ما السُّنَّةُ في الرَّجُلِ يُسْلِمُ على يَدِ الرَّجُلِ مِن المسلمينَ؟ قال: «هو أوْلَى النَّاسِ بِمَحْيَاهُ وَمَمَاتِهِ».
إلَّا أنَّ هذا الحديث ضَعَّفَه أحمدُ، وقال: رِوَاية عبدِ العزيزِ 2 -يعني ابْنَ عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ- وليس هو مِن أهْلِ الحِفْظِ والإِتْقانِ.
فصل: فإن لم يُوجَدْ للمرأةِ وَلِيٌّ ولا ذو 3 سلطانٍ، فعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّه يُزَوِّجُها رجلٌ عَدْلٌ بإذْنِها، فإنَّه قال في دُهْقانِ 4 قَرْيَةٍ: يُزَوِّجُ مَن لا وَلِيَّ لها إذا احْتاطَ لها في الكُفْءِ والمَهْرِ، إذا لم يَكُنْ في الرُّسْتاقِ قاضٍ.
قال ابنُ عَقِيل: أخذ قومٌ مِن أصْحابِنا مِن هذه الرِّوايةِ أنَّ النِّكاحَ لا يَقِفُ على وَلِيٍّ.
قال: وقال القاضي: نُصُوصُ أحمدَ تَمْنَعُ مِن ذلك.
فَأَمَّا الْأَمَةُ، فَوَلِيُّهَا سَيِّدُهَا،
فَإِنْ كَانَتْ لِامْرأَةٍ، فَوَلِيُّهَا وَلِيُّ سَيِّدَتِهَا، وَلَا يُزَوِّجُهَا إلا بِإِذْنِهَا.
قال شيخُنا (1): والصَّحيحُ أنَّ هذا (2) القَوْلَ [مُخْتَصٌّ بحالِ] (3) عَدَمِ الوَلِيِّ والسلطانِ، لأنَّه شَرَط أنْ لا يكونَ في الرُّسْتاقِ قاضٍ.
[ووَجْهُ ذلك] (4) أنَّ اشْتِراطَ الوَلِيِّ ههُنا يَمْنَعُ النِّكاحَ بالكُلِّيَّةِ، فلم يَجُزْ، كاشْتِراطِ المُناسِبِ في حَقِّ مَن لا مُناسِبَ لها.
ورُوِيَ عنه أنَّه لا يَجُوزُ النِّكاحُ إلَّا بوَلِيٍّ، لعُمُومِ الأخْبارِ فيه.
3108 -
مسألة: (ووَلِيُّ الأمَةِ سَيِّدُها)
إذا كان مِن أهْلِ ولايَةِ التَّزْويجِ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، لأنَّه مالِكُها، وله التَّصَرُّفُ في رَقَبَتِها بالبَيعِ، ففي التَّزْويجِ أوْلَى، [وقد ذَكَرْنا ذلك] (5).
3109 -
مسألة: (فإن كانت لامرأةٍ، فَوَلِيُّها وَلِيُّ سَيِّدَتِها، ولا
12345