..................................
ورَوى الأَثْرَمُ عن ابنِ عمرَ بإسْنادِه، أنَّه كان لا يَرَى بأْسًا أن يَتَسَرَّى العَبْدُ.
ونحوَه عن ابنِ عباسٍ 1. ولأَنَّ العَبْدَ يملكُ في النِّكاحِ، فملكَ التَّسَرِّىَ، كالحُرِّ.
وقولُهم.
إنَّ العَبْدَ لا يملِكُ المالَ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ باعَ عَبْدًا وله مَالٌ» 2. فجعَلَ المالَ له، ولأنَّه آدَمِىٌّ، فيَمْلِكُ المالَ، كالحُرِّ، وذلك لأنَّه بآدَمِيَّتِه يتَمَهَّدُ لأهْلِيَّةِ المِلْكِ، إذ 3 كان اللَّهُ تعالى خَلَقَ الأمْوالَ للآدَمِيِّينَ ليَسْتَعِينُوا بها على القِيامِ بوظائِفِ التَّكالِيفِ، وأداءِ العِباداتِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ 4. والعَبْدُ داخِلٌ في العُمُومِ، ومِن أَهْلِ التَّكاليفِ والعِباداتِ، فيكونُ أهْلًا للمِلْكِ، ولذلك 5 مَلَك في النِّكاحِ، وإذا ثَبَتَ المِلْكُ للجَنِينِ مع كَوْنِه نُطْقَةً لا حَياةَ فيها، باعْتِبارِ مآلِه إلى الآدَمِيَّةِ،
..................................
فالعَبْدُ الذى هوَ آدَمِىٌّ مُكَلَّفٌ أَوْلَى.
ولا يَجوزُ له التَّسَرِّى إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه، ولو مَلَّكَه سَيِّدُه جاريةً، لم يَكُنْ له وَطْؤُها حتىِ يأْذَنَ له 1 فيه؛ لأَنَّ مِلْكَه ناقِصٌ، ولِسَيِّدِه نَزْعُه منه متى شاءَ مِن غيرِ فسْخِ عَقْدٍ، فلم يَكُنْ له التَّصَرُّفُ فيه إلَّا بإذْنِ سَيِّدِه، فإن أذِنَ له فقال: تَسَرَّاها.
أو: أذِنْتُ لك في وَطْئِها.
أو ما دَلَّ عليه، أُبِيحَ له، وما وُلِدَ له مِن التَّسَرِّى فحُكْمُه حُكْمُ مِلْكِه؛ لأَنَّ الجارِيَةَ مَمْلُوكَةٌ له، فكذلك وَلَدُها، وإن تَسَرَّى بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، فالوَلَدُ مِلْكٌ لسَيِّدِه.
فصل: وإذا أذِنَ له السيِّدُ في أكْثَرَ مِن واحدَةٍ، فله التَّسَرِّى بما شاءَ.
..................................
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأَنَّ مَن جازَ له التَّسَرِّى، جازَ له بغيرِ حَصْرٍ، كالحُرِّ.
وإن أذِنَ له وأطْلَقَ، فله التَّسَرِّى بواحدَةٍ، وكذلك إذا أذِنَ له في التَّزْوِيجِ، لم 1 يَجُزْ أن يتَزَوَّجَ أكْثَرَ مِن واحدةٍ.
وبهذا قال أصْحابُ الرَّأْى.
وقال أبو ثَوْرٍ: إذا أذِنَ له في التَّزْوِيجِ، فعَقَدَ على اثْنَتَيْن في عَقْدٍ، جازَ.
ولَنا، أنَّ الإِذْنَ المُطْلَقَ يتَناولُ أقَلَّ ما يقعُ عليه الاسْمُ يَقِينًا، وما زادَ مَشْكُوكٌ فيه، فيَبْقَى على الأَصْلِ، كما لو أذِنَ له في طَلاقِ امْرأتِه، لم يَكُنْ له أن يُطَلِّقَ أكْثَرَ مِن طَلْقَةٍ، ولأَنَّ الزَّائِدَ على 2 الواحدةِ يَحْتَمِل أن يكونَ غيرَ مُرادٍ، فيَبْقَى على أصْلِ التَّحْريمِ، كما لو شَكَّ في أصْلِ الإذْنِ.
فصل: نقلَ محمدُ بنُ مَاهَان عن أحمدَ: لا بأْسَ للعَبْدِ أن يَتَسَرَّى إذا أذِنَ له سَيِّدُه، فإن رَجَعَ السَّيِّدُ، فليس له أن يَرْجِعَ إذا أذِنَ له مَرَّةً [وتَسَرَّى] 3. وكذلك نَقَلَ عنه إبْراهيمُ بنُ هانِئٍ، ويَعْقوبُ ابنُ بَخْتانَ، ولم أرَ عنه خِلافَ هذا، فظاهِرُه أنُّه إذا تَسَرُّى بإذْنِ السُّيِّدِ، لم يَمْلِكِ السَّيِّدُ
فَصْلٌ: وَعَلَيْهِ إِطْعَامُ بَهَائِمِهِ وَسَقْيُهَا،
الرُّجُوعَ؛ لأنَّه يَمْلِكُ به (1) البُضْعَ، فلم يَمْلِكْ سَيِّدُه فَسْخَه، قِياسًا على النِّكاحِ.
وقال القاضِى: يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالتَّسَرِّى ههُنا التَّزْوِيجَ، وسَمَّاه تَسَرِّيًا مَجازًا، ويكونُ للسَّيِّدِ الرُّجُوعُ فيما مَلَّكَ عبدَه.
وظاهِرُ كلامِ أحمدَ خِلافُ هذا، وذلك لأنَّه مَلَّكَه بُضْعًا أُبيحَ له وَطْؤُه، فلم يَمْلِكِ الرُجُوعَ فيه، كما لو زَوَّجَه.
فصل
: (وعليه إطْعامُ بَهائِمِه وسَقْيُها) و [مَن مَلَكَ بَهِيمَةً، لَزِمَه] 2 القِيامُ بها، والإِنْفاقُ عليها، وما تحتاجُ إليه، مِن عَلْفِها وسَقْيِها، أو إقامَةُ مَن يَرْعاها؛ لِمَا روَى ابنُ عمرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «عُذِّبَتِ امْرأةٌ في هِرَّةٍ حَبَسَتْها حتى ماتَتْ جُوعًا، فلا هى أطْعَمَتْها، ولا هى أَرْسَلَتْها تأْكُلُ مِن خَشاشِ الأرْضِ 3». مُتَّفَقٌ عليه 4.1
وَأنْ لَا يُحَمِّلَهَا مَا لَا تُطِيقُ، وَلَا يَحْلِبَ مِنْ لَبَنِهَا مَا يَضُرُّ بِوَلَدِهَا، وَإِنْ عَجَزَ عَنِ الإنْفَاقِ عَلَيْهَا، أُجْبِرَ عَلَى بَيْعِهَا أَوْ إِجَارَتِهَا،
4027 - مسألة: (ولا يُحَمِّلُها ما لا تُطِيقُ)
لأنَّها في مَعْنَى العَبْدِ، وقد مَنَعَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَكْلِيفَ العَبْدِ ما لا يُطيقُ، ولأَنَّ فيه تَعْذِيبًا للحيَوانِ الذى له حُرْمَة في نَفْسِه (ولا يَحْلِبُ مِن لَبنِها ما يَضُرُّ بوَلَدِها) لأَنَّ كِفايَتَه واجِبَة على مالِكِه، [ولَبَنُ أُمِّه] 1 مَخْلُوقٌ له، فأشْبَهَ ولَدَ الأمَةِ.
فإنِ امْتَنَعَ مِن 2 الإِنْفاقِ عليها، أُجْبِرَ على ذلك، فإن أبَى أو عَجَز، أُجْبِرَ على
أَوْ ذَبْحِهَا إِنْ كَانَتْ مِمَّا يُبَاحُ أَكْلُهُ.
بَيْعِها (أو ذَبْحِها، إن كانت ممَّا) يُذْبَحُ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُجْبرُه السُّلْطانُ، بل يأْمُرُه 1، كما يَأْمُرُه بالمعْرُوفِ ويَنْهاه عن المُنْكَرِ؛ لأنَّ البَهِيمَةَ لا يَثْبُتُ لها حَقٌّ مِن جِهَةِ الحُكْمِ، ألَا تَرَى أنَّه لا 2 يَصِحُّ منها الدَّعْوَى، ولا يُنْصَبُ عنها خَصْمٌ، فصارَتْ كالزَّرْعِ والشَّجَرِ.
ولَنا، أنَّها نَفقةُ حَيوانٍ واجِبَةٌ عليه، فكان للسُّلْطانِ إجْبارُه عليها، كنَفَقةِ العَبِيدِ.
فإن عَجَزَ عن الإنْفاقِ، وامْتَنَعَ مِن البَيْعِ، بِيعَتْ عليه، كما يُباعُ العَبْدُ إذا طَلَبَ البَيْعَ عندَ إعْسارِ سَيِّدِه بنَفَقَتِه، وكما يُفْسَخُ نِكاحُه إذا أعْسَرَ بنَفَقَةِ امرأتِه.
فإن عَطِبَتِ البَهِيمَةُ فلم يَنْتَفِعْ بها؛ فإن كانت ممَّا لا يُؤْكَلُ، أُجْبِرَ على الإِنْفاقِ عليها، كالعَبْدِ الزَّمِنِ، وإن كانتْ ممَّا يُؤْكَلُ، خُيِّرَ بينَ ذَبْحِها والإنْفاقِ عليها، على ما ذكَرْناه.
واللَّهُ تعالى أعلمُ.
بَابُ الْحَضَانَةِ
بابُ الحَضانةِ [كفالةُ الطِّفْلِ] 1 وحَضانَتُه واجبةٌ؛ لأنَّه يَهْلِكُ بتَرْكِه، فيَجِبُ حِفْظُه عن الهلاكِ، كما يجبُ الإِنفاقُ عليه، وِإنْجاؤُه مِن المَهالِكِ.
أَحَقُّ النَّاسِ بِحَضَانَةِ الطِّفْلِ وَالْمَعْتُوهِ أُمُّهُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهَا الْأَقْرَبُ فَالْأَقرَبُ،
4028 - مسألة: و (أحقُّ النَّاسِ بحَضانةِ الطِّفْلِ والمَعْتُوهِ أُمُّه، ثم أُمَّهاتُها الأقْربُ فالأقْربُ)
إذا افتَرَقَ الزَّوْجانِ، ولهما ولدٌ طفلٌ أو مَعْتُوهٌ، فأمُّه أَوْلى الناسِ بكَفالَتِه إذا كَمَلَتِ الشَّرائِطُ فيها، ذكَرًا كان أو أُنْثَى.
هذا قولُ يحيى الأنْصارِىِّ، والزُّهْرِىِّ، والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ أحدًا خالَفَهُم؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بن عمرِو بنِ العاصِ، أنَّ امرأةً قالت: يا رسولَ اللَّه، إنَّ ابْنِى هذا كان بَطْنِى له وِعاءً، وثَدْيِى له سِقاءً، وحِجْرِى له حِواءً، وإنَّ أباه طَلَّقَنِى، وأراد أن يَنْتَزِعَه 1 مِنِّى.
فقال [رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 2: «أنْتِ أحَقُّ به ما لم تَنْكِحِى».
رواه أبو داودَ 3. ويُرْوَى أنَّ أبا بكرٍ الصِّدِّيقَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حَكَمَ على عمرَ بنِ الخَطَّابِ،
..................................
رَضِىَ اللَّهُ عنه، بعاصمٍ لأُمِّه أُمِّ عاصِمٍ، وقال: رِيحُها وشمُّها ولُطْفُها خيْر له منك.
رواه سعيدٌ في «سُنَنِه» (1). ولأنَّها أشْفَقُ عليه وأقْرَبُ، ولا يُشارِكُها في القُرْبِ إلَّا الأبُ، وليس له مثلُ شَفَقَتِها، ولا يَتَولَّى الحَضانةَ بنَفْسِه، وإنَّما يَدْفَعُه إلى امرأتِه، وأُمُّه أوْلَى مِن امْرأةِ أبِيه.
فصل: فإن لم تكُنِ الأمُّ مِن أَهْلِ الحَضانةِ، لِفُقْدانِ الشُّروطِ، انْتَقَلَ إلى مَن يَلِيها في الاسْتِحْقاقِ؛ لأنَّها صارت كالمَعْدُومَةِ.
4029 -
مسألة: وأوْلَى الناسِ بعدَ الأُمِّ أُمُّها (ثم أُمَّهاتُها الأقْربُ
1
ثُمَّ الْأَبُ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْجَدُّ، ثُمَّ أُمَّهَاتُهُ، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلأَبَوَيْنِ، ثُمَّ الْأَخْتُ لِلْأَب، ثُمَّ الْأُخْتُ لِلْأمِّ، ثُمَّ الْخَالَةُ، ثُمَّ الْعَمَّةُ، فِى الصَّحِيحِ عَنْهُ.
فالأَقْربُ ثم الأبُ) يُقَدَّمْنَ على سائرِ الأقاربِ مِن النِّساءِ والرجال؛ لأنَّهنَّ نساءٌ وِلادتُهنَّ مُتَحقِّقَةٌ، فهُنَّ في معنى الأُمِّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، أنُّ أُمَّ الأبِ مُقَدَّمةٌ على أُمِّ الأُمِّ؛ لأنَّها تُدْلِى بعَصَبةٍ.
فعلى هذه الروايةِ، يكونُ الأبُ أَولَى بالتَّقديمِ؛ لأنَّهنَّ يُدْلِينَ به، فيكونُ الأبُ بعدَ الأمِّ (ثم أُمَّهاتُه) وإن عَلَوْنَ، ثم أبو الأبِ (ثم أمَّهاتُه) ثم جَدُّ الأبِ، ثم أمَّهاتُه وإن لم يَكُنَّ وارثاتٍ (1)؛ لأنَّهنَّ يُدْلِينَ بعَصَبةٍ مِن أهلِ الحَضانةِ، بخلافِ أمِّ أبى الأمِّ.
4030 -
مسألة: (ثم الأُخْتُ للأبَويْن، ثم الأخْتُ للأبِ، ثم الأخْتُ للأُمِّ، ثم الخالةُ، ثم العَمَّةُ، في الصَّحيح عنه)
وإذا عُدِمَ مَنْ يَسْتَحِقُّ الحضانةَ، مِن الآباءِ، والأُمَّهاتِ وإن عَلَوْنَ، انْتقَلتْ إلى الأخَواتِ، وقُدِّمْنَ على سائرِ القراباتِ، مِن الخالاتِ [والعَمَّاتِ] 2 وغيرِهِنَّ؛ لأنَّهُنَّ1
وَعَنْهُ، الْأُخْتُ مِنَ الْأُمِّ وَالْخَالَةُ أَحَقُّ مِنَ الْأَبِ، فَتَكُونُ الْأُخْتُ مِنَ الْأَبَوَيْنِ أَحَقَّ، وَيَكُونُ هَؤلَاءِ أَحَقَّ مِنَ الْأُخْتِ مِنَ الْأَبِ، وَمِنْ
شارَكْنَ في النَّسَبِ وقدِّمْنَ في الميراثِ.
وأَولْى الأخَواتِ مَنِ كانتْ لأبَويْن؛ لقُوَّةِ قَرابَتِها، ثم مَن كانت لأبٍ، ثم مَن كانت لأُمٍّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، وهو ظاهرُ مذهبِ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: الأُخْتُ مِن الأُمِّ أَوْلَى مِن الأُخْتِ مِن الأبِ.
وهو قولُ الْمُزَنِىِّ، وابنِ سُرَيْجٍ 1؛ لأنَّها أدْلَتْ بالأُمِّ، فقُدِّمَتْ على المُدْلِيةِ بالأبِ، كأُمِّ الأُمِّ مع أُمِّ الأبِ.
وقال ابنُ سُرَيْجٍ (1): تُقَدَّمُ الخالةُ على الأُخْتِ مِن الأبِ، لذلك 2. ولأبى حنيفةَ فيه روايتان.
ولَنا، أنَّ الأُخْتَ لِلْأَبِ أقْوى في الميراثِ، فقُدِّمَتْ، كالأُخْتِ مِن الأبَوَيْن، ودليلُ قُوَّتِها أنَّها أُقِيمَتْ مُقامَ الأخْتِ مِن الأبوين عندَ عدمِها 3، وتكونُ عَصَبةً مع البناتِ، وتُقاسِمُ الجَدَّ، وما ذَكَروه مِن الإِدْلَاءِ 4 لا يَلْزَمُ؛ لأَنَّ الأُخت تُدْلِى بنفْسِها، لكونِهما خُلِقا مِن ماءٍ واحدٍ، ولها 5 تَعْصِيبٌ، فكانت أَوْلَى (و) حُكِىَ (عن أحمدَ) رِوايةٌ أُخْرَى، أنَّ (الأختَ مِن الأمِّ والخالةَ أحَقُّ مِن الأبِ، فتكونُ الأختُ مِن الأبَوَيْن أحَقَّ) منه ومنهما (ومِن جميعِ العَصَباتِ) وَجْهُ هذه الرِّوايةِ أنَّ
جَمِيعَ الْعَصَبَاتِ.
هؤلاءِ نساءٌ يُدْلِين بالأمِّ، فكُنَّ أَوْلَى مِن الأب كالجَدَّاتِ.
والرِّوايةُ الأُولَى هى المشهورةُ في المذهبِ.
فإنِ اجْتَمع أَخٌ وأختٌ [مِن الأبَوَيْن] 1، قُدِّمَتِ الأُختُ في الحضانةِ؛ لأنَّها امرأةٌ مِن أهلِ الحضانةِ، فقُدِّمَتْ على مَن في دَرَجَتِها مِن الرجالِ، كتَقْديمِ الأمِّ على الأبِ، وأمِّ الأبِ على أبى الأبِ؛ لأنَّها تَلِى الحضانةَ بنَفْسِها، والرجلَ لا يَلِيها بنَفْسِه.
فإذا انْقَرضَ الإِخوةُ والأخواتُ، صارتِ الحضانةُ للخالاتِ، وتُقَدَّمُ على العَمَّةِ؛ لأنَّها تُدْلِى بالأمِّ، وبعدَهُنَّ العَمَّاتُ، في الصَّحيحِ عنه؛ لأنَّهُنَّ أخواتُ الأبِ، فتُقَدَّمُ العَمَّةُ مِن الأبَوَيْن، [ثم العَمَّةُ مِن الأبِ] 2، ثم العَمَّةُ
.................................. مِن الأمِّ، كالأخَواتِ، ويُقَدَّمْنَ على الأعْمامِ؛ لأنهُنَّ نِساءٌ مِن أهلِ الحضانةِ، فيُقَدَّمْنَ على مَن في دَرَجتِهِنَّ مِن الرجالِ، كتَقْديمِ الأُمِّ على الأبِ، والجَدَّةِ على الجَدِّ، والأختِ على الأخِ.
قالَ الْخِرَقِىُّ: وَخَالَةُ الْأَبِ أَحَقُّ مِنْ خَالَةِ الْأُمِّ.
ثُمَّ تَكُونُ لِلْعَصَبَةِ،
4031 - مسألة: (قال الخِرَقِىُّ: وخالةُ الأبِ أحَقُّ مِن خالَةِ الأُمِّ)
قد ذَكَرْنا أنَّه إذِا عُدِمَتِ الأمَّهاتُ والآباءُ والأخوِاتُ، انْتَقَلتِ الحضانةُ إلى الخالاتِ، ويُقَدَّمْنَ على العَمَّاتِ؛ لِمَا ذَكَرْنا.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ويَحْتَمِلُ كَلامُ الخِرَقِىِّ تَقْدِيمَ العَمَّاتِ؛ لأنَّه قَدَّمَ خالةَ الأبِ على خالةِ الأمِّ، فدَلَّ على تَقْدِيم قَرابَةِ الأبِ على قَرابَةِ الأمِّ، ولأنَّهُنَّ يُدْلِين بعَصَبَةٍ، فقُدِّمْنَ، كتَقْديمِ الأُخْتِ مِن الأبِ على الأُخْتِ مِن الأُمِّ.
وقال القاضِى: مُرادُ الخِرَقِىِّ بقولِه: خالةُ الأبِ.
أى الخالةُ مِن الأبِ تُقَدَّمُ على الخالةِ مِن الأمِّ،
..................................
كتَقْدِيمِ 1 الأختِ مِن الأبِ على الأختِ مِن الأمِّ؛ لأَنَّ الخالاتِ أخواتُ الأُمِّ، فيَجْرِينَ في الاسْتِحقاقِ والتَقْديمِ فيما بَينهُنَّ مَجرى الأخواتِ المُفْتَرِقاتِ، وكذلك الحُكْمُ في العَمَّاتِ المُفْتَرِقاتِ.
فإذا قُلْنا بتَقْدِيمِ الخالاتِ، فإذا انْقَرضْنَ فبَعْدَهُن العمَّاتُ، وإن قلنا بتَقْديمِ العَمَّاتِ، فالخالاتُ بَعْدَهُنَّ، فإذا عُدِمْنَ، انْتَقَلَتْ إلى خالاتِ الأبِ، على قولِ الخِرَقِىِّ، وعلى القرلِ الآخرِ، إلى خالاتِ الأمِّ.
وهل تُقَدَّمُ خالاتُ الأبِ على عَمّاتِه؟ على وَجْهَيْن، بِناءً على ما ذَكَرْنا في الخالاتِ والعَمَّاتِ، وأمَّا عَمَّاتُ الأمِّ، فلا حضانةَ لهنَّ؛ لأنَّهُنَّ يُدْلِين بأبى الأمِّ، وهو رجلٌ مِن ذَوِى الأرْحامِ، ولا حضانهَ له، ولا لمَن يُدْلِى به.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ 2، أنَّ لهم حَضانةً، سوف نَذْكُرُه، إن شاء اللَّهُ تعالى.
فصل: وللرجالِ مِن العصباتِ مَدْخَلٌ في الحضانةِ، وأوْلاهُم الأبُ،
..................................
ثم الجَدُّ أبو الأبِ وإن علا، ثم الأخُ مِن الأبَوَيْن، ثم الأخُ مِن الأبِ، [ثم بَنُوهم] 1 وإن سَفَلوا، على ترتيبِ الميراثِ، ثم العُمومَة، ثم بَنُوهم كذلك، ثم عُمومةُ الأبِ، ثم بَنُوهم.
وهذا قولُ الشافعىِّ.
وقال بعضُ أصحابِه 2: لا حضانةَ لغيرِ الآباءِ 3 والأجدادِ؛ لأنَّهم لا معرفةَ لهم بالحضانةِ، ولا لهم وِلايةٌ بأنْفُسِهم، فلم تكنْ لهم حضانةٌ، كالأجانبِ.
ولَنا أنَّ عليًّا وجعفرًا اخْتَصَما في حضانةِ بنتِ حَمْزةَ، فلم يُنْكِرْ عليهما 4 النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ادِّعاءَ الحضانةِ 5. ولأَنَّ لهم وِلايةً وتعصيبًا بالقَرابةِ، فثَبَتَتْ لهم الحضانةُ، كالأبِ والجَدِّ، وفارَقَ الأجانِبَ، فإنَّهم ليست لهم قرابةٌ
إلَّا أَنَّ الْجَارِيَةَ لَيْسَ لِابنِ عَمِّهَا حَضَانَتُهَا؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَحَارِمِهَا.
ولا شَفَقةٌ، ولأنَّهم تَساوَوْا في عَدَمِ القَرابةِ، فليس واحدٌ منهم أَوْلَى بالتَّقْديمِ مِن الآخَرِ، والعَصَباتُ لهم قَرابةٌ يَمْتازون بها، وأحَقُّهم بالحضانةِ أحَقُّهم بالميراثِ بعدَ الآباءِ والأجدادِ، ويَقُومون مَقامَ الأبِ في التخيِيرِ للصبىِّ بينَه وبينَ الأمِّ، أو غيرِها مِمَّن له الحضانةُ مِن النِّساءِ، ويَكُونون أحَقَّ بالجاريةِ إذا بَلَغَتْ سَبْعًا، على ما نَذْكُرُه.
4032 -
مسألة: (إلَّا أنَّ الجاريةَ ليس لابنِ عَمِّها حضانتُها)
فإذا بَلَغتْ سبعًا لم تُسَلَّمْ إليه (لأنَّه ليس مَحْرَمًا لها).
وَإِذَا امْتَنَعَتِ الأُمُّ مِنْ حَضَانَتِهَا، انْتَلَقَتْ إلَى أُمِّهَا، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَنْتَقِلَ إلَى الْأَبِ.
4033 - مسألة: (فإنِ امْتَنَعَتِ الأمُّ مِن حضانتِها)
مع اسْتِحْقاقِها (انْتَقَلَتْ إلى أُمِّها) في أظْهَرِ الوَجْهَيْن.
والوَجْهُ الآخرُ (تَنْتَقِلُ إلى الأبِ) لأَنَّ أمَّهاتِها فَرْعٌ عليها في الاسْتِحْقاقِ، فإذا أسْقَطَتْ حَقَّها، سَقَطَتْ فرُوعُها.
ولَنا، أنَّ الأبَ أبْعَدُ، فلا تَنْتقِلُ الحضانةُ إليه مع وجودِ أقربَ منه، كما لا تَنْتَقِلُ إلى الأختِ، [وكونُهنَّ] 1 فروعًا لها، لا يُوجبُ سُقوطَ حُقوقِهِنَّ 2 بسُقوطِ حَقِّها، [كما لو سَقَط حَقُّها] 3 لكونِها ليست مِن أهلِ الحضانةِ، أو لتَزوُّجِها.
وهكذا 4 الحُكْمُ في الأبِ إذا سقط حَقُّه، هل
فَإنْ عُدِمَ هَولَاءِ كُلُّهُم، فَهَلْ لِلرِّجَالِ مِنْ ذَوِى الْأَرْحَامِ حَضَانَةٌ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهُمَا؛ لَهُمْ ذَلِكَ،
يَسْقُطُ حَقُّ أمهاتِه؟ على وَجْهَيْن.
فإن كانت أختٌ مِن أُبوَين، وأختٌ مِن أبٍ، فأسْقَطَتِ الأختُ مِن الأبوين حَقَّها، لم يَسْقُطْ حَقُّ الأختِ مِن الأبِ، وَجْهًا واحدًا؛ لأن اسْتِحقاقَها مِن غيرِ جِهَتِها، وليست فرعًا عليها.
4034 -
مسألة: (فإن عُدِمَ هؤلاءِ كلُّهم، فهل للرجالِ مِن ذَوِى الأرْحامِ حضانةٌ؟ على وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، لهم)
حضانةٌ؛ لأنَّ لهم رَحِمًا وقرابةً يَرِثون بها عندَ عدمِ مَن هو أولَى منهم، فأشْبَهُوا البعيدَ مِن العَصَباتِ.
والثانى، لا حَقَّ لهم في الحضانةِ، ويَنْتقِلُ الأمرُ إلى الحاكمِ؛
فَيَكُونُ أَبُو الأُمِّ وَأُمَّهَاتُهُ أَحَقَّ مِنَ الْخَالِ، وَفِى تَقْدِيمِهِمْ عَلَى الأَخِ مِنَ الأُمِّ وَجْهَانِ.
لأنَّهم ليسوا مِمَّن يَحْضُنُ بنَفْسِه، ولا لهم وِلايةٌ؛ لعدمِ تَعْصِيبِهم، فأشبَهُوا الأجانِبَ.
فعلى الوجهِ الأوَّلِ (يكونُ أبو الأمِّ وأمَّهاتُه أحَقَّ مِن الخالِ) لأنَّه يَسْقُطُ في الميراثِ (وفى تَقْدِيمِهم على الأخ مِن الأمِّ وَجْهان) أحَدُهما، يُقَدَّمُ الأخُ؛ لأنَّه يَرِثُ بالفَرْضِ، ويُسْقِطُ ذَوِى الأرْحامِ كلَّهم، فيُقَدَّمُ عليهم في الحضانةِ.
والثانى، أبو الأمِّ وأمَّهاتُه أوْلَى منه؛ لأنَّ أبا الأمِّ يُدْلِى إليها بالأبُوَّةِ، والأخَ يُدْلِى بالبُنوةِ، والأبُ يُقَدَّمُ في الوِلايةِ على الابنِ، فقُدِّمَ في الحضانةِ؛ لأنَّها ولايةٌ.
وَلَا حَضَانَةَ لِرَقِيقٍ وَلَا فَاسِقٍ، وَلَا كَافِر عَلَى مُسْلِمٍ،
4035
- مسألة: (ولا حضانَةَ لرقيقٍ ولا فاسقٍ، ولا كافرٍ على مسلمٍ) لا تَثْبُتُ الحضانةُ لطِفْلٍ ولا مَعْتُوهٍ؛ لأنَّه لا يَقدِرُ عليها، وهو مُحْتاجٌ إلى مَن يَكْفُلُه، فكيف يَكْفُلُ غيرَه! ولا لفاسقٍ؛ لأنَّه لا يُوثَقُ به في أداءِ الواجبِ مِن الحضانةِ، ولا حَظَّ للولدِ في حضانتِه؛ لأنَّه يَنْشأُ على طَرِيقتِه.
ولا لرقيقٍ.
وبهذا قال عطاءٌ، والثورىُّ، والشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْى.
وقال مالكٌ، في حُرٍّ له وَلَد حُرٌّ مِن أمَةٍ: الأُمُّ أحقُّ به، إلَّا أن تُباعَ فيُنْقَلَ، فيكونُ الأبُ أحَقَّ به؛ لأنَّها أمٌّ مُشْفِقَةٌ، أشْبَهَتِ الحُرَّةَ.
ولَنا، أنَّها لا تَمْلِكُ مَنافِعَها التى تَحْصُلُ الكَفالةُ بها؛ لكونِها مملوكةً لسيدِها، فلم تَكُنْ لها حَضانةٌ، كما لو بِيعتْ ونُقِلَتْ.
ولا
..................................
تَثْبُتُ لكافرٍ على مسلمٍ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعىُّ، وسَوَّارٌ 1 العَنْبَرِىُّ.
وقال ابنُ القاسمِ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْى: تَثْبُتُ؛ لِما رُوِىَ عن 2 عبدِ الحميدِ بنِ جَعْفَرٍ، عن أبيه، عن جَدِّه رافعِ بنِ سِنانٍ 3، أنَّه أسْلَم، وأبَتِ امْرَأتُه أن تُسْلِمَ، فأتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فقالت: ابْنَتِى، وهى فطيمٌ، أو شِبْهُه.
[وقال رافع: ابْنَتِى] 4. فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اقْعُدْ ناحِيَةً».
وقال لها: «اقعُدِى ناحِيَةً».
وقال: «ادْعُواها».
فمالَتِ الصَّبِيَّةُ إلى أمِّها.
فقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اللَّهُمَّ اهْدِها».
فمالتِ الصَّبِيَّةُ 5 [إلى أبيها] 6، فأخَذَها.
رواه أبو داودَ 7.
..................................
ولَنا، أنَّها وِلايةٌ، فلا تَثْبُتُ لكافرٍ على مسلمٍ، كوِلايةِ النِّكاحَ والمالِ، ولأنَّها إذا لم تَثْبُتْ للفاسقِ، فالكافرُ أوْلَى؛ لأنَّ ضَرَرَه أكثرُ، فإنَّه مُجْتَهِدٌ في إخْراجِه عن دِينه، ويُخْرِجُه عن الإسلامِ بِتَعْلِيمِه الكُفْرَ، وتَزْيِينِه 1 له، وهذا أعْظَمُ الضَّرَرِ، والحضانةُ إنَّما تَثْبُتُ لحظِّ الولدِ، فلا تُشرَعُ على وَجْهٍ يَكُونُ فيه هَلاكُه وهَلاكُ دِينه.
فأمَّا الحديثُ، فقد رُوِى على غيرِ هذا الوجهِ، ولا يُثْبتُه أهلُ النَّقْلِ، وفى إسنادِه مَقالٌ.
قاله ابنُ المُنْذِرِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلِمَ أنَّها تَخْتارُ أباها بدَعْوتِه، فكان ذلك خاصًّا 2 في حَقِّه.
فصل: فأمَّا مَن بَعْضُه حُرٌّ، فإن لم تَكُنْ بينَه وبينَ سَيِّدِه مُهايأَةٌ، فهو كالقِنِّ؛ لكونِ منافعِه مُشْتركَةً بينَه وبينَ سيدِه.
وإن كان بينَهما مُهايأةٌ، فقياسُ قولِ أحمدَ أنَّ له الحضانةَ في أيامِه 3؛ لأنَّه قال: كلُّ ما يَتَجَزَّأُ 4، فعليه النِّصفُ مِن كلِّ شَىْءٍ.
وهذا اختيارُ أبى بكرٍ.
وعندَ الشافعىِّ، لا
وَلَا لِامْرَأَةٍ مُزَوجَةٍ لأَجْنَبِىٍّ مِنَ الطِّفْلَ،
حضانةَ له؛ لأنَّه كالقِنِّ عندَه.
وهو أصْلٌ قد تَقَدَّمَ.
4036 -
مسألة: (ولا)
حضانةَ (لامْرَأةٍ مُزَوَّجةٍ لأجْنَبِىٍّ مِن الطِّفْلِ) إذا تَزَوَّجَتِ الأم، سَقَطتْ حضانتُها.
قال ابنُ المُنْذِرِ 1: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن أحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ.
قضى به شُرَيحٌ.
وهو قولُ مالِكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
وعن الحسنِ أنَّها لا تَسْقُطُ بالتزْويجِ.
ونَقَلَ مُهَنَّا عن أحمدَ: إذا تَزَوَّجَتِ الأُمُّ وابنُها صَغِيرٌ، أخِذَ منها.
قيل له: فالجاريةُ مِثْلُ الصبىِّ؟ قال: لا، الجاريةُ [معها تكونُ] 2 إلى سبعِ سِنِين.
فظاهِرُ هذا أنَّه لم يُزِلِ الحضانَةَ عن الجاريةِ لتَزْويجِ أمِّها، وأزالها عن الغلامِ.
ووَجْهُ ذلك ما رُوِى أنَّ عليًّا وجعفرًا وزيدَ بنَ حارثةَ تنازعوا في حضانةِ ابنةِ حَمْزةَ، فقال على: ابنةُ عَمِّى.
وقال زيدٌ: بنتُ أخى -لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- آخى بين زيدٍ وحمزةَ.
وقال جعفرٌ: بنتُ عَمِّى، وعندِى خالتُها.
فقال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الخالةُ أُمٌّ».
وسَلَّمَها إلى
..................................
جعفرٍ.
رواه أبو داودَ 1 بنحوِه.
فجعل لها الحضانةَ وهى مُزوَّجَةٌ.
والأُولَى هى الصحيحةُ.
قال ابنُ أبى موسى: وعليها العملُ؛ لقولِ رسولِ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أنْتِ أحَقُّ به ما لم تَنْكِحى» 2. ولأنَّها تَشْتَغِلُ [عن الحضانةِ] 3 بحُقوق الزوجِ، فكان الأبُ أحظَّ له، ولأنَّ مَنافِعَها مَمْلوكةٌ لغيرِها، أشْبَهَتِ الأمَةَ 4. فأمَّا بِنْتُها، فإنَّما قضى بها لخالتِها؛ لأَنَّ زَوْجَها مِن أهلِ الحضانةِ، ولأنَّه لا يُساوِيه في الاسْتِحقاقِ إلا علىٌّ، وقد تَرَجَّحَ 5 جعفر بأنَّ امرأتَه مِن أَهْلِ الحضانةِ.
وعلى هذا، متى كانتِ المرْأةُ مزَوَّجَةً برجلٍ مِن أهلِ الحضانةِ، كالجَدَّةِ المُزَوَّجةِ للجَدِّ، لم تَسْقُطْ حضانتُها؛ لأنَّه 6 يُشَارِكُها في الولادةِ والشَّفَقَةِ على الولدِ، فأشْبَهَ الأُمَّ إذا كانت زوجةَ الأبِ.
ولو تَنازَعَ العَمَّان في الحضانةِ، وأحَدُهما مُتَزوِّج للأمِّ أو للخالةِ، فهو أَحَقُّ؛ لحديثِ بنت حمزةَ، وكذلك كلُّ عَصَبتَيْن تساوتا، وأحَدُهما مُتَزوِّج مِمَّن هى مِن أهلِ الحضانةِ، قُدِّمَ بذلك.
..................................
فصل: وظاهِرُ هذا، أنَّ التَّزْويجَ بالأجْنَبِىِّ يُسْقِطُ الحضانةَ 1. وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِىِّ، وإن عَرِىَ عن الدُّخولِ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ إلَّا بالدُّخولِ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأن به تَشْتَغِلُ عن الحضانةِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أنْتِ أحَقُّ به ما لم تَنْكِحِى».
وقد وجِدَ النِّكاحُ، ولأن بالعَقْدِ تُمْلَك مَنافِعُها، ويَسْتَحِقُّ زَوْجُها مَنْعَها (1) مِن حضانَتِه، فزال حَقها، كما لو دَخَل بها.
فصل: إذا عدِمَتِ الأمُّ أو تَزَوَّجَتْ، أو لم تَكُنْ مِن أهلِ الحضانةِ،
..................................
[فأمُّ الأبِ] 1 أوْلَى مِن الخالةِ إذا اجتمعتا.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ في الجديدِ.
وحُكِىَ عن مالك.
وعن 2 أحمدَ أنَّ الأختَ والخالةَ أحَقُّ مِن الأبِ.
وقد ذكرناه.
فعلى هذا، يَحْتَمِلُ أن تَكُونَ الخالةُ أحَقَّ مِن أمِّ الأبِ.
وهو قديمُ قَوْلَى الشافعىِّ؛ لأنَّها تُدْلِى بأُمِّ، وأمُّ الأبِ تُدْلِى به، فقُدِّمَ مَن يُدْلِى بالأمِّ، كتَقْدِيمِ أمِّ الأمِّ على أمِّ الأبِ، ولأَنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قضى ببنتِ حمزةَ لخالتِها، وقال: «الخالةُ أُمٌّ».
ولَنا، أنَّ أمَّ الأبِ جَدَّةٌ وارِثَةٌ، فقُدِّمَتْ على الخالَةِ، كأمِّ الأمِّ، ولأَنَّ لها وِلادةً، فأشْبَهتْ أم الأمِّ، فأمَّا الحديث، فيَدُلُّ على أنَّ للخالةِ حقًّا في الجُمْلَةِ، وليس النِّزاعُ فيه، إنَّما النِّزاعُ في التَّرْجيحِ عندَ الاجْتِماعِ.
وقولُهم: تُدْلِى بأمٍّ.
قلناْ: لكن لا وِلادةَ لها، فيُقَدَّمُ عليها مَن له ليِ لادة، كتَقْدِيمِ أمِّ الأمِّ على الخالةِ.
فعلى هذا، متى وُجِدَتْ جَدة وارِثَة، فهى أوْلَى مِمَّن ليس مِن عَمُودَىِ النَّسَبِ بكلِّ حالٍ، وإن عَلَتْ دَرَجتُها؛ لفَضِيلةِ الولادةِ والوِراثةِ.
فصل: فإنِ اجْتَمَعَتْ أمُّ أمٍّ وأمُّ أبٍ، فأمُّ الأمِّ أوْلَى وإن علت دَرَجتُها، لأنَّ لها وِلادةً، وهى تُدْلِى بالأمِّ التى تُقَدمُ على الأبِ، فوَجَبَ تَقْدِيمُها
فَإِنْ زَالَتِ الْمَوَانِعُ مِنْهُمْ، رَجَعُوا إِلَى حَقِّهِمْ مِنْهَا.
عليها، كتَقْدِيمِ الأمِّ على الأب.
وعن أحمدَ أنَّ أمَّ الأبِ أحَقُّ.
وهو قياسُ قولِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه قَدَّمَ خالةَ الأَبِ على خالةِ الأمِّ، وخالةُ الأبِ أختُ أمِّه، وخالةُ الأمِّ أختُ أمِّها، فإذا قَدَّمَ أختَ أمِّ الأبِ، دَلَّ على تَقْديمِها؛ وذلك لأنَّها تُدْلِى بعَصَبةٍ مع مُساواتِها للأُخْرى في الولادةِ، فوَجَبَ تَقْديمُها، كتَقْدِيمِ الأختِ مِن الأبِ على الأختِ مِن الأمِّ، وإنَّما قُدِّمَتِ الأمُّ على الأبِ؛ لأنَّها أنْثَى تَلِى الحضانةَ بنَفْسِها، فكذلك أمُّه، فإنَّها أُنْثَى تَلِى الحضانةَ (1) بنَفْسِها، فقُدِّمَتْ؛ لِمَا ذَكَرْنا.
4037 -
مسألة: (ومتى زالتِ المَوانِعُ منهم)
مثلَ أن عَتَق الرَّقِيقُ، وأسْلَمَ الكافرُ، وعَدَلَ الفاسِقُ، وعَقَل المَجْنُونُ، عاد حَقُّهم مِن الحضانةِ؛ لأَنَّ سَبَبَها قائمٌ، وإنَّما امْتَنَعَتْ لمانع، فإذا زال المانعُ، عاد الحقُّ بالسببِ السابقِ المُلازِمِ، كالزوجةِ إذا طُلِّقَتْ، فإنَّه يَعُودُ حَقُّها مِن الحضانةِ، كذلك هذا.
[وهذا] 2 مَذْهَبُ الشافعىِّ، وأصحابِ1
..................................
الرَّأْى، إلَّا أنَّ أبا حنيفةَ والمُزنىَّ قالا: إن كان رَجْعيًّا، لم يَعُدْ حَقُّها؛ لأنَّ الزَّوْجِيَّةَ قائمة، فأشْبَهَ ما لو كانت في صُلْبِ النِّكاحِ.
ولنا، أنَّها مُطَلَّقةٌ، فعاد حَقُّها مِن الحضانةِ، كالبائنِ.
قولُهم: هى زوجةٌ.
قلنا: إلَّا أنَّه قد عَزَلَها عن فِراشِه، ولم يَبْقَ لها عليه قَسْمٌ، ولا لها به شُغلٌ، فأشْبَهَتِ البائِنَ.
ويُخَرَّجُ لنا مِثلُ قولِهما 1؛ لكونِ النِّكاحِ قبلَ الدُّخولِ مُزِيلًا لحَقِّ الحضانةِ مع عدمِ القَسْمِ والشُّغْلِ بالزَّوجِ.
..................................
فصل: ولا تَثْبُتُ الحضانةُ إلَّا على الطِّفْلِ و 1 المَعْتُوهِ، فأمَّا البالِغُ الرَّشِيدُ، فلا حضانةَ عليه، وإليه الخِيَرَةُ في الإِقامةِ عندَ مَن شاء مِن أبويه، فإن كان رَجُلًا فله الانْفِرادُ بنَفْسِه، [لاسْتِغْنائِه عنهما.
ويُسْتَحَبُّ أن لا يَنْفَرِدَ عنهما، ولا يَقْطَعَ بِرَّه لهما، فأمَّا الجاريةُ، فليس لها الانْفِرادُ] 2، ولأبيها مَنْعُها منه؛ لأنَّه لا يُؤْمَنُ أن يَدْخُلَ عليها مَن يُفْسِدُها، ويُلْحقُ العارَ بها وبأهلِها، فإن لم يَكُنْ لها أبٌ، قام أوْلِياؤُها مَقامَه.
وَمَتَى أَرَادَ أَحَدُ الْأَبوَيْنِ النُّقْلَةَ إلَى بَلَدٍ بَعِيد آمِن لِيَسْكُنَهُ، فَالْأَبُ أحَقُّ بِالْحَضَانَةِ.
وَعَنْهُ، الأُمُّ أَحَقُّ.
فَإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منْ ذَلِكَ، فَالْمُقِيمُ مِنْهُمَا أَحَقُّ.
4038 - مسألة: (ومتى أراد أحَدُ الأبَوَيْن النُّقْلةَ إلى بلدٍ بعيدٍ آمنٍ ليَسْكُنَه، فالأبُ أحَقُّ. وعنه، الأمُّ أحَقُّ. فإنِ اخْتَلَّ شَرْطٌ منها، فالمُقِيمُ منهما أحَقُّ)
وجُمْلةُ ذلك، أن أحَدَ الأبَوَيْن إذا أراد السَّفَرَ لحاجَةٍ ثم يَعُودُ، والآخرُ مُقِيم، فالمقيمُ أوْلَى بالحضانةِ؛ لأنَّ في 1 المُسافَرةِ بالوَلَدِ إضْرارًا به، وإن كان مُنتقِلًا إلى بلدٍ ليُقِيمَ به، وكان الطريقُ مَخُوفًا أو البلدُ الذى يَنْتَقِلُ إليه مَخُوفًا، فالمُقِيمُ أحَقُّ به؛ لأَنَّ في السَّفَرِ به خَطَرًا.
[ولو] 2 اختار الولدُ السفرَ في هذه الحالَةِ، لم يُجَبْ إليه؛ لأَنَّ فيه تَغْرِيرًا به، وإن كان البلدُ الذى يَنْتَقِلُ إليه آمنًا، وطريقُه آمِنًا، فالأبُ أحَقُّ به، سَواءٌ
..................................
كان هو المُقِيمَ أو المُنْتَقِلَ، فإن كان بينَ البلدين قَرِيبٌ 1، بحيثُ يراهم الأبُ كلَّ يوم ويَرَوْنَه، فتَكُونُ الأمُّ على حضانَتِها.
وقال القاضى: إذا كان السَّفَرُ دُون مسافةِ القَصرِ، فهو في حُكْمِ الإِقامَةِ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّ ذلك في حُكْمِ 2 الإِقامةِ في غيرِ هذا الحُكْمِ، فكذلك في هذا، ولأنَّ مُراعاةَ الأبِ له مُمْكِنةٌ.
والمَنْصوصُ عن أحمدَ ما ذَكَرْناه.
قال شيخُنا 3: وهو أوْلَى؛ لأَنَّ البُعْدَ 4 الذى يَمْنعُه مِن رُؤيته، يَمْنَعُه مِن تأْدِيبِه وتَعلِيمِه ومُراعاةِ حالِه، فأشْبَهَ مسافةَ القَصْرِ.
وبما ذَكَرْناه مِن تَقْدِيمِ الأبِ عندَ افْتِراقِ الدارِ بهما، قال شُرَيْحٌ،
..................................
ومالكٌ، والشافعىُّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرى، أنَّ الأمَّ أحَقٌّ؛ لأنَّها أتَمُّ شَفَقَةً، أشْبَهَ ما لو لم يُسافِرْ واحِدٌ منهما.
وقال أصْحابُ الرَّأْى: إنِ انْتَقَلَ الأبُ، فالأمُّ [أحَقُّ به] 1، وكذلك 2 إنِ انْتَقَلتِ الأمُّ 3 إلى البلدِ الذى كان فيه أصْلُ النِّكاحِ، فهى أحَقُّ به 4، وإنِ انْتَقَلَتْ إلى غيرِه، فالأبُ أحقُّ به (4). وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ، إنِ انْتَقَلَتْ مِن بَلَدٍ إلى قَرْيةٍ، فالأبُ أحَقُّ به (4)، وإنِ انْتَقَلَتْ إلى بَلَدٍ آخَرَ، فهى أحَقُّ؛ لأنَّ [في البلدِ] 5 يُمْكِنُ تَعْلِيمُه وتَخْريجُه.
ولَنا، أنه اخْتَلَفَ مَسْكَنُ الأبَوَيْن، فكان الأبُ أحَقَّ،
..................................
كما لو انْتَقَلَتْ مِن بَلدٍ إلى قَرْيةٍ، أو إلى بَلَدٍ لم يَكُنْ فيه أصْلُ النِّكاحِ، وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الأبَ في العادةِ هو الذى يَقُومُ بتأْدِيبِ ابنِه وتَخْريجِه وحِفْظِ نَسَبِه، فإذا لم يَكُنْ في بَلَدِه ضاع، فأشبَهَ ما لو كان في قَرْيةٍ.
وإنِ انْتَقَلا جميعًا إلى بلدٍ واحدٍ، فالأمُّ باقيةٌ على حضانَتِها، وكذلك إن أخَذَه الأبُ لافْتِراقِ البَلَدَيْن ثم اجتمعا، عادت إلى الأمِّ حضانَتُها، وغيرُ الأمِّ مِمَّن له الحضانةُ مِن النِّساءِ يَقُومُ مَقامَها، وغيرُ الأبِ مِن عصباتِ الولدِ يَقُومُ مَقامَه عندَ عدمِهما 1، أو كونِهما 2 مِن غيرِ أهلِ الحضانةِ.
فَصْلٌ: وإِذَا بَلَغَ الْغُلَامُ سَبْعَ سِنِينَ خُيِّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ، فَكَانَ مَعَ مَنِ اخْتَارَ مِنْهُمَا،
فصل
: (وإذا بلغ الغلامُ سَبْعَ سِنِين خُيِّرَ بينَ أَبَوَيْه، فكان مع مَن اخْتارَ منهما) إذا لم يَكُنْ مَعْتُوهًا وتنازعا فيه، فمَن اختاره منهما فهو أوْلَى به.
قضى بذلك عمرُ، وعلىٌّ، وشُرَيْحٌ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يُخَيَّرُ.
قال أبو حنيفةَ: إذا اسْتَقَلَّ بنَفْسِه [وأكَلَ بنَفْسِه] 1، ولبِس بنَفْسِه، واسْتَنْجَى بنَفْسِه، فالأبُ أحَقُّ به.
وقال مالكٌ: الأمُّ أحَقُّ به حتى يُثْغِرَ 2، وأمَّا التَّخْيِيرُ، فلا يَصِحُّ؛ فإنَّ الغُلامَ لا قولَ له ولا يَعْرِفُ حَظَّه، ورُبَّما اختار مَن يَلْعَبُ عندَه، ويَتْرُكُ تأْدِيبَه، ويُمَكِّنُه مِن شَهَواتِه 3، فيُؤدِّى إلى إفْسادِه، ولأنَّه دُونَ البُلوغِ، فلم
..................................
يُخَيَّرْ، كمَن دُونَ السَّبْعِ.
ولَنا، ما روَى أبو هريرةَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَيَّرَ غلامًا بينَ أبِيه وأمِّه.
رواه سعيدٌ، والشافعىُّ 1. وفى لَفْظٍ عن أبى هريرةَ، قال: جاءتِ امْرَأةٌ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقالتْ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ زَوْجِى يُرِيدُ أن يَذْهبَ بابْنِى، وقد سقانى مِن بِئْرِ أبى عِنَبَةَ 2، وقد نَفَعنِى.
فقال له النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «هذا أبُوك وهذه أَمُّك فخُذْ بيدِ أيِّهما شِئْتَ».
فأخَذَ بيدِ أمه، فانْطَلَقَتْ به.
رواه أبو داود 3. ولأنَّه إجماعُ الصحابةِ، فرُوِىَ عن عمرَ أنه خَيَّرَ غلامًا بينَ أبيه وأمِّه.
رواه سعيدٌ 4.
..................................
ورُوِى عن عُمارةَ الجَرْمِىِّ أنَّه قال: خَيرَنِى علىٌّ بينَ عَمِّى وأمِّى، وكنتُ ابنَ سَبْعٍ أو ثَمانٍ 1. ورُوِىَ نحوُ ذلك عن أبى هريرةَ.
وهذه قصَصٌ في مَظِنَّةِ الشُّهْرةِ، ولم تُنْكَرْ، فكانَتْ إجماعًا، ولأنَّ التَّقْديمَ في الحضانةِ لِحَقِّ 2 الوَلدِ، فيُقَدَّمُ مَن هو أشْفَقُ؛ لأَنَّ حَظ الولدِ عندَه أكْثَرُ 3، واعْتَبَرْنا الشَّفَقةَ بمَظِنّتِها إذ لم يمكنِ اعْتِبارُها بنَفْسِها.
فإذا بَلَغ الغلامُ حدًّا يُعْرِبُ 4 عن نَفْسِه، ويُمَيِّزُ بينَ الإِكرامِ وضِدِّه، فمال إلى أحَدِ الأبَوَيْن، دَلَّ على أنَّه أرْفَقُ به، وأشْفَقُ عليه، فقُدِّمَ بذلك، وقَيِّدْناه بالسَّبْعِ؛ لأنَّها أوَّلُ حالٍ أمَرَ 5 الشَّرْعُ 6 فيها بمُخاطَبَتِه بالأَمْرِ بالصَّلاةِ،
فَإِنِ اخْتَارَ أَبَاهُ، كَانَ عِنْدَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا، وَلَا يُمْنَعُ مِنْ زِيَارَةِ أُمِّهِ، وَلَا تُمْنَعُ هِىَ تَمْرِيضَهُ، وَإِنِ اخْتَارَ أمّهَ، كَانَ عِنْدَهَا لَيْلًا، وَعِنْدَ أَبِيهِ نَهَارًا؛ لِيعَلِّمَهُ الصِّنَاعَةَ وَالْكِتَابَةَ وَيُؤَدِّبَهُ، ولأَنَّ الأمَّ قُدِّمَتْ في حالِ الصِّغَرِ لحاجَتِه إلى حَمْلِه ومُباشَرَةِ خِدْمَتِه، ولأنَّها أعرَفُ بذلك وأَقْوَمُ به، فإذا اسْتَغْنَى عن ذلك تَساوَى والداه، لقُرْبِهما منه، فرُجِّحَ باخْتِيارِه.
4039 -
مسألة: (فإنِ اخْتار أباه، كان عندَه ليلًا ونهارًا، وإنِ اختار أمَّه، كان عندَها ليلًا، وعندَ أبيه نهارًا؛ ليُعَلمَه الصِّناعَةَ والكِتابةَ ويُؤَدِّبَه)
إذا اختار الغلامُ أباه، كان عنده ليلًا ونهارًا (ولا يُمْنَعُ) مِن (زِيارَةِ أمِّه) لأَنَّ مَنْعَه مِن 1 ذلك إغْراء بالعُقوقِ وقَطِيعةِ الرَّحِمَ.
وإن مَرِضَ كانتِ الأمُّ أحَقَّ بتَمْرِيضِه في بَيْتها؛ لأنَّه صار بالمَرَضِ كالصَّغيرِ في الحاجةِ إلى مَن يَقُومُ بأمْرِه، فكانتِ الأمُّ أحَقَّ به كالصَّغيرِ، وإنِ 2 اختار الأمَّ، كان عندَها ليلًا، ويأْخُذُه الأبُ نهارًا؛ ليُسَلِّمَه في مَكْتَبٍ أو في صِناعَةٍ، لأَنَّ القَصْدَ حَظُّ الغُلامِ، وحَظُّه فيما ذَكَرْناه.
فصل: وإن مَرِضَ أحَدُ الأبَوَيْنِ والولدُ عندَ الآخَرِ، لم يُمْنَعْ مِن عيادتِه
وَإِنْ عَادَ فاخْتَارَ الآخَرَ، نُقِلَ إِلَيْهِ، ثُمَّ إنْ عَادَ فَاخْتَارَ الأوَّلَ، رُدَّ إِليْهِ، وحُضُورِه عندَ موتِه، سَواء كان ذكرًا أو أُنْثَى؛ لأَنَّ المَرَضَ يَمْنَعُ المَرِيضَ مِن المَشىِ إلى ولدِه، فمَشْىُ ولدِه إليه أوْلَى، فأمَّا في حالِ الصِّحَّةِ، فإنَّ الغُلامَ يَزُورُ أمَّه؛ لأنَّها عَوْرَةٌ، فسَتْرُها أوْلَى، والأمُّ تَزُورُ ابْنَتَها؛ لأَنَّ كلَّ واحدةٍ منهما عَوْرة تَحْتاجُ إلى صِيانةٍ، وسَتْرُ الجارِيةِ أوْلَى؛ لأَنَّ الأمَّ قد تَخَرَّجَتْ وعَقَلَتْ، بخِلافِ الجاريةِ.
4040 -
مسألة: (فإن عاد فاختار الآخَرَ، نُقِلَ إليه، فإن عاد فاخْتارَ الأوَّلَ، رُدَّ إليه)
هكذا [أبدًا، كُلَّما] 1 اختار أحَدَهما رُدَّ 2 إليه؛ لأنَّه اخْتِيارُ شَهْوةٍ لحَظِّ نَفْسِه، فاتُّبعَ ما يَشْتَهِيه، [كما يُتبَّعَ ما يَشْتَهِيه] 3 في المأْكُولِ والمَشْروبِ، وقد يَشْتَهِى المُقامَ عندَ أحَدِهما في وَقتٍ، وعندَ الآخَرِ في وَقْتٍ، [وقد] (3) يَشْتَهِى التَّسْويةَ بَيْنَهما، وأن لا يَنْقَطِعَ عنهما.
وَإِنْ لَم يَخْتَرْ أَحَدَهُمَا، أُقْرِع بَيْنَهُمَا.
وَإِنِ اسْتَوَى اثْنَانِ فِى الْحَضَانةِ، كَالأخْتَيْنِ، قُدِّمَ أحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
4041 - مسألة: (وإن لم يَخْتَرْ أحَدَهما، أُقْرِعَ بينَهما)
لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحبه، ولا يُمْكِنُ اجْتِماعُهما على حضانَتِه، فيُقَدَّمُ أحَدُهما بالقُرْعَةِ، فإذا قُدِّمَ بها ثم اخْتارَ الآخَرَ، نُقِلَ إليه؛ لأنَّنا قَدَّمْنا اخْتيارَه الثانِىَ على الأَوَّلِ، فعلى القُرْعَةِ التى هى بَدَلٌ (1) أوْلَى.
4042 -
مسألة: (وإذا اسْتَوَى اثنان في الحضانةِ، كالأُخْتَيْن، قُدِّمَ أحَدُهما بالقُرْعَةِ)
لِمَا ذَكَرْنا.
فصل: فإن كان الأبُ مَعْدُومًا أو مِن غيرِ أهلِ الحضانةِ، وحَضَر غيرُه مِن العَصَباتِ، كالأخِ والعَمِّ وابنِه، قامَ مَقامَ الأبِ، فَيُخَيَّرُ1