الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 45-84

كِتَابُ الْمَنَاسِكِ

صفحات 45-84

..................................  فصل: والزّادُ الذي تُشْتَرَطُ القُدْرَةُ عليه، هو ما يَحْتاجُ إليه في ذَهابِه ورُجُوعِه، مِن مَأْكُولٍ ومَشْرُوبٍ وكُسْوَةٍ، فإن كان يَمْلِكُه، أو وَجَدَه يُباعُ بثَمَنِ المثْلِ في الغَلاءِ والرُّخْصِ، أو بزِيادَةٍ يَسِيرَةٍ لا تُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه شِراؤه، وإن كانَتْ تُجْحِفُ به 1 لم يَلْزَمْه، كما قُلْنا في شِراءِ الماءِ للوُضُوءِ.
وإذا كان يَجِدُ الزّادَ في كلِّ مَنْزِلٍ، لم يَلْزَمْه حَمْلُه، وإن لم يَجِدْه كذلك، لَزِمَه حَمْلُه، وأمّا الماءُ وعَلَفُ البَهائِمِ فسَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: ويُشْتَرَطُ أن يَجِدَ راحِلَةً تَصْلُحُ لمِثْلِه؛ إمّا بشِراءٍ أو كِراءٍ، لذَهابِه ورُجُوعِه، ويَجِدَ ما يَحْتاجُ إليه مِن آلتِها التى تَصْلُحُ لِمثْلِه، فإن كان مِمَّن يَكْفِيه الرَّحْلُ والقَتَبُ، ولا يَخْشَى السُّقُوطَ، اكْتَفَى بذلك.

..................................  وإن كان مِمَّن لم تَجْرِ عادَتُه بذلك، أو يَخْشَى السُّقُوطَ عنهما، اعْتُبِر وجُودُ مَحْمِلٍ وما أشْبَهَه، ممّا 1 لا يُخْشى سُقُوطُه عنه، ولا مَشَقَّةَ فيها؛ لأنَّ اعْتِبارَ الرَّاحِلَةِ في حَقِّ القادِرِ على المَشْىِ، إنَّما كان لدَفْعِ المَشَقَّةِ، فيَجِبُ أن يُعْتَبَرَ هَهُنا ما تَنْدَفعُ به المَشَقَّةُ، وإن كان مِمَّن لا يَقْدِرُ على خِدْمَةِ نَفْسِه والقِيامِ بأمْرِه، اعْتُبِرَتِ القدْرَة على مَن يَخدِمُه؛ لأنَّه مِن سَبِيلِه.
فصل: ويُعْتَبَرُ أن يَكُونَ هذا فاضِلًا عمّا يَحْتاجُ إليه لنَفَقَةِ عِيالِه الذين تَلْزَمُه مُؤْنَتُهُم، في مُضِيِّه ورُجُوعِه؛ لأنَّ النَّفَقَةَ تَتَعَلَّقُ بها حُقُوقُ الآدَمِيِّين، وهم أحْوَجُ، وحَقُّهُم آكَدُ.
وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ عَمْرو، عن النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أن يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ».
رَواه أبو داودَ 2. وأن يَكُونَ فاضِلاً عمّا يَحْتاجُ هو وأهْلُه إليه، مِن مَسْكَنٍ

..................................  وخادِمٍ وما لا بُدَّ منه، وأن يَكُونَ فاضِلًا عن قَضاءِ دَيْنِه؛ لأنَّ قَضاءَ الدِّيْنِ مِن حوائِجِه الأصْلِيَّةِ، ويَتَعَلَّقُ به حُقُوقُ الآدَمِيِّين، فهو آكَدُ، وكذلك مَنْعُ الزكاةِ مع تَعَلُّقِ حُقُوقِ الفُقَراءِ بها، وحاجَتِهم إليها، فالحَجُّ الذي هو خالِصُ حَقِّ الله تِعالى أوْلَى، وسَواءٌ كان الدَّيْنُ لآدَمِىًّ مُعَيَّنٍ، أو مِن حُقُوقِ اللهِ تعالى، كزكاةٍ في ذِمَّتِه، أو كفّاراتٍ ونحْوِها.
وإنِ احْتاجَ إلى النِّكاحِ، وخاف على نَفْسِه العَنَتَ، قَدَّمَ التَّزْوِيجَ؛ لأنَّه واجِبٌ عليه، لا غِنًى 1 به عنه، فهو كنَفَقَتِه، وإن لم يَخَفْ قَدَّمَ الحَجَّ؛ لأنَّ النِّكاحَ تَطَوُّعٌ، فلا يُقَدَّمُ على الحَجِّ الواجِب.
وإن حَجَّ مَن تَلْزَمُه هذه الحُقُوقُ وضَيَّعَها، صَحَّ حَجُّه؛ لأنَّها مُتَعَلِّقَةٌ بذِمَّتِه، فلا تَمْنَعُ صِحَّةَ حَجِّهِ.
فصل: ومَن له دارٌ يَسْكُنُها، أو يَسْكُنُها عِيالُه، أو يَحْتاجُ إلى أُجْرَتِها لنَفَقَةِ نَفْسِه أو عِيالِه، أو بِضاعَةٌ متى نَقَصَها اخْتَلَّ رِبْحُها، فلم تَكْفِهِم،

..................................  أو سائِمَةٌ يَحْتاجُون إليها، لم يَلْزَمْه الحَجُّ؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن كان له مِن ذلك شَئٌ فاضِلٌ عن حاجَتِه لَزِمَه بَيْعُه في الحَجِّ.
فإن كان له مَسْكَنٌ واسِعٌ يَفْضُلُ عن حاجَتِه، وأمْكَنَه بَيْعُه وشِراءُ ما يَكْفِيه، ويَفْضُلُ قَدْرُ ما يَحُجُّ 1 به، لَزِمَه.
وإن كانَتْ له كُتُبٌ يَحْتاجُ إليها، لم يَلْزَمْه بَيْعُها في الحَجَّ، وإلَّا لَزِمَه.
وإن كان له بكتابٍ نُسْخَتان، يَسْتَغْنِى بإحْدَاهما، باعَ الأُخْرَى.
وإن كان له دَيْنٌ على مَلِئٍ باذلٍ له يَكْفِيه في الحَجِّ، لَزِمَه؛ لأنَّه قادِرٌ، وإن كان على مُعْسِرٍ، أو تَعَذَّرَ اسْتِيفاؤه لم يَلْزَمْه.
فصل: فإن تَكَلَّفَ الحَجَّ مَن لا يَلْزَمُه، وأمْكَنَه ذلك مِن غيرِ ضرَرٍ يَلْحَقُ بغيرِه، مثلَ مَن [يَمْشِى و] 2 يَكْتَسِبُ بصِناعَةٍ كالخَرْزِ، أو مُعاوَنَةِ مَن ينفِقُ عليه، أو يُكْتَرَى لزادِه ولا يَسْألُ النّاسَ، اسْتُحِبَّ له الحَجُّ؛

وَلَا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا بِبَذْلِ غَيْرِهِ بِحَالٍ،  لقولِ اللهِ تعالى: ﴿يَأْتُوكَ رِجَالًا وَعَلَى كُلِّ ضَامِرٍ﴾ (1). فقَدَّمَ ذِكْرَ الرِّجالِ.
ولأنَّ فيه مُبالَغةً في طاعَةِ اللهِ، وخُرُوجًا مِن الخِلافِ.
وإن كان يَسْألُ النَّاسَ، كُرِهَ الحَجُّ له؛ لأنَّه يُضَيِّقُ على النّاسِ، ويَحْصُلُ كَلًّا عليهم في الْتِزامِ ما لا يَلْزَمُه.
وسُئِلَ أحمدُ عمَّن يدْخُلُ البادِيَةَ بلا زادٍ ولا راحِلَةٍ؟ فقالَ: لا أُحِبُّ له ذلك، هذا يَتَوَكَّلُ على أزْوادِ النّاسِ.

1138 -

مسألة: (ولا يَصِيرُ مُسْتَطِيعًا ببَذلِ غيرِه بحالٍ)

لا يَلْزَمُه الحَجُّ ببَذْلِ غيرِه له، ولا يَصِيرُ مُسْتَطيعًا بذلك، سَواءٌ كان الباذِلُ قَرِيبًا أو أجْنَبِيًّا، وسَواءٌ بَذَل له الرُّكُوبَ والزَّادَ، أو بَذَل له مالًا.
وهو قولُ الأكْثَرِين.
وعن الشافعىِّ، أنَّه إذا بَذَلَ له وَلَدُه ما يَتَمَكَّنُ به مِن الحَجِّ لَزِمَه؛ لأنَّه أمْكَنَه الحَجُّ مِن غيرِ مِنَّةٍ تَلْزَمُه، ولا ضَرَرٍ يَلحَقُه، فلَزِمَه الحَجُّ، كما لو مَلَك الزّادَ والرّاحِلَةَ.
ولَنا، أنَّ قولَ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يُوجِبُ الْحَجِّ الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» 2. يَتَعَيَّنُ فيه تَقْدِيرُ مِلْكِ ذلك، أو مِلْكِ ما يحْصُلُ به، بدَلِيلِ ما لو كان أجْنَبِيًّا، ولأنَّه ليس بمالِكٍ للزّادِ والرَّاحِلَةِ، ولا ثَمَنِهما، فلم يَلْزَمْه الحَجُّ، كما لو بَذَل له والِدُه.
ولا نُسَلِّمُ أنَّه لا يَلْزَمُه مِنَّةٌ، ولو1

فَمَنْ كَمَلَتْ لَهُ هَذِهِ الشُّرُوطُ، وَجب عَلَيْهِ الْحَجُّ عَلَى الْفَوْرِ.
سَلَّمْناه فيَبْطُلُ ببَذْلِ الوالِدَةِ (1)، وبَذْلِ مَن للمَبْذُولِ له (2) عليه أيادٍ كَثِيرَةٌ ونِعَمٌ.

1139 -

مسألة: (فمَن كَمَلَتْ له هذه الشُّرُوطُ، وَجَب عليه الحَجُّ على الفَوْرِ)

مَنْ كَمَلَتْ فيه هذه الشُّرُوطُ وَجَب عليه الحَجُّ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، ويَجبُ عليه على الفَوْرِ، إذا أمْكَنَه فِعْلُه، ولم يَجُزْ له تَأْخِيرُه.
وبه قال مالكٌ.
وقال الشافعيُّ: يَجِبُ الحَجُّ وُجُوبًا مُوَسَّعًا، وله تَأْخِيرُه.
وحَكَى ابنُ أبي موسى وَجْهًا مثلَ قولِه.
وحَكاه ابنُ حامِدٍ عن الإِمامِ أحمدَ؛ لأنَّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَّرَ أبا بكرٍ، رَضِىَ الله عنه، على الحَجِّ 3، وتَخَلَّفَ بالمَدِينَةِ، غيرَ مُحارِبٍ ولا مَشْغُولٍ بشَئٍ،12

..................................  وتخَلَّفَ أكْثَرُ المسلمين قادِرين على الحَجِّ، ولأنَّه إذا أخَّرَه ثم فعَله في السَّنَةِ الأُخْرَى، لم يَكُنْ قاضِيًا، دَلَّ على أنَّ وُجُوبَه على التَّراخِى.
ولَنا، قول اللهِ تعالى: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 1. وقَوْلُه: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 2. والأمْر على الفَوْرِ.
ورُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّه قال: «مَنْ أرَادَ الْحَجَّ فَلْيَتَعَجَّلْ 3». رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجه 4. وفى رِوايَةِ أحمدَ، وابن، ماجه: «فَإنَّه قَدْ يَمْرَض الْمَرِيضُ، وتَضِلُّ الضّالَّةُ، وتَعْرِض الْحَاجَة».
قال أحمدُ: ورَواه الثَّوْرِىُّ، ووَكِيعٌ، عن أبي إسرائيلَ، عن فُضَيْلِ بنِ عَمْرو، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، عن أخِيه الفَضْلِ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. وعن عليٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَلَكَ زَادًا وَرَاحِلَةً تُبَلِّغُهُ إِلَى بَيْتِ اللهِ، وَلَم يَحُجَّ، فَلَا عَلَيْهِ أن يَمُوتَ يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانِيًّا».
قال التِّرْمِذِىُّ 5: لا نَعْرِفه إلَّا مِن هذا الوَجْهِ، وفى

..................................  إسْنادِه مَقالٌ.
وروَى سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، بإسْنادِه 1، عن عبدِ الرحمنِ ابنِ سابِطٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَحُجَّ حَجَّةَ الإِسْلَامِ، لَمْ يَمْنَعْهُ مَرَضٌ حَابِسٌ 2، أو سُلْطَانٌ جَائِرٌ، أوْ حَاجَةٌ ظَاهِرَةٌ، فلْيَمُتْ عَلَى أىِّ حَالٍ شَاءَ، يَهُودِيًّا أوْ نَصْرَانِيًّا».
وعن عُمَرَ نَحْوُه من قوْلِه.
وكذلك عنِ ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهم.
ولأنَّه أحَدُ أرْكانِ الإِسْلامِ، فكانَ واجِبًا على الفَوْرِ، كالصيام، ولأنَّ وُجُوبَه بصِفَةِ التَّوَسُّعِ يُخْرِجُه 3 عن رُتْبَةِ الواجِباتِ؛ لأنَّه يُؤَخَّرُ إلى غيرِ غايَةٍ ولا يَأْثَمُ بالمَوْتِ قبلَ فِعْلِه؛ لكَوْنِه فَعَل ما يَجُوزُ له فِعْلُه، وليس على المَوْتِ أمارَةٌ يَقْدِرُ بعدَها على فِعْلِه.
فأمّا النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنّما فَتَح مَكَّةَ سنةَ ثمانٍ، وإنَّما أخَّرَه سنةَ تِسْعٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّه كان له عُذْرٌ؛ مِن عَدَمِ الاسْتِطاعَةِ، أو كُرْهِ رُؤيَةِ المُشْرِكين عُراةً حولَ البَيْتِ، فأخَّرَ الحَجَّ حتَّى بَعَث أبا بكرٍ يُنادِى: «أن لا يَحُجَّ بعدَ العام مُشْركٌ، ولا يَطُوفَ بالبَيْتِ عُرْيانٌ» 4. ويَحْتَمِلُ أنَّه أخَّرَه بأمْرِ الله تِعالى؛ لتَكُونَ حَجَّتُه حَجَّة الوَداعِ، في السَّنَةِ التى اسْتَدارَ فيها الزَّمانُ كهَيْئَتِه يومَ خَلَق الله السماواتِ والأرْضَ،

فَإِنْ عَجَزَ عَنِ [61 ظ] السَّعْىِ إِلَيْهِ لِكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لَا يُرْجَى بُرْؤُهُ، لَزِمَهُ أَنْ يُقِيمَ مَنْ يَحُجُّ عَنْهُ، وَيَعْتَمِرُ مِنْ بَلَدِهِ، وَقَدْ أجزَأَ عَنْهُ وَإنْ عُوفِىَ.
و [تُصادِفَ وَقْفَتُه] (1) الجُمُعَةَ، ويُكْمِلَ اللهُ دِينَه.
ويُقالُ: إنَّه اجْتَمَعَ يَوْمَئِذٍ أعْيادُ أهْلِ كلِّ دينٍ، ولم يَجْتَمِعْ قبلَه ولا بعدَه.
فأمّا تَسْمِيَةُ فِعْل الحَجِّ قَضاءً، فإنَّه يُسَمَّى بذلك، قال اللهُ تعالى: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ﴾ (2). وعلى أنَّه لا يَلْزَمُ مِن الوُجُوبِ على الفَوْرِ تَسْمِيَةُ الفِعْلِ إذا أخَّرَه قَضاءً، بدَلِيلِ الزَّكاةِ، فإنَّها تَجِبُ على الفَوْرِ، ولو أخَّرَها لا تُسَمَّى قَضاءً، والقَضاءُ الواجِبُ على الفَوْرِ إذا أخَّرَه لا يُقالُ: قضاءُ (3) القَضاءِ.
ولو غَلَب على ظَنِّه في الحَجِّ أنَّه لا يَعِيشُ إلى سَنَةٍ أُخْرَى، لم يَجُزْ له تَأْخِيرُه، وإذا أخَّرَه لا يُسَمَّى قَضاءً.

1140 -

مسألة: (فإن عَجَز عنه لكِبَرٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى بُرْؤُه، لَزِمَه أن يُقِيمَ مَن يَحُجُّ عنه، ويَعْتَمِرُ مِن بَلَدِه، وقد أجْزَأ عنه وإن عُوفِىَ)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وُجِدَتْ فيه شرائِطُ وُجُوبِ الحَجِّ، وكان عاجِزًا عنه لمانِعٍ مَأْيُوسٍ مِن زَوالِه، كزَمانَةٍ، أو مَرَضٍ لا يُرْجَى زَوالُه،123

..................................  أو كان نِضْوَ 1 الخَلْقِ، لا يقْدِرُ على الثُّبُوتِ على الرَّاحِلَةِ إلَّا بمَشَقَّةٍ غيرِ مُحْتَمَلةٍ، والشَّيْخُ الفانِى، ونَحْوُهم، متى وَجَد مَن يَنُوبُ عنه في الحَجِّ، وما يَسْتنِيبُه به، لَزِمَه ذلك.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وقال مالكٌ: لا حَجَّ عليه، إلَّا أن يَسْتَطِيعَ بنَفْسِه، ولا أرَى له ذلك؛ لأنَّ اللهَ تعالى، قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ 2. وهو غيرُ مُسْتَطِيعٍ، ولأنَّها عِبادَةٌ لا تدْخُلُها النِّيابَةُ مع القُدْرَةِ، فلا تَدْخُلُها مع العَجْزِ، كالصوم والصَّلاةِ.
ولَنا، حديثُ أبي رَزِينٍ 3، حيث أمَرَه النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يَحُجَّ عن أبيه وِيَعْتَمِرَ.
وروَى ابنُ عباسٍ، أنَّ امرأةً مِن خَثْعَمٍ قالت: يا رسولَ اللهِ، إنَّ فرِيضَةَ الله عِلى عِبادِه في الحَجِّ أدْرَكَتْ أبي شَيْخًا كبيرًا، لا يَسْتَطِيعُ أن يَثْبُتَ علي الرَّاحِلَةِ، أفأحُجُّ عنه؟ قال: «نَعَمْ».
وذلك في حَجَّةِ الوَداعِ.
مُتَّفَقٌ عليه 4. وفى لَفْظٍ لمسلمٍ، قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنَّ أبي شَيْخٌ كبيرٌ 5 عليه فَرِيضَةُ اللهِ في الحَجِّ، وهو لا يَسْتَطِيعُ أن يَسْتَوِىَ على ظَهْرِ بَعِيرِه.
فقالَ النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «فَحُجِّى عَنْهُ».
وسُئِلَ علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن شَيْخٍ لا يَجِدُ الاسْتِطاعةَ، قال: يُجَهَّزُ عنه.

..................................  ولأنَّ هذه عِبادَةٌ تَجِبُ بإفْسادِها الكَفّارَةُ، فجاز أن يَقُومَ غيرُ فِعْلِه فيها مَقامَ فِعْلِه، كالصوم إذا عَجَز عنه افْتدَى، بخِلافِ الصلاةِ.
ويَلْزَمُه أن يَسْتَنِيبَ على الفَوْرِ إذا أمْكَنَه، كما يَلْزَمُه ذلك بنَفْسِه.
فصل: ويُسْتَنابُ 1 مَن يَحُجُّ عنه مِن حيثُ وَجَب عليه، إمّا مِن بَلَدِه، أو مِن المَوْضِعِ الذي أْيسَرَ 2 فيه، كالاسْتِنابَةِ عن المَيِّتِ، وسَنَذْكُرُ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: فإن لم يَجِدْ مالًا يَسْتَنِيبُ به، فلا حَجَّ عليه، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ العادِمَ [إذا لم يَجِدْ] 3 ما يَحُجُّ به، لا يَلْزَمُه الحَجُّ، فالمَرِيضُ أوْلَى.
وإِن وَجَد مالًا، ولم يَجِدْ نائِبًا، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يَنْبَنِى على الرِّوايَتَيْن في إمْكانِ السَّيْرِ؛ هل هو مِن شَرائِطِ الوجوبِ، أو مِن شَرائِطِ وجُوبِ السَّعْىِ؟ فإن قُلْنا: مِن شَرائِطِ لُزُومِ السَّعْىِ.
ثَبَت الحَجُّ في ذِمَّتِه، يُحَجُّ عنه بعدَ مَوْتِه.
وإن قُلْنا: مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ.
لم يَجِبْ عليه 4 شئٌ.

..................................  فصل: وإذا اسْتَنابَ مَن حَجَّ عنه ثم عُوفِىَ، لم يَجِبْ عليه حَجٌّ آخَرُ.
وهذا قولُ إسْحاقَ.
وقال الشَّافعيُّ، وأصحابُ الرَّأىِ، وابنُ المُنْذِرِ: يَلْزَمُه؛ لأنَّ هذا بَدَلُ إياسٍ، فإذا بَرَأ، تَبَيَّنّا أَنَّه لم يَكُنْ مَأْيُوسًا منه، فلَزِمَه الأصْلُ، كالآيِسَةِ تَعْتَدُّ بالشُّهُورِ، ثم تَحِيضُ، يَلْزَمُها العِدَّةُ بالحَيْضِ.
ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، فخَرَجَ عن العُهْدَةِ، كما لو لم يَبْرَأْ، أو نَقُولُ: أدَّى حَجَّةَ الإِسْلامِ بأمْرِ الشَّرْعِ، فلم يَلْزَمْه حَجٌّ ثانٍ، كما لو حَجَّ عن نَفْسِه.
ولأنَّ هذا يُفْضِى إلى إيجابِ حَجَّتَيْن عليه، ولم يُوجِبِ اللهُ عليه إلَّا حَجَّةً واحِدَةً.
وقَوْلُهم: لم يَكُنْ مَأْيُوسًا مِن بُرْئِه.
قُلْنا: لو لم يَكُنْ مَأْيُوسًا مِن بُرْئِه لَما أُبِيحَ له أن يَسْتَنِيبَ، فإنَّه شَرْط لجَوازِ الاسْتِنابَةِ، فأمّا الآيِسَةُ إذا اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ، فلا يُتَصَوَّرُ عَوْدُ حَيْضِها، فإن رَأَتْ دَمًا، فليس بحَيْضٍ، ولا يَبْطُلُ به اعْتِدادُها، لكنْ مَن ارْتَفَعَ حَيْضُها لا تَدْرِى ما رَفَعَه، إذا اعْتَدَّتْ سَنَةً ثم عاد حَيْضُها، لم يَبطُل اعْتِدادُها.

..................................  فصل: فإن عُوفِىَ قبلَ فَراغِ النّائِبِ مِن الحَجِّ، فيَنْبَغِى أن لا يُجْزِئَه الحَجُّ؛ لأنَّه قَدَر علي الأصْلِ قبلَ تَمامِ البَدَلِ، فلَزِمَه، كالصَّغِيرَةِ، ومَن ارْتَفعَ حَيْضُها قبلَ إتْمامِ عِدَّتِها بالشُّهُورِ، وكالمُتَيَمِّمِ إذا رَأى الماءَ في صَلاِته.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه، كالمُتَمَتِّعِ إذا شَرَع في الصَّومِ، ثم قَدَر على الهَدْىِ، والمُكَفِّرِ إذا قَدَر على الأصْلِ بعدَ الشُّرُوعِ في البَدَلِ.
وإن بَرَأ قبلَ إحْرام النَّائِبِ لم يُجْزِئْه بحالٍ.
فصل: فأَمّا مَن يُرْجَى زَوالُ مَرَضِه، والمَحْبُوسُ، ونَحْوُه، فليس له أن يَسْتَنِيبَ.
فإن فَعَل لم يُجْزِئْه وإن لم يَبْرأْ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: له الاسْتِنابَةُ، ويَكُونُ ذلك مُراعًى، فإن قَدَر على الحَجِّ بنَفْسِه، لَزِمَه، وإلَّا أجْزَأه ذلك 1، كالمَأْيُوسِ مِن بُرْئِه.
ولَنا، أنَّه يَرْجُو القُدْرَةَ على الحَجِّ (1) بنَفْسِه، فلم يَكُنْ له الاسْتِنابَةُ، ولا تُجْزِئُه إن فَعَل، كالفَقِيرِ.
وفارَقَ المَأْيُوسَ مِن بُرْئِه؛ لأنَّه عاجِزٌ على الإِطْلاقِ، آيِسٌ مِن القُدْرَةِ على الأصْلِ، فأشْبَهَ المَيِّتَ، ولأنَّ النَّصَّ إنَّما وَرَد في الحَجِّ عن الشَّيْخِ الكَبِيرِ، وهو ممَّن لا يُرجَى منه الحَجُّ بنَفْسِه، فلا يَصِحُّ قِياسُ غيرِه عليه، إلَّا إذا كان مِثْلَه.

..................................  فصل: فأمّا القادِرُ على الحَجِّ بنَفْسِه، فلا يَجُوزُ له 1 أن يَسْتَنِيبَ في الحَجِّ الواجِبِ إجْماعًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ، وهو قادِرٌ على الحَجِّ، لا يُجْزِئُ عنه أن يَحُجَّ غيرُه عنه.
والحَجُّ المَنْذُورُ كحَجَّةِ الإِسْلامِ [في إباحَةِ الاسْتِنابَةِ عندَ العَجْزِ، والمنعِ منها مع القُدْرَةِ؛ لأنَّها حَجَّةٌ واجِبَةٌ، فهى كحَجَّةِ الإِسلامِ] 2. فصل: وهل يَصِحُّ الاسْتِئْجارُ على الحَجِّ؟ فيه رِوايَتان؛ أشْهَرُهما، لا يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وإسْحاقَ.
والثّانِيَةُ، يَجُوزُ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه يَجُوزُ أخْذُ النَّفَقَةِ عليه، فجاز الاسْتِئْجارُ عليه، كبناءِ المساجِدِ والقَناطِرِ.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ يَخْتَصُّ فاعِلُها أن يَكُونَ مُسْلِمًا، فلم يَجُزْ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها، كالصلاةِ.
فأمّا

..................................  بِناءُ المساجِدِ، فيَجُوزُ أن يَقَعَ قُرْبَةً وغيرَ قُرْبَةٍ، فإذا وَقَع بأُجْرَةٍ لم يَكُنْ عِبادَةً ولا قُرْبَةً، وهذا لا يَصِحُّ أن يَقَعِ إلَّا عِبادَةً، ولا يَجُوزُ الاشْتِراكُ في العِبادةِ، فمتى فَعَلَه مِن أجْلِ الأُجْرَةِ خرَج عن كَوْنِه عِبادَةً، فلم يَصِحَّ.
ولا يَلْزَمُ مِن جَوازِ أخْذِ النَّفَقَةِ جَوازُ أخْذِ الأُجْرَةِ؛ بدَلِيلِ الإِمامَةِ والقَضاءِ، يَجُوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليهما مِن بَيْتِ المالِ، وهو نَفَقَةٌ في المَعْنَى، بخِلافِ الأُجْرَةِ.
وفائِدَةُ الخِلافِ أنَّه متى لم يَجُزْ أخْذُ الأُجْرَةِ عليها، فلا يَكُونُ إلَّا نائِبًا مَحْضًا، وما يُدْفَعُ إليه مِن المالِ يَكُونُ نَفَقَةً لطَرِيقهِ، فلو ماتَ، أو أُحْصِرَ، أو مَرِض، أو ضلَّ عن الطَّرِيقِ، لم يَلْزَمْه الضمانُ لِما أنْفَقَ.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّه إنْفاقٌ بإذْنِ صاحِب المالِ، فأشْبَهَ ما لو أذِن له في سَدِّ بَثْقٍ 1 فَانْبَثَقَ ولم يَنْسَدَّ.
فإذا ناب عنه آَخَرُ، فإنَّه يَحُجُّ عنه مِن حيث بَلَغ النّائِبُ الأوَّلُ مِن الطَّرِيقِ، لحُصُولِ قَطْعِ هذه المسافةِ بمالِ المَنُوبِ عنه، فلم يَحْتَجْ إلى الإِنْفاقِ دَفْعَةً أُخْرَى، كما لو حَجَّ بنَفْسِه فماتَ في الطَّرِيقِ، فإنَّه يُحَجُّ عنه مِن حيث انْتَهَى.
وما فَضَل معه مِن المالِ رَدَّه،

..................................  إلَّا أن يُؤْذَنَ له في أخْذِه، ويُنْفِقُ عليه بقَدْرِ الحاجَةِ، مِن غيرِ إسْرافٍ ولا تَقْتِيرٍ، وليس له التَّبَرُّعُ بشئٍ منه، إلَّا أن يُؤْذَنَ له في ذلك.
قال أحمدُ، في الذى يَأُخُذُ دَراهِمَ للحَجِّ: لا يَمْشِى، ولا يُقَتِّرُ في النَّفَقَةِ، ولا يُسْرِفُ.
وقال في رجل أخَذَ حَجَّةً عن مَيِّتٍ، ففَضَلَتْ معه فَضْلَةٌ: يَرُدُّها، ولا يُناهِدُ 1 أحَدًا إلَّا بقَدْرِ ما لا يَكُونُ سَرَفًا، ولا يَدْعُو إلى طَعامِه، ولا يَتَفَضَّلُ.
ثم قال: أمَّا إذا أُعْطِىَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، أو كذا وكذا، فقِيلَ له: حُجَّ بهذه.
فله أن يَتَوَسَّعَ فيها، وإن فَضَل شئٌ فهو له.
وإذا قال المَيِّتُ: حُجُّوا عَنِّى حَجَّةً بألْفٍ.
فدَفَعُوها إلى رجلٍ، فله أن يَتَوَسَّعَ فيها، وما فَضَل فهو له.
وإن قُلْنا بجَوازِ الاسْتِئْجارِ على الحَجِّ، جاز أن يَسْتَنِيبَ مِن غيرِ اسْتِئْجارٍ، فيَكُونُ الحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، وأنْ يَسْتَأْجِرَ.
فإنِ اسْتَأْجَرَ مَن يَحُجُّ عنه، أو عن مَيِّتٍ، اعْتَبَرَ فيه شُرُوطَ الإِجارَةِ، وما يَأْخُذُه 2 أُجْرَةً، يَمْلِكُه، ويُباحُ له التَّصَرُّفُ فيه، والتَّوَسُّعُ في النَّفَقَةِ وغيرِها، وما فَضَل فهو له.
وإن أُحْصِرَ، أو ضَلَّ عن الطَّرِيقِ، أو ضاعتِ النَّفَقَةُ منه، فهو مِن ضَمانِه، وعليه الحَجُّ.
وإن مات انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لتَلَفِ المَعْقُودِ عليه، كما لو ماتَتِ البَهِيمَةُ المُسْتَأْجَرَةُ، ويَكُونُ الحَجُّ أيضًا مِن المَوْضِعِ الذى بَلَغ إليه، وما لَزِمَه مِن الدِّماءِ، فعليه؛ لأنَّ الحَجَّ عليه.

..................................  فصل: والنّائِبُ غيرُ المُسْتَأْجَرِ، فما لَزِمَه مِن الدِّماءِ بفِعْلٍ مَحْظُورٍ، فعليه في مالِه؛ لأنَّه لم يُؤْذَنْ له في الجِنايَةِ، فكانَ مُوجبُها عليه، كما لو لم يَكُنْ نائِبًا، ودَمُ المُتْعَةِ والقِرانِ، إن لم يُؤذَنْ له فيهما، عليه؛ لأنَّه كجِنايَتِه.
وإن أُذِنَ له فيهما، فالدَّمُ على المُسْتَنِيبِ؛ لأنَّه أذِنَ له 1 في سَبَبِهما، ودَمُ الإِحْصارِ على المُسْتَنِيب؛ لأنَّه للتَّخَلُّصِ مِن مَشَقَّةِ السَّفَرِ، فهو كنَفَقَةِ الرُّجُوعِ.
فإن أفْسَدَ حَجَّه، فالقَضاءُ عليه، ويَرُدُّ ما أخَذَ؛ لأنَّ الحَجَّةَ لم تُجْزِئْ عن المُسْتَنِيبِ؛ لتَفْرِيطِه وجِنايَتِه.
وكذلك إن فاتَه الحَجُّ بتَفْرِيطِه.
وإن فات بغيرِ تَفْرِيطٍ، احْتُسِبَ له بالنَّفَقَةِ؛ لأنَّه لم يَفُتْ بفِعْلِه، فلم يَكُنْ مُخالِفًا، كما لو مات.
وإن قُلْنا بوُجُوبِ القَضاءِ، فهو عليه في مالِه، كما لو دَخَل في حَجٍّ ظنَّ أنَّه عليه، فلم يَكُنْ عليه، وفاتَه.
فصل: وإذا سَلَك النّائِبُ طَرِيقًا يُمْكِنُه سُلُوكُ أقْرَبَ منه بغيرِ ضَرَرٍ، ففاضِلُ النَّفَقَةِ في مالِه.
وإن تَعَجَّلَ عَجَلَةً يُمْكِنُه تَرْكُها فكذلك.
وإن أقامَ بمَكَّةَ أكْثرَ مِن مُدَّةِ القَصْرِ، بعدَ إمْكانِ السَّفَرِ للرُّجُوعِ، أنْفَقَ مِن مالِه؛ لأنَّه غيرُ مَأْذُونٍ له فيه.
فإن لم يُمْكِنْه الخرُوجُ قبلَ ذلك، فله النَّفَقَةُ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه، وله نَفَقَةُ الرُّجُوعِ، وإن طالَتْ إقامَتُه بمَكَّةَ، ما لم يَتَّخِذْها دارًا، فإنِ اتَّخَذَها دَارًا، ولو ساعَةً، لم يَكُنْ له نَفَقَةٌ لرُجُوعِه؛ لأنَّه صار بنيَّةِ الإِقامَةِ مَكِّيًّا، فسَقَطَتْ نَفَقَتُه، فلم تُعَدَّ.
وإن مَرِض في الطَّرِيقِ،

..................................  فعاد [فله نَفَقَةُ رُجُوعِه؛ لأنَّه لا بُدَّ له منه، وقد حَصَل بغيرِ تَفْرِيطِه، فأشْبَهَ ما لو قُطِعَ عليه الطَّرِيقُ] 1، أو أُحْصِرَ.
وإن قال: خِفْتُ المرَضَ، فرَجَعْتُ.
فعليه الضَّمانُ؛ لأنَّه مُتَوَهِّمٌ.
وعن الإِمامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في مَن مَرِض في الكُوفَةِ، فرَجَعَ: يَرُدُّ جَمِيعَ ما أخَذَ.
وفى جَمِيعِ ذلك إذا أذِنَ له في النَّفَقَةِ، فله ذلك؛ لأنُّ المالَ للمُسْتَنِيبِ، فجاز ما أذِنَ فيه.
وإن شَرَط أحَدُهما أنَّ الدِّماءَ الواجِبَةَ عليه على غيرِه، لم يَصِحَّ الشَّرْطُ؛ لأنَّ ذلك مِن مُوجِباتِ فِعْلِه، أو الحَجِّ الواجِبِ عليه، فلم يَصِحَّ شَرْطُه على غيرِه، كما لو شَرَطَه على أجْنَبِيٍّ.
فصل: يَجُوزُ أن يَنُوبَ الرجلُ عن الرجلِ والمرأةِ، والمرأةُ عن المرأةِ والرجلِ في الحَجِّ، في قولِ عَوامِّ أهْلِ العِلْمِ.
لا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، إلَّا الحسنَ بنَ صالِحٍ، فإنَّه كَرِه حَجَّ المرأةِ عن الرجلِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هذه غَفْلَةٌ عن ظاهِرِ السُّنَّةِ، فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ المرأةَ الخَثْعَمِيَّةَ أن تَحُجَّ عن أبيها 2. وعليه يَعْتَمِدُ مَن أجاز حَجَّ المَرْءِ عن غيرِه.
وفى البابِ حديثُ أبي رَزِينٍ 3، وأحادِيثُ سِواه.
فصل: ولا يَجُوزُ الحَجُّ والعُمْرَةُ عن حَيٍّ إلَّا بإذْنِه، فَرْضًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَدْخُلُها النِّيابَةُ، فلم تَجُزْ عن البالِغِ العاقِلِ بغيرِ إذْنِه، كالزكاةِ.
فأمّا المَيِّتُ فيَجُوزُ عنه بغيرِ إذْنٍ، واجِبًا كان أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّ

..................................  النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بالحَجِّ عن المَيِّتِ، وقد عَلِم أنَّه لا إذْنَ له، وما جاز فَرْضُه جاز نَفْلُه، كالصَّدَقَةِ.
فعلى هذا كلُّ ما يَفْعَلُه النّائِبُ عن المُسْتَنِيب ممّا لم يُؤْمَرْ به، مثلَ أن يُؤْمَرَ بحَجًّ فيَعْتَمِرَ، أو بعُمْرَةٍ فيَحُجَّ، يَقَعُ عن المَيِّتِ؛ لأنَّه يَصِحُّ عنه مِن غيرِ إذْنِه، ولا يَقَعُ عن الحَىِّ؛ لعَدَمِ إذْنِه فيه، ويَقَعُ عمَّن فَعَلَه، لأنَّه لمّا تَعَذَّرَ وُقُوعُه عن المَنْوِىِّ عنه، وَقَع عن نَفْسِه، كما لو اسْتَنابَه رجلان، فأحْرَمَ عنهما جميعًا، وعليه رَدُّ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه لم يَفْعَلْ ما أُمِرَ به، فأشْبَهَ ما لو لم يَفْعَلْ شَيْئًا.
فُصُولٌ في مُخالَفَةِ النّائِبِ: إذا أمَرَه بحَجٍّ، فَتَمَتَّعَ أو اعْتَمَرَ لنَفْسِه مِن المِيقاتِ، ثم حَجَّ، نَظَرْتَ؛ فإن خَرَج إلى المِيقاتِ فأحْرَمَ منه بالحَجِّ، جاز، ولا شئَ عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وإن أحْرَمَ مِن مَكَّةَ، فعليه دَمٌ؛ لتَرْكِ مِيقاتِه، ويَرُدُّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك مِن إحْرامِ الحَجِّ فيما بينَ المِيقاتِ ومَكَّةَ.
وقال القاضى: لا يَقَعُ فِعْلُه عن الآمِرِ، ويَرُدُّ جَمِيعَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بغيرِ ما أُمِرَ به.
وهو مَذْهَبُ أبى حنيفةَ.
ولَنا، أنَّه أحْرَمَ بالحَجِّ مِن المِيقاتِ، فقد أتى بالحَجِّ صَحِيحًا مِن مِيقاتِه، أشْبَهَ ما لو لم يُحْرِمْ بالعُمْرَةِ، وإن أحْرَمَ به مِن مَكَّةَ، فما أخَلَّ إلَّا بما يَجْبُرُه الدَّمُ، فلم تَسْقُطْ نَفَقَتُه، كما لو تَجَاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأحْرَمَ دُونَه.
فإن أمَرَه بالإِفْرادِ فَقَرنَ، لم يَضْمَنْ شَيْئًا.
وهو مَذْهَبُ 1 الشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَضْمَنُ 2؛

..................................  لأنَّه مُخالِفٌ.
ولَنا، أنَّه أتى بما أُمِرَ به وزيادَةٍ، فصَحَّ [ولم يَضْمَنْ] 1، كما لو أمَرَه بشِراءِ شاةٍ بدِينارٍ، فاشْتَرى به شاتَيْن تُساوِى إحْداهما دِينارًا.
ثم إن كان أمَرَه بالعُمْرَةِ بعدَ الحَجِّ، ففَعَلَها، فلا شئَ عليه، وإن لم يَفْعَلْ، رَدَّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِها.
فصل: فإن أمَرَه بالتَّمتُّعِ، فقَرَنَ، وَقَع عن الآمِرِ؛ لأنَّه أمَرَ بهما، وإنَّما خالَفَ في أنَّه أمَرَه بالإِحْرامِ بالحَجِّ مِن مَكَّةَ، فأحْرَمَ به مِن المِيقاتِ.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ أنَّه لا يَرُدُّ شَيْئًا مِن النَّفَقَةِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وقال القاضى: يَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّ غَرَضَه في عُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ وتَحْصِيلِ فَضِيلَةِ التَّمَتُّعِ، وقد خالَفَه في ذلك وفَوَّتَه عليه.
فإن أفْرَدَ وَقَع عن المُسْتَنِيبِ أيضًا، ويَرُدُّ نِصْفَ النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أخَلَّ بالإِحْرامِ بالعُمْرَةِ مِن المِيقاتِ، وقد أمَرَه به، وإحْرامُه بالحَجِّ مِن المِيقاتِ زِيادَةٌ لا يَسْتَحِقُّ به شَيْئًا.
فصل: فإن أمَرَه بالقِرانِ فأفْرَدَ أو تَمَتَّعَ، صَحَّ، ووَقَع النُّسُكان عن الآمِرِ، ويَرُدُّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك مِن إحْرامِ النُّسُكِ الذى تَرَكَه مِن المِيقاتِ.
وفى جَمِيعِ ذلك، إذا أمَرَه بالنُّسُكَيْن، ففَعَلَ أحَدَهما دُونَ الآخَرِ، رَدَّ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِ ما تَرَك، ووَقَع المفْعُولُ عن الآمِرِ، وللنّائِبِ مِن النَّفَقَةِ بقَدْرِه.
فصل: وإنِ اسْتَنابَهُ رجلٌ في الحَجِّ، و 2 آخَرُ في العُمْرَةِ، وأذِنا

..................................  له في القِرانِ، ففَعَلَ، جاز؛ لأنَّه نُسُكٌ مَشْرُوعٌ.
وإن قَرَن مِن غيرِ إذْنِهما، صَحَّ، ووَقَع عنهما، ويَرُدُّ مِن نَفَقَةِ كلَّ واحِدٍ منهما نصْفَها؛ لأنَّه جَعَل السَّفَرَ عنهما بغيرِ إذْنِهما.
وإن أذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخَرِ، رَدَّ على غيرِ الآمِرِ نِصْف نَفَقَتِه 1 وحْدَه.
وقال القاضى: إذا لم يَأْذَنا 2 له، ضَمِن الجميعَ؛ لأنَّه أُمِرَ بنُسُكٍ مُفْرَدٍ، ولم يَأْتِ به، فكانَ مُخالِفًا، كما لو أُمِرَ بحَجٍّ فاعْتَمَرَ.
ولَنا، أنَّه أتَى بما أُمِرَ به، وإنَّما خالَفَ في صِفَتِه، لا في أصْلِه، أشْبَهَ مَن أُمِرَ بالتَّمتُّعِ فَقَرنَ 3. ولو أُمِرَ بأحَدِ النُّسُكَيْن، فقَرَنَ بينَه وبينَ النُّسُكِ 4 الآخَرِ لنَفْسِه، فالحُكْمُ فيه كذلك.
ودَمُ القِرانِ علِى النّائِبِ إذا لم يُؤْذَنْ له فيه؛ لعَدَمِ الإِذْنِ في سَبَبِه، وإن أذِنَ أحَدُهما دُونَ الآخرِ، فعلى الآذِنِ نِصْفُ الدمِ، ونِصْفُه على النّائِبِ.
فصل: وإن أُمِرَ بالحَجِّ، فحَجِّ، ثم اعْتَمَرَ لنَفْسِه، أو أُمِرَ بالعُمْرَةِ، فاعْتَمَرَ، ثم حَجَّ عن نَفْسِه، صَحَّ، ولم يَرُدَّ شيْئًا مِن النَّفَقَةِ؛ لأنَّه أتَى بما أُمِرَ به على وَجْهِه.
وإن أمَرَه بالإِحْرام مِن مِيقاتٍ 5، فأحْرَمَ مِن غيرِه، جاز؛ لأنَّهُما سَواءٌ في الإِجْزاءِ.
وإن أمَرَه بالإِحْرام مِن بَلَدِه، فأحْرَمَ مِن المِيقاتِ، جاز؛ لأنَّه الأفْضَلُ.
وإن أمَرَه بالإِحْرامِ مِن المِيقاتِ، فأحْرَمَ

وَإِنْ أَمْكَنَهُ السَّعْىُ إلَيْهِ، لَزِمَهُ ذَلِكَ إذَا كَانَ فِى وَقْتِ الْمَسيرِ، وَوَجَدَ طَرِيقًا آمِنًا لَا خَفَارَةَ فِيهِ، يُوجَدُ فِيهِ الْمَاءُ وَالْعَلَفُ عَلَى الْمُعْتَادِ.
وَعَنْهُ، أَنَّ إمْكَانَ الْمَسِيرِ وَتَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ مِنْ شَرَائِطِ الْوُجُوبِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَتِ الْخَفَارَةُ لَا تُجْحِفُ بِمَالِهِ، لَزِمَهُ بَذْلُهَا.
مِن بَلَدِه، جاز؛ لأنَّه زِيادَةٌ لا تَضرُّ.
وإن أمَرَه بالحَجِّ في سَنَةٍ، أو الاعْتِمارِ في شَهْرٍ، ففَعَلَه في غيرِه، جازَ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ فيه في الجُمْلَةِ.

1141 -

مسألة: (ومَن قَدَر على السَّعْىِ، لَزِمَه ذلك إذا كان في 1 وقْتِ المَسِيرِ، ووَجَد طَرِيقًا آمِنًا لا خَفارَةَ فيه، يُوجَدُ فيه الماءُ والعَلَفُ على المُعْتادِ. وعنه، أنَّ إمْكانَ المَسِيرِ وتَخْلِيَةَ الطَّرِيق مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كانَتِ الخَفارَةُ لا تُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه بَذْلُها) متى كَمَلَتِ الشُّرُوطُ المَذْكُورَةُ وَجَب عليه الحَجُّ على الفَوْرِ؛ لِما ذَكَرْناه، ولَزِمَه السَّعْىُ إليه؛ لأنَّ ما لا يَتِمُّ الواجِبُ إلَّا به واجِبٌ.

..................................  ولأنَّه سَعْىٌ إلى فَرِيضَةٍ، فكانَ واجِبًا، كالسَّعْىِ إلى الجُمُعَةِ.
وِإنَّما يَجبُ عليه السَّعْىُ إذا كان في 1 وقْتِ المَسِيرِ، وهو كَوْنُ الوَقْتِ مُتَّسِعًا يُمكِنُه الخُرُوجُ إليه فيه، وأمْكَنَه المَسِيرُ إليه بما جَرَتْ به العادَةُ، فلو أمْكَنَه بأن يَسِيرَ سَيْرًا يُجاوِزُ العادَةَ، لم يَلْزَمْه السَّعْىُ.
ويُشْتَرَطُ أن يَجِدَ طَرِيقًا مَسْلُوكَةً لا مانِعَ فيها، بَعِيدَةً كانَتْ أو قَرِيبَةً، بَرًّا كان أو بَحْرًا، إذا كان الغالِبُ فيها السَّلامَةَ، فإن لم يَكُنِ الغالِبُ منه السَّلامَةَ، لم يَلْزَمْه سُلُوكُه، فإن كان في الطَّرِيقِ عَدُوٌّ يَطْلُبُ خَفارَةً، لم يَلْزَمْه سُلُوكُه، ويَسْقُطُ عنه السَّعْىُ، يَسِيرَةً كانَتْ أو كَثِيرَةً.
ذَكَرَه القاضى؛ لأنَّها رِشْوَةٌ فلم يَلْزَمْه بَذْلُها في العبادَةِ، كالكَبِيرةِ 2. وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان ذلك ممّا لا يُجْحِفُ بمالِه، لَزِمَه الحَجُّ؛ لأنَّها غَرامَةٌ يَقِفُ إمْكانُ الحَجِّ على بَذْلِها،

..................................  فلم يَمْنَعِ الوُجُوبَ مع إمْكانِ بَذْلِها، كثَمَنِ الماءِ، وعَلَفِ البَهائِمِ.
ويُشْتَرَطُ أن يَكُونَ الطَّرِيقُ آمِنًا، فإن كان مَخُوفًا، لم يَلْزَمْه سُلُوكُه؛ لأنَّ فيه تَغْرِيرًا بنَفْسِه ومالِه، ويُشْتَرَطُ أن يُوجَدَ فيه الماءُ والعَلَفُ، كما جَرَتْ به العادَةُ، بحيث يُوجَدُ الماءُ وعَلَفُ البَهائِمِ في المَنازِلِ التى يَنْزِلُها على حَسَبِ العادَةِ، ولا يَلْزَمُه حَمْلُه مِن بَلَدِه، ولا مِن أقْرَبِ البُلْدانِ إلى مَكَّةَ، كأطْرافِ الشّامِ ونَحْوِها؛ لأنَّ هذا يَشُقُّ، ولم تَجْرِ العادَةُ به، ولا يَتَمَكَّنُ مِن حَمْلِ الماءِ والعَلَفِ لبَهائِمِه في جَميعِ الطَّرِيقِ، بخِلافِ زادِ نَفْسِه.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في إمْكانِ المَسِيرِ، وتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، فرُوِىَ

..................................  أنَّهما مِن شَرائِطِ الوُجُوبِ، لا يَجِبُ الحَجُّ بدُونِهما؛ لأنَّ اللهَ سبحانه وتعالى إنَّما فَرَض الحَجَّ على المُسْتَطِيعِ، وهذا غيرُ مُسْتَطِيعٍ، ولأنَّ هذا يَتَعَذَّرُ معه فِعْل الحَجِّ، فكانَ شَرْطًا، كالزَّادِ والرّاحِلَةِ.
وهذا مَذْهَبُ أبى حنيفةَ والشافعىِّ.
ورُوِىَ أنَّهما مِن شَرائِطِ لُزُومِ الأداءِ، فلو كَمَلَتِ الشُّرُوطُ الخَمْسَةُ، ثم مات قبلَ وُجُودِ هذَيْن الشَّرْطَيْن، حُجَّ عنه بعدَ مَوْتِه، وإن أعْسَرَ قبلَ 1 وُجُودِهما بَقِىَ في ذِمَّتِه.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، وذلك لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا سُئِلَ: ما يُوجِبُ الحَجَّ؟ قال: «الزَّادُ وَالرَّاحِلَةُ» 2. حديث حسنٌ.
ولأنَّه عُذْرٌ يَمْنَعُ نَفْسَ الأداءِ، فلم يَمْنَعِ الوُجُوبَ، كالعَضَبِ 3، ولأنَّ إمْكانَ الأداءِ ليس بشَرْطٍ في وُجُوبِ العِباداتِ، بدَلِيلِ ما لو طَهُرَتِ الحائِضُ، أو بَلَغ الصَّبِىُّ، أو أفاقَ المَجْنُونُ، ولم يَبْقَ مِن وَقْتِ الصلاةِ ما يُمْكِنُ أداؤُها فيه، والاسْتِطاعَةُ مُفَسَّرَةٌ بالزّاد والرّاحِلَةِ في الحَدِيثِ، فيَجِبُ المَصِيرُ إليه، والفَرْقُ بينَ هذَيْن وبينَ الزّادِ والرّاحِلَةِ أنَّه يَتَعَذَّرُ مع فَقْدِهِما الأداءُ دُونَ القضاءِ، وفَقْدُ الزّادِ والرّاحِلَةِ يَتَعَذَّرُ معه الجَمِيعُ.

وَمَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَجُّ فَتُوُفِّىَ قَبْلَهُ، أُخْرِجَ عَنْهُ مِنْ جَمِيعِ مَالِهِ حَجَّةٌ وَعُمْرَةٌ،

1142 - مسألة: (ومَن وَجَب عليه الحَجُّ [فتُوفِّىَ قبلَه، أُخْرِجَ] 1 عنه مِن جَميعِ مالِه حَجَّةٌ وعُمْرَةٌ) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ مَن وَجَب

..................................  عليه الحَجُّ، ولم يَحُجَّ، وَجَب أن يُخْرَجَ عنه مِن جَمِيعِ مالِه ما يُحَجُّ به عنه ويُعْتَمَرُ، سَواءٌ فاتَه بتَفْرِيطِه أو بغيرِ تَفْرِيطِه.
وبهذا قال الحسنُ، وطاوُسٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَسْقُطُ بالمَوْتِ، فإن وَصَّى بها فهى مِن الثُّلُثِ؛ لأنَّه عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، فتَسْقُطُ بالمَوْتِ، كالصلاةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، أنَّ امرأةً سألَتِ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -عن أبيها، مات ولم يَحُجَّ؟ قال: «حُجِّى عَنْ أبيكِ».
وعنه، أنَّ امرأةً نَذَرَتْ أن تَحُجَّ، فماتَتْ، فأتَى أخُوها النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فسأله عن ذلك، فقالَ: «أرَأيْتَ لَوْ كَانَ عَلَى أُخْتِكَ دَيْنٌ أكُنْتَ قَاضِيَهُ؟».
قال: نَعَمْ.
قال: «فَاقْضُوا اللهَ، فهُو أحَقُّ بالقضَاءِ 1». رَواهما النَّسائِىُّ 2. ولأنَّه حَقٌّ اسْتَقَرَّ عليه،

..................................  تَدْخُلُه النِّيابَةُ، فلم يَسْقُطْ بالمَوْتِ، كالدَّيْنِ.
وبهذا فارَقَ الصلاةَ، فإنَّها لا تَدْخُلُها النِّيابَةُ.
والعُمْرَةُ كالحَجِّ فيما ذَكَرْنا، إذا قُلْنا بوُجُوبِها.
ويَكُونُ ما يُحَجُّ به ويُعْتَمَرُ مِن جَمِيعِ مالِه؛ لأنَّه دَيْنٌ مُسْتَقِرٌّ، فكانَ مِن جَمِيعِ المالِ، كدَيْنَ الآدَمِىِّ.
فصل: ويُسْتَنابُ مَن يَحُجُّ عنه مِن حيثُ وَجَب عليه، إمّا مِن بَلَدِه أو مِن المَوْضِعِ الذى أيْسَرَ فيه.
وبهذا قال الحسنُ، ومالكٌ، وإسحاقُ، في النَّذْرِ.
وقال عَطاءٌ، في النّاذِرِ: إن لم يَكُنْ نَوَى مَكانًا، فمِن مِيقاتِه.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ.
وقال الشافعىُّ، في مَن عليه حَجَّةُ الإِسْلامِ: يُسْتَأْجَرُ مَن يَحُجُّ عنه مِن المِيقاتِ؛ لأنَّ الإِحْرامَ لا يَجِبُ مِن دُونِه.
ولَنا، أنَّ

..................................  الحَجَّ وَجَب [على المَيِّتِ] 1 مِن بَلَدِه، فوَجَبَ أن يَنُوبَ عنه منه؛ لأنَّ القَضاءَ يَكُونُ على صِفَةِ الأداءِ، كقَضاءِ الصلاةِ والصومِ، كذلك الحُكْمُ في [حَجِّ النَّذْرِ] 2 والقَضاءِ قِياسًا عليه.
فإن كان له وَطَنان اسْتُنِيبَ مِن أقْرَبِهما؛ فإن وَجَب عليه الحَجُّ بخُراسانَ، فماتَ ببَغْدادَ، أو 3 بالعَكْسِ، فقالَ أحمدُ: يَحُجُّ عنه مِن حيث وَجَب عليه، لا مِن حيث مَوْتُه.
ويَحْتَمِلُ أن يَحُجَّ عنه مِن أقْرَبِ المَكانَيْن؛ لأنَّه لو كانَ حَيًّا في أقْرَبِ المَكانَيْن، لم يَجِبْ عليه الحَجُّ مِن أبْعَدَ منه، فكذلك نائِبُه.
فإن أُحِجَّ 4 عنه مِن دُونِ ذلك، فقالَ القاضى: إن كان دُونَ مسافَةِ القَصْرِ أجْزَأه؛ لأنَّه في حُكْمِ القَرِيبِ، وإلَّا لم يُجْزِئْه؛ لأَّنه لم يُؤَدِّ الواجِبَ بكَمالِه.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه، ويَكونُ مُسِيئًا، كمَن وَجَب عليه الإِحْرامُ مِن المِيقاتِ، فأحْرَمَ مِن دُونِه.
واللهُ أعْلَمُ.
فصل: فإن خَرَج للحَجِّ فماتَ في الطَّرِيقِ، حُجَّ عنه مِن حيثُ ماتَ؛ لأنَّه أسْقَطَ بعضَ ما وَجَب عليه، فلم يَجِبْ ثانِيًا 5. وكذلك إن مات نائِبُه استُنِيبَ 6 مِن حيث مات كذلك.
ولو أحْرَمَ بالحَجِّ ثم ماتَ،

فَإِنْ ضَاقَ مَالُهُ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ، أُخِذَ لِلْحَجِّ بِحِصَّتِهِ، وَحُجَّ بِهِ مِنْ حَيْثُ يَبْلُغُ.
صَحَّتِ النِّيابَةُ عنه فيما بَقِىَ مِن النُّسُكِ، سَواءٌ كان إحْرامُه لنَفْسِه أو غيرِه.
نَصَّ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ تَدْخُلُها النِّيابَةُ، فإذا ماتَ بعدَ فِعْلِ بعضِها قَضَى عنه باقِيَها، كالزَّكاةِ.

1143 -

مسألة: (فإن ضاق مالُه عن ذلك، أو كان عليه دَيْنٌ، أُخِذَ للحَجِّ بحِصَّتِه، وحُجَّ به مِن حيث يَبْلُغُ)

إذا لم يُخَلِّفِ المَيِّتُ ما يَكْفِى للحَجِّ مِن بَلَدِه، حُجَّ عنه مِن حيث يَبْلُغُ.
وإن كان عليه دَيْنٌ لآدَمِىٍّ، تَحاصّا، ويُؤْخَذُ للحَجِّ بحِصَّتِه، فَيُحَجُّ بها من حيث يَبْلُغ.
قال الإِمامُ أحمدُ في رجلٍ أوْصَى أن يُحَجَّ عنه، ولا تَبْلُغُ النَّفَقَةُ؟ قال: يُحَجُّ عنه مِن حيث تَبْلُغُ النَّفَقَةُ للرّاكِبِ مِن غيرِ مَدينَتِه.
وذلك لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا أمَرْتُكُمْ بِأمْرٍ فَائْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ» 1. ولأنَّه قَدَر على أداءِ بعضِ الواجِبِ، فلَزِمَه، كالزكاةِ.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ الحَجَّ يَسْقُطُ؛ لأنَّه قال في رجلٍ أوْصَى بحَحَّةٍ واجِبَةٍ، ولم يُخَلِّفْ ما يَتِمُّ به حَجُّهُ، هل

..................................  يُحَجُّ عنه مِن المَدِينَةِ، أو مِن حيث تَتِمُّ الحَجَّةُ؟ فقالَ: ما يَكُونُ الحَجُّ عِنْدِى إلَّا مِن حيث وَجَب عليه.
وهذا تَنْبِيهٌ على سُقُوطِه عمَّن عليه دَيْنٌ لا تَفِى تَرِكَتُه به وبالحَجِّ، فإنَّه إذا أسْقَطَه مع عدَمِ المعارِضِ، فمع المُعارَضَةِ بحَقِّ الآدَمِىِّ المُؤكَّدِ أوْلَى.
ويَحْتمِلُ أن يَسْقُطَ عمَّن عليه دَيْنٌ، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ حَقَّ الآدَمِىِّ المُعَيَّنِ أوْلَى بالتَّقْدِيمِ لتَأكُّدِه، وحَقُّه 1 حَقُّ اللهِ تعالى، مع عدَمِ إمْكانِه على الوَجْهِ الواجِبِ.
فصل 2: وإن وَصَّى بحَجِّ تَطَوُّعٍ، ولم يَفِ ثُلُثُه بالحَجِّ مِن بَلَدِه، حُجَّ به مِن حيث يَبْلُغُ، أو يُعانُ به في الحَجِّ.
نَصَّ عليه، وقال: التَّطَوُّعُ ما يُبالَى مِن أين 3 كان.
ويُسْتَنابُ عن المَيِّتِ ثِقَةٌ بأقَلِّ ما يُوجَدُ، إلَّا أن يَرْضَى الوَرَثَةُ بزِيادَةٍ، أو يَكُونَ قد أوْصَى بشئٍ، فيَجُوزُ ما أوْصَى به، ما لم [يَزِدْ على] 4 الثُّلُثِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَحُجَّ الإِنْسانُ عن اُبَوَيْه، إذا كانا مَيِّتَيْن أو عاجِزَيْن؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -أمَرَ أبا رَزِينٍ، فقالَ: «حُجَّ عَنْ أبِيكَ،

..................................  وَاعْتَمِرْ» 1. وسَألَتِ امْرَأةٌ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن أبِيهَا، مات ولم يَحُجَّ؟ قال: «حُجِّى عَنْ أبِيكِ» 2. ويُسْتَحَبُّ البدَايةُ 3 بالحَجِّ عن الأُمِّ، إن كان تَطَوُّعًا أو واجِبًا عليهما.
نَصَّ عليه أحمدُ في التَّطَوُّعِ؛ لأنَّ الأُمِّ مُقَدَّمَةٌ في البِرِّ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: جاء رجلٌ إلى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: مَن أحَقُّ النّاسِ بحُسْنِ صَحابَتِى؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «أُمُّكَ».
قال: ثم مَن؟ قال: «أبُوكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 4. وإن كان الحَجُّ واجِبًا على الأبِ دُونَها، بَدَأ به؛ لأنَّه واجِبٌ، فكانَ أوْلَى مِن التَّطَوُّعِ.
وقد روَى زيدُ بن أرْقَمَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا حَج الرَّجُلُ عَنْ وَالِدَيْهِ تُقُبِّلَ مِنْهُ ومِنْهُما وَاسْتَبْشَرَتْ أرْوَاحُهُمَا فِى السَّمَاءِ، وَكُتِبَ عِنْدَ اللهِ بَرًّا».
وعن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَجَّ عَنْ أبوَيْهِ، أوْ قَضَى عَنْهُمَا مَغْرَمًا، بُعِثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ الأبْرَار».
وعن جابرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ حَجَّ عَنْ أبِيهِ أوْ أُمِّهِ، فَقَدْ قَضَى عَنْه 5 حَجَّتَهُ، وَكَانَ لَهُ فَضْلُ عَشْرِ حِجَجٍ».
رَواهُنَّ الدَّارَقُطْنِيُّ 6.

فَصْلٌ: وَيُشْتَرَطُ لِوُجُوبِ الْحَجِّ عَلَى الْمَرْأةِ وُجُودُ مَحْرَمِهَا؛ وَهُوَ زَوْجُهَا، أو مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ عَلَى التَّأْبِيدِ بِنَسَبٍ أَوْ سَبَبٍ مُبَاحٍ، إِذَا كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا.
وَعَنْهُ، أنَّ الْمَحْرَمَ مِنْ شَرَائِطِ لُزُومِ الْأدَاءِ،  فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ويُشْتَرَطُ لوُجُوبِ الحَجِّ على المَرْأةِ وُجُودُ مَحْرَمِها؛ وهو زَوْجُها، أو مَن تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ بنَسَبٍ أو سَبَبٍ مُباحٍ، إذا كان بالِغًا عاقِلًا.
وعنه، أنَّ المَحْرَمَ مِن شَرائِطِ لُزُومِ الأداءِ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في وُجُودِ المَحْرَمِ في حَقِّ المرأةِ؛ فرُوِىَ عنه، أنَّ الحَجَّ لا يَجِبُ على المرأةِ إذا لم تَجِدْ مَحْرَمًا.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
وقال أبو داودَ: قُلْتُ لأحمدَ: امرأةٌ مُوسِرَةٌ لم يَكُنْ لها مَحْرَمٌ، هل وَجَب عليها الحَجُّ؟ قال: لا.
وقال: المَحْرَمُ مِن السَّبِيلِ.
وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِىِّ، وإسْحاقَ، وأصحابِ الرَّأْىِ، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوِىَ عنه أنَّه مِن شَرائِطِ لُزُومِ السَّعْىِ دُونَ الوُجُوبِ.

..................................  فعلى هذه الرِّوايَةِ متى كَمَلَت لها الشَّرائِطُ الخَمْسُ، وفاتَها الحَجُّ بمَوْتٍ أو مَرضٍ لا يُرْجَى بُرْؤه، أُخْرِجَ عنها حَجَّةٌ؛ لأنَّ شُرُوطَ الحَجِّ المُخْتَصَّةَ بها 1 قد كَمَلَتْ، وإنَّما المَحْرَمُ لحِفْظِها، فهو كتَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وإمْكانِ.
المَسِيرِ.
وعنه رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ المَحْرَمَ ليس بشَرْطٍ في الحَجِّ الواجِبِ.
قال الأثْرَمُ: سَمِعْت أحمدَ يُسْألُ: هل يَكُونُ الرجلُ مَحْرَمًا لأُمِّ امرأتِه، يُخْرِجُها إلى الحَجَّ؟ فقالَ: أمّا في حَجَّةِ الفَرِيضَةِ فأرْجُو 2؛ لأنَّها تَخْرُجُ إليها مع النِّساءِ، ومع كلِّ مَن أمِنَتْه، وأمّا في غيرِها فلا.
والمَذْهَبُ الأوَّل.
وقال ابنُ سِيرينَ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ: ليس المَحْرَمُ شَرْطًا في حَجِّها بحالٍ.
قال ابنُ سِيرِينَ: تَخْرُجُ مع رجلٍ مِن المسلمين لا بَأْسَ به.
وقال مالكٌ: تَخْرُجُ مع جَماعَةِ النِّساءِ.

..................................  وقال الشافعىُّ: تَخْرُجُ معِ حُرَّةٍ مُسْلِمَةٍ ثِقَةٍ.
وقال الأوْزاعِىُّ: تَخْرُجُ معِ قَوْمٍ عُدُولٍ، تَتَّخِذُ سُلَّمًا تصْعَدُ عليه وتَنْزِلُ، ولا يَقْرَبُها رجلٌ إلَّا أن يَأْخُذَ برَأْسِ البَعِيرِ، ويَضَعَ 1 رِجْلَه 2 على ذِرَاعِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: تَرَكُوا القولَ بظاهِر الحديثِ، واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهم شَرْطًا لا حُجَّةَ معه عليه، واحْتَجُّوا بأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَسَّرَ الاسْتِطاعَةَ بالزَّادِ والرّاحِلةِ 3، وقال لعَدِىِّ ابنِ حاتِمٍ: «يُوشِكُ أنْ تَخْرُجَ الظَّعِينَةُ تَؤُمُّ الْبَيْتَ، لَا جِوارَ مَعَهَا، لَا تَخافُ إلَّا اللهَ» 4. ولأنَّه سَفَرٌ واجبٌ، فلم يُشْتَرَطْ له المَحْرَمُ، كالمُسْلِمَةِ إذا تَخَلَّصَتْ مِن أيْدِى الكُفَّارِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ، تُسَافِرُ مَسِيرَةَ يَوْمٍ، إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ».
وعن ابنِ عباسٍ، قال:

..................................  سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يَخْلُوَنَّ رَجُلٌ بِامْرَأةٍ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ، [وَلَا تُسَافِرُ امْرَأةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ] 1». فقامَ رجلٌ، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى اكْتُتِبْتُ 2 في غَزْوَةِ كذا، وانْطَلَقَتِ امْرِأتِى حاجَّةً، فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «انْطَلِقْ فَاحْجُجْ مَعَ امْرَأتِكَ».
مُتَّفَقٌ عليهما 3. وروَى ابنُ عُمَرَ، وأبو سعيدٍ نَحْوًا مِن حديثِ أبى هُرَيْرَةَ 4. قال أبو عبدِ اللهِ: أمّا أبو هُرَيْرَةَ، فيَقُولُ: «يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ».
ويُرْوَى عن أبى هُرَيْرَةَ: «لَا تُسَافِرُ سَفَرًا».
أيضًا.
وأمّا حديثُ أبي سعيدٍ، فيَقولُ: «ثَلاَثَة أيّامٍ».
قُلْتُ: ما تقولُ أنت؟ قال: لا تُسَافِرُ

..................................  سَفَرًا قَلِيلًا ولا كَثِيرًا إلَّا مع ذى مَحْرَمٍ.
وروَى الدَّارَقُطْنِيُّ 1 بإسْنادِه، عن ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا تَحُجَّنَّ امْرَأةٌ إلَّا وَمَعَهَا ذُو مَحْرَمٍ».
وهذا نَصٌّ صَرِيحٌ في الحُكْمِ.
ولأنَّها أنشأتْ سَفَرًا في دارِ الإِسْلامِ، فلم يَجُزْ بغيرِ مَحْرَمٍ، كحَجِّ التَّطَوُّعِ.
وحديثُهم مَحْمُولٌ على الرجلِ، بدَلِيلِ أنَّهم شَرَطُوا خُرُوجَ غيرِها معها، فجَعْلُ ذلك الغيرِ المَحْرَمَ الذى بَيَّنَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - في أحادِيثِنا أوْلَى مِمّا اشْتَرَطُوه بالتَّحَكُّمِ مِن غيرِ دَلِيلٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّ الزّادَ والرَّاحِلَةَ تُوجِبُ الحَجَّ مع كَمالِ بَقِيَّةِ الشُّرُوطِ، ولذلك اشْتَرَطُوا تَخْلِيَةَ الطَّرِيقِ، وإمْكانَ المَسِيرِ، وقَضاءَ الدَّيْنِ، ونَفَقَةَ العِيالِ.
واشْتَرَطَ مالكٌ إمْكانَ الثُّبُوتِ على الرّاحِلَةِ، وهى غيرُ مَذْكُورَةٍ في الحديثِ.
واشْتَرَطَ كلُّ واحِدٍ منهم شَرْطًا في مَحَلِّ النِّزاعِ مِن عندِ نَفْسِه، لا مِن كِتابٍ، ولا من سُنَّةٍ، فما ذَكَرَه النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أوْلَى بالاشْتِراطِ، ولو قُدِّرَ التَّعارُضُ، فحديثُنا أصَحُّ وأخَصُّ وأوْلَى بالتَّقْدِيمِ.

..................................  وحديثُ عَدِىٍّ يَدُلُّ على وُجُودِ السَّفَرِ، لا على جَوازِه، ولذلك لم يَجُزْ 1 في غيرِ الحَجِّ المَفْرُوضِ، ولم يَذْكُرْ فيه خرُوجَ غيرِها معها.
وأمّا الأسِيرَةُ إذا تَخَلَّصَتْ مِن أيْدِى الكفَّارِ، فإنَّ سَفَرَها 2 سَفَرُ ضَرُورَةٍ، لا يُقاسُ عليه حالَةُ الاخْتِيارِ، ولذلك تَخْرُجُ فيه وَحْدَها؛ ولأنَّها تَدْفَعُ ضَرَرًا مُتَيَقَّنًا بتَحَمُّلِ الضَّرَرِ المُتَوَهَّمِ، فلا يَلْزَمُ تَحَمُّلُ ذلك مِن غيرِ ضَرَرٍ أصْلًا.
فصل: والمَحْرَمُ زَوْجُها، أو من تَحْرُمُ عليه على التَّأْبِيدِ بنَسَبٍ أو سَبَبٍ.
مُبَاحٍ؛ كأبِيها، وابنِهَا، وأخِيهَا مِن نَسَبٍ أو رَضاعٍ، ورَبِيبِها

..................................  ورابِّها 1؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُؤْمِنُ بِالله وِالْيَوْمِ الآخِرِ، أنْ تُسَافِرَ سَفَرًا يَكُونُ ثَلاَثةَ أيّامٍ فَصَاعِدًا، إلَّا وَمَعَهَا أبُوهَا، أو ابْنُهَا، أوْ زَوْجُهَا، أوْ ذُو مَحْرَمٍ مِنْهَا 2». رَواه مسلم 3. وكذلك مَن تَحْرُمُ عليه بالمُصاهَرَةِ بسَبَبٍ مُباحٍ؛ لأنَّها مُحَرَّمَةٌ عليه على التَّأْبِيدِ، أشْبَهَ التَّحْرِيمَ بالنَّسَبِ.
قال أحمدُ: ويَكُونُ زَوْجُ أُمِّ المرْأةِ مَحْرَمًا لها، يَحُجُّ بها، ويُسافِرُ الرجلُ مع أمِّ وَلَدِ جَدِّه، وإذا كان أخُوها مِن الرَّضاعَةِ خَرَجَتْ معه.
وقال في أُمِّ امْرَأتِه: يَكُونُ مَحْرَمًا لها في حَجِّ 4 الفَرْضِ دُونَ غيرِه.
قال الأثْرَمُ: كأنَّه ذَهَب إلى أنَّها لم تُذْكَرْ في قولِه تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ﴾ 5. الآية.
فأمّا مَن تَحِلُّ له في حالٍ، كزَوْجِ أُختِها، فليس بمَحْرَمٍ لها.
نَصَّ عليه.
لأنَّه ليس بحَرامٍ عليها على التَّأْبِيدِ، ولا يُباحُ له النَّظَرُ إليها.
وليد العَبْدُ مَحْرَمًا لسَيِّدَتِه.

..................................  نَصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعىُّ: هو مَحْرَمٌ لها.
وحَكاه بعضُ أصحابِنا عن أحمدَ؛ لأنَّه يُباحُ له النَّظَرُ إليها، فكانَ مَحْرَمًا لها، كذِى رَحِمِها.
ولَنا، ما روَى سعيدٌ في «سُنَنِه» بإسْنادِه، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «سَفَرُ المَرْأةِ مَعَ عَبْدِهَا ضَيْعَةٌ» 1. ولأنَّه غيرُ مَأْمُونٍ عليها، ولا تَحْرُمُ، عليه على التَّأْبِيدِ، أشْبَهَ الأجْنَبِىَّ، وقِياسُه على ذى الرَّحِمِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه مَأْمُونٌ عليها، بخِلافِ العَبْدِ، ولا يَلْزَمُ مِن إباحَةِ النَّظَرِ إلَيها أن يَكُونَ مَحْرَمًا لها 2، فإنَّه يَجُوزُ النَّظَرُ إلى القَواعِدِ مِن النِّساءِ، ويَجُوزُ لغَيْرِ أُولِى الإِرْبَةِ النَّظَرُ إلى الأجْنَبِيَّةِ، وليس مَحْرَمًا لها.
فصل: وأمُّ 3 المَوْطُوءَةِ بشُبْهَةٍ، والمَزْنِىِّ بها، وابنتُهما 4، فليس بمَحْرَمٍ لهما.
وعنه، أنَّه مَحْرَمٌ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّ تَحْرِيمَهما 5 بسَبَبٍ غيرِ مُباحٍ، فلم يَثْبُتْ به حُكْمُ المحْرَمِيَّةِ، كالتَّحْرِيمِ الثّابِتِ باللِّعانِ،

جارٍ التحميل