..................................
ذلك.
وبهذا فارَقَ الوُقُوفَ والرَّمْى، ولأنَّ الأُضْحِيَةَ لا تَسْقُطُ بفَواتِها، بخِلافِ ذلك.
فإن ضَلَّتِ الأُضْحِيَةُ التى وَجَبَتْ بإيجَابِه لها، أو سُرِقَتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّها أمانَةٌ في يَدِه، فإن عادَتْ بعدَ الوَقْتِ ذَبَحَها، على ما ذَكرنَاه.
فصل: فإن ذَبَحَها قبلَ وَقْتِها، لم تُجْزِئْه، وعليه بَدَلُها إن كانت واجِبَةً بنَذْرٍ أو تَعْيِينٍ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ أنْ يُصَلِّى، فَلْيُعِدْ مَكَانَهَا أُخْرَى» 1. ولأنَّها نَسِيكَةٌ واجِبَةٌ ذَبَحَها قبلَ وَقْتِها، فَلَزِمَه بَدَلُها، كالهَدْىِ إذا ذَبَحه قبلَ مَحِلِّه.
ويَجِبُ أن يكونَ بَدَلُها مِثلَها أو خَيْرًا منها؛ لأنَّه أتْلَفَها، فإن كانت غيرَ واجِبَةٍ، فهى شاةُ لَحْمٍ، ولا بَدَلَ عليه، إلَّا أن يَشاءَ؛ لأنَّه قَصَد التَّطَوُّعَ فأفْسَدَه، فلم يَجِبْ عليه بَدَلُه, كما لو خَرَج بصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ فدَفَعَها إلى غيرِ مُسْتَحِقِّها.
فعلى هذا، يُحْمَلُ الحَدِيثُ على النَّدْبِ، أو على ما إذا كانتْ واجِبَةً.
والشّاةُ المَذْبُوحَةُ شاةُ لَحْمٍ كما وَصَفَها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومَعْناه: يَصْنَعُ بها ما شاءَ، كشاةٍ ذَبَحَها للَحْمِها، لا لغيرِ ذلك؛ لأنَّها إن كانت واجِبَةً فقد لَزِمَه إبْدَالُها وذَبْحُ ما يَقُومُ مَقامَها، فخَرَجَتْ هذه عن كَوْنِها واجِبَةً، كالهَدْىِ الواجِبِ إذا عَطِبَ دُونَ مَحِلِّه، وإن كانت تَطَوُّعًا فقد أخْرَجَها بذَبْحِه إيَّاهَا عن القُرْبَةِ، فبَقِيَتْ مُجَرَّدَ شَاةِ لَحْمٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ حُكْمُها حُكْمَ الأُضْحِيَةِ،
وَيَتَعَيَّنُ الْهَدْىُ بِقَوْلِهِ: هَذَا هَدْىٌ.
أوْ تَقْلِيدِهِ وَإشْعَارِهِ مَعَ النِّيَّةِ.
وَالأُضْحِيَةُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ أُضْحِيَةٌ.
وَلَوْ نَوَى حَالَ الشِّرَاءِ، لَمْ تَتَعَيَّنْ بِذَلِكَ.
كالهَدْىِ إذا عَطِب، ولا يَخْرُجُ عن حُكْمِ الهَدْى على رِوايَةٍ، ويكونُ مَعْنَى قَوْلِه: «شاةُ لَحْمٍ».
يَعْنِى أنَّها تُفَارِقُها في فَضْلِها وثَوَابِها خَاصَّةً دُونَ ما يُصْنَعُ بها.
1353 -
مسألة: (ويَتَعَيَّنُ الهَدْىُ بقوْلِه: هذا هَدْىٌ. أو تَقْلِيدِه، أو إشْعارِه مع النِّيَّةِ. والأُضْحِيَةُ بقَوْلِه: هذه أُضْحِيَةٌ. ولو نَوَى حالَ الشِّراءِ، لم تَتَعَيَّنْ بذلك)
يَتَعَيَّنُ الهَدْىُ بقوْلِه: هَذا هَدْىٌ.
أو تَقْلِيدِه، أو إشْعارِه مع النِّيَّةِ.
وبهذا قال الثَّوْرىُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّ الفِعْلَ مع النِّيَّةِ يَقُومُ مَقامَ اللَّفْظِ، إذا كان الفِعْلُ يَدُلُّ على المَقْصُودِ، كمَن بَنَى مَسْجدًا وأذِنَ في الصَّلاةِ فيه، وكذلك الأُضْحِيَةُ تَتَعَيَّنُ بقَوْلِه: هذه أُضْحِيَةٌ.
فتَصِيرُ واجِبَةً بذلك, كما يَعْتِقُ العَبْدُ بقَوْلِ سَيِّدِه: هذا حُرٌّ.
ولا يَتَعَيَّنُ بالنِّيَّةِ.
هذا مَقْصُودُ الشافعىِّ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: إذا اشْتَرَاها بنِيَّةِ الأُضْحِيَةِ صارَتْ أُضْحِيَةً؛ لأنَّه مَأْمُورٌ بشِراءِ أُضْحِيَةٍ، فإذا اشْتَرَاها بالنِّيَّةِ
..................................
وَقَعَتْ عنه، كالوَكِيلِ.
قال صاحِبُ «المُحَرَّرِ»: وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، رَحِمَه اللَّه، فيما نَقَلَه عنه الحسنُ بنُ ثَواب، وأبو الحارِثِ, كما يَتَعَيَّنُ الهَدْىُ بالإِشْعارِ.
ولَنا، أنَّه إزَالَةُ مِلْكٍ على وَجْهُ القُرْبَةِ، فلم تُؤَثِّرْ فيه النِّيَّةُ المُقارِنَةُ للشِّراءِ، كالعِتْقِ والوَقْفِ، ويُفارِقُ البَيْعَ، فإنَّه لا يُمْكِنُه جَعْلُه لمُوَكِّلِه بعدَ إيقاعِه، وههُنا بعدَ الشِّراءِ يُمْكِنُه جَعْلُها أُضْحِيَةً.
فصل: فإن عَيَّنَها وهى ناقِصَةٌ نَقْصًا يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، وَجَب عليه ذَبْحُها, كما لو نَذَر ذَبْحَها، ولأنَّ إيجابَها كنَذْرِ هَدْىٍ مِن غيرِ بَهِيمَةِ الأنْعام، يَلْزَمُه الوَفاءُ به، ولا يُجْزِئُه عن الأُضْحِيَةِ الشَّرْعِيَّةِ، لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَرْبَعٌ لَا تَجُوزُ في الأَضَاحِى» 1. الحَدِيث.
ولكنَّه يَذْبَحُها
وَإِذَا تَعَيَّنَتْ لَمْ يَجُزْ بَيْعُهَا وَلَا هِبَتُهَا، إِلَّا أَنْ يُبْدِلَهَا بِخَيْرٍ مِنْهَا.
ويُثابُ على ما يَتَصَدَّقُ به منها, كما يُثابُ على الصَّدَقَةِ بما لا يَصْلُحُ أن يكونَ هَدْيًا، وكما لو أعْتَقَ عن كَفَّارَتِه عَبْدًا لا يُجْزِئُ في الكَفَّارَةِ، إلَّا أنَّه ههُنا لا يَلْزَمُه بَدَلُها؛ لأنَّ الأُضْحِيَةَ في الأصْلِ غيرُ واجِبَةٍ، ولم يُوجَدْ منه ما يوُجِبُها، فإن زَالَ عَيْبُها المانِعُ مِن الإِجْزاءِ، كبُرْءِ المَرِيضَةِ والعَرْجَاءِ، وزَوالِ الهُزالِ، فقال القاضِى: تُجْزِئُ في قِياسِ المَذْهَبِ.
وقال أصحابُ الشافعىِّ: لا تُجْزِئُ؛ لأنَّ الاعْتِبارَ بحالِ إيجابها، ولأنَّ الزِّيَادَةَ فيها كانت للمَسَاكِينِ, كما أنَّها لو نَقَصَتْ بعدَ إيجابِها، كان عليهم، ولا يَمْنَعُ كَوْنَها أُضْحِيَةً.
ولَنا، أنَّها أُضْحِيَةٌ يُجْزِئُ مثلُها، فأجْزَأتْ, كما لو لم يُوجِبْها إلَّا بعدَ زَوالِ عَيْبِها.
1354 -
مسألة: (وإذا تَعَيَّنَتْ لم يَجُزْ بَيْعُها ولا هِبَتُها، إلَّا أن يُبْدِلَها
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: لَا يَجُوزُ أَيْضًا.
بخَيْرٍ منها.
وقال أبو الخَطّابِ: لا يَجُوزُ أيْضًا) إذَا تَعَيَّنَتْ لم يَجُزْ بَيْعُها ولا هِبَتُها.
وقال القاضى: يَجُوزُ أن يَبِيعَها ويَشْتَرِىَ خَيْرًا منها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ عَطاءٍ، ومُجاهِدٍ، وأبى حنيفةَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ساقَ في حَجَّتِه مائَةَ بَدَنَةٍ، وقَدِمَ علىٌّ مِن اليَمَنِ فأشْرَكَهُ في بُدْنِه.
رَواه مسلمٌ 1. والاشْتِرَاكُ نَوْعٌ مِن البَيْع أو الهِبَةِ، ولأنَّه يَجُوزُ إبْدَالُها بخَيْرٍ منها، والإِبدَالُ نَوْعٌ مِن البَيْع.
ولَنا، أنَّه قد تَعَيَّنَ ذَبْحُها، فلم يَجُزْ بَيْعُها, كما لو نَذَر ذَبْحَها بعَيْنِها، ولأنَّه جَعَلَها للَّهِ، فلم يَجُزْ بَيْعُها، كالوَقْفِ، وإنَّما جَازَ إبْدالُها بجِنْسِها؛ لأنَّه لم يَزُلِ الحَقُّ فيها عن جِنْسِها، وإنَّما انْتَقَلَ إلى خَيْرٍ
..................................
منها، فكان في المَعْنَى ضَمُّ زِيَادَةٍ إليها، وقد جازَ إبْدَالُ المُصْحَفِ، ولم يَجُزْ بَيْعُه.
وأمَّا الحَدِيثُ فيَحْتَمِلُ أنَّه أشْرَكَ عَلِيًّا فيها قبلَ إيجابِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ إشْرَاكَه فيها بمَعْنَى أنَّ عَلِيًّا جاءَ ببُدْنٍ، فاشْتَرَكَا في الجَمِيع، فكان بمَعْنَى الإِبدَالِ، لا بمَعْنَى البَيْع.
ويَجُوزُ أن تَكُونَ الشَّرِكَة في ثَوابِها وأجْرِها.
فأمَّا إبْدَالُها بخَيْرٍ منها، فقد نَصَّ أحمدُ على جَوازِه.
وهو اختِيارُ الخِرَقِىِّ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وعِكْرِمَةُ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
واخْتَارَ أبو الخَطّابِ أنَّه لا يَجُوزُ؛ لأنَّ أحمدَ نَصَّ في الهَدْى إذا عَطِبَ، أنَّه يُجْزِئُ عنه، وفى الأُضْحِيَةِ إذا هَلَكَت، أو 1 ذَبَحَها فسُرِقَتْ، لا بَدَلَ عليه، ولو كان مِلْكُه ما زالَ عنها، لَزِمَه بَدَلُها في هذه المَسائِلِ، ولِما ذَكَرْنا في عَدَمِ جَوازِ بَيْعِها.
وهذا
..................................
مَذْهَبُ أبى يُوسُفَ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
ولأنَّه زالَ مِلْكُهْ عنها للَّهِ تعالى، فلم يَجُزْ إبْدَالُها، كالوَقْفِ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، وقد تَأوَّلْنَاه على مَعْنَى الإِبْدَالِ، وَيَتَعَيَّنُ حَمْله عليه؛ لاتِّفاقِنا على تَحْرِيمِ بَيْعِها وهِبَتِها، ولأنَّه عَدَل عن العَيْنِ إلى خَيْرٍ منها مِن جِنْسِها، فجازَ, كما لو أخْرَجَ عن بِنْتِ لَبُونٍ حِقَّةً في الزَّكاةِ، ولأنَّ النُّذُورَ مَحْمُولَةٌ على أُصُولِها في الفُرُوضِ، وفى الفُرُوضِ يَجُوزُ إخْرَاجُ البَدَلِ في الزَّكاةِ، فكذلك في النُّذُورِ.
وقولُه: قد زال مِلْكُه.
مَمْنُوعٌ، بل تَعَلَّقَ بها حَقُّ اللَّهِ تعالى مع بَقاءِ مِلْكِه عليها، بِدَلِيلِ أنَّه لو غَيَّرَ الواجِبَ في ذِمَّتِه، فعَطِبَ أو تَعَيَّبَ، كان له اسْتِرْجَاعُه، ولو زَالَ مِلْكُه عنه لم يَعُدْ إليه، كالوَقْفِ، والفَرْقُ بينَ الإِبدَالِ والبَيْعِ، أنَّ الإبدَالَ لا يُزِيلُ الحَقَّ المُتَعَلِّقَ بها مِن جِنْسِها، والبدَلُ قائِمٌ مَقامَها، فكَأنَّها لم تَزُلْ في المَعْنَى.
وقولُه: إلَّا أن يُبْدِلَها بخَيْرٍ منها.
يَدُلُّ على أنَّه لا يجوزُ بدُونِها؛ لأنَّه تَفْوِيتُ جُزْءٍ منها، فلم يَجُزْ، كإتْلافِه.
وهذا لا خِلافَ فيه، ويَدُلُّ على أنَّه لا يَجُوزُ إبْدالُها بمِثْلِها، لعَدَمِ الفائِدَةِ فيه.
وقال القاضى: في إبْدالِها بمِثْلِها احْتِمالانِ؛
وَلَهُ رُكُوبُهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ، مَا لَمْ يَضُرَّ بِهَا.
أحَدُهما، لا يَجُوزُ؛ لذلك.
والثانى، يَجُوزُ؛ لأنَّه لا يَنْقُصُ مِمّا وَجَب عليه شئٌ.
ولَنا، أنَّه يُغَيِّرُ (1) ما وَجَب عليه لغيرِ فائِدَةٍ، فلم يَجُزْ، كإبْدالِها بدُونِها.
فصل: وإذا عَينَّهَا ثم ماتَ وعليه دَيْنٌ، لم يَجُزْ بَيْعُها فيه، سَواءٌ كان له وَفاءٌ أو لم يَكُنْ.
وبه قال أبو ثَوْرٍ.
ويُشْبِهُ مَذهَبَ الشافعىِّ.
وقال الأوْزَاعِىُّ: تُباعُ إذا لم يَكُنْ لدَايْنِه وَفاءٌ إلَّا منها.
وقال مالكٌ: إن تَشاجَرَ الوَرَثَةُ فيها باعُوها.
ولَنا، أنَّه تَعَيَّنَ ذَبْحُها، فلم تُبَعْ في دَيْنِه, كما لو كان حَيًّا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ وَرَثَتَه يَقُومُونَ مَقامَه في الأكْلِ والصدقةِ والهَدِيَّةِ؛ لأنَّهُم يَقُومُونَ مَقامَ مَوْرُوثِهم فيما له وعليه.
1355 -
مسألة: (وله رُكُوبُها عندَ الحاجِةِ، ما لم يَضُرَّ بها)
قال1
..................................
أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: لا يَرْكَبُها إلَّا عندَ الضَّرُورَةِ.
وهو قولُ الشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْتَ إِلَيْهَا، حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا».
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّه تَعَلَّقَ بها حَقٌّ للمَساكِينِ، فلم يَجُزْ رُكُوبُها مِن غيرِ ضَرُورَةٍ، كمِلْكِهم.
وإنَّما جَوَّزْنَاه عندَ الضَّرُورَةِ؛ للحَدِيثِ.
فإن نَقَصَها الرُّكُوبُ، ضَمِنَ النَّقْصَ؛ لأنَّه تَعَلَّقَ بها حَقُّ غيرِه.
فأمَّا رُكُوبُها مع عَدَمِ الحاجَةِ، ففيه رِوَايَتَان؛ إحداهما، لا يَجُوزُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثانيةُ، يَجُوزُ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَأَى رجلًا يَسُوقُ بَدَنَةً، فقال: «ارْكَبْها».
فقال: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها بَدَنَة.
فقال: «ارْكَبْهَا، وَيْلَكَ».
في الثانِيَة أو في الثالِثَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2.
وَإِنْ وَلَدَتْ، ذَبَحَ وَلَدَهَا مَعَهَا.
وَلَا يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا إِلَّا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا.
1356
- مسألة: (و إن وَلَدَتْ ذَبَحَ وَلَدَها معها، ولا يَشْرَبُ مِن لَبَنِها إلَّا ما فَضَلَ عن وَلَدِها) إذا عَيَّنَ أُضْحِيَةً، فوَلَدَتْ، فحُكْمُ وَلَدِها حُكْمُها، سَواءٌ كان حَمْلًا حالَ التَّعْيِينِ، أو حَدَثَ بعدَه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وعن أبى حنيفةَ: لا يَذْبَحُه، ويَدْفَعُه إلى المساكينِ حيًّا، فإن ذَبَحَه دَفَعَه إليهم مَذْبُوحًا، وأرْشَ ما نَقَصَهُ الذَّبْحُ؛ لأنَّه مِن نَمائِها، فيَلْزَمُه دَفْعُه إليهم على صِفَتِه، كصُوفِها وشَعَرِها.
ولَنا، أنَّ اسْتِحْقَاقَ وَلَدِها حُكْمٌ ثَبَتَ للوَلَدِ بطريقِ السِّرايَةِ مِن الأُمِّ، فثَبَتَ له ما ثَبَت لها، كَولَدِ أُمِّ الوَلَدِ، والمُدَبَّرَةِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يَذْبَحُه كما ذَبَحَها؛ لأنَّه صارَ أُضْحِيَةً على وَجْهِ التَّبَعِ لأُمِّه، ولا يَجُوزُ ذَبْحُه قبلَ وَقْت ذَبْحِ أُمِّه، ولا تَأْخِيرُه عن آخِرِ الوَقْتِ، كأُمِّه.
وقد رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رَجُلًا سَأَلَه، فقال: يا أَمِيرَ المُؤْمِنين, إنِّى اشْتَرَيْتُ هذه البَقَرَةَ لأُضَحِّىَ بها، وإنَّها وَضَعَتْ هذا العِجْلَ؟ فقال علىٌّ: لا تَحْلِبْها إلَّا ما فَضَل عن تَيْسِيرِ وَلَدِها، فإذا كان يومُ الأَضْحَى، فاذْبَحْها ووَلَدَها عن سَبْعَةٍ.
رَواه سعيدٌ، والأثْرَمُ 1.
..................................
فصل: ووَلَدُ الهَدْيَةِ بِمَنْزِلَتِها أيضًا، كوَلَدِ الأُضْحِيَةِ إن أمْكَنَ سَوْقُه، وإلَّا حَمَلَه على ظَهْرِها، وسَقَاهُ مِن لَبَنِها، فإن لم يُمْكِنْه سَوْقُه ولا حَمْلُه، صَنَع به ما يَصْنَعُ بالهَدْىِ إذا عَطِبَ، ولا فَرْقَ في ذلك بينَ ما عَيَّنَه ابْتِداءً، وبينَ ما عَيَّنَه عن الواجِبِ في ذِمَّتِه.
وقال القاضِى في المُعَيَّنِ بَدَلًا عن الواجِبِ: يَحْتَمِلُ أن لا يَتْبَعَها وَلَدُها؛ لأنَّ ما في الذِّمَّةِ واحِدٌ، فلا يَلْزَمُه اثْنَانِ.
والصَّحِيحُ أنَّه يَتْبَعُ أُمَّه في الوُجُوبِ؛ فإنَّه وَلَدُ هَدْىٍ واجبٍ، فتَبِعَه، كالمُعَيَّنِ ابْتِداءً، ولِمَا ذُكِرَ مِن حَدِيثِ علىٍّ.
فإن تَعَيَّبتِ المُعَيَنَّةَ عن واجِبٍ في الذِّمَّةِ، وقُلْنا: يَذْبَحُها.
ذَبَح وَلَدَها معها؛ لأنَّه تَبَعٌ لَهَا.
وإن قُلْنَا: يَبْطُلُ تَعْيينُها، وتُرَدُّ إلى مالِكِها.
احْتَمَلَ أن يَبْطُلَ التَّعْيِينُ في وَلَدِها تَبَعًا، كما ثَبَتَ تَبَعًا، قِياسًا على نَمائِها المُتَّصِلِ بها، واحْتَمَلَ أن لا يَبْطُلَ، ويَكُونَ للفُقَرَاءِ؛ لأنَّه تَبِعَها في الوُجُوبِ حالَ اتِّصَالِه بِها، ولم.
يَتْبَعْها في زَوَالِه؛ لأنَّه صارَ مُنْفَصِلًا عنها، فهو كوَلَدِ المَبِيع المَعِيبِ إذا وَلَدَ عندَ المُشْتَرِى، ثم رَدَّه، لا يَبْطُلُ البَيْعُ في وَلَدِها، والمُدَبَّرَةُ إذا قَتَلَتْ سَيِّدَهَا، فَبَطَلَ تَدْبِيرُها، لا يَبْطُلُ في وَلَدِها.
وحُكْمُ الأُضْحِيَةِ المُعَينَّةَ عَمّا في الذِّمَّةِ إذا تَعَيَّبَتْ 1 وَوَلَدَت، كذلك، على قِياسِ الهَدْيَ؛ لأنَّها في مَعْنَاهَا.
فصل: ولا يَشْرَبُ مِن لَبَنِها إلَّا الفاضِلَ عن وَلَدِها، فإن لم يَفْضُلْ عنه شئٌ، أو كان الحَلْبُ يَضُرُّ بها [أو يَنْقُصُ] 2 لَحْمَها، لم يَكُنْ له
..................................
أخْذُه، وإلَّا فله أخْذُه والانْتِفاعُ به.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْلِبُها، وَيَرُشُّ على الضَّرْعِ الماءَ حتى يَنْقَطِعَ اللَّبَنُ، فإنِ احْتَلَبَها، تَصَدَّقَ به؛ لأنَّ اللَّبَنَ مُتَوَلِّدٌ مِن الأُضْحِيَةِ الوَاجبَةِ، فلم يَجُزْ للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كالوَلَدِ.
ولَنا، قَوْلُ علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا يَحْلِبُها إلَّا فَضْلًا عن تَيْسِيرِ وَلَدِها.
ولأنَّه انْتِفاعٌ لا يَضُرُّ بها ولا بوَلدِها، فأشْبَهَ الرُّكُوبَ، ويُفارِقُ الوَلَدَ، فإنَّه يُمْكِنُ إيصالُه إلى مَحِلِّه، أمَّا اللَّبَنُ، فإن حَلَبَه وتَرَكَه فَسَد، وإن لم يَحْلِبْه تَعَقَّدَ الضَّرْعُ وأضَرَّ بها، فجُوِّزَ له شُرْبُه، وإن تَصَدَّقَ به كان أفْضَلَ؛ لأنَّ فيه خُرُوجًا مِن الخِلافِ.
وإنِ احْتَلَبَ 1 ما يَضُرُّ بها أو بوَلَدِها، لم يَجُزْ له, وعليه الصَّدَقَةُ به، وإن شَرِبَه ضَمِنَه؛ لأنَّه تَعَدَّى بأخْذِه.
وهكذا الحُكْمُ في الهَدْيَةِ.
فإن قيلَ: فصُوفُها وشَعَرُها إذا جَزَّه تَصَدَّقَ به، ولم يَنْتَفِعْ به، فلِمَ جَوَّزْتُم له الانْتِفَاعَ باللَّبَنِ؟ قُلْنَا: الفَرْقُ بينَهما مِن وَجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّ لَبَنَها يَتَوَلَّدُ مِن غِذائِها وعَلَفِها، وهو القائِمُ به، فجازَ صَرْفُه إليه, كما أنَّ المُرْتَهِنَ إذا عَلَف الرَّهْنَ، كان له أن يَرْكَبَ ويَحْلِبَ، وليس له أن يأْخُذَ الصُّوفَ ولا الشَّعَرَ.
الثانى، أنَّ الصُّوفَ والشَّعَرَ يُنْتَفَعُ به على الدَّوامِ، فجَرَى مَجْرَى جِلْدِها وأجْزائِها، واللَّبَنُ يُشْرْبُ ويُؤْخَذُ شيئًا فشيئًا، فجَرَى مَجْرَى مَنافِعِها ورُكُوبِها، ولأن اللَّبَنَ يَتَجَدَّدُ كلَّ يومٍ، والصُّوفَ والشَّعَرَ عَيْن مَوْجُودَة دَائِمَةٌ في جَمِيعِ الحَوْلِ.
ويَجُزُّ صُوفَهَا وَوَبَرَهَا، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ، إِنْ كَانَ أَنْفَعَ لَهَا.
وَلا يُعْطِى الْجَازِرَ بِأُجْرَتِهِ شَيْئًا مِنْهَا.
1357 - مسألة: (و)
له أن (يَجُزَّ صُوفَها ووَبَرَها، إذا كان أنْفَعَ لها) مثلَ أن تَكُونَ في زَمَنٍ تَخِفُّ بجَزِّه وتَسْمَنُ، ويَتَصَدَّقُ به، وإن كان لا يَضُرُّ بها لقُرْبِ مُدَّةِ الذَّبْحِ، أو كان بَقاؤُه أنْفَعَ لها؛ لكَوْنِه يَقِيها الحَرَّ والبَرْدَ، لم يَجُزْ له جَزُّه، كما لا يَجُوزُ أخْذُ بعضِ أعْضائِها.
1358 -
مسألة: (ولا يُعْطِى الجازِرَ بأُجْرَتِه شَيئًا منها)
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
ورَخَّصَ الحسنُ، وعبدُ اللَّهِ بنُ عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ 1، في إعْطائِه الجلْدَ.
ولَنا، ما روَى علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: أمَرَنِى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن أقُومَ على بُدْنِه، وأن أقْسِمَ جُلُودَها
وَلَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِجِلْدِهَا وَجُلِّهَا.
وَلَا يَبِيعُهُ، وَلَا شَيْئًا مِنْهَا.
وجِلالَها، وأن لا أُعْطِىَ الجازِرَ منها شيئًا، وقال: «نَحْنُ نُعْطِيهِ مِنْ عِنْدِنَا».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ولأنَّ ما يَدْفَعُه إلى الجَزَّارِ عِوَضٌ عن عَمَلِه وجِزارَتِه، ولا تَجُوزُ المُعاوضةُ بشئٍ منها.
فأمَّا إن دَفَع إليه صَدَقَةً أو هِبَةً، فلا بَأْسَ؛ لأنَّه مُسْتَحِقٌّ للأَخْذِ، فهو كغيرِه، بل هو أوْلَى؛ لأنَّه باشَرَهَا وتَاقَتْ نَفْسُه إليها.
1359 -
مسألة: (وله أن يَنْتَفِعَ بجِلْدِها وجُلِّها 2، ولا يَبِيعُه، ولا شَيْئًا منها) لا خِلافَ في جَوازِ الانْتِفاعِ بجُلُودِها وجِلالِها؛ لأنَّ الجِلْدَ جُزْءٌ منها، فجاز للمُضَحِّى الانْتِفاعُ به، كاللَّحْمِ. وكان عَلْقَمَةُ، ومَسْرُوقٌ يَدْبُغان جِلْدَ أُضْحِيَتِهما، ويُصَلِّيان عليه. وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: قُلْتُ: يا رسولَ اللَّهِ، قد كانُوا يَنْتَفِعُونَ مِن ضَحايَاهُم، يَحْمِلُونَ منها الوَدَكَ 3، ويَتَّخِذُونَ منها الأسْقِيَةَ. قال: «وَمَا ذَاكَ؟» قالت: نَهَيْتَ عن إمْساكِ لُحُومِ الأَضَاحِى بعدَ ثَلاثٍ. فقال: «إنَّمَا نَهَيْتُكُمْ لِلدّافَّةِ 4 الَّتِى دَفَّتْ، فَكُلُوا وَتَزَوَّدُوا وَتَصَدَّقوا».1
..................................
حديثٌ صحيحٌ 1. ولأنَّه انْتِفاعٌ به، فجازَ، كلَحْمِها.
فصل: ولا يَجُوزُ بَيْعُ شئٍ مِن الأُضْحِيَةِ، واجِبَةً كانت أو تَطَوُّعًا؛ لأنَّها تَعَيَّنَتْ بالذَّبْحِ.
قال أحمدُ: لا يَبِيعُها، ولا يَبِيعُ شَيْئًا منها.
وقال: سبحان اللَّهِ، كيف يَبِيعُها، وقد جَعَلَها للَّه تِبارَكَ وتعالى! قال المَيْمُونِىُّ: قالُوا لأبى عبدِ اللَّهِ: فجِلْدُ الأُضْحِيَةِ، نُعْطِيهِ السَّلَّاخَ؟ قال: لَا.
وحَكَى قولَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا يُعْطَ في جِزَارَتِها شيئًا منها» 2. ثم قال: إسْنادٌ جَيِّدٌ.
وبه قال الشافعىُّ.
ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ.
ورَخَّصَ الحَسَنُ،
وَإِنْ ذَبَحَهَا فَسُرِقَتْ، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ فِيهَا.
والنَّخَعِىُّ في الجِلْدِ أن يَبِيعَه ويَشْتَرِىَ به الغِرْبَالَ والمُنْخُلَ وآلةَ البَيْتِ.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن الأوْزاعِىِّ؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ به هو وغيرُه، فجَرَى مَجْرَى تَفرِيقِ لَحْمِها.
وقال أبو حنيفةَ: يَبِيعُ ما شاءَ منها، ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عَنهما، أنَّه يبيعُ الجِلْدَ، ويَتَصَدَّقُ بثَمَنِه.
وحَكاهُ ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ وإسحاقَ.
ولَنا، أمْرُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بقَسْمِ جُلُودِها وجِلالِها، وأن لا يُعْطى الجازِرُ شَيْئًا منها، وفيه دَلِيلٌ على وُجُوبِ الصَّدَقَةِ بالجِلالِ، وعلى تَسْوِيَتِها بالجُلُودِ.
ولأنَّه جَعَلَه للَّهِ تعالَى، فلم يَجُزْ بَيْعُه، كالوَقْفِ، وما ذَكَرُوه في شِراءِ آلةِ البَيْتِ يَبْطُلُ باللَّحْمِ، لا يَجُوزُ بَيْعُه لشِراءِ الآلةِ، وإن كان يَنْتَفِعُ به.
1360 -
مسألة: (فإنْ ذَبَحَها فَسُرِقَتْ، فلا شئَ عليه)
لأنَّها
وَإنْ ذَبَحَهَا ذَابِحٌ في وَقْتِهَا بِغَيْرِ إِذْنٍ، أَجْزَأَتْ، وَلَا ضَمَانَ عَلَى ذَابِحِهَا.
أمانَةٌ في يَدِه، فإذا تَلِفَتْ بغيرِ تَفْرِيطِه لم يَضْمَنْها، كالوَدِيعَةِ.
1361 -
مسألة: (وإن ذَبَحَهَا ذابِحٌ في وَقْتِها بغيرِ إذْنٍ، أجْزَأتْ، ولا ضَمانَ على ذابِحِها)
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال مالكٌ: هى شاةُ لَحْمٍ، لمالِكِها أرْشُها، وعليه بَدَلُها؛ لأنَّ الذَّبْحَ عِبادَةٌ، فإذَا فَعَلَها غيرُ صاحِبِها عنه بغيرِ إذْنِه، لم تَقَعِ المَوْقِعَ، كالزَّكاةِ.
وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُ، وله على ذابِحِها أرْشُ ما بينَ قِيمَتِها صَحِيحَةً ومَذْبُوحَةً، لأنَّ الذَّبْحَ أحَدُ مَقْصُودَىِ الهَدْى، فإذا فَعَلَه فاعِلٌ بغيرِ إذْنِ المُضَحِّى ضَمِنَه، كتَفْرِقَةِ اللَّحْمِ.
ولَنا، على مالكٍ، أنَّه فِعْلٌ لا يَفْتَقِرُ إلى النِّيَّةِ، فإذا فَعَلَه غيرُ الصاحِبِ أجْزَأ عنه، كغَسْلِ ثَوْبِه مِن النَّجَاسَةِ.
وعلى الشافعىِّ، أنَّها
.................................. أُضْحِيَةٌ أجْزَأتْ عن صاحِبِها، ووَقَعَتْ مَوْقِعَها، فلم يَضْمَنْ ذابِحُها، كما لو كان بإذْنٍ، ولأنَّه إرَاقَةُ دَمٍ تَعَينَّتْ إرَاقَتُه لحَقِّ اللَّهِ تَعالَى، فلم يَضْمَنْ مُرِيقُه، كقاتِلِ المُرْتَدِّ بغيرِ إذْنِ الإِمامِ، ولأنَّ الأَرْشَ لو وَجَب فإنَّما يَجِبُ ما بينَ كَوْنِها مُسْتَحِقَّةَ الذَّبْحِ في هذه الأيّامِ، مُتَعَيِّنَةً له، وما بينَها مَذْبُوحَةً، ولا قِيمَةَ لهذه الحَياةِ، ولا تَفَاوُتَ بينَ القِيمَتَيْن، فتَعَذَّرَ وُجُودُ الأَرْشِ ووُجُوبُه، ولأنَّه لو وَجَب الأرْشُ لم يَخْلُ؛ إمَّا أن يَجِبَ للمُضَحِّى، أو للفُقَراءِ، لا جائِزٌ أن يَجِبَ للفُقَراءِ؛ لأنَّهُم إنَّما يَسْتَحِقُّونَها مَذْبُوحَةً، ولو دَفَعها إليهم في الحياةِ لم يَجُزْ، ولا جائِزٌ أن يَجِبَ له؛ لأنَّه بَدَلُ شئٍ منها، فلم يَجُزْ أن يَأْخُذَه، كبَدَلِ عُضْوٍ مِن أعْضَائِها، ولأنَّهُم وافَقُونَا في أنَّ الأَرْشَ لا يُدْفَعُ إليه، فتَعَذَّرَ إيجابُه؛ لعَدَمِ مُسْتَحِقِّه.
..................................
فصل: وإنِ اشْتَرَى أُضْحِيَةً، فلم يُوجِبْها حتى عَلِمَ بها عَيْبًا، فإن شاء رَدَّهَا، وإن شاء أخَذَ أَرْشَها، ثم إن كان عَيْبُها يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، لم يَكُنْ له التَّضْحِيَةُ بها، وإن لم يَمْنَعْ، فله ذلك، والأَرْشُ له.
فإن أوْجَبَها، ثم عَلِم أنَّها مَعِيبَةٌ، فذَكَر القاضِى، أنَّه مُخَير بينَ رَدِّها، وأخْذِ أرْشِها، فإن أخَذَ أرْشَها، فحُكْمُه حُكْمُ الزّائِدِ عن قِيمَةِ الأُضْحِيَةِ، على ما نَذْكُرُه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ الأَرْشُ له؛ لأنَّ الإِيجابَ إنَّما صادَفَها بدُونِ الذى أخَذَ أرْشَه، فلم يَتَعَلَّقِ الإيجابُ بالأرْش، ولا بمُبْدَلِه، فأشْبَهَ ما لو تَصَدَّقَ بها، ثم أخَذَ أرْشَها.
وعلى قولِ أبى الخَطّابِ، لا يَمْلِكُ رَدَّها؛ لأنَّه قد زالَ مِلْكُه عنها بإيجابِها، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى عَبْدًا مَعِيبًا، فأعْتَقَه، ثم عَلِم عَيْبَه.
وَإنْ أتلَفَهَا أجنَبِىٌّ، فَعَلَيْهِ قِيمَتُهَا، وَإنْ أتلَفَهَا صَاحِبُهَا، ضَمِنَهَا بِأَكْثَرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ مِثْلِهَا أوْ قِيمَتِهَا.
فَإِنْ ضَمِنَهَا بِمِثْلِهَا وَأَخْرَجَ فَضْلَ الْقِيمَةِ، جَازَ، وَيَشْتَرِى بِهِ شَاةً أوْ سُبْعَ بَدَنَةٍ، فَإِنْ لَمْ يَبْلُغِ، اشْتَرَى بِهِ لَحْمًا فَتَصَدَّقَ بِهِ، أو يَتَصَدَّقُ بِالْفَضْلِ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
فعلى هذا يَتَعَيَّنُ أخْذُ الأَرْشِ.
وفى كَوْنِ الأَرْشِ للمُشْتَرِى، ووُجُوبِه في التَّضْحِيَةِ، وَجْهان.
ثم يُنْظر، فإن كان عَيْبُها لا يَمْنَعُ إجْزاءَها، فقد صَحَّ إيجابُها والتَّضْحِيَةُ بها، وإن كان يَمْنَعُ إجْزاءَها، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أوْجَبَها عالِمًا بعَيْبِها، على ما ذَكَرْناه.
1362 -
مسألة: (وإن أَتْلَفَها أجْنَبىٌّ، ضَمِنها بقِيمَتِها، وإن أتْلَفَها صاحِبُها، ضمنَها بأكثَرِ الأَمْرَيْن مِن قِيمَتِها أو مثلِها.
فإن ضَمِنَها بمثلِها وأخْرَجَ فَضْلَ القِيمَةِ، جازَ، ويَشْتَرِى به شاةً أو سُبْعَ بَدَنَةٍ، فإن لم يَبْلُغ،
.................................. اشْتَرَى به لَحْمًا فتَصَدَّقَ به، أو يَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ) إذا أتلَفَ الأُضْحِيَةَ الواجِبَةَ صاحِبُها، فعليه قِيمَتُها، لأنَّها مِن المُتَقَوَّماتِ، وتُعتَبَرُ القِيمَة يومَ أتْلَفَها، فإن غَلَتِ الغَنَمُ بعدَ ذلك، فصارَ مِثلُها خيرًا مِن قِيمَتِها، فقال أبو الخَطّابِ: يَلْزَمُه مثلُها؛ لأنَّها أكثرُ الأَمْرَيْنِ، ولأنَّه يَتَعَلَّقُ بها حَقُّ اللَّهِ تَعالَى في ذَبْحِها، فَوَجَبَ عليه مثلُها؛ ليُوفِىَ بحَقِّ اللَّهِ تَعالَى، بخِلافِ
..................................
الأَجْنَبِىِّ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وظاهِرُ قولِ القاضِى، أنَّه لا يَلْزَمُه إلَّا القِيمَةُ يومَ الإِتْلافِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ؛ لأنَّه إتلاف أوجبَ القِيمَةَ، فلم يَجِبْ به أكثرُ مِن القيمةِ يومَ الإِتلافِ، كما لو أتلَفَها أجْنَبِىٌّ، وكسائِرِ المَضْمُونَاتِ.
فإن رَخُصَتِ الغَنَمُ، فزَادَتْ قِيمَتُها على مِثلها، مثلَ أن كانت قِيمَتُها عندَ إتْلافِها عَشَرَةً، فصارَتْ قِيمَةُ مثلِها خَمْسَةً، فعليه عَشَرَةٌ، وَجْهًا واحِدًا، فإن شاء اشْتَرَى بها أضْحِيَةً واحِدَةً تُسَاوِى عشَرَةً، وإن شاءَ اشْتَرَى اثْنَتَيْن، فإنِ اشْتَرَى واحِدَةً وفَضَل مِن العَشَرَةِ ما لا يَجِئُ به أُضْحِيَةٌ، اشْتَرَى به شِرْكًا في بَدَنَةٍ، فإن لم يَتَّسِعْ لذلك، أو لم تُمْكِنْه المُشَارَكَةُ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهُما، يَشْتَرِى لَحْمًا، ويَتَصَدَّقُ به؛ لأنَّ الذَّبْحَ وتَفْرِقَةَ اللَّحْمِ مَقْصُودان، فإن تَعَذَّرَ أحَدُهما وَجَب الآخرُ.
فَإِنْ تَلِفَتْ بِغَيْرِ تَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْهَا.
والثانى، يَتَصَدَّقُ بالفَضْلِ؛ لأنَّه إذا لم يَحْصُلْ له التَّقَرُّبُ بالإِرَاقَةِ، كان اللَّحْمُ وثَمَنُه سَواءً.
وإن أتلَفَها أجْنَبِىٌّ، فعليه قِيمَتُها يومَ تَلَفِها، وَجْهًا واحِدًا، ويَلْزَمُه دَفْعُها إلى صاحِبِها، فإن زادَ على ثَمَنِ مِثْلِها، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو أتلَفَها صاحِبُها، وإن لم تَبْلُغ القِيمَةُ ثَمَنَ أُضْحِية، فالحُكْمُ فيه على ما مَضَى فيما إذا زادَ على ثَمَنِ الأُضْحِيَةِ في حَقِّ (1) المُضَحِّى.
1363 -
مسألة: (فإن تَلِفَتْ بغير تَفْرِيطِه)
أو سُرِقَتْ، أو ضَلَّتْ، فلا شئَ عليه؛ لأنَّها أمانَةٌ في يَدِه (فلم يَضْمَنْها) إذا لم يُفرِّطْ، كالوَدِيعَةِ.1
وَإنْ عَطِبَ الْهَدْىُ فِى الطَّرِيقِ، نَحَرَهُ مَوْضِعَهُ، وَصَبَغَ نَعْلَهُ الَّتِى فِى عُنُقِهِ فِى دَمِهِ، وَضَرَبَ بِهَا صَفْحَتَهُ؛ لِيَعْرِفَهُ الْفُقَرَاءُ فَيَأْخُذُوهُ.
وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ، وَلَا أَحَدٌ مِنْ رُفْقَتِهِ.
1364 - مسألة: (وإن عَطِبَ الهَدْىُ في الطَّرِيقِ، نَحَرَه في مَوْضِعِه، وصَبَغ نَعْلَه التى في عُنُقِه في دَمِه، وضَرَب بها صَفْحَةَ سَنامِه؛ ليعْرِفَه الفُقَراءُ، فيَأْخُذُوه.
ولا يَأْكُلُ منه هو، ولَا أحَدٌ مِن أهْلِ رُفْقَتِه)
..................................
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن تَطَوَّعَ بهَدْىٍ غيرِ واجِبٍ، لم يَخْلُ مِن حالَيْن؛ أحَدُهُما، أن يَنْوِيَه هَدْيًا، ولا يُوجِبَه بلِسانِه ولا تَقْلِيدِه وإشعارِه، فهذا لا يَلْزَمُه إمْضاؤه، وله أولادُه ونماؤُه، والرُّجُوعُ فيه متى شاءَ، ما لم يَذْبَحْه؛ لأنَّه نَوَى الصَّدَقَةَ بشئٍ مِن مالِه، أشْبَهَ ما لو نَوَى الصَّدَقَةَ بدِرْهَمٍ.
الثانى، أن يُوجِبَه بلِسَانِه أو يُقَلِّدَه ويُشْعِرَه مع النِّيَّةِ، فيَصِيرَ واجِبًا مُعَينًا، يَتَعَلَّقُ الوُجُوبُ بعَيْنه دُونَ ذِمَّةِ صاحِبِه، ويكونُ في يَدِ صاحِبِه كالوَدِيعَةِ، يَلْزَمُه حِفْظُه وإيصالُه إلى مَحِلِّه، فإن تَلف بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، أو سُرِقَ، أو ضَلَّ، فلا ضَمانَ عليه، كالوَدِيعَةِ؛ لأنَّ الحَقَّ إنَّما تَعَلَّقَ بالعَيْنِ، فسَقَطَ بتَلَفِها.
وقد روَى الدّارَقُطْنِىُّ 1، بإسْنادهِ، عن ابنِ عُمَرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يقولُ: «مَنْ أَهْدَى تَطَوُّعًا ثُمَّ ضَلَّتْ، فلَيْسَ عَلَيْهِ البَدَلُ، إلَّا أنْ يَشاءَ، فإنْ كَانَ نَذْرًا فَعَلَيْةِ البَدَلُ».
فأمَّا إن أتلَفَها، أو تَلِفَتْ بتَفرِيطِه، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه أتْلَفَ واجِبًا لغيرِه، فضَمِنَه، كالوَدِيعَةِ.
وإن خافَ عَطَبَه، أو عَجْزَه عن المَشْى وصُحْبَةِ الرِّفاقِ، نَحَرَه مَوْضِعَه، وخَلَّى بينَه وبينَ المساكِينِ، ولم يُبَحْ له أكْلُ شئٍ منه، ولا لأحَدٍ مِن صحابتهِ، وإن كانُوا فُقَراءَ.
ويُسْتَحَبُّ له أن يَصْبُغ نَعْلَ الهَدْى المُقَلَّدِ في عُنُقِه، ثم يَضْرِبَ بها صَفْحَتَه؛ ليَعْرِفَه الفُقَراءُ، فيَعْلَمُوا أنَّه هَدْىٌ،
..................................
فَيَأْخُذُوه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه أكَلَ من هَدْيه الذى عَطِبَ، ولم يَقْضِ مَكانَه 1. وقال مالكٌ: يُباحُ لرُفْقَتِه ولسائِرِ النَّاس، غيرَ صاحِبِه أو سائِقِه، ولا يَأمُرُ أحَدًا يَأْكُلُ منه، فإن أكَل، أو أمَرَ مَن أكَلَ، أو ادَّخَرَ شَيْئًا مِن لَحْمِه، ضَمِنَه؛ لِما روَى هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، عن أبيه، عن ناجِيةَ بنِ كَعْبٍ 2 صاحِبِ بُدْنِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: يا رسولَ اللَّهِ، كيفَ أصْنَعُ بما عَطِبَ مِن الهَدْى؟ قال: «انْحَرْه، ثُمَّ اغْمِس قَلَائِدَهُ فِى دَمِهِ، ثُمَّ اضْرِبْ بِهَا صَفْحَةَ عُنُقِهِ، ثُمَّ خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ» 3. فيَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه: «خَلِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاس».
رُفْقَتُه وغيرُهم.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ ذُويْبًا أبا قَبِيصَةَ 4 حَدَّثَه أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان
..................................
يَبْعَثُ معه بالبُدْنِ، ثم يقولُ: «إنْ عَطِبَ مِنْهَا شَئٌ فخَشِيتَ عَلَيْهَا، فانْحَرْهَا، ثُمَّ اغْمس نَعْلَها فِى دَمِهَا، ثُمَّ اضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا، ولَا تَطْعَمْهَا أنْتَ وَلَا أحَدٌ مِنْ أهْلِ رُفْقَتِكَ».
رَواه مسلمٌ 1 وفى لَفْظٍ: «ويُخَلِّيها وَالنَّاسَ، وَلَا يَطْعَمُ مِنْهَا هُوَ وَلَا أحَدٌ مِنْ أصْحَابِهِ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ 2. وهذا صَحِيحٌ مُتَضَمِّن للزِّيادَةِ ومَعْنًى خاصٍّ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه على عُمُومِ ما خالَفَه، ولا يَصِحُّ قِياسُ رُفْقَتِه على غيرِهم؛ لأنَّ الإِنْسانَ يُشْفِقُ على رُفْقَتِه، ويُحِبُّ التَّوْسِعَةَ عليهم، ورُبَّما وَسَّعَ عليهم مِن مُؤْنَتِه.
وإنَّما مُنِعَ السّائِقُ ورُفْقَتُه مِن الأَكْلِ منها؛ لئلَّا يُقَصر في حِفْظِها، فيُعْطِبَها، ليَأْكُلَ هو ورُفْقَتُه منها، فتَلْحَقَه التُّهْمَةُ في عَطَبِها لنَفْسِه ورُفْقَتِه، فحُرِمُوها لذلك.
فإن أكَلَ منها، أو باعَ، أو أطْعَمَ غَنِيًّا، أو رُفْقَتَه، ضَمِنَه بمثلِه لَحْمًا.
وإن أتلَفَهَا، أو تَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، أو خافَ عَطَبَها، فلم يَنْحَرْها حتى هَلَكَتْ، فعليه ضَمانُها يُوصِلُه إلى فُقَراءِ الحَرَمِ؛ لأنَّه لا يَتَعَذَّرُ عليه إيصالُ الضَّمانِ إليهم، بخِلافِ العاطِبِ.
وإن أطْعَمَ منها فَقِيرًا، أو أمَرَه
وإنْ تَعَيَّبَتْ، ذَبَحَهَا، وَأَجْزَأَتْهُ، إِلَّا أَنْ تَكُوِنَ وَاجِبَةً فِى ذِمَّتِهِ قَبْلَ التَّعْيِينِ، كَالْفِدْدة وَالْمَنْذُورِ فِى الذِّمَّةِ، فَإِنَّ عَلَيْهِ بَدَلَهَا.
بالأَكْلِ منها، فلا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى مُسْتَحِقِّه، فأشْبَهَ ما لو فَعَلَ ذلك بعدَ بُلُوغِ الهَدْى مَحِلَّه، وإن تَعَيَّبَ ذَبَحَه، وأجْزَأه.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُجْزِئُه.
ولَنا، أنه لو عَطِبَ لم يَلْزَمْه شئٌ، فالعَيْبُ أوْلَى؛ لأنَّه أقَلُّ، وكما لو حَدَث به العَيْبُ حالَ إضجاعِه، فإنَّه قد سَلَّمَه.
وإن تَعَيَّبَ بفِعْلِ آدَمِىٍّ، فعليه ما نَقَصَه مِن القِيمَةِ، يَتَصَدَّقُ به.
وقال أبو حنيفةَ: يُباعُ جَمِيعُه، ويُشْتَرَى بالجميعِ هَدْىٌ.
وبَنَى ذلك على أنَّه لا يُجْزِئُ، وقد بَيَّنَّا أنه يُجْزِئُ.
1365 -
مسألة: (وإن تَعَيَّبَتْ، ذَبَحَها، وأجْزَأته، إلَّا أن تَكونَ واجبَةً في ذِمَّتِه قبلَ التَّعْيينِ، كالفِدْيةِ والمَنْذُورِ في الذِّمَّةِ، فعليه بَدَلُها)
إذا أَوْجَبَ أُضْحِيَةً سَلِيمَةً، ثم حَدَث بها عَيْبٌ يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، ذَبَحَها، وأجْزَأته.
رُوِى هذا عن عَطاءٍ، والحسنِ، والنَّخَعِىِّ، والزُّهْرِىِّ،
..................................
والثَّوْرِىِّ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: لا تُجْزِئُ.
لأنَّ الأُضْحِيَةَ عندَهم واجِبَة، فلا يَبْرأ منها إلَّا بإِراقَةِ دَمِها سَلِيمَةً، كما لو أوْجَبَها في ذِمَّتِه، ثم عَيَّنَهَا، فعابَتْ.
ولَنا، ما روَى أبو سعيدٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: ابْتَعْنَا كَبْشًا نُضَحِّى به، فأصابَ الذِّئْبُ مِن ألْيَتِه، فسَألْنَا النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأَمَرَنَا أن نُضَحِّىَ به.
رَواه ابنُ ماجَه 1. ولأنَّه عَيْبٌ حَدَث في الأُضْحِيَةِ الواجبَةِ، فلم يَمْنَعِ الإِجْزاءَ، كما لو حَدَث بها عَيْبٌ بمُعالَجَةِ الذَّبْحِ، ولا نُسَلِّمُ أنَّها واجِبَةٌ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَعَلَّقَ الوُجُوبُ بعَيْنها.
فأمَّا إن تَعَيَّبَتْ بفِعْلِه، فعليه بَدَلُها.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا عالَجَ ذَبْحَها، فقَلَعَتِ السِّكِّينُ عَيْنَها، أجْزَأتِ، اسْتِحْسَانًا.
ولَنا، أنَّه عَيْبٌ أحْدَثَه قبلَ ذَبْحِها 2، فلم يُجْزِئْه، كما لو كان قبلَ مُعالَجَةِ الذَّبْحِ.
..................................
فصل: والواجِبُ في الذِّمَّةِ مِن الهَدْى قِسْمان؛ أحَدُهما، وَجَب بالنَّذْرِ في ذِمَّتِه.
والثانى، وَجَب بغيرِه، كهَدْىِ المُتْعَةِ والقِرانِ، والدِّماءِ الواجِبَةِ في النُّسُكِ بتَرْكِ واجِبٍ، أو فِعْلِ مَحْظُورٍ.
فمتَى عَيَّنَ عمّا في ذِمَّتِه شيْئًا، فقال: هذا الواجِبُ علىَّ.
فإنَّه يَتَعَيَّنُ الوُجُوبُ فيه مِن غيرِ 1 أن تَبْرَأ الذِّمَّةُ؛ لأَنه لو أوْجب هَدْيًا ولا هَدْىَ عليه لَتَعَيَّنَ، فكذلك إذا كان واجبًا فعَيَّنَه، إلَّا أنَّه مَضْمُونٌ عليه.
فإن عَطِبَ، أو سُرِقَ، أو نَحْوُ ذلك، لم يُجْزِئْه، وعاد الوُجُوبُ إلى ذِمَّتِه، كما لو كان لرجلٍ عليه دَيْنٌ، فاشْتَرَى به مَكِيلًا، فتَلِفَ قبلَ قَبْضِه، انْفَسَخَ البَيْعُ، وعاد الدَّيْنُ إلى ذِمَّتِه، ولأنَّ ذِمته لم تَبْرأْ مِن الواجِبِ بتَعْيِينِه، وإنَّما تَعَلَّقَ الوُجُوبُ بمحِلٍّ آخَرَ، فصارَ كالدَّيْنِ يَضْمَنُه ضامِنٌ، أو يَرْهَنُ به رَهْنًا، فإنَّه يَتَعَلَّقُ الحَقُّ بالضَّامِنِ والرَّهْنِ مع بَقائِه في ذِمَّةِ المَدِينِ، فمتَى تَعَذَّرَ اسْتِيفَاؤه مِن الضَّامِنِ، أو تَلِفَ الرَّهْنُ، بَقِىَ الحَقُّ في الذِّمَّةِ بحالِه.
فأمَّا إن ساقَ الهَدْى يَنْوِى به الواجِبَ الذى في ذِمَّتِه، ولم يُعَيِّنْه بالقَوْلِ، فهذا لا يَزُولُ مِلْكُه عنه إلَّا بذَبْحِه ودَفْعِه إلى أهْلِه،
..................................
وله التَّصَرُّفُ فيه بما شاءَ مِن بَيْعٍ وهِبَةٍ وأكْلٍ وغيرِ ذلك؛ لأنَّه لم يَتَعَلَّقْ به حَقٌّ لغيرِه، وله نماؤُه، وإن عَطِبَ تَلِفَ مِن مالِه، وإن تَعَيَّبَ لم يُجْزِئْه ذَبْحُه، وعليه الهَدْىُ الذى كان واجِبًا، ولا يَبْرَأُ إلَّا بإيصالِه إلى مُسْتَحِقِّه، بمَنْزِلَةِ مَن عليه دَيْنٌ، فحَمَلَه إلى مُسْتَحِقِّهِ، يَقْصِدُ دَفْعَه إليه، فتَلِفَ قبلَ أن يُوصِلَه إليه.
ومتى عَيَّنَه بالقَوْلِ تَعَيَّنَ، فإن ذَبَحَه، فسُرِقَ، أو عَطِبَ، فلا شئَ عليه.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: إذا نَحَر فلم يُطْعِمْه حتى سُرِقَ، لا شئَ عليه، فإنَّه إذا نَحَر فقد فَرَغ.
وبهذا قال الثَّوْرِىُّ، وابنُ القاسِمِ صاحِبُ مالكٍ، وأصحابُ الرَّأْى.
وقال الشافعىُّ: عليه الإِعادَةُ؛ لأنَّه لم يُوصِلِ الحَقَّ إلى مُسْتَحِقِّه، فأشْبَهَ ما لو لم يَذْبَحْه.
ولَنا، أنه أدَّى الواجِبَ عليه، فبَرِئَ منه، كما لو فَرَّقَه.
ودَلِيلُ أنَّه أدَّى الواجِبَ، أنَّه لم يَبْقَ إلَّا التَّفْرِقَةُ، وليست وَاجِبَةً؛ لأنَّه لو خَلَّى بينَه وبينَ الفُقَراءِ أجْزَأه، ولذلك لَمّا نَحَر النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- البَدَناتِ، قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطعَ» 1. وإذا عَطِبَ
وَهَلْ لَهُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا الْعَاطِبِ وَالْمَعِيبِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
هذا المُعَيَّنُ، أو تَعَيَّبَ عَيْبًا يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، لم يُجْزِئْه ذَبْحُه عَمّا في الذِّمَّةِ؛ لأنَّ عليه هَدْيًا سَلِيمًا، ولم يُوجَدْ، وكذلك إذا عَيَّنَ عن الأُضْحِيَةِ التى في الذِّمَّةِ شاةً، فهَلَكَتْ، أو تَعَيَّبَتْ بما يَمْنَعُ الإِجْزاءَ، لم تُجْزِئُ؛ لأنَّ ذِمَته لم تَبْرَأْ إلَّا بِذَبْحِ شاةٍ سَلِيمَةٍ، كما لو نَذَر عِتْقَ رَقَبَةٍ، أو كان عليه عِتْقُ رَقَبَةٍ في كَفّارَةٍ، فاشْتَرَاها سَلِيمَةً ثم عابَتْ عندَه، لم تُجْزِئْه عمّا في ذِمَّتِه، بخِلافِ ما لو نَذَر عِتْقَ عَبْدٍ مُعَيَّنٍ، فعابَ، فإنَّه يُجْزِئُ عنه.
1366 -
مسألة: (وهل له اسْتِرْجَاعُ هذا العاطِبِ والمَعِيبِ؟ على رِوايَتَيْن)
إحْداهُما، له اسْتِرْجاعُه إلى مِلْكِه، فيَصْنَعُ به ما شاءَ.
هذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
ورَواه ابنُ المُنْذِرِ عن أحمدَ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
ونَحْوُه عن عَطاء؛ لأنَّه إنَّما عَينَّهَ عمّا في ذِمَّتِه، فإذَا لم يَقَعْ عنه عادَ إلى صاحِبهِ، كمَن أخْرَجَ زَكاتَه، فبانَ أنَّها غيرُ واجِبَةٍ.
وقال مالكٌ: يَأْكُلُ، ويُطْعِمُ مَن أحَبَّ مِن الأغْنِياء والفُقَراءِ،
..................................
ولا يَبِيعُ منه شَيْئًا.
ولَنا، ما روَى سعيدٌ بإسْنادِه عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّه قال: إذا أهْدَيْتَ هَدْيًا واجِبًا فعَطِبَ، فانْحَرْه، ثم كُلْه إن شِئْتَ، وأهْدِه إن شِئْتَ، وبِعْه إن شِئْتَ وتَقَوَّمْ به في هَدْىٍ آخَرَ.
ولأنَّه متى كان له أن يَأْكُلَ ويُطْعِمَ الأغْنِياءَ، كان له بَيْعُه؛ لأنَّه مِلْكُه.
والثانيةُ، لا يَرْجِعُ المُعَيَّنُ إلى مِلْكِه؛ لأنَّه قد تَعَلَّقَ به حَقُّ الفُقَراءِ بتَعْيينِه، فلَزِمَ ذَبْحُه، كما لو عَيَّنَه بنَذْرِه ابْتداءً.
فصل: فإن عَيَّنَ مَعِيبًا عَمّا في ذِمَّتِه، لم يُجْزِئْه، ويَلْزَمُه ذَبْحُه على قِياسِ قَوْلِه في الأُضْحِيَةِ، إذا عَيَّنَهَا مَعِيبَةً لَزِمَه ذَبْحُها، ولم يُجْزِئْه.
وإن عَيَّنَ صَحِيحًا فهَلَكَ أو تَعَيَّبَ بغَير تَفْرِيطِه، لم يَلْزَمْه أكثرُ مِمّا كان واجِبًا في الذِّمَّةِ؛ لأنَّ الزَّائِدَ لم يَجِبْ في الذِّمَّةِ، وإنَّما تَعَلَّقَ بالعَيْنِ، فسَقَطَ بتَلَفِها، كأصْلِ الهَدْى إذا لم يَجِبْ بغيرِ التَّعْيينِ.
وإذا أتْلَفَه، أو تَلِفَ بتَفْرِيطِه، لَزِمَه مثلُ المُعَيَّنِ إن كان زائِدًا عمّا في الذِّمَّة؛ لأنَّ الزَّائِدَ تَعَلَّقَ به حَقُّ اللَّهِ تَعالَى، فإذا فَوَّتَه لَزِمه ضمانُه، كالهَدْى المُعَيَّنِ ابْتِداءً.
وَكَذَلِكَ إِنْ ضَلَّتْ فَذَبَحَ بَدَلَهَا ثُمَّ وَجَدَهَا.
1367 - مسألة: (وكذلك إن ضَلَّتْ فذَبَحَ بَدَلَها ثم وَجَدَها)
إذا ضَلَّ المُعَيَّنُ، فذَبَحَ غيرَه، ثم وَجَدَه، أو عَيَّنَ غيرَ الضّالِّ بَدَلًا عَمّا في الذِّمَّةِ، ثم وَجَد الضّالَّ، ذَبَحَهما معًا.
رُوِى ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وابنِ عباسٍ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ؛ لِمَا رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّها أهْدَتْ هَدْيَيْن، فأضَلَّتْهُما، فبَعَثَ إليها ابنُ الزُّبَيْرِ بهَدْيَيْن، فنَحَرَتْهُما، ثم عادَ الضَّالَّانِ فنَحَرَتْهما، وقالت: هذه سُنَّةُ الهَدْى.
رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ (1). وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه تَعَلَّقَ حَقُّ اللَّهِ تعالَى بهِما، بإيجابِهِما، أو ذَبْحِ أحَدِهما وإيجابِ الآخَرِ.
ويَتَخَرَّجُ أن يَرْجِعَ إلى مِلْكِه أحَدُهما، بِناءً على المسألةِ التى قبلَها، فيما إذا عَيَّنَ عَمّا في الذِّمَّةِ شاةً فعَطِبَتْ أو تَعَيَّبَتْ، أنَّها تَرْجِعُ إلى مِلْكِه، لأنَّه قد ذَبَح عَمّا في الذِّمَّةِ، فلم يَلْزَمْه شئٌ آخَرُ، كما لو عَطِبَ المُعَيَّنُ.
وهذا قولُ أصحابِ الرَّأْى.
فصل
: إذا غَصَب شاةً، فذَبَحَها عمّا في ذِمَّتِه، لم يُجْزِئْه، وإن رَضِىَ1
..................................
مالِكُها، وسَواءً عَوَّضَه عنها أو لم يُعَوِّضْه.
وقال أبو حنيفةَ: يُجْزِئُه إن رَضِىَ مالِكُها.
ولَنا، أنَّ هذا لم يَكُنْ قُرْبَةً في ابْتِدائِه، فلم يَصِرْ قُرْبَةً في أثْنائِه، كما لو ذَبَحَها للأَكْلِ ثمْ نَوَى بها التَّقَرُّبَ، وكما لو أعْتَقَ عَبْدًا ثم نَواه عن كَفّارَتِه.
فصل: ولا يَبْرَأُ مِن الهَدْى إلَّا بذَبْحِه أو نَحْرِه، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَر هَدْيَهُ.
فإن نحره بنَفْسِه، أو وَكَّلَ مَن نَحَرَه، أجْزَأه، وكذلك إن نَحَرَه إنْسانٌ بغيرِ إذْنِه في وَقْتِه، وفيه اخْتِلاف ذَكَرْناه.
وإن دَفَعَه إلى الفُقَراءِ سَلِيمًا فنَحَرُوه، أجْزَأ عنه 1؛ لأنَّه حَصَل المَقْصُودُ بفِعْلِهِم، فأجْزَأه؛ كما لو ذَبَحَه غيرُهم، وإن لم يَنْحَرُوه، فعليه أن يَسْتَرِدَّه منهم ويَنْحَرَه، فإن لم يَفْعَلْ، أو لم يَقْدِرْ، فعليه ضَمانُه؛ لأنَّه فَوَّتَه بتَفْرِيطِه في دَفْعِه إليهم سَلِيمًا.
فصل: ويُباحُ للفُقَراءِ الأَخْذُ مِن الهَدْى إذا لم يَدْفَعْه إليهم بأحَدِ شَيْئَيْن؛ أحَدُهما، الإِذْنُ فيه لَفْظًا، كما قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ».
والثانى، دَلَالَةُ الحالِ على الإِذْنِ، كالتَّخْلِيَة بينَهم وبينَه.
وقال الشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: لا يباحُ إلَّا باللَّفْظِ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «اصْبُغْ نَعْلَها فِى دَمِهَا وَاضْرِبْ بِهِ صَفْحَتَهَا» 2. دَلِيلٌ على أنَّ ذلك وشِبْهَهُ كافٍ مِن
فَصْلٌ: سَوْقُ الْهَدْى مَسْنونٌ، لَا يَجِبُ إِلَّا بِالنَّذْرِ.
وَيُسْتحَبُّ أنْ يَقِفَهُ بِعَرَفَةَ، وَيَجْمَعَ فِيهِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ، وَلَا يَجِبُ ذَلِكَ.
غيرِ لَفْظٍ، ولولَا ذلك لم يَكُنْ هذا مُفِيدًا.
﴿فصل﴾: قال، رَحِمَه اللَّهُ: (سَوْقُ الهَدْى مَسْنُون، لا يَجِبُ إلَّا بالنَّذْرِ) لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَه، فساقَ في حَجَّتِه مائَةَ بَدَنَةٍ، وكان يَبْعَثُ بهَدْيِه وهو بالمَدِينَةِ.
وليس بواجِبٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَأْمُرْ به، والأَصْلُ عدَمُ الوُجُوبِ، فإن نَذَرَه، وَجَبَ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ نَذَرَ أنْ يُطِيعَ اللَّهَ فَلْيُطِعْهُ» (1). ولأنَّه نَذْرُ طَاعَةٍ، فوَجَبَ الوَفاءُ به، كنُذُورِ الطَّاعَاتِ.
1368 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَه بعَرَفَةَ، ويَجْمَعَ فيه 2 بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، ولا يَجِبُ ذلك) رُوِى اسْتِحْبابُ ذلك عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما. وبه قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى. وكان1
وَيسَنُّ إِشْعَارُ الْبَدَنَةِ، وَهُوَ أنْ يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا حَتَّى يَسِيل الدَّمُ، وَيُقَلِّدُهَا، وَيُقَلِّدُ الْغَنَمَ النَّعْلَ وَآذَانَ الْقِرَبِ والْعُرَى.
ابن عُمَرَ لا يَرَى الهَدْى إلَّا ما عُرِفَ به.
ونَحْوُه عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
وقال مالكٌ: أُحِبُّ للقارِنِ يَسُوقُ هَدْيَه مِنِ حَيْثُ يُحْرِمُ، فإنِ ابْتَاعَه مِن دُونِ ذلك، مِمَّا يَلِى مَكَّةَ، بعدَ أن يقفَه بعَرَفةَ، جازَ.
وقال في هَدْى المجامعِ: إن لم يَكُنْ ساقَه فَلْيَشْتَرِه مِن مَكَّةَ، ثم لْيُخْرِجْه إلى الحِلِّ، ولْيَسُقْه إلى مَكَّةَ.
ولَنا، أنَّ المُرادَ مِن الهَدْى نَحْرُه وَنَفْعُ المَساكِينِ بلَحمِه، وهذا لا يَقِفُ على شئٍ مِمّا ذَكَرُوه، ولم يَرِدْ بما قالُوه دَلِيلٌ يُوجِبُه، فبَقِىَ على أصْلِه.
1369 -
مسألة: (ويُسَنُّ إشْعارُ البَدَنَةِ 1، وهو أن يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامِها حتى يَسِيلَ الدَّمُ، ويُقَلِّدُها، ويُقَلِّدُ الغَنَمَ النَّعْلَ وآذانَ القِرَبِ والعُرَى) يُسَنُّ تَقْلِيدُ الإبِلِ والبَقَرِ، وإشْعارُها، وهو أن يَشُقَّ صَفْحَةَ سَنَامها الأَيْمَنَ حتى يُدْمِيَها، في قَوْلِ أهْلِ العِلْمِ. وقال أبو حنيفةَ:
..................................
هذا مُثْلَةٌ غيرُ جائِزٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن تَعْذِيبِ الحَيَوانِ 1. ولأنَّه إيلامٌ، فهو كقَطْع عُضْوٍ منه.
وقال مالك: إن كانتِ البَقَرَةُ ذاتَ سَنامٍ، فلا بَأْسَ بإشْعارِها، وإلَّا فلا.
ولَنا، ما رَوَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: فَتَلْتُ قَلائِدَ هَدْى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثم أشْعَرَها وقَلَّدَها.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وفَعَلَه الصَّحَابَةُ، فيَجِبُ تَقْدِيمُه على عُمُومِ ما احْتَجُّوا به، ولأنَّه إيلامٌ لغَرَضٍ صَحِيحٍ، فجازَ، كالكَىِّ، والوَسْمِ، والحِجامَةِ.
وفائِدَتُه أن لا تَخْتَلِطَ بغيرِها، وأن يَتَوَقَّاهَا اللِّصُّ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالتَّقْلِيدِ بمُفْرَدِه؛ لأنَّه يَحْتَمِل أن يَنْحَلَّ وَيَذْهَبَ.
وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بالكَىِّ.
..................................
ويُشْعِرُ البَقَرَةَ، لأنَّها مِن البُدْنِ، فتُشْعَرُ كذَاتِ السَّنَامِ.
أمَّا الغَنَمُ فلا يُسَنُّ إشْعارُها؛ لأنَّها ضَعِيفَة، وصُوفُها وشَعَرُها يَسْتُرُ مَوْضِعَ إشْعارِها.
إذا ثَبَت هذا، فالسُّنَّةُ الإِشْعارُ في صَفْحَتِها اليُمْنَى.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال مالِكٌ، وأبو يُوسُفَ: بل يُشْعِرُها في صَفْحَتِها اليُسْرَى.
وعن أحمدَ مثلُه؛ لأنَّ ابنَ عُمَرَ فَعَلَه.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بذِى الحُلَيْفَةِ، ثم دَعَا ببَدَنَةٍ وأشْعَرَها مِن صَفْحَةِ سَنَامِها الأيْمَنِ، وسَلَتَ الدَّمَ عنها بيَدِه.
رَواه مسلمٌ 1. وأمَّا ابنُ عُمَرَ فقد رُوِى عنه كمَذْهَبِنا.
رَواه البخارىُّ 2. ثم فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى مِن فِعْلِ ابنِ عُمَرَ
..................................
بغيرِ خِلافٍ، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُعْجِبُه التَّيَمُّنُ في شَأْنِه كُلِّه 1. وإذا ساقَ الهَدْى مِن قِبَلِ المِيقاتِ، استُحِبَّ إشعارُه وتَقْلِيلُده مِن المِيقاتِ؛ لحَدِيث ابنِ عباسٍ.
وإن كانت غَنَمًا اسْتُحِبَّ أن يُقَلِّدَها نَعْلًا، أو آذانَ القِرَبِ، أو عِلاقَةَ إداوَةٍ، أو عُرْوَةً.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ تَقْلِيدُ الغَنَمِ؛ لأنَّه لو كان سُنَّةً لنُقِلَ كما نُقِلَ في الإِبِلِ.
ولَنا، ما رُوِى أنَّ عائِشَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: كُنْتُ أفْتِلُ القَلائِدَ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[فيُقَلِّدُ الغَنَمَ ويُقِيمُ في أهْلِه حَلالًا.
وفى لَفْظٍ: كُنْتُ أفْتِلُ قَلائِدَ الغَنَمِ للنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 2. رَواه البخارىُّ 3. ولأنَّه إذا سُنَّ تَقْلِيدُ الإبِلِ مع أنَّه يُمْكِنُ تَعْرِيفُها بالإشْعارِ، فالغَنَمُ أوْلَى.
وإن تَرَك التَّقْلِيدَ والإِشْعارَ فلا شئَ عليه؛ لأنَّه غيرُ واجِبٍ.