..................................
فصل: ورُوِىَ عن عبدِ اللَّهِ بنِ مسعودٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «تَابِعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، فَإنَّهُمَا يَنْفِيَانِ الْفَقْرَ وَالذُّنُوبَ، كَمَا يَنْفِى الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ وَالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ، وَلَيْسَ لِلْحَجَّةِ المَبْرُورَةِ ثَوَابٌ إلَّا الْجَنَّةَ».
قال التِّرْمِذِىُّ 1: حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وعن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ أَتَى هَذَا البَيْتَ، فَلَمْ يَرْفُثْ، وَلَمْ يَفْسُقْ، رَجَعَ مِنْ ذُنُوبِه كَيَوْمِ وَلَدَتْه أُمُّهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 2.
فَصْلٌ: أرْكَانُ الْحَجِّ؛ الْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ، وَطَوَافُ الزِّيَارَةِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا أَرْبَعَة؛ الْوُقُوفُ، وَالإِحْرَامُ، وَالطَّوَافُ، وَالسَّعْىُ.
وَعَنْهُ، أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ، وَأنَّ السَّعْىَ سُنَّةٌ.
وَاخْتَارَ الْقَاضِى أَنَّهُ وَاجِبٌ، وَلَيْسَ بِرُكْنٍ.
فصل
: قال رَضِىَ اللَّهُ عنه: (أرْكانُ الحَجِّ؛ الوُقُوفُ بعَرَفَةَ، وطَوافُ الزِّيارَةِ.
وعنه، أنَّها أرْبَعَةٌ؛ الوُقُوفُ، والطَّوافُ، والإِحْرَامُ، والسَّعىُ.
وعنه، أنَّها ثَلَاثَةٌ، وأنَّ السَّعْىَ سُنَّةٌ.
واخْتارَ القَاضِى أنَّه واجِبٌ، وليس برُكْنٍ) الوُقُوفُ بعَرَفَةَ رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به إجْماعًا.
وقد روَى الثَّوْرِىُّ عن بُكَيْرِ بنِ عَطاءٍ اللَّيْثىِّ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يَعْمُرَ الدِّيلىِّ، قال: أتَيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَرَفَةَ، فجاءه نَفَرٌ مِن أهْلِ نَجْدٍ، فقالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، كَيْفَ الحَجُّ؟ قال: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْع فَقَدْ تمَّ حَجُّهُ».
رَواه أبو داودَ 1. قال محمدُ بنُ يَحْيَى: ما أرَى للثَّوْرِىِّ حَدِيثًا أشْرَفَ منه.
وطَوافُ الزِّيارَةِ أيْضًا رُكْنٌ
..................................
للحَجِّ لا يَتِمُّ إلَّا به.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هو مِن فرائِض الحَجِّ، لا خِلاف في ذلك بينَ العُلَمَاءِ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 1.
فصل: واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في الإِحْرامِ والسَّعْى، فرُوِىَ عنه أنَّ الإِحْرامَ رُكْنٌ؛ لأنَّه عِبارَة عنْ نِيَّةِ الدُّخُولِ في الحَجِّ، فلم يَتِمَّ بدُونِها؛ لقولِه عليه السلامُ: «إنَّمَا الأَعْمَالُ بِالنياتِ» 2. وكسائِرِ العِباداتِ.
وعنه، أنَّه ليس برُكْنٍ؛ لحَدِيثِ الثَّوْرِىِّ الذى ذَكَرْناه.
وأمَّا السَّعْىُ، فرُوِىَ عنه أنَّه رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به.
وهو قولُ عائشةَ، وعُرْوَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ؛ لِما رُوِى عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالت: طافَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وطافَ المُسْلِمُونَ، يَعْنِى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فكانت سُنَّةً،
..................................
فلَعَمْرِى ما أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لم يَطُفْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
رَواه مسلمٌ 1. وعن حَبِيبَةَ بنتِ أبى تَجْرَاةَ 2؛ إحْدَى نِساءِ بنى عبدِ الدَّارِ، قالت: دَخَلْتُ مع نِسْوَةٍ مِن قُرَيْشٍ دارَ آلِ أبى حُسَيْنٍ، نَنْظُرُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وهو يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، وإنَّ مِئْزَرَه ليَدُورُ في وَسَطِه مِن شِدَّةِ سَعْيهِ، حتى إنِّى أقولُ: إنِّى لأرَى رُكْبَتَيْهِ، وسَمِعْتُه يقولُ: «اسْعَوْا فإنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمُ السَّعْىَ».
رَواه ابنُ ماجه 3. ولأنَّه نُسُكٌ في الحَجِّ والعُمْرَةِ فكانَ رُكْنًا فيهما 4، كالطَّوافِ بالبَيْتِ.
وعن أحمدَ، أنَّه سُنَّةٌ لا دَمَ في تَرْكِه.
رُوِى ذلك عن ابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وابِنِ سِيرِينَ؛ لقولِ اللَّهِ تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ 5. ونَفْىُ
..................................
الحَرَجِ عن فاعِلِه دَلِيلٌ على عَدَمِ وُجُوبِه، فإنَّ هذا رُتْبَةُ المُباحِ، وإنَّما تَثْبُتُ سُنَّتُه بقولِه: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
ورُوِىَ أنَّ في مُصْحَفِ أُبَىٍّ، وابنِ مَسْعودٍ: «فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أنْ لَا يَطَّوَّفَ بِهمَا».
وهذا إن لم يَكُنْ قُرْآنًا، فلا يَنْحَطُّ عن رُتْبَةِ الخَبَرِ؛ لأنَّهُما يَرْوِيانِه عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولأنَّه نُسُكٌ مَعْدُودٌ لا يَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، فلم يَكنْ رُكْنًا، كالرَّمْى.
واخْتارَ القَاضِى أنَّه واجِبٌ وليس برُكْنٍ، لكن يَجِبُ بتَركِه دَمٌ.
وهو قولُ الحسنِ، وأبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ.
وهذا أوْلَى؛ لأنَّ دَلِيلَ مَن أوْجَبَه دَلَّ على مُطْلَقِ الوُجُوبِ، لا على أنَّه لا يَتِمُّ الحَجُّ 1 إلَّا به.
وقولُ عائشةَ في ذلك مُعارَضٌ بقولِ مَن خالَفَها مِن الصَّحَابَةِ.
وحَدِيثُ بِنْتِ أبى تَجْراةَ يَرْوِيه عبدُ اللَّهِ ابنُ المُؤَمَّلِ، وقد تَكَلَّمُوا في حَدِيثه.
ثم هو يَدُلُّ على أنَّه مَكْتُوبٌ، وهو الوَاجِبُ.
فأمَّا الآيةُ، فإنَّما نَزَلَتْ لَمّا تَحَرَّجَ ناسٌ مِن السَّعْى في الإِسْلامِ، لِما كانُوا يَطُوفُونَ بينَهما في الجَاهِلِيَّةِ لأجْلِ صَنَمَيْنِ كانا على الصَّفَا والمَرْوَةِ.
كذلك قالَتْ عائشةُ.
وهذا أوْسَطُ الأقْوالِ.
وهو اخْتِيارُ شيخِنا 2.
وَوَاجِبَاتُهُ سَبْعَةٌ، الْإِحْرَامُ مِنَ الْمِيقَاتِ، وَالْوُقُوفُ بِعَرَفَةَ إلَى اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمُزْدَلِفَةَ إِلَى بَعْدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، وَالْمَبِيتُ بِمِنًى، وَالرَّمْىُ، وَالْحِلَاقُ، وَطَوَافُ الْوَدَاعَ.
1330 - مسألة: (وواجِبَاتُه سَبْعَةٌ؛ الإِحْرامُ مِن المِيقَاتِ، والوُقُوفُ بعَرَفَةَ إلى اللَّيْلِ، والمَبِيتُ بمُزْدَلِفَةَ إلى بعدِ نِصْفِ اللَّيْلِ، والمَبِيتُ بمِنًى، والرَّمْىُ، والحِلَاقُ)
1 أو التَّقْصِيرُ (وطَوافُ الوَداعِ)
وَمَا عَدَا هَذَا سُنَنٌ.
وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى، وذَكَرْنا الدَّلِيلَ عليه (وما عَدَا هذا سُنَنٌ) وهو الاغْتِسالُ، وطَوافُ القُدُومِ، والرَّمَلُ، والاضْطِباعُ،
.................................. واسْتِلامُ الرُّكْنَيْن، وتَقْبِيلُ الحَجَرِ، والإِسْراعُ، والمَشْىُ والسَّعْىُّ 1 في مَواضِعِها، والخُطَبُ، والأذْكارُ، والدُّعاءُ، والصُّعُودُ على الصَّفَا
وَأرْكَانُ الْعُمْرَةِ؛ الطَّوَافُ.
وَفِى الْإِحْرَامِ وَالسَّعْى رِوَايَتَانِ.
وَوَاجِبَاتُهَا، الْحِلَاقُ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فمَنْ تَرَكَ رُكْنًا، لَمْ يَتِمَّ نُسُكُهُ إِلَّا بِهِ، وَمَنْ تَرَكَ وَاجِبًا، فَعَلَيْهِ دَمٌ.
وَمَنْ تَرَكَ سُنَّةً، فَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
والمَرْوَةِ، وسائِرُ ما ذَكَرْناه غيرَ الأرْكانِ والوَاجِبَاتِ (وأرْكانُ العُمْرَةِ؛ الطَّوافُ) قِياسًا على الحَجِّ (وفى الإِحْرامِ والسَّعْى رِوايَتان) على ما ذَكَرْنا في الحَجِّ (وواجِبُها، الحِلاقُ) 1 والتَّقْصِيرُ (في إحْدَى الرِّوايَتَيْن) بناءً على الحَلْقِ في الحَجٍّ.
وسُنَنُها؛ الغُسْلُ، والدُّعَاءُ، والذِّكْرُ، والسُّنَنُ التى في الطَّوافِ (فمَن ترَك رُكْنًا، لم يَتمَّ نُسُكُه إلَّا به، ومَن تَرَك واجِبًا، فعليه دَمٌ) وقد ذَكَرْنا ذلك في مَوَاضِعِه مُفَصَّلًا (ومَن تَرَك سُنَّةً، فلا شئَ عليه)
..................................
لأنَّها ليست واجِبَةً، فلم يَجِبْ جَبْرُها، كسُنَنِ سائِرِ العِباداتِ.
واللَّهُ تعالى أعْلَمُ.
بَابُ الْفَوَاتِ وَالإِحْصَارِ
وَمَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ يَوْمَ النَّحْرِ وَلَمْ يَقِفْ بِعَرَفَةَ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، وَيَتَحَلَّلُ بِطَوَافٍ وَسَعْىٍ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يَنْقَلِبُ إِحْرَامُهُ لِعُمْرَةٍ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ فَرْضًا.
وَعَنْهُ، عَلَيْهِ القَضَاءُ.
بابُ الفَواتِ والإِحْصارِ
1331 -
مسألة: (ومَن طَلَع عليه الفَجْرُ يومَ النَّحْرِ ولم يَقِفْ بعَرَفَةَ، فقد فاته الحَجُّ، ويَتَحَلَّلُ بطَوافٍ وسَعْىٍ. وعنه، أنَّه 1 يَنْقَلِبُ إحْرامُه لعُمْرَةٍ، ولا قَضاءَ عليه، إلَّا أن يكونَ فَرْضًا. وعنه، عليه القَضاءُ) الكلامُ في هذه المسألةِ في ثَلَاثَةِ أُمُورٍ؛ أوَّلُها، أنَّ آخِرَ وَقْتِ الوُقُوفِ آخِرُ لَيْلَةِ النَّحْرِ، فمَن لم يُدْرِكِ الوُقُوفَ حتى طَلَع الفَجْرُ يَوْمَئِذٍ، فاتَه الحَجُّ،
..................................
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
قال جابِرٌ، رَضِىَ اللَّه عنه: لا يَفُوتُ الحَجُّ حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ مِن لَيْلَةِ جَمْعٍ.
قال أبو الزُّبيْرِ: فقُلْتُ له: أقَالَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك؟ قال: نعم.
رَواه الأثْرَمُ 1. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الْحَجُّ عَرَفَةُ، فَمَنْ جَاءَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَجْرِ لَيْلَةَ جَمْعٍ، فَقَدْ تَمَّ حَجُّه» 2. يَدُلُّ على فَواتِه بخُرُوجِ لَيْلَةِ جَمْع.
الثَّانِى، أنَّ مَن فاتَه الحَج يَتَحَلَّلُ بَطوافٍ وسَعْىٍ وحِلاقٍ 3. هذا الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
رُوِى ذلك عن عُمَرَ ابنِ الخَطَّابِ، وابنِه، وزَيْدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم.
وهو قولُ مالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
وقال ابنُ أبى مُوسَى: في المَسْألَةِ رِوايَتان؛ إحْداهُما، كما ذَكَرْنا.
والثانِيَةُ، يَمْضِى في حَجٍّ فاسِدٍ.
وهو قولُ المُزَنِىِّ، قال: يَلْزَمُه جَمِيعُ 4
..................................
أفْعالِ الحَجِّ؛ لأنَّ سُقُوطَ ما فاتَ وَقْتُه لا يَمْنَعُ وُجُوبَ ما لم يَفُتْ.
ولَنا، قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحَابَةِ، ولم نَعْرِفْ له مُخالِفًا، فكان إجْماعًا.
وروَى الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 1 أنَّ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال لأبى أيُّوبَ، حينَ فاتَه الحَجُّ: اصْنَعْ ما يَصنَعُ المُعْتَمِرُ، ثم قد حَلَلْتَ، فإن أدْرَكْتَ الحَجَّ قابِلًا فحُجَّ، وأهْدِ ما اسْتَيْسَرَ مِن الهَدْى.
وروَى النَّجَّادُ بإسْنادِه عن عَطاءٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَنْ فَاتَهُ الْحَجُّ فَعَلَيْهِ دَمٌ، ولْيَجْعَلْهَا عُمْرَةً، وَلْيَحُجَّ مِنْ قَابِلٍ» 2. ولأنَّه يَجُوزُ فَسْخُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ مِن غيرِ فَواتٍ، فمع الفَواتِ أوْلَى.
إذا ثَبَت هذا، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ، أنَّه يَجْعَلُ إحْرامَه بعُمْرَةٍ.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ.
واختارَه أبو بَكْرٍ.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وعَطاءٍ، وأصحابِ الرَّأْى.
..................................
وعنه، لا يَصِيرُ إحْرامُه بعُمْرَةٍ، بل يَتَحَلَّلُ بطَوافٍ وسَعْىٍ وحَلْقٍ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، والشافعىِّ؛ لأنَّ إحْرامَه انْعَقَدَ بأحَدِ النُّسُكَيْن، فلم يَنْقَلِبْ إلى الآخَرِ، كما لو أحْرَمَ بالعُمْرَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ مَن قال؛ يَجْعَلُ إحْرامَه بعُمْرَةٍ.
أرادَ أنَّه يَفْعَلُ فِعْلَ المُعْتَمِرِ، مِن الطَّوافِ والسَّعْى، فلا يكونُ بينَ القَوْلَيْن خِلافٌ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه يَصِيرُ إحْرامُه بحَجٍّ إحْرامًا بعُمْرَةٍ، بحيثُ تجْزِئُه عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، إن لم يَكُنِ اعْتَمَرَ، ولو أدْخَلَ الحَجَّ عليها لصارَ قارِنًا، إلَّا أنَّه لا يُمْكِنُه الحَجُّ بذلك الإِحْرامِ، إلَّا أنَّه يَصِيرُ مُحْرِمًا به في غيرِ أشْهُرِه، فيكونُ كمَن أحْرَمَ بالحَجِّ في غيرِ أشْهُرِه، ولأنَّ قَلْبَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ يَجُوزُ مِن غيرِ سَبَبٍ على ما قَرَّرْناه في فَسْخِ الحَجِّ، فمع الحاجَةِ أوْلَى، ويُخَرَّجُ على هذا قَلْبُ العُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فإنَّه لا يَجُوزُ، ولأنَّ العُمْرَةَ لا يَفُوتُ وَقْتُها، ولا حاجَةَ إلى انْقِلابِ إحْرامِها بخِلافِ الحجِّ.
..................................
الأمْرُ الثالِثُ، في وُجُوبِ القَضاءِ، وفيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، يَجِبُ، سَواءٌ كان الفائِتُ واجِبًا أوَ تَطَوُّعًا.
اخْتارَه الخِرَقِىُّ.
ويُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِه، وزَيْدٍ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبَيْرِ، ومَرْوَانَ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى.
والثانِيَة، لا قَضاءَ عليه، بل إن كانت فَرْضًا فَعَلَها بالوُجُوبِ السابقِ، وتَسْقُطُ إن كانت نَفْلًا.
رُوِى هذا عن عَطاءٍ، وهو إحْدَى الرِّوَايَتَيْن عن مالكٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا سُئِلَ عن الحَجِّ أكثرَ مِن مَرَّةٍ، قال: «مَرَّةً وَاحِدَةً» 1. ولو أوْجَبْنا القَضاءَ، كان أكثرَ مِن مَرَّةٍ، ولأنَّه مَعْذُورٌ في تَرْكِ إتْمامِ حَجِّه، فلم يَلْزَمْه القضاءُ، كالمُحْصَرِ، ولأنَّها عِبَادَةُ تَطَوُّعٍ، فلم يَجِبْ قَضاؤُها إذا فاتَتْ، كسائِرِ التَّطَوُّعاتِ.
ووَجْهُ الأُولَى ما ذَكَرْناه مِن الحَدِيثِ وإجْماعِ الصَّحَابَةِ، وروَى الدَّارَقُطنِىُّ 2، بإسْنادِه، عن ابنِ عباس، رَضِىَ اللَّه
وَهَلْ يَلْزَمُهُ هَدْىٌ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ؛
عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ فَاتَهُ عَرَفَات فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ، فَلْيَتَحَلَّلْ بِعُمْرَةٍ، وَعَلَيْهِ الْحَجُّ مِنْ قَابِلٍ».
ولأنَّ الحَجَّ يَلْزَمُ (1) بالشُّرُوعِ فيه، فيَصِيرُ كالمَنْذُورِ، بخِلافِ سائِرِ التَّطَوُّعاتِ.
وأمَّا الحَدِيثُ فإنَّه أرادَ الوَاجِبَ بأصْلِ الشَّرْعِ حَجَّة واحِدَةً، وهذه إنَّما تَجِبُ بإيجابِه لها بالشُّرُوعِ فيها، فهى كالمَنْذُورَةِ، وأمَّا المُحْصَرُ فإنَّه غيرُ مَنْسُوبٍ إليه التَّفْرِيطُ، بخِلافِ مَن فاتَه الحَجُّ، على أنَّ في المُحْصَرِ رِوايَةً، أنَّه يَجِبُ عليه القَضاءُ، فهو كمَسْألتِنا.
وإذا قَضَى، أجْزَأه القَضاءُ عن الحَجَّةِ الواجِبَةِ.
لا نَعْلَمُ فيهِ خِلافًا؛ لأنَّ الحَجَّةَ المَقْضِيَّةَ لو تَمَّتْ لأجْزَأتْ عن الواجِبَةِ عليه، فكذلك قضاؤُها؛ لأنَّ القَضاءَ يَقُومُ مَقامَ الأدَاءِ.
1332 -
مسألة: (وهل يَلْزَمُه هَدْىٌ؟ على رِوايَتَيْن؛ إحْداهما،
1
إحْدَاهُمَا، عَلَيْهِ هَدْىٌ يَذْبَحُهُ فِى حَجَّةِ الْقَضَاءِ، إِنْ قُلْنَا: عَلَيْهِ قَضَاءٌ.
وَإلَّا ذَبَحَهُ فِى عَامِهِ.
عليه هَدْىٌ يَذْبَحُه في حَجَّةِ القَضاءِ، إن قُلْنا: عليه قَضاءٌ.
وإلَّا ذَبَحَه في عامِه) يَجِبُ الهَدْىُ على مَن فاتَه الحَجُّ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن.
وهو قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصَّحَابَةِ والفُقَهاءِ، إلَّا أصحابَ الرَّأْى، فإنَّهُم قالُوا: لا هَدْىَ عليه.
وهى الرِّوايَةُ الثانِيَةُ عن أحمدَ؛ لأنَّه لو كان الفَواتُ سَبَبًا لوُجُوبِ الهَدْى، لَزِم المُحْصَرَ هَدْيانِ؛ للفَواتِ والإِحْصَارِ.
ولَنا، حَدِيثُ عَطاءٍ، وإجْماعُ الصَّحَابَةِ، ولأنَّه حَلَّ مِن إحْرامِه قبلَ إتْمامِه، فلَزِمَه هَدْىٌ، كالمُحْصَرِ، والمُحْصَرُ لم يَفُتْ حَجُّه؛ لأنَّه يَحِل قبلَ فَواتِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُخْرِجُ الهَدْىَ في سَنَةِ القَضاءِ، إِن قُلْنا بوُجُوبِه، وإلَّا أخْرَجَه في عامِه.
وإذا كان معه هَدْىٌ قد سَاقَه، نحَرَه، ولا يُجْزِئُه إن قُلْنا بوُجُوبِ القَضاءِ، بل عليه في السَّنَةِ الثانِيَةِ هَدْىٌ أيضًا.
نَصَّ عليه أحمدُ؛
..................................
لِمَا روَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه، أنَّ هَبَّارَ بنَ الأسْوَدِ 1 حَجَّ مِن الشامِ، فقَدِمَ يومَ النَّحْرِ، فقال له عُمَرُ: ما حَبَسَكَ؟ قال: حَسِبْتُ أنَّ اليَوْمَ يومُ عَرَفَةَ.
قال: فانْطَلِقْ إلى البَيْتِ فَطُفْ به سَبْعًا، وإن كان مَعَكَ هَدْيَةٌ فانْحَرْها، ثم إذا كان عامٌ قابلٌ فاحْجُجْ، فإن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، فإن لم تَجِدْ فصُمْ ثَلَاثةَ أيَّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتَ، إن شاءَ اللَّهُ 2. والهَدْىُ: ما اسْتَيْسَرَ، مثل هَدْىِ المُتْعَةِ؛ لحَدِيثِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
والمُتَمَتِّعُ والمُفْرِدُ والقارِنُ والمَكِّىُّ وغيرُه سَواءٌ فيما ذَكَرْنا.
..................................
فصل: فإنِ اخْتارَ مَن فاتَه الحَجُّ البَقاءَ على إحْرامِه للحَجِّ مِن قابِلٍ، فله ذلك.
رُوِىَ ذلك عن مالكٍ؛ لأنَّ تَطَاوُلَ المُدَّةِ بينَ الإِحْرامِ وفِعْل النُّسُكِ لا تَمْنَعُ إتْمامَه، كالعُمْرَةِ، والمُحْرِمِ بالحَجِّ في غيرِ أشْهُرِه.
ويَحْتَمِلُ أنَّه ليس له ذلك.
وهو قولُ الشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ، ورِوَايَةٌ عن مالكٍ؛ لظاهِرِ الخَبَرِ.
وقولِ الصَّحَابَةِ، ولكَوْنِ إحْرام الحَجِّ يَصِيرُ في غيرِ أشْهُرِه، فصارَ كالمُحْرِمِ بالعِبادَةِ قبلَ وَقْتِها.
فصل: فإن كان الذى فاتَه الحَجُّ قارِنًا، حَلَّ، وعليه مثلُ ما أهَلَّ به مِن قابِلٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وإسحاقَ.
ويَحْتَمِلُ أن يُجْزِئَه ما فَعَلَه عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، ولا يَلْزَمُه إلَّا قَضاءُ الحَجِّ؛ لأنَّه لم يَفُتْه غَيْرُه.
وقال الثَّوْرِىُّ وأصحابُ الرَّأْى: يَطُوفُ
وَإِنْ أَخْطَأَ النَّاسُ، فَوَقَفُوا فِى غَيْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أَجْزَأَهُمْ.
وَإِنْ أَخْطَأَ بَعْضُهُمْ، فَقَدْ فَاتَهُ الْحَجُّ.
ويَسْعَى لعُمْرَتِه، ثم لا يَحِلُّ حتى يَطُوفَ ويَسْعَى لحَجِّه.
إلَّا أنَّ سُفْيانَ قال: ويُهَرِيقُ دَمًا.
ووَجْهُ الأوَّلِ أنَّه يَجِبُ القَضاءُ على حَسَبِ الأداءِ في صُورَتِه ومَعْناه، فيَجِبُ أن يكونَ ههُنا كذلك، ويَلْزَمُه هَدْيان؛ لقِرانِه وفواتِه.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقيلَ: يَلْزَمُه هَدْىٌ ثالثٌ للقَضاءِ.
وليس بشئٍ، فإنَ القَضاءَ لا يَجِبُ له شئٌ، وإنَّما الهَدْىُ الذى في سَنَةِ القَضاءِ للفَواتِ، ولذلك لم يَأْمُرْه الصَّحَابَةُ بأكثرَ مِن هَدْىٍ واحِدٍ.
واللَّهُ تَعالى أعْلَمُ.
1333 -
مسألة: (وإن أخْطَأَ الناسُ، فوَقَفُوا في غيرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، أجْزَأهم. وإن أخْطَأ بعضُهم، فقد فاتَه الحَجُّ)
إذا أخْطَأ الناسُ، فَوَقَفُوا في غيرِ يَوْمِ عَرَفَةَ، ظنًّا منهم أنَّه يومُ عَرَفَةَ، أجْزَأهم؛ لِما روَى
..................................
الدَّرَقُطْنىُّ 1 بإسْنادِه، عن عبدِ العزيزِ بن عبدِ اللَّهِ بنِ جابِرِ بنِ أُسَيْدٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يَوْمُ عَرَفَةَ الَّذِى يُعَرِّفُ النَّاسُ فِيهِ».
وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «فِطْرُكُمْ 2 يَوْمَ تفْطِرُونَ، وَأضْحَاكُمْ يَوْمَ تُضَحُّونَ».
رَواه الدَّارَقُطْنِىُّ وغيرُه 3. ولأنَّه لا يُؤْمَنُ مثلُ ذلك في القَضاءِ.
فإنِ اخْتَلَفُوا، فأصابَ بعضٌ وأخْطَأ بعضٌ، لم يُجْزِئُ مَن أخْطَأ؛ لأنَّهم غيرُ مَعْذُورِينَ في ذلك، وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ هَبَّارٍ 4، حينَ قال لعُمَرَ: ظَنَنْتُ أنَّ اليومَ يَوْمُ عَرَفَةَ، فلم يُعْذَرْ بذلك.
..................................
فصل: فإن كان عَبْدًا لم يَلْزَمْه الهَدْىُ؛ لأنَّه عاجِزٌ عنه، بكَوْنِه لا مالَ له، فهو كالمُعْسِرِ، ويَجِبُ عليه الصَّوْمُ بدلَ الهَدْى.
فإن أذِنَ له سَيِّدُه في الهَدْى، لم يَكُنْ له أن يُهْدِىَ في ظاهِرِ كلامِ الخِرَقِىِّ، ولا يُجْزِئُه إلَّا الصِّيامُ.
هذا قولُ الثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، والشافعىِّ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عنهم في الصَّيْدِ.
وعلى قِياسِ هذا كلُّ دَمٍ لَزِمَه في الإِحْرامِ، لا يُجْزِئُه عنه إلَّا الصِّيَامُ.
وقال غيرُ الخِرَقِىِّ مِن أصحابِنا: إن مَلَّكَه السَّيِّدُ هَدْيًا، وأذِنَ له في ذَبْحِه، خُرِّجَ على الرِّوَايَتَيْن في مِلْكِ العَبْدِ بالتَّمْلِيكِ.
فإن قُلْنا: يَمْلِكُ.
لَزِمَه الهَدْىُ، وأجْزَأ عنه؛ لأنَّه قادِرٌ عليه، مالكٌ له، أشْبَهَ الحُرَّ.
وإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ.
لم يُجْزِئْه إلَّا الصِّيامُ؛ لأنَّه ليس بمالكٍ، ولا سَبِيلَ له إلى المِلْكِ، فهو كالمُعْسِرِ.
وإذا صامَ فإنَّه يَصُومُ عن كلِّ مُا مِن قِيمَةِ الشاةِ يَوْمًا.
ذَكَرَه الخِرَقِىُّ.
ويَنْبَغِى أن يُخَرَّجَ فيه مِن الخِلافِ ما ذَكَرْناه في الصَّيْدِ.
فإن بَقِىَ مِن قِيمَتِها دُونَ المُدِّ، صامَ عنه يَوْمًا؛ لأنَّ الصَّومَ لا يَتَبَعَّضُ، فيَجِبُ تَكْمِلَتُه.
قال شيخُنا 1:
..................................
والأَوْلَى أن يكونَ الواجِبُ مِن الصَّوْمِ عَشَرَةَ أيَّامٍ، كصَوْمِ المُتْعَةِ، كما جاءَ في حَدِيثِ عُمَرَ، أنَّه قال لهَبَّارِ بن الأسْوَدِ: فإن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، فإن لم تَجِدْ سَعَةً، فصُمْ ثَلَاثَّةَ أيَّامٍ في الحَجِّ، وسَبْعَةً إذا رَجَعْتَ، إن شاءَ اللَّه.
وروَى الشافعىُّ 1، عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، مثلَ ذلك.
وأحمدُ ذَهَب إلى حَدِيثِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، واحْتَجَّ به.
ولأنَّه صَوْمٌ وَجَب لحِلِّه مِن إحْرامِه قبلَ إتمامِه، فكان عَشَرَةَ أيَّامٍ، كصَوْمِ المُحْصَرِ.
والمُعْسِرُ في الصَّوْمِ كالعَبْدِ، ولذلك قال عُمَرُ، رَضِى اللَّه عنه، لهَبَّارٍ: إن وَجَدْتَ سَعَةً فأهْدِ، وإن لم تَجِدْ فصُمْ.
ويُعْتَبَرُ اليَسارُ والإِعْسَارُ في زَمَنِ الوُجُوبِ، وهو في سَنَةِ القَضاءِ إن قُلْنا بوُجُوبِه، أو في سنَةِ الفَواتِ إن قُلْنَا: لا يَجِبُ القَضاءُ.
وقال الخِرَقِىُّ في العَبْدِ: ثم يُقَصِّرُ، ويَحِلُّ.
يُرِيدُ أنَّ العَبْدَ لا يَحْلِقُ؛ لأنَّ الحَلْقَ يُزِيلُ الشَّعَرَ الذى يَزِيدُ في قِيمَتِه ومَالِيَّتِه، وهو مِلْكٌ لسَيِّدِه، ولم يَتَعَيَّن إزالَتُه، فلم يَكُنْ له ذلك، كغيرِ حالَةِ الإِحْرامِ.
فإن أذِنَ له سَيِّدُه فيه، جازَ؛ لأنَّ المَنْعَ منه لحَقِّه.
وَمَنْ أَحْرَمَ فَحَصَرَهُ عَدُوٌّ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ طَرِيقٌ إِلَى الْحَجِّ، ذَبَحَ هَدْيًا فِى مَوْضِعِهِ، وَحَلَّ.
1334 - مسألة: (ومَن أحْرَمَ فحَصَرَه عَدُوٌّ، ولم يَكُنْ له طَرِيقٌ إلى الحَجِّ، نَحَر هَدْيًا في مَوْضِعِه، وحَلَّ)
لا خِلافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ، أنَّ المُحْصَرَ إذا حَصَرَه عَدُوٌّ، ومَنَعُوه الوُصُولَ إلى البَيْتِ، ولم يَجدْ طَرِيقًا آمِنًا، أنَّ له التَّحَلُّلَ، مُشْرِكًا كان العَدُوُّ أو مُسْلِمًا؛ لقولِه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 1. ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أصْحَابَه حينَ حُصِرُوا في الحُدَيْبِيَةِ أن يَنْحَرُوا ويَحْلِقُوا ويَحِلُّوا 2. وسَواءٌ كان الإِحْرامُ بحَجٍّ، أو عُمْرَةٍ، أو بهما.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وحُكِىَ عن مالكٍ أنَّ المُعْتَمِرَ لا يَتَحَلَّلُ؛ لأنَّه لا يَخافُ الفَواتَ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّ الآيَةَ إنَّما نَزَلَتْ في حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ، وإنَّما كانُوا مُحْرِمِينَ بعُمْرَةٍ، فحَلُّوا 3 جَمِيعًا.
وعلى مَن تَحَلَّلَ بالإِحْصَار الهَدْىُ، في قولِ الأكْثَرَينَ.
وعن مالكٍ، ليس عليه هَدْىٌ؛ لأنَّه تَحَلُّل أُبِيحَ له مِن غيرِ
..................................
تَفْرِيطٍ، أشْبَهَ مَن أتَمَّ حَجَّه.
ولَنا، قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
قال الشافعىُّ: لا خِلافَ بينَ أهْلِ التَّفْسِيرِ أنَّ هذه الآيَةَ نزَلَتْ في حَصْرِ الحُدَيْبِيَةِ.
ولأنَّه أُبِيحَ له التَّحَلُّلُ قبلَ إتْمامِ نُسُكِه، أشْبَهَ مَن فاتَه الحَجُّ، وبهذا فارَقَ مَن أتَمَّ حَجَّه.
فصل: ولا فَرْقَ بينَ الحَصْرِ العامِّ في حَقِّ كلِّ الحاجِّ، وبينَ الخاصِّ في حَقِّ شَخْصٍ واحِدٍ، مثلَ أن يُحْبسَ 1 بغيرِ حَقٍّ، أو تَأْخُذَه اللُّصُوصُ؛ لعُمُومِ النَّصِّ، ووُجُودِ المَعْنَى في الكلِّ.
فأمَّا مَن حُبِسَ بحَقٍّ عليه يُمْكِنُه الخُرُوجُ منه، فلا يَجُوزُ له التَّحَلُّلُ في الحَبْسِ فإن كان عاجِزًا عن أدائِه، فحُبِسَ بغيرِ حَقٍّ، فله التَّحَلُّلُ، كمَن ذَكَرْناه.
وإن كانَ عليه دَيْن مُؤَجَّل يَحِلُّ قبلَ تُدُومِ الحاجِّ، فمَنَعَه صاحِبُه مِن الحَجِّ، فله التَّحَلُّلُ؛ لأنَّه مَعْذُورٌ.
ولو أحْرَمَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه، أو المَرْأةُ للتَّطَوُّعِ بغيرِ إذْنِ زَوْجِها، فلهما مَنْعُهما، وحُكْمُهُما حُكْمُ المُحْصَرِ.
فصل: فإن أمْكَنَ المُحْصَرَ الوُصُولُ مِن طَرِيقٍ أُخْرَى، لم يُبَحْ لَه التَّحَلُّلُ، ولَزِمَه سُلُوكُها، بَعُدَتْ أو قَرُبَتْ، خَشِىَ الفَواتَ أو لم يَخْشَه، فإن كان مُحْرِمًا بعُمْرَةٍ لم تَفُتْ، وإن كان بحَجٍّ ففاتَه، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ، وكذا لو لم يَتَحَلَّلِ المُحْصَرُ حتى زالَ الحَصْرُ، لَزِمَه السَّعْىُ وإن كان بعدَ فَواتِ الحَجِّ، ليَتَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ.
ثم هل يَلْزَمُه القَضاءُ إن فاتَه الحَجُّ؟ فيه
..................................
رِوايَتان؛ إحْداهُما، يَلْزَمُه، كمَن فاتَه بخَطَأ الطَّرِيقِ.
والثانِيَةُ، لا يَجِبُ؛ لأنَّ سَبَبَ الفَواتِ الحَصْرُ، أشْبَهَ مَن لم يَجِدْ طَرِيقًا أُخْرَى، وبهذا فارَقَ المُخْطِئَ.
فصل: وإذا كان العَدُوُّ الذين حَصَرُوا الحاجَّ مُسْلِمينَ، فأمْكَنَه الانْصِرافُ، كان أوْلَى مِن قِتالِهم؛ لأنَّ في قِتالِهم المُخاطَرَةَ بالنَّفْسِ والمالِ وقَتْلَ مُسْلمٍ، فكان تَرْكُه أوْلَى.
ويَجُوزُ قِتالُهم؛ لأنَّهُم تَعَدَّوْا على المُسْلِمينَ لمَنْعِهِم طَرِيقَهم، فأشْبَهُوا سائِرَ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ.
وإن كانُوا مُشْركِينَ، لم يَجِبْ قِتالُهم؛ لأنَّه إنَّما يَجِبُ بأحَدِ أمْرَيْن؛ إذا بَدَءُوا بالقِتالِ، أو وَقَع النَّفِيرُ، فاحْتِيجَ إلى مَدَدٍ، وليس ههُنا واحِدٌ منهما.
لكن إن غَلَب على ظَنِّ المُسْلِمينَ الظَّفَرُ، اسْتُحِبَّ قِتالُهم؛ لِما فيه مِن الجِهادِ، وحُصولِ النَّصْرِ، وإتمامِ النُّسُكِ.
وإن كان بالعَكْسِ، فالأوْلَى الانْصِرافُ؛ لِئَلَّا يُغَرِّرُوا بالمُسْلِمينَ.
ومتى احْتَاجُوا في القِتالِ إلى لُبْسِ ما تَجِبُ فيه الفِدْيَةُ، فلهم فِعْلُه، وعليهم الفِدْيَةُ؛ لأنَّ لُبسَهم لأجْلِ أنْفُسِهِم، فأشْبَهَ ما لو لَبِسُوا للاسْتِدْفاء مِن بَرْدٍ.
فإن أذِنَ لهم العَدُوُّ في العُبُورِ فلم يَثِقُوا بهم، فلهم الانْصِرافُ؛ لأَنَّهُم خائِفُونَ على أنْفُسِهم، فكَأنَّهُم لم يُؤَمِّنُوهم، وإن وَثِقوا بأمانِهِم، وكانُوا مَعْرُوفِينَ بالوَفاءِ، لَزِمَهم المُضِىُّ
..................................
على إحْرامِهِم؛ لأنَّه قد زالَ حَصْرُهم، وإن طَلَب العَدُوُّ خُفارَةً 1 على تَخْلِيَةِ الطَّرِيقِ، وكان مِمَّن لا يُؤْمَنُ بأَمانهِ، لم يَلْزَمْهُم بَذْلُه؛ لأن الخَوْفَ باقٍ مع البَذْلِ، وإن كان مَوْثُوقًا بأمانِه، والخُفارَةُ كَثِيرَةٌ، لم يَجِبْ بَذْلُه، بل يُكْرَهُ إن كان العَدُوُّ كافِرًا؛ لأنَّ فيه صَغارًا وتَقْوِيَةً للكافِرِ، وإن كانَتْ يَسِيرَةً، فقِياسُ المَذْهَبِ وُجُوبُ بَذْلِه، كالزِّيادَةِ في ثَمَنِ الماءِ للوُضُوءِ.
وقال بعضُ أصحابِنا: لا يَجِبُ بَذْلُ خُفارَةٍ بحالٍ، وله التَّحَلُّلُ، كما في ابْتِداءِ الحَجِّ لا يَلْزَمُه إذا لم يَجِدْ طَرِيقًا آمِنًا مِن غيرِ خُفارَةٍ.
فصل: متى قَدَرَ المُحْصَرُ على الهَدْى، فليس له التَّحَلُّلُ قبلَ ذَبْحِه.
فإن كان معه هَدْىٌ قد ساقَه، أجْزَأه، وإن لم يَكُنْ معه، لَزِمَه شِراؤُه إن أمْكَنَه، ويُجْزِئُه أدْنَى الهَدْى، وهو شَاةٌ، أو سُبْعُ بَدَنَةٍ؛ لقولِه تعالى: ﴿فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
وله نَحْرُه في مَوْضِعِ حَصْرِه، مِن حِلٍّ أو حَرَمٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعىِّ، إلَّا أن يكونَ قادِرًا على أطْرافِ الحَرَمِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَلْزَمُه نَحْرُه فيه؛ لأنَّ الحَرَمَ كلَّه مَنْحَرٌ، وقد قَدَر عليه.
والثانِى، يَنْحَرُه في مَوْضِعِه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَر هَدْيَه في مَوْضِعِه.
وعن أحمدَ، ليس للمُحْصَرِ نَحْرُ هَدْيهِ إلَّا في الحَرَمِ، ويُواطِئُ رجلًا على نَحْرِه في وَقْتٍ يَتَحَلَّلُ فيه.
يُرْوَى هذا عن ابنِ مسعودٍ، في مَن لُدِغَ في الطَّرِيقِ.
..................................
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، وعَطاءٍ.
قال شيخُنا 1: وهذا، واللَّهُ أعْلمُ، في مَن كان حَصْرُه خاصًّا، وأمَّا الحَصرُ العامُّ، فلا يَنْبَغِى أن يَقُولَه أحَدٌ؛ لأنَّ ذلك يُفْضِى إلى تَعَذُّر الحِلِّ، لتَعَذُّر وُصُولِ الهَدْى إلى مَحِلِّه، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه نَحَرُوا هَدَايَاهُم في الحُدَيْبيَةِ، وهى مِن الحِلِّ.
قال البخارىُّ: قال مالكٌ 2 وغيرُه: إنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه حَلَقُوا وحَلُّوا مِن كلِّ شئٍ قبلَ الطَّوافِ، وقبلَ أن يَصِلَ الهَدْىُ إلى البَيْتِ.
ولم يُذْكَرْ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ أحَدًا أن يَقْضِىَ شيئًا، ولا أن يَعُودُوا له.
ويُرْوَى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَحَر هَدْيَهُ عندَ الشَّجَرَةِ التى كان تَحْتَها بَيْعَةُ الرِّضْوَانِ 3. وهى مِن الحِلِّ باتِّفاقِ أهْلِ السِّيَرِ.
وقد دَلَّ عليه قَوْلُه تعالى: ﴿وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ﴾ 4. ولأنَّه مَوْضِعُ حِلِّه، فكانَ مَوْضِعَ نَحْرِه، كالحَرَمِ.
فإن قِيلَ: فقد قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾ 5. وقال: ﴿ثُمَّ مَحِلُّهَا إِلَى الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ 6. ولأنَّه ذَبْحٌ يَتَعَلَّقُ بالإِحْرامِ، فلم يَجُزْ في غيرِ الحَرَمِ، كدَمِ الطِّيبِ واللُّبْسِ.
قُلْنا: الآيَة في غيرِ
..................................
المُحْصَرِ، ولا يَصِحُّ قِياسُ المُحْصَرِ عليه؛ لأنَّ تَحَلُّلَ المُحْصَرِ في الحِلِّ، وتَحَلُّلَ غيرِه في الحَرَمِ، فكلُّ واحِدٍ منهما يَنْحَرُ في مَوضِعِ تَحَلُّلِهِ.
وقد قِيلَ في قَوْلِه تعالى: ﴿حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾: حتى يُذْبَحَ.
وذَبْحُه في حَقِّ المُحْصَرِ في مَوْضِعِ حِلِّهِ، اقْتِداءً بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وما قَاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.
فصل: وإذا أُحْصِرَ المُعْتَمِرُ، فله التَّحَلُّلُ ونَحْرُ هَدْيِه وَقْتَ حَصْرِه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابهَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ، حَلُّوا ونَحَرُوا هَدَايَاهُمْ قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ 1. وإن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا، فكذلك، في إحْدَى الرِّوايَتَيْن؛ لأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْن، أشْبَهَ العُمْرَةَ، ولأنَّ العُمْرَةَ لا تَفُوتُ، وجَمِيعُ الزَّمانِ وَقْتٌ لها، فإذا جاز الحِلُّ منها ونَحْرُ هَدْيِها مِن غيرِ خَشْيَةِ فَواتِها، فالحَجُّ الذى يُخْشَى فَواتُه أوْلَى.
والثانِيَةُ، لا يَحِلُّ، ولا يَنْحَرُ هَدْيَه إلى يَوْمِ النَّحْرِ.
..................................
نَصَّ عليه في رِوايَةِ الأثْرَمِ، وحَنْبَلٍ؛ لأنَّ للهَدْىِ مَحِلَّ زَمانٍ ومَحِلَّ مَكانٍ، فإذا سَقَط مَحِلُّ المَكَانِ للعَجْزِ عنه، بَقِىَ مَحِلُّ الزَّمَانِ واجبًا؛ لإِمْكانِه، وإذا لم يَجُزْ له نَحْرُ الهَدْى قبلَ يومِ النَّحْرِ، لم يَجُزْ له التَّحَلُّلُ؛ لقولِه سُبْحانَه: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
وإذا قُلْنا بجَوازِ التَّحَلُّلِ قبلَ يومِ النَّحْرِ، فالمُسْتَحَبُّ له الإِقامَةُ على إحْرامِه، رَجاءَ زَوالِ الحَصْرِ، ومتى زَالَ قبلَ تَحَلُّلِه، فعليه المُضِىُّ لإِتْمامِ نُسُكِه، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: قال كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ: إنَّ مَن يَئِسَ أن يَصِلَ إلى البَيْتِ، فجازَ له الحِلُّ، فلم يَحِلَّ حتى خُلِّىَ سَبِيلُه، أنَّ عليه أن يَقْضِىَ مَناسِكَه.
وإن زالَ الحَصْرُ بعدَ فَواتِ الحَجِّ، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ، فإن فاتَ الحَجُّ قبلَ زَوالِ الحَصْرِ، تَحَلَّلَ بهَدْىٍ.
وقد قِيلَ: إنَّ عليه ههُنا هَدْيَيْن؛ هَدْىٌ للفَواتِ، وهَدْىٌ للإِحْصَارِ.
ولم يَذْكُرْ أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ، في رِوايَةِ الأثرَمِ، هَدْيًا ثانِيًا في حَقِّ مَن لم يَتَحَلَّلْ إلَّا يَوْمَ النَّحْرِ.
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا، صَامَ عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثُمَّ حَلَّ.
وَلَوْ نَوَى التَّحَلُّلَ قَبْلَ ذلِكَ، لَمْ يَحِلَّ.
1335 - مسألة: (فإن لم يَجِدْ، صام عَشَرَةَ أيَّامٍ، ثم حَلَّ، ولو نَوَى التَّحَلُّلَ قبلَ ذلك، لم يَحِلَّ)
إذا عَجَز المُحْصَرُ عن الهَدْى، انْتَقَلَ إلى صَوْمِ عَشَرَةِ أيَّامٍ، ثم حَلَّ.
وبه قال الشافعىُّ، في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ: لا بَدَلَ له؛ لأنَّه لم يُذْكَرْ في القُرْآنِ.
ولَنا، أنَّه دَمٌ واجِبٌ للإِحْرامِ، فكان له بَدَلٌ، كدَمِ التَّمَتُّعِ والطِّيبِ واللِّبَاسِ، وتَرْكُ النَّصِّ عليه لا يَمْنَعُ قِياسَه على غَيْرِه، ويَتَعَيَّنُ الانْتِقَالُ إلى صِيامِ عَشَرَةِ أيَّام، كبَدَلِ هَدْىِ التَّمَتُّعِ، وليس له أن يَتَحَلَّلَ إلَّا بعدَ الصِّيامِ،؛ لا يَتَحَلَّلُ واجِدُ الهَدْى إلَّا بنَحْرِه.
وهل يَلْزَمُه الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ مع ذَبْحِ الهَدْى والصيامِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهُما، لا يَلْزَمُه.
وهو ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ؛ لأنَّ اللَّهَ تعالى ذَكَر الهَدْى وَحْدَه، ولم يَشْرُطْ سِوَاهُ.
والثانيةُ، عليه الحَلْقُ أو التَّقْصِيرُ؛ لأن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَلَق يومَ الحُدَيْبِيَةِ، وفِعْلُه في النُّسُكِ دَالٌّ على الوُجُوبِ، ولَعَلَّ هذا يَنْبَنِى على الخِلافِ في الحَلْقِ، هل هو نُسُكٌ أو إطْلاقٌ مِن مَحْظورٍ، وفيه اخْتِلافٌ ذَكَرْناه فيما مَضَى 1.
..................................
فصل: ولا يَتَحَلَّلُ إلَّا بالنِّيَّةِ مع ما ذَكَرْنا، فيَحْصُلُ الحِلُّ بشَيْئَيْنِ؛ النَّحْرِ، والصَّوْمِ، مع النِّيَّةِ، على قَوْلِنا: إنَّ الحِلاقَ ليس بنُسُكٍ.
وإنْ قُلْنَا: هو نُسُكٌ.
حَصَلَ بثَلَاثَةِ أشْيَاءَ؛ الحِلاقُ مع ما ذَكَرْنا.
فإن قيلَ: فلِمَ اعْتَبَرْتُم النِّيَّةَ ههُنا ولم تَعْتَبِرُوها في غيرِ المُحْصَرِ؟ قُلْنَا: لأنَّ مَن أتَى بأفْعالِ النُّسُكِ، فقد أتَى بما عليه، فيَحِل منها بإكْمالِها، فلم يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ، بخِلافِ المُحْصَرِ، فإنَّه يُرِيدُ الخُروجَ مِن العِبادَةِ قبلَ إكْمالِها، فافْتَقَرَ إلى قَصْدِه، ولأنَّ الذَّبْحَ قد يكونُ لغيرِ الحِلِّ، فلم يَتَخَصَّصْ إلَّا بقَصْدِه، بخِلافِ الرَّمْى، فإنَّه لا يكونُ إلَّا للنُّسُكِ، فلم يَحْتَجْ إلى قَصْدٍ.
وَفِى وُجُوبِ الْقَضَاءِ عَلَى الْمُحْصَرِ رِوَايَتَانِ.
فصل: فإن نَوَى التَّحَلُّلَ قبلَ الهَدْى أو الصِّيامِ، لم يَحِلَّ، وكان على إحْرامِه حتى يَنْحَرَ الهَدْى أو يَصُومَ؛ لأَنَّهُما أُقِيمَا مُقامَ أفْعالِ الحَجِّ، فلم يَحِلَّ قبلَهما، كما لا يَتَحَلَّلُ القادِرُ على أفْعالِ الحَجِّ قبلَها.
وليس عليه في نِيَّةِ الحِلِّ فِدْيَةٌ؛ لأنَّها لم تُؤَثِّرْ في العِبادَةِ، فإن فَعَل شيئًا مِن مَحْظُوراتِ الإِحْرامِ قبلَ ذلك، فعليه فِدْيَتُه، كما لو فَعَل القادِرُ ذلك قبلَ أفْعالِ الحَجِّ.
1336 -
مسألة: (وفى وُجُوبِ القَضاءِ على المَحْصُورِ رِوايَتان)
..................................
إحْداهما، لا قَضاءَ عليه، إلَّا أن يكونَ واجِبًا، فيَفْعَلُه بالوُجُوبِ السَّابِقِ.
هذا هو الصَّحِيحُ مِن المَذْهَبِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
والثانيةُ، عليه القَضاءُ.
رُوِى ذلك عن مُجاهِدٍ، وعِكْرِمَةَ، والشَّعْبِىِّ.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا تَحلَّلَ زَمَنَ الحُدَيْبِيَةِ قَضَى مِن قابِلٍ، وسُمِّيَتْ عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، ولأنَّه حَلَّ مِن إحْرامِه قبلَ إتْمامِه، فَلَزِمَه القَضاءُ، كما لو فاتَه الحَجُّ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّه تَطَوُّعٌ جازَ التَّحَلُّلُ منه مع صَلاحِ الوَقْتِ له، فلم يَجِبْ قَضاؤُه، كما لو دَخَل في الصَّوْم يَعْتَقِدُ أنَّه واجِبٌ فلم يَكُنْ، فأمَّا الخَبَرُ، فإنَّ الذين صُدُّوا كانوا ألْفًا وأربَعَمائَةٍ، والذين اعْتَمَرُوا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كانُوا نَفَرًا يَسِيرًا، ولم يُنْقَلْ إلينا أنَّ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر أحَدًا بالقَضاءِ، وأمَّا تَسْمِيَتُها عُمْرَةَ القَضِيَّةِ، فإنَّما يَعْنِى بها القَضِيَّةَ التى اصْطَلَحُوا عليها، واتَّفَقُوا عليها، ولو أرادُوا غيرَ ذلك لقالُوا: عُمْرَةَ القَضاءِ.
ويُفارِقُ الفَواتَ، فإنَّه مُفَرِّطٌ بخِلافِ مسألتِنا.
فَإِنْ صُدَّ عَنْ عَرَفَةَ دُونَ الْبَيْتِ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ، وَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
1337
- مسألة:
(فإن صدَّ عن عَرَفَةَ دُونَ البَيْتِ، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ، ولا شَئَ عليه) إذا تَمَكَّنَ مِن الوُصُولِ إلى البَيْتِ، وصُدَّ عن عَرَفَةَ، فله أن يَفْسَخَ نِيَّةَ الحَجِّ، ويَجْعَلَه عُمْرَةً، ولا هَدْىَ عليه؛ لأنَّنا أَبَحْنا له ذلك فِي غيرِ حَصْرٍ، فمع الحَصْرِ أوْلَى.
فإن كان قد طافَ وسَعَى للقُدُوم، ثم أُحْصِرَ أو مَرِضَ حتى فاتَه الحَجُّ، تَحَلَّلَ بطَوافٍ وسَعْىٍ آخَرَ؛ لأَنَّ الأوَّلَ لم يَقْصِدْ به طَوافَ العُمْرَةِ ولا سَعْيَها، وليس عليه أن يُجَدِّدَ إحْرامًا.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الزُّهْرِىُّ: لا بُدَّ أن يَقِفَ بعَرَفَةَ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: لا يكُونُ مُحْصَرًا بمَكَّةَ.
ورُوِىَ ذلك عن أحمدَ، رَحِمَه اللَّهُ؛ لأنَّه إنَّما جازَ له التَّحَلُّلُ بعُمْرَةٍ في مَوْضِع يُمْكِنُه أن يَحُجَّ مِن عامِه، فيَصِيرُ مُتَمَتِّعًا، وهذا مَمْنُوعٌ مِن الحَجِّ، ولا يُمْكِنُه أن يَصِيرَ مُتَمَتِّعًا.
فعلى هذا يُقِيمُ على إحْرامِه حتى يَفُوتَه الحَجُّ، ثم يَتَحَلَّلُ بعُمْرَةٍ، فإن فاتَه الحَجُّ فحُكْمُه حُكْمُ مَن فاتَه بغيرِ حَصْرٍ.
وقال مالكٌ: يَخْرُجُ إلى الحِلِّ، ويَفْعَلُ ما يَفْعَلُ المُعْتَمِرُ.
فإن أحَبَّ أن يَسْتَنِيبَ مَن يُتَمِّمُ عنه أفْعالَ الحَجِّ، جازَ في التَّطَوُّعِ؛ لأنَّه جازَ أن يَسْتَنِيبَ في جُمْلَتِه، فجازَ في بَعْضِه، ولا يَجُوزُ في حَجِّ الفَرْضِ، إلَّا أن يَيْأسَ مِن القُدْرَةِ عليه في جَمِيعِ العُمُرِ، كما في الحَجِّ كلِّه.
فصل: فإن أُحْصِرَ عن البَيْتِ بعدَ الوُقُوفِ بعَرَفَةَ، فله التَّحَلُّلُ؛ لأنَّ
..................................
الحَصْرَ يُفْسِدُ التَّحَلُّلَ مِن جَمِيعِه، فأفادَ التَّحَلُّلَ مِن بَعْضِه.
وإن كان ما حُصِرَ عنه ليس مِن أرْكانِ الحَجِّ، كالرَّمْى، وطَوافِ الوَداعِ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، أو بمِنًى في لَياليها، فليس له التَّحَلُّلُ؛ لأنَّ صِحَّةَ الحَجِّ لا تَقِفُ على ذلك، ويكونُ عليه دَمٌ؛ لتَرْكِه ذلك، وحَجُّه صَحِيحٌ، كما لو تَرَكَه مِن غيرِ حَصْرٍ، وإن حُصِرَ عن طَوافِ الإِفاضَةِ بعدَ رَمْى الجَمْرَةِ، فليس له أن يَتَحَلَّلَ أيضًا؛ لأنَّ إحْرامَه إنَّما هو عن النِّساءِ، والشَّرْعُ إنَّما وَرَد بالتَّحَلُّلِ عن الإِحْرامِ التامِّ الذى يُحَرِّمُ جَمِيعَ مَحْظُوراتِه، فلا يَثْبُتُ بما ليس مثلَه، ومتى زالَ الحَصْرُ أتَى بالطَّوافِ، وتَمَّ حَجُّهُ.
1338 -
مسألة
وَمَنْ أُحْصِرَ بِمَرَضٍ أَوْ ذَهَابِ نَفَقَةٍ، لَمْ يَكُنْ لَهُ التَّحَلُّلُ، وفى الوَقْتِ سَعَةٌ، فله أن يَقْضِىَ في ذلك العامِ، وليس يُتَصَوَّرُ القَضَاءُ في العامِ الذى أفْسَدَ فيه الحَجَّ، في غيرِ هذه المسألةِ.
1339 -
مسألة: (ومَن أُحْصِرَ بمَرَضٍ أو ذَهابِ نَفَقَةٍ، لم يَكُنْ له التَّحَلُّلُ)
في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
اخْتَارَها الخِرَقِىُّ.
رُوِى ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، ومَرْوانَ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ.
والثانِيَةُ، له التَّحَلُّلُ بذلك.
ورُوِىَ نَحْوُه عن ابنِ مسعودٍ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِىِّ، والثَّوْرِىِّ، وأصحابِ الرَّأْى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَنْ كُسِرَ، أوْ عَرِجَ فَقَدْ حَلَّ، وَعَلَيْهِ حَجَّة أُخْرَى».
رَواه النَّسَائِىُّ 1. ولأنَّه مَحْصُورٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ قَوْلِه: ﴿فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 2. يُحَقِّقُه أنَّ لَفْظَ الإِحْصارِ إنَّما هو للمَرَضِ
..................................
ونَحْوِه، يُقالُ: أحْصَرَه المَرَضُ إحْصارًا، فهو مُحْصَرٌ، وحَصَرَه العَدُوُّ، فهو مَحْصُورٌ.
فيكونُ اللَّفْظُ صَرِيحًا في مَحَلِّ النِّزاعِ، وحَصْرُ العَدُوِّ مَقِيسٌ عليه.
ولأنَّه مَصْدُودٌ عن البَيْتِ، أشْبَهَ مَن صَدَّه العَدُوُّ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى، أنَّه لا يَسْتَفِيدُ بالإِحْلالِ الانْتِقالَ مِن حَالِه، ولا التَّخَلُّصَ مِن الأَذَى الذى به، بخِلافِ حَصْرِ العَدُوِّ.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَخَلَ على ضُبَاعَةَ بِنْتِ الزُّبَيْرِ، فقالت: إنِّى أُرِيدُ الحَجَّ، وأنا شاكِيَةٌ، فقال:
وَإنْ فَاتَهُ الْحَجُّ، تَحَلَّلَ بِعُمْرَةٍ.
وَيَحْتَمِلُ أنَّهُ يَجُوزُ لَهُ التَّحَلُّلُ؛ كَمَنْ حَصَرَهُ الْعَدُوُّ.
«حُجِّى، وَاشْتَرِطِى أنَّ مَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى» 1. فلو كان المَرَضُ يُبِيحُ الحِلَّ، ما احْتَاجَتْ إلى شَرْطٍ.
وحَدِيثُهم مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ، فإنَّ مُجَرَّدَ الكَسْرِ والعَرَجِ لا يَصِيرُ به حَلالًا، فإن حَمَلُوه على أنَّه يُبِيحُ له التَّحَلُّلَ، حَمَلْناه على ما إذا اشْتَرَطَ الحِلَّ، على أنَّ في حَدِيثِهم كَلامًا؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ يَرْوِيهِ، ومَذْهَبُه بخِلافِه.
فإذا قُلْنا: يَتَحَلَّلُ.
فحُكْمُه حُكْمُ مَن حَصَرَه العَدُوُّ، على ما مَضَى.
وإن قُلْنا: لا يَتَحَلَّلُ.
فإنَّه يُقِيمُ على إحْرامِه، ويَيْعَثُ ما معه مِن الهَدْى، ليُذْبَحَ بالحَرَمِ، وليس له نَحْرُه في مَكانِه؛ لأنَّه لم يَتَحَلَّلْ (فإن فاتَه الحَجُّ، تَحَلَّلَ بعُمْرَةٍ) كغَيْرِ المَرِيضِ.
وَمَنْ شَرَطَ فِى ابْتِدَاءِ إِحْرَامِهِ؛ أنَّ مَحِلِّى حَيْثُ حَبَسْتَنِى، فَلَهُ التَّحَلُّلُ بِجَمِيعِ ذَلِكَ، وَلَا شَىْءَ عَلَيْهِ.
1340 - مسألة: (ومَن شَرَط في ابْتِداءِ إحْرامِه؛ أنَّ مَحِلِّى حيثُ حَبَسْتَنِى، فله التَّحَلُّلُ بجَمِيعِ ذلك، ولا شئَ عليه)
إذا شَرَط في وَقْتِ إحْرامِه أن يحِلَّ متى مَرِضَ، أو ضاعَتْ نَفَقَتُه، أو نَفِدَتْ، أو نحوَه، أو قال: إن حَبَسَنِى حابِسٌ فمَحِلِّى حيثُ حَبَسْتَنِى.
فله التَحَلُّلُ متى وَجَد ذلك، وليس عليه هَدْىٌ ولا صَوْمٌ ولا قَضاءٌ، ولا غيرُه، فإنَّ للشَّرْطِ تَأْثِيرًا في العِبادَاتِ، بدَلِيلِ أنَّه لو قال: إن شَفَى اللَّهُ مَرِيضى صُمْتُ شَهْرًا مُتَتابِعًا، أو: مُتَفَرِّقًا.
كان على شَرْطِه، وإنَّما لم يَلْزَمْه هَدْىٌ ولا قَضاءٌ؛ لأَنَّه إذا شَرَط شَرْطًا كان إحْرامُه الذى فَعَلَه إلى حينِ وُجُودِ الشَّرْطِ، فصارَ بمَنْزِلَةِ مَن أَكْمَلَ أفْعالَ الحَجِّ.
ثم يُنْظَرُ في صِيغَةِ الشَّرْطِ، فإن قال: إن مَرِضْتُ فلى أن أحِلَّ.
أو: إن حَبَسَنِى حابِسٌ، فمَحِلِّى حيثُ حَبَسْتَنِى.
فإذا حُبِسَ كان بالخِيارِ بينَ الحِلِّ وبينَ البَقاءِ على الإِحْرامِ، وإن قال: إن مَرِضْتُ فأنا حلالٌ.
فمتى وُجِدَ الشَّرْطُ حَلَّ بوُجُودِه؛ لأنَّه شَرْطٌ صَحِيحٌ، فكانَ على ما شَرَط، وفى هذه المسألةِ اخْتِلافٌ ذَكَرْناه في بابِ الإِحْرَامَ.