وَلَيْسَ عَلَى أَهْلِ سِقَايَةِ الْحَاجِّ وَالرِّعَاءِ مَبِيتٌ بِمِنًى.
فَإِنْ غَرَبَتِ
لا تَقْدِيرَ فيه.
وفيما دُونَ الثَّلاثِ ثَلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداهُنَّ، في كلِّ واحِدَةٍ مُدٌّ.
والثانيةُ، دِرْهَمٌ.
والثالثةُ، نِصْف دِرْهَمٍ.
قال الشَّيْخُ (1)، رَحِمَه اللَّه: وهذا لا نَظِيرَ له، فإنَّا لا نَعْلَمُ في تَرْكِ شئٍ مِن المناسِكِ دِرْهَمًا، ولا نِصْفًا، فإيجابُه بغيرِ نَصَّ تَحَكُّمٌ لا وَجْهَ له.
وفى تَرْكِ حَصَاةٍ مِن رَمْى الجِمارِ كذلك، ولأنَّه في مَعْناهُ، وقد ذَكَرْنا ما في حَلْقِ الشَّعَرَةِ فيما مَضَى، وذكرنا الخِلَافَ فيه (2).
1318 -
مسألة: (وليس على أهْلِ سِقَايَةِ الحاجِّ ولا الرِّعاءِ مَبِيتٌ
12
الشَّمْسُ، وَهُمْ بِمِنًى، لَزِمَ الرِّعَاءَ الْمَبِيتُ، دَونَ أَهْلِ السِّقَايَةِ.
بمِنًى، فإن غَرَبَتِ الشمسُ، وهم بمِنًى، لَزِمَ الرِّعَاءَ المَبِيتُ، دُونَ أهْلِ السِّقَايَةِ) لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنّ العباسَ اسْتَأْذَنَ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أن يَبِيتَ بمَكَّةَ لَيَالِىَ مِنًى مِن أجْل سِقَايَتِه.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقد روَىَ مالكٌ بإسْنادِه، عن أبى البدَّاحِ بنِ عاصِمٍ، عن أبيه، قال: رَخَّصَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- لرِعاءِ الإِبِلِ في البَيْتُوتَةِ أن يَرْمُوا يومَ النَّحْرِ، ثم يَجْمَعُوا رَمْىَ يَوْمَيْن بعدَ يَوْمِ النَّحْر، يَرْمُونَه في أحَدِهما.
قال مالكٌ: ظَنَنْتُ أنَّه قال: في أوَّلِ يومٍ منهما، ثم يَرْمُونَ يومَ النَّفْرِ.
رَواه التِّرْمِذِىُّ 2، وقال: حَدِيث حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ورَواهُ ابنُ عُيَيْنَةَ، قال: رَخَّصَ للرِّعاءِ أن يَرْمُوا يَوْمًا ويَدَعُوا يَوْمًا.
وكذلك الحُكْمُ في أهْلِ سِقَايَةِ الحاجِّ، إلَّا أنَّ الفَرْقَ بينَ الرِّعاءِ وأهْلِ السِّقَايَةِ، أنَّ الرِّعاءَ إذا قامُوا حتى غَرَبَتِ الشمسُ، لَزِمَهم المَبِيتُ، إذا قُلْنا بوُجُوبِه، وأهلُ السِّقَايَةِ لا يَلْزَمُهُم؛ لأنَّ الرِّعَاءَ إنَّما رَعْيُهمِ بالنَّهارِ، فإذا غَرَبَتِ الشمسُ انْقَضَى وَقْتُ الرَّعْى، وأهلُ السِّقَايَةِ يَسْتَقُونَ باللَّيْلِ، وصارَ الرِّعاءُ كالمَرِيضِ الذى يَسْقُطُ عنه حُضُورُ الجُمُعَةِ لمَرَضِه، فإذا حَضَرَها تَعَيَّنَتْ عليه، كذلك الرِّعاءُ، أُبيحَ لهم تَرْكُ المَبِيتِ
..................................
لأجْلِ الرَّعْى، فإذا فات وَقْتُه، وَجَب المَبِيتُ.
وِأهْلُ الأعْذارِ مِن غيرِ الرِّعاءِ، كالمَرْضَى، ومن له مالٌ يَخافُ ضَياعَه، ونحْوِهم، كالرِّعاءِ في تَرْكِ البَيْتُوتَة؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَخَّصَ لهؤلاء تَنْبِيهًا على غيرِهم، فوَجَبَ إلْحاقُهم بهم لوُجُودِ المَعْنَى فيهم.
فصل: ومَن كانَ مَرِيضًا، أو مَحْبُوسًا، أو له عُذْرٌ، جاز أن يَسْتَنِيبَ مَن يَرْمِى عنه.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: إذا رَمَى عنه الجِمارَ، يَشْهَدُ هو ذاك، أم يكونُ في رَحْلِه؟ قال: يُعْجِبُنِى أن يَشْهَدَ ذاك إن قَدَر حينَ يَرْمِى عنه.
قُلْتُ: فإن ضَعُفَ عن ذلك، يكونُ في رَحْلِه ويَبْعَثُ مَن يَرْمِى عنه؟ قال: نعم.
قال القاضى: المُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ الحَصَى في يَدِ النّائِبِ، ليكونَ له عَمَلٌ في الرَّمْى.
وإن أُغْمِىَ على المُسْتَنِيبِ لم تَنْقَطِعِ النِّيَابَةُ، وللنّائِبِ الرَّمْىُ عنه، كما لو اسْتَنَابَه في الحَجِّ ثم أُغْمِىَ عليه.
وبما ذَكَرْنا في هذه المسألةِ قال الشافعىُّ.
ونحوه قال مالكٌ، إلَّا أنَّه قال 1: يَتَحَرَّى المَرِيضُ حينَ رَمْيِهِم، فيُكَبِّرُ سَبْعَ تَكْبِيراتٍ.
فصل: ومَن تَرَك الرَّمْىَ مِن غيرِ عُذْرٍ، فعليه دَمٌ.
قال أحمدُ: أعْجَبُ إلىَّ إذا تَرَك رَمْىَ الأيَّام كلِّها، كان عليه دَمٌ.
وفى ترْكِ جَمْرَةٍ واحِدَةٍ دَمٌ أيضًا.
نصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال عَطاءٌ، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى.
..................................
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه عليه في جَمْرَةٍ وفى الجَمَرَاتِ كلِّها بَدَنَةٌ.
وقال الحسنُ: مَنْ نَسِىَ جَمْرَةً واحِدَةً يَتَصَدَّقُ على مِسْكِينٍ.
ولَنا، قولُ ابنِ عباسٍ: مَن تَرَك شَيْئًا مِن مَناسِكِه، فعليه دَمٌ 1. ولأنَّه تَرَك مِن مَناسِكِه ما لا يَفْسُدُ الحَجُّ بتَرْكِه، فكان الواجبُ عليه شاةً، كالمَبِيتِ.
وإن تَرَك أقَلَّ مِن جَمْرَةٍ، فالظَّاهِرُ عن أحمدَ، أنَّه لا شئَ في حَصَاةٍ ولا حَصَاتَيْن.
وعنه، أنَّه يَجِبُ الرَّمْىُ بسَبْعٍ.
فإن تَرَك شَيئًا مِن ذلك تَصَدَّقَ بشئٍ، أىِّ شئٍ كانَ.
وعنه، أنَّ في حَصاةٍ دَمًا.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، واللَّيْثِ؛ لأنَّ ابنَ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: مَن تَرَك شيئًا مِن مَنَاسِكِه، فعليه دَمٌ.
وعنه، في الثلَاثَةِ دَمٌ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ.
وفيما دُونَ ذلك، في كلِّ حَصَاةٍ مُدٌّ.
وعنه، دِرْهَمٌ.
وعنه، نِصْفُ دِرْهَمٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إن تَرَك جَمْرَةَ.
العَقَبَةِ أو 2 الجِمارَ كلَّها، فعليه دَمٌ، وإن تَرَك أقَلَّ مِن ذلك، فعليه في كلِّ حَصَاةٍ نِصْفُ صاعٍ، إلى أن يَبْلُغَ دَمًا.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن لا يَدَع الصلاةَ مع الإِمَامِ في مَسْجِدِ مِنًى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصحابَه كانُوا يُصَلُّونَ بمِنًى.
قال ابنُ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه
وَيَخْطُبُ الْإِمَامُ فِي الْيَوْمِ الثَّانِى مِنْ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، خُطْبَةً يُعَلِّمُهُمْ فِيهَا حُكْمَ التَّعْجِيلِ وَالتَّأْخِيرِ، وَتَوْدِيعِهِمْ.
فَمَنْ أَحَبَّ أنْ يَتَعَجَّلَ فِى يَوْمَيْنِ، خَرَجَ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ، فَإِنْ غَرَبَتْ وَهُوَ بِهَا،
عنه: صَلَّيْتُ مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- رَكْعَتَيْن، ومع أبى بَكْرٍ رَكْعَتَيْن، ومع عُمَرَ، وعثمانَ رَكْعَتَيْن صَدْرًا مِن إمارَتِه (1). فإن كان الإِمامُ غيرَ مَرْضِىٍّ صَلَّى المَرْءُ برُفْقَتِه في رَحْلِه.
1319 -
مسألة: (ويَخْطُبُ الإِمامُ في اليَوْمِ الثَّانِى مِن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، خُطْبَةً يُعَلِّمُهُم فيها حُكْمَ التَّعْجيلِ والتَّأْخِيرِ، وتَوْدِيعِهم).
وبهذا قال الشافعىُّ وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أَبو حنيفةَ: لا يُسْتَحَبُّ، قِياسًا على اليَوْمَيْن الآخَرَيْن.
ولَنا، ما رُوِى عن رَجُلَيْن مِن بَنِى بَكْرٍ، قالا: رَأيْنا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ بينَ أواسِطِ أيَّامِ التَّشْرِيقِ، ونحن عندَ راحِلَتِه.
رَواه أبو داودَ (2). ولأنَّ بالنَّاسِ حاجَةً إلى أن يُعَلِّمَهم كيفَ يَتَعَجَّلُونَ، وكيفَ يُوَدِّعُونَ، بخلافِ اليَوْمِ الأوَّلِ والثالِثِ.
1320 -
مسألة: (فمَن أحَبَّ أن يَتَعَجَّلَ في يَوْمَيْن، خَرَج قبلَ غُرُوبِ الشمسِ، فإن غَرَبَتِ الشمسُ، وهو بمِنًى لزِمَهُ المَبِيتُ
12
لَزِمَهُ المَبِيتُ وَالرَّمْىُ مِنَ الْغَدِ.
والرَّمْىُ مِن الغَدِ) أجْمَعَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ مَن أرادَ الخُرُوجَ مِن مِنًى، شاخِصًا عن الحَرَمِ غيرَ مُقِيمٍ بمَكَّةَ، أنَّ له أن يَنْفِرَ بعدَ الزَّوَالِ في اليَوْمِ الثَّانِى مِن أيَّامِ التَّشْرِيقِ، فإن أحَبَّ الإِقامَةَ بمَكَّةَ، فقالَ أحمدُ: لا يُعْجبُنِى لمن نَفَرَ النَّفْرَ الأوَّلَ أن يُقِيمَ بمَكَّةَ.
وكان 1 مالكٌ يقولُ في أهْلِ مَكَّةَ: مَن كان له عُذْرٌ، فله أن يَتَعَجَّلَ في يَوْمَيْن، فإن أرادَ التَّخْفِيفَ عن نَفْسِه مِن أمْرِ الحَجِّ، فلا.
واحْتَجَّ مَن ذَهَب إلى هذا بقَوْلِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه: مَن شاءَ مِن النَّاسِ كُلِّهم أن يَنْفِرَ في النَّفْرِ الأوَّلِ، إلَّا آلَ خُزَيْمَةَ، فلا يَنْفِرُوا إلَّا في النَّفْرِ الآخِرِ.
جَعَل أحمدُ، وإسْحاقُ مَعْنَى قولِ عُمَرَ: إلَّا آلَ خُزَيْمَةَ.
أى أنَّهُم أهلُ الحَرَمِ.
والمَذْهَبُ جَواز النَّفْرِ في النَّفْرِ الأوَّلِ لكلِّ أحَدٍ.
وهو قولُ عامَّةِ العُلَماءِ؛ لقولِ اللَّهِ تَعالَى: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾ 2. قال عَطاءٌ: هى للنَّاسِ عامَّةً.
وروَى أبو داودَ وابنُ ماجَه 3، عن يَحْيَى
..................................
ابن يَعْمُرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «أَيَّامُ مِنًى ثَلَاثَةٌ فَمَنْ تَعَجّلَ [فِى يَوْمَيْنِ] 1 فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ، وَمَنْ تَأَخَّرَ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ».
قال ابنُ عُيَيْنَةَ: هذا أجْودُ حَدِيثٍ رَواه سُفْيانُ.
وقال وَكِيعٌ: هذا الحَدِيثُ أُمُّ المَنَاسِكِ، وفيه زِيادَةٌ أنا اخْتَصَرْتُه.
ولأنَّه دَفْعٌ مِن مَكانٍ، فاسْتَوَى فيه أهْلُ مَكَّةَ وغيرُهم، كالدَّفْعِ مِن عَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ.
وكَلامُ أحمدَ في هذا أرادَ به الاسْتِحْبابَ، مُوَافَقَةً لقَوْلِ عُمَرَ.
فمَن أحَبَّ التَّعْجِيلَ في النَّفْرِ الأوَّلِ، خَرَج قبلَ غُرُوبِ الشمسِ، فإن غَرَبَتْ قبلَ خُرُوجِه مِن مِنًى، لم يَنْفِرْ، سَواءٌ كان ارْتَحَل أو لم يَرْتَحِلْ.
هذا قولُ ابنِ عُمَرَ، وجابِرٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، ومُجاهِدٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أبو حنيفةَ: له أن يَنْفِرَ ما لم يَطْلُعْ فَجْرُ اليَوْمِ الثالِثِ؛ لأنَّه لم يَدْخُلْ وَقْتُ رَمْى اليومِ الآخِرِ، فجازَ له النَّفْرُ، كما قبلَ الغُرُوبِ.
ولَنا، قولُه سُبْحَانه: ﴿فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ﴾.
واليومُ اسْمٌ للنَّهارِ، فمَن أدْرَكَه اللَّيْلُ فما تَعَجَّلَ في يَوْمَيْن.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ثَبَت عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه قال: مَن أدْرَكَه المَسَاءُ في اليَوْمِ الثَّانِى، فَلْيُقِمْ إلى
..................................
الغدِ حتى يَنْفِرَ مع النّاسِ 1. وما قاسُوا عليه لا يُشْبِهُ ما نحن فيه، فإنَّه تَعَجَّلَ في يَوْمَيْن.
فصل: قال بعضُ أصحابِنا: يُسْتَحَبُّ لمَن نَفَر أن يَأْتِىَ المُحَصَّبَ، وهو الأَبْطَحُ، وحَدُّه ما بينَ الجَبَلَيْن إلى المَقْبَرَةِ، فيُصَلِّىَ به الظُّهْرَ والعصرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ، ثم يَهْجَعَ يَسِيرًا، ثم يَدْخُلَ مَكَّةَ.
وكان ابنُ عُمَرَ يَرَى التَّحْصِيبَ سُنَّةً.
قال ابنُ المُنْذِرِ: كان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّى بالمُحَصَّب الظُّهْرَ والعَصرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ، وكان كَثِيرَ الاتِّبَاعِ لسُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وكان طاوُسٌ يُحَصِّبُ في شِعْبِ الخُوزِ 2. وكان ابنُ عباسٍ، وعائشةُ، لا يَرَيان ذلك سُنَّةً، قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما: التَّحْصِيبُ ليس بشئٍ، إنَّما هو مَنْزِلٌ نَزَله رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّ نُزُولَ الأَبْطَحِ ليسَ بسُنَّةٍ، إنَّما نَزَلَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ليكونَ أسْمَحَ لخُرُوجِه إذا خَرَج.
مُتَّفَقٌ عليهما 3. ومَن اسْتَحَبَّ ذلك فلاتِّباعِ رسولِ اللَّهِ
..................................
- صلى اللَّه عليه وسلم-، فإنَّه كان يَنْزِلُه.
قال نافِعٌ: كان ابنُ عُمَرَ يُصَلِّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِب والعِشَاءَ، ويَهْجَعُ هَجْعَةً، ويَذْكُرُ ذلك عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقال ابنُ عُمَرَ: كان رسولُ اللَّهِ وأبو بَكْرٍ وعُمَرُ وعثمانُ يَنْزِلُونَ الأبطَحَ.
قال التِّرْمِذِىُّ 2: هذا حَدِيثٌ حَسنٌ غَرِيبٌ.
ولا خِلافَ أنَّه لا يَجِبُ، ولا شئَ على تارِكِه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن حَجَّ أن يَدْخُلَ البَيْتَ، وقد ذَكَرْناه، ولا يَدْخُلُه بنَعْلَيْه ولا خُفَّيْه، ولا إلى الحِجْرِ؛ لأنَّه مِن البَيْتِ، ولا يَدْخُلُ الكَعْبَةَ بسِلاحٍ.
قال أحمدُ: وثِيابُ الكَعْبَةِ إذا نُزِعَتْ يُتَصَدَّقُ بها.
وقال 3: إذا أرادَ أن يَسْتَشْفِىَ بشئٍ مِن طِيبِ الكَعْبَةِ، فيَأْتِ بطِيبٍ، مِن عندِه، فيُلْزِقَه على البَيْتِ بحيثُ يَأْخُذُه، ولا يَأْخُذْ مِن طِيبِ البَيْتِ شيئًا.
ولا يُخْرِجْ مِن تُرابِ الحَرَمِ، ولا يُدْخِلْ فيه مِن الحِلِّ.
كذلك قال ابنُ عُمَرَ، = باب استحباب النزول بالمحصب...، من كتاب الحج.
صحيح مسلم 2/ 952. كما أخرجهما الترمذى، في: باب ما جاء في نزول الأبطح، وباب من نزل الأبطح، من أبواب الحج.
عارضة الأحوذى 4/ 153، 154. وأخرج الثانى ابن ماجه، في: باب نزول المحصب، من كتاب المناسك.
سنن ابن ماجه 2/ 1019.
فَإِذَا أَتَى مَكَّةَ، لَمْ يَخْرُجْ حَتَّى يُوَدِّعَ الْبَيْتَ بِالطَّوَافَ، إِذَا فَرَغَ
وابنُ عباسٍ.
ولا يُخْرِجْ مِن حجارَةِ مَكَّةَ إلى الحِلِّ، والخُرُوجُ أشَدُّ، إلَّا أنَّ ماءَ زَمْزَمَ أخْرَجَه كَعْبٌ.
فصل: قال أحمدُ، رَضِىَ اللَّه عَنه: كيفَ لنا بالجِوارِ بمَكَّةَ! قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاللَّهِ إِنَّكِ لأحَبُّ البِقَاعِ إلَى اللَّهِ، وَلَوْلَا أَنِّى أُخرِجْتُ مِنْكِ مَا خرَجْتُ» (1). وإنَّما كَرِه عُمَرُ الجِوارَ بمَكَّةَ، لمَن هاجَرَ منها، وجابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ جاوَرَ بمَكَّةَ وجميعُ أهَلِ البلادِ، ومَن كان مِن أهْلِ اليَمَنِ ليس بمَنْزِلَةِ مَن يَخْرُجُ ويُهاجِرُ.
أى لا بَأْس به.
وابنُ عُمَرَ كان يُقِيمُ بمَكَّةَ.
قال: والمُقامُ بالمَدِينَةِ أحَبُّ إلَىَّ مِن المُقام بمَكَّةَ، لمَن قَوِىَ عليه؛ لأنَّها مُهاجَرُ المُسْلِمينَ، وقد قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَصْبِرُ أحَدٌ عَلَى لَأوَائِهَا وَشِدَّتِهَا إلَّا كُنْتُ له شَفِيعًا يَوْمَ القِيَامَةِ» (2).
1321 -
مسألة: (فإذا أتَى مَكَّةَ، لم يَخْرُجْ حتى يُوَدِّعَ البَيْتَ
12
مِنْ جَمِيعِ أُمُورِهِ.
بالطَّوافِ، إذا فَرَغ مِن جَمِيعِ أُمُورِه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أتَى مَكَّةَ فلا يَخْلُو؛ إمَّا أن يُرِيدَ الإِقامَةَ بها، أو الخُرُوجَ منها، فإن أقامَ بها فلا وَداعَ عليه؛ لأنَّ الوَداعَ مِن المُفارِقِ، وسَواءٌ نَوَى الإِقامَةَ قبلَ النَّفْرِ أو بعدَه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن نَوَى الإِقامَةَ بعدَ أن حَلَّ له النَّفْرُ، لم يَسْقُطْ عنه الطَّوافُ.
ولَنا، أنَّه غيرُ مُفارِقٍ، فلا يَلْزَمُه وَداعٌ، كمَنِ نَواها قبلَ حِلِّ النَّفْرِ، وإنَّما قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ» 1. وهذا ليس بنافِرٍ.
فأمَّا الخارِجُ مِن مَكَّةَ، فليس له الخُرُوجُ حتى يُوَدِّعَ البَيْتَ بطَوافِ سَبْعٍ، وهو واجِبٌ يَجِبُ بتَرْكِه دَمٌ.
وبه قال الحسنُ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، والثَّوْرِىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال الشافعىُّ في قولٍ: لا يَجِبُ بتَرْكِه شئٌ؛ لأنَّه يَسْقُطُ عن الحائِضِ، فلم يَكُنْ واجِبًا، كطَوافِ القُدُومِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: أُمِرَ النّاسُ أن يكونَ آخِرُ عَهْدِهم بالبَيْتِ، إلَّا أنَّه خُفِّفَ عن المَرْأةِ الحائِضِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولمسلمٍ، قال: كان النّاسُ
..................................
يَنْصَرِفُونَ كلَّ وَجْهٍ، فقال رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِهِ بِالبَيْتِ».
وسُقُوطُه عن المَعْذُورِ لا يُوجِبُ سُقُوطَه عن غيرِه، كالصلاةِ تَسْقُطُ عن الحائِضِ، وتَجِبُ على غيرِها، بل تَخْصِيصُ الحائِضِ بإسْقاطِه عنها دَلِيلٌ على وُجُوبِه على غيرِها، إذ لو كان ساقِطًا عن الكلِّ، لم يَكُنْ لتَخْصِيصِها بذلك مَعْنًى.
إذا ثَبَت وُجُوبُه، فإنَّه ليس برُكْنٍ، بغيرِ خِلافٍ، ويُسَمَّى طَوافَ الوَداعِ؛ لأنَّه لتَوْدِيعِ البَيْتِ، وطَوافَ الصَّدَرِ؛ لأنَّه عندَ صُدُورِ النّاسِ مِن مَكَّةَ.
ووَقْتُه بعدَ فَراغِ الحاجِّ مِن جَمِيعِ أمْرِه؛ ليَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بالبَيْتِ، كما جَرَتِ العادَةُ في تَوْدِيعِ المُسافِرِ أهْلَه وإخْوانَه، ولذلك قال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بِالبَيْتِ».
فصل 1: ولا وَداعَ على مَن مَنْزِله بالحَرَمِ؛ لأنَّه كالمَكِّىِّ، فإن كان مَنْزِلُه خارِجَ الحَرَمِ قَرِيبًا منه، فعليه الوَداعُ.
وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ.
وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى في أهلَ بُسْتانِ ابنِ عامِرٍ 2، وأهلِ المَواقِيتِ: إنَّهم بمَنْزِلةِ أهلِ مَكَّةَ في طَوافِ الوَداعِ؛ لأنَّهم مَعْدُودُون مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ، بدَلِيلِ سُقُوطِ دَمِ المُتْعَةِ عنهم.
ولَنا، عُمُومُ قولِه عليه السلامُ: «لَا يَنْفِرَنَّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ
فَإِنْ وَدَّعَ ثُمَّ اشْتَغَلَ فِى تِجَارَةٍ، أَوْ أَقَامَ، أعَادَ الْوَداعَ.
عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ».
ولأنَّه خارِجٌ مِن الحَرَمِ، فلَزِمَه التَّوْدِيعُ، كالبَعِيدِ.
1322 -
مسألة: (فإن وَدَّعَ ثم اشْتَغَلَ في تِجارَةٍ، أو أقامَ، أعادَ الوَداعَ)
لأنَّ طَوافَ الوَداعِ إنَّما يَكُونُ عندَ خُرُوجِه؛ ليكُونَ آخِرُ عَهْدِه بالبَيْتِ.
فإنِ اشْتَغَلَ بَعْدَه بتِجارَةٍ أو إقامَةٍ، فعليه إعادَتُه.
هذا قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، والثُّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: إذا طَافَ للوَداعِ، أو طافَ تَطَوُّعًا بعدَ ما حَلَّ له النَّفْرُ، أجْزأه عن طَوافِ الوَدَاعِ، وإن أقامَ شَهْرًا؛ لأنَّه طافَ بعدَ ما حَلَّ له النَّفْرُ، فلم تَلْزَمْه إعادَتُه، كما لو نَفَر عَقِيبَه.
ولَنا، قَوْلُه عليه السلامُ: «لَا يَنْفِرَنُّ أحَدٌ حَتَّى يَكُونَ آخِرُ عَهْدِه بِالْبَيْتِ» 1. ولأنَّه إذا قامَ بعدَه، خَرَج عن أن يَكُون
وَمَنْ أَخَّرَ طَوَافَ الزِّيَارَةِ، فَطَافَهُ عِنْدَ الْخُرُوجِ، أَجْزَأَهُ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعَ.
وَداعًا في العادَةِ، فلم يُجْزِئْه.
كما لو طافَه قبلَ حِلِّ النَّفْرِ.
فأمَّا إن قَضَى حاجَةً في طَرِيقِه، أو اشْتَرَى زادًا أو شيئًا لنَفْسِه في طَرِيقِه، لم يُعِدْه؛ لأنَّ ذلك ليس بإقامَةٍ تُخْرِجُ طَوافَه عن أن يكونَ آخِرَ عَهْدِه بالبَيْتِ.
وبهذا قال مالكٌ والشافعىُّ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
1323 -
مسألة: (فإن أخَّرَ طَوافَ الزِّيارَةِ، فطافَه عندَ الخُرُوجِ، أجْزأه عن طَوافِ الوَداعِ)
هذا ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لأنَّه أُمِرَ أن يكونَ آخِرُ عَهْدِه بالبَيْتِ وقد فَعَل، ولأنَّ ما شُرِع لتَحِيَّةِ المَسْجِدِ أجْزَأ عنه الواجِبُ مِن جِنْسِه، كتَحِيَّةِ المَسْجِدِ برَكْعَتَيْن، تُجْزِئُ عنهما المَكْتُوبَةُ، ورَكْعَتَا الطَّوافِ والإِحْرَامِ تُجْزِئُ عنهما المَكْتُوبَةُ.
وعنه،
فَإِنْ خَرَجَ قَبْلَ الْوَدَاعِ، رَجَعَ إِلَيْهِ.
فَإِنْ لَمْ يُمْكِنْهُ، فَعَلَيْهِ دَمٌ، إِلَّا الْحَائِضَ وَالنُّفَسَاءَ، لَا وَدَاعَ عَلَيْهِمَا.
لا يُجْزِئُ عن طَوافِ الوَداعِ؛ لأنَّهما عِبادَتان واجِبتان، فلم تُجْزِئْ إحْداهُما عن الأُخْرَى، كالصلاتَيْن الوَاجِبَتَيْن.
فأمَّا إنْ نَوَى بِطَوَافِه الوَدَاعَ، لِم يُجْزِئْه عن طَوَافِ الزِّيارَةِ؛ لقَوْلِه عليه السلامُ: «وَإنَّما لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نوَى» (1). وحُكْمُه حُكْمُ مَن تَرَك طَوافَ الزِّيارَةِ، على ما نَذْكُرُه، إن شاءَ اللَّهُ تَعالَى (2).
1324 -
مسألة: (فإن خَرَج قبلَ الوَداعِ، رَجَع إليه. فإن لمِ يُمْكِنْه، فعليه دَمٌ، إلَّا الحائِضَ والنُّفَساءَ، لا وَداعَ عليهما)
مَن خَرَج قبلَ12
..................................
الوَداعِ فعليه الرُّجُوعُ، إن كان قَرِيبًا، وإن أبعدَ فعليه دَمٌ.
هذا قولُ عَطاءٍ، والثَّوْرِىِّ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
والقَرِيبُ مَن كان مِن مَكَّةَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ، والبَعِيدُ مَسافَةُ القَصْرِ فما زادَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ الشافعىِّ.
وكان عَطاءٌ يَرَى الطائِفَ قَرِيبًا.
وقال الثَّوْرِىُّ: حَدُّ ذلك الحَرَمُ، فمَن كان فيه فهو قَرِيبٌ، ومن خرَج منه فهو بَعِيدٌ.
ولَنا، أنَّ مَن دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ في حُكْمِ الحاضِرِ، في أنَّه لا يُفْطِرُ ولا يَقْصُرُ، ولذلك عَدَدْناه مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرَامِ، ومَن لم يُمْكِنْه الرُّجُوعُ لعُذْرٍ، فهو كالبَعِيدِ.
ولو لِم يَرْجِعِ القَرِيبُ الذى يُمْكِنُه الرُّجُوعُ، لم يَكُنْ عليه أكْثَرُ مِن دَمٍ.
ولا فرْقَ بينَ تَرْكِه عَمْدًا أو خَطَأً، لعُذْرٍ أو غيرِه؛ لأنَّه مِن واجِباتِ الحَجِّ، فاسْتَوَى عَمْدُه وخَطَؤُه، والمَعْذُورُ وغيرُه، كسائِرِ واجِباتِه.
فإن رَجَع البَعِيدُ، فطافَ للوَداعِ.
فقال القاضى: لا يَسْقُطُ عنه الدَّمُ؛ لأنَّه قد اسْتَقَرَّ عليه ببُلُوغِه مَسافَةَ القَصْرِ، فلم يَسْقُطْ برُجُوعِه، كمَن تَجاوَزَ المِيقاتَ غيرَ مُحْرِمٍ، فأحْرَمَ دُونَه ثم رَجع إليه.
وإن رَجَع القَرِيبُ فطافَ، فلا دَمَ عليه، سَواءٌ كان مِمَّن له عُذْرٌ يُسْقِطُ عنه الرُّجُوعَ، أو لَا؛ لأنَّ الدَّمَ لم يَسْتَقِرَّ عليه؛ لكَوْنِه في حُكْمِ
..................................
الحاضِرِ 1. ويَحْتَمِلُ سُقُوطُ الدَّمِ عن البَعِيدِ برُجُوعِه؛ لأنَّه واجِبٌ أتَى به، فلم يَجِبْ عليهِ بَدَلُه، كالقَرِيبِ.
فصل: وإذا رَجَع البعِيدُ، فيَنْبَغِى أن لا يَجُوزَ له تَجاوُزُ المِيقاتِ إن كان تَجاوَزَه، إلَّا مُحْرِمًا؛ لأنَّه ليس مِن أهْلِ الأعْذَارِ، فيَلْزَمُه طَوافٌ لإحْرامِه بالعُمْرَةِ والسَّعْى، وطَوافُ الوَداعِ، وفى سُقُوطِ الدَّمِ عنه الخِلافُ المَذْكُورُ.
وإن كان مِن دُونِ المِيقاتِ، أحْرَم من مَوْضِعِه.
فأمَّا إن رَجَع القَرِيبُ، فظاهِرُ قولِ مَن ذَكَرْنا قولَه، أنَّه لا يَلْزَمُه إحْرامٌ لأنَّه رَجَع لإِتْمامِ نُسُكٍ مَأْمُورٍ به، فأشْبَهَ مَن رَجَع لطَوافِ الزِّيارَةِ، فأمَّا إن وَدَّعَ وخَرَج، ثم دَخَل مَكَّةَ لحاجَةٍ، فقالَ أحمدُ: أحَبُّ إلىَّ أن لا يَدْخُلَ إلَّا مُحْرِمًا، وأحَبُّ إلىَّ إذا خَرَج أن يُوَدِّعَ البَيْتَ بالطَّوافِ.
وهذا لأنَّه لم يَدْخُلْ لإِتْمامِ النُّسُكِ، إنَّما دَخَل لحاجَةٍ غيرِ مُتَكَرِّرَةٍ، أشْبَهَ مَن يَدْخُلُها للإِقامَةِ بها.
..................................
فصل: والحائِضُ والنُّفَساءُ لا وَداعَ عليهما، ولا فِدْيَةَ كذلك.
هذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، وابنِه، رَضِىَ اللَّه عنهما، أنَّهما أمَرا الحائِضَ بالمُقامِ لطَوافِ الوَداعِ، وكان زيدُ بنُ ثابتٍ يقولُ به، ثم رَجَع عنه.
فرَوَى مسلمٌ 1 أنَّ زَيْدَ بنَ ثابِتٍ خالَفَ ابنَ عباسٍ في هذا.
قال طاوُسٌ: كُنْتُ مع ابنِ عباسٍ، إذْ قال زَيدُ بنُ ثابِتٍ: تُفْتِى أن لا تَصْدُرَ الحائِضُ حتى يكونَ آخِرُ عَهْدِها بالبَيْتِ.
فقال له ابنُ عباسٍ: إمَّا لا، تَسْألُ فُلانَةَ الأنْصَارِيَّةَ، هل أمَرَها بهذا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-؟ قال: فرَجَعَ زَيْدُ بنُ ثابِتٍ إلى ابنِ عباسٍ يَضْحَكُ، وهو يقولُ: ما أرَاكَ إلَّا قد صَدَقْتَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ أنَّه رَجَع إلى قولِ الجَماعَةِ أيضًا.
وقد ثَبَت التَّخْفِيفُ عن الحائِضِ بحديثِ صَفِيَّةَ حينَ قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها حائِضٌ.
فقال: «أحَابِسَتُنَا هِى؟» قالُوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّها قد أفاضَتْ
وَإذَا فَرَغَ مِنَ الْوَدَاعِ، وَقَفَ فِى الْمُلْتَزَمِ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْبَابِ،
يومَ النَّحْرِ.
قال: «فَلْتَنْفِرْ إذًا» (1). ولم يَأْمُرْها بفِدْيَةٍ ولا غيرِها.
وفى حدِيثِ ابنِ عباسٍ: إلَّا أنَّه خَفَّفَ عن المَرْأةِ الحائِضِ (2). وحُكْمُ النُّفَسَاءِ حُكْمُ الحائِضِ؛ لأنَّ أحْكامَ النِّفاسِ أحْكامُ الحَيْضِ، فيما يَجِب ويَسْقُطُ.
فصل: إذا نَفَرَتِ الحائِضُ بغيرِ وَداعٍ، فطَهُرَتْ قبلَ مُفارَقَةِ البُنْيَانِ، رَجَعَتْ فاغْتَسَلَتْ ووَدَّعَتْ؛ لأنَّها في حُكْمِ الإِقامَةِ [بدَلِيلِ أنَّها] (3) لا تَسْتَبِيحُ الرُّخَصَ.
فإن لم تُمَكِنْها الإِقامَةُ فمَضَتْ، أو مَضَتْ لغيرِ عُذْرٍ، فعليها دَمٌ.
فأمَّا إن فارَقَتِ البُنْيَانَ، لم يَجِبْ عليها الرُّجُوعُ؛ لخُرُوجِها عن حُكْمِ الحاضِرِ.
فإن قيلَ: فلِمَ لا يَجِبُ الرُّجُوعُ ما دَامَتْ قَرِيبَةً، كالخارِجِ لغيرِ عُذْرٍ؟ قُلْنا: هناك تَرَكَ واجِبًا، فلم يَسْقُطْ بخُرُوجِه حتى يَصِيرَ إلى مَسافَةِ القَصْرِ؛ لأنَّه يكونُ إنْشاءَ سَفَرٍ طَوِيلٍ غيرِ الأوَّلِ، وههُنا لم يَكُنْ واجِبًا، ولا يَثْبُتُ وُجُوبُه ابْتِداءً إلَّا في حَقِّ مَن كان مُقِيمًا.
1325 -
مسألة: (فإذا فَرَغ مِن الوَداعِ، وَقَف في المُلْتَزَمِ بينَ الرُّكْنِ والبابِ)
يُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ المُوَدِّعُ في المُلتَزَمِ، وهو ما بين الحَجَرِ123
..................................
الأسْوَدِ وبابِ الكَعْبَةِ، فيَلْتَزِمَه، ويُلْصِقَ به صَدْرَه ووَجْهَه، ويَدْعُوَ اللَّهَ عَزَّ وجَلَّ؛ لِما روَى أبو داودَ 1 عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ عن أبيه، قال: طُفْتُ مع عبدِ اللَّهِ، فلمّا جاءَ دُبُرَ الكَعْبَةِ، قُلْتُ: ألا تَتَعَوَّذُ.
قال: نَعُوذُ باللَّهِ مِن النّارِ.
ثم مَضى حتى اسْتَلَمَ الحَجَرَ، فقامَ بينَ الرُّكْنِ والبابِ، فوضَعَ صَدْرَه ووَجْهَه وذِرَاعَيْه وكَفَّيْه هكذا، وبَسَطَها بَسْطًا، وقال: هكذا رَأيْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَفْعَلُه.
وعن عبدِ الرَّحْمنِ بنِ صَفْوانَ، قال: لمّا فَتَح رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مَكَّةَ انْطَلَقْتُ فرَأْيتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قد خَرَج مِن الكَعْبَةِ هو وأصحابُه، وقد اسْتَلَمُوا الرُّكْنَ مِن البابِ إلى الحَطِيمِ، ووَضَعُوا خُدُودَهم على البَيْتِ، ورسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَسَطَهم.
رَواه أبو داودَ 2. وقال منصورٌ: سَأَلْتُ مُجاهِدًا إذا أرَدْتُ الوَدَاعَ،
فَقَالَ: اللَّهُمَّ هَذَا بَيْتُكَ، وَأنَا عَبْدُكَ، وَابْنُ عَبْدِكَ، وَابْنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِى عَلَى مَا سَخَّرْتَ لِى مِنْ خَلْقِكَ، وَسَيَّرْتَنِى فِى بِلَادِكَ، حَتَّى بَلَّغْتَنِى بِنِعْمَتِكَ إِلَى بَيْتِكَ، وَأعَنْتَنِى عَلَى أدَاءِ نُسُكِى، فَإِنْ كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّى، فَازْدَدْ عَنِّى رِضًا، وَإلَّا فَمُنَّ الْآنَ قَبْلَ أَنْ تَنْأَى
كيفَ أصْنَعُ؟ قال: تَطُوفُ سَبْعًا، وتُصَلِّى رَكْعَتَيْن خَلْفَ المَقامِ، ثم تَأْتِى زَمْزَمَ فتَشْرَبُ منها، ثم تَأْتِى المُلْتَزَمَ، ما بينَ البابِ والحَجَرِ، فتَسْتَلِمُه، ثم تَدْعُو، ثم تَسْأَلُ حاجَتَكَ، ثم تَسْتَلِمُ الحَجَرَ، وتَنْصَرِفُ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يقُولُ في دُعائِه: (اللَّهُمَّ هذا بَيْتُكَ، وأنا عَبْدُكَ، وابنُ عَبْدِكَ، وابنُ أَمَتِكَ، حَمَلْتَنِى على ما سَخَّرْتَ لى مِن خَلْقِك، وسَيَّرْتَنِى في بِلادِكَ، حتى بَلَّغْتَنِى بنِعْمَتِكَ إلى بَيْتِكَ، وأعَنْتَنِى على أداءِ نُسُكِى، فإن كُنْتَ رَضِيتَ عَنِّى، فازْدَدْ عَنِّى رِضًا، وإلَّا فمُنَّ الآنَ قبلَ = فعل ذلك، وله أن يفعل ذلك قبل طواف الوداع؛ فإن هذا الالتزام لا فرق بين أن يكون حال الوداع أو غيره، والصحابة كانوا يفعلون ذلك حين يدخلون مكة.
إلى أن قال: ولو وقف عند الباب، ودعا هناك من غير التزام للبيت، لكان حسنا.
وقال ابن القيم، في «زاد المعاد» 5/ 298: وأما المسألة الثانية، وهى وقوفه في الملتزم، فالذى روى عنه أنه فعله يوم الفتح.
وذكر حديث عبد الرحمن بن صفوان، ثم ذكر فعل ابن عمر، وقال: فهذا يحتمل أن يكون في وقت الوداع، وأن يكون في غيره، ولكن قال مجاهد والشافعى بعده وغيرهما: إنه يستحب أن يقف في الملتزم بعد طواف الوداع، ويدعو.
انتهى.
عَنْ بَيْتِكَ دَارِى، فَهَذَا أَوَانُ انْصِرَافِى إِنْ أَذنْتَ لِى، غَيْرَ مُسْتَبْدِلٍ بِكَ وَلَا بِبَيْتِكَ، وَلَا رَاغِبٍ عَنْكَ وَلَا عَنْ بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فَأَصحِبْنِى الْعَافِيَةَ فِى بَدَنِى، وَالصِّحَّةَ فِى جسْمِى، وَالْعِصْمَةَ فِى دِينِى، وَأَحسِنْ مُنْقَلَبِى، وَارْزُقْنِى طَاعَتَكَ مَا أَبقَيْتَنِى، وَاجمَعْ لِى بَيْنَ خَيْرَىِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.
أن تَنْأَى عن بَيْتِك دارِى، فهذا أوانُ انْصِرَافِى إن أَذِنْتَ لى، غيرَ مُسْتَبْدِلٍ بك ولا ببَيْتِكَ، ولا راغِبٍ عنك ولا عن بَيْتِكَ، اللَّهُمَّ فأصْحِبْنِى العافِيَةَ في بَدَنِى، والصَّحَّةَ في جسْمِى، والعِصْمَةَ في دِينى، وأحْسِنْ مُنْقَلَبِى، وارْزُقْنِى طَاعَتَك) أبَدًا (ما أبْقَيْتَنِى، واجْمَعْ لى بين خَيْرَىِ 1 الدُّنْيَا والآخِرَةِ، إنَّكَ على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ).
وعن طَاوُسٍ قال: رَأيْتُ أَعْرابِيًّا أتَى المُلْتَزَمَ، فَتَعَلَّقَ بأسْتَارِ الكَعْبَةِ، فقال: بك أعُوذُ، وبك ألُوذُ، اللَّهُمَّ فاجْعَلْ لى في اللَّهَفِ إلى جُودِكَ والرِّضَا.
بضَمانِكَ مَنْدُوحًا عن مَنْعِ البَاخِلِينَ، وغِنًى عَمَّا في أيْدِى المُسْتَأْثِرِينَ، اللَّهُمَّ فَرَجَك القَرِيبَ، وَمْعُروفَكَ التّامَّ، وعادَتَك الحَسَنَةَ.
ثم أضَلَّنِى في الناسِ، فألْفَيْتُه بعَرَفَاتٍ قائِمًا، وهو يقولُ: اللَّهُمَّ إن كُنْتَ لم تَقْبَلْ حَجَّتِى وتَعَبِى ونَصَبِى، فلا تَحْرِمْنِى أجْرَ المُصابِ على مُصِيبَتِه، فلا أعْلَمُ أعْظَمَ مُصِيبَةً مِمَّن وَرَدَ
وَيَدْعُو بِمَا أَحَبَّ، وَيُصَلِّى عَلَى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-،
حَوْضَكَ، وانْصَرَفَ مَحْرُومًا مِن وَجْهِ رَغْبَتِك 1. وقال آخَرُ: يا خَيْرَ مَوْفُودٍ إليه، قد ضَعُفَتْ قوَّتِى، وذَهَبَتْ مُنَّتِى 2، وأتَيْتُ إليك بذُنُوبٍ لا تَسَعُها البِحارُ، أسْتَجِيرُ برِضاكَ مِن سَخَطِكَ، وبعفْوِكَ مِن عُقُوبَتِك، رَبِّ ارْحَمْ مَن شَمِلَتْه الخَطَايَا، وغَمَرَتْه الذُّنُوبُ، وظَهَرَتْ منه العُيُوبُ، ارْحَمْ أسِيرَ ضُرٍّ، وطَرِيدَ فقرٍ، أسْألَك أن تَهَبَ لى عظيمَ جُرْمِى، يا مُسْتَزادًا مِن نِعَمِه، ومُسْتَعاذًا مِن نِقَمِه، ارْحَمْ صوتَ حزينٍ دَعاك بزَفيرٍ وشَهِيقٍ، اللَّهُمَّ إن كُنْتُ بَسَطْتُ إلَيْكَ يَدَىَّ دَاعِيًا، فطَالَمَا كَفَيْتَنِى ساهِيًا، فنِعْمَتُكَ التى تَظَاهَرَتْ عَلىَّ عندَ الغَفْلَةِ، لا أيْأَسُ منها عندَ التَّوْبَةِ، فلا تَقْطَعْ رَجَائِى مِنْكَ لِما قَدَّمْتُ مِن اقْتِرَافٍ، وهَبْ لىَ الإِصْلاحَ في الوَلَدِ، والأمْنَ في البَلَدِ، والعَافِيةَ في الجَسَدِ، إنَّكَ سَمِيعٌ مُجِيبٌ، اللَّهُمَّ إنَّ لكَ علىَّ حُقُوقًا، فتَصَدَّقْ بها علىَّ، وللنَّاس قِبَلى تَبِعَاتٍ، فتَحَمَّلْها عَنِّى، وقد أوْجَبْتَ لكلِّ ضَيْفٍ قِرًى، وأنا ضَيْفُكَ اللَّيْلَةَ، فاجْعَلْ قِرَاىَ الجَنَّةَ، اللَّهُمَّ إنَّ سائِلَك عندَ بابِكَ، مَن 3 ذَهَبَتْ أيَّامُه، وبَقِيَتْ آثامُه، وانْقَطَعَتْ شَهْوَتُه، وبَقِيَتْ تَبِعَتُه، فارْضَ عنه، وإن لم تَرْضَ عنه فاعْفُ عنه، فقد يَعْفُو السِّيِّدُ عن عَبْدِه، وهو غيرُ راض عنه.
ثم يُصَلِّى على
إِلَّا أنَّ الْمَرْأَةَ إِذَا كَانَتْ حَائِضًا، لَمْ تَدْخُلِ الْمَسْجِدَ، بَلْ وَقَفَتْ عَلَى بَابِهِ فَدَعَتْ بِذَلِك.
النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- (إلَّا أنَّ المَرْأةَ إذا كانت حائِضًا) أو نُفَساءَ (لم تَدْخُلِ المَسْجِدَ، ووَقَفتْ على بابِه فدَعَتْ بذلك).
فصل: قال أحمدُ: إذا وَدَّعَ البَيْتَ، يقومُ عندَ البابِ إذا خَرَج ويَدْعُو، فإذا تَلَا لا يَقِفُ ولا يَلْتَفِتُ، فإنِ الْتَفَتَ رَجَع ووَدَّعَ.
وروَى حَنْبَلٌ في «المَناسِكِ» عن المُهاجِرِ 1، قال: قُلْتُ لجابِرٍ بنِ عبدِ اللَّهِ: الرجلُ يَطُوفُ بالبَيْتِ ويُصَلِّى، فإذا انْصَرَفَ خَرَج، ثم اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فقامَ؟ فقالَ: ما كُنْتُ أحْسَبُ يَصْنَعُ هذا إلَّا اليَهُودُ والنَّصَارَى.
قال أبو عبدِ اللَّهِ: أكْرَهُ ذلك.
وقولُ أبى عبدِ اللَّهِ: إنِ الْتَفَتَ رَجَع فوَدَّعَ.
على سَبِيلِ الاسْتِحْسانِ، إذْ لا نَعْلَمُ لإِيجابِ ذلك عليه دَلِيلًا.
وقد قال مُجَاهِدٌ: هذا إذا كِدْتَ تَخْرُجُ مِن بابِ المَسْجِدِ فالْتَفِتْ، ثم انْظُرْ إلى الكَعْبَةِ، ثم قُلْ: اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْه آخِرَ العَهْدِ.
فصل: فإن خَرَج قبلَ طَوافِ الزِّيارَةِ، رَجَع حَرامًا حتى يَطُوفَ بالبَيْتِ؛ لأنَّه رُكْن لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به، ولا يَحِل مِن إحْرامِه حتى يَفْعَلَه، فمتَى لم يَفْعَلْه، لم يَنْفَكَّ إحْرامُه، ورَجَع متى أمْكَنَه مُحْرِمًا، لا يُجْزِئُه غيرُ ذلك.
وبذلك قال عَطاءٌ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الحسنُ:
..................................
يَحُجُّ مِن العامِ المُقْبِلِ.
وحُكِىَ نَحْوُ ذلك عن عَطاءٍ أيضًا.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ ذُكِرَ له أنَّ صَفِيَّةَ حاضَتْ، قال: «أحَابِسَتُنَا هِىَ؟» قيلَ: إنَّها قد أفاضَتْ يومَ النَّحْرِ.
قال: «فَلْتَنْفِرْ إذًا» 1. يَدُلُّ على أنَّ هذا الطَّوافَ لا بُدَّ منه، وأنَّه حابِسٌ لمَن لم يَأْتِ به.
فإن نَوَى التَّحَلُّلَ، ورَفَض إحْرامَه، لم يَحِلَّ بذلك؛ لأنَّ الإِحْرامَ لا يُخْرَجُ منه بنِيَّةِ الخُرُوجِ.
ومتى رَجَع إلى مَكَّةَ، فَطافَ بالبَيْتِ، حَلَّ بطوافِه؛ لأنَّ الطَّوافَ لا يَفُوتُ وَقْتُه، علىَ ما قَدَّمْنَاه.
فصل: وتَرْكُ بعضِ الطَّوافِ كتَرْكِ الجَمِيعِ فيما ذَكَرْنا.
وسَواءٌ تَرَك شَوْطًا أو أقَلَّ أو أكْثَرَ.
وهذا قولُ عَطاءٍ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: مَن طافَ أرْبَعَةَ أشْواطٍ مِن طَوافِ الزِّيارَةِ وَطَوافِ العُمْرَةِ، وسَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم رَجَع إلى الكُوفَةِ، إنَّ سَعْيَه يُجْزِئُه، وعليه دَمٌ لِما تَرَك مِن الطَّوافِ بالبَيْتِ.
ولَنا، أنَّ ما أتَى به لا يُجْزِئُه إذا كان بمَكَّةَ، فلم يُجْزِئْه إذا خَرَج منها، كما لو طَافَ دُونَ أرْبَعَةِ أشْواطٍ.
فصل: فإن تَرَك طَوافَ الزِّيارَةِ بعدَ رَمْى جَمْرَةِ العَقَبَةِ، لم يَبْقَ مُحْرِمًا، إلَّا عن النِّساءِ خاصَّةً؛ لأنَّه قد حَصَل له التَّحَلُّلُ الأوَّلُ برَمْى الجَمْرَةِ، فحَلَّ له كلُّ شئٍ إلَّا النِّساءَ، فإن وَطِئَ لم يَفْسُدْ حَجُّه، ولم تَجِبْ عليه بَدَنةٌ، لكنْ عليه دَمٌ، ويُجَدِّدُ إحْرامَه ليَطُوفَ في إحْرامٍ
فَإِذَا فَرَغَ مِنَ الْحَجِّ، اسْتُحِبَّ لَهُ زِيَارَةُ قَبْرِ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَقَبْرِ صَاحِبَيْهِ، رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمَا.
صحِيحٍ.
وفى ذلك اخْتِلافٌ ذَكَرْنَاه فيما مَضَى.
1326 -
مسألة: (فإذا فَرَغ مِن الحَجِّ، اسْتُحِبَّ زيارَةُ قَبْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقَبْرِ صاحِبَيْه، رَضِىَ اللَّه عنهما)
تسْتَحَبُّ زيارَةُ قَبْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ لِما روَى الدَّارَقُطْنِىُّ 1 بإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَنْ حَجَّ فَزَارَ قَبْرِى بَعْدَ وَفَاتِى، فَكَأنَّمَا زَارَنِى فِى حَيَاتِى».
وفى رِوايَةٍ: «مَنْ زَارَ قَبْرِى وَجَبَتْ لَهُ شَفَاعَتِى».
رَواه باللَّفْظِ الأوَّلِ سَعِيدٌ.
وقال أحمدُ 2، في رِوايَةِ عبدِ اللَّهِ، عن يَزِيدَ ابنِ قُسَيْطٍ، عن أبى هُرَيْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَا مِنْ أحَدٍ يُسَلِّمُ عَلَىَّ عِنْدَ قَبْرِى إلَّا رَدَّ اللَّهُ عَلَىَّ رُوحِى حَتَّى أرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ».
قال: وإذا حَجَّ الذى لم يَحُجَّ قَطُّ، يَعْنِى مِن غيرِ طَربقِ الشَّامِ، لا يَأْخُذُ على طَرِيقِ المَدِينَةِ؛ لأنِّى أخافُ أن يَحْدُثَ به حَدَثٌ، فَيَنْبَغِى أن يَقْصِدَ مَكَّةَ مِن أقْصَدِ الطُّرُقِ، ولا يَتَشَاغَلُ بغيرِه.
.................................. ويُرْوَى عن العُتْبِىِّ 1 قال: كُنْتُ جالِسًا عندَ قَبْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فجاءَ أعْرَابىٌّ، فقالَ: السلامُ عليك يا رسولَ اللَّهِ، سَمِعْتُ اللَّهَ يقولُ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾ 2. وقد جئْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِن ذَنْبِى، مُسْتَشْفِعًا بك إلى رَبِّى، ثم أنْشَأ يقولُ: يا خَيْرَ مَن دُفِنَت بالقَاعِ أعْظُمُه … فطابَ مِن طِيبِهنَّ البانُ والأَكَمُ نَفْسِى الفِدَاءُ لقَبْرٍ أنْتَ ساكِنُه … فيه العَفَافُ وفيه الجُودُ والكَرَمُ ثم انْصَرَفَ الأعرابىُّ، فحَمَلَتْنِى عَيْنِى، فرأَيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: «يا عُتْبِىُّ الْحَقِ الأعْرَابِىَّ فَبَشِّرْهُ أنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ» 3. ويُسْتَحَبُّ لمَن
..................................
دَخَل المَسْجِدَ أن يُقَدِّمَ رِجْلَه اليُمْنَى، ثم يقولُ: بسمِ اللَّهِ والصلاةُ على رسولِ اللَّهِ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لى، وافْتَحْ لى أبْوابَ رَحْمَتِك.
فإذا خَرَج قَدَّمَ رِجْلَه اليُسْرَى، وقال مثلَ ذلك، إلَّا أنَّه يقولُ: وافْتَحْ لى أبْوابَ فَضْلِكَ.
لِما رُوِى عن فاطِمَةَ بنتِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّمَها أن تَقُولَ ذلك إذا دَخَلَتِ المَسْجِدَ 1. ثم تَأْتِى القَبْرَ 2 فَتُوَلِّى ظَهْرَكَ القِبْلَةَ، وتَسْتَقْبِلُ وَسَطَه، وتقولُ: السلامُ عليك أيُّها النبىَّ ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُه، السلامُ عليك يا نَبِىَّ اللَّهِ وخِيرَتَه مِن خَلْقِه وعبادِه، أشْهَدُ أنْ لا إله إلَّا اللَّه وَحْدَه لا شَرِيكَ له، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورسولُه، وأشْهَدُ أنَّكَ قد بَلَّغْتَ رِسَالَاتِ رَبِّك، ونَصَحْتَ لأُمَّتِكَ، ودَعَوْتَ إلى سَبِيلِ رَبِّكَ بالحِكْمَةِ والمَوْعِظَةِ الحَسَنَةِ، وعَبَدْتَ اللَّهَ حتى أتاك اليَقِينُ، فصَلى اللَّهُ عليك كَثِيرًا كما يُحِبُّ رَبُّنا ويَرْضَى، اللَّهُمَّ اجْزِ عَنَّا نَبِيَّنا أفْضَلَ ما جَزَيْتَ أحَدًا مِن النَّبِيينَ والمرْسَلِين، وابْعَثْهُ المَقامَ المَحْمُودَ الذى وَعَدْتَه، يَغْبِطُه الأوَّلُونَ والآخِرُونَ، اللَّهُمَّ صَلِّ على محمدٍ وعلى آلِ محمدٍ،
..................................
كما صَلَّيْتَ على إبْراهِيمَ، وآلِ إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وبَارِكْ على محمدٍ وعلى آل محمدٍ، كما بَارَكْتَ على إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، اللَّهُمَّ إنَّكَ قُلْتَ 1، وقَوْلُكَ الحَقُّ: ﴿وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ جَاءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّابًا رَحِيمًا﴾.
وقد أَتَيْتُكَ مُسْتَغْفِرًا مِن ذُنُوبى، مُسْتَشْفِعًا بِك إلى رَبِّى، فأسْألُكَ يارَبِّ أن تُوجِبَ لى المَغْفِرَةَ، كما أوْجَبْتَها لمَن أتاه في حَياتِه، اللَّهُمَّ اجْعَلْه أوَّلَ الشافِعِينَ، وأنْجَحَ السائِلِينَ، وأكْرَمَ الأوَّلِينَ والآخِرِينَ، برَحْمَتِك يا أرْحَمَ الرَّاحِمين.
ثم يَدْعُو لوَالِدَيْه ولإِخوانِه، وللمُسْلِمِينَ أجْمَعِين، ثم يَتَقَدَّمُ قَلِيلًا، ويقولُ: السلامُ عليك يا أبا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ، السلامُ عليك يا عمرُ الفارُوقُ، السلامُ عليكما يا صَاحِبَىْ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وضَجِيعَيْه
..................................
ووزِيرَيْه، ورَحْمَةُ اللَّهِ وبَرَكاتُه، اللَّهُمَّ اجْزِهما عن نَبيِّهما وعن الإِسْلَامِ خَيْرًا ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ﴾ 1. اللَّهُمَّ لا تَجْعَلْه آخِرَ العَهْدِ مِن قَبْرِ نَبِيِّكَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ومِن حَرَمِ مَسْجِدِكَ يا أَرْحَمَ الرَّاحِمِينَ.
فصل: ولا يُسْتَحَبُّ التَمَسُّحُ بحائِطِ قَبْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ولا تَقْبِيلُه.
قال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: ما أعْرِفُ هذا.
قال الأثْرَمُ: رَأيْتُ أهْلَ العِلْمِ مِن أهلِ المَدِينَةِ لا يَمَسُّونَ قَبْرَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَقُومُون مِن ناحِيَةٍ فَيُسلِّمُونَ.
قال أبو عبدِ اللَّهِ: وهكذا كان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، يَفْعَلُ.
قال: أمَّا المِنْبَرُ، فقد جاءَ فيه ما رَواه إبراهيمُ بنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عَبْدٍ القارىُّ 2، أنَّه نَظَر إلى ابنِ عُمَرَ، وهو يَضَعُ يَدَه على مَقْعَدِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن المِنْبَرِ، ثم يَضَعُها على وَجْهِه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ لمَن رَجَع مِن الحَجِّ أن يَقُولَ ما روَى البخارىُّ 3، عن عبدِ اللَّهِ بنِ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللَّهِ
فَصْلٌ فِى صِفَةِ الْعُمْرَةِ: مَنْ كَانَ فِى الْحَرَمِ، خَرَجَ إِلَى الْحِلِّ، فأَحْرَمَ مِنْهُ،
- صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا قَفَل مِن غَزْوٍ أو حَجٍّ أو عُمْرَةٍ، يُكَبِّرُ على كلِّ شَرَفٍ مِن الأرْضِ، ثم يقولُ: «لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِيرٌ، آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ، لِرَبِّنَا حَامِدُونَ، صَدَقَ اللَّهُ وَعْدَهُ، وَنَصَرَ عَبْدَهُ، وَهَزَمَ الأَحْزَابَ وَحْدَهُ» وصلَّى اللَّهُ على مُحَمِّدٍ وَآلِهِ وَسَلَّمَ.
روَى سعيدٌ: حدثنا هُشَيمٌ، أنا لَيْثٌ، عن كثيرِ بنِ جَعْفَرٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: يُقالُ إذا قَدِمَ الحاجُّ: تَقَبَّلَ اللَّهُ نُسُكَكَ، وأعْظَمَ أجْرَكَ، وأخْلَفَ نَفَقَتَكَ.
(فصل في صِفَةِ العُمْرَةِ)
قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللَّهُ: (مَن كانَ في الحَرَمِ، خَرَج إلى الحِلِّ، فأحْرَمَ منه) مَن أرادَ العُمْرَةَ مِن أهْلِ
وَالأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنَ التَّنْعِيمَ.
الحَرَمِ، خَرَج إلى الحِلِّ، فأحْرَمَ منه، وكان مِيقاتًا له.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا (والأَفْضَلُ أن يُحْرِمَ مِن التَّنْعِيمِ) لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر عبدَ الرَّحْمنِ بنَ أبى بَكْرٍ أن يُعْمِرَ عائشةَ مِن التَّنْعِيمِ 1. وقال ابنُ سِيرينَ: بَلَغنِى أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وَقَّتَ لأهْلِ مَكَّةَ التَّنْعِيمَ 2. وإنَّما لَزِم الإِحْرَامُ مِن الحِلِّ؛ ليَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ.
ومِن أىِّ الحِلِّ أحْرَمَ، جازَ.
وإنَّما أعْمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- عائشةَ مِن التَّنْعِيمِ؛ لأنَّه أقْرَبُ الحِلِّ إلى مَكَّةَ.
وقد رُوِى عن أحمدَ في المَكِّىِّ، كُلَّمَا تَبَاعَدَ في العُمْرَةِ، فهو أعْظَمُ للأجْرِ، هى على قَدْرِ تَعَبِها.
فَإِنْ أَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ، لَمْ يَجُزْ، وَيَنْعَقِدُ، وَعَلَيْهِ دَمٌ.
1327 - مسألة: (فإن أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، لم يَجُزْ، ويَنْعَقِدُ، وعليه دَمٌ)
وذلك لتَرْكِه الإِحْرامَ مِن المِيقاتِ.
فإن خَرَج قبلَ الطَّوافِ، ثم عادَ، أجْزَأه؛ لأنَّه قد جَمَع بينَ الحِلِّ والحَرَمِ.
وإن لم يَخْرُجْ حتى قَضَى عُمْرَتَه، صَحَّ أيْضًا؛ لأنَّه قد أتَى بأرْكَانِها، وإنَّما أحَلَّ بالإِحْرامِ مِن مِيقَاتِها، وقد جَبَرَه، فأشْبَهَ مَن أحْرَمَ دُونَ المِيقاتِ بالحَجِّ.
وهذا قولُ أبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْى، وأحَدُ قَوْلَى الشافعىِّ.
والقَوْلُ الثَّانِى، لا تَصِحُّ عُمْرَتُه؛ لأنَّه نُسُكٌ، فكانَ مِن شَرْطِه الجَمْعُ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، كالحَجِّ.
فعلى هذا، وُجُودُ هذا الطَّوافِ كعَدَمِه، وهو باقٍ على إحْرامِه حتى يَخْرُجَ إلى الحِلِّ، ثم يَطُوفُ بعدَ ذلك ويَسْعَى.
وإن حَلَق قبلَ ذلك،
ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى، ثُمَّ يَحْلِقُ أوْ يُقَصِّرُ، ثُمَّ قَدْ حَلَّ.
وَهَلْ يَحِلُّ قَبْلَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فعليه دَمٌ.
وكذلك كلُّ ما فَعَلَه مِن مَحْظُورَاتِ إحْرامِه عليه فِدْيَةٌ.
وإن وَطِئ أفْسَدَ عُمْرَتَه، ويَمْضِى في فاسِدِها، وعليه دَمٌ لإفْسَادِها، ويَقْضِيها بعُمْرَةٍ مِن الحِلِّ.
فإن كانتِ العُمْرَةُ التى أفْسَدَها عُمْرَةَ الإِسْلامِ، أجْزَأه قَضاؤُها عن عُمْرَةِ الإِسْلام، وإلَّا فلا.
1328 -
مسألة: (ثم يَطُوفُ ويَسْعَى، ثم يَحْلِقُ أو يُقَصِّرُ، ثم قد حَلَّ)
لأنَّ هذه أفعالُ العُمْرَةِ، فحَلَّ بفِعْلِها، كحِلِّهِ مِن الحَجِّ بأفْعالِه (وهل يَحِلُّ قبلَ الحَلْقِ والتَّقْصِيرِ؟ على رِوَايَتَيْن) أصْلُهما، هل الحَلْقُ
وَتُجْزِئُ عُمْرَةُ الْقَارِنِ، وَالْعُمْرَةُ مِنَ التَّنْعِيمِ، عَنْ عُمْرَةِ الإِسْلَامِ فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
والتَّقْصِيرُ نُسُكٌ، أو ليس بنُسُكٍ؟ فإن قُلْنا: إنَّه نُسُكٌ.
لم يَحِلَّ قبلَه، كالرَّمْى.
وإن قُلْنا: ليس بنُسُكٍ، بل إطْلاقٌ مِن مَحْظُورٍ.
حَلَّ قَبْلَه، كاللُّبْسِ والطِّبِ.
وقد ذَكَرْنا الخِلافَ في ذلك في الحَجِّ، وهذا مُقاسٌ عليه.
1329 -
مسألة: (وتُجْزِئُ عُمْرَةُ القارِنِ، والعُمْرَةُ مِن التَّنْعِيمِ، عن عُمْرَةِ الإِسْلامِ، في أصَحِّ الرِّوَايَتَيْن)
لا نَعْلَمُ في إجْزاءِ عُمْرَةِ المُتَمَتِّعِ خِلافًا.
كذلك قال ابنُ عُمَرَ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ، ولا نَعْلَمُ
..................................
عن غيرِهم خِلافَهم.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّ عُمْرَةَ القارِنِ لا تُجْزِئُ.
اخْتَارَه أبو بكرٍ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أعْمَرَ عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، حينَ حاضَتْ مِن التَّنْعِيمِ 1. ولو كانت عُمْرَتُها في قِرانِها أجْزَأتْها، لَمَا أعْمَرَها بعدَها.
ولأنَّها ليست عُمْرَةً تامَّةً؛ لأنَّه لا طَوافَ لها.
وعنه، أنَّ العُمْرَةَ مِن أدْنَى الحِلِّ لا تُجْزِئُ عن العُمْرَةِ الواجِبَةِ، قال: إنَّما هى مِن أرْبَعَةِ أمْيَالٍ، وثَوابُها على قَدْرِ تَعَبِها.
ورُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، أنَّها قالت: واللَّهِ ما كانَتْ عُمْرَةً، إنَّما كانت زِيارَةً.
وإذا لم تَكُنْ تامَّةً لم تُجْزِئُ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾ 2. قال علىٌّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: إتمامُهما أن تَأْتِىَ بهما مِن دُوَيْرَةِ أهْلِكَ.
ووَجْهُ الأُولَى قولُ الصُّبَىِّ 3 بنِ مَعْبَدٍ: إنِّى وَجَدْتُ الحَجَّ والعُمْرَةَ مَكْتُوبَيْن علىَّ، فأهْلَلْتُ بهما.
فقالَ عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه: هُدِيتَ لسُنَّةِ نَبِيِّكَ 4. وحديثُ
..................................
عائشةَ، حينَ قَرَنَتِ الحَجَّ والعُمْرَةَ، فقال لها النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ حَلَّتْ منهما: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ».
وإنَّما أعْمَرَها مِن التَّنْعِيمِ قَصْدًا لتَطْيِيبِ قَلْبِها، وإجابَةِ مَسْألَتِها، لا لأنَّها كانت واجبَةً عليها.
ثم إن لم تَكُنْ أجْزَأتْها عُمْرَةُ القِرانِ، فقد أجْزَأتْها العُمْرَةُ بِن أدْنَى الحِلِّ، وهى أحَدُ ما قَصَدْنا الدَّلَالَةَ عليه.
ولأن الواجِبَ عُمْرَة واحِدَة، وقد أتَى بها صَحِيحَةً، فأجْزَأتْه، كعُمْرَةِ المُتَمَتِّعِ.
ولأنَّ عُمْرَةَ القارِنِ أحَدُ النُّسُكَيْن للقارِنِ، فأجْزَأتْ، كالحَجِّ، ولأنَّ الحَجَّ مِن مَكَّةَ يُجْزِئُ في حَقِّ المُتَمَتِّعِ، فالعُمْرَةُ مِن أدْنَى الحِلِّ في حَقِّ المُفْرِدِ أوْلَى.
وإذا كان الطَّوافُ المُجَرَّدُ يُجْزِئُ عن العُمْرَةِ في حَقِّ المَكِّىِّ، فلَأن تُجْزِئُ العُمْرَةُ المُشْتَمِلَةُ على الطَّوافِ وغيرِه أوْلَى.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَعْتَمِرَ في السَّنَةِ مِرَارًا.
رُوِى ذلك عن علىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وأنَسٍ، وعائشةَ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، وعِكْرِمَةَ، والشافعىِّ.
وكَرِهَ العُمْرَةَ في السَّنَةِ مَرَّتَيْن الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، ومالكٌ.
قال النَّخَعِىُّ: ما كانُوا يَعْتَمِرُونَ في السَّنَةِ إلَّا مَرَّةً.
ولأنَّ
..................................
النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفْعَلْه.
ولَنا، أنَّ عائشةَ اعْتَمَرَتْ في شَهْرٍ مَرَّتَيْن بأمْرِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-؛ عُمْرَةً مع قِرانِها، وعُمْرَةً بعدَ حَجِّها.
ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «الْعُمْرَةُ إلَى الْعُمْرَةِ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهُمَا».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقال علىٌّ، رَضِىَ اللَّه عنه: في كلِّ شَهْرٍ مَرَّةً.
وكان أنَسٌ إذا حَمَّمَ رَأسُه 2 خَرَج فاعْتَمَرَ.
رَواهما الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 3. وقال عِكْرمَةُ: يَعْتَمِرُ إذا مَكَّنَ المُوسَى مِن شَعَرِه.
وقال عَطاءٌ: إن شاءَ اعْتَمَرَ في كلِّ شَهْرٍ مَرَّتَيْن.
فأمَّا الإكْثارُ مِن الاعْتِمارِ، والمُوالَاةُ بَيْنَهما، فلا يُسْتَحَبُّ في ظاهِرِ قولِ السَّلَفِ الذى حَكَيْنَاه.
وكذلك قال أحمدُ: إذا اعْتَمَرَ فلا بُدَّ أنْ يَحْلِقَ أو يُقَصِّرَ، وفى عَشَرَةِ أيَّامٍ يُمْكِنُ حَلْقُ الرأسِ.
فظاهِرُ هذا أنَّه لا يُسْتَحَبُّ أن يَعْتَمِرَ في أقَلَّ مِن عَشَرَةِ أيَّامٍ.
وقال في رِوَايَةِ الأثْرَمِ: إن شاءَ اعْتَمَرَ في كلِّ شَهْرٍ 4. وقال بعضُ أصحابِنا: يُسْتَحَبُّ الإكْثارُ مِن الاعْتِمارِ،
..................................
كالطَّوافِ.
قال شيخُنا 1، رَحِمَه اللَّهُ: وأحْوالُ السَّلَفِ وأقْوالُهم على ما قُلْناه، ولأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم تُنْقَلْ عنه المُوالَاةُ بينَهما، وإنَّما نُقِلَ عن السَّلَفِ إنْكارُ ذلك، والحَقُّ في اتِّباعِهم.
قال طاوُسٌ: الذين يَعْتَمِرُونَ مِن التَّنْعِيم ما أدْرِى يُؤْجَرُونَ عليها أم يُعَذَّبُونَ.
قيلَ له: فلِمَ يُعَذَّبُونَ؟ قال: لأنَّه يَدَعُ الطَّوافَ بالبَيْتِ، ويَخْرُجُ إلى أرْبَعَةِ أمْيَالٍ ويَجِئَ، وإلى أن يَجِئَ مِن أرْبَعَةِ أمْيَالٍ قد طافَ مائةَ طَوافٍ، وكُلَّمَا طافَ بالبَيْتِ، كان أفْضَلَ مِن أن يَمْشِىَ في غيرِ شئٍ.
فصل: روَى ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّهُ عنهما، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «عُمْرَةٌ فِى رَمَضَانَ تعْدِلُ حَجَّةً».
مُتَّفَقٌ عليه 2. قال أحمدُ:
..................................
مَن أدْرَكَ يَوْمًا مِن رمضانَ، فقد أدْرَكَ عُمْرَةَ رمضانَ.
وقال إسحاقُ: مَعْنَى هذا الحَدِيثِ مثلُ ما رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنه قال: «مَنْ قَرَأَ قُلْ هُوَ اللَّهُ أحَدٌ، فَقَدْ قَرَأ ثُلُثَ القُرْآنِ» 1. وقال أنَسٌ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: حَجَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجَّةً واحِدَةً، واعْتَمَرَ أرْبَعَ عُمَرٍ؛ واحِدَةً في ذِى القَعْدَةِ، وعُمْرَةَ الحُدَيْبِيَةِ، وعُمْرَةً مع حَجَّتِه، وعُمْرَةَ الجعْرانَةِ، إذ قَسَّمَ غَنائِمَ حُنَيْنٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وقال أحمدُ: حَجَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَجَّةَ الوَدَاعِ.
قال: ورُوِىَ عن مُجاهِدٍ، أنَّه قال: حَجَّ قبلَ ذلك حَجَّةً أُخْرَى.
وما هو يَثْبُتُ عندى.
ورُوِىَ عن جابرٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، قال: حَجَّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَلاثَ حِجَجٍ؛ حَجَّتَيْن فبلَ أن يُهاجِرَ، وحَجَّةً بعدَ ما هاجَرَ 3. وهذا حَدِيثٌ غَرِيبٌ.