..................................
قال: لا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا.
واحْتَجَّ بحديثِ جابِر 1، وذَكَر إسْنادَه عن أبِى الزُّبَيْرِ، أنَه سَمِع جابِر بنَ عبدِ اللهِ، يُسْألُ عن امْرَأةٍ تَجْعَلُ على نَفْسِها عُمْرَةً في شهر مُسَمًّى،.
ثم يَخْلُو إلَّا لَيْلَةً واحِدَةً، ثم تَحِيضُ؟ قال: لتَخْرُجْ، ثم لتُهِلَّ بعُمْرَةٍ، ثم لتَنتَظِرْ حتى تَطْهُرَ، ثم لتَطُفْ بالبَيْتِ.
قال أبو عبدِ اللهِ: فجَعَلَ عُمْرَتَها في الشَّهْرِ الذى حَلَّتْ فيه.
ولا نَعْلَمُ بينَ أهْلِ العِلْمِ خِلافًا أنَّ مَن اعْتَمَرَ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، وفَرَغ مِن عُمْرَتِه قبلَ أشْهُرِ الحَجِّ، أنَّه لا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، إلَّا قَوْلَين شاذَّين؛ أحَدُهما، عن طاوُسٍ، أنَّه قال: إذا اعْتَمَرْت في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أقَمْتَ حتى الحَجِّ، فأنْتَ مُتَمَتِّعٌ.
..................................
والآخَرُ، عن الحسنِ، أنَّه قال: مَن اعْتَمَرَ بعدَ النَّحْرِ، فهى مُتْعَةٌ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قال بواحِدٍ مِن هذَيْن القَوْلَيْن.
فأمّا إن أحْرَمَ بالعُمْرَةِ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم حَلَّ منها في أشْهُرِ الحَجِّ، فإنَّه لا يَكُونُ مُتَمَتِّعًا، على ما ذَكَرْناه عن أحمدَ.
ونُقِلَ مَعْنَى ذلك عن جابِرٍ، وأبِى عِياضٍ 1. وهو قولُ إسْحاقَ، وأحَدُ قَوْلَىِ الشافعىِّ.
وقال طاوُمن: عُمْرَتُه في الشهْرِ الذى يَدْخُلُ فيه الحَرَمَ.
وقال الحسنُ، والحَكَمُ، وابنُ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ في أحَدِ قَوْلَيْه: عُمْرَته في الشَّهْرِ الذى يَطُوفُ فيه.
وقال عَطاءٌ: عُمْرَتُه في الشَّهْرِ الذى يَحِلُّ فيه.
..................................
وهو قولُ مالكٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إن طاف للعُمْرَةِ أرْبَعَةَ أشْواطٍ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ فليس بمُتَمَتِّعٍ، وإن طاف الأرْبَعَةَ في أشْهُرِ الحَجِّ فهو مُتَمَتِّعٌ؛ لأن العُمْرَةَ صَحَّتْ في أشْهُرِ الحَجِّ، بدَلِيلِ أنَّه لو وَطِى أفْسَدَها، أشْبَهَ إذا أحْرَمَ بها في أشْهُرِ الحَجِّ.
ولَنا، ما ذَكَرْناه عن جابِر، ولأنَّه أتَى بنُسُكٍ لا تَتِمُّ العُمْرَةُ إلَّا به في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، فلم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا، كما لو طاف.
ويُخَرَّجُ.
عليه ما قاسُوا عليه.
الثّانِى، أنَّ يَحُجَّ من عامِه، فإنِ اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ فلم يَحُجَّ ذلك العامَ، بل حَجَّ من العامِ القابِلِ، فليس بمُتَمَتِّع.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا قولًا شاذًّا عن الحسنِ في مَن اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ، فهو مُتَمَتِّعٌ، حَجَّ أو لم يَحُجَّ.
والجُمْهُورُ على خِلافِ هذا؛ لأن اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾.
وهذا يَقْتَضِى المُوالاةَ بينَهما، ولأنَّهم إذا أجْمَعُوا على أنَّ مَن اعْتَمَرَ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم حَجَّ مِن عامِه، فليس بمُتَمَتِّعٍ، فهذا أوْلَى؛ لأنَّ التَّباعُدَ بينَهما أكْثَرُ.
الثّالِثُ، أنَّ لا يُسافِرَ بينَ العُمْرَةِ والحَجِّ سَفَرًا بَعِيدًا تُقْصَرُ في مِثْلِه
..................................
الصلاةُ.
نَصَّ عليه.
ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، [والمُغِيرَةِ المدينىِّ] 1، وإسْحاقَ.
وقال الشافعىُّ: إن رَجَع إلى المِيقاتِ فلا دَمَ عليه.
وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: إن رَجَع مِن مِصْرِه بَطَلَتْ مُتْعَتُه، وإلَّا فلا.
وقال مالكٌ: إن رَجَع إلى مِصْرِه أو إلى غيرِه أبْعَدَ مِن مِصْرِه بَطَلَتْ مُتْعَتُه، وإلَّا فلا.
وقال الحسنُ: هوِ مُتَمَتِّعٌ وإن رَجَع إلى بَلَدِه.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ﴾ الآية.
ولَنا، ما رُوِى عن عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه، أنَّه قال: إذا اعْتَمَرَ في أشْهُرِ الحَجِّ ثم أقامَ، فهو مُتَمَتِّعٌ، فإن خرَج ورَجع، فليس بمُتَمَتِّعٍ.
وعن ابنِ عُمَرَ نحوُ ذلك.
..................................
ولأنَّه إذا رَجَع إلى المِيقاتِ أو ما دُونَه لَزِمَه الإحْرامُ منه، فإذا كان بَعِيدًا، فقد أنْشَأ سَفَرًا بَعِيدًا لحَجِّه، فلم يَتَرَفَّهْ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، فلم يَلْزَمْه دَمٌ، كموضِعِ الوِ فاق.
والآيَةُ تَناوَلَتِ المُتَمَتِّعَ، وهذا ليس بمُتَمَتِّعٍ؛ بدَلِيلِ قولِ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنه.
الرّابعُ، أنَّ يَحِل مِن إحْرامِ العُمْرَةِ قبلَ إحْرامِه بالحَجِّ، فإن أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ قبلَ حِلِّه منها، كما فَعَل النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، فإنَّه يَصِيرُ قارِنًا، ولا يَلْزَمُه دَمُ المُتْعَةِ.
قالَتْ عائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها: خَرَجْنا مع النبىِّ - صلي الله عليه وسلم - عامَ حَجَّةِ الوَداعِ، فأهْلَلْنا بعُمْرَةٍ، فقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حائِضٌ، لم أطُفْ بالبَيْتِ، ولا بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فَشَكَوْتُ ذلك إلى النبىِّ - صلي الله عليه وسلم -، فقالَ: «انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَأهِلِّى بالْحَجِّ، وَدَعِى الْعُمْرَةَ».
قالَتْ: ففَعَلْتُ، فلَمّا قَضَيْنا الحَجَّ أرْسَلَنِى رسولُ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - مع عبدِ الرحمنِ بنِ أبِى بَكْر إلى التَّنْعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ معه،
..................................
فقالَ: «هذِهِ عُمْرَة مَكَانَ عُمْرَتِكِ».
قال عُرْوَةُ: فقَضَى اللهُ حَجتَها وعُمْرَتَها، ولم يَكُنْ في شئٍ مِن ذلك هَدْيٌ ولا صَوْمٌ ولا صَدَقَةٌ.
مُتُّفَقٌ عليه 1. ولكن عليه دَمٌ للقِرانِ؛ لأنَّه صار قارِنًا، وتَرَفَّهَ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْن.
فأمّا قولُ عُرْوَةَ: لم يَكُنْ في ذلك هَدْيٌ.
يَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ لم يَكُنْ فيه هَدْيٌ للمُتْعَةِ، إذ قد ثَبَت أنَّ رسولَ اللهِ - صلي الله عليه وسلم - ذَبَح عن نِسائِه بَقَرَةً بَيْنَهُنَّ 2. الخامِسُ، أنَّ لا يَكُونَ مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ.
ولا خِلافَ بين أهْلِ العِلْمِ في أنَّ دَمَ المُتْعَةِ لا يَجِبُ على حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرام؛ لقولِه تعالى: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.والمَعْنَى في ذلك أنَّ حاضِرَ المَسْجدِ الحَرامِ مِيقاته مَكَّةُ، ولا يَحْصُلُ له الترَّفُّهُ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، ولأنه أَحْرَمَ مِن مِيقاتِه، أشْبَهَ المُفْرِدَ.
..................................
فصل: وحاضِرُو 1 المَسْجِدِ الحَرامِ أهْلُ الحَرَمِ، ومَن بينَه وبين مَكَّةَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ورُوِىَ ذلك عن عَطاءٍ، وبه قال الشافعيُّ.
وقال مالكٌ: هم أهْلُ مَكَّةَ.
وقال مُجاهِدٌ: هم أهْلُ الحَرَم.
ورُوِىَ ذلك عن طاوُسٍ.
ورُوِىَ عن مَكْحُولٍ وأصْحابِ الرَّأْىِ: مَن دُون المَواقِيتِ؛ لأنَّه مَوْضِغ شرِعَ فيه النُّسُكُ، فاشبَهَ الحَرَمَ.
ولَنا، أنَّ حاضِرَ الشَّئِ مَن دَنا منه، ومَن دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ قَرِيبٌ مِن حُكْمِ الحاضِرِ، بدَلِيلِ أْنَّه إذا قَصَدَه لا يَتَرَخَّصُ رُخَصَ المُسافِرِ؛ مِن القَصْرِ، والفِطْرِ، فيَكُونُ مِن حاضِرِيه.
وتَحْدِيدُه بالمِيقاتِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه قد يَكُونُ بَعِيدًا يَثْبُتُ له حُكْمُ السَّفَرِ البَعِيدِ إذا قَصَدَه، ولأنَّ ذلك يُفْضِى إلى جَعْلِ البَعِيدِ مِن حاضِرِيه، والقَرِيبِ مِن غيرِ حاضِرِيه؛ لتَفاوُتِ المَواقِيتِ في القُرْبِ والبُعْدِ.
واعْتِبارُه بما ذَكَرْناه أوْلَى؛ لأنَّ الشّارِعَ حَدَّ الحاضِرَ دُونَ مَسافَةِ القَصْرِ، بنَفْى أحْكامِ المُسافِرِين عنه، فكانَ الاعْتِبارُ به أوْلَى مِن الاعْتِبارِ بالنُّسُك؛ لوُجُودِ لَفْظِ الحُضُورِ في الآيَةِ.
..................................
فصل: إذا كان للمُتَمَتِّعِ قَرْيَتانِ؛ قَريَبةٌ، وبَعِيدَةٌ، فهو مِن حاضِرى المَسْجِدِ الحَرامِ؛ لأنَّه إذا كان بعضُ أهْلِه قرِييًا لم يُوجَدْ فيه الشَّرْطُ، وهو أنَّ لا يَكُونَ أهْلُه مِن حاضِرِى المسْجِدِ الحَرام، ولأنَّ له أنَّ يُحْرِمَ مِن القَرِييَةِ، فلم يَكُنْ بالتَّمَتُّعِ مُتَرَفِّهًا بِتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن.
وقال القاضى: له حُكْمُ القَرْيَةِ التى يُقِيمُ بها أكْثَرً، فإنِ اسْتَوَيا، فمِن التى مالُه بها أكْثَرُ، فإنِ اسْتَوَيا، فمِن التى يَنْوِى الإقامَةَ بها أكْثَرَ، فإنِ اسْتَوَيا، فله حُكْمُ القَرْيَةِ التى أحْرَمَ منها.
وقد ذَكَرْنا دَلِيلَ ما قُلْناه.
فصل: فإنْ دَخَل الآفاقِىُّ مَكَّةَ مُتَمَتِّعًا ناوِيًا الإقامَةَ بها بعدَ تَمَتعِه، فعليه دَمُ المُتْعَةِ.
قال ابنُ المُنْذِرٍ: أجْمَعَ على هذا كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ.
ولو كان الرجلُ مَنْشَؤُه بمَكَّةَ، فخَرَجَ عنها مُنْتَقِلًا مُقِيمًا بغيرِها،
..................................
ثم عاد إليها مُتَمَتِّعًا، ناوِيًا للإقامَةِ بها أو غيرَ ناوٍ، فَعَلَيْه دَمُ مُتْعَةٍ؛ لأنَّه خَرَج بالانْتِقالِ عنها عن أن يَكُونَ مِن أهْلِها.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ؛ وذلك لأنَّ حُضُورَ المسْجِدِ الحَرامِ إنَّما حَصَل بنيَّةِ الإِقامَةِ وفِعْلِها، وهذا إنَّما نَوَى الإِقامَةَ إذا فَرَغ مِن أفْعالِ الحَجِّ؛ لأنَّه إذا فَرَغ مِن عُمْرَتِه فهو ناوٍ للخُرُوجِ إلى الحَجِّ، فكَأنَّه إنَّما نَوَى أن يُقِيمَ بعدَ وُجُوبِ الدَّمِ عليه، فأمّا إن سافَرَ المَكِّىُّ غيرَ منْتَقِلٍ، ثم عاد فاعْتَمَرَ مِن المِيقاتِ، وحَجَّ مِن عامِه، فلا دَمَ عليه، لأنَّه لم يَخْرُجْ بذلك عن كَوْنِ أهْلِه مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ.
فصل: وهذا الشَّرْطُ الخامِسُ شَرْطٌ لوُجُوبِ الدَّمِ عليه، وليس بشَرْطٍ لكَوْنِه مُتَمَتِّعًا، فإنَّ مُتْعَةَ المَكِّىِّ صَحِيحَةٌ؛ لأنَّ التَّمَتُّع أحَدُ الأنْساكِ الثَّلاَثةِ، فَصَحَّ مِن المَكِّىِّ، كالنُّسُكَيْن الآخَرَيْن.
ولأنَّ حَقِيقَةَ التَّمَتُّعِ أن يَعْتَمِرَ في أشْهُرِ الحَجِّ ثم يَحُجَّ من عامِه.
وهذا مَوْجُودٌ في المَكِّىِّ.
وقد نُقِل عن أحمدَ: ليس علىِ أهْلِ مَكَّةَ مُتْعَةٌ.
ومَعْناه ليس عليهم دَمُ مُتْعَةٍ؛ لأنَّ المُتْعَةَ له لا عليه، فتَعَيَّنَ حَمْلُه على ما ذَكَرْناه.
فصل: إذا تَرَك الآفاقِىُّ الإِحْرامَ مِن المِيقاتِ، وأحْرَمَ مِن دُونِه بعُمْرَةٍ، ثم حَلَّ منها، وأحْرَمَ بالحَجِّ مِن مَكَّةَ مِن عامِه، فهو مُتَمَتِّعٌ، وعليه دَمان؛ دَمُ المُتْعَةِ، ودَمِّ لإِحْرامِه مِن دُونِ المِيقاتِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ،
..................................
وابنُ عبدِ البَرِّ 1: أجْمَعَ العُلَماءُ على أنَّ مَن أحْرَمَ في أشْهُرِ الحَجِّ بعُمْرَةٍ، وحَلَّ منها، ولم يَكُنْ مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ 2، ثم أقامَ بمَكَّةَ حَلالًا، ثم حَجَّ مِن عامِه، أنَّه مُتَمَتِّعٌ عليه دَمٌ.
وقال القاضى: إذا تَجاوَزَ المِيقاتَ، حتى صار بينَه وبينَ مَكَّةَ أقَلُّ مِن مَسافَةِ القَصْرِ، فأحْرَمَ منه، فلا دَمَ عليه للمُتْعَةِ، لأنَّه مِن حاضِرِى المسْجِدِ الحَرامِ.
وليس بِجَيِّدٍ، فإن حُضُورَ المَسْجِدِ الحَرام إنَّما يَحْصُلُ بالإِقامَةِ به، ونِيَّةِ ذلك، وهذا لم تَحْصُلْ منه الإِقامَةُ، ولا نِيَّتُها.
ولأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
وهذا يَقْتَضِى أن يَكُونَ المانِعُ مِن الدَّمِ السُّكْنَى به، وهذا ليس بساكِنٍ.
وإن أحْرَمَ الآفاقِىُّ بعُمْرَةٍ في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، ثم أقامَ بمَكَّةَ، واعْتَمَرَ مِن التَّنْعِيمِ في أشْهُرِ الحَجِّ، وحَجَّ مِن عامِه، فهو مُتَمَتِّعٌ.
نَصَّ عليه أحمدُ 3. وعليه دَمٌ.
وفى تَنْصِيصِه على هذه الصُّورَةِ تَنْبِيهٌ على إيجابِ الدَّم في الصُّورَةِ الأُولَى بطَرِيقِ الأوْلَى.
..................................
وذَكَر القاضى شَرْطًا سادِسًا لوُجُوبِ الدَّم، وهو أن يَنْوِىَ في ابْتِداءِ العُمْرَةِ، أو 1 أثْنائِها أنَّه مُتَمَتِّعٌ.
وظاهِر النَّصِّ يَدُلُّ على أنَّ هذا غير مُشتَرَطٍ، فإنَّه لم يَذْكرْه، وكذلك الإِجْماعُ الذى ذَكَرْناه مُخالِفٌ لهذا القولِ، لأنَّه قد حَصَل له التَّرَفُّةُ بتَرْكِ أحَدِ السَّفَرَيْن، فلَزِمَه الدَّمُ، كَمَن نوى.
فَصْلٌ في وَقْتِ وُجُوب الهَدْىِ وذَبْحِه: أمّا وَقْتُ وُجُوبِه، فعن أحمدَ، أنَّه يَجِبُ إذا أحْرَمَ بالحَجِّ.
وهو قولُ أبِى حنيفةَ، والشافعىِّ؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
وهذا قد فَعَل ذلك، ولأنَّ ما جُعِلَ غايَةٌ فوُجُودُ أوَّلِهْ كافٍ، كقَوْلِه تعالى: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ 2. وعنه، أنَّه يَجِبُ الدَّمُ إذا وَقَف بعَرَفَةَ.
اخْتارَه القاضى.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ التَّمَتُّعَ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ إنَّما يَحْصُلُ بعدَ وجُودِ الحَجِّ منه، ولا يَحْصُلُ ذلك إلَّا بالوُقُوفِ؛ لقولِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الْحَجُّ عَرَفَةُ» 3. ولأنَّه قبلَ ذلك
..................................
يَعْرِضُ الفَواتُ، فلا يَحْصُلُ التَّمَتُّعُ، ولأنَّه لو أحْرَمَ بالحَجِّ، ثم أُحْصِرَ 1 أو فاتَه الحَجُّ، لم يَلْزَمْه دَمُ المُتْعَةِ، ولا كان مُتَمَتِّعًا، ولو وَجَب الدَّمُ لما سَقَط.
وقال عَطاءٌ: يَجِبُ إذا رَمَى الجَمْرَةَ.
ونحوُه قولُ أبِى الخَطّابِ، قال: يَجِبُ إذا طَلَع الفَجْرُ يومَ النَّحْرِ؛ لأنَّه وَقْتُ ذَبْحِه، فكانَ وَقْتَ وُجُوبِه.
وأمّا وَقْتُ ذَبْحِه، فيَوْمُ النَّحْرِ.
وبه قال مالكٌ، وأبو حنيفةَ؛ لأنَّ ما قبلَ يومِ النَّحْرِ لا يَجُوزُ ذَبْحُ الأُضْحِيَةِ فيه، فلا يَجُوزُ ذَبْحُ الهَدْىِ الذى للتَّمَتُّعِ 2 كما قبلَ التَّحَلُّلِ مِن العُمْرَةِ.
وقال [أبو طالِبٍ] 3: سَمِعْتُ أحمدَ قال -في الرجلِ يَدْخُلُ مَكَّةَ في شَوّالٍ، ومعه هَدْىٌ- قال: يَنْحَرُ بمَكَّةَ، وإن قَدِم قبلَ العَشْرِ نَحَرَه، لا يَضِيعُ أو يَمُوتُ أو يُسْرَقُ.
وكذا قال عَطاءٌ.
..................................
وإن قَدِم في العَشْرِ لم يَنْحَرْه حتى يَنْحَرَه بمِنًى؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصْحابَه قَدِمُوا في العَشْرِ فلم يَنْحَرُوا حتى نَحَرُوا بمِنًى.
ومَن جاء قبلَ ذلك نَحَرَه عن عُمْرَتِه، وأقامَ على إحْرامِه، وكان قارِنًا.
وقال الشافعىُّ: يَجُوزُ نَحْرُه بعدَ الإِحْرام بالحَجِّ.
قولًا واحِدًا، وفيما قبلَ ذلك بعدَ حِلِّه مِن العُمْرَةِ احْتِمالان.
وَوَجْهُ جَوازِه، أنَّه دَمٌ يَتَعَلَّقُ بالإِحْرامِ، ويَنُوبُ عنه الصِّيامُ، فجاز قبلَ يومِ النَّحْرِ، كدَمِ الطِّيبِ، ولأنَّه يَجُوزُ إذا بَدَّلَه قبلَ يَوْمِ النَّحْرِ، فجازَ أداؤُه قبلَه، كسائِرِ الفِدْياتِ.
فصل: ويَجِبُ الدَّمُ على القارِنِ في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا، إلَّا عن داودَ؛ لأنَّه قال: لا دَمَ عليه.
ورُوِىَ عن طاوُسٍ.
وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ أنَّ ابنَ داودَ لَمّا دَخَل مَكَّةَ سُئِلَ عن القارِنِ، هل يَجِبُ عليه دَمٌ؟ فقالَ: لا.
فجَرُّوا برَحْلِه.
وهذا يَدُلُّ على شُهْرَةِ الأمْرِ بَيْنَهُم.
ولَنا، قَوْلُه تعالى: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾.
وهذا مُتَمَتِّعٌ بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ؛ بدَلِيلِ أنَّ عَلِيًّا لَمّا سَمِع عثمانَ يَنْهَى عن المُتْعَةِ أهَلَّ بالعُمْرَةِ والحَجِّ؛ ليَعْلمَ النّاس أنَّه ليس بمَنْهىٍّ عنه.
وقال ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهما: إنَّما القِرانُ لأهْلِ الآفاقِ، وتَلا قَوْلَه تعالى:
..................................
﴿ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
وقد رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ قَرَنَ بَيْنَ حَجَّتِه وَعُمْرَتِهِ 1 فَلْيُهْرقْ دَمًا» 2. ولأنَّه تَرَفَّهَ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْن، فأشْبَهَ المُتَمَتِّعَ.
فإن عَدِم الدَّمَ، فعليه صيامٌ، كصِيامِ المُتَمَتِّعِ، سواءٌ.
ومِن شَرْطِ وُجُوبِ الدَّمِ عليه أن لا يَكُونَ مِن حاضِرِى المَسْجِدِ الحَرامِ، في قولِ جُمْهُورِ العُلَماءِ.
وقال ابنُ الماجِشُونَ: عليه دَمٌ؛ لأنَّ الله تعالى إنَّما أسْقَطَ الدَّمَ عن المُتَمَتِّعِ،
وَمَنْ كَانَ قَارِنًا أَوْ مُفْرِدًا، أَحْبَبْنَا لَهُ أَنْ يَفْسَخَ إِذَا طَافَ وَسَعَى وَيَجْعَلَهَا عُمْرَةً؛ لِأَمْرِ رَسُولٍ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَصْحَابَهُ بِذلِكَ، إِلَّا أَنْ يَكُونَ قَدْ سَاقَ مَعَهُ هَدْيًا، فَيَكُون عَلَى إِحْرَامِهِ.
وليس هذا مُتَمَتِّعًا.
وِالصَّحِيحُ الأوَّلُ، فإنَّنا قد ذَكَرْنا أنَّه مُتَمَتِّعٌ، وإن لم يَكُنْ مُتَمَتِّعًا فهو فرْعٌ عليه، ووُجُوبُ الدَّمِ على القارِنِ إنَّما كان مَعْنى النَّصِّ على المُتَمَتِّعِ، ولا يَجُوزُ أن يُخالِفَ الفَرْعُ عليه.
1164 -
مسألة: (ومَن كان مُفْرِدًا أو قارِنًا، أحْبَبْنا له أن يَفْسَخَ إذا طاف وَسَعى ويَجْعَلَها عُمْرَةً؛ لأمْرِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه بذلك، إلَّا أن يَكُونَ معه هَدْىٌ، فيَكُونَ على إحْرامِه)
إذا كان مع المُفْرِدِ والقارِنِ هَدْىٌ، فليس له أن يَحِلَّ مِن إحْرامِه ويَجْعَلَه عُمْرَةً، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛
..................................
لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا قَدِم مَكَّةَ، قال للنّاسِ: «مَنْ كَانَ مِنْكُمْ أهْدَى فإنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَئٍ حَرُمَ مِنْهُ، حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُم 1 أهْدَى، فَلْيَطُفْ بِالْبَيْتِ وَبِالصَّفا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلْيُهْدِ، وَمَنْ لَمْ يَجِدْ 2 هَدْيًا فَلْيَصُمْ ثَلَاَثةَ أيَّامٍ فِى الْحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. فأمّا مَن لا هَدْىَ معه، فيُسْتَحَبُّ له إذا طاف وسَعَى أن يَفْسَخَ نِيَّتَه بالحَجِّ، ويَنْوِىَ عُمْرِةً مُفْرَدَةً، فَيُقَصِّرَ ويَحِلَّ مِن إحْرامِه؛ ليَصِيرَ مُتَمَتِّعًا، إن لم يَكُنْ وقَف بعَرَفَةَ.
وكان ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللهُ عنهما، يَرَى أنَّ مَن طافَ بالبَيْتِ وسَعَى فقد حَلَّ، وِإن لم يَنْوِ ذلك.
وبهذا الذى ذَكَرْناه قال مُجاهِدٌ، والحسنُ، وداودُ.
وذَهَب أكْثَرُ أهْلِ العِلْمِ إلى 4 أنَّه لا يَجُوزُ له ذلك؛ لأنَّ الحَجَّ أحَدُ النُّسُكَيْن، فلم يَجُزْ فَسْخُهُ،
..................................
كالعُمْرَةِ.
وروَى ابنُ ماجه 1 عن بِلالِ بنِ الحارِثِ المُزَنِىِّ، عن أبِيهِ، أنَّه قال: يا رسولَ اللهِ، فَسْخُ الحَجِّ لَنا خاصَّةً، أو لِمن يَأْتِىِ؟ قال: «لَنَا خَاصَّةً».
ورُوِىَ أيضًا عن المُرَقِّعِ الأَسَدِىِّ 2، عن أبِى ذرٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: كان ما أذِنَ لَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حينَ دَخَلْنا مَكَّةَ أن نَجْعَلَها عُمْرَةً، ونَحِلَّ مِن كلِّ شَئٍ، أنَّ تلك كانَتْ لَنا خاصَّةً، رُخْصَةً مِن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، دُونَ جَمِيعِ النّاسِ 3. ولَنا، أنَّه قد ثَبَت عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه أمَرَ أصْحابَه في حَجَّةِ الوَداعِ الذين أفْرَدُوا الحَجَّ وقَرَنُوا أن يَحِلُّوا كلُّهم، ويَجْعَلُوها عُمْرَةً، إلَّا مَن كان معه الهَدْىُ، في أحاديثَ كَثِيرَةٍ مُتَّفَقٍ عليها، بحيثُ يَقْرُبُ مِن المُتَواتِرِ، ولم يَخْتَلِفْ في صِحَّةِ ذلك وثُبُوتِه عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أحَدٌ مِن أهْلِ العِلْمِ عَلِمْناه.
وذَكَر أبو حَفْصٍ، في «شَرْحِه»
..................................
بإسْنادِه عن إبراهيمَ الحَرْبِىِّ 1، وقد سُئِلَ عن فَسْخِ الحَجِّ 2 إلى العُمْرَةِ، فقالَ: قال سَلَمَةُ بنُ شَبِيبٍ لأحمدَ بنِ حَنبلٍ: يا أبا عبدِ اللهِ، كلُّ شئٍ منك حسنٌ جَمِيلٌ، إلَّا خَلَّةً واحِدَةً.
فقالَ: وما هى؟ قال: تَقُولُ بفَسْخِ 3 الحَجِّ.
قال أحمدُ: قد كُنْتُ أرَى أنَّ لك عَقْلًا، عندِى ثمانِيَةَ عَشَرَ حَدِيثًا صِحاحًا جِيادًا، كلُّها في فَسْخِ الحَجِّ، أتْرُكُها لقَوْلِك! وقد روَى فَسْخَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وجابِرٌ، وعائِشَةُ، رَضِىَ اللهُ عنهم، وأحاديثُهم مُتَّفَقٌ عليها.
ورَواه غيرُهم مِن وُجوهٍ صِحاحٍ.
قال جابِرٌ: أهْلَلْنا - أصْحابَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالحَجِّ خالِصًا وَحْدَه وليس معه عُمْرَةٌ 4، فقَدِمَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - صُبْحَ رابِعَةٍ مَضَتْ مِن ذِى الحَجَّةِ، فلَمّا قَدِمْنا أمَرَنا النبى - صلى الله عليه وسلم - أن نَحِلَّ، قال: «أحِلُّوا وَأصِيبُوا مِنَ النِّساءِ».
قال: فبَلَغَه عَنّا أنَّا نَقُولُ: لم يَكُنْ بينَنا وبينَ عَرَفَةَ إلَّا خمْسُ لَيالٍ، أمَرَنا أن نَحِلَّ إلى نِسائِنا، فنَأْتِىَ عَرَفَةَ تَقْطُرُ مَذاكِيرُنا
..................................
بالمَنِىِّ.
قال: فقامَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «قَدْ عَلِمْتُمْ أنِّى أتْقَاكُمْ للهِ وَأصْدَقُكُمْ وَأُبَرُّكُمْ، وَلَوْلَا هَدْيِى تَحَلَّلْتُ كَمَا تَحِلُّونَ، فَحِلُّوا، وَلَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ مَا أهْدَيْتُ».
قال: فحَلَلْنا، وسَمِعْنا وأطَعْنا.
قال: فقالَ سُراقَةُ بنُ مالكِ بنِ جُعْشُمٍ المُدْلِجىُّ: مُتْعَتُنا هذه يا رسولَ اللهِ لعامِنا هذا، أم للآبَدِ؟ فَظَنَّه محمدُ بنُ بَكْرٍ 1، أنَّه قال: «لِلأبَدِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. فأمّا حديثُهم، فقالَ أحمدُ: روَى هذا الحديث الحارِثُ بنُ بِلالٍ، فمَن الحارِثُ بنُ بلالٍ؟ يَعنِى أنَّه مَجْهُولٌ.
ولم يَرْوِه إلَّا الدَّرَاوَرْدِىُّ 3، وحديثُ أبى ذَرٍّ رَواه مُرَقِّعٌ الأَسَدِىُّ 4،
..................................
فمَن مُرَقِّعٌ الأسَدِىُّ؟ شاعِرٌ مِن أهْلِ الكُوفَةِ لم يَلْقَ أبا ذَرٍّ.
فقِيلَ له: أفليس قد روَى الأعْمَشُ، عن إبراهيمَ التَّيْمِىِّ، عن أبيه، عن أبِى ذَرٍّ، قالَ: كانَت مُتْعَةُ الحَجِّ لَنا خاصَّةً - أصْحابَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قال: أفيَقُولُ هذا أحَدٌ؟ المُتْعَةُ في كتابِ اللهِ، وقد أجْمَعَ النّاسُ على أنَّها جائِزَةٌ.
قال الجُوزْجانِىُّ: مُرَقِّعٌ الأَسَدِىُّ ليس بالمَشْهُورِ، ومثلُ هذه الأحاديثِ في ضَعْفِها وجَهالةِ رُواتِها لا تُقْبَلُ إذا انْفَردَتْ، فكيفَ تُقْبَلُ في رَدِّ حُكْمٍ ثابِتٍ بالتَّواتُرِ، مع أنَّ قولَ أبى ذَرٍّ مِن رَأْيِه، وقد خالَفَه مَنٍ هو أعْلَمُ منه، وقد شَذَّ به عن الصَّحابَةِ، رَضِىَ اللهُ عنهم، فلا يَكُونُ حُجَّةٌ.
وأمّا قِياسُهم فلا يُقْبَل في مُقابَلَةِ النَّصِّ الصَّحِيحِ، على أنَّ قِياسَ الحَجِّ على العُمْرَةِ في هذا لا يَصِحُّ، فإنَّه يَجُوز قَلْبُ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ في حَقِّ مَن فاتَه الحَجُّ ومَن حُصِرَ عن عَرَفَةَ، والعُمْرَةُ لا تَصِيرُ حَجًّا بحالٍ، ولأنَّ فَسْخَ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ يَصِيرُ به مُتَمَتِّعًا، فحَصَّلَ الفَضِيلَةَ، وفَسْخُ العُمْرَةِ إلى الحَجِّ يُفَوِّتُ الفَضِيلَةَ، ولا يَلْزَمُ مِن مَشْرُوعِيَّةِ ما يُحَصِّلُ الفَضِيلَةَ مَشْرُوعِيَّة ما يُفوِّتُها.
..................................
فصل: وإذا فَسَخ الحَجَّ إلى العُمْرَةِ صار مُتَمَتِّعًا، حُكْمُه حُكْمُ المُتَمَتِّعِين، في وُجُوبِ الدَّمِ وغيرِه.
وقال القاضى: لا يَجبُ الدَّمُ؛ لأنَّ مِن شَرْطِ وُجُوبِه أن يَنْوِىَ في ابْتِداءِ العُمْرَةِ أو في أثنائِها 1 أنَّه مُتَمَتِّعٌ.
وهذه دَعْوَى لا دَلِيلَ عليها، تُخالِفُ عُمُومَ الكِتابِ وصَرِيحَ السُّنَّةِ الثّابِتَةِ، فإنَّ اللهَ تَعالى قال: ﴿فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ﴾ 2. وفى حديثِ ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْكُم أَهْدَى، فَلْيَطُفْ بالْبَيْتِ وَبالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ وَلْيَحْلِلْ، ثُمَّ لْيُهِلَّ بالحَجِّ ولْيُهْدِ، ومَنْ لم يَجِدْ هَدْيًا، فَلْيَصُم ثَلَاَثَةَ أيّامٍ في الحَجِّ وَسَبْعَةً إذَا رَجَعَ إلَى أهْلِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. ولأنَّ وُجُوبَ دَمِ المُتْعَةِ
وَلَوْ سَاقَ الْمُتَمَتِّعِّ هَدْيًا، لَمْ يَكنْ لَهُ أنْ يَحِلَّ.
للتَّرَفُّهِ بسُقُوطِ أحَدِ السَّفَرَيْنِ، وهذا المَعْنَى لا يَخْتَلِفُ بالنِّيَّةِ وعَدَمِها، فوَجَبَ أن لا يَخْتَلِفَ في الوُجُوب، على أنَّه لو ثَبَت أنَّ النِّيَّةَ شَرْطٌ فقد وُجِدَت، فإنه ما حَلَّ حتى نوَى أنَّه يَحِلٌ ثم يُحْرِمُ بالحَجِّ.
1165 -
مسألة: (ولو ساق المُتَمَتِّعُ الهَدْىَ، لم يَكُنْ له أن يَحِلَّ)
لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ﴾.
ولِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: تَمَتَّعَ النّاسُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالعُمْرَةِ الى الحَجِّ، فلما قَدِمَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، قال للنّاسِ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ، فإنَّه لَا يَحِلُّ مِنْ شَئٍ حَرُمَ منْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّه 1». مُتَّفَقٌ عليه.
وهذا مَذْهَبُ أبِى حَنِيفَةَ.
وقال مالكٌ،
..................................
والشافعىُّ في قولٍ: له التَّحَلُّلُ، ويَنْحَرُ هَدْيَه عندَ المَرْوَةِ.
ويَحْتَمِلُه كَلامُ الخِرَقِىِّ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الآيَةِ، وحديثُ ابنِ عُمَرَ، ورَوَتْ حَفْصَةُ، رَضِىَ اللهُ عنها، أنَّها قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، ما شَأْنُ النّاس حَلُّوا مِن العُمْرَةِ، ولم تَحِلَّ أنْتَ مِن عُمْرَتِك؟ قال: «إنِّى لَبَّدْتُ رَأْسَى، وَقَلَّدْتُ هَدْيِى، فَلَا أحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. والأحادِيثُ في ذلك كثيرةٌ.
وعن أحمدَ، في مَن قَدِم مُتَمَتِّعًا في أشْهُرِ الحَجِّ وساق الهَدْىَ، قال: إن دَخَلَها في العَشْرِ، لم يَنْحَرِ الهَدْىَ حتى يَنْحَرَه يومَ النَّحْرِ، وإن قَدِم قبلَ العَشْرِ نَحَر الهَدْىَ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُتَمَتِّعَ إذا قَدِم قبلَ العَشْرِ حَلَّ وإن كان معه هَدْىٌ.
وهذا قولُ عَطاءٍ.
رَواه حَنبلٌ في «المَناسِكِ».
وقال: مَن لَبَّدَ أو ضَفَرَ، فهو بمَنْزِلَةِ مَن ساق الهَدْىَ؛ لحديثِ حَفصَةَ.
والرِّوايَةُ الأُولَى أوْلَى؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ الصَّحِيحِ، وهو أوْلَى بالاتِّباعِ.
وَالْمَرأةُ إِذَا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً فَحَاضَتْ، فَخَشِيَتْ فَوَاتَ الْحَجِّ، أَحْرَمَتْ بِالْحَجِّ، وَصَارَتْ قَارِنَةً.
فصل: فأمّا المُعْتَمِرُ غيرُ المُتَمَتِّعِ، فإنَّه يَحِلُّ بكلِّ حالٍ في أشْهُرِ الحَجِّ وغيرِها، كان معه هَدْىٌ أولم يَكُنْ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَمَرَ ثَلاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرَتِه التىِ مع حَجَّتِه، بَعْضُهُنَّ في ذِى القَعْدَةِ، فكانَ يحِلُّ.
فإن كان معه هَدْىٌ نحَرَه عندَ المَرْوَةِ، وحيث نَحَرَه مِن الحَرَمِ جاز؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ» رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه (1).
1166 -
مسألة: (والمَرْأةُ إذا دَخَلَتْ مُتَمَتِّعَةً 2 فحاضَتْ، فخَشِيَتْ فَواتَ الحَجِّ، أحْرَمَتْ بالحَجِّ، وصارَتْ قارِنَةً) إذا حاضَتِ1
..................................
المُتَمَتِّعَةُ قبلَ طوافِ العُمْرَةِ لم يَكُنْ لها أن تَطُوفَ بالبَيْتِ؛ لأنَّه صلاةٌ، ولأنَّها مَمْنُوعَةٌ مِن دُخُولِ المَسْجِدِ، ولا يُمْكِنُها أن تَحِلَّ مِن عُمْرَتِها قبل الطَّوافِ.
فإذا خَشِيَتْ فَواتَ الحَجِّ، أحْرَمَتْ بالحَجِّ مِن عُمْرَتِها، وصارَتْ قارِنَةً.
هذا قولُ مالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ.
وقال أبو حنيفةَ: قد رَفَضَتِ العُمْرَةَ، وصار حَجًّا.
وما قال هذا أحَدٌ غيرُ أبى حنيفةَ، وحُجَّتُه ما روَى عُرْوَةُ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ الله عنها، قالت: أهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ، فقَدِمْتُ مَكَّةَ وأنا حائِضٌ، لم أطُفْ بالبَيْتِ، ولا بينَ الصَّفا والمَرْوَةِ، فشَكَوْتُ ذلك إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ: «انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَأهِلِّى بالحَجِّ، وَدَعِى الْعُمْرَةَ».
قالَتْ: ففَعَلْتُ، فلَمّا قَضَيْنا الحَجَّ أرْسَلَنى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مع عبدِ الرحمنِ بنِ أبِى بَكْرٍ إلى التَّنْعِيمِ، فاعْتَمَرْتُ معه، فقالَ: «هَذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِكِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ففيه دَلِيلٌ على أنَّها رَفَضَتْ عُمْرَتَهَا، وأحْرَمَتْ بحَجٍّ، مِن وجُوهٍ؛ أحَدُها قَوْلُه: «دَعِي عُمْرَتَكِ» والثّانِى قَوْلُه: «وَامْتَشِطِى».
والثّالِث قَوْلُه: «هذِهِ عُمْرَةٌ مَكَانَ عُمْرَتِكِ».
ولَنا ما رَوَى جابِرٌ، قال: أقْبَلَتْ عائِشَةُ بعُمْرَةٍ، حتى إذا كانت بِسَرِفٍ 2 عَرَكَتْ 3، ثم دَخَل رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - على عائِشَةَ،
..................................
فوَجَدَها تَبْكِى، فقالَ: «مَا شَأْنُكِ؟».
قالَتْ: شَأْنِى أنِّى قد حِضْتُ، وقد حَلَّ النّاسُ ولم أحِلَّ، ولم أطُفْ بالبَيْتِ، والنّاسُ يَذْهَبُون إلى الحَجِّ الآن.
فقالَ: «إنَّ هَذَا أمْرٌ كَتَبَهُ اللهُ عَلَى بَنَاتِ آدَمَ، فَاغْتَسِلِى ثُمَّ أهِلِّى بالْحَجِّ».
ففَعَلَتْ، ووَقَفَتِ المواقِفَ، حتى إذا طَهُرَتْ طافَت بالكَعْبَةِ وبالصَّفا والمَرْوَةِ، ثم قال: «قَدْ حَلَلْتِ مِنْ حَجَّتِكِ وَعُمْرَتِكِ».
قالَتْ: يا رسولَ اللهِ، إنِّى أجِدُ في نَفْسِى أنِّى لم أطُفْ بالبَيْتِ حتى حَجَجْتُ.
قال: «فَاذْهَبْ بِهَا يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، فَأعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ».
وروَى طاوُسٌ، عن عائِشَةَ، أنَّها قالَتْ: أهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ، فقَدِمْتُ ولم أطُفْ حتى حِضْتُ، فنَسَكْتُ المَناسِكَ كلَّها، وقد أهْلَلْتُ بالحَجِّ.
فقالَ لها رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يومَ النَّفْرِ: «يَسَعُكِ طَوَافُكِ لِحَجِّكِ وَعُمْرَتِكِ».
فأبَتْ، فبَعَثَ معها عبدَ الرحمنِ بنَ أبِى بَكْر، فأعْمَرَها مِن التَّنْعِيمِ.
رَواهما مسلمٌ 1. وهما يَدُلَّان على جَمِيعِ ما ذَكَرْنا.
ولأنَّ إدْخالَ الحَجِّ على العُمْرَةِ جائِزٌ بالإجْماعِ مِن غيرِ خَشْيَةِ الفَواتِ، فمع خَشْيَتِه أوْلَى.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ، أنَّ لِمَن أهَلَّ بعُمْرَةٍ أن يُدْخِلَ عليها الحَجَّ، ما لم يَفْتَتِحِ الطَّوافَ بالبَيْتِ.
وقد أمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - مَن كان
..................................
معه هَدْىٌ في حَجَّةِ الوَداء، أن يُهِلَّ بالحَجِّ مع العُمْرَةِ، ومع إمْكانِ الحَجِّ مع بَقاءِ العُمْرَةِ لا يَجُوزُ رَفْضُها، كغيرِ الحائِضِ.
فأمّا حديثُ عُرْوَةَ، فإنَّ قَوْلَه: «انْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى، وَدَعِى الْعُمْرَةَ».
انْفَرَدَ به عُرْوَةُ، وخالَفَ به كلَّ مَن روَى عن عائِشَةَ حينَ حاضَت، وقد روَى ذلك طاوُسٌ، والقاسِمُ، والأسْوَدُ، وعَمْرَةُ 1، عن عائِشَةَ، فلم يَذْكُرُوا ذلك 2. وحديثُ جابِرٍ، وطاوُس مُخالِفان لهذه الزِّيادَةِ.
وقد روَى حَمّادُ بنُ زَيْدٍ، عن هِشامِ بنِ عُرْوَةَ، عن أبِيهِ، عن عائِشَةَ، حديثَ حَيْضِها، فقالَ فيه: حَدَّثَنِى غيرُ واحِدٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال لها: «دَعِى عُمْرَتَكِ، وَانْقُضِى رَأْسَكِ، وَامْتَشِطِى».
وذَكَر تَمامَ الحديثِ.
وهذا يَدُلٌ على أنَّه لم يَسْمَعْ مِن عائِشَةَ هذه الزِّيادَةَ، وهو مع ما ذَكَرْنا مِن مُخالَفَةِ بَقِيَّةِ الرُّواةِ يَدُلُّ على الوَهْمِ، مع مُخالَفَتِها للكِتابِ والأصُولِ، إذ ليس لَنا مَوْضِعٌ آخَرُ يَجُوزُ فيه رَفْضُ العُمْرَةِ مع إمْكانِ إتْمامِها، ويَحْتَمِلُ أنَّ قَوْلَه: «دَعِى الْعُمْرَةَ».
أى دَعِيها بِحالِها، وأهِلِّى بالحَجِّ معها، أو دَعِى أفْعالَ العُمْرَةِ، فإنَّها تَدْخُلُ في أفْعالِ الحَجِّ.
فأمّا العُمْرَةُ مِن التَّنْعِيمِ، فلم يَأْمُرْها بها النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، وإنَّما قالَتْ للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: إنِّى أجِدُ في نَفْسِى أنِّى لم أطُفْ بالبَيْتِ حتى حَجَجْتُ.
قال: «فَاذْهَبْ
وَمَنْ أَحْرَمَ مُطْلَقًا، صَحَّ، وَلَهُ صَرْفُهُ إلَى مَا شَاءَ.
بِها يَا عَبْدَ الرَّحْمنِ، فأعْمِرْهَا مِنَ التَّنْعِيمِ».
وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه، عن الأسْودِ، عن عائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قال: قُلْتُ: اعْتَمَرْتِ بعدَ الحَجِّ؟ قالَتْ: واللهِ ما كانَتْ عُمْرَةً، ما كانَتْ إلَّا زِيارَةً ورَبِّ البَيْتِ، إنَّما هى مِثْلُ نَفَقَتِها.
قال أحمدُ: إنَّما أعْمَرَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - عائِشَةَ حينَ ألَحَّتْ عليه، فقالت: يَرْجِعُ النّاسُ بنُسُكَيْن، وأرْجِعُ بنُسُكٍ.
فقالَ: «يَا عَبْدَ الرَّحْمَنِ، أعْمِرْهَا».
فنَظَرَ إلى أدْنَى الحِلِّ، فأعْمَرَها منه.
1167 -
مسألة: (ومَن أحْرَمَ مُطْلَقًا، صَحَّ، وله صَرْفُه إلى ما شاء)
يَصِحُّ الإِحْرامُ بالنُّسُكِ المُطْلَقِ، وهو أن لا يُعَيِّنَ حَجَّا ولا عُمْرَةً؛ لأنَّه إذا صَحَّ الإِحْرامُ مع الإبْهامِ، صَحَّ مع الإِطْلاقِ، قِياسًا عليه.
فإذا أحْرَمَ مُطْلَقًا، فله صَرْفُه إلى ما شاء مِن الأنْساكِ؛ لأنَّ له أن يَبْتَدِئَ الإحْرامَ بأيِّها شاء، فكانَ له صَرْفُ المُطْلَق إلى ذلك.
والأوْلَى صَرْفُه إلى العُمْرَةِ؛ لأنَّه إن كان في غيرِ أشْهُرِ الحَجِّ، فالإِحْرامُ بالحَجِّ مَكرُوةٌ أو مُمْتَنِعٌ، وإن كان في أشْهُرٍ الحَجِّ، فالعُمْرَةُ أوْلَى؛ لأنَّ التَّمَتُّعَ أفْضَلُ.
وقد قال أحمدُ: يَجْعَلُه عُمْرَةً؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ أبا موسى حينَ أحْرَمَ بما أهَلَّ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أن يَجْعَلَها عُمْرَةً.
كذا هذا.
وإنْ أَحْرَمَ بِمِثْلِ مَا أَحْرَمَ بِهِ فُلَانٌ، انْعَقَدَ إِحْرَامُهُ بِمِثْلِهِ.
1168 - مسألة: (وإن أحْرَمَ بمِثْلِ ما أحْرَمَ به فُلانٌ، انْعَقَدَ إحْرامُه بمِثلِه)
يَصِحُّ إبْهامُ الإِحْرامِ، وهو أن يُحْرِمَ بما أحْرَمَ به فُلانٌ، لِما روَى أبو موسى، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قَدِمْتُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وهو مُنِيخٌ بالبَطْحاءِ، فقالَ لى: «بِمَ أهْلَلْتَ؟».
فقُلْتُ: لَبَّيْتُ بإهْلالٍ كإهْلالِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. فقالَ: «أحْسَنْتَ».
فأمَرَنِى فطُفْتُ بالبَيْتِ، وبالصَّفا والمَرْوَةِ، ثم قال: «حِلَّ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وروَى جابرٌ، وأنَسٌ، أنَّ عليًّا قَدِم مِن اليَمَنِ على رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقالَ له النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «بِمَ أهْلَلْتَ؟».
فقالَ: أهْلَلْتُ بما أهَلَّ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال جابِرٌ في حديثِه: قال: «فَاهْدِ وَامْكُثْ حَرامًا 2». وقال أنَسٌ:
..................................
قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَوْلَا أنَّ مَعِىَ هَدْيًا لَحَلَلْتُ».
مُتَّفَقٌ عليهما 1. ولا يَخْلُو مَن أبْهَمَ إحْرامَه مِن أرْبَعَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن يَعْلَمَ ما أحْرَمَ به فلانٌ، فيَنْعَقِدُ إحْرامُه بمِثْلِه؛ فإنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، قال له رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَاذَا قُلْتَ حِينَ فَرَضْتَ الْحَجَّ؟».
قال: قُلْتُ: اللَّهُمَّ إنِّى أُهِلُّ بما أهَلَّ به رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. قال: «فإنَّ مَعِىَ الْهَدْىَ فَلَا تَحِلَّ» 2. الثّانِى، أن لا يَعْلَمَ ما أحْرَمَ به فُلانٌ، فيَكُون حُكْمُه حُكْمَ الناسِى، على ما سَنَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
الثّالِثُ، أن يَكُونَ فُلانٌ قد أحْرَمَ مُطْلَقًا، فيَكُونَ حُكْمُه حُكْمَ الفَصْلِ الذى قَبْلَه.
الرّابِعُ، أن لا يَعْلَمَ هل أحْرَمَ فُلانٌ أوْ لا، فحُكْمُه حُكْمُ مَن لم يُحْرِمْ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ إحْرامِه، فيَكُونُ إحْرامُه ههُنا مُطْلَقًا، يَصْرِفُه إلى ما شاءَ، فإن صَرَفه قبلَ الطَّوافِ، وَقَع طَوافُه عَمّا صَرَفَه 3 إليه، وإن طاف قبلَ صَرْفِه، لم يُعْتَدَّ
وَإِنْ أَحْرَمَ بِحَجَّتَيْن أَوْ عُمْرَتَيْن، انْعَقَدَ بِإِحْدَاهُمَا، بطوافِه؛ لأنَّه طاف لا في حَجٍّ ولا عُمْرَةٍ.
1169 -
مسألة: (وإن أحْرَمَ بحَجَّتَيْن أو عُمْرَتَيْن، انْعَقَدَ إحْرامُه بإحْداهما)
إذا أحْرَمَ بحَجَّتَيْن أو عُمْرَتَيْن، انْعَقَدَ بإحْداهما، ولَغَتِ الأُخْرَى.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَنْعَقِدُ بهما، وعليه قَضاءُ إحْداهما؛ لأنَّه أحْرَمَ بها 1 ولم يُتِمَّها.
ولَنا، أنَّهما عِبادَتان لا يَلْزَمُه المضِىُّ فيهما، فَلم يَصِحَّ الإِحْرامُ بهما، كالصلاَتيْن.
وعلى هذا
وَإِنْ أَحْرَمَ بِنُسُكٍ وَنَسِيَهُ، جَعَلَهُ عُمْرَةً.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَصْرِفُهُ إِلَى مَا شَاءَ.
لو أفْسَدَ حَجَّه وعُمْرَتَه، لم يَلْزَمْه إلَّا قضاوها.
وعندَ أبِى حنيفةَ، يَلْزَمُه قَضاؤهما مَعًا؛ بناءً على صِحَّةِ إحْرامِه بهما.
1170 -
مسألة: (وإن أحْرَمَ بنُسُكٍ ونَسِيَه، جَعَلَه عُمْرَةً. وقال القاضى: يَصْرِفُه إلى ما شاء)
أمّا إذا أحْرَمَ بنُسُكٍ، ونَسِيَه قبلَ الطَّوافِ، فله صَرْفُه إلى أىِّ الأنْساكِ شاء، فإنَّه إن صَرَفَه إلى عُمْرَةٍ، وكان المَنْسِىُّ عُمْرَةً، فقد أصابَ، وإن كان حَجًّا مُفْرَدًا أو قِرانًا 1، فله فَسْخُهما إلى العُمْرَةِ على ما ذَكَرْناه.
وإن صَرَفَه إلى القِرانِ، وكان المَنْسِىُّ قِرانًا، فقد أصابَ، وإن كان عُمْرَةً، فإدْخالُ الحَجِّ على العُمْرَةِ جائِزٌ قبلَ الطَّوافِ، فيَصِيرُ قارِنًا، وإن كان مُفْرِدًا لَغا إحْرامُه بالعُمْرَةِ، وصَحَّ حَجُّه، وسَقَط فَرْضُه، وإن صَرَفَه إلى الإِفْرادِ، وكان مُفْرِدًا، فقد أصابَ، وإن كان
..................................
مُتَمَتِّعًا، فقد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، وصار قارِنًا في الحُكْمِ وفيما بينَه وبينَ اللهِ تِعالى، وهو يَظُنُّ أنَّه مُفْرِدٌ، وإن كان قارِنًا فكذلك.
والمَنْصُوصُ عن أحمدَ أنَّه يَجْعَلُهُ عُمْرَةً.
قال القاضى: هذا على سَبِيلِ الاسْتِحْبابِ؛ لأنَّه إذا اسْتُحِبَّ ذلك مع العِلْمِ، فمَع عَدَمِه أوْلَى.
وقال أبو حنيفةَ: يَصْرِفُه إلى القِرانِ.
وهو قولُ الشافعىِّ الجَدِيدُ، وقال في القَدِيمِ: يَتَحَرَّى، فيَبْنِى على غالِبِ ظَنِّه؛ لأنَّه مِن شَرائِطِ العِبادَةِ، فيَدْخُلُه التَّحَرِّى، كالقِبْلَةِ.
ومَبْنَى الخِلافِ على فَسْخِ الحَجِّ إلى العُمْرَةِ، فإنَّه جائِزٌ عندَنا، ولا يَجُوزُ عندَهم، فعلى هذا إن صَرَفَه إلى المُتْعَةِ، فهو مُتَمَتِّعٌ، عليه دَمُ المُتْعَةِ، ويُجْزِئُه عن الحَجِّ والعُمْرَةِ جَمِيعًا، وإن صَرَفَه إلى إفْرادٍ أو قِرانٍ، لم يُجْزِئْه عن العُمْرَةِ؛ إذ مِن المُحْتَمَلِ أن يَكُونَ المَنْسِىُّ حَجُّا مفرَدًا، وليس له إدْخالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ، فتَكُونُ صِحَّةُ العُمْرَةِ مَشْكُوكًا فيها، فلا تَسْقُطُ بالشَّكِّ، ولا دَمَ عليه لذلك؛ فإنَّه لم يَثْبُتْ حُكْمُ القِرانِ يَقِينًا، فلا يَجِبُ الدَّمُ مع الشَّكِّ في سبَبِه.
ويَحْتَمِلُ أن يَجِبَ.
وأمّا
..................................
إن شَكَّ بعدَ الطَّوافِ، لم يَجُزْ صَرْفُه إلَّا إلى العُمْرَةِ؛ لأن إدْخالَ الحَجٍّ على العُمْرَةِ بعدَ الطوافِ غيرُ جائِز، إلَّا أن يَكُونَ معه هَدْىٌ.
فإن صَرَفه إلى حَجٍّ أو قِرانٍ، فإنَّه يَتَحَلَّلُ بفِعْلِ الحَجِّ، ولا يُجْزِئُه واحِدٌ مِن النُّسُكَيْن؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ حَجًّا، وإدْخالُ العُمْرَةِ عليه غيرُ جائِزٍ، فلم يُجْزِئْه عن واحِدٍ منهما مع الشَّكِّ، ولا دَمَ عليه؛ للشَّكِّ فيما يُوجِبُ الدَّمَ، ولا قَضَاءَ عليه؛ للشَّكِّ 1 فيما يُوجِبُه.
وإن شَكَّ وهو في الوُقُوفِ بعدَ الطَّوافِ والسَّعْىِ، جَعَلَه عُمْرَةً، فقَصَّرَ ثم أحْرَمَ بالحَجِّ، فإنَّه إن كان المَنْسِى عُمْرَةً 2 فقد أصابَ، وكان مُتَمَتِّعًا، وإن كان إفرادًا أو قِرانًا لم يَنْفَسِخْ بتَقْصِيرِه، وعليه دَمٌ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّه لا يَخْلُو إمّا أن يَكُونَ مُتَمَتِّعًا عليه دَمُ المُتْعَةِ، أو غيرَ مُتَمَتِّع، فلَزِمَه دَمٌ لتَقْصِيرِه.
وإن شَكَّ، ولم يَكُنْ طاف وسَعَى، جَعَله قِرانًا؛ لأنَّه إن كان قِرانًا فقد أصابَ، وإن كان مُعْتَمِرًا فقد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ وصار قارِنًا، وإن كان مفرِدًا لَغا إحْرامُه بالعُمْرَةِ، وصَحَّ إحْرامُه بالحَجِّ، وإن صَرَفَه إلى الحَجٍّ جاز أيضًا، ولا يُجْزِئُه عن العُمْرَةِ في هذه المواضِعِ؛ لاحْتِمالِ أن يَكُون مُفْرِدًا، وإدْخالُ العُمْرَةِ على الحَجِّ غيرُ جائِزٍ، ولا دَمَ عليه؛ للشَّكِّ في وُجُودِ 3 سَبَبِه.
وَإنْ أَحْرَمَ عَنْ رَجُلَيْنِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ، وَإِنْ أَحْرَمَ عَنْ أَحَدِهِمَا لَا بِعَيْيهِ، وَقَعَ عَنْ نَفْسِهِ.
وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ: يَصْرِفُهُ إِلَى أَيِّهمَا شَاءَ.
1171 - مسألة: (وإن أحْرَمَ عن رَجُلَيْن، وَقَع عن نَفْسِه)
إذا اسْتَنابَه اثْنانِ في النُّسُكِ، فأحْرَمَ عنهما به، وَقَع عن نَفسِه دُونَهما؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ وُقُوعُه عنهما، وليس أحَدُهما أوْلَى به مِن الآخَرِ، وإن أحْرَمَ عن نَفْسِه وِغيرِه، وَقَع عن نَفْسِه؛ لأنَّه إذا وَقَع عن نَفْسِه ولم يَنْوِها، فمعَ نِيَّتِه أوْلَى.
1172 -
مسألة: (وإن أحْرَمَ عن أحَدِهما لا بعَيْنه، وَقَع عن نَفْسِه. وقال أبو الخَطّابِ: له صَرْفُه إلى أيِّهما شاء)
أما إذا أحْرَمَ عن أحَدِهما غيرَ مُعَيَّنٍ، فإنَّه يَقَعُ عن نَفْسِه أيضًا؛ لأنَّ أحَدَهما ليس أوْلَى مِن الآخَرِ، أشْبَهَ المَسْألَةَ قبلَها.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ، وله صَرْفُه إلى أيِّهما
وَإِذَا اسْتَوَى عَلَى رَاحِلَتِهِ، لَبَّى تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ
شاء.
اخْتارَه أبو الخَطّابِ؛ لأنَّ الإِحْرامَ يَصِحُّ بالمَجْهولِ، فصَحَّ عن المَجْهولِ، كما لو أحْرَمَ مُطْلَقًا، فإن لم يَفْعَلْ حتى طاف شَوْطًا، وَقَع عن نَفْسِه، ولم يَكُنْ له صَرْفُه إلى أحَدِهما؛ لأنَّ الطَّوافَ لا يَقَعُ عن غيرِ مُعَيَّنٍ.
1173 -
مسألة: (وإذا اسْتَوَى على راحِلَتِه، لَبَّى تَلْبِيَةَ رسولِ اللهِ
لَبَّيْكَ، [63 ظ] لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إِنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ.
- صلى الله عليه وسلم -: لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ 1 لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ) تُسْتَحَبُّ التَّلْبِيَةُ إذا اسْتَوَى على راحِلَتِه؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَها، وأمَرَ بها.
وأدْنَى أحْوالِ الأمْرِ الاسْتِحْبابُ.
وروَى سَهْلُ بنُ سَعْدٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُلَبِّى، إلَّا لَبَّى مَا عَنْ يَمِينِه مِنْ حَجَرٍ أوْ شَجَرٍ أوْ مَدَرٍ 2، حَتَّى تَنْقَطِعَ الأرْضُ مِنْ هَهُنا وَهَهُنا» 3. وتُسْتَحَبُّ البدايَة بها إذا اسْتَوَى على راحِلَتِة؛ لِما روَى أنَسٌ، وابنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا رَكِب راحِلَتَه واسْتَوَتْ به، أهَلَّ.
رَواهما البخارىُّ 4. وقال ابنُ عباس، رَضِىَ اللهُ عنهما: أوْجَبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الإِحْرامَ حينَ فَرَغ مِن صَلاِته، فلَمّا رَكِب راحِلَتَه واسْتَوَتْ به قائِمَةً أهَلَّ 5. يَعْنِى، لَبَّى.
ومَعْنَى الإِهْلالِ، رَفْعُ الصَّوْتِ، مِن قَوْلِهم: اسْتَهَلَّ الصَّبِىُّ.
إذا صاحَ.
والأصْلُ فيه أنَّهم كانوا إذا رَأوُا الهِلالَ صاحُوا.
فقيلَ لكلِّ صائِحٍ: مُسْتهِلٌّ، وإنَّما يَرْفَعُ بالتَّلْبِيَةِ.
..................................
وهذه تَلْبِيَةُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، روَى 1 ابنُ عُمَرَ في المُتَّفَقِ عليه 2، أنَّ.
تَلْبيَةَ رسولِ اللهَ - صلى الله عليه وسلم -: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».
رَواه مسلمٌ عن جابِرٍ 3. والتَّلْبِيَةُ مَأْخُوذَةً مِن لَبَّ بالمَكانِ إذا لَزِمَه، فكأنَّه قال: أنا مُقِيمٌ 4 على طاعَتِكَ وأمْرِك، غيرُ خارِجٍ عن ذلك، ولا شارِدٌ عليك.
هذا ونحوُه.
وثَنَّوْها وكَرَّرُوها؛ لأنَّهُم أرادُوا إقامَةً بعد إقامَةٍ، كما لو قالوا: حَنانَيْكَ.
أى رَحْمَة بعدَ رَحْمَةٍ، أو رَحْمَة مع رَحْمَةٍ، أو ما أشْبَهَه.
وقال جَماعَةٌ مِن العُلماءِ: مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إجابَةُ نِداءِ إبراهيمَ عليه السلامُ، حينَ نادَى بالحَجِّ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباس، رَضِىَ الله عنهما، قال: لَمّا فَرَغ إبراهيمُ عليه السلامُ مِن بناءِ البَيْتِ، قِيلَ له: أذِّنْ في النّاسِ بالحَجِّ.
قال: رَبِّ وما يَبْلُغُ صَوْتِى.
قال: أذِّنْ، وعَلَىَّ البَلَاغُ.
فنادَى إبراهيمُ: أيُّها النّاسُ، كُتِبَ عليكم الحَجُّ.
فسَمِعَه ما بينَ السماءِ والأرْضِ، أفلا
..................................
تَرَى النّاسَ يَجِيئُون مِن أقْطارِ الأرْضِ يُلَبُّون 1. ويَقُولُون: لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ -بكسرِ الهمزَةِ-.
نَصَّ عليه أحمدُ.
والفَتْحُ جائِزٌ، والكَسْرُ أجْوَدُ.
قال ثَعْلَبٌ: مَن قال «أنَّ» بالفَتْحِ فقد خصَّ، ومَن قال بكَسْرِ الألِفِ، فقد عَمَّ.
يعنى، أى أنَّ مَن كَسَر فقد جَعَل الْحَمْدَ للهِ على كلِّ حالٍ، ومَن فَتَح فمَعْناه لَبَّيْكَ؛ لأنَّ الْحَمْدَ لَكَ، أى لهذا السَّبَبِ.
فصل: ولا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ على تَلْبِيَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا تُكْرهُ.
ونحوَه قال 2 الشافعىُّ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لقولِ جابِرٍ: فأهَلَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالتَّوْحِيدِ: «لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَبَّيْكَ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَكَ وَالْمُلْكَ، لَا شَرِيكَ لَكَ».
وأهَلَّ النّاسُ بهذا الذى يُهِلُّون، ولَزِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - تَلْبيَتَه.
وكان ابنُ عُمَرَ يُلَبِّى بتَلْبِيَةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ويَزِيدُ مع هذا: لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، لَبَّيْكَ وسَعْدَيْكَ، والخَيْرُ بيَدَيْكَ، والرَّغْباءُ 3 إليكَ والعَمَلُ.
مُتَّفَقٌ عليه 4. وزادَ عُمَرُ رَضِىَ اللهُ عنه: لَبَّيْكَ ذا النَّعْماءِ والفَضْلِ، لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ، مَرْهُوبًا ومَرْغُوبًا إليك، لَبَّيْكَ.
هذا مَعْناه.
رَواه الأثْرَمُ 5. ويُرْوَى أنَّ أنَسًا كان يَزِيدُ: لَبَّيْكَ
وَالتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، وَيُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بِهَا، وَالْإِكْثَارُ مِنْهَا، وَالدُّعَاءُ بَعْدَهَا.
حَقَّا حَقًّا، تَعَبُّدًا ورِقًّا (1). ففى هذا دَلِيلٌ على أنَّه لا بَأْسَ بالزِّيادَةِ، ولا تُسْتَحَبُّ، لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لَزِم تَلْبِيَتَه، فَكَرَّرَها، ولم يَزِدْ عليها.
وقد رُوِىَ أنَّ سَعْدًا سَمِع بعضَ بَنِى أخِيه وهو يُلَبِّى: ياذا المَعارِجِ.
فقالَ: إنَّه لذُو المَعارِجِ، وما هكذا كُنّا نُلَبِّى على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - (2).
1174 -
مسألة: (والتَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، ويُسْتَحَبُّ رَفْعُ الصَّوْتِ بها، والإِكثارُ منها، والدُّعاءُ بعدَها)
التَّلْبِيَةُ سُنَّةٌ، كما ذَكَرْنا، وليست واجِبَةً.
وبه قال الشافعىُّ.
وعن أصْحابِ مالكٍ أنَّها واجِبَةٌ، يَجِبُ الدَّمُ بتَرْكِها.
وعن الثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، أنَّها مِن شَرْطِ الإِحْرامِ، لا يَصِحُّ إلَّا بها،12