..................................
فوَحَّدَ اللهَ وَكَبَّرَه، وقال: «لا إلهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شَئٍ قَدِيرٌ، لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه، أنْجَزَ وَعْدَهُ، ونَصَرَ عَبْدَه، وهَزَمَ الأحْزَابَ وَحْدَه».
ثم دَعَا بينَ ذلك، وقال مثلَ هذا ثلاثَ مَرَّاتٍ.
قال أحمدُ، رَحِمَه الله: ويَدْعُو بدُعاءِ ابنِ عُمَرَ، رَضِىَ الله عنهما.
ورَواه إسْماعِيلُ، عن أَيُّوبَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان يَخْرُجُ إلى الصَّفَا مِن البابِ الأعْظَمِ، فيَقُومُ عليه، فَيُكَبِّرُ سَبْعَ مِرارٍ، ثلًاثًا ثَلاثًا يُكَبِّرُ، ثم يقولُ: لا إلهَ إلَّا الله وَحْدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كلِّ شئٍ قَدِيرٌ، لا إلهَ إلَّا اللهُ، لا نَعْبُدُ إلَّا إيّاه، مُخْلِصِينَ له الدِّينَ ولو كَرِهَ الكَافِرُون.
ثم يَدْعُو، فيَقُولُ: اللَّهُمَّ اعْصِمْنِى بديِنك وطَواعِيَتك وطَواعِيَةِ رسولِك، اللهُمَّ جَنِّبْنِى حُدُودَكَ، اللَّهُمَّ اجْعَلْنِى مِمَّن يُحِبُّكَ، ويُحِبُّ مَلائِكَتَك وأنْبِيَاءَكَ ورُسُلَكَ وعِبادَكَ الصَّالِحِينَ، اللهُمَّ حَبِّبْنِى إليكَ، وإلى مَلَائِكَتِكَ وإلى رُسُلِكَ وإلى عِبادِكَ الصَّالِحِينَ، اللهُمَّ يَسِّرْنِى لليُسْرَى، وَجَنِّبْنِى العُسْرَى، واغْفِرْ لى في الآخِرَةِ والأُولَى، واجْعَلْنِى مِن أئِمَّةِ المُتَّقِينَ، واجْعَلْنِى.
مِن وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ، واغْفِرْ لى خَطيئَتِى يومَ الدِّينِ، اللهُمَّ قُلْتَ، وقَوْلُكَ الحَقُّ:
..................................
﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ 1. وإنَّكَ لا تُخْلِفُ المِيعادَ، اللهُمَّ إذْ هَدَيْتَنِى للإِسْلامِ فلا تَنْزِعْنِى منه، ولا تَنْزِعْهُ مِنِّى، حتى تَوَفَّانِى على الإِسْلامِ، اللَّهُمَّ لا تُقَدِّمْنِى إلى العَذَابِ، ولا تُؤَخِّرْنِى لسُوءِ الفِتَنِ.
قال: ويَدْعُو دُعاءً كَثِيرًا، حتى إنَّه لَيُمِلُّنَا، وإنَّا لشَبابٌ، وكان إذا أتَى على المَسْعَى سَعَى وكَبَّرَ 2. وكُلُّ ما دَعَا به فحَسَنٌ.
فصل: فإن لم يَرْقَ على الصَّفَا، فلا شئَ عليه.
قال القاضى: لكنْ يَجِبُ عليه أن يَسْتَوْعِبَ ما بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فيُلْصِقَ عَقِبَيْهِ بأسْفَلِ الصَّفَا، ثم يَسْعَى إلى المَرْوَةِ، فإن لم يَصْعَدْ عليها، ألْصَقَ أصابعَ رِجْلَيْه بأسْفَلِ المَرْوَةِ، والصُّعُودُ عليهما أوْلَى، اقْتِداءً بفِعْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. فإن تَرَكَ مِمّا بينَهما شَيْئًا، ولو ذِراعًا، لم يُجْزِئْه حتى يَأْتِىَ به.
وحُكْمُ المَرْأةِ في ذلك حُكْمُ الرَّجُلِ، إلَّا أنَّها لا تَرْقَى؛ لئَلَّا تُزاحِمَ الرِّجالَ، ولأنَّه أسْتَرُ لها.
ثُمَّ يَنْزِلُ مِنَ الصَّفَا، وَيَمْشِى حَتَّى يأْتِىَ الْعَلَمَ، فَيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إلَى الْعَلَمِ، ثُمَّ يَمْشِى حَتَّىِ يَأْتِىَ الْمَرْوَةَ، فَيَفْعَلُ عَلَيْهَا مِثْلَ مَا فَعَلَ عَلَى الصَّفَا، ثُمَّ يَنْزِلُ، فيَمْشِى في مَوْضِعِ مَشْيِهِ، وَيَسْعَى في مَوْضِعِ سَعْيِهِ، يَفْعَلُ ذَلِكَ سَبْعًا، يَحْتَسِبُ بِالذَّهَابِ سَعْيَةً، وَبِالرُّجُوعِ سَعْيَةً، يَفْتَتِحُ بِالصَّفَا، وَيَخْتِمُ بِالْمَرْوَةِ.
فَإنْ بَدَأَ بِالْمَرْوَةِ، لَمْ يَحْتَسِبْ بِذَلِكَ الشَّوْطِ.
1275 - مسألة: (ثم يَنْزِلُ، فيَمْشِى حتى يَأْتِىَ العَلَمَ، فيَسْعَى سَعْيًا شَدِيدًا إلى العَلَمِ)
الآخَرِ (ثم يَمْشِى حتى يَأْتِىَ المَرْوَةَ، فيَفْعَلُ عليها كما فَعَل على الصَّفَا، ثم يَنْزِلُ، فيَمْشِى في مَوْضِع مَشْيِه، ويَسْعَى في مَوْضع سَعْيِه، يَفْعَلُ ذلك سَبْعًا، يَحْتَسِبُ بالذَّهَابِ سَعْيَةً، وبالرُّجُوعِ سَعْيَةً، يَفْتَتِحُ بالصَّفَا، ويَختِمُ بالمَرْوَةِ.
فإنِ افْتَتَحَ بالمَرْوَةِ، لم يَحْتَسِبْ بذلك الشَّوْطِ) هذا وَصْفُ السَّعْىِ، وهو أن يَنْزِلَ مِن الصَّفَا، فيَمْشِىَ حتى يَأْتِىَ العَلَمَ، أى يُحاذِيَه، وهو المِيلُ الأخْضَرُ في رُكْنِ المَسْجِدِ، فإذا كان منه نحوًا مِن سِتَّةِ أذْرُعٍ، سَعَى سَعْيًا شَدِيدًا حتى يُحاذِىَ العَلَمَ الآخَرَ،
..................................
وهما المِيلانِ الأخْضَرَان بفِناءِ المَسْجِدِ وحِذاءِ دارِ العَبّاسِ، ثم يَتْرُكُ السَّعْىَ فيَمْشِى حتى يَأْتِىَ المَرْوَةَ، فيَرْقَى عليها، ويسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، ويَدْعُو بمثلِ دُعائِه على الصَّفَا.
ومهما دَعَا به فلا بَأْسَ، وليس في الدُّعاءِ شئٌ مُؤَقَّتٌ.
ثم يَنْزِلُ فيَمْشِى في مَوْضِع مَشْيِه، ويَسْعَى في مَوْضِع سَعْيِه، ويُكْثِرُ مِن الدُّعاءِ والذِّكْرِ فيما بينَ ذلك.
قال أبو عبدِ اللهِ: كان ابنُ مسعودٍ إذا سَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ قال: رَبِّ اغْفِرْ وارْحَمْ، واعْفُ 1 عَمَّا تَعْلَمُ، وأنْتَ الأعَزُّ الأكْرَمُ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّمَا جُعِلَ رَمْىُ الجِمَارِ، وَالسَّعْىُ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ؛ لإِقامَةِ ذِكْرِ اللهِ عَزَّ وَجَلَّ» 2. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
ولا يَزالُ حتى يُكْمِلَ سَبْعَةَ أشْواطٍ، يَحْتَسِبُ بالذَّهابِ سَعْيَةً، وبالرُّجُوعِ سَعْيَةً.
وحُكِىَ عن ابنِ جَرِيرٍ، وبعضِ الشافعيةِ، أنَّهم قالُوا: ذَهابُه ورُجُوعُه سَعْيَةٌ.
وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّ جابِرًا قال في صِفَةِ حَجِّ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: ثم نَزَل إلى المَرْوةِ، حتى
..................................
إذا انْصَبَّتْ 1 قَدَماه، رَمَل في بَطنِ الوَادِى، حتى إذا صَعِدَتا مَشَى، حتى إذا أُتِى المَرْوَةَ فَعَل على المَرْوَةِ كما فَعَلى على الصَّفَا، فلمّا كان آخِرُ طَوافِه على المَرْوَةِ قال: «لَوِ اسْتَقْبَلْتُ مِنْ أَمْرِى مَا اسْتَدْبَرْتُ، لَم أَسُقِ الهَدْىَ، وَلَجَعَلْتُهَا عُمْرَةً».
وهذا يَقْتَضِى أنَّه آخِرُ طَوافِه، ولو كان على ما ذَكَرُوه، كان آخِرُه عندَ الصَّفَا، في المَوْضِعِ الذى بَدَأ منه، ولأنَّه في كُلِّ مَرَّةٍ طائِفٌ بهما، فاحْتَسَبَ بذلك مَرَّةً، كما إذا طافَ بجَمِيعِ البَيْتِ، احْتَسَبَ به مَرَّةً.
فصل: ويَفْتَتِحُ بالصَّفَا، ويَخْتِمُ بالمَرْوَةِ؛ لأنَّ الترتِيبَ شَرْطٌ في السَّعْىِ كذلك، فإن بَدَأَ بالمَرْوَةِ لم يَحْتَسِبْ بذلك الشَّوْطِ، فإذا صارَ إلى الصَّفَا اعْتَدَّ بما يَأْتِى به بعدَ ذلك؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - بَدَأ بالصَّفَا، وقال: «نَبْدَأُ بِمَا بَدَأ اللهُ بهِ».
وهذا قَوْلُ الحسنِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، والأوْزَاعِيِّ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
فبَدَأ بالصَّفَا، وقال: اتَّبِعُوا القُرْآنَ، فما بَدَأ اللهُ به، فابْدَءُوا به.
وَيُسْتَحَبُّ انْ يَسْعَى طاهِرًا مُسْتَتِرًا مُتَوَالِيًا.
وَعَنْهُ، أنَّ ذَلِكَ مِنْ شَرَائِطِهِ.
فصل: والرَّمَلُ في السَّعْىِ سُنَّةٌ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - سَعَى، وسَعَى أصحابُه، فرَوَتْ صَفِيَّةُ بنتُ شَيْبَةَ، عن أُمِّ وَلَدِ شَيْبَةَ، قالت: رَأيْتُ رسوِلَ اللهِ في يَسْعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ويقولُ: «لَا يُقْطَعُ الأبْطَحُ إلَّا شَدًّا».
وليس ذلك بواجِبٍ، ولا شئَ على تارِكِه؛ فإنَّ ابنَ عُمَرَ قال: إن أسْعَ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْعَى، وإن أمْشِ، فقد رَأيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْشِى، وأنا شَيْخٌ كَبِيرٌ.
رَواهما ابنُ ماجَه، وأبو داودَ (1). ولأنَّ تَرْكَ الرَّمَلِ في الطَّوافِ بالبَيْتِ لا شئَ فيه، فبينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ أوْلَى.
1276 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَسْعَى طاهِرًا مُسْتَتِرًا مُتَوالِيًا. وعنه، أنَّ ذلك مِن شَرائِطِه)
المُسْتَحَبُّ لمَن قَدَر على الطَّهارَةِ أن لا يَسْعَى1
..................................
إلَّا مُتَطَهِّرًا مِن الحَدَثِ والنَّجاسَةِ، وكذلك جَمِيعُ المَناسِكِ.
فإن سَعَى بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ على غيرِ طهارةٍ كُرِهَ له ذلك وأجْزَأه، في قولِ أكثرِ أهلِ العِلْمِ؛ منهم عَطاءٌ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وكان الحَسَنُ يقولُ: إن ذَكَر قبلَ أن يَحِلَّ فلْيُعِدِ الطَّوافَ، وإن ذَكَر بعدَ ما حَلَّ، فلا شئَ عليه.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - لعائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، حينَ حاضَتْ: «اقْضِى مَا يَقْضِى الحَاجُّ غَيْرَ أنْ لَا تَطُوفِى بِالبَيْتِ» 1. ولأنَّ ذلك عِبادَةٌ لا تَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، أشْبَهَتِ الوُقُوفَ بعَرَفَةَ.
قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يقولُ: إذا طافَتِ المَرْأةُ بِالبَيْتِ، ثم حاضَتْ، سَعَتْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم نَفَرَتْ.
ورُوِىَ عن عائشة، وأُمِّ سَلَمَةَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، أنَّهُما قالَتا: إذا طافَتِ المَرْأةُ بالبَيْتِ، وصَلَّتْ رَكْعَتَيْن، ثم حاضَتْ
..................................
وصَلَّتْ رَكْعَتَيْن، ثم حاضَتْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ 1 فَلْتَطُفْ بالصَّفَا والمَرْوَةِ.
رَواه الأثْرَمُ.
ولا تُشْتَرَطُ الطهارةُ مِن النَّجاسَةِ أيْضًا ولا السِّتارَةُ للسَّعْىِ؛ لأنَّه إذا لم تُشْتَرطِ الطهارةُ مِن الحَدَثِ، وهى آكَدُ، فغيرُها أوْلَى.
وقد ذَكَر بعضُ أصحابِنا رِوَايَةً عن أحمدَ، أنَّه كالطَّوافِ في اشْتِراطِ الطهارةِ والسِّتارَةِ قِياسًا عليه.
ولا عَمَلَ عليه.
فصل: والمُوالَاةُ في السَّعْىِ غيرُ مُشْتَرَطَةٍ في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ، رَحِمَه اللهُ؛ فإنَّه قال في رجلٍ كان بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فلَقِيَه قادِمٌ يَعْرِفُه 2، لَقفُ يُسَلِّمُ عليه، ويَسْألُه؟ قال: نعم، أمْرُ الصَّفَا سَهْلٌ، إنّما كان يُكْرَهُ الوُقُوفُ في الطَّوافِ بالبَيْتِ، فأمّا بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ فلا بَأْسَ.
وقال القاضى: تُشْتَرَطُ المُوالَاةُ فيه، قِياسًا على الطَّوافِ.
وحُكِىَ رِوايَةً عن أحمدَ.
والأوَّلُ أصَحٌّ؛ فإنَّه نُسُكٌ لا يَتَعَلَّقُ بِالبَيْتِ، فلم تُشْتَرَطْ
وَالْمَرْأةُ لَا تَرْقَى وَلَا تَرْمُلُ.
له المُوالَاةُ، كالرَّمْىِ والحِلَاقِ.
وقد روَى الأثْرَمُ، أنَّ سَوْدَةَ بنتَ عبدِ اللهِ ابنِ عمرَ، امرأةَ عُرْوَةَ بنِ الزُّبَيْرِ، سَعَتْ بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ، فقَضَتْ طَوافَها في ثَلاَثَةِ أيّامٍ، وكانت ضَخْمَةً.
وكان عَطاءً لا يَرَى بَأْسًا أن يَسْتَرِيحَ بينَهما.
ولا يَصِحُّ قِياسُه على الطَّوافِ؛ لأنَّ الطَّوافَ يَتَعَلَّقُ بالبَيْتِ، وهو صَلاةٌ، وتُشْتَرَطُ له الطهارةُ والسِّتارَةُ، فاشْتُرِطَتْ له المُوالَاةُ، بخِلافِ السَّعْيِ.
1277 -
مسألة: (والمَرْأةُ لا تَرْمُلُ ولا تَرْقَى)
لا يُسَنُّ للمَرْأةِ أن تَرْقَى على المَرْوَةِ؛ لِئَلَّا تُزاحِمَ الرِّجالَ، ولأنَّ ذلك أسْتَرُ لها، ولا يُسَنُّ لها الرَّمَلُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على أنَّه لا رَمَلَ على النِّساءِ حولَ البَيْتِ، ولا بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ.
وذلك لأنَّ الأصْلَ في ذلك إظْهارُ الجَلَدِ، ولا يُقْصَدُ ذلك في حَقِّهِنَّ، ولأنَّ النِّساءَ يُقْصَدُ منهُنَّ السَّتْرُ، وفى ذلك تَعَرُّضٌ للانكِشَافِ، فلم يُسْتَحَبَّ لهُنَّ.
فصل: والسَّعْىُ تَبَعٌ للطَّوافِ، لا يَصِحُّ إلَّا بعدَ الطَّوَافِ، فإن سَعَى قَبْلَه، لم يَصِحَّ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وقال
فَإِذَا فَرَغَ مِنْ السَّعْىِ، فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا، قَصَّرَ مِنْ شَعَرِهِ، وَتَحَلَّلَ، إلَّا أنْ يَكُونَ الْمُتَمَتِّعُ قَدْ سَاقَ هَدْيًا، فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَحُجَّ.
عَطاءٌ: يُجْزِئُه.
وعن أحمدَ، يُجْزِئُه إن نَسِىَ، وإلَّا فَلَا؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لمّا سُئِلَ عن التَّقَدُّم والتَّأخُّرِ في حالِ الجَهْلِ والنِّسْيانِ، قال: «لَا حَرَج» (1). ولَنا، أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما سَعَى بعدَ الطَّوافِ، وقال: «لِتَأْخُذُوا عَنِّى مَنَاسِكَكُمْ» (2). فعلى هذا، إن سَعَى بعدَ طَوافِه، ثم عَلِم نَه طافَ غيرَ مُتَطَهِّرٍ أعادَ السَّعْىَ.
وإن سَعَى المُفْرِدُ والقارِنُ بعدَ طَوافِ القُدُومِ، لم يَلْزَمْهُما سَعْىٌ بعدَ ذلك.
ولا تَجِبُ المُوالَاةُ بينَ الطَّوافِ والسَّعْىِ.
رُوِىَ ذلك عن الحَسَنِ وعَطاءٍ، قالا: لا بَأْسَ أن يَطُوفَ أوَّلَ النَّهارِ ويَسْعَى آخِرَه.
وفَعَلَه القاسِمُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ؛ لأنَّ المُوالَاةَ إذا لم تَجِبْ في نَفْسى السَّعْىِ، ففيما بينَه وبينَ الطَّوافِ أوْلَى.
1278 -
مسألة: (فإذا فَرَغ مِن السَّعْىِ، فإذا كان مُعْتَمِرًا، قَصَّرَ مِن شَعَرِه، وتَحَلَّلَ، إلَّا أن يكونَ قد ساقَ)
معه (هَدْيًا، فلا يَحِلَّ حتى يَحُجَّ) إذا طافَ المُتَمَتِّعُ، وسَعَى قَصَّرَ أو حَلَق، وقد حَلَّ مِن عُمْرَتِه،12
..................................
إن لم يَكُنْ معه هَدْىٌ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللهُ عنهما، قال: تَمَتَّعَ النّاسُ مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالعُمْرَةِ إلى الحَجِّ، فلَمّا قَدِم رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَكَّةَ، قال للنّاسِ: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ فَإنَّهُ لَا يَحِلُّ مِنْ شَىْءٍ حَرُمَ مِنْهُ حَتَّى يَقْضِىَ حَجَّهُ 1، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْى، فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبِالصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ولا يُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُ التحَلُّلِ.
قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ، سُئِلَ عمَّن دَخَلَ مَكَّةَ مُعْتَمِرًا، فلم يُقَصِّرْ حتى كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، عليه شئٌ؟ قال: هذا لم يَحِلَّ حتى يُقَصِّرْ، ثم يُهِلُّ بالحَجِّ، وليس عليه شئٌ، وبِئْسَ ما صَنَع.
فصل: فأمَّا مَن معه الهَدْىُ، فليس له أن يَتَحَلَّلَ، لكن يُقِيمُ على إِحْرامِه، ويُدْخِلُ الحَجَّ على العُمْرَةِ، ثم لا يَحِلُّ حتى يَحِلَّ منهما جَمِيعًا.
نصَّ عليه أحمدُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وعنٍ أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَحِلُّ له التَّقْصِيرُ مِن شَعَرِ رَأْسِه خاصَّةً، ولا يَمَسُّ مِن أظْفَارِه وشارِبِه شَيْئًا.
..................................
رُوِىَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ.
وهو قولُ عَطاءٍ؛ لِما رُوِىَ عن مُعاوِيَةَ، قال: قَصَّرْتُ مِن رَأْسِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بمِشْقَصٍ 1 عندَ المَرْوَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وقال مالكٌ، والشافعىُّ في قولٍ: له التَّحَلُّلُ، ونَحْرُ هَدْيِه عندَ المَرْوَةِ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ الخِرَقِيِّ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ ابنِ عُمَرَ، ورَوَتْ عائشةُ، قالت: خَرَجْنا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في حَجَّةِ الوَدعَ، فأهْلَلْتُ بعُمْرَةٍ، ولم أكُنْ سُقْتُ الهَدْىَ، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْىٌ فَلْيُهِلَّ بِالحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ، ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا» 3.
وعن حَفْصَةَ، أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، ما شَأْنُ النّاسِ حَلَّوا مِن العُمْرَةِ،
..................................
ولم تَحْلِلْ أنت مِن عُمْرَتِك؟ قال: «إِنِّى لَبَّدْتُ رَأْسِى، وَقَلَّدْتُ هَدْيِى، فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أنْحَرَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. والأحَادِيثُ فيه كَثِيرَةٌ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثالِثَةٌ، في مَن قَدِم مُتَمَتِّعًا في أشْهُرِ الحَجِّ، وساقَ الهَدْىَ، قال: إن دَخَلَها في العَشْرِ لم يَنْحَرِ الهَدْىَ حتى يَنْحَرَه يومَ النَّحْرِ، وإن قَدِم قبلَ العَشْرِ نَحَر الهَدْىَ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُتَمَتِّعَ إذا قَدِم قبلَ العَشْرِ حَلَّ، وإن كان معه.
هَدْىٌ، وإن قَدِم في العَشْرِ لم يَحِلَّ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ.
رَواه حَنْبَلٌ «المَناسِكِ».
وقال في مَن لَبَّدَ، أو ضَفَّرَ: هو بمَنْزِلَةِ مَن ساقَ الهَدْىَ؛ لحَدِيثِ حَفْصَةَ.
والرِّوايَةُ الأولَى أوْلَى؛ لِما فيها مِن الأحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ، فهى أوْلَى بالاتِّباعِ.
فصل: فأمَّا المُعْتَمِرُ غيرُ المُتَمَتِّعِ، فإنَّه يَحِلُّ، سَواءٌ كان معه هَدْىٌ أو لم يَكُنْ، وسَواءٌ كان في أشْهُرِ الحَجِّ أو في غَيْرِها؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - اعْتَمَرَ ثَلاثَ عُمَرٍ سِوَى عُمْرَتِه التى مع حَجَّتِه، بَعْضُهُنَّ في ذِى القَعْدَةِ.
وقيلَ:
..................................
كُلُّهُنّ في ذِى القَعْدَةِ.
وكان يَحِلُّ.
فإن كان معه هَدْىٌ نَحَرَه عندَ المَرْوَةِ، وحيثُ نَحَرَه مِن الحَرَمِ جازَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «كُلُّ فِجَاجِ مَكَّةَ طَرِيقٌ وَمَنْحَرٌ».
رَواه أبو داودَ 1.
فصل: وقَوْلُ المُصَنِّفِ، رَحِمَه اللهُ: قَصَّرَ مِن شَعَرِه.
يَدُلُّ على أنَّ المُسْتَحَبَّ في حَقِّ المُتَمَتِّعِ إذا حَلَّ مِن عُمْرَتِه التَّقْصِيرُ؛ ليُؤَخِّرَ الحَلْقَ إلى الحَجِّ.
قال أحمدُ، رَحِمَه الله، في رِوايَةِ أبي داودَ: يُعْجِبُنِى إذا دَخَل مُتَمَتِّعًا أن يُقَصِّرَ؛ ليَكُونَ الحَلْقُ للحَجِّ.
ولم يَأْمُرِ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أصحابَه إلَّا بالتَّقْصِيرِ، فقال في حديثِ جابِرٍ: «حِلُّوا مِنْ إحْرَامِكُمْ بِطَوَافٍ بَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وقَصِّرُوا» 2. وفى حديثِ ابنِ عُمَرَ، أنه قال: «مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْىٌ، فَلْيَطُفْ بِالبَيْتِ، وَبَيْنَ الصَّفَا وَالمَرْوَةِ، وَلْيُقَصِّرْ، وَلْيَحْلِلْ» مُتَّفَقٌ عليه 3. وإن حَلَق جَازَ؛ لأنَّه أحَدُ النُّسُكَيْن، فجازَ فيه كلُّ واحِدٍ منهما.
وفى الحَدِيثِ دَلِيلٌ على أنَّه لا يَحِلُّ إلَّا بالتَّقْصِيرِ، وهذا يَنْبَنِى على أنَّ التَّقْصِيرَ هل هو نُسُكٌ أو لَا؟ وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاءَ الله تعالَى.
فإن أحْرَمَ بالحَجِّ قبلَ التَّقْصِيرِ، وقُلْنا: هو نُسُكٌ.
فقد أدْخَلَ الحَجَّ على العُمْرَةِ، وصار قارِنًا.
وَمَنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا، قَطَعَ التَّلْبِيَةَ إِذَا وَصَلَ الْبَيْتَ.
فصل: فإن تَرَك التَّقْصِيرَ أو الحَلْقَ، وقُلْنا: هو نُسُكٌ.
فعليه دَمٌ.
فإنْ وَطِئَ قبلَ التَّقْصِيرِ، فعليه دَمٌ، وعُمْرَتُه صَحِيحَةٌ.
وبهذا قال مالكٌ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وحُكِىَ عن أصحابِ الشافعيِّ أن عُمْرَتَه تَفْسُدُ؛ لأنَّه وَطِئَ قبلَ حِلِّه مِن عُمْرَتِه.
وعن عَطاءٍ، قال: يَسْتَغْفِرُ اللهَ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما، أنَّه سُئِلَ عن امْرَأةٍ مُعْتَمِرَةٍ، وَقَع عليها زَوْجُها قبلَ أن تُقَصِّرَ.
قال: مَن تَرَك مِن مَناسِكِه شَيْئًا، أو نَسِيَه، فَلْيُهَرِقْ دَمًا.
قيلَ: إنَّها مُوسِرَةٌ.
قال: فَلْتنْحرْ ناقَةً (1). ولأنَّ التَّقْصِيرَ ليس برُكْنٍ، فلا يَفْسُدُ النُّسُكُ بتَرْكِه، ولا بالوَطْءِ قبلَه، كالرَّمْىِ في الحَجِّ.
قال أحمدُ، في مَن وَقَع على امْرَأتِه قبلَ تَقْصِيرِها مِن عُمْرَتِها: تَذْبَحُ شاةً.
قيلَ: عليها أو عليه؟ قال: عليها هى.
وهو مَحْمُولٌ على أنَّها طاوَعَتْه.
فإن أكْرَهَها، فالدَّمُ عليه.
وقد ذُكِرَ ذلك على ما فيه مِن الخِلافِ.
واللهُ تعالَى أعْلَمُ.
1279 -
مسألة: (ومَن كان مُتَمَتِّعًا، قَطَع التَّلْبِيَةَ إذا وَصَل 2 البَيْتَ) قال أبو عبدِ اللهِ: يَقْطَعُ المُعْتَمِرُ التَّلْبِيَةَ إذا اسْتَلَمَ الرُّكْنَ. وبهذا1
..................................
قال ابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، وعَمْرُو بنُ مَيْمُونٍ، وطاوُسٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأْىِ.
وقال ابنُ عُمَرَ، وعُرْوَةُ، والحَسَنُ: يَقْطَعُها إذا دَخَل الحَرَمَ.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، يَقْطَعُها حينَ يَرَى عُرُشَ مَكَّةَ 1. وعن مالكٍ، أنَّه إن أحْرَمَ مِن المِيقاتِ قَطَع التَّلْبِيَةَ إذا وَصَل الحَرَمَ، وإن أحْرَمَ بها مِن أدْنَى الحِلِّ قَطَع التَّلْبِيَةَ حينَ يَرَى البَيْتَ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، رَضِىَ الله عنهما، يَرْفَعُ الحَدِيثَ: كان يُمْسِكُ عن التَّلْبِيَةِ في العُمْرَةِ إذا اسْتَلَمَ الحَجَرَ 2. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.
وروَى عَمْرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيهِ، عن جَدِّه، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -. اعْتَمَرَ ثَلاثَ عُمَرٍ، ولم يَزَلْ يُلَبِّى حتى اسْتَلَمَ الحَجَرَ 3. ولأنَّ التَّلْبِيَةَ إجَابَةٌ إلى العِبادَةِ، وشِعارٌ للإقامَةِ عليها.
..................................
وإنَّما يَتْرُكُها إذا شَرَع فيما يُنافِيها، وهو التَّحَلُّلُ منها، والتَّحَلُّلُ يَحْصُلُ بالطَّوافِ والسَّعْىِ، فإذا شَرَع في الطَّوافِ، فقد أخَذَ في التَّحَلُّلِ، فيَنْبَغِى أن يَقْطَعَ التَّلْبِيَةَ، كالحاجِّ يَقْطَعُها إذا شَرَع في رَمْىِ جَمْرَةِ العَقَبَةِ؛ لحُصُولِ التَّحَلُّلِ بها.
وأمّا قبلَ ذلك فلم يَشْرَعْ فيما يُنافِيها، فلا مَعْنَى لقَطْعِها.
واللهُ تعالى أعلمُ.
بَابُ صِفَةِ الْحَجِّ
بَابُ صِفَةِ الحَجِّ نَذْكُرُ في هذا البابِ صِفَةَ الحَجِّ، بعدَ جِلِّ المُتَمَتِّع مِن عُمْرَتِه، والأوْلَى أن نَبْدَأَ بذِكْرِ حَدِيثِ جابِرٍ، رَضِىَ اللهُ عنه، في صِفَةِ حَجٍّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ونَقْتَصِرُ منه على ما يَخْتَصُّ بهذا البابِ، وقد ذَكَرْنا بعضَه مُتَفرِّقًا في الأبْوابِ المُتَقَدِّمَةِ، وهو صَحِيحٌ، رَواه مسلمٌ وغيرُه 1 بالإِسْنادِ عن جابِرٍ، وذَكَر الحَدِيثَ قال: فحَلَّ النّاسُ كلُّهم، وقَصِّرُوا، إلَّا النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ومَن كان معه هَدْىٌ، فلَمّا كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ، تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ، ورَكِب النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -، إلى مِنًى، فصَلَّى بها الظُّهْرَ والعَصْرَ والمَغْرِبَ والعِشاءَ والفَجْرَ، ثم مَكَث قَلِيلًا حتى طَلَعَتِ الشمسُ، وأمَرَ بقُبَّةٍ مِن شَعَرٍ، فضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فسارَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا تَشُكُّ قُرَيْشٌ إلَّا أنَّه واقِفٌ عندَ المَشْعَرِ الحَرَام، كما كانت قرَيش تَصْنَعُ في الجاهِلِيَّةِ، فأجازَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، حتى إذا أتَى عَرَفَةَ فوَجَدَ القُبَّةَ قد ضُرِبَتْ له بنَمِرَةَ، فنَزَلَ بها حتى إذا زالَتِ الشمسُ أمَر بالقَصْواءِ فرحِلَتْ له، فأتَى بَطْنَ الوَادِى، فخَطَبَ النّاسَ، وقال: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأمْوَالَكُمْ حَرَامٌ، كَحْرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا، في شَهْرِكمْ هَذَا، في بَلَدِكُمْ هَذَا، ألَا إنَّ كلَّ شَئٍ مِنْ
..................................
أمْرِ الجَاهِلِيَّةِ تَحْتَ قَدَمَىَّ مَوْضُوعٌ، وَدِمَاءَ الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعَةٌ، وَإنَّ أوَّلَ دَم أضَعُهُ مِنْ دِمَائِنَا دَمُ ابْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الحَارِثِ -كانَ مُسْتَرْضَعًا في بَنِى سَعْدٍ، فَقَتَلَتْهُ هُذَيْلٌ- وَرِبَا الجَاهِلِيَّةِ مَوْضُوعٌ، وَأوَّلُ رِبًا أضَعُ مِنْ رِبَانَا رِبَا عَبَّاسٍ بْنِ عَبْدِ المُطَّلِبِ، فإنَّه مَوْضُوعٌ كُلُّهُ، فَاتَّقُوا اللهَ في النِّساءِ، فَإنَّكُمْ أخَذْتُمُوهُنَّ بأَمَانَةِ 1 اللهِ، وَاسْتَحْلَلْتُمْ فُرُوجَهُنَّ بِكَلِمَةِ اللهِ، وَلَكُمْ عَلَيْهِنّ ألّا يُوطِئْنَ فُرُشَكُمْ أحَدًا تَكْرهُونَهُ، فَإنْ فَعَلْنَ ذلِكَ فَاضْرِبُوهُنَّ ضَرْبًا غَير مُبَرِّحٍ، وَلَهُنَّ عَلَيْكُمْ رِزْقُهُنَّ وَكُسْوَتُهُن بِالمَعْرُوفِ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُبْم مَا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ إنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ، كِتَابَ اللهِ، وَأنتمْ تُسْأَلُونَ عَنِّى، فَمَا أَنْتُمْ قَائِلُونَ؟» قالُوا: نَشْهَدُ أنَّكَ قَد بَلَّغْتَ، وأدَّيْتَ، ونَصَحْت.
فقالَ بإصْبَعِه السَّبَّابَةِ يَرْفَعُها إلى السَّماءِ، وَينْكُبُها 2 إلى النّاسِ: «اللَّهُمَّ اشْهَدْ، اللَّهُمَّ اشْهَدْ».
ثَلاثَ مَرَّاتٍ، ثم أذَّنَ، ثم أقامَ فصَلَّى الظُّهْرَ، ثم أقامَ فصَلَّى العَصْرَ، ولم يُصَلِّ بينَهما شَيْئًا، ثم رَكِب رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى أتَى المَوْقِفَ، فجَعَلَ بَطْنَ نَاقَتِه القَصْواءِ إلى الصَّخَراتِ، وجَعَل حَبْلَ المُشَاةِ بينَ يَدَيْهِ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فلم يَزَلْ واقِفًا حتى غَرَبَتِ الشمسُ، وذَهَبَتِ الصُّفْرَةُ قَلِيلًا حتى غابَ القُرْصُ، وأرْدَفَ أُسامَةَ خلفَه، ودَفَع رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقد شَنَقَ 3 للقَصْواءِ الزِّمامَ؛ حتى إنَّ رَأْسَها ليُصِيبُ
..................................
مَوْرِكَ 1 رَحْلِه، ويقولُ بيَدِه اليُمْنَى: «أَيُّهَا النَّاسُ، السَّكِينَةَ السَّكِينَةَ».
كُلَّمَا أتَى حَبْلًا 2 مِن الحِبالِ أرْخَى لها قَلِيلًا حتى تَصْعَدَ، حتى أتَى المُزْدَلِفَةَ، فصَلَّى بها المَغْرِبَ والعِشاءَ، بأذانٍ واحِدٍ وإقامَتَيْن، ولم يُسَبِّحْ بينَهما شَيْئًا، ثم اضْطَجَعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حتى طَلَع الفَجْرُ، فصَلَّى الصُّبْحَ حينَ تَبَيَّنَ له الصُّبْحُ بأذانٍ وإقامَةٍ، ثم رَكِب القَصْواءَ حتى أتَى المَشْعَرَ الحَرامَ، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ، فدَعَا اللهَ وكَبَّرَه وهَلَّلَهُ ووَحَّدَه، ولم يَزَلْ واقِفًا حتى أسْفَرَ جِدًّا، فدَفَعٍ قبلَ أن تَطْلُعَ الشمسُ، وأرْدَفَ الفَضْلَ ابنَ العباسٍ، وكان رجلاً حَسَنَ الشَّعَرِ أبيضَ وَسِيمًا، فلَمّا دَفَع رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَرَّتْ به ظُعُنٌ يَجْرِينَ، فطَفِقَ الفَضْلُ يَنْظرٌ إلَيْهِنَّ، فوَضَعَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَه على وَجْهِ الفَضْلِ، فحَوَّلَ وَجْهَه إلى الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظرُ، فحَوَّلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَدَه مِن الشِّقِّ الآخَرِ على وَجْهِ الفَضْلِ، فصَرَفَ وَجْهَه مِن الشِّقِّ الآخَرِ يَنْظُرُ، حتى أتَى بَطْنَ مُحَسِّرٍ، فحَرَّكَ قَلِيلًا، ثم سَلَك الطرِيقَ الوُسْطىَ التى تَخْرُجُ على الجَمْرَةِ الكُبْرَى، حتى أتَى الجَمْرَةَ التى عندَ الشَّجَرَةِ، فرَمَاها بسَبْع حَصَيَاتٍ، يُكَبِّرُ مع كلِّ حَصاةٍ منها، مثل حَصَا الخَذْفِ 3، رَمَى مِن بَطنِ الوَادِى، ثم انْصَرَفَ إلى المَنْحَرِ، فنَحَرَ ثَلاثًا وستِّينَ بَدَنَةً بيَدِه، ثمّ أعْطىَ عَلِيًّا فَنَحَر ما غَبَرَ 4، وأشْرَكَه في
يُسْتَحَبُّ لِلْمُتَمَتِّع الَّذِى حَلَّ، وَغَيْرِهِ مِنَ الْمُحِلِّينَ بِمَكَّةَ، الإحْرَامُ بِالْحَجِّ يَوْم التَّرْوِيَة -وَهُوَ الثَّامِنُ مِنْ ذِى الْحِجَّةِ- مِنْ مَكَّةَ، وَمِنْ حَيْثُ أَحْرَمَ مِنَ الْحَرَمِ، جَازَ.
هَدْيِه، ثم أمَرَ مِن كُلِّ بَدَنَةٍ ببِضْعَةٍ (1) فجُعِلَتْ في قِدْرٍ فطُبخَتْ، فأكَلَا مِن لَحْمِها، وشَرِبَا مِن مَرَقِها، ثم رَكِب رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأفَاضَ إلى البَيْتِ، فصَلَّى بمَكَّةَ الظُّهْرَ، فأتَى بنِى عبدِ المُطَّلِبِ وهم يَسْقُونَ على زمْزَمَ، فقال: «انْزِعُوا بَنى عَبْدِ المُطَّلِبِ، فلَوْلَا أنْ تَغْلِبَكُمُ النَّاسُ عَلَى سِقَايَتِكُمْ لنَزَعْتُ مَعَكُمْ».
فنَاوَلُوه دَلْوًا شَرِب منه.
قال عَطاءٌ: كان مَنْزِلُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بمِنًى بالخَيْفِ.
1280 -
مسألة: (يُسْتَحَبُّ للمُتَمَتِّع الذىْ حَلَّ، وغيرِه مِن المُحِلِّينَ بمَكَّةَ، الإحْرامُ بالحَجِّ يومَ التَّرْوِيَةِ -وهو الثامِنُ مِن ذِى الحِجَّةِ- مِن مَكَّةَ، ومِن حيثُ أحْرَمَ مِن الحَرَمِ، جاز)
سُمِّىَ يَوْمُ التَّرْوِيَةِ بهذا الاسْمِ؛ لأنَّهُم كانُوا يَتَرَوَّوْنَ مِن الماءِ فيه، يُعِدُّونَه ليومِ عَرَفَةَ، وقِيلَ:1
..................................
سُمِّىَ بذلك؛ لأنَّ إبْراهِيمَ، عليه السلامُ، رَأى لَيْلَتَئِذٍ 1 في المَنامِ ذَبْحَ ابنه، فأصْبَحَ يَرْوِى في نَفْسِه أهو حُلْمٌ أم مِن اللَّه تِعالَى؟ فَسُمِّىَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ، فلمّا كانت لَيْلَةُ عَرَفَةَ رَأَى ذلك أيضًا، فعَرَفَ أنَّه مِن اللَّه، فسُمِّىَ يَوْمَ عَرَفَةَ، واللَّهُ تَعالَى أعْلَمُ.
والمُسْتَحَبُّ لمَن كان بمَكَّةَ مِن المُتَمَتِّعِينَ الذين حَلُّوا مِن عُمْرَتِهم، أو كان مُقِيمًا بمَكَّةَ مِن أهْلِها أو مِن غيرِهم وهو حَلالٌ، أن يُحْرِمُوا يومَ التَّروِيَةِ حينَ يَتَوَجَّهُونَ إلى مِنًى.
وبهذا قال ابنُ عُمَرَ، وابنُ عباسٍ، وعَطاءٌ، وطاوُسٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وإسحاقُ.
وقد رُوِى عن عُمَرَ، رضي اللَّه عنه، أنَّه قال لأهْلِ مَكَّةَ: ما لَكُمْ يَقْدَمُ النّاسُ عليكم شُعْثًا! إذا رَأَيْتُم الهِلالَ فأهِلُّوا بالحَجِّ.
وهذا مَذْهَبُ ابنِ الزُّبَيْرِ.
وقال مالكٌ: مَن كان بمَكَّةَ، فأُحبُّ أن يُهِلَّ مِن المَسْجِدِ لهِلالِ ذِى الحِجَّةِ.
ولَنا، قَوْلُ جابِرٍ: فلمّا كان يَوْمُ التَّروِيَةِ تَوَجَّهُوا إلى مِنًى، فأهَلُّوا بالحَجِّ.
وفى لَفظٍ عن جابِرٍ، رضي اللَّه عنه، قال: أمَرَنا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لَمَّا حَلَلْنَا،
..................................
أن نُحْرِمَ إذا تَوَجَّهْنا إلى مِنًى فأهْلَلْنا مِن الأبْطَحِ، حتى إذا كان يَوْمُ التَّرْوِيَةِ وجَعَلْنا مَكَّةَ بظَهْرٍ، أهْلَلْنَا بالحَجِّ.
رَواه مسلمٌ 1. وعن عُبَيْدِ ابن جُرَيْجٍ، أنه قال لابن عُمَرَ: رَأَيْتُكَ إذا كُنْتَ بمَكَّةَ، أهَلَّ النّاسُ ولم تُهِلَّ أنت، حتى يكونَ يومُ التَّرْوِيَةِ؟ فقال عبدُ اللَّه بنُ عُمَرَ: أمَّا الإِهْلالُ، فإنِّى لم أر رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُهِلُّ حتى تَنْبَعِثَ به راحِلَتُه.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولأنَّه مِيقاتٌ للإحْرامِ، فاسْتَوَى فيه أهْلُ مَكَّةَ وغيرُهم، كمِيقاتِ المَكانِ.
وإن أحْرَمَ قبلَ ذلك، جازَ.
فصل: والأفْضَلُ أن يُحْرِمَ مِن مَكَّةَ؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في المَواقِيتِ: «حَتَّى أهْلُ مَكَّةَ يُهِلُّونَ مِنْهَا» 3. ومِن أيها أحْرَمَ جازَ؛ للحَدِيثِ.
وإن أحْرَمَ خارجًا منها مِن الحَرَم، جازَ؛ لقَوْلِ جابِرٍ: فأهْلَلْنَا مِن الأبْطَحِ.
..................................
ولأنَّ المَقْصُودَ أن يَجْمَعَ في النُّسُكِ بينَ الحِلِّ والحَرَمِ، وذلك حاصِلٌ بإِحْرامِه مِن جَمِيع الحَرَمِ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَفْعَلَ عندَ إحْرامِه هذا ما يَفْعَلُه عندَ الإِحْرامِ مِن المِيقاتِ؛ مِن الغُسْلِ والتَّنْظِيفِ، ويَتَجَرَّدُ عن المَخِيطِ، ويَطُوفُ سَبْعًا، ويُصَلِّى رَكْعَتَيْن، ثم يُحْرِمُ عَقِيبَهما.
ومِمَّن اسْتَحَبَّ ذلك عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، وسعيدُ بنُ جُبَيْرٍ، والثَّوْرِىُّ، والشافعىُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
ولا يُسَنُّ أن يَطُوفَ بعدَ إحْرامِه.
قال ابنُ عباسٍ، رَضِىَ اللَّه عنه: لا أرَى لأهْلِ مَكَّةَ أن يَطُوفوا بعدَ أن يُحْرِمُوا بالحَجِّ، ولا أن يَطُوفُوا بينَ الصَّفَا والمَرْوَةِ حتى يَرْجِعُوا.
وهذا مَذْهَبُ عَطاءٍ، ومالكٍ، وإسحاقَ.
وإن طافَ بعدَ إحْرامِه ثم سَعى، لم يُجْزِئْه عن السَّعْىِ الواجِبِ.
ثُمَّ يَخْرُجُ إلَى مِنًى فَيُصَلِّى بِهَا الظُّهْرَ، وَيَبِيتُ بِهَا.
وهذا قولُ مالكٍ.
وقال الشافعىُّ: يُجْزِئُهُ.
فَعَلَه ابنُ الزُّبَيْرِ.
وهو قولُ القاسمِ بنِ محمدٍ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه سَعَى في الحَجِّ مَرَّةً فأجْزَأه، كما لو سَعَى بعدَ رُجُوعِه مِن مِنًى، وكما لو سَعَى بعدَ طَوافِ القُدُومِ.
ولَنا، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَر أصحابَه أن يُهِلُّوا بالحَجِّ إذا خَرَجُوا إلى مِنًى.
ولو شُرِعَ لهم الطَّوافُ، لم يَتَّفِقُوا على تَرْكِه.
وقالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنها: خَرَجْنا مع النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فطافَ الذين أهَلُّوا بالعُمْرَةِ بالبَيْتِ، وبين الصَّفَا والمَرْوَةِ، ثم حَلُّوا، ثمّ طافُوا طَوافًا آخَرَ بعدَ أن رَجَعُوا مِن مِنًى (1)،
1281 -
مسألة: (ثم يَخْرُجُ إلى مِنًى، فيَبِيتُ فيها)
يُسْتَحَبُّ أن يَخْرُجَ مُحْرِمًا مِن مَكَّةَ يومَ التروِيه، فيُصَلِّى الظُّهْرَ بمِنًى، ثم يُقيمَ حتى1
..................................
يُصَلِّى بها الصَّلَواتِ الخَمْسَ، ويَبِيتَ بها، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل ذلك، كا جاءَ في حَدِيثِ جابِرٍ.
وهذا قولُ سُفْيانَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وليس ذلك واجِبًا عندَ الجَمِيعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: ولا أحْفَظُ عن غيرِهم خِلافَهم.
وقد تَخَلَّفَتْ عائشةُ لَيْلَةَ التَّرْوِيَةِ حتى ذَهَب ثُلُثَا اللَّيْلِ، وصَلَّى ابنُ الزُّبَيْرِ بمَكَّةَ.
فصل: فإن صادَفَ يومُ التَّرْوِيَةِ يومَ جُمُعَةٍ، فمَن كان مُقِيمًا بمَكَّةَ حتى زالَتِ الشمسُ، مِمَّن تَجِبُ عليه الجُمُعَةُ، لم يَخْرُجْ حتى يُصَلِّيَها؛ لأنَّ الجُمُعَةَ فَرْضٌ، والخرُوجُ إلى مِنًى في هذا الوَقْتِ ليس بفَرْض.
فأمَّا قبلَ الزَّوالِ، فإن شاءَ خَرَج، وإن شاءَ أقامَ حتى يُصلِّىَ، فقد رُوِىَ أنَّ ذلك وُجِدَ في أيَّامِ عُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ فخَرَجَ إلى مِنًى.
وقال عَطاءٌ: كُلُّ مَن أدْرَكْتُ يَصْنَعُونَه، أدْرَكتهم يجمعُ بمَكَّةَ إمامُهم ويَخْطُبُ، وَمَرَّةً لا يُجَمِّعُ ولا يَخْطُبُ.
فعلى هذا، إذا خَرَج الإِمامُ، أمَرَ بعضَ 1 مَن تَخَلَّفَ أن يُصَلِّىَ بالنّاسِ الجُمُعَةَ.
وقال أحمدُ، رَحِمَه اللَّهُ: إذا كان وَالِى مَكَّةَ بمَكَّةَ يومَ الجُمُعَةِ، يُجَمِّعُ بهم.
قِيلَ له: يَرْكَبُ إلى مِنًى، فيَجئُ إلى مَكَّةَ، يُجَمِّعُ بهم؟ قال: لا، إذا كان هو بعدُ بمَكَّةَ.
فَإذَا طَلَعَتِ الشَّمْسُ، سَارَ إِلَى عَرَفَةَ، فَأَقَامَ بِنَمِرَةَ حَتَّى تَزُولَ الشَّمْسُ.
1282 - مسألة: (فإذا طَلَعَتِ الشمسُ، سارَ إلى عَرَفَةَ، فأقامَ بنَمِرَةَ حتى تَزُولَ الشمسُ)
يُسْتَحَبُّ أن يَدْفَعَ إلى المَوْقِفِ مِن مِنًى إذا طَلَعَتِ الشمسُ يَوْمَ عَرَفَةَ، فيُقِيمَ بنَمِرَةَ، لِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ جابِرٍ، وإن شاءَ أقامَ بعَرَفَةَ.
ثُمَّ يَخْطُبُ الإمَامُ خُطْبَةً يعَلِّمُهُمْ فِيهَا الْوُقُوفَ وَوَقْتَهُ، وَالدَّفْعَ مِنْهُ، وَالْمَبِيتَ بِمُزْدَلِفَةَ، ثُمَّ يَنْزِلُ فَيُصَلِّى بِهِمُ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ، يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَذَانٍ وَإقَامَتَيْنِ.
1283 - مسألة: (ثم يَخْطُبُ الإِمامُ خُطْبَةً يُعَلِّمُهم فيها الوُقُوفَ وَوَقْتَه، والدَّفْعَ منه، والمَبِيتَ بمُزْدَلِفَةَ، ثم يَنْزِلُ فيُصَلِّى بهم الظُّهْرَ والعَصْرَ، يَجْمَعُ بَيْنَهما بأذانٍ وإقامَتَيْن)
إذا زالَتِ الشمس اسْتُحِبَّ للإِمامِ أن يَخْطُبَ خُطْبَةً يُعَلِّمُ النّاسَ فيها مَناسِكَهم؛ مِن مَوْضِع الوُقُوفِ ووَقْتِه، والدَّفْع مِن عَرَفاتٍ، والمَبِيتِ بمُزْدَلِفَةَ، وأخْذِ الحَصَا لرَمْىِ الجِمارِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل ذلك.
ثمَّ يأمُرُ بالأذانِ، فيَنْزِلُ فيُصَلِّى الظُّهْرَ والعَصر، يَجْمَعُ بينَهما، ويقيمُ لكلِّ صلاةٍ إقامَةً.
وقال أبو ثَوْرٍ: يُؤَذِّنُ المُؤَذِّنُ إذا صَعِد الإِمامُ المِنْبَرَ فجَلَسَ، فإذا فَرَغ المُؤَذِّنُ، قام الإِمامُ فخَطَبَ.
وقِيلَ: يُؤَذِّنُ في آخِر خُطْبَةِ الإِمامِ.
وحَدِيثُ جابِرٍ يَدلُّ على أنه أذنَ بعدَ فَراغَ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن خُطْبَتِه.
وكيفما فَعَل فحَسَنٌ.
فصل: والأَوْلَى أن يُؤَذِّنَ للأُولَى، وإن لم يُؤَذِّنْ، فلا بَأْسَ.
هكذا قال أحمدُ؛ لأن كلُّا مَرْوِىٌّ عن رسولَ اللَّهَ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والأذانُ أوْلَى.
وهو
..................................
قولُ الشافعىِّ، وأبى ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأْىِ.
وقال مالك: يُؤَذِّنُ لكلِّ صلاةٍ.
واتِّباعُ السُّنَّةِ أوْلَى مع مُوافَقَةِ القِياس على سائِرِ المَجْمُوعاتِ والفَوائِتِ.
فصل: والسُّنَّةُ تَعْجِيلُ الصَّلاةِ حينَ تَزُولُ الشمسُ، وأن تُقَصَّرَ الخُطْبَةُ، ثم يَرُوحُ إلى المَوْقفِ؛ لِما رُوِى أن سالِمًا قال للحَجَّاجِ يومَ عَرَفَةَ: إن كُنْتَ تُرِيدُ أن تُصِيبَ السُّنَّةَ فقَصِّرِ الخُطْبَةَ، وعَجِّلِ الصلاةَ.
فقالَ ابنُ عُمَرَ: صَدَق.
رَواه البخارىُّ 1. ولأنَّ تَطْوِيلَ ذلك يَمْنَعُ الرَّواحَ إلى المَوْقفِ في أوَّلِ وَقْتِ الزَّوالِ، والسُّنَّةُ التَّعْجِيلُ في ذلك، فقد روَى سالِمٌ 2، أنَّ الحَجَّاجَ أرْسَلَ إلى ابنِ عُمَرَ: أيَّةَ 3 ساعَةٍ كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَرُوحُ في هذا اليَوْمِ؟ قال: إذا كان ذلك رُحْنَا.
فلَمَّا أرادَ ابنُ عُمَرَ أن يَرُوحَ، قال: أزاغَتِ الشمسُ؟ قالُوا: لم تَزِغْ.
فَلَمّا قالُوا: قد زاغَتْ.
ارْتَحَلَ.
رَواه أبو داودَ 4. قال ابنُ عُمَرَ: غَدَا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- مِن مِنًى حينَ صَلَّى الصُّبْحَ، صَبِيحَةَ يَوْمِ عَرَفَةَ، حتى أتى عَرَفَةَ، فنَزَلَ بنَمِرَةَ، حتى إذا كان عندَ صلاةِ الظُّهْرِ، راحَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- مُهَجِّرًا،
..................................
فجَمَعَ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، ثم خَطَب النّاسَ، ثم راحَ، فوَقَفَ على المَوْقِفِ مِن عَرَفَةَ 1. وقد ذَكَرْنا حَدِيثَ جابِرٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ 2: هذا كُلُّه مِمّا لا خِلافَ فيه بينَ عُلَماءِ المسلمين.
فصل: ويَجُوزُ الجَمْعُ لمَن بعَرَفَةَ مِن مَكِّىٍّ وغيرِه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ أهلُ العِلْمِ على أن الإِمامَ يَجْمَعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بعَرَفَةَ، وكذلك كُلُّ مَن صَلَّى مع الإِمامِ.
وذَكَرَ أصحابُنا أنه لا يَجُوزُ الجَمْعُ إلَّا لمَن بينَه وبينَ وَطَنِه سِتَّةَ عَشَرَ فَرْسَخًا، إلْحاقًا له بالقَصْرِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ فإنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع معه مَن حَضَر مِن المَكِّيِّين وغيرِهم، فلم يَأْمُرْهم بتَرْكِ الجَمْعِ, أمَرَهم بتَرْكِ القَصْرِ، حينَ قال: «أتِمُّوا، فَإنَّا سَفْرٌ» 3. ولو حُرِّمَ لَبَيَنّهَ لهم؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تأخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولا يُقِرُّ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- على الخَطَإِ.
وقد كان عثمانُ 4، رَضِىَ اللَّهُ عنه، يُتِمُّ الصلاةَ؛ لأنَّه اتخَذَ أهْلًا بمَكَّةَ 5، ولم يَتْرُكِ الجَمْعَ.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ.
وكان عمرُ بنُ عبدِ العَزِيزِ والِىَ مَكَّةَ، فخَرَجَ فجَمَعَ بينَ
ثُمَّ يَرُوحُ إِلَى الْمَوْقِفِ، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِفٌ إِلَّا بَطنَ عُرَنَةَ -وَهِىَ مِنَ الْجَبَلِ الْمُشْرِفِ عَلَى عَرَفَةَ إِلَى الْجِبَالِ الْمُقَابِلَةِ لَهُ إِلَى
الصَّلَاتَيْن.
ولم يَبْلُغْنا عن أحَدٍ مِن المُتَقَدِّمِين الخِلافُ في الجَمْعِ بعَرَفَةَ والمُزْدَلِفَةِ، بل وافَقَ عليه مَن لا يَرَى الجَمْعَ في غيرِه، فالحَقُّ فيما أجْمَعُوا عليه، فلا يُعَرَّجُ على غيرِه.
فأمَّا القَصْرُ، فلا يَجُوزُ لأهْلِ مَكَّةَ.
وبه قال عَطاءٌ، ومُجاهِدٌ، والزُّهْرِىُّ، وابنُ جُرَيْج، والثَّوْرِىُّ، ويَحْيَى القَطَّانُ (1)، والشافعىُّ، وأصحابُ الرَّأْى، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال القاسِمُ، وسالِمٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِىُّ: لهم القَصْرُ؛ لأنَّ لهم الجَمْعَ، فكان لهم القَصْرُ، كغيرِهم.
ولَنا، أنَّهُم في غيرِ سَفَرٍ بَعِيدٍ، فلم يَجُزْ لهم القَصْرُ، كغيرِ مَن بعَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ.
قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ، رَحِمَه اللَّهُ: فرجلٌ أقامَ بمَكَّةَ، ثم خَرَج إلى الحَجِّ؟ قال: إن كان لا يُرِيدُ أن يقيمَ بمَكَّةَ إذا رَجَع صَلَّى ثَمَّ (2) رَكْعَتَيْن.
وذَكَر فِعْلَ ابنِ عُمَرَ، قال: لأنَّ خُرُوجَه إلى مِنًى وعَرَفةَ ابتداءُ سَفَرٍ، فإن عَزَم على أن يَرْجِعَ، ويُقيم بمَكَّةَ، أَتَمَّ بمِنًى وعَرَفَةَ.
1284 -
مسألة: (ثم يَرُوحُ إلى المَوْقِفِ، وعَرَفَةُ كلُّها مَوْقِفٌ إلَّا
12
مَا يلى حَوَائِطَ بنى عَامِرٍ.
بَطْنَ عُرَنَةَ 1، وهى مِن الجَبَلِ المُشْرِفِ على عَرَفَةَ إلى الجِبالِ المُقابِلَةِ له إلى ما يَلِى حَوائِطَ بنى عامِرٍ) يَعْنِى إذا صَلَّى الصَّلَاتَيْن صارَ إلى المَوْقِفِ بعَرَفَةَ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حَدِيثِ جابِرٍ وابنِ عُمَرَ 2. ويُسْتَحَبُّ أن يَغْتَسِلَ للمَوْقِفِ؛ لأنَّ ابنَ مسعودٍ، رَضِىَ اللَّه عنه، كان يَفْعَلُه.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه.
وبه قال الشافعىُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه مَكانٌ يَجْتَمِعُ فيه الناسُ للعِبادَةِ، فاستحِبَّ له الاغْتِسَالُ، كالعِيدِ، والجُمُعَةِ.
فصل: وعَرَفَةُ كلُّها مَوْقِف؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «قَدْ وَقَفْتُ هَهُنَا، وَعَرَفَةُ كُلُّهَا مَوْقِف».
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجه 3. وعن يَزِيدَ بنِ شَيْبانَ، قال: أتانَا ابنُ مِرْبَعٍ الأنْصارِىُّ، ونحن بعَرَفَةَ في مَكانٍ
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَقِفَ عَنْدَ الصَّخَرَاتِ وَجَبَلِ الرَّحْمَةِ رَاكِبًا.
وَقِيلَ: الرَّاجِلُ أَفْضَلُ.
يُباعِدُه عَمْروٌ عن الإِمامِ، فقالَ: إنِّى رسولُ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إلَيْكُم، يقولُ: «كُونُوا عَلَى مَشَاعِرِكُمْ، فَإنَّكُمْ عَلَى إرْثٍ مِنْ إرْثِ أَبِيكُمْ إبْرَاهِيمَ» (1).
فصل: وليس وادِى عُرَنَةَ مِن المَوْقِفِ، ولا يُجْزِئُه الوُقُوفُ به.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ الفُقَهاءُ على أنَّ مَن وَقَف به لا يُجْزِئُه.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّه يُجْزِئُه، وعليه دَمٌ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «كُلُّ عَرَفَةَ مَوْقِفٌ، وَارْفَعُوا عَنْ بَطْنِ عُرَنَةَ».
رَواه ابنُ ماجَه (2). ولأنَّه لم يَقِفْ بعَرَفَةَ، فلم يُجْزِئْه، كما لو وَقَفَ بمُزْدَلِفَةَ.
وحَدُّ عَرَفَةَ مِن الجَبَلِ المُشْرِفِ على عُرَنَةَ إلى الجِبالِ المُقابِلَةِ له، إلى ما يَلى حَوائِطَ بَنى عامِرٍ.
1285 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يقفَ عندَ الصَّخَراتِ وجَبَلِ الرَّحْمَةِ راكِبًا. وقِيلَ: الرَّاجِلُ أفْضَلُ)
المُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ عندَ الصَّخَراتِ وجَبَلِ12
..................................
الرَّحْمَةِ، ويَسْتَقْبِلَ القِبْلَةَ؛ لِما جاءَ في حَدِيثِ جابِرٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَعَل بَطْنَ ناقَتِه القَصْواءِ إلى الصَّخَراتِ، وجَعَل حَبْلَ المُشَاةِ بينَ يَدَيْه، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ 1. والأفْضَلُ أن يَقِفَ راكِبًا، كما فَعَلَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، حيثُ وَقَف على راحِلَتِه.
وقِيلَ: الرَّاجِلُ أفْضَلُ؛ لأنَّه أخَفُّ على الرَّاحِلَةِ.
ويَحْتَمِلُ التسْوِيَةَ بينَهما.
والوُقُوفُ بعَرَفَةَ رُكْنٌ لا يَتِمُّ الحَجُّ إلَّا به إجْماعًا، نَذْكُرُه إن شاءَ اللَّهُ تعالى.
وَيُكْثِرَ مِنَ الدُّعَاءِ، وَمِنْ قَوْلِ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَحْده لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَه الْحَمْدُ، يُحْيِى وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَىٌّ لَا يَمُوتُ، بِيَده الْخَيْرُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَىْءٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِي قَلْبِى نُورًا، وَفِى بَصَرِى نُورًا، وَفِى سَمْعِى نُورًا، وَيَسِّرْ لِى أَمْرِى.
1286 - مسألة: (ويُكْثِرَ مِن الدُّعاءِ، ومِن قَوْلِ: لَا إلَه إلَّا اللَّهُ وَحْدَه لَا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، يُحْيِى ويُمِيتُ، وهو على كُلِّ شئٍ قَدِيرٌ.
اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِى قَلْبِى نُورًا، وفى بَصَرِى نُورًا، وفى سَمْعِى نُورًا، ويَسِّرْ لِى أمْرِى)
وجُمْلَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ الإِكثارُ مِن ذِكْرِ اللَّهِ تعالى والدُّعاءِ يومَ عَرَفَةَ؛ فإنَّه يَوْمٌ تُرْجَى فيه الإِجابَةُ، ولذلك أحْبَبْنَا له الفِطر، ليَتقَوَّى به على الدُّعاءِ، مع أنَّ صَوْمَه بغيرِ عَرَفَة يَعْدِلُ سَنَتَيْن.
وروَى ابنُ ماجه في «سُنَنِه» 1، قال: قالت عائشةُ، رَضِىَ اللَّهُ عنهَا: إنَّ رسولَ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، قال: «مَا مِنْ يَوْمٍ أَكْثَرَ أنْ يَعْتِقَ اللَّهُ فِيهِ عَبْدًا مِنَ النَّارِ مِنْ يَوْمِ عَرَفَةَ، فَإنَّهُ لَيَدْنُو عَزَّ وَجَلَّ، ثُمَّ يُبَاهِى بِكُمُ المَلَائِكَةَ، فيَقُولُ: مَا أرَادَ هَؤُلَاءِ».
ويُسْتَحَبُّ أن يَخْتارَ المَأْثُورَ مِن
..................................
الأَدْعِيَةِ، مثلَ ما رُوِى عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أَكْثَرُ دُعَاءِ الأنْبِيَاءِ قَبْلِى، وَدُعَائِى عَشِيَّةَ عَرَفَةَ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّه وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَه، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، يُحْيِى وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَئٍ قَدِير، اللَّهُمَّ اجْعَلْ فِى قَلْبِى نُورًا، وَفِى سَمْعِى نُورًا، وَفِى بَصَرِى نُورًا، وَيَسِّرْ لِى أمْرِى» 1. وكان ابنُ عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنهما، يقول: اللَّه أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الحَمْدُ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الحَمْدُ، اللَّهُ أكْبَرُ اللَّهُ أكْبَرُ، وللَّهِ الحَمْدُ، لَا إلهَ إلَّا اللَّه وَحْدَه لَا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، اللَّهُمَّ اهْدِنِى بالهُدَى، وقِنى بالتَّقْوَى، واغْفِرْ لِى في الآخِرَةِ والأُولَى.
ويَرُدُّ يَدَيْه، ويَسْكُتُ قَدْرَ ما كان إنْسانٌ قارِئًا فاتِحَةَ الكِتَابِ، ثم يَعُودُ فيَرْفَعُ يَدَيْه، ويقولُ مثلَ ذلك، ولم يَزَلْ يَفْعَلُ ذلك حتى أفاضَ.
وسُئِلَ سُفْيانُ بنُ عُيَيْنَةَ عن أفْضَلِ الدُّعاءِ يومَ عَرَفَةَ؟ فقالَ: لا إلهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَه لا شَرِيكَ له، له المُلْكُ وله الحَمْدُ، وهو على كُلِّ شئٍ قَدِيرٌ.
فقِيلَ له: هذا ثَناءٌ وليس بدُعَاءٍ.
فقالَ: أَمَا سَمِعْتَ قَوْلَ الشّاعِرِ 2:
أَأَذْكُرُ حَاجَتِى أم قَدْ كَفَانِى … حَيَاؤُكَ إنَّ شِيمَتَك الحَيَاءُ
إذا أَثْنَى عَلَيْكَ المَرْءُ يَوْمًا … كَفَاهُ مِن تَعَرُّضِه الثَّنَاءُ
ورُوِىَ أنَّ مِن دُعاءِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بعَرَفَةَ: «اللَّهُمَّ إنَّكَ تَرَى مَكَانِى،
..................................
وَتَسْمَعُ كَلَامِى، وَتَعْلَمُ سِرِّى وَعَلَانِيَتى، وَلَا يَخْفَى عَلَيْكَ شَئٌ مِنْ أمْرِى، أنَا البَائِسُ الفَقِيرُ، المُسْتَغِيثُ المُسْتَجِيرُ، الوَجِلُ المُشْفِقُ، المُقِرُّ المُعْتَرِفُ بِذَنْبِه، أسْأَلُكَ مَسْأَلَةَ المِسْكِينِ، وأَبْتَهِلُ إِلَيْكَ ابْتهَالَ المُذْنِبِ الذَّلِيلِ، وَأَدْعُوكَ دُعَاءَ الخَائِفِ المُسْتجِيرِ، مَنْ خَضَعَتْ 1 لَكَ رَقَبَتُه، وذَلَّ لَكَ جَسَدُهُ، وَفَاضَتْ لَكَ عَيْنُهُ، وَرَغَمَ 2 لَكَ أنْفُهُ» 3. ورُوِّينا عن سُفْيانَ الثَّوْرِىِّ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، قال: سَمِعْتُ أعْرابِيًّا، وهو مُسْتَلْقٍ بعَرَفَةَ، يقولُ: إلهِى مَنْ أوْلَى بِالزَّلَلِ والتَّقْصِيرِ مِنِّى وقد خَلَقْتَنِى ضَعِيفًا، ومَنْ أوْلَى بالعَفْوِ عَنِّى مِنْكَ وعِلْمُكَ فىَّ سابِقٌ، وأمْرُكَ بى مُحِيطٌ، أطَعْتُكَ بإذْنِكَ والمِنَّةُ لك، وعَصيْتُكَ بعِلْمِكَ والحُجَّةُ لك، فأسْألُكَ بوُجُوبِ حُجَّتِكَ وانْقِطَاعِ حُجَّتِى، وبفَقْرِى إليكَ، وغِنَاكَ عَنِّى، أن تَغْفِرَ لِى وتَرْحَمَنِى.
إلهِى لم أُحْسِنْ حتى أعْطَيْتَنِى، ولم أُسِئْ، حتى قَضَيْتَ علىَّ، اللَّهُمَّ أطعْتُكَ بنِعْمَتِكَ في أحب الأشْياءِ إليك، شَهَادَةِ أن لا إلهَ إلَّا اللَّه، ولم أعْصِكَ في أبْغَضِ الأشْياءِ إليك، الشِّرْكِ بك، فاغْفِرْ لى ما بينَهما، اللَّهُمَّ أنت أُنْسُ المُؤْنِسينَ لأوْلِيَائِك، وأقْرَبُهم بالكِفَايَةِ مِن المُتَوكِّلين عليك، تُشَاهِدُهم في ضَمائِرِهم، وتَطَّلِعُ على سَرائِرِهم، وسِرِّى اللَّهُمَّ لك مَكْشُوفٌ، وأنا إليك مَلْهُوفٌ، إذا أوْحَشَتْنِى الغُرْبَةُ
..................................
آنَسنِى ذِكْرُكَ، وإذا أصْمَتْ 1 على الهُمُومُ لجَأْتُ إليك، اسْتِجَارَةً بك، عِلْمًا بأنَّ أزِمَّةَ الأُمُورِ بيَدَيْكَ، ومَصْدَرَها عن قَضَائِكَ.
وكان إبراهيمُ بنُ إسحاقَ الحَرْبىُّ يقولُ: اللَّهُمَّ قد آوَيْتَنِى مِن ضَناىَ، وبَصَّرْتَنِى مِن عَمَاىَ، وأنْقَذْتَنِى مِن جَهْلِى وجَفَاىَ، أسْألكَ ما يَتِمُّ به فَوْزِى، وما أُؤمِّلُ في عاجِلِ دُنْياىَ ودِينِى، ومَأْمُولِ أجَلِى ومَعَادِى، ثم ما لا أَبْلُغُ أداءَ شُكْرِه، ولا أنالُ إحْصاءَه وذِكْرَه، إلَّا بتَوْفِيقِكَ وإلْهامِكَ، أنْ هَيَّجْتَ قَلْبِىَ القَاسِىَ على الشُّخُوصِ إلى حَرَمِك، وقَوَّيْتَ أرْكانِىَ الضَّعِيفَةَ لزِيارَةِ عَتِيقِ بَيْتك، ونَقَلْتَ بَدَنِى لإِشْهَادِى مَواقِفَ حَرَمِكَ، اقْتِدَاءً بسُنَّةِ خَلِيلِكَ، واحْتِذاءً على مِثالِ رسولِكَ، واتباعًا لآثارِ خِيرَتِكَ وأنبِيائِكَ وأصْفِيائِكَ، صلّى اللَّهُ عليهم، وأدْعُوكَ في مَواقِفِ الأنْبِيَاءِ، عليهم السلامُ، ومَناسِكِ السُّعداءِ، ومَشاهِدِ الشُّهَداءِ، دُعاءَ مَن أتَاكَ لرَحْمَتِك رَاجيًا، وعن وَطَنِه نائِيًا، ولِقَضاءِ نُسُكِه مُؤَدِّيًا، ولفَرائِضِك قاضيًا، ولكِتابِك تالِيًا، ولرِّبه عَزَّ وجَلَّ دَاعِيًا مُلبيًا، ولقَلْبِه شاكِيًا، ولذَنْبِه خاشِيًا، ولحَظِّه مُخْطِئًا، ولرَهْنِه مُغْلِقًا، ولنَفْسِه ظالِمًا، ولجُرْمِه عالِمًا، دُعاءَ مَن عَمَّتْ عُيُوبُه، وكَثُرَتْ ذُنُوبُه، وتَصَرَّمَتْ أيّامُه، واشْتَدَّتْ فاقَتُه، وانْقَطَعَتْ مُدَّتُه، دُعاءَ مَن ليس لذَنْبِه سواكَ غافِرًا، ولا لعَيْبِه غَيْرُكَ مُصْلِحًا، ولا لضَعْفِه غَيْرُكَ مُقَوِّيًا، ولا لكَسْرِه غَيْرُكَ جابِرًا، ولا لمَأْمُولِ خَيْرٍ غَيْرُكَ مُعْطِيًا، اللَّهُمَّ وقد أصْبَحْتُ في بَلَدٍ حَرامٍ، ويَوْمٍ حَرامٍ في شَهْرٍ حَرامٍ،
.................................. في قِيامٍ مِن خَيْرِ الأنامِ، أسْأَلُكَ أن لا تَجْعَلَنِى أشْقَى خَلْقِكَ المُذْنِبينَ عندَك، ولا أخْيَبَ الرَّاجِين لَدَيْكَ، ولا أحْرَمَ الآمِلِينَ لرَحْمَتِك الزَّائِرِين لبَيْتك، ولا أخْسَرَ المُنْقَلِبِين مِن بلادِكَ، اللَّهُمَّ وقد كان مِن تَقْصِيرِى ما قد عَرَفْتَ، ومِن تَوْبِيقِى نَفْسِى ما قد عَلِمْتَ، ومِن مَظالِمِى ما قد أحْصَيْتَ، فكَم مِن كَرْبٍ منه قد نَجَّيْت، وكم مِن غَم قد جَلَّيْتَ، ومِن هَمٍّ قد فَرَّجْتَ، ودُعاءٍ قد اسْتَجَبْتَ، وشِدَّةٍ قد أزَلْتَ، ورَجاءٍ قد أنَلْتَ، مِنْكَ النَّعْماءُ، وحُسْنُ القَضاءِ، ومِنِّى الجَفاءُ، وطولُ الاسْتِقْصَاءِ، والتَّقْصِيرُ عن أداءِ شُكْرِكَ، لك النَّعْماءُ يا مَحْمُودُ، فلا يَمْنَعُكَ يا مَحْمُودُ مِن إعْطائِى مسألَتِى مِن حاجَتِى إلى حيثُ انْتَهَى لها سُؤْلِى ما تَعْرِف مِن تَقْصِيرِى، وما تَعْلَمُ مِن ذُنُوبِى وعُيُوبِى، اللَّهُمَّ فأدْعُوكَ راغِبًا، وأنْصِبُ لَكَ وَجْهِى طالِبًا، وأضَعُ لَكَ خَدِّى مُذْنِبًا راهِبًا، فَتَقَبَّلْ دُعائِى، وارْحَمْ ضَعْفِى، وأصْلِحِ الفَسادَ مِن أمْرِى، واقْطعْ مِن الدُّنْيَا هَمِّى، واجْعَلْ فيما عندَك رَغْبَتِى، اللَّهُمَّ واقْلِبْنِى مُنْقَلَبَ المُدْرِكِين لرَجائِهم، المَقْبُولِ دُعاؤُهم، المَفْلُوجِ حُجَّتُهُم 1، المَبْرُورِ حَجُّهم، المَغْفُورِ ذَنْبُهم، المَحْطُوطِ خَطَايَاهُم، المَمْحُوِّ سَيِّئَاتُهم، المَرْشُودِ أمْرُهُم، مُنْقَلَبَ مَن لا يَعْصِى لَكَ بَعْدَه أمْرًا، ولا يَأْتِى مِن بَعْدَه مَأْثَمًا، ولا يَرْكَبُ بَعْدَه جَهْلًا، ولا يَحْمِلُ بَعْدَه وِزْرًا، مُنْقَلَبَ مَن عَمَّرْتَ قَلْبَه بذِكْرِكَ، ولِسَانَه بشُكْرِك، وطَهَّرْتَ الأدْناسَ مِن بَدَنِه، واسْتَوْدَعْتَ
وَوَقْتُ الْوُقُوفِ مِنْ طُلُوع الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إِلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ، فمَنْ حَصَلَ بِعَرَفةَ فِى شَىْءٍ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَهُوَ عَاقِلٌ، تَمَّ حَجُّهُ.
الهُدَى قَلْبَه، وشَرَحْتَ بالإِسْلامِ صَدْرَه، وأقْرَرْتَ بعَفْوِكَ قبلَ المَمَاتِ عَيْنَه، وأغْضَضْتَ عن المَآثِمِ بَصَرَه، واسْتُشْهِدَتْ في سَبِيلِكَ نَفْسُه، يا أرْحَمَ الرَّاحِمِين، وَصلَّى اللَّهُ على سَيِّدِنا محمدٍ وعلى آلِه وسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا، كما يُحِبُّ رَبُنا ويَرْضَى، ولا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا باللَّه العَلِىِّ العَظِيمِ.
ويَدْعُو بما أحَبَّ مِن الدُّعاءِ والذِّكْرِ إلى غُرُوبِ الشمسِ.
فصل: (ووَقْتُ الوُقُوفِ مِن طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ عَرَفَةَ إلى طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ النَّحْرِ، فمَن حَصَل بعَرَفَةَ في شئٍ مِن هذا الوَقْتِ وهو عاقِل، تَمَّ حَجُّه) لا نَعْلَمُ خِلافًا بينَ العُلَماءِ، أنَّ آخِرَ وَقْتِ الوُقُوفِ طُلُوعُ الفَجْرِ مِن يومِ النَّحْرِ.
قال جابِر، رَضِىَ اللَّه عنه: لا يَفُوتُ الحَجُّ حتى يَطْلُعَ الفَجْرُ مِن لَيْلَةِ جَمْع.
قال أبو الزُّبَيْرِ: فقُلْتُ له: أقَالَ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- ذلك؟ قال: نَعَمْ.
رَواه الأثْرَمُ 1. وأمّا أوَّلُه فمِن طُلُوعِ الفَجْرِ يومَ