الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 409-448

كِتَابُ اللِّعَانِ

صفحات 409-448

إِنْ كَانَ ثَمَّ وَلَدٌ، لَاعَنَ لِنَفْيِهِ، وَإلَّا فَلَا.
لِعانَ بَينَهما) لأنَّه لم يَقْذِفْها بما يُوجِبُ الحَدَّ.
(وعنه، إن كان ثَمَّ وَلَدٌ، لاعَنَ لِنَفْيه، وإلَّا فلَا) لأنَّه مُحْتاجٌ إلى نَفْيِه.
[فأمَّا إن قَذَفَها بالوَطءِ [دُونَ الفَرْجِ] 1، أو بشَيْءٍ مِنَ الفواحشِ غيرِ الزِّنى، فلا حدَّ عليه، ولا لعانَ؛ لأنَّه قَذَفَها بما لا يَجِبُ به الحدُّ، فلم يَثْبُتُ به الحدُّ واللِّعان، كما لو قَذَفَها بضربِ الناسِ وأذاهم] 2.

وَإِنْ قَال: لَمْ تَزْنِ وَلَكِنْ لَيسَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي.
فَهُوَ وَلَدُهُ في الْحُكْمِ، وَلَا لِعَانَ بَينَهُمَا.

3805 - مسألة: (وَإِنْ قَال: لَمْ تَزْنِ وَلَكِنْ لَيسَ هَذَا الْوَلَدُ مِنِّي. فَهُوَ وَلَدُهُ في الْحُكْمِ)

ولا حَدَّ عليه لها؛ لأنَّ هذا ليس بقَذْفٍ بظاهِرِه؛ لاحْتِمالِ أن رِيدَ أنَّه مِن زَوجٍ آخَرَ، أو مِن وَطْءِ شُبْهَةٍ، أو غيرِ ذلك، ولكنَّه يُسْألُ، فإن قال: زَنتْ، فوَلَدَتْ هذا مِن الزِّنَى.
فهذا قَذْفٌ يَثْبُتُ به اللِّعانُ.
وإن قال: أرَدْتُ أنَّه لا يُشْبِهُنِي خَلْقًا ولا خُلُقًا.
فقالتْ: بل أرَدْتَ قَذْفِي.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّه أعْلَمُ بمُرادِه، لاسِيَّمْا وقد صَرَّحَ بقَوْلِه: لم تَزْنِ.
فإن قال: وُطِئْتِ بِشبْهَةٍ، والوَلَدُ مِن الوَاطِئَ.
فلا حَدَّ عليه أيضًا؛ لأنَّه لم يَقْذِفْها، ولا قَذَفَ واطِئَها.
وإن قال: أُكْرِهْتِ على الزِّنَى.
فلا حَدَّ عليه؛ لأنَّه لم يَقذِفها، ولا لِعان في هذه المَواضِعِ؛ لعَدَمِ القذفِ الَّذي هو مِن شَرْطِ اللِّعانِ، ويَلْحَقُه نَسَبُ الولَدِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.

..................................  وذكَر القاضي أنَّه إذا قال: أُكْرِهْتِ.
روايةً أُخْرَى، أن له اللِّعانَ؛ لأنَّه مُحْتاجٌ إلى نَفْي الوَلَدِ، بخِلافِ ما إذا قال: وُطِئْتِ بشُبْهَةٍ.
فإنَّه يُمْكِنُه نَفْيُ الوَلَدِ بعَرْضِه على القافَةِ، فيُسْتَغْنَى 1 بذلك عن اللِّعانِ، فلا يُشْرَعُ، كما لا يُشْرَعُ لِعانُ أمَتِه لمَّا أمْكَنَ نَفْيُ وَلَدِ ها بدَعْوَى الاسْتِبْراءِ.
وهذا مذهَبُ الشافعيِّ.
ولَنا، أنَّ اللِّعانَ إنَّما وَرَدَ به الشَّرْع بعدَ القَذْفِ بقوْلِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إلا أَنْفُسُهُمْ﴾ الآية.
ولمَّا لَاعَنَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ وامْرأتِه 2 وبينَ عُوَيمِرٍ العَجْلانِيِّ وامْرأتِه 3 إنَّما كان بعدَ قَذْفِه إيَّاها، ولا يَثْبُتُ الحُكْمُ إلا 4 في مِثْلِه، ولأنَّ نَفْيَ اللِّعانِ إنَّما يَنْتَفِي به الوَلَدُ بعدَ تَمامِه منهما، ولا يتَحَقَّقُ اللِّعانُ مِن المرْأةِ ههُنا.
فأمَّا إن قال: وَطِئَكِ فلانٌ بشُبْهَةٍ، وأنتِ تَعْلَمِينَ الحال.
فقد قَذَفَها، وله لِعانُها، ونَفْيُ نَسَبِ ولدِها.
وقال القاضي: ليس له نَفْيُه باللِّعانِ.
وكذلك قال أصْحابُ الشافِعِيِّ؛ لأنَّه يُمْكِنُه نَفْيُ نَسَبِه بعَرْضِه على القافَةِ، فأشْبَهَ ما لو قال: واشْتَبَهَ عليكِ أيضًا.
ولَنا،

..................................  أنَّه رامٍ لزَوْجَتِه، فيَدْخُلُ في عُمومِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ﴾ الآية.
ولأنَّه رامٍ لزَوْجَتِه بالزِّنى، فمَلَكَ لِعانَها ونَفْىَ ولَدِها، كما لو قال: زَنَى بكِ فلانٌ.
وما ذَكرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّه قد لا يُوجَدُ قافَةٌ، وقد لا يعْترِفُ الرجلُ بما نُسِبَ إليه، أو يَغِيبُ، أو يَموتُ، فلا يَنْتَفِي الولَدُ.
وإن قال: ما وَلَدْتِه، وإنَّمْا الْتَقَطْتِهِ، أو اسْتَعَرْتِه.
فقالت: بل هو وَلَدِي منك.
لم يُقْبَلْ قولُ المرْأةِ إلا بِبَيِّنةٍ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأصْحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الولادَةَ يُمْكِنُ إقامةُ البَيِّنَةِ عليها، والأصْلُ عدَمُها، فلم تُقْبَلْ دَعْواها مِن غيرِ بَيِّنةٍ، كالدِّينِ.
قال القاضي: وكذلك لا تُقْبَلُ دَعْواها في الولادةِ، فيما إذا عَلَّقَ طَلَاقَها بها، ولا دَعْوَى الأمةِ لها لتَصِيرَ بها 1 أمَّ وَلَدٍ، ويُقْبَلُ قَوْلُها فيه لِتَنْقَضِيَ عِدَّتُها بها.
فعلى هذا، لا يَلْحَقُه الوَلَدُ إلَّا أن تقِيمَ بَيِّنَةً؛ وهى امْرأةٌ مَرْضِيَّة، تَشْهَدُ بولادَتِها له (1)، فإذا ثَبَتَتْ ولادَتُها، لحِقَهُ نسَبُه؛ لأنَّه وُلِدَ على فِراشِه، والوَلَدُ للفِراشِ.
وذَكَر القاضي في موضع آخَرَ أنَّ القولَ قولُ المرأَةِ؛ لِقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا يَحِلُّ لَهُنْ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ﴾ 2.

وَإِنْ قَال ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ أَبانَهَا، فَشَهِدَتِ امْرَأة مَرْضِيَّةٌ أَنَّهُ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ، لَحِقَهُ نَسَبُهُ.
وتَحْرِيمُ كِتْمانِه دليلٌ على قَبُولِ قَوْلها فيه، ولأنَّه خارِجٌ مِن المرْأةِ، تَنْقَضِي به عِدَّتُها، فقُبِلَ قولُها فيه، كالحَيضِ، ولأنَّه حُكْمٌ يَتَعَلَّقُ بالولادَةِ، فقُبِلَ قَوْلُها فيه، كالحَيضِ.
فعلى هذا، يَلْحَقُه النسَبُ.
وهل له نَفْيُه باللِّعانِ؟ فيه وَجْهان؛ أحدُهما، ليس (1) له نَفْيُه؛ لأنَّ إنْكارَه لولادَتِها إيَّاه إقرارٌ بأنَّها لم تَلِدْه مِن زِنًى، فلم يُقْبَلْ إنْكارُه لذلك (2)؛ لأنَّه تكْذِيبٌ لنفْسِه.
والثاني، له نَفْيُه؛ لأنَّه رامٍ لزَوْجَتِه، ونافٍ لوَلَدِها، فكان له نَفْيُه باللِّعانِ كغيرِه.

3806 -

مسألة: (وإن قال ذلك بعدَ أن أبانَها، فشَهِدَتِ امْرَأةٌ مَرْضِيَّة أنَّه وُلِدَ على فِراشِه، لَحِقَه نَسَبُه)

لأنَّ شَهادَةَ المَرْأةِ الواحِدَةِ12

وَإنْ وَلَدَتْ تَوأَمَينِ، فَأَقَرَّ بِأَحَدِهِمَا وَنَفَى الْآخَرَ، لَحِقَهُ نَسَبُهُمَا، وَيُلَاعِنُ لِنَفْي الْحَدِّ.
وَقَال الْقَاضِي: يُحَدُّ.
بالولادَةِ مَقبُولة؛ لأنَّها مِمَّا لا يَطَّلِعُ عليها الرِّجال.

3807 -

مسألة: (وإن وَلَدَتْ تَوْأمَين، فأقَرَّ بأحَدِهما ونَفَى الآخَرَ، لَحِقَه نَسَبُهُما، ويُلاعِنُ لِنَفْي الحَدِّ)

عنه (وقال القاضي: يُحَدُّ) إذا وَلَدَت تَوْأمَين، بينَهما أقَلُّ مِن سِتَّةِ أشْهُر، فاسْتَلْحَقَ أحَدَهُما ونَفَى الآخَرَ، لَحِقا به؛ لأنَّ الحَمْلَ الواحدَ لا يجوزُ أن يكونَ بعضُه منه وبعضُه مِن غيرِه، فإذا ثَبَت نَسَبُ أحَدِهما منه، ثَبَتَ نسبُ الآخَرِ

..................................  ضَرُورةً، فجَعَلْنا ما نَفَاه تابِعًا لِما اسْتَلْحَقَه، ولم يُجْعَلْ ما أقَرَّ به تابِعًا لِما نَفَاه؛ لأنَّ النَّسَبَ يُحْتاطُ لإِثْباتِه لا لِنَفْيه، ولهذا لو أتَتِ امرأتُه بوَلَدٍ يُمْكِنُ كونُه منه، ويُمْكِنُ كونُه مِن غيرِه، أَلْحَقْناه به احْتِياطًا، ولم نَقْطَعْه عنه احْتِياطًا لِنَفْيه.
فعلى هذا، إن كان قد قَذَفَ أُمَّهما 1 فطالبَتْه بالحَدِّ، فله إسْقاطُه باللِّعانِ.
وحُكِيَ عن القاضي، أنَّه يُحَدُّ، ولا يَمْلِكُ إسْقاطَه باللِّعانِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه باسْتِلْحاقِه اعْتَرَفَ بكَذِبِهِ في قَذْفِه، فلم يُسْمَع إنْكارُه بعدَ ذلك.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه لا يَلْزَمُ مِن كونِ الوَلَدِ منه انْتِفاءُ الزِّنَى عنها، كما لا يَلْزَمُ مِن وُجُودِ الزِّنَى كونُ الوَلَدِ منه، ولذلك لو أقَرَّتْ بالزِّنَى، أو قامت به 2 بَيِّنَة، لم يَنْتَفِ الوَلَدُ عنه، فلا تَنافِيَ بينِ لِعانِه وبينَ اسْتَلْحَاقَه للولَدِ.
فإنِ اسْتَلْحَقَ أحَدَ التَّوْأمَينِ وسَكَتَ عن الآخرِ، لَحِقَه؛ لأنَّه لو نَفَاه لَلَحِقَه، فإذا سَكَتَ عنه كان أَوْلَى، ولأنَّ امْرَأتَه متى أتَتْ بوَلَدٍ، لَحِقَه ما لم يَنْفِه عنه باللِّعانِ.
وإن نَفَى أحَدَهما، وسَكَتَ عن الآخَرِ، لَحِقَاهُ جميعًا.
فإن قيل: ألَا نَفَيتُم المَسْكُوتَ عنه؛ لأنَّه قد نَفَى أخاه، وهما حَمْلٌ واحدٌ؟ قُلْنا: لُحُوقُ النَّسَبِ مَبْنِيٌّ على التَّغلِيبِ، وهو يَثْبُتُ بمُجَرَّدِ الإمكانِ وإن لم يَثْبُتِ الوَطْءُ، ولا يَنْتَفِي لإِمْكانِ النَّفْي،

..................................  فافْتَرَقا.
فإِن أتَتْ بوَلَدٍ، فنَفَاه، ولاعَنَ لِنَفْيه، ثم ولدَتْ آخَرَ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ، لم يَنْتَفِ الثاني باللِّعانِ الأولِ؛ لأنَّ اللِّعان يتناوَلُ الأَوَّلَ وحدَه، ويَحْتاجُ 1 في نَفْي الثَّانِي إلى لِعانٍ ثانٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه يَنْتَفِي بِنَفْيِه مِن غيرِ حاجةٍ إلى لِعانٍ ثَانٍ؛ لأنَّهما حَمْلٌ واحِدٌ، وقد لاعَنَ لِنَفْيِه مَرَّةً، فلا يَحْتاجُ إلى لِعانٍ ثانٍ 2. ذَكَرَه القاضي.
فإن أقَرَّ بالثاني لَحِقَه هو والأولُ؛ لِما ذكَرْناه، وإدْ سَكَت عن نَفْيه، لَحِقاه أيضًا.
فأمَّا إن نَفَى الوَلَدَ باللعانِ، ثم [أتَتْ بوَلَدٍ] 3 آخَرَ بعدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، فهو مِن حَمْلٍ آخَرَ، فإنَّه لا يجوزُ أن يكونَ بمنَ وَلَدَين مِن حَمْلٍ واحِدٍ مُدَّةُ الحَمْلِ، ولو أمْكَنَ لم تَكُنْ هذه مُدَّةَ حَمْلٍ كاملٍ.
فإن نَفَى هذا الولد باللِّعانِ، انْتَفَى، ولا يَنْتَفِي بغيرِ اللِّعانِ؛ لأنَّه حَمْل مُنْفَرِد، وإنِ اسْتَلْحَقَه أو تَرَك نَفْيَه، لَحِقَه وإن كانَتْ قد بانتْ باللِّعَانِ؛ لأنَّه يُمكِنُ أن يكونَ قد وَطِئَها بعدَ وضْعِ الأوَّلِ.
وإن لَاعَنَها قبلَ وَضْعِ الأوَّلٍ، فَأَتَتْ بولَدٍ، ثم ولَدَتْ آخرَ بعدَ سِتَّةِ أشْهُرٍ، لم يَلْحَقْه الثاني؛ لأنَّها بانتْ باللِّعانِ، وانْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِ الأوَّلِ، وكان حَمْلُها الثاني بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها في غيرِ نكاحٍ، فلم يَحْتَجْ إلى نَفْيِه.

فَصْلٌ: الثَّالِثُ: أن تُكَذِّبَهُ الزَّوْجَةُ وَيَسْتَمِرّ ذَلِكَ إلَى انْقِضَاءِ اللِّعَانِ، فَإِنْ صَدَّقَتْهُ أو سَكَتَتْ، لَحِقَهُ النَّسَبُ،  فصل: فإن مات أحَدُ التَّوْأمَين، أو ماتا معًا، فله أن يُلاعِنَ لنَفْي نَسَبِهما.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَلْزَمُه نَسَبُ الحَيٍّ، ولا يُلاعِنُ إلَّا 1 لِنَفْي الحَدِّ، لأنَّ المَيِّتَ لا يَصِحُّ نَفْيُه باللِّعانِ، فإنَّ نسَبَه قد انْقَطَعَ بمَوْتِه، ولا حاجَةَ إلى نَفْيِه باللِّعانِ، كما لو ماتتِ امرأتُه، فإنَّه لا يُلاعِنُها بعدَ مَوْتِها لِقَطْعِ النِّكاحِ؛ لكَوْنِه قد انْقَطَعَ، وإذا لم يَنْتَفِ المَيِّتُ لم يَنْتَفِ الحَيُّ؛ لأنَّهما حَمْل واحِدٌ.
ولَنا، أنَّ المَيِّتَ يُنْسَبُ إليه، فيقالُ: ابنُ فلانٍ.
ويَلْزَمُه تَجْهِيزُه وتَكْفِينُه، فكان له نَفْيُ نَسَبِه، وإسْقاطُ مُؤنَتِه، كالحَيِّ، وكما لو كان للمَيِّتِ وَلَدٌ.
فصل: قال المُصَنِّفُ، رَحِمَه اللهُ: (الثَّالثُ، أن تُكَذِّبَه الزَّوْجَةُ ويَسْتَمِرَّ ذلك إلى انْقِضاءِ اللِّعانِ) لأنَّ المُلاعَنَةَ إنَّما تَنْتَظِمُ مِن الزَّوْجَينِ، وإذا لم تُكَذِّبْه، لم تُلاعِنْه، فلا يَصِحُّ اللِّعانُ (فإن صَدَّقَتْه أو سَكَتَتْ، لَحِقَه النَّسَبُ) لأنَّ الولَدَ للفِراشِ، وإنَّما يَنْتَفِي عنه باللِّعانِ، ولم يُوجَدِ

وَلَا لِعَانَ في قِيَاسِ الْمَذْهَبِ.
اللِّعانُ؛ لانْتِفاءِ شَرْطِه، فبَقِيَ 1 النَّسَبُ لاحِقًا به (ولا لِعانَ في قِياسِ المذهبِ) ثم إن كان تَصْديقُها له قبلَ لِعانِه، فلا لِعانَ بينَهما؛ لأنَّ اللِّعانَ كالبَيِّنَةِ، إنَّما تُقامُ مع الإِنْكارِ، فإن كان بعدَ لِعانِه، لم تُلاعِنْ هي؛ لأنَّها لا تَحْلِفُ مع الإقْرارِ، وحُكْمُها حُكْمُ ما لو امْتَنَعَتْ مِن غيرِ إقْرارٍ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: إن صَدَّقَتْه قبلَ لِعَانِه، فعليها الحَدُّ، وليس له أن يُلاعِنَ، إلَّا أن يكونَ له نسَبٌ يَنْفِيه، فيُلاعِنُ وحدَه، ويَنْتَفِي النَّسَبُ بمُجَرَّدِ لِعَانِه، وإن كان بعدَ لِعَانِه، فقد انْتَفَى النَّسَبُ، ولَزِمَها الحَدُّ.
بِناءً على أنَّ النَّسَبَ يَنْتَفِي بمُجَرَّدِ لِعانِه، وتَقَعُ الفُرْقَةُ، ويَجِبُ الحَدُّ، [فإنَّ الحَدَّ يَجِبُ] 2 بإقْرارِه مَرَّةً.
وهذه الأُصُولُ تُذْكَرُ في مَوْضِعِها إن شاءَ اللهُ تَعالى.
ولو أقَرَّتْ أرْبَعًا، وَجَبَ الحَدُّ، ولا لِعَانَ بَينَهما إذا لم يَكُنْ ثَمَّ نَسَبٌ يُنْفَى.
وإن رجَعَتْ سَقَطَ الحَدُّ عنها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه.

وَإنْ مَاتَ أَحدُهُمَا قَبْلَ اللِّعَانِ، وَرِثَهُ صَاحِبُهُ، وَلَحِقَهُ نَسَبُ الْوَلَدِ، وَلَا لِعَانَ.
وبه يقولُ الشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي؛ فإنَّ الرُّجوعَ عن الإِقْرارِ بالحَدِّ مَقْبُولٌ.
وليس له أن يُلاعِنَ للحَدِّ، فإنَّه لم يَجِبْ عليه؛ لِتَصْديقِها إيَّاه.
فإن أراد لِعانَها لِنَفْي نَسَبٍ، فليس له ذلك في جميع هذه الصُّوَرِ.
وهو ظاهِرُ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، وقولُ أصحابِ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ: له لِعانُها لِنَفْي النَّسَبِ فيها كلِّها؛ لأنَّها لو كانت عَفِيفَةً صالحةً فكَذَّبَتْه، مَلَكَ نَفْيَ وَلَدِها، فإذا كانت فاجِرَةً فصَدَّقَتْه، فَلأنْ يَمْلِكَ نَفْيَ وَلَدِها أَوْلَى.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ نَفْيَ الوَلَدِ إِنَّما يكونُ بلِعانِهما معًا، وقد تَعَذَّرَ اللِّعانُ منها؛ لأنَّها لا تُسْتَحْلَفُ على نفْي ما تُقِرُّ به، فتَعَذرَ نَفْيُ الوَلَدِ لتَعَذُّر سَبَبِه (1)، كما لو مات بعدَ القَذْفِ وقبلَ اللِّعانِ.

3808 -

مسألة: (وإِن مات أحَدُهما قبلَ اللِّعانِ، وَرِثَه صاحِبُه، ولَحِقَه نَسَبُ الوَلَدِ، ولا لِعانَ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا قَذَفَها ثم مات قبلَ لِعانِهما، أو 2 قبلَ إتْمام لِعانِه، سَقَطَ اللِّعانُ، ولَحِقَه الوَلَدُ، ووَرِثَتْه، في قَوْلِ الجميعِ؛ لأنَّ اللِّعانَ لم يُوجَدْ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه، وإن ماتَ بعدَ أن أكْمَلَ لِعانه، وقبلَ لِعانِها، فكذلك.
وقال الشافعيُّ: تَبِينُ بِلعانِه،1

..................................  ويَسْقُطُ التَّوارُثُ، ويَنْتَفِي الولدُ، ويَلْزَمُها الحَدُّ، إلَّا أن تَلْتَعِنَ.
ولَنا، أنَّه ماتَ قبلَ إكْمالِ اللِّعانِ، أشْبَهَ ما لو مات قبلَ إكْمالِ الْتِعانِه، وذلك لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما رَتَّبَ هذه الأحكامَ على اللِّعانِ التامِّ، والحُكْمُ لا يَثْبُتُ قبلَ كَمالِ سَبَبِه.
وإن ماتَتِ المرأةُ قبلَ اللِّعانِ، فقد ماتت على الزَّوْجِيَّةِ، ويَرِثُها في قولِ عامَّةِ أهْل العِلْمِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ: إنِ الْتَعَنَ، لم يَرِثْ.
ونحوُ ذلك عن الشَّعْبِيِّ، وعِكْرِمَةَ؛ لأنَّ اللِّعانَ يُوجِبُ فُرْقَةً تَبينُ بها، فيَمْنَعُ التَّوارُثَ، كما لو الْتَعَنَ في حَياتِها.
ولَنا، أنَّها ماتت على الزَّوْجِيَّةِ فوَرِثَها، كما لو لم يَلْتَعِنْ، ولأنَّ اللِّعانَ سَبَبُ الفُرْقَةِ، فلم يَثْبُتْ حُكْمُه بعدَ مَوْتِها كالطَّلَاقِ، وفارَقَ اللِّعانَ في الحياةِ، فإنَّه يَقْطَعُ الزَّوْجِيَّةَ، على أنَّا نقُولُ: إنَّه لو لَاعَنَها ولم تَلْتَعِنْ هي، لم تَنْقَطِعِ الزَّوْجِيَّةُ.
وسنذكرُ ذلك إنْ شاءَ اللهُ تعالى، فههُنا أوْلَى.
فإن قِيلَ: فعندَم لو الْتَعَنَ مِن الوَلَدِ المَيِّتِ ونَفَاه لم يَرِثْه، فكذلك الزَّوْجَةُ.
قُلْنا: لو الْتَعَنَ الزَّوْجُ وحدَه دونَها، لم يَنْتَفِ الولدُ، ولم يَثْبُتْ حُكْمُ اللِّعانِ، على ما نَذْكُرُه، ثم الفَرْقُ بينَهما أنَّه إذا نَفَى الوَلَدَ تَبَيَّنَّا أنَّه لم يَكُنْ منه أصْلًا في حالٍ مِن الأحوالِ، والزَّوجةُ قد كانتِ امْرأتَه فيما قبلَ اللِّعانِ، وإنَّما يُزِيلُه نِكاحَها اللعانُ، كما يُزِيلُه الطَّلاقُ، فإذا ماتت قبلَ وُجودِ ما يُزِيلُه، فيكون مَوْجودًا حال الموْتِ، فيوجبُ التَّوارُثَ، ويَنْقَطِعُ بالمَوْتِ، فلا يُمْكِنُ انْقِطاعُه مَرَّةً أُخْرَى.
وإن أَراد الزَّوْجُ اللِّعانَ، ولم تكُنْ طالبَتْ بالحَدِّ في حياتِها، لم يَكُنْ له أن يَلْتعِنَ، سَواءٌ كان ثَمْ ولدٌ يُرِيدُ نَفْيَه أو لم يكُنْ.
وعند الشافعيِّ،

وَإِنْ مَاتَ الْوَلَدُ فَلَهُ لِعَانُهَا وَنَفْيُهُ.
إن كان ثَمَّ وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَه، فله أن يَلْتَعِنَ.
وهذا يَنْبَنِي على أصْلٍ، وهو أنَّ اللِّعانَ إنَّما يكونُ بينَ الزَّوْجَين، فإنَّ لعانَ الرجلِ وحدَه لا يَثْبُتُ به حُكْمٌ، وعندَهم بخِلَافِ ذلك.
فأما إن كانت طالبَتْ بالحَدِّ في حياتِها، فإنَّ أوْلِياءَها يقُومون في الطَّلَبِ به مَقامَها، فإن طُولِبَ به، فله إسْقاطُه باللِّعانِ.
ذكَرَه القاضي، وإلَّا فلا، فإنَّه لا حاجَةَ إليه مع عدَم الطَّلَبِ؛ لأنَّه لا حَدَّ عليه.
وقال أصْحابُ الشافعيِّ: إن كان للمَرْأَةِ وارِثٌ غيرُ الزَّوْجَ، فله اللِّعانُ، لِيُسْقِطَ الحَدَّ عن نفْسِه، وإلَّا فلا.

3809 -

مسألة: (وإن مات الوَلَدُ، فله لِعانُها ونَفْيُه)

لأنَّ شُرُوطَ اللِّعَانِ تَتَحَققُ بدُونِ الوَلَدِ فلا تَنْتَفِي بمَوْتِه.
فصل: إذا مات المقْذُوفُ قبلَ المُطالبَةِ بالحَدِّ، [سَقَط، و] 1 لم يَكُنْ لوَرَثَتِه الطلَبُ به.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: يُورَثُ وإن لم يَكُنْ طالبَ به؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا فَلِوَرَثَتِه» 2. ولأنَّه حَقٌّ ثَبَتَ له في الحياةِ، يُورَثُ إذا طالبَ به، فيُورَثُ وإن لم يطالِبْ به، كحقِّ 3 القِصاصِ.
ولَنا، أنَّه حَدٌّ تُعْتَبَرُ فيه المُطالبَةُ، فإذا لم يُوجَدِ الطَّلَبُ مِن المالِكِ، [لم يَجِبْ] 4، كحَدِّ القَطْعِ في الوقةِ، والحديثُ يَدُلُّ على أنَّ

..................................  الحق المَتْرُوكَ يُورَثُ، وهذا ليس بمَتْرُوكٍ، وأمَّا حَقُّ القِصاصِ، فإنَّه حقٌّ يجوزُ الاعْتِياضُ عنه، ويَنْتَقِلُ إلى المالِ، بخِلافِ هذا.
فأمَّا إن طالبَ به ثم مات، فإنَّه يَرِثُه العَصَباتُ مِن النَّسَبِ دُونَ غيرِهم؛ لأنَّه حَق ثَبَتَ لدَفْعِ العارِ، فاخْتَصَّ به العَصَباتُ، كولَايةِ النِّكاحِ.
وهذا أحدُ الوُجُوهِ لأصحابِ الشافعيِّ.
ومتى ثَبَتَ للعَصَباتِ، فلهم اسْتِفَاؤُه.
[وإن طَلَبَ أحَدُهم وحدَه، فله اسْتِفَاؤُه.
وإن عَفَى بَعْضُهم، لم يَسْقُطْ وكان للباقِين اسْتِفَاؤُه] 1. ولو بَقِيَ واحدٌ، كان له اسْتِفَاءُ جَمِيعِه؛ لأنَّه حقٌّ يُرادُ للرَّدْعِ والزَّجْرِ، فلم يَتَبَعَّضْ 2، كسائرِ الحُدُود، ولا يَسْقُطُ بإسْقاطِ البعضِ؛ لأنَّه يُرادُ لِدَفْعِ العارِ عن المَقْذُوفِ، وكُلُّ واحدٍ مِن العَصَباتِ يقومُ مَقامَه في اسْتِيفائِه، فيَثْبُتُ له جَمِيعُه، كولايةِ النِّكاحِ، ويُفارِقُ حَقَّ القِصاصِ؛ لأنَّ ذلك يَفُوتُ إلى بَدَلٍ، ولو أسْقَطْاه ههُنا، لَسَقَطَ حَقُّ 3 غيرِ العافِي إلى غيرِ بَدَلٍ.
فصل: وإذا قَذَفَ امرأتَه، وله بَيِّنَة تَشهَدُ بِزِناها، فهو مُخَيَّرٌ بينَ لِعانِها وبينَ إقامةِ البَيِّنَةِ؛ لأنَّهما سَبَبَان، فكانت له الخِيَرَةُ في إقامةِ أَيِّهما شاء، كمَن له بدَينٍ شاهِدان وشاهِدٌ وامْرَأتان، ولأنَّ كلَّ واحدةٍ 4 منْهما يَحْصُلُ بها ما لا يَحْصُلُ بالأُخْرَى، فإنَّه يَحْصُلُ باللِّعانِ نَفْيُ النَّسَبِ

..................................  الباطِلِ، ولا يَحْصُلُ ذلك بالبَيِّنَةِ، ويَحْصُلُ بالبَيِّنَةَ ثُبُوتُ زِنَاها وإقامَةُ الحَدِّ عليها، ولا يَحْصُلُ باللِّعانِ.
فإن لَاعَنها ونَفَى وَلَدَها، ثم أراد إقامَةَ البَيِّنَةِ، فله 1 ذلك، فإذا أقامَها، ثَبَتَ مُوجَبُ اللِّعانِ ومُوجَبُ البَيِّنَةَ، وإن أقامَ البَيِّنَةَ أولًا، ثَبَتَ الزِّنَى ومُوجَبُه، ولم يَنتفِ عنه الوَلَدُ؛ فإنَّه لا يَلْزَمُ مِن الزِّنَى كَوْنُ الوَلَدِ منه.
وإن أراد لِعانَها بعدَ ذلك، وليس بينَهما وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَه، لم يَكُنْ له ذلك؛ لأنَّ الحَدَّ قد انْتَفَى عنه بإقامةِ البَيِّنَةَ، فلا حاجةَ إليه.
وإن كان بينَهما ولدٌ يُرِيدُ نَفْيَه، فعلى قولِ القاضي، له أن يُلاعِنَ.
وقد ذَكَرْنا ذلك.
فصل: وإن قَذَفَها، فطالبَتْه بالحَدِّ، فأقامَ شاهِدَين على إقْرارِها بالزِّنَى، سَقَطَ عنه الحَدُّ؛ لأنَّه ثَبَتَ تَصْدِيقُها إيَّاه، ولم يَجِبْ عليها؛ لأنَّه لا يَجِبُ إلا بإقْرارِ أرْبَعِ مَرَّاتٍ، ويَسْقُطُ بالرُّجوعِ عن الإِقْرارِ.
فإن لم يكنْ له بَيِّنَةٌ حاضِرَةٌ، فقال: لي بَيِّنةٌ غائِبَة أُقِيمُها على الزِّنَى.
أُمْهِلَ اليَوْمَين والثَّلاثةَ؛ لأنَّ ذلك قَرِيبٌ، فإن أَتَى بالبَيِّنَةِ، وإلَّا حُدَّ، إلا أن يُلاعِنَ إذا كان زَوْجًا.
فإن قال: قَذَفْتُها وهي صَغِيرَةٌ.
فقالت: قَذَفَني وأنا كَبِيرَةٌ.
وأقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةَ بما قال، فهما تَذْفان.
وكذلك إنِ اخْتَلَفا في الكُفْرِ والرِّقِّ أو الوَقْتِ؛ لأنَّه لا تَنافِيَ بينَهما، إلا أن يكُونا مُؤَرَّخَين تَأْرِيخًا واحِدًا، فيَسْقُطان، في أحَدِ الوَجْهَين، وفي الآخرِ، يُقْرَعُ بينهما، فمَن خرَجَتْ قُرْعَتُه، قُدِّمَت بَيِّنَتُه.

..................................  فصل: فإن شَهِدَ شاهِدان أنَّه قَذَفَ فُلانَةَ وقَذَفَنا 1. لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لاعْتِرافِهما بعَداوَتِه لهما، وشَهادةُ العَدُوِّ لا تُقْبَلُ على عَدُوِّه.
وان أبرَآه وزالتِ العَداوَةُ، ثم شَهِدا عليه بذلك، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها رُدَّتْ للتُّهْمَةِ، فلم تُقْبَلْ بعدُ، كالفاسِقِ إذا شَفِدَ فرُدَّتَ شَهادَته لفِسْقِه ثم تاب وأعادها.
ولو أنَّهما ادَّعَيا عليه أنَّه قَذَفَهما، ثم أْبرَآهُ 2 وزالتِ العَداوَةُ، ثم شَهِدَا عليه بقَذْفِ زَوْجَتِه، قُبِلَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما لم يُرَدَّا في هذه الشَّهادةِ.
ولو شَهِدا أنَّه قَذَفَ امْرأتَه، ثم ادَّعَيا بعدَ ذلك أنَّه قَذَفَهما، فإن أضافا دَعْواهما إلى ما قبلَ شهادَتِهما، [بَطَلَتْ شَهادَتُهما] 3؛ لاعْتِرافِهما أنَّه كان عَدُوًّا لهما حينَ شَهِدا عليه.
وإن لم يُضِيفاها إلى ذلك الوقتِ، وكان ذلك قبلَ الحُكْمِ بشهادَتِهما، لم يُحْكَمْ بها؛ لأنَّه لا يُحْكَمُ عليه بشَهادةِ عَدُوَّيْن، وإن كان بعدَ الحُكْمِ، لم تَبْطُلْ؛ لأنَّ الحُكْمَ تَمْ قبلَ وُجُودِ المانِعِ، كظُهُورِ الفِسْقِ، وإن شَهِدا أنَّه قَذَفَ امْرأتَه [وأُمَّنا] (3)، لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما؛ لأنَّها رُدَّتَ في البعضِ للتُّهْمَةِ، فوَجَبَ أن تُرَدَّ في الكُلِّ، وإن شَهِدا على أبِيهِما أنَّه قَذَفَ ضَرَّةَ أُمِّهِما، قُبِلَتْ شهادَتُهما.
وبهذا قال مالِكٌ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ في الجَدِيدِ.
وقال في القديم: لا تُقْبَلُ؛ لأنَّهُما يَجُرَّانِ إلى أُمِّهِما نَفْعًا، وهو أنَّه يُلاعِنُها فتَبِينُ، ويَتَوَفَّرُ على أُمِّهِما.
وليس بشيءٍ؛ لأنَّ لِعانَه لها يَنْبَنِي على مَعْرِفَتِه بِزِناها،

..................................  لا على الشّهادَةِ عليه بما لا يَعْتَرِفُ 1 به.
وإن شَهِدا بطَلاقِ الضَّرَّةِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تقْبَلُ؛ لأنَّهما يَجُرَّانِ إلى أُمِّهِما نَفْعًا، وهو تَوَفُّرُه على أُمِّهِما.
والثَّاني، تُقْبَلُ؛ لأنَّهما لا يَجُرَّان إلى أنْفُسِهما نَفْعًا.
فصل: ولو شَهِدَ شاهدٌ أنَّه أقَرَّ بالعَرَبِيَّةِ أنَّه قَذَفَها، وشَهِدَ آخرُ أنَّه أقَرَّ بذلك بالعَجَمِيَّةِ، ثَبَتَتِ الشَّهادة؛ لأنَّ الاخْتلافَ في العَجَمِيَّةِ والعَرَبِيَّةِ عائدٌ إلى الإقْرارِ دُونَ القَذْفِ، ويجوز أن يكونَ القَذْفُ واحدًا والإقْرارُ به 2 في مَرَّتَين، ولذلك لو شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ يَوْمَ الخَمِيسِ بقَذْفِها، وشَهِدَ آخر أنَّه أقَرَّ بذلك يومَ الجُمُعَةِ، تَمَّتِ الشَّهادةُ؛ لِما ذَكَرْناه.
وإن شَهِدَ أحَدُهما أنَّه قَذَفَها بالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ آخَرُ أنَّه قَذَفَها بالعَجَمِيَّةِ، أو شَهِدَ أحَدُهُما أنَّه قَذَفَها يومَ الخميسِ، وشَهِدَ الآخَر أنَّه [قَذَفَها يومَ الجُمُعَةِ، أو شَهِدَ أَحَدُهما أنَّه] 3 أقَرَّ بقَذْفِها [بالعَرَبِيَّةِ، أو يومَ الخميسِ، وشَهِدَ الآخَر أنَّه قَذَفَها] (3) بالعَجَمِيَّةِ، أو يومَ الجُمُعَةِ، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، تَكْمُلُ الشَّهادَةُ.
وهو قولُ أبِي بكرٍ، ومذهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّ الوَقْتَ ليس ذِكْره شَرْطًا في الشَّهادَةِ بالقَذْفِ، وكذلك اللِّسان، فلم يُؤثِّرْ الاخْتِلاف فيه، كما لو شَهِدَ أحَدُهُما أنَّه أقَرَّ بقَذْفِها يومَ الخميسِ بالعَرَبِيَّةِ، وشَهِدَ الآخَر أنَّه أقَرَّ بقَذْفِها يومَ الجُمُعَةِ بالعَجَمِيَّةِ.
والثَّاني، لا تَكْمُلُ الشَّهادَة.
وهر مذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّهما قذفان لم تتِمَّ الشَّهادَة على واحدٍ

وَإِنْ لَاعَنَ وَنَكَلَتِ الزَّوْجَةُ عَنِ اللِّعَانِ، خُلِّيَ سَبِيلُهَا، وَلَحِقَهُ الْوَلَدُ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
وَعَنْ أحْمَدَ أَنَّهَا تُحْبَسُ حَتَّى تُقِرَّ أَوْ تُلَاعِنَ.
منهما، فلم تَثْبُتْ، كما لو شَهِدَ أحَدُهما أنَّه تَزَوَّجَها يومَ الخميسِ، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه تزَوَّجَها يومَ الجُمُعَةِ، وفارَقَ الإِقْرارَ بالقَذْفِ؛ فإنَّه يجوزُ أن يكونَ المُقِرُّ به واحِدًا، أقَر به في وَقْتَين بلِسانَين.

3810 -

مسألة: (وإن لاعَنَ ونَكَلَتِ الزَّوْجَةُ عن اللِّعانِ، خُلِّيَ سَبِيلُها، ولَحِقَه الوَلَدُ. ذَكَرَه الخِرَقِيُّ. وعن أحمدَ أنَّها تحْبَسُ حَتَّى تقِرَّ أو تُلاعِنَ)

إذا لاعَنَ امرأتَه، وامْتَنَعَتْ مِن المُلاعَنَةِ، فلا حَدَّ عليها، والزَّوْجِيَّةُ بحالِها.
وبه قال الحسنُ، والأوْزاعِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي.
ورُوِيَ ذلك عن الحارثِ العُكْلِيِّ، وعَطاءٍ الخُراسَانِيِّ.
وذهَبَ مَكْحُولٌ، والشَّعْبِيُّ، ومالِكٍ، والشافعيِّ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وأبو إسْحاقَ الجُوزْجَانِيُّ، وابنُ المُنْذِرِ، إلى أنَّ عليها الحَدَّ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ 1. والعذابُ الَّذي يَدْرَؤُه عنها لِعانُها هو الحَدُّ المَذْكُورُ في قولِه تعالى: ﴿وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ﴾ 2. ولأنَّه بلِعانِه

..................................  حَقَّقَ زِنَاها، فوَجَبَ عليها الحَدُّ، كما لو شَهِدَ عليها أرْبَعةٌ.
ولَنا، أنَّه يتَحَقَّقْ زنَاها، فلا يَجبُ عليها الحَدُّ، كما لو لم يُلاعِنْ، ودَلِيلُ ذلك، أنَّ تَحَققَ زِنَاها لا يَخْلُو إمّا أن يكونَ بِلعانِ الزَّوجِ، أو 1 بِنُكُولِها، لا يجوزُ أن يكونَ بِلعانِ الزَّوجِ وحدَه 2؛ لأنَّه لو ثبَتَ زِنَاها به 3، لَما سُمِعَ لِعَانها 4، ولا وجَبَ الحَدُّ على قاذِفِها، ولأنَّه إمَّا يَمِينٌ وإمَّا شَهادَةٌ، وكلاهما لا يُثْبِتُ له الحَقَّ على غيرِه، ولا يجوز أن يَثْبُتَ

..................................  بِنُكُولها؛ لأنَّ الحَدَّ لا يَثْبُتُ بِالنُّكُولِ، فإنَّه يُدْرَأُ بالشُّبُهاتِ، فلا يَثْبُتُ بها؛ وذلك 1 لأنَّ النُّكُولَ يَحْتَمِلُ أن يكونَ لِشِدَّةِ خَفَرِها 2، أو لثِقَلِه على لِسَانِها، أو غيرِ ذلك، فلا يجوزُ إثْباتُ الحَدِّ الَّذي اعْتُبِرَ في بَيِّنَتِه مِن العَدَدِ ضِعْفُ ما اعْتُبِرَ في صمائِرِ الحُدُودِ، واعْتُبِرَ في حَقِّهِم أن يَصِفُوا صُورةَ الفِعْلِ، وأن يُصَرِّحُوا بلَفْظِه، وغيرُ ذلك، مُبالغَةً في نَفْي الشُّبُهاتِ عنه، وتَوَسُّلًا إلى إسْقاطِه، ولا يجوزُ أن يُقْضَى فيه بِالنُّكُولِ الَّذي هو في نفسِه شُبْهَةٌ، لا يُقْضَى به في شيءٍ مِن الحُدُودِ ولا العُقُوباتِ، ولا ما عَدَا الأمْوال، مع أنَّ الشافعيَّ لا يَرَى القضاءَ بالنُّكُولِ في شيءٍ، فكيف يَقْضِي به في أعْظَمِ الأُمُورِ وأْبعَدِها ثُبُوتًا، وأسْرَعِها سُقُوطًا! ولأنَّها لو أقَرَّتْ بِلِسانِها، ثم رَجَعَتْ، لم يَجِبْ عليها الحَدُّ؛ فلَأن لا يَجِبَ بمُجَرَّدِ امْتِناعِها مِن اليَمِينِ على بَراءَتِها 3 أوْلَى، ولا يجوزُ أن يُقْضَى فيه بهما؛ لأنَّ ما لا يُقْضَى فيه باليَمِينِ المُفْرَدَةِ، لا يُقْضَى فيه باليَمِينِ مع النُّكُولِ، كسائِرِ

..................................  الحُقُوقِ، ولأنَّ ما 1 في كُلِّ واحدٍ منهما مِن الشُّبْهَةِ لا يَنْتَفِي بضَمِّ أحدِهما إلى الآخَرِ، فإنَّ احْتِمال نُكُولِها لِفَرْطِ حَيائِها وعَجْزِها عن النُّطْقِ باللِّعانِ في مَجْمَعِ النَّاسِ، لا يَزُولُ بلِعانِ الزَّوْجِ، والعَذابُ يجوزُ أن يكونَ الحَبْسَ أو غيرَه، فلا يَتَعَيَّنُ في الحَدِّ، وإنِ احْتَمَلَ أن يكونَ هو المُرادَ، فلا يَثْبُتُ 2 الحَدُّ بالاحْتمالِ، وقد يُرَجَّحُ ما ذَكَرْناه بقولِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه: إنَّ الرَّجْمَ 3 على مَن زَنى وقد أحْصَنَ، إذا كانت بَيِّنَةٍ، أو كان الحملُ، أو الاعْتِرافُ 4. فذَكَرَ مُوجِباتِ الحَدِّ، ولم يَذْكُرِ اللِّعانَ.
واخْتَلَفَتِ الرِّواية فيما يُصْنَعُ بها، فرُوىَ أنَّها تحْبَسُ حتَّى تَلْتَعِنَ أو تُقِرَّ أرْبَعًا.
قال أحمدُ: فإن أبَتِ المرْأةُ أن تَلْتَعِنَ بعدَ الْتِعانِ الرجلِ 5، أجْبَرْتها عليه، وهِبْت أن أحْكمَ عليها بالرَّجْمِ؛ لأنَّها لو أقَرَّتْ بلِسانِها لم أرْجُمْهَا إذا رَجَعَتْ، فكيف إذا أَبَتِ اللِّعان! ولا يسْقُطُ النَّسَبُ إلا بالْتِعانِهِما جميعًا؛ لأنَّ الفِراشَ قائمٌ حتَّى تَلْتَعِنَ، والوَلَذ للفِرَايقِ.
قال القاضي: هذه الرِّواية أصَحُّ.
وهذا قولُ مَن وافَقَنا في أنَّه لا حَدَّ عليها؛ وذلك لقولِ

وَلَا يُعْرَضُ لِلزَّوْجِ حَتَّى تُطَالِبَهُ الزوْجَةُ.
فَإنْ أرَادَ اللِّعَانَ مِنْ غَيرِ طَلَبِهَا، فَإنْ كَانَ بَينَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإلَّا فَلَا.
اللهِ تعالى: ﴿وَيَدْرَؤْأ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَتٍ﴾.
فيَدُلُّ على أنَّها إذا لم تشْهَدْ لا يُدْرَأُ عنها العَذَابُ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، يُخَلَّى سَبِيلُها.
وهو قولُ أبي بكرٍ؛ لأنَّه لم يَجِبْ عليها الحَدُّ، فيَجِبُ تَخْلِيةُ سَبِيلها، كما لو لم تَكْمُلِ البَيِّنَةُ.
فأمَّا الزَّوْجِيَّةُ، فلا تَزُولُ، والولَدُ لا يَنْتَفِي مما لم يَتِمَّ اللِّعانُ بينَهما، في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا الشافعيَّ، فإنَّه قَضَى بالفرْقَةِ ونَفْيِ الوَلَدِ بمُجَرَّدِ لِعَانِ الرجلِ، على ما نَذْكُرُه.

3811 -

مسألة: (وَلَا يُعْرَضُ لِلزَّوْجِ حَتَّى تُطَالِبَهُ زوْجَتُهُ. فَإنْ أرَادَ اللِّعَانَ مِنْ غَيرِ طَلَبِهَا، فَإنْ كَانَ بَينَهُمَا وَلَدٌ يُرِيدُ نَفْيَهُ، فَلَهُ ذَلِكَ، وَإلَّا فَلَا)

يعني لا يُتَعَرَّضُ له بإقامَةِ الحَدِّ عليه، [ولا طَلَبِ اللِّعانِ] 1 منه، حتَّى تُطالِبَه زوجتُه بذلك؛ فإنَّ ذلك حَقٌّ لها، فلا يُقامُ مِن غيرِ طَلَبِها، كسائِرِ حُقُوقِها.
وليس لوَلِيِّها المُطالبةُ عنها إن كانتْ مَجْنونَةً أو مَحْجُورًا عليها، ولا لِوَلِيِّ صغيرَةٍ وسَيِّدِ أمَةٍ المُطالبةُ بالتَّعْزيرِ مِن أجْلِهما؛ لأنَّ هذا حَقٌّ ثَبَتَ للتَّشَفِّي 2، فلا يَقومُ الغيرُ فيه مَقامَ المُسْتَحِقِّ، كالقِصَاصِ.
فإن أراد الزَّوجُ اللِّعانَ مِن غيرِ مُطالبةٍ، نَظَرْنا؛

..................................  فإن لم يكُنْ هناك ولَدٌ يُرِيدُ نَفْيَه، لم يَكُنْ له أن يُلاعِنَ، وكذلك كلُّ موْضعٍ سَقَطَ فيه الحَدُّ، مثلَ أن أقامَ البَيِّنَةَ 1 بِزِناها، أو أَبْرَأتْه مِن قَذْفِها، أو حُدَّ لها ثم أراد لِعانَها، ولا نَسَبَ هناك يُنْفى، فإنَّه لا يشْرَعُ اللِّعانُ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا، إلَّا بعضَ أصحابِ الشافعيِّ.
قالوا: له المُلاعَنَةُ لإِزالةِ الفِراشِ.
والصحِيحُ عندَهم مثلُ قولِ الجماعةِ؛ لأنَّ إزالةَ الفِراشِ مُمْكِنَةٌ بالطَّلاقِ، والتَّحريمُ المُؤبَّدُ ليس بمَقْصُودٍ شُرِعَ اللِّعانُ مِن أجْلِه، وإمْا حَصَلَ ضِمْنًا.
فأمَّا إن كان هناك ولَدٌ يُريدُ نَفيَه، فقال القاضي: له أن يُلاعِنَ.
وهو مذهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ هِلال بنَ أُمَيَّةَ لمَّا قَذَفَ امْرأتَه وأتَى النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأخْبَرَه، أرْسَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - إليها، فلاعَنَ بَينَهما 2، ولم تَكُنْ طالبَتْهُ، ولأنَّه مُحْتاجٌ إلى نَفْيِه، فيُشْرَعُ له طَرِيق إليه، كما لو طالبَتْه،

فَصْلٌ: فَإِذَا تَمَّ اللِّعَانُ بَينَهُمَا، ثَبَتَ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ؛ أَحَدُهَا، سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ أَو التَّعْزِيرِ.
وَلَوْ قَذَفَهَا بِرَجُل بِعَينِهِ، سَقَطَ الحَدُّ عَنْهُ لَهُمَا.
ولأنَّ نَفْيَ النَّسَبِ الباطلِ حَقٌّ له، فلا يَسْقُطُ برِضَاها به، كما لو طالبَتْ باللِّعانِ ورَضِيَتْ بالوَلَدِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُشْرَعَ اللِّعانُ ههُنا، كما لو قَذَفَها فَصَدَّقَتْه، وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه أحَدُ مُوجَبَيِ القَذفِ، فلا يُشْرَعُ مع عَدَم المُطالبةِ، كالحَدِّ.

3812 -

مسألة: (فَإِذَا تَمَّ اللِّعَانُ بَينَهُمَا، ثَبَتَ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ؛ أَحَدُهَا، سُقُوطُ الْحَدِّ عَنْهُ أَو التَّعْزِيرِ. وَلَوْ قَذَفَهَا بِرَجُلٍ بِعَينِهِ، سَقَطَ الحَدُّ عَنْهُ لَهُمَا)

وجملةُ ذلك، أنَّ اللِّعانَ إذا تَمَّ سَقَطَ الحَدُّ الَّذي أوْجَبَه القذفُ عن الزَّوْجِ، إذا كانتِ الزَّوْجَةُ مُحْصنةً، والتَّعْزيرُ إن لم تكُنْ مُحْصنةً؛ لأنَّ هِلال بنَ أُمَيَّةَ قال: واللهِ لا يُعَذِّبُنِي الله عليها، كما لمْ يجلدْنِي 1 عليها.
ولأنَّ شَهادَتَه أُقِيمَتْ مُقامَ بَيِّنَتِه، وبَيِّنتُه تُسْقِطُ الحَدَّ، كذلك لِعانه، ويحْصُلُ هذا بمُجَرَّدِ لِعانِه لذلك.
فإن نَكَلَ عن اللِّعانِ، أو عن إتْمامِه، فعليه الحَدُّ، وإن ضُرِبَ بَعْضَه 2، فقال: أنا أُلاعِنُ.
سُمِعَ ذلك منه؛

..................................  لأنَّ ما أُسْقِطَ كلُّه أُسْقِطَ بعضُه، كالبَيِّنةِ.
ولو نَكَلَتِ المرْأةُ عن 1 المُلاعَنَةِ، ثم بَذَلَتْها، سُمِعَتْ منها كالرجلِ.
فإن قَذَفَها برَجُلٍ بعَينِه، سَقَطَ الحَدُّ عنه لهما إذا تَمَّ اللِّعانُ، سَواءٌ ذَكَرَ الرجلَ في لِعَانِه أو لم يَذْكُرْه.
وإن لم يُلاعِنْ، فلِكُلِّ واحِدٍ منهما المُطالبَةُ، وأيُّهما طالبَ حُدَّ له دونَ مَن لم يُطالِبْ، كما لو قَذَفَ رجلًا بالزِّنَى بامرأةٍ مُعَيَّنةٍ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومَالِكٍ، إلا في أنَّه لا يَسْقُطُ حَدُّه بلِعانِها.
وقال بعضُ أصحابِنا: القذْفُ للزَّوْجَةِ وحدَها، ولا يَتَعَلقُ بغيرِها حَقُّ في المُطالبَةِ ولا الحَدِّ؛ لأنَّ هِلَال بنَ أُمَيَّةَ قَذَفَ زَوْجَتَه بشَرِيكِ بنِ السَّحْماءِ، فلم يَحُدَّه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا عَزَّره له.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يجبُ الحَدُّ لهما.
وهل يَجِبُ حَدٌّ واحِدٌ أو حَدَّان؟ على وَجْهَين.
وقال بعضُهم: لا يجبُ إلا حَدُّ واحِدٌ، [قولًا واحدًا] 2. ولا خِلافَ بينَهم أنَّه إذا لاعَنَ، وذكَرَ الأجْنَبِيَّ في لِعانِه، أنَّه يَسْقُطُ حُكْمُه عنه، وإن لم يَذْكُرْه، فعلى وَجْهَين.
ولَنا، أنَّ اللِّعانَ بَيِّنةٌ في أحَدِ الطَّرَفَين، فكان بَيِّنَةً في الطَّرَفِ الآخرِ، كالشَّهادةِ، ولأنَّ به حاجةً إلى قَذْفِ الزَّانِي، لِمَا أفْسَدَ عليه مِن فِراشِه، وربما يحْتاجُ إلى ذِكْرِه؛ ليَسْتَدِلَّ بشَبَهِ الوَلَدِ [للمَقْذُوفِ على صِدْقِ قاذِفِه، كما اسْتَدَلَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - على صِدْقِ هِلالِ بنِ أُمَيَّةَ بشَبَهِ] 3

..................................  الوَلَدِ 1 لشَرِيكِ بنِ سَحْماءَ، فوَجَبَ أن يُسْقِطَ حُكْمَ قَذْفِه ما أسْقَطَ حُكْمَ قَذْفِها، قياسًا له عليها.
فصل: فإن قَذَفَ امرأتَه وأجْنَبِيَّةً وأجْنَبِيَّةً بكلمتَين، فعليه حَدَّان لهما، فيَخْرُجُ مِن حَدِّ الأجْنَبِيَّةِ بالبَيِّنَةِ (1) خاصَّةً، ومِن حَدِّ الزَّوجةِ بالبَيِّنةِ أو اللِّعانِ.
وإن قَذَفَهما بكلمةٍ فكذلك، إلَّا أنَّه إذا لم يُلاعِنْ ولم تَقُمْ بَيِّنَةٌ، فهل يُحَدُّ لهما حَدًّا واحِدًا أو حَدَّين؟ على رِوايَتَينِ؛ إحْداهما، يُحَدُّ حَدًّا واحِدًا.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في القديمِ.
وزاد أبو حنيفةَ: سواءٌ كان بكلمةٍ أو كلماتٍ؛ لأنَّهما حُدُودٌ مِن جِنْسٍ، فوَجَبَ أن تَتَداخَلَ، كحَدِّ الزِّنَى.
والثانيةُ، إن طالبُوا مُجْتَمِعين فحدٌّ واحدٌ، وإن طالبُوا مُتَفَرِّقِينَ فلكلِّ واحِدٍ حَدٌّ؛ لأنَّهم إذا اجْتمعُوا في الطَّلَبِ، أمْكَنَ إيفاؤُهم 2 بالحَدِّ الواحِدِ، وإذا تَفَرَّقُوا لم يُمْكِنْ جَعْلُ الحَدِّ الواحِدِ إيفاءً لمَن لم يُطالِبْ؛ لأنَّه لا يجوزُ إقامةُ الحَدِّ له قبلَ المُطالبَةِ منه.
وقال الشافعيُّ، في الجديدِ: يُقامُ لكلِّ واحِدٍ حَدٌّ [بكلِّ حالٍ] 3؛ لأنَّها حُقوق لآدَمِيِّين، فلم تَتَداخَلْ، كالدُّيُونِ.
ولَنا، أنَّه إذا قَذَفَهُما بكلمةٍ واحدةٍ يُجْزِئُ حَدٌّ واحِدٌ؛ لأنَّه يَظْهَرُ كَذِبُه في قَذْفِه، وبَراءَةُ عِرْضِهما مِن رَمْيِه 4 بحَدٍّ واحِدٍ، فأجْزَأ، كما لو كان القذفُ لواحِدٍ.
وإذا قَذَفَهما

الثَّانِي، الفُرْقَةُ بَينَهُمَا وَعَنْهُ، لَا تَحْصُلُ حَتَّى يُفَرقَ الْحَاكِمُ بَينَهُمَا.
بكلمتين، وجَبَ حَدَّان؛ لأنَّهما قَذْفان لشَخْصَين، فوَجَبَ لكلِّ واحِدٍ حَدٌّ، كما لو قَذَفَ الثانيَ بعدَ حَدِّ الأوَّلِ.
وهكذا الحكمُ فيما إذا قَذَفَ أجْنَبِيَّتَينِ أو أجْنَبِيَّاتٍ، والتَّفْصِيلُ فيه على ما ذَكَرْناه.
فصل: وإن قال لزَوْجَتِه: يا زانِيةُ بِنْتَ الزَّانيةِ.
فقد قَذَفَها وقَذَفَ أُمَّها بكلمتَين، والحكمُ في الحَدِّ لهما على ما مَضَى مِن التَّفْصِيلِ فيه.
فإنِ اجْتَمَعتا في المُطالبَةِ، ففي أيِّهما يُقَدَّمُ وَجْهان؛ أحَدُهما، الأُمُّ؛ لأنَّ حَقَّها آكَدُ، لِكونِه لا يَسْقُطُ إلَّا بالبَيِّنَةِ، ولأنَّ لها فَضِيلةَ الأُمومةِ.
والثاني، تُقَدَّمُ البِنْتُ؛ لأنَّه بَدَأ بقَذْفِها.
ومتى حُدِّ لإِحْداهما، ثم وجَبَ عليه الحَدُّ للأُخرَى، لم يُحَدَّ حتَّى يَبْرَأَ جِلْدُه مِن حَدِّ الأُولَى.
فإن قيل: إنَّ الحَدَّ ههُنا حَقٌّ لآدَميٍّ، فلِمَ لا يُوالي بينَهما كالقِصاصِ، فإنَّه لو قَطَعَ يَدَيْ رَجُلَينِ، قَطَعْنا يَدَيه لهما ولم نُؤخِّرْه؟ قُلْنا: لأنَّ حَدَّ القَذْفِ لا يتكَرَّرُ بتَكَرُّرِ سَبَبِه قبلَ إقامةِ حَدِّه، فالمُوَالاةُ بين حَدَّين فيه تُخْرِجُه عن موْضُوعِه، والقِصاصُ يجوزُ أن يُقْطَعَ أطْرَافُه كلُّها في قِصاصٍ واحدٍ، فإذا جازَ لواحِدٍ، فلاثنَين أَوْلَى.

3813 -

مسألة: (الثَّانِي، الفُرْقَةُ بَينَهُمَا وَعَنْهُ، لَا تَحْصُلُ حَتَّى يُفَرِّقَ الْحَاكِمُ بَينَهُمَا)

وجملة ذلك، أن الفرْقَةَ بينَ المُتلاعِنَين لا تَحْصُلُ

..................................  إلا 1 بتَلاعُنِهما جميعًا.
وهل يُعْتَبَرُ تَفْرِيقُ الحاكمِ؟ فيه رِوايتان؛ إحداهما، لا يُعْتَبَرُ، وأنَّ الفُرْقَةَ تَحْصُلُ بمُجَرَّدِ لِعانِهما.
وهي اختيارُ أبي بكرٍ، وقولُ مالكٍ، وأبي عُبَيدٍ، وأبي ثَوْرٍ، وداودَ، وزُفرَ، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوِيَ ذلك عن ابنِ عباسٍ؛ لِما رُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال: المُتَلاعِنان يُفَرَّقُ بَينَهما، ولا يَجْتَمِعان أبَدًا.
رواه سعيدٌ 2. ولأنَّه مَعْنًى يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ المُؤبَّدَ، فلم يَقِفْ على حُكْمِ الحاكِمِ، كالرَّضَاعِ، ولأنَّ الفُرْقَةَ لو لم تَحْصُلْ إلَّا بتَفْرِيقِ الحاكِمِ، لَسَاغَ ترْكُ التَّفْرِيقِ إذا كَرِهاهُ، كالتَّفْرِيقِ للعَيبِ 3 والإعْسارِ، ولَوَجَبَ أنَّ الحاكِمَ إذا لم يُفَرِّقْ بَينَهما، أن يَبْقَى النِّكاحُ مُسْتَمِرًّا، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا سَبِيلَ لَكَ عَلَيها» 4. يَدُلُّ على هذا.
وعلى هذا، تَفْرِيقُه بينَهما، بمَعْنَى 5 إعْلامِه لهما حُصُولَ الفُرْقَةِ 6. والثانيةُ، لا تَحْصُلُ الفُرْقَة حتَّى

..................................  يُفَرِّقَ الحاكِمُ بَينَهما.
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، وقولُ أصْحابِ الرَّأْي؛ لقولِ ابنِ عباسٍ في حدِيثِه: ففَرَّقَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَينهما 1. وهذا يَقْتَضِي أنَّ الفُرْقَةَ لم تَحْصُلْ قبلَه.
وفي حَديثِ عُوَيمِرٍ 2، قال: كَذَبْتُ عليها يارسولَ اللهِ إِن أمْسَكْتُها.
فطَلَّقَها ثَلاثًا قبلَ أن يَأمُرَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. وهذا يَقْتَضِي إمْكانَ إمْساكِها، وأنَّه وَقَعَ طَلاقُه، ولو كانتِ الفُرْقَةُ وَقَعَتْ قبل ذلك، لَما وَقَعَ طَلاقُه، ولا أمْكَنَه إمْساكُها.
ولأن سَبَبَ هذه الفُرْقَةِ يَتَوَقَّفُ على الحاكِمِ، فالفُرْقَةُ المتعلِّقةُ به لا تَقَعُ إلا بحُكْمِ حاكم، كفُرْقَةِ العُنَّةِ.
وعلى كِلْتا الرِّوايَتَينِ، لا تَحْصُلُ الفُرْقَةُ قبلَ تَمامِ لِعَانِهما.
وقال الشافعيُّ: تَحْصُلُ الفُرْقَةُ بلِعانِ الزَّوْجِ وحدَه، وإن لم تَلْتَعِنِ 3 المرأةُ؛ لأنَّها فُرْقَة حاصِلَةٌ بالقولِ، فتَحْصُلُ بقولِ الزَّوْجِ وحدَه، كالطَّلاقِ.
قال شيخُنا 4: ولا نَعْلَمُ أحَدًا وافَقَ الشافعيَّ على هذا القولِ.
وحُكِيَ عن البَتِّيِّ أنَّه لا يَتَعَلَّقُ باللِّعانِ فُرْقَةٌ؛ لِما رُوِيَ أنَّ العَجْلانِي لمَّا لاعَنَ امرأتَه طَلَّقَها ثَلَاثًا، فأنْفَذَه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - 5. ولو وقَعَتِ الفُرْقَةُ، لَما نَفَذَ طَلَاقُه.

..................................  وكلا القَوْلَين لا يَصِحُّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فرقَ بينَ المُتَلَاعِنَين.
رواه عبدُ اللهِ بنُ عمرٍ، وسَهْلُ بن سَعْدٍ، أخْرَجَهُما مُسْلِمٌ 1. وقال سَهْلٌ: فكانت سُنَّةً لمَن كان بعدَهما، أن يُفَرَّقَ بينَ المُتَلاعِنَين.
وقال عمرُ: المُتَلاعِنان يُفَرَّقُ بينهما، ثم لا يَجْتَمِعان أبدًا 2. وأمَّا القَوْل الآخرُ، فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ الشَّرْعَ إنَّما ورَدَ بالتَّفْريقِ بينَ المُتَلاعِنَين، ولا يكونان مُتَلاعِنَين بلِعانٍ أحدِهما، وإنَّما فَرَّقَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بَينهما 3 بعدَ تَمامِ اللِّعانِ منهما، فالقول بوُقُوعِ الفرْقَةِ قبلَه تحَكُّمٌ يُخالِفُ مدْلُولَ السَّبَبِ 4 وفِعْلَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولأنَّ لَفْظَ اللِّعانِ لا يَقْتَضِي فرْقَةً؛ فإنَّه إمَّا أَيمانٌ على زِناها، أو شَهادةٌ بذلك، ولولا وُرُودُ الشَّرْعِ بالتَّفْريقِ بَينَهما، لم

..................................  تَحْصُلِ الفُرْقَةُ، وإنَّما ورَدَ 1 الشَّرْعُ بها بعدَ لِعَانِهما، فلا يَجوزُ تَعْلِيقُها على بعضِه، كما لم يَجُزْ تَعْلِيقُها على بعضِ لِعانِ الزَّوْجِ، ولأنَّه فَسْخٌ ثَبَتَ بأيمانِ مُخْتَلِفَين، فلم يَثْبُتْ بيَمِينِ أحدِهما، كالفَسْخِ لِتَحالُفِ المُتَبايِعَينِ عندَ الاخْتِلافِ.
ويَبْطُلُ ما ذكَرُوه بالفَسْخِ بالعَيبِ أو العِتْقِ، وقَوْلِ الزَّوجِ: اخْتارِي [نَفْسَكِ.
أو: أمْرُكِ بِيَدِكِ] 2. أو: وَهَبْتُكِ لأهْلِكِ أو لنَفْسِكِ.
وأشْباهُ ذلك كثيرٌ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنْ قُلْنا: إنَّ الفُرْقَةَ تَحْصُلُ بلِعَانِهما.
فلا تَحْصُلُ إلا بعدَ إكْمالِ اللِّعانِ بَينهما.
وإن قُلْنا: لا تَحْصُلُ إلا بتَفْريقِ الحاكمِ.
لم يَجُزْ له أنْ يُفَرِّقَ بَينهما إلا بعدَ كَمالِ لِعانِهما، فإن فَرَّقَ قبلَ ذلك كان تَفْريقُه باطِلًا، وُجُودُه كعَدَمِه.
وبهذا قال مالِكٌ.
وقال الشافعيُّ: لا تقَعُ الفُرْقةُ حتَّى يُكْمِلَ الزَّوْجُ لِعانَه.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: إذا فَرَّقَ بَينَهما بعدَ أن لاعَنَ كلُّ واحدٍ منهما ثلاثَ مَرَّاتٍ، أخْطأَ السُّنَّةَ، والفُرْقَةُ جائِزَةٌ، وإن فَرَّقَ بَينهما بأقَلَّ مِن ثلاثٍ، فالفُرْقَةُ باطلةٌ؛ لأنَّ مَن أتَى بالثَّلاثِ فقد أتَى بالأكْثَرِ، فتَعَلقَ الحُكْمُ به.
ولَنا، أنَّه تَفْرِيق قبلَ تَمامِ اللِّعانِ، فلم يَصِحَّ، كما لو فَرَّقَ بينَهما لأقَلَّ مِن ثلاثٍ، أو قبلَ لِعانِ المرأةِ، ولأنَّها أيمان مَشْرُوعَةٌ، لا يجوزُ للحاكمِ الحُكْمُ 3 قبلَها بالإِجْماعِ، فإذا حَكَمَ، لم يَصِحَّ حُكْمُه، كأيمانِ المُخْتَلِفَين في البَيعِ،

..................................  وكما قبلَ الثَّلاثِ، ولأنَّ الشَّرْعَ إنَّما ورَدَ بالتَّفْرِيقِ بعدَ كَمالِ السَّبَبِ، فلم يَجُزْ قبلَه، كسائِرِ الأسْبابِ، [ولأنَّ] 1 ما ذَكَرُوه تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه، ولا أصْلَ له، ثم يَبْطُلُ بما إذا شَهِدَ بالدَّينِ رجلٌ وامرأةٌ واحدَةٌ، أو بمَن تَوجَّهَتْ 2 عليه اليَمِينُ إذا أتَى بأكْثَرِ حُرُوفِها، وبالمُسابَقَةِ إذا قال: مَن سَبَقَ إلى خَمْسِ إصَاباتٍ.
فسَبَقَ إلى ثلاثةٍ، وبسائِرِ الأسْبابِ.
فأمَّا إذا تَمَّ اللِّعانُ، فلِلْحاكِمِ أن يُفَرِّقَ بَينَهما مِن غيرِ اسْتِئْذانِهِما؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَرَّقَ بينَ المُتَلاعِنَين ولم يَسْتَأْذِنْهُما.
وروَى مالِكٌ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ رجلًا لاعَنَ امرأتَه في زَمَنِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وانْتَفَى مِن ولَدِهَا، فَفَرَّقَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بَينَهما، وَأَلْحَقَ الولدَ بالمرأةِ.
وروَى سُفيانُ، عن الزُّهْرِيِّ، عن سَهْلِ بنِ سعدٍ، قال: شَهِدتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرَّقَ بينَ المُتَلَاعِنَينِ.
أخْرَجَهُما سَعيدٌ 3. ومتى قُلْنا: إنَّ الفُرْقَةَ لا تَحْصُلُ إلا بتَفْرِيقِ الحاكمِ.
فلم يُفَرِّقْ بينَهما، فالنِّكاحُ بحَالِه باقٍ؛ لأنَّ ما يُبْطِلُ

..................................  النِّكاحَ لم يُوجَدْ، فأشْبَهَ ما لو لم يُلَاعِنْ.
فصل: وفُرْقَةُ اللِّعانِ فَسْخٌ.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: هي طَلاقٌ؛ لأنَّها فُرْقَةٌ مِن جِهَةِ 1 الزَّوْجِ، تَخْتَصُّ النِّكاحَ، فكانت طَلاقًا، كالفُرْقَةِ بقَوْلِه: أنْتِ طالِقٌ.
ولَنا، أنَّها فُرْقَة تُوجِبُ تَحْرِيمًا مُؤبَّدًا، فكانت فَصْحًا، كفُرْقَةِ الرَّضاعِ، ولأنَّ اللِّعانَ ليس بصَرِيحٍ في الطلاقِ، ولا نَوَى به الطلاقَ، فلم يكُنْ طَلاقًا، أو، كسائِرِ ما يَنْفَسِخُ به النِّكاحُ، ولأنَّه لو كان طَلاقًا، لوَقَعَ بلِعانِ الزَّوْجِ دُونَ لِعانِ المرأةِ.
فصل: ذكَر بعضُ أهْلِ العِلْمِ، أن الفُرْقَةَ إنَّما حَصَلَتْ باللِّعانِ؛ لأنَّ لَعْنَةَ اللهِ وغَضَبَه قد وَقَعَ بأحَدِهما لِتَلاعُنِهما، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال عندَ الخامسةِ: «إنَّها الْمُوجبَةُ».
أي إنَّها تُوجبُ لعْنَةَ اللهِ وغضَبَه، ولا نَعْلَمُ مَن هو منهما يَقِينًا، ففرَّقْنا بَينَهما خَشْيَةَ أن يَكونَ هبر المَلْعونَ، فيَعْلُوَ امرأةً غيرَ مَلْعُونَةٍ، وهذا لا يجوزُ، كما لا يجوزُ أن يَعْلُوَ المُسْلِمَةَ كافرٌ.
ويمكنُ أن يُقال على هذا: لو كان هذا الاحتمالُ مانِعًا مِن دَوامِ نِكاحِهما، لمَنَعَه مِن نِكاحِ غيرِها، فإنَّ هذا الاحتمال مُتَحَقِّقٌ فيه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ المُوجِبُ للفُرْقَةِ وُقُوعَ اللَّعْنَةِ أو الغَضَبِ بأحَدِهما غيرَ مُعَيَّنٍ، فيُفْضِي إلى عُلُوِّ مَلْعُونٍ غيرَ مَلْعُونةٍ، أو إلى إمْساكِ مَلْعُونَةٍ مَغْضُوبٍ عليها.
ويَحْتَمِلُ أنَّ سَبَبَ الفُرْقَةِ النُّفْرةُ الحاصلةُ مِن إساءةِ كلِّ واحدٍ منهما إلى صاحِبِه،

الثَّالِثُ، التَّحْرِيمُ الْمُؤَبَّدُ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ إِنْ أَكْذَبَ نَفْسَهُ، حَلَّتْ لَهُ.
فإنَّ الرجلَ إن كان صادِقًا فقد أشاعَ فاحِشَتَها، وفَضَحَها على رُءُوسِ الأشْهابِ، وأقامَها مُقامَ خِزْيٍ، وحَقَّقَ عليها الغَضَبَ، وقَطَعَ نَسَبَ ولَدِها، وإن كان كاذَبًا، فقد أضافَ إلى ذلك بَهْتَها وقَذْفَها بهذه الفِرْيةِ العظيمةِ، والمرأةُ إن كانت صادقةً، فقد أكْذَبَتْه على رُءُوسِ الأشْهادِ، وأوْجَبَتْ عليه لَعْنةَ اللهِ، وإن كانت كاذبةً، فقد أفْسَدَت فِراشَه، وخانَتْه في نَفْسِها، وألْزَمَتْه اللِّعانَ والفَضِيحَةَ، وأخْرَجَتْه (1) إلى هذا المَقامِ المُخْزِي، فحَصَلَ لكلِّ واحدٍ منهما نُفْرَةٌ مِن صاحِبِه، لِما حَصَلَ إليه مِن إساءَةٍ لا يكادُ يَلْتَئِمُ لهما معها حالٌ، فاقْتَضَتْ حِكْمةُ الشَّارعِ الْتِزامَ الفُرْقَةِ بَينَهما، وإزالةَ الصُّحْبةِ المُتَمَحّضةِ مَفْسَدةً، ولأنَّه إن كان كاذِبًا عليها، فلا يَنْبَغِي أن يُسَلَّطَ على إمْساكِها مع ما صَنَعَ مِن القَبِيحِ إليها، وإن كان صادِقًا، فلا ينبغِي أن يُمْسِكَها مع عِلْمِه بحالِها، ولهذا قال العَجْلانِيُّ: كَذَبْتُ عليها إن أمْسَكْتُها.

3814 -

مسألة: (الثالثُ، التَّحْرِيمُ المُؤَبَّدُ. وعنه، أنَّه إن أكْذَبَ نَفْسَه، حَلَّتْ له)

ظاهِرُ المذهَبِ أنَّ المُلاعِنَةَ تَحْرُمُ على المُلَاعِنِ تَحْرِيمًا مُؤَبَّدًا، فلا تَحِلُّ له وإن أكْذَبَ نفْسَه.
ولا خِلَافَ بينَ أهْلِ العِلْمِ1

..................................  في أنَّه إذا لم يُكْذِبْ نَفْسَه أنَّها لا تَحِلُّ له، إلَّا أن يكونَ قَوْلًا شاذًّا.
فإن أكْذَبَ نَفْسَه، فالذي رَوَاه الجماعةُ عن أحمدَ، أنَّها لا تَحِلُّ له أيضًا.
وجاءتِ الأخْبارُ عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم؛ أنَّ المُتَلاعِنَينِ لا يَجْتَمِعانِ أبدًا.
وبه قال الحسنُ، وعطاءٌ، وجابِرُ بنُ زَيدٍ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والحَكَمُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشَّافِعِيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، [وأبو يُوسفَ] 1. وعن أحمدَ رِواية أُخرى، أنَّه إن أكْذَبَ نفْسَه، حَلَّتْ له، وعادَ فِرَاشُه بحالِه.
وهي رِوايَةٌ شاذَّة، شَذَّ بها حَنْبَلٌ عن أصْحابِه.
قال أبو بكر: لا نَعْلَمُ أحدًا رواها غيرُه.
قال شيحنا 2: ويَنْبَغِي أن تُحْمَلَ هذه الرِّوايةُ على ما إذا لم يُفَرِّقِ الحاكمُ، فأمَّا مع تَفْرِيقِ الحاكمِ بَينَهما، فلا وَجْهَ لبَقَاءِ النِّكاحِ بحالِه 3. وقد ذَكَرْنا أنَّ مذهَبَ البَتِّيِّ، أنَّ اللِّعانَ لا يتعَلَّقُ به فُرْقَةٌ.
وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ: إن أكْذَبَ نَفْسه، فهو خاطِبٌ مِن الخُطَّاب.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ؛ لأنَّ فُرْقَةَ اللِّعانِ عندَهما طلاقٌ.
وقال سعيدُ بنُ جُبَيرٍ: إن أكْذَبَ نَفْسَه، رُدَّتْ إليه ما دامتْ

..................................  في العِدَّةِ.
ولَنا، ما روَى سَهْل بنُ سعدٍ، قال: مَضَتِ السُّنَّةُ في المُتَلاعِنَينِ أن يُفَرقَ بَينَهما، ثم لا يَجْتَمِعانِ أبدًا.
رواه الجُوزْجَانِيُّ 1 بإسْنادِهِ في كِتابِه.
ورُوِيَ مثلُ هذا عن الزُّهْرِيِّ ومالِكٍ.
ولأنَّه تَحْرِيمٌ لا يَرْتَفِعُ قبلَ الحَدِّ والتَّكْذِيبِ، فلم يرتَفِعْ بهما، كتَحْرِيمِ الرَّضاعِ.

وَإنْ لَاعَنَ زَوْجَتَهُ الأَمَةَ ثُمَّ اشْتَرَاهَا، لَمْ تَحِلَّ لَهُ، إِلَّا أَنْ يُكْذِبَ نَفْسَهُ، عَلَى الرِّوَايَةِ الأُخْرَى.

3815 - مسألة

وَإِذَا قُلْنَا: تَحِلُّ لَهُ الزَّوْجَةُ بِإِكْذَابِ نَفْسِهِ.
فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وُجِدَ مِنْهُ طَلَاقٌ، فَهِيَ بَاقِيَةٌ عَلَى النِّكَاحِ، وَإنْ وُجِدَ مِنْهُ طَلَاقٌ دُونَ الثَّلَاثِ، فَلَهُ رَجْعَتُهَا.
الرَّابِعُ، انْتِفَاءُ الْوَلَدِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَيَنْتَفِي عَنْهُ حمْلُهَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: لَا يَنْتَفِي عَنْهُ حَتَّى يَذْكُرَهُ في اللِّعَانِ.

3816 - مسألة: (وإذا قُلْنا: تَحِلُّ لَهُ بإِكْذابِ نَفْسِه. فإن لم يَكُنْ وُجِدَ منه طَلاقٌ، فهي باقِيَةٌ عَلَى النِّكاحِ)

لأنَّ اللِّعانَ على هذا القول لا يُحَرِّمُ على التَّأْبِيدِ، وإنَّما يُؤْمَرُ بالطَّلاقِ، كما يُؤْمَرُ المُولِي به إذا لم يأْتِ بالفَيئَةِ، فإذا لم يَأْتِ بالطَّلاقِ، بَقِيَ النِّكاحُ بحالِه، وزال الإِخبارُ على الطَّلاقِ، لِتَكْذِيبِه نَفْسَه، كما لو امْتَنَعَ المُولِي مِن الفَيئَةِ، فأُمِرَ بالطَّلاقِ، فعادَ فأجاب إلى الفَيئَةِ (وإن وُجِدَ منه طَلاقٌ دونَ الثَّلاثِ، فله رَجْعَتُها) كالمُطَلَّقَةِ دونَ الثَّلاثِ بغيرِ عِوَضٍ.
3817 -

مسألة: (الرَّابِعُ، انْتِفَاءُ الْوَلَدِ عَنْهُ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ.
ذَكَرَهُ أَبُو بَكْرٍ.
وَيَنْتَفِي عَنْهُ حمْلُهَا وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ.
وَقَال الْخِرَقِيُّ: لَا يَنْتَفِي حَتَّى يَذْكُرَهُ في اللِّعَانِ)

وجملَةُ ذلك، أنَّ الزَّوْجَ إِذا ولَدتِ امْرأتُه ولَدًا يُمْكِنُ

..................................  أن يكونَ منه، فهو ولدُه في الحُكْمِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الوَلَدُ لِلْفِرَاشِ، ولِلْعَاهِرِ الحَجَرُ» 1. ولا يَنْتَفِي عنه إلَّا أن يَنْفِيَه باللِّعانِ التَّامِّ، الذي اجْتَمَعَتْ شُرُوطُه، وهي أرْبعةٌ؛ أحدُها، أن يُوجَدَ اللِّعانُ منهما جميعًا.
وهذا قولُ عامةِ أهلِ العلمِ.
وقال الشافعيُّ: يَنْتَفِي بلِعانِ الزَّوجِ وحدَه؛ لأنَّ نَفْيَ الولدِ إنَّما كان بيَمِينِه والْتِعانِه، لا بيَمِينِ المرأةِ على تَكْذِيبِه، ولا مَعْنَى ليَمِينِ المرْأةِ في نَفْي النَّسَبِ، وهي تُثْبِتُه وتُكَذِّبُ قولَ مَن يَنْفِيه، وإنَّما لِعانُها لِدَرْءِ الحَدِّ عنها 2، كما قال الله تَعالى: ﴿وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ 3. ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما نَفَى الولَدَ عنه بعدَ تَلَاعُنِهِما، فلا يجوزُ النَّفْيُ ببعضِه، كبعضِ 4 لِعانِ الزَّوجِ.
الثاني، أن يَكْمُلَ اللِّعانُ منهما جميعًا.

..................................  الثالثُ، أن يَبدَأَ الزَّوْجُ باللِّعانِ قبلَ المرأةِ، فإن بَدَأت باللِّعانِ قبلَه لم 1 يُعْتَدَّ به.
وبه قال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال مالِكٌ، وأصْحابُ الرَّأْي: إن فعَل أخْطأَ السُّنَّةَ، والفُرْقَةُ جائِزَةٌ، ويَنتفِي الولَدُ عنه (1)؛ لأنَّ اللهَ تعالى عَطَفَ لِعانَها على لِعانِه بالواو، وهي لا تَقْتَضِي تَرْتِيبًا، ولأن اللِّعانَ قد وُجدَ منهما جميعًا، فأشْبَه ما لو رُتِّبَ.
وعندَ الشافِعِيِّ، لا يَتِمُّ اللِّعانُ إلَّا بالتَّرْتِيبِ، إلَّا أنَّه يَكْفِي عندَه لِعانُ الرجُلِ وحدَه لنَفْي الوَلَدِ، وذلك حاصِلٌ مع إخْلالِه بالتَّرْتِيبِ، وعَدَم كَمالِ ألفاظِ اللِّعانِ مِن المرأةِ.
ولَنا، أنَّه أتَى باللِّعانِ على غيرِ ما وَرَدَ به القُرَآنُ والسُّنَّةُ، فلم يَصِحَّ، كما لو اقْتَصَرَ على لَفْظَةٍ واحِدَةٍ، ولأنَّ لِعانَ الرَّجُلِ بَيِّنَةُ الإِثْباتِ زِنَاها ونفْي وَلَدِها، ولِعانَ المرأةِ للإنْكارِ، فقُدِّمَتْ بَيِّنَةُ الإِثْباتِ، كتَقْدِيمِ 2 الشُّهودِ على الأيمانِ، ولأنَّ لِعانَ المرأةِ لدَرْءِ العَذابِ عنها، ولا يَتَوجَّهُ عليها ذلك إلَّا بلِعانِ الرَّجُلِ، فإذا قَدَّمَتْ لِعانَها على لِعانِه، فقد قَدَّمَتْه على وقتِه، فلم يَصِحَّ، كما لو قدَّمَتْه على القَذْفِ.
الرابعُ، أن يَذْكُرَ نَفْيَ الولدِ في اللِّعانِ، فإن لم يَذْكُرْه، لم يَنْتَفِ، إلَّا أن يُعِيدَ اللِّعانَ ويذكرَ نفْيَه.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ، واخْتِيارُ القاضي، ومذهبُ الشافغيِّ.
فإذا قال: أشْهَدُ

جارٍ التحميل