الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 350-393

وَالْعَطَشِ، وَالْهَمِّ، وَالْوَجَعِ، والنُّعَاسِ، وَالبَردِ المُؤلِمِ، وَالحَرِّ المُزْعِجِ.
فَإِنْ خَالفَ، وَحَكَمَ فَوَافَقَ الْحَق، نفَذَ حُكْمُهُ.
وَقَال القَاضِي: لَا يَنْفُذُ.
وَقِيلَ: إِنْ عَرَضَ ذَلِكَ بَعْدَ فَهْمِ الْحُكْمِ، جَازَ، وَإلَّا فَلَا.
شِدَّةِ الجُوعِ، والعَطَش، والهَمِّ، والوَجَعِ، والنُّعَاسِ، والبَرْدِ المُؤْلِمِ، والحَرِّ المُزْعِجِ.
فإن خالفَ، وحَكَم فوافَقَ الحَقَّ، نَفَذ حُكْمُه.
وقال القاضي: لا يَنْفُذُ.
وقِيلَ: إن عَرَض ذلك بعدَ فَهْم الحُكْمِ، جاز، وإلَّا فلا) لا خِلافَ بينَ أهلِ العلمِ فيما عَلِمْنا، في أنَّ القاضيَ لا يَنْبَغِي له أن يَقْضِيَ وهو غَضْبانُ.
كَرِه ذلك شُرَيحٌ، وعُمَرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ؛ لِما رُوِيَ أنَّ أبا بَكْرَةَ كتبَ إلى ابنِه عبدِ اللهِ وهو قاض بسِجسْتَانَ، لا تَحْكُمْ بينَ اثْنَين وأنت غَضْبان، فإنِّي سَمِعْتُ رِسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا يَحْكُمْ أحَدٌ بَينَ اثْنَينِ وَهُوَ غَضْبَانُ».
مُتَّفق عليه 1. ورُوِيَ عن عمرَ، أنَّه كَتَب إلى أبي موسى: إيَّاك والغَضَبَ، والقَلَقَ، والضَّجَرَ، والتَّأذيَ بالناسِ عندَ الخُصُومةِ،

..................................  فإذا رَأْيتَ الخَصْمَ يَتَعَمَّدُ الظُّلْمَ 1، فأوْجِعْ رَأسَه 2. ولأنَّه إذا غَضِب تَغَيَّرَ عَقْلُه، ولم يَسْتَوْفِ رَأيَه ولا (1) فِكْرَه.
وفي معنى الغضبِ كل ما يَشْغَلُ فِكْرَه؛ مِن الجُوعِ المُفْرِطِ 3 والعَطَشِ الشَّدِيدِ، والوَجَعِ 4 المُزْعِجِ، ومُدافَعةِ أحدِ الأخْبَثَين، وشِدَّةِ النُّعاسِ، والهمِّ، والغمِّ، والحُزْنِ، والفَرَحِ، فهذه كلها تَمْنَعُ الحُكْمَ؛ لأنَّها تَمنَعُ حُضُورَ القلبِ، واسْتِيفاءَ الفِكْرِ، الذي يُتَوَصَّلُ به إلى إصابَةِ الحقِّ في الغالبِ، فهي في مَعْنَى الغَضَبِ المَنْصُوصِ عليه، فتَجْرِي مَجْراه.
فإن خالفَ وحَكَمَ في الغَضَبِ أو ما شاكلَه، فوافَقَ الحقَّ، نَفَذَ قَضاؤه.
ذَكَرَه القاضي في «المُجَرَّدِ».
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وحُكِيَ عن القاضي أنَّه لا يَنْفُذُ؛ لأنَّه مَنْهِي عنه، والنَّهْيُ يَقْتَضِي فَسادَ المَنْهِيِّ عنه.
ولَنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - اخْتَصَمَ إليه الزُّبَيرُ ورجل مِن الأنْصارِ، في شِرَاجِ الحَرَّةِ (4)، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - للزُّبَيرِ (1):

..................................  «اسْقِ [يَا زُبَيرُ] 1، ثُمَّ أرْسِلْ إلَى جَارِكَ».
فقال الأنْصارِي: أن كان ابنَ عَمَّتِك.
فغضِبَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقال للزُّبَيرِ: «اسْقِ، ثُم احْبِس الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُع الجَدْرَ».
مُتَّفَق عليه 2. فحَكَمَ في حالِ غضبِه.
وقال بعضُ أهل العلمِ: إنَّما يَمْنَعُ الغَضَبُ الحُكْمَ إذا كان قبلَ أن يَتَّضِحَ حُكْمُ المسألةِ للحاكمِ؛ لأنَّه يَشْغَلُه عن استِيفاءِ النَّظَرِ فيها، فأمَّا ما حَدَث بعدَ اتِّضاحِ الحُكْمِ، فلا يَمْنَعُه؛ لأنَّ الحق قد اسْتَبانَ قبلَه، كغَضَبِ النبيِّ

وَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَرْتَشيَ، وَلَا يَقْبَلَ الْهَدِيَّةَ إلا مِمَّنْ كَانَ يُهْدِي إلَيهِ قَبْلَ ولايتهِ، بِشرْطِ أنْ لَا يَكُونَ لَهُ حُكُومَة.
- صلى الله عليه وسلم - في قِصَّةِ الزُّبَيرِ.

4852 -

مسألة: (ولا يَحِلُّ له أن يَرْتشِيَ، ولَا يَقْبَلَ الهَدِيَّةَ إلَّا ممَّن كان يُهْدِي إليه قبلَ وكشه، بشَرْطِ أن لا يكونَ له حُكُومَة)

أمَّا الرِّشْوَةُ في الحُكْمِ، ورِشْوَةُ العامِلِ 1، فحرامٌ على الآخِذِ، بلا خلافٍ، قال اللهُ تعالى: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾ 2. قال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَير، في تفسيرِه: هو الرشْوَةُ.
وقال: إذا قَبِل القاضي الرشْوَةَ، بلَغتْ به إلى 3 الكُفْرِ.
وروَى عبدُ اللهِ بنُ عمرو 4، قال: لَعَن رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - الرَّاشِيَ والمُرْتَشِيَ.
قال الترْمِذِيُّ 5: هذا حديث حسن صحيحٌ.
ورَواه أبو هُرَيرَةَ، وزادَ: «في الحُكْمِ» 6. رَواه أبو بكر،

..................................  في «زادِ المُسافرِ» 1، وزادَ: «والرَّائِشَ» 2. وهو السَّفيرُ بينَهما.
ولأن المُرتَشِيَ إنما يَرْتَشِي ليَحْكُمَ بغيرِ الحقِّ، أو ليُوقِفَ 3 الحُكْمَ عنه، وذلك مِن أعظمِ الظُّلْمِ.
قال مَسْرُوق: سألتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، أهو الرِّشْوَةُ في الحُكمِ؟ قال: لا، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ و ﴿الظَّالِمُونَ﴾ و ﴿الْفَاسِقُونَ﴾ 4. وإنما السُّحْتُ أن يَسْتَعِينَك على مَظْلَمَةٍ، فيُهْدِيَ لك، فلا تَقْبَلْ 5. وقال قَتادَةُ: قال كَعْبٌ: الرِّشْوَةُ تُسَفِّهُ الحلِيمَ، وتُعْمِيِ عينَ الحكيمِ.
فأما الرَّاشِي، فإن رَشاه ليَحْكُمَ له بباطِل، أو يَدفعَ عنه 6، فهو مَلْعُون، وإن رَشاه ليَدْفَعَ ظُلمَه، ويَجْزِيَه على واجِبِه، فقد قال عَطاء،

..................................  وجابِرُ بنُ زيدٍ، والحسنُ: لا بَأسَ أن يُصانِعَ عن نَفْسِه.
قال جابِرُ [بنُ زيدٍ] 1: ما رَأينا في زمنِ زِيادٍ 2 أنْفع لَنا مِن الرِّشا.
ولأنه يَسْتَنْقِذُ ماله كما يَستَنْقِذُ الرجلُ أسيرَه.
فصل: ولا يَقْبَلُ الحاكمُ هَدِيَّةً؛ وذلك لأنَّ الهَدِيَّةَ يُقْصَدُ بها في الغالِبِ اسْتِمالته، ليَعْتَنِيَ به في الحُكمِ، فيُشْبِهُ الرِّشْوَةَ.
قال مَسْرُوق: إذا قَبِل القاضي الهدِيَّةَ، أكَلَ السُّحْتَ، وإذا قَبِل الرِّشْوَةَ، بَلَغَتْ به الكفرَ.
وقد روَى أبو حُمَيدٍ السَّاعِدِيُّ، قال: بَعَث رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رجلًا مِن الأزْدِ، يُقالُ له ابنُ (3) اللُّتْبِيَّةِ على الصدقةِ، فقال: هذا لكم، وهذا أُهْدِيَ إليَّ.

..................................  فقام النبي - صلى الله عليه وسلم -، فحَمِدَ اللهَ وأثْنَى عليه، ثم قال: «مَا بَالُ الْعَامِلِ نَبْعَثُهُ، فيَجِئُ 1 فيَقُولُ: هَذَا لَكُمْ، وَهَذَا أُهْدِيَ إلَيَّ! ألَا جَلَس في بَيتِ [أبِيه و] 2 أُمِّه، فيَنْظُرَ أيُهْدَى إلَيهِ أمْ لَا؟ والَّذِي نَفْسُ مُحَمَّد بِيَدِه، لا نَبْعَثُ أحَدًا مِنْكُمْ، فَيَأخُذُ شَيئًا، إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَحْمِلُه [على رَقَبَتِه] 3، إن كان بَعِيرًا لَهُ رُغَاء، أوْ بَقَرَةً لَهَا خُوَار، أوْ شَاةً تَيعَرُ 4». فرَفَعَ يَدَيه حتى رَأيت عُفْرَةَ إبْطَيه 5. فقال: «اللَّهُمَّ هَلْ بَلَّغْتُ».
ثلاثًا؛ مُتَّفَق عليه 6. ولأنَّ حُدُوثَ الهدِيَّةِ عندَ حُدوثِ الولايةِ يَدُلُّ على أنَّها مِن أجْلِها، ليَتَوسَّلَ بها إلى مَيلِ الحاكمِ معه على خَصْمِه، فلم يَجُزْ قَبُولُها، كالرِّشْوَةِ.
فأمَّا إن كان يُهْدِي إليه قبلَ ولايته، جاز قَبُولُها منه بعدَ الولايةِ؛

..................................  لأنَّها لم تكنْ مِن أجْلِ الولايةِ، لوُجودِ سَبَبِها قبلَها، بدليلِ وُجودِها قبلَ الولايةِ.
قال القاضي: ويُسْتَحَبُّ له التنَّزَّهُ عنها.
فإن أحَسَّ أنَّه 1 يُقَدِّمُها بينَ يَدَيْ خُصُومَةٍ، أو فَعَلَها حال الحُكُومَةِ، حَرُم أخْذُها في هذه الحالِ؛ لأنَّها كالرشْوَةِ.
وهذا كلُّه 2 مَذْهَبُ الشافعيِّ.، ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ وأصْحابِه أنَّ قَبُولَ الهدِيَّةِ مَكْرُوة غيرُ مُحَرَّم.
وفيما ذَكَرْناه دَلالة على التَّحْرِيمِ.
واللهُ أعلمُ.

..................................  فصل: فإنِ ارْتَشَى الحاكِمُ، أو قَبِل هَدِيَّةً ليس له قَبُولُهَا، لَزِمَه 1 رَدُّها إلى أرْبابِها؛ لأنَّه أخَذَها 2 بغيرِ حَق، فأشْبَهَ المَأخُوذَ بعقدٍ فاسدٍ.
ويَحْتَمِلُ أنْ يَجْعَلَها في بيتِ المالِ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَأمُرِ ابنَ اللتْبِيَّةِ برَدِّها إلى أرْبابِها.
وقد قال أحمدُ: إذا أهْدَى البِطْرِيقُ لصاحبِ الجيشِ عَينًا أو فِضَّةً، لم تكنْ له دُونَ سائرِ الجيشِ.
قال أبو بكر: يكونون فيه سواءً.

وَيُكْرَهُ أنْ يَتَوَلَّى الْبَيعَ وَالشِّرَاءَ بِنَفْسِهِ، وَيُستَحَبُّ أنْ يُوَكِّلَ فِي ذلِكَ مَنْ لَا يُعْرَفُ أنَّهُ وَكِيلُهُ.

4853 - مسألة: (ويُكْرَهُ أن يَتَوَلَّى البَيعَ والشِّرَاءَ بِنَفْسِه، ويُسْتَحَبُّ أن يُوَكِّلَ في ذلك مَن لا يُعْرَفُ أنَّه وَكِيلُه)

لِما روَى أبو الأسْوَدِ المالِكيّ، عن أبيه، عن جَدِّه، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا عَدَلَ والٍ 1 اتَّجَرَ فِي رَعِيَّتهِ أبدًا» 2. ولأنَّه يُعْرَفُ فيُحابَى، فيكونُ كالهدِيَّةِ، ولأنَّ ذلك يَشْغَلُه عن [النَّظَرِ في] 3 أُمُورِ الناسِ.
وقد رُوِيَ عن أبي بكر، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه لَمَّا بُويعَ، أخَذَ الذِّراعَ، وقَصَد السُّوقَ، فقالوا: يا خليفةَ رسولِ اللهِ، لا يَسَعُك 4 أن تَشتَغِلَ عن أمُورِ المسلمين.
فقال:

..................................  فإنِّي لا أدَعُ عِيالِي يَضِيعُون.
قالوا: فنحن نَفْرِضُ لك ما يَكْفِيك.
ففَرَضُوا له كلَّ يوم درهمين 1. فإن باع واشترى، صح البيع [والشراء؛ لأن البيع] 2 تَمَّ 3 بشُرُوطِه وأرْكانِه.
وإنِ احْتاجَ إلى مُباشَرَتِه، ولم يكنْ له ما يَكْفِيه، لم يُكْرَهْ؛ لأنَّ أبا بكرٍ، رَضِيَ اللهُ عنه، قَصَد السُّوقَ ليَتَّجِرَ فيه 4، حتى فَرَضوا له ما يَكْفِيه.
ولأنَّ القِيامَ بعِيالِه فَرْضُ عَين، فلا يَترُكُه لوَهْمِ مَضَرَّةٍ، وإنَّما إذا اسْتَغْنَى عن مُباشَرَتِه، ووَجَد مَن يَكْفِيه ذلك، كُرِهَ؛ لِما ذَكَرْناه مِن المَعْنَيَيْن.
ويَنْبَغِي أن يُوَكِّلَ في ذلك مَن لا يُعْرَفُ أنَّه وَكِيلُه؛ لئلَّا يُحابَى.
وهذا مَذهَبُ الشافعي.
وحُكِيَ عن أبي حنيفةَ أنَّه قال: لا يُكرَهُ له البيعُ والشِّراءُ وتَوْكِيلُ مَن 5 يُعْرَفُ؛ لِما ذَكَرْنا مِن قَضِيَّةِ أبي بكر، رَضِيَ اللهُ عنه.
[ولَنا، ما] 6 ذَكَرْناه.
ورُوِيَ عن شُرَيح، أنَّه قال: شَرَط 7 عليَّ عُمَرُ حينَ (7) وَلَّانِي القَضاءَ أن لا أبيعَ، ولا أبتاعَ، ولا أرْتَشِيَ، ولا أقْضِيَ وأنا غَضبانُ 8. وقَضِيَّةُ أبي

وَيُسْتَحَبُّ لَهُ عِيَادَةُ المَرضَى، وَشُهودُ الجَنَائِزِ، مَا لَمْ يَشْغَلْهُ عَنَ الحُكْمِ.
بكر حُجَّةٌ لنا، فإنَّ الصحابةَ أنْكَرُوا عليه، فاعْتَذرَ بحِفْظِ عِيالِه عن الضَّياعِ، فلمّا أغْنَوْه عن البَيعِ والشِّراءِ بما فَرَضُوا له، قَبِلَ قَوْلَهم، وتَرَك التِّجارَةَ، فحصَلَ الاتِّفاقُ منهم على تَرْكِها عندَ الغِنَى عنها.

4854 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ له عِيادَةُ المَرْضَى، وشُهُودُ الجنائِزِ، ما لم يَشْغَلْه عن الحُكْمِ)

[للقاضي عِيادَةُ المَرضَى وشُهُودُ الجنائزِ] 1 وزِيارَةُ الإِخْوانِ والصَّالحين مِن الناسِ، لأنَّه قُرْبَةٌ وطاعَة، وإن كَثُرَ ذلك، فليس له الاشْتِغالُ به عنِ الحُكْمِ؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ، فلا يَشْتَغِلُ به عن الفَرْضِ.
وله حُضُورُ البعضِ [دونَ البعضِ] (1)، لأنَّ هذا يَفْعَلُه لنَفْعِ نَفْسِه بتَحْصِيلِ الأجْرِ والقُرْبَةِ له، بخِلافِ الوَلائِمِ، لأنَّه يُراعَى فيها حَقُّ الدَّاعِي، فيَنْكَسِرُ قَلْبُ مَن لم يُجَبْ إذا أُجِيبَ غيرُه.

وَلَه حُضُورُ الوَلَائِم، فَإِنْ كَثُرَتْ، تَرَكَهَا كُلَّهَا، وَلَمْ يُجِبْ بَعْضَهُمْ دُونَ بَعْض.

4855 - مسألة: (ولَه حُضُورُ الوَلائِمِ)

لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَحْضُرُها، وأمَرَ بحُضُورِها، وقال؛ «مَنْ لَمْ يُجِبْ فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَه» 1. (فإن كَثُرَتْ) وازْدَحَمَتْ (تَرَكَها كلَّها) ولم يُجِبْ أحدًا، لأنَّ هذا يَشْغَلُه عن الحُكمِ الذي قد تَعَيَّنَ عليه، لكنَّه يَعْتَذِرُ إليهم، ويَسْألهم التَّحْلِيلَ، ولا يُجِيبُ بعضًا دُونَ بعض، لأنَّ في ذلك كَسْرًا لقلبِ مَن لم يُجِبْه، إلَّا أن يَخْتَصَّ بعضُها بعُذْرٍ يَمْنَعُه دُونَ بعض، مثلَ أن يكونَ في إحْداها مُنْكَر، أو تكونَ في مكانٍ بعيدٍ، أو يَشْتَغِلَ بها زَمنًا طويلًا والأخْرَى بخلافِ ذلك، فله الإجابةُ إليها دُونَ الأولَى؛ لأنَّ عُذْرَه ظاهِر في التَّخَلُّفِ عن الأولَى.

وَيُوصِي الوُكَلَاءَ وَالْأعْوَانَ عَلَى بَابِهِ بِالرِّفْقِ بِالخُصُومِ، وَقِلَّةِ الطَّمَعِ، وَيَجْتَهِدُ أن يَكُونُوا شُيُوخًا أوْ كُهُولًا، مِنْ أهْلِ الدِّينِ والعِفَّةِ وَالصِّيَانَةِ.
وَيَتَّخِذُ كَاتِبًا مُسْلِمًا، مُكَلَّفًا، عَدْلًا، حَافِظًا، عَالِمًا، يُجْلِسُهُ بِحَيثُ يُشَاهِدُ مَا يَكتُبُهُ، وَيَجْعَلُ الْقِمَطْرَ مَخْتُومًا بَينَ يَدَيهِ.

4856 - مسألة: (ويُوصِي الوُكَلَاءَ والأعْوانَ على بابِه بالرِّفْقِ بالخُصُومِ، وقِلَّةِ الطَّمَعِ، ويَجْتَهِدُ أن يكونوا شُيُوخًا أو كُهُولًا، مِن أهْلِ الدِّينِ والعِفَّةِ والصِّيانَةِ)

لأنَّهم أقلُّ شرًّا، فإنَّ الشَّبابَ شُعْبَةٌ مِن الجُنُونِ، ولأنَّ الحاكمَ (1) يَأتِيه النِّساءُ، وفي اجْتِماعِ الشَّبابِ بهِنَّ ضَرَرٌ (2). 4857 -

مسألة: (ويَتَّخِذُ كاتِبًا مُسْلِمًا، مُكَلَّفًا، عَدْلًا، حافِظًا، عالِمًا، يُجْلِسُه بحيثُ يُشاهِدُ ما يَكْتُبُه، ويَجْعَلُ القِمَطْرَ 3 مَخْتُومًا بين يَدَيه) وجملةُ ذلك، أنَّه يُسْتَحَبُّ للحاكمِ أن يَتَّخِذَ كاتِبًا؛12

..................................  لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - استَكْتَبَ زيدَ بنَ ثابتٍ وغيرَه 1. ولأنَّ الحاكمَ تَكْثُرُ أشْغالُه ونَظَرُه، فلا يُمْكِنُه [أن يَتَولَّى] 2 الكِتابَةَ بنَفْسِه.
وإنْ أمْكَنَه تَوَلِّي 3 الكتابَةِ بنفسِه، جاز، والاسْتِنابَةُ فيه أوْلَى.
ولا يجوزُ أن يَسْتَنِيبَ في ذلك إلَّا عَدْلًا، لأنَّ الكتابةَ مَوْضِعُ أمانَةٍ.
ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ فَقِيهًا؛ ليَعْرِفَ مَواقِعَ الألْفاظِ التي تَتَعَلَّقُ بها الأحْكامُ، ويُفَرِّقَ بينَ الجائزِ والواجِبِ، ويَنْبَغِي أن يكونَ وافِرَ العَقْلِ، وَرِعًا، نزهًا؛ لئلَّا يُسْتمال بالطَّمَعِ، ويكونَ مسلمًا؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِنْ دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾ 4. وَرُوىَ أنَّ أبا موسى قَدِمَ على عُمرَ،

..................................  ومعه كاتِب نَصْرانِيٌّ، فأحْضَرَ أبو موسى شيئًا مِن مَكْتُوباتِه عندَ عُمَرَ، فاسْتَحْسَنَه، وقال: قُلْ لكاتِبِك يَجِئُ ويَقْرَأ كتابَه.
قال: إنَّه لا يَدْخُلُ المسجدَ.
قال: ولِمَ؟ قال: إنَّه نَصْرانِيٌّ.
فانْتَهَرَه عُمَرُ، وقال: لا تَأتَمِنُوهم وقد خَوَّنَهم اللهُ تعالى، ولا تُقَرِّبُوهم وقد أبعَدَهم اللهُ، ولا تُعِزُّوهم وقد أذَلَّهم الله 1. ولأنَّ الإِسْلامَ مِن شُرُوطِ العَدالةِ، والعدالةُ شَرْط.
وقال أصحابُ الشافعيِّ: في اشْتِراطِ عَدالتِه وإسْلامِه وَجْهان؛ أحَدُهما، يُشْتَرَطُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثاني، لا يُشْتَرَطُ؛ لأنَّ ما يَكْتُبُه لا بدَّ مِن وُقُوفِ القاضي عليه فتُؤْمَنُ 2 الخِيانَةُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يكونَ جَيِّدَ الخَطِّ؛ لأنَّه أكْمَلُ.
وأن يكونَ حُرا؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ.
وإن كان عبدًا، جاز؛ لأن شهادةَ العبدِ جائزة.
ويكون القاسِمُ على الصِّفَةِ التي ذَكَرْنا في الكاتِبِ، ولابدَّ مِن كونِه حاسِبًا؛ لأنَّه عَمَلُه، وبه يَقْسِمُ، فهو كالخَطِّ للكاتِبِ، والفِقْهِ للحاكمِ.
ويُسْتَحَبُّ للحاكمِ أنْ يُجْلِس الكاتبَ بينَ يَدَيه؛ ليُشاهِدَ ما يَكْتُبُه، ويُشافِهَه بما يُمْلِي عليه، وإن قَعَدَ ناحيةً، جاز؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ؛ لأنَّ ما يَكْتُبُه يُعْرَضُ على الحاكمِ، [فيشيرُ به] 3. ويَجْعَلُ القِمَطْرَ مَخْتُومًا بينَ يَدَيه؛ ليَتْرُكَ فيه ما يَجْتَمِعُ مِن

وَيُسْتَحَبُّ أنْ لَا يَحْكُمَ إلا بحَضْرَةِ الشهُودِ.
وَلَا يَحكُمُ لِنَفْسِهِ، وَلا لِمَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَهُ، وَيَحْكُمُ بَينَهُمْ بَعْضُ خُلَفَائِهِ.
وَقَال أبو بَكْر: يَجُوزُ ذَلِكَ.
المحاضِرِ والسِّجِلَّاتِ، ويَتَحَرَّزُ مِن أن [يُدْخِلَ كتابًا مُزَوَّرًا] (1)، أو يُؤْخَذَ منه شيء.

4858 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن لا يَحْكُمَ إلَّا بحَضْرَةِ الشهُودِ)

ليَسْتَوْفِيَ بهم الحُقُوقَ، ويُثْبِتَ بهم الحُجَجَ والمحاضِرَ، فإن كان ممَّن يَحْكُمُ بعِلْمِه، فإن شاء أدْناهم منه (2)، وإنْ شاءَ أبعَدَهم (3)، بحيث إذا احْتاجَ إلى إشْهادِهم على حُكْم (4)، اسْتَدْعاهم ليَشْهَدُوا بذلك، وإن كان ممَّن لا يَحْكُمُ بعِلْمِه، أجْلَسَهم بالقُرْبِ حتى يَسْمَعُوا كلامَ المُتحاكِمَين؛ لئلَّا يُقِرَّ منهم مُقِرٌّ ثم يُنْكِرَ ويَجْحَدَ، فيَحْفَظُوا عليه إقْرارَه.
4859 -

مسألة: (ولا يَحْكُمُ لنَفْسِه، ولا لمَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، ويَحْكُمُ بينَهم بَعْضُ خُلَفائِه. [وقال أبو بَكْو: يَجُوزُ ذلك)

ليس] 51234

..................................  [للحاكِم أن يَحْكُمَ لنَفْسِه، كما لا يَجُوزُ له أن يَشْهَدَ لنَفْسِه، فإن عَرَضَتْ له حُكُومَة مع بَعْضِ النَّاسِ، جاز أن يُحاكِمَه إلى بَعْضِ خُلَفائِه] 1 أو بعضِ رَعِيَّته، فإنَّ عُمَرَ حاكمَ أُبَيًّا إلى زيدٍ 2، وحاكمَ رجلًا عِراقِيا إلى شُرَيحٍ، وحاكمَ عليٌّ يَهُودِيًّا إلى شُرَيح 3، وحاكمَ عُثْمانُ طَلْحَةَ إلى جُبَيرِ بنِ مُطْعِمٍ 4. وإن عَرَضَتْ حُكُومة لوالِدَيه، أو وَلَدِه، أو مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يجوزُ له الحُكْمُ فيها بنَفسِه، وإن حَكَم لم يَنْفُذْ حُكْمُه.
[وهذا قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه لا تُقْبَلُ شَهادَتُه له، فلم يَنْفُذْ حُكْمه] (1) له، كنَفْسِه.
والثاني، يَنْفُذُ حكمُه.
اخْتارَه أبو بكر.
وهو قولُ أبي يُوسُفَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأبي

فَصْل: وَأوَّلُ مَا يَنظُرُ فِيهِ أمْرُ الْمُحْبَسِينَ، فَيَبْعَثُ ثِقَةً إِلَى  ثَوْرٍ؛ لأنَّه حُكم لغَيرِه، أشْبَهَ الأجانِبَ.
وعلى القولِ الأوَّلِ، متى عَرَضَتْ لهؤلاءِ حُكومَةٌ، حَكَمَ بينَهم الإِمامُ، أو حاكمٌ آخَرُ، أو بعضُ خُلَفائِه، فإن كانتِ الحُكومَةُ بينَ والِدَيه، أو وَلَدَيه، أو والِدِه ووَلَدِه، لم يَجُزِ الحكمُ بينَهما، على أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا تُقْبَلُ شَهادَتُه لأحَدِهما على الآخَرِ، فلم يَجُزِ الحكمُ بينَهما، كما لو كان خَصْمُه أجْنَبِيا.
وفي الآخرِ، يجوزُ.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّهما سواء عندَه، فارْتَفَعَتْ تُهْمَةُ المَيلِ، فأشْبَها الأجْنَبِيين.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (وأوَّلُ ما يَنْظُرُ فيه أمْرُ المُحْبَسِين، فيَبْعَثُ

الْحَبْسِ، فَيَكْتُبُ اسْمَ كُلِّ مَحْبُوس، وَمَنْ حَبَسَهُ، وَفِيمَ حَبَسَهُ، فِي رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، ثُمَّ يُنَادِي فِي البلَدِ: إِنَّ الْقَاضِيَ يَنْظُرُ فِي أمرِ الْمُحْبَسِينَ غَدًا، فَمَنْ لَهُ مِنْهُمْ خَصْمٌ فَلْيَحْضُرْ.
فَإذا كَانَ الغَدُ، وَحَضَرَ القَاضِي، أحضَرَ رُقْعَةً، فَقَال: هَذِهِ رُقْعَةُ فُلَانِ ابْنِ فُلَانٍ، فَمَنْ خَصْمُهُ؟ فَإِنْ حَضَرَ خَصْمُهُ، نَظَرَ بَينَهُمَا.
ثِقَةً إلى الحَبْسِ، فيَكْتُبُ اسْمَ كلِّ مَحْبُوس، ومَن حَبَسَه، وفِيمَ حَبَسَه، في رُقْعَةٍ مُنْفَرِدَةٍ، ثم يُنادِي في البَلَدِ: إنَّ القاضيَ يَنْظُرُ في أمْرِ المُحْبَسِين غدًا، فمَن له منهم خصْم فلْيَحْضُرْ) إنَّما بَدَأ بالنَّظَرِ في أمْرِ المُحْبَسِين؛ لأن الحَبْسَ عذابٌ، ورُبَّما كان فيهم مَن لا يَسْتَحِقُّ البَقاءَ فيه، فيُنْفِذُ إلى حَبْسِ القاضي الذي كان قبلَه ثِقَةً، فيَكْتُبُ اسمَ كلِّ مَحْبُوس، وفِيمَ حُبِس، ولمَن حُبِس، وتُحْمَلُ الرِّقاعُ إليه، ويَأمُرُ مُنادِيًا يُنادِي في البَلَدِ ثلاثةَ أيام: إنَّ القاضيَ فُلانَ [بنَ فُلانٍ] 1 يَنْظرُ في أمْرِ المُحْبَسِين يومَ كذا، فمَن كان له مَحْبُوس فَلْيَحْضُرْ.
فإذا حَضَر الناسُ في ذلك اليومِ، جَعَل الرِّقاعَ بينَ يَدَيه، فيَمُدُّ يَدَه إليها، فما وَقَع في يَدِه منها نَظَر إلى اسمِ المَحْبُوسِ، وقال: مَن خَصْمُ فُلانٍ المَحْبُوسِ؟ فإذا قال خَصْمُه: أنا.

..................................  بَعَث ثِقَةً إلى الحَبْسِ، فأخْرَجَ خَصْمَه، وحَضَر معه مَجْلِسَ الحُكْمِ، ويَفْعَلُ ذلك في قَدْرِ ما يَعْلَمُ أنَّه يَتَّسِعُ زَمانُه للنَّظَرِ في ذلك المجلسِ، ولا يُخْرِجُ غيرَهم، فإذا حَضَر المَحْبُوسُ وخَصْمُه، لم يَسْألْ خَصمَه: لِمَ حَبَسَه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ الحاكِمَ إنَّما حَبَسَه بحَق، لكنْ يَسْألُ 1 المَحْبُوسَ: بِمَ حُبِسْتَ؟ ولا يَخْلُو جَوابُه 2 مِن خَمْسَةِ أقْسام؛ أحَدُها، أن يقولَ: حَبَسَنِي بحقٍّ له حالّ، أنا مَلِئ به.
فيقولَ له الحاكمُ: اقْضِه وإلَّا رَدَدْتُكَ إلى الحَبْسِ.
الثاني، أن يقولَ: له عليَّ دَين، أنا مُعْسِر به.
فيَسْألُ خَصْمَه، فإنْ صدَّقَه، فَلَّسَه الحاكمُ وأطْلَقَه.
وإن كَذَّبَه، نَظَر في سَبَبِ الدَّينِ، فإن كان شَيئًا 3 حَصَل له به مالٌ، كقَرْض أو شِراء، لم يُقْبَلْ قولُه في الإعْسارِ إلَّا ببَيِّنَةٍ بأنَّ ماله تَلِف أو نَفِد، أو ببَيِّنةٍ أنَّه معْسِر، فيَزولُ الأصْلُ الذي ثَبَت، ويكونُ القولُ قولَه فيما يَدَّعِيه عليه مِن المالِ.
وإن لم يَثْبُتْ له أصْلُ مالٍ، ولم يكنْ لخَصْمِه بَينة بذلك، فالقولُ قولُ المَحْبُوس مع يَمينه أنَّه مُعْسِرٌ؛ لأنَّ الأصْلَ الإعْسارُ.
وإن شَهِدَتْ لخَصْمِه بَينة بأنَّ له مالًا، لم تُقْبَلْ حتى تُبَيِّنَ ذلك المال بما يَتَمَيَّزُ به، فإن شَهِدَتْ عليه البيَنةُ بدارٍ مُعَيَّنَةٍ أو غيرِها، وصَدَّقَها،

..................................  فلا كلامَ، وإن كَذَّبَها، وقال: ليس هذا لي، وإنَّما هو في يَدِي لغيرِي.
لم يُقْبَلْ إلَّا أن يَعْزِيَه إلى مُعَيَّن، فإن كان الذي أقَرَّ له حاضِرًا، سُئلَ؛ فإن كَذَّبَه في إقْرارِه، سَقَط، وقُضِيَ مِن المالِ دَينُه، وإن صَدَّقَه، وكانت له بَينة، فهو أوْلَى؛ لأنَّ له بَيِّنَة، وصاحبُ اليَدِ يُقِرُّ له به، وإن لم تكنْ له بَينة، فذَكَرَ القاضي أنَّه لا يُقْبَلُ قَوْلُهما، ويُقْضَى الدَّينُ منه؛ لأنَّ البَينة شَهِدَتْ لصاحِبِ اليدِ بالمِلْكِ، فتَضَمَّنَتْ شَهادَتُهما 1 وُجُوبَ القضاءِ منه، فإذا لم تُقْبَلْ شَهادَتُهما 2 في حَق نفسِه، قُبِلَتْ فيما تَضَمَّنَتْه؛ لأنَّه حَقّ لغيرِه، ولأنَّه مُتَّهَم في إقْرارِه [لغيرِه؛ لأنَّه] 3 قد يَفْعَلُ ذلك ليُخَلِّصَ ماله، ويعودَ إليه، فتَلْحَقُه تُهْمَة، فلم تَبْطُل البينة بقولِه.
وفيه وَجْه آخَرُ، يَثْبُتُ الإِقْرارُ، وتَسْقُطُ البينة؛ لأنَّها تشْهَدُ بالمِلْكِ لمَن لا يَدَّعِيه ويُنْكِرُه.
القِسْمُ الثالثُ، أن يقولَ: حَبَسَنِي؛ لأنَّ البَيَنة شَهِدَتْ عليَّ لخَصْمِي 4 بحَق ليَبْحَثَ 5 عن حالِ الشُّهودِ.
فهذا يَنْبَنِي على أصْل، وهو أنَّ الحاكمَ هل له ذلك أو لا؟ وفيه وَجْهان؛ أحَدُهما، ليس له ذلك؛ لأنَّ الحَبْسَ عذاب، فلا يَتَوَجَّهُ عليه قبلَ ثبُوتِ الحَقِّ عليه.
فعلى هذا، لا يَرُدُّه

وَإنْ كَانَ حُبِسَ فِي تُهْمَةٍ، أو افْتِيَاتٍ عَلَى القَاضِي قَبْلَهُ، خَلَّى سَبِيلَهُ.
إلى الحَبْسِ إن صدَّقَه خَصْمُه في هذا.
والثاني، يجوزُ حَبْسُه؛ لأنَّ المُدَّعِيَ قد أقام ما عليه، وإنَّما بَقِيَ ما على الحاكمِ مِن البَحْثِ.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَين.
[فعلى هذا الوَجْه] (1)، يَرُدُّه إلى الحَبْسِ حتى يَكْشِفَ عن حالِ شُهُودِه.
وإن كَذَّبَه خَصْمُه، وقال: بل عَرَف الحاكمُ عدالةَ شهُودِي، وحَكَم عليه بالحَقِّ.
فالقول قولُه؛ لأنَّ الظاهِرَ أنَّ حَبْسَه بحَق.
القِسْمُ الرابعُ، أن يقولَ: حَبَسَنِي الحاكمُ بثَمَنِ كلبٍ، أو: قيمةِ خَمْر أرَقْتُه لذِمِّي؛ لأنَّه كان يَرَى ذلك.
فإن صَدَّقَه خَصْمُه، فذَكَرَ القاضي أنَّه يُطْلِقُه؛ لأنَّ غُرْمَ هذا ليس بواجِبٍ.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّ الحاكم يُنَفِّذ حُكْمَ الحاكمِ الأوَّلِ؛ لأنَّه ليس له نَقْضُ حُكْمِ غيرِه باجْتهادِه.
وفيه وَجْهٌ ثالث، أنَّه يَتَوَقَّفُ ويَجْتَهِدُ أن يَصْطَلِحا على شيء؛ لأنَّه لا يُمْكِنُه فِعْلُ أحَدِ الأمْرَين المُتَقَدِّمَين (2). وللشافعيِّ قَوْلان كالوَجْهَين الآخَرَين.
فإن كَذَّبَه خَصْمُه، وقال: بل حُبِسْتَ بحَق واجبٍ غيرِ هذا.
فالقولُ قولُه؛ لأنَّ الظاهر حَبْسُه بحَق (3).

4860 -

مسألة: (وإن كان حُبِس في تُهْمَةٍ، أو افْتِياتٍ على القاضِي

123

وَإنْ لَمْ يَحْضُرْ لَهُ خَصْم، وَقَال: حُبِسْتُ ظُلْمًا، وَلَا حَقَّ عَلَيَّ، وَلَا خَصْمَ لِي.
نَادَى بِذَلِكَ ثَلَاثًا، فَإنْ حَضَرَ لَهُ خَصْم وإلَّا احْلَفَهُ، وَخَلَّى سَبِيلَهُ.
قبلَه، خَلَّى سَبِيلَه) لأنَّ المَقْصُودَ بحَبْسِه التَّأدِيبُ، وقد حَصَل.

4861 -

مسألة: (وإن لم يَحْضُرْ له خَصْمٌ، وقال: حُبِسْتُ ظُلْمًا، ولا حَقَّ عليَّ، ولا خَصْمَ لي. نادَى بذلك ثَلاثًا، فإن حَضَر له خَصْمٌ، وإلَّا أحْلَفَهُ، وخَلَّى سَبيلَه)

لأنَّ الظاهِرَ أنَّه لو كان له خَصْم، لظَهَر.

ثُمَّ يَنْظُرُ فِي أَمْرِ الأَيتَامِ وَالْمَجَانِينِ وَالوُقُوفِ،

4862

  • مسألة: (ثم يَنْظُرُ في أمْرِ اليَتَامَى والمَجانِينِ والوُقُوفِ) والنَّظَرُ في ذلك بالنَّظَرِ في أمْرِ الأوْصِياءِ، ونُظَّارِ الوُقُوفِ؛ لأنَّهم يكونون ناظِرِين في أمْوالِ اليَتامَى والمَجانِينِ وتَفْرِقَةِ الوصيةِ بينَ المساكِينِ، [وتَفْرِقَةِ الوَصايا والوُقُوفِ على أرْبابِها، فيَقْصِدُهم الحاكمُ بالنَّظَرِ] 1؛ لأنَّ المَنْظُورَ عليه إن كان مِن الأيتامِ والمَجانِينِ، لم تُمْكِنْهم المُطالبَةُ؛ لأنَّهم لا قولَ لهم، وإن كانوا مَساكِينَ، ولم يَتَعَيَّنِ الأخْذُ منهم، فإذا قَدِمَ إليه الوَصِيُّ، فإن كان الحاكمُ قبلَه نَفَّذَ وَصِيَّتَه، لم يَعْزِلْه؛ لأنَّ الحاكمَ ما نَفَّذَ وَصِيَّتَه إلَّا بعدَ مَعْرِفةِ أهْلِيَّتِه في الظاهِرِ، ولكنْ يُراعِيه، فإن تَغَيَّرتْ حالُه بفِسْقٍ أو ضَعْفٍ، أضاف إليه أمِينًا قَويًّا يُعِينُه، وإن كان الأوَّلُ ما نَفَّذَ وَصِيَّتَه، نَظَر فيه، فإن كان أمِينًا قَويًّا، أقَرَّه، وإن كان أمِينًا ضعيفًا،

..................................  ضَمَّ إليه مَن يُعِينُه، وإن كان فاسِقًا، عَزَلَه وأقام غيرَه.
وعلى قولِ الخِرَقِيِّ، يُضَمُّ إليه أمِينٌ يَنْظُرُ عليه.
فإن كان قد تَصَرَّفَ، أو فَرَّقَ الوَصِيَّةَ، وهو أهْلٌ للوَصِيَّةِ، نَفَّذَ تَصَرُّفَه، وإن كان ليسَ بأَهْلٍ، وكان المُوصَى لهم بالِغينَ عَاقِلينَ مُعيَّنِينَ صَحَّ الدَّفْعُ إِلَيهم؛ لأنَّهم قَبضُوا حُقُوقَهم، وإن كانوا غيرَ مُعَيَّنِينَ، كالفُقَراءِ والمساكينِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، عليه الضَّمانُ.
ذَكَرَه القاضي، وأصْحابُ الشافعيِّ؛ لأنَّه ليس له التَّصَرُّفُ.
والثاني، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّه أوْصَلَه إلى أهْلِه.
وكذلك إن فَرَّقَ الوَصِيَّةَ غيرُ المُوصَى إليه بتَفْرِيقِها، فعلى الوَجْهَين.
فصل: ويَنْظُرُ في أُمَناءِ الحاكمِ وهم مَن رَدَّ إليهم الحاكمُ النَّظَرَ في أمْرِ الأطْفالِ، وتَفرِقَةِ الوصايا التي لم 1 يَتَعَيَّنْ لها وَصِيٌّ، فإن كانوا بحالِهم، أقَرَّهمِ؛ لأنَّ الذي قَبْلَه وَلَّاهم، ومَن تَغَيَّرَ حالُه، عَزَلَه إن فَسَق، وإن ضَعُفَ، ضَمَّ إليه أمِينًا.

ثُمَّ حَال القَاضِي قَبْلَهُ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّنْ يَصْلُحُ لِلْقَضَاءِ، لَمْ يَنْقُضْ مِنْ أَحْكَامِهِ إلا مَا خَالفَ نَصَّ كِتَابٍ أَوْ سُنَّةً أَوْ إِجْمَاعًا.
فصل: ثم يَنْظُرُ في أمرِ الضَّوالِّ واللُّقَطَةِ التي يَتَوَلَّى الحاكمُ حِفْظَها؛ فإن كانت ممَّا يُخافُ تَلَفُه، كالحيوانِ، أو في حِفْظِه مُؤْنَةٌ، كالأمْوالِ الجافِيَةِ (1)، باعَها، وحَفِظَ ثمنَها لأرْبابِها، وإن لم تكنْ كذلك، كالأثْمانِ، حَفِظَها لأرْبابِها، ويَكْتُبُ عليها لتُعَرَّفَ (2).

4863 -

مسألة: (ثم)

يَنْظُرُ في (حالِ القاضي قبلَه؛ فإن كان ممَّن يَصْلُحُ للقضاءِ، لم يَنْقُضْ مِن أحْكامِه إلَّا ما خالفَ نَصَّ كِتابٍ أو سُنَّةً أو إجْماعًا) لا يَجِبُ على الحاكمِ تَتَبُّعُ قَضايا مَن كان قبلَه؛ لأنَّ الظاهِرَ12

..................................  صِحَّتُها وصَوابُها، وأنَّه لا يَتَوَلَّى القضاءَ إلَّا مَن كان 1 أهلًا للولايَةِ، فإنْ تَتَبَّعَها، نَظَر في الحاكمِ قبلَه؛ فإن كان ممَّن يَصْلُحُ للقضاءِ، فما وافَقَ مِن أحْكامِه الصَّوابَ، أو لم يُخالِفْ كِتابًا ولا سُنَّةً ولا إجْماعًا، لم يَسُغْ 2 نَقْضُه، [وإن كان مُخالِفًا لأحَدِ هذه الثلاثةِ، وكان في حَقِّ اللهِ تعالى، كالعَتاقِ والطَّلاقِ، نَقَضَه] 3؛ لأنَّ له النَّظَرَ في حُقُوقِ اللهِ تعالى، وإن كان يَتَعَلَّقُ بحَقِّ آدَمِيٍّ، لم يَنْقُضْه إلَّا بمُطالبَةِ صاحِبِه؛ لأنَّ الحاكمَ لا يَسْتَوْفِي حَقًّا لمَن لا ولايَةَ عليه بغيرِ مُطالبتِه، فإنْ طلبَ صاحِبُه ذلك، نَقَضَه.
وبهذا قال الشافعيُّ، وزاد: إذا خالفَ [قِياسًا جَلِيًّا، نَقَضَه.
وعن مالكٍ، وأبي حنيفةَ، أنَّهما قالا: لا يَنْقُضُ الحُكْمَ إلَّا إذا خالفَ] (3) الإِجْماعَ.
ثمَّ ناقَضا قولَهما، فقال مالكٌ: إذا حَكَم بالشُّفْعَةِ للجارِ، نَقَض حُكْمَه.
وقال أبو حنيفةَ: إذا حَكَم ببَيعِ مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ، أو حَكَم بينَ العَبِيدِ بالقُرْعَةِ، نَقَض حُكْمَه.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إذا حَكَم بالشَّاهِدِ واليمينِ، نَقَض حُكْمَه.
وهذه مسائلُ خلافٍ مُوافِقةٌ

..................................  للسُّنَّةِ.
واحْتَجُّوا على أنَّه لا يَنْقُضُ ما لم يُخالِفِ الإِجْماعَ بأنَّه يَسُوغُ فيه الخِلافُ، فلم يَنْقُضْ حُكْمَه فيه 1، كما لا نَصَّ فيه.
وحُكِيَ عن أبي ثَوْرٍ 2، أنَّه يَنْقُضُ جميعَ ما بان له خَطَؤُه؛ لأنَّ عُمَرَ، - رَضِيَ اللهُ عنه-، كَتَب إلى أبي موسى: لا يَمْنَعنَّكَ قَضاءٌ قَضَيتَه بالأمْسِ، ثم رَاجَعْتَ نَفْسَك فيه اليومَ، فهُدِيتَ لرُشْدِك، أن تُراجِعَ فيه الحَقَّ، فإنَّ الرُّجُوعَ إلى الحَقِّ خيرٌ مِن التَّمادِي في الباطِلِ 3. ولأنَّه خطأٌ، فوَجَبَ الرُّجُوعُ عنه، كما لو خالفَ الإِجْماعَ.
[وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه وافَقَهما في قَضاءِ نَفْسِه] 4. ولَنا، على نَقْضِه إذا خالفَ نَصًّا أو إجْماعًا، أنَّه قَضاءٌ لم يُصادِفْ شَرْطَه، فوَجَبَ نَقْضُه، كما لو خالفَ الإِجْماعَ، وبَيانُ مُخالفَتِه للشَّرْطِ، أنَّ شَرْطَ الحُكْمِ بالاجْتهادِ عَدَمُ النَّصِّ، بدليلِ خبرِ مُعاذٍ 5. ولأنَّه إذا تَرَك الكتابَ والسُّنَّةَ، فقد فَرَّطَ، فوَجَبَ نَقْضُ حُكْمِه، كما لو خالفَ الإِجْماعَ، أو كما لو حَكَم بشَهادةِ كافِرَينِ.
وما قالُوه يَبْطُلُ بما حَكَينا عنهم.
فإن قيل: إذا صَلَّى بالاجْتِهادِ إلى جِهَةٍ، ثم بان له الخطأُ لم يُعِدْ؟ قُلْنا: الفَرْقُ بينَهما مِن ثلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّ اسْتِقْبال القبلةِ يَسْقُطُ حال العُذْرِ

..................................  في حالِ المُسايَفَةِ 1 والخوفِ مِن عَدُوٍّ أو سَبُعٍ أو نحوه، مع العلمِ، ولا يجوزُ له تَرْكُ الحَقِّ [إلى غيرِه] 2 مع العلمِ بحالٍ.
الثاني، أنَّ الصلاةَ مِن حُقوقِ اللهِ تعالى، تَدْخلُها المُسامَحَةُ.
الثالثُ، أنَّ القبلَةَ يَتَكَرَّرُ فيها الاشْتِباهُ، فيَشُقُّ القَضاءُ، وههُنا إذا بان له الخَطأُ لا يَعُودُ الاشْتِباهُ بعدَ ذلك.
وأمَّا إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه مِن غيرِ أن يُخالِفَ نَصًّا ولا إجْماعًا، أو خالفَ اجْتِهادُه اجْتِهادَ مَن قبلَه، لم يَنْقُضْه لمُخالفَتِه؛ لأنَّ الصحابةَ، -رَضِيَ اللهُ عنهم-، أجْمَعُوا على ذلك، فإنَّ أبا بكرٍ حَكَم في مَسائِلَ باجْتهادِه، وخالفَه عُمَرُ، فلم يَنْقُضْ أحْكامَه، وعليٌّ خالفَ عُمَرَ في اجْتِهادِه، فلم يَنْقُضْ أحْكامَه، وخالفَهما عليٌّ 3، فلم يَنْقُضْ أحْكامَهما، فإنَّ أبا بكرٍ، - رَضِيَ اللهُ عنه-، سَوَّى بينَ الناسِ في العَطاءِ، وأعْطَى العبيدَ، وخالفَه عُمَرُ، ففاضَلَ بينَ الناسِ، وخالفَهما عليٌّ، فسَوَّى بينَ الناسِ، وحَرَم العبيدَ، ولم يَنْقُضْ أحَدٌ منهم ما فَعَلَه مَن قبلَه 4. وجاءَ أهلُ نَجْرانَ إلى عليٍّ، فقالوا: يا أميرَ المؤمنين، كتابُك بيَدِك، وشَفاعَتُك بلسانِك.
فقال: وَيحَكُمْ، إنَّ عُمَرَ كان رَشِيدَ الأمرِ، لا 5 أرُدُّ قَضاءً قَضَى به

..................................  عُمَرُ.
رَواه سعيدٌ 1. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ حَكَم في المُشَرَّكَةِ بإسْقاطِ الإِخْوةِ مِن الأبَوَين، ثم شَرَّكَ بينَهم بعدُ، وقال: تلك على ما قَضَينا، وهذه على ما قَضَينا 2. وقَضَى في الجَدِّ بقَضايا مُخْتَلِفةٍ، ولم يَرُدَّ الأُولَى 3. ولأنَّه يُؤَدِّي إلى نَقْضِ الحُكْمِ بمِثْلِه، وهذا يُؤَدِّي إلى أن لا يَثْبُتَ الحُكْمُ أصْلًا؛ لأنَّ الحاكمَ الثانيَ يُخالِفُ الذي قبلَه، والثالثَ يُخالِفُ الثانيَ، فلا يثْبُتُ حُكْمٌ.
فإن قيل: فقد رُوِيَ أنَّ شُرَيحًا حَكَم في ابْنَيْ عمٍّ، أحدُهما أخٌ للأُمِّ، أنَّ المال للأخِ، فرُفِعَ ذلك إلى عليٍّ، -رَضِيَ اللهُ عنه-، فقال: عليَّ بالعبدِ.
فجئَ به، فقال: في أيِّ كتابِ اللهِ وَجَدْتَ ذلك؟ فقال: قال اللهُ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ﴾ 4. فقال له عليٌّ: فقد قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلَالةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ﴾ 5. ونَقَض حُكْمَه 6. قُلْنا: لم يَثْبُتْ عندَنا أنَّ عليًّا نَقَض حُكْمَه، ولو ثَبَت فيَحْتَمِلُ أن يكونَ على اعْتِقادِ أنَّه خالفَ نَصَّ الكتابِ في الآيةِ التي ذَكَرَها، فنَقَضَ حُكْمَه لذلك.

..................................  فصل: إذا تَغَيَّرَ اجْتِهادُه قبلَ الحُكْمِ، فإنَّه يَحْكُمُ بما تَغَيَّرَ اجْتِهادُه إليه، ولا يَجُوزُ أن يَحْكُمَ باجْتِهادِه الأوَّلِ؛ لأنَّه إذا حَكَم به فقد حَكَم بما يَعْتَقِدُ أنَّه باطِلٌ، وهذا كما قُلْنا في مَن تَغَيَّرَ اجْتِهادُه في القبلةِ بعدَ ما صَلَّى لا يُعِيدُ، وإن كان قبلَ أن يُصَلِّيَ، صَلَّى إلى الجهةِ التي تَغَيَّرَ اجْتِهادُه إليها.
وكذلك إذا بان فِسْقُ الشُّهُودِ قبلَ الحُكْمِ بشَهادَتِهم، لم يَحْكُمْ بها، ولو بان بعدَ الحُكْمِ، لم يَنْقُضْه.

وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا يَصْلُحُ، نَقَضَ أَحْكَامَهُ وَإِنْ وَافَقَتِ الصَّحِيحَ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَنْقُضَ الصَّوَابَ مِنْهَا.

4864 - مسألة: (وإن كان ممَّن لا يَصْلُحُ، نَقَض أحْكامَه وإن وَافَقَتِ الصَّحِيحَ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَنْقُضَ الصَّوابَ منها)

أمَّا إذا كان القاضي قبلَه لا يَصْلُحُ للقضاءِ، نَقَضَ قَضاياه كلَّها، ما أخْطأ فيها وما أصاب.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ وُجُودَ قَضائِه كعَدَمِه.

..................................  قال شيخُنا 1: تُنْقَضُ قَضاياه المخالِفَةُ للصَّوابِ كلُّها، سواءٌ كانت ممَّا يَسُوغُ فيه الاجْتِهادُ أو لا يَسُوغُ؛ لأنَّ حُكْمَه غيرُ صحيحٍ، وقضاؤُه كَلَا قضاءٍ، لعَدَمِ شَرْطِ القضاءِ فيه، وليس في نَقْضِ قَضاياه نَقْضُ الاجْتِهادِ بالاجْتِهادِ 2؛ لأنَّ الأوَّلَ ليس باجْتهادٍ.
ولا ينْقضُ ما وافَقَ الصَّوابَ؛

..................................  لعَدَمِ الفائدةِ في نَقْضِه، فإنَّ الحقَّ وَصَل إلى مُسْتَحِقِّه، ولو وَصَل الحَقُّ إلى مُسْتَحِقِّه بطريقِ القَهْرِ مِن غيرِ حُكْمٍ، لم يُغَيِّرْ ذلك، فكذلك إذا كان بقَضاءٍ 1 وُجُودُه كعَدَمِه.

وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى القَاضِي خَصْمٌ لَهُ، أَحْضَرَهُ.
وَعَنْهُ، لَا يُحْضِرُهُ حَتَّى يَعْلَمَ أَنَّ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا.

4865 - مسألة: (وإنِ اسْتَعْداه)

أحَدٌ على (خَصْمٍ له، أحْضَرَه.
وعنه، لا يُحْضِرُه حتى يَعْلَمَ أنَّ لِما ادَّعاه أصْلًا) هذه المسألةُ فيها رِوايتان؛ إحْداهما، أنَّه يَلْزَمُ القاضي أن يُعْدِيَه، ويَسْتَدْعِيَ خَصْمَه، سَواءٌ عَلِم بينَهما مُعامَلَةً أو لم يَعْلَمْ، وسَواءٌ كان المُسْتَعْدِي ممَّن يُعامِلُ المُسْتَعْدَى عليه أو لا يُعامِلُه، كالفَقيرِ يَدَّعِي على ذِي ثَرْوَةٍ وهَيئَةٍ 1. نَصَّ على هذا في رِوايةِ الأثْرَمِ، في الرجلِ يَسْتَعْدِي، على الحاكمِ، أنَّه يُحْضِرُه ويَسْتَحْلِفُه.
وهذا اخْتِيارُ أبي بكرٍ، ومَذْهَبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ في تَرْكِه تَضْيِيعًا للحُقُوقِ، وإقْرارًا للظُّلْمِ، فإنَّه قد يَثْبُتُ

..................................  له الحَقُّ على مَن هو أرْفَعُ منه بغَضْبٍ، أو يَشْتَرِي منه شيئًا ولا يُوَفِّيه، أو يُودِعُه شيئًا، أو يُعِيرُه إيَّاه فلا يَرُدُّه، ولا تُعْلَمُ بينَهما مُعاملةٌ، فإذا لم يُعْدَ عليه، سَقَط حَقُّه، وهذا أعْظَمُ ضَرَرًا مِن حُضُورِ مَجْلِسِ الحاكمِ، فإنَّه [لا نَقِيصةَ فيه] 1، وقد حَضَر عُمَرُ وأُبَيٌّ عندَ زَيدٍ 2، وحَضَر هو وآخَرُ عندَ شُرَيحٍ، وحَضَر المَنْصُورُ عندَ رجلٍ مِن وَلَدِ طَلْحَةَ بنِ عُبَيدِ اللهِ.
والثانيةُ، لا يَسْتَدْعِيه 3 إلَّا أن تُعْلَمَ بينَهما مُعامَلَةٌ، ويَتَبَيَّنَ أنَّ لِما ادَّعاه أصْلًا.
رُوِيَ ذلك عن عليٍّ، - رَضِيَ اللهُ عنه -. وهو مَذْهَبُ مالكٍ؛ لأنَّ في إعْدائِه على كلِّ أحدٍ تَبْذِيلَ أهلِ المُرُوءاتِ، وإهانةً لذوي الهَيئاتِ،

..................................  فإنَّه لا يَشاءُ أحدٌ أن يُبَذِّلَهم عندَ الحاكمِ إلَّا فَعَل، ورُبَّما فَعَل هذا مَن لا حَقَّ له ليَفْتَدِيَ المُدَّعَى عليه مِن حُضُورِه وشَرِّ خصْمِه بطائفةٍ مِن مالِه.
والأُولَى أَوْلَى؛ لأنَّ ضَرَرَ تَضْيِيعِ الحقِّ أعْظَمُ مِن هذا،

وَإِنِ اسْتَعْدَاهُ عَلَى القَاضِي قَبْلَهُ، سَأَلَهُ عَمَّا يَدَّعِيهِ، فَإِنْ قَال: لِي عَلَيهِ دَينٌ مِنْ مُعَامَلَةٍ، أَوْ رِشْوَةٌ.
رَاسَلَهُ، فَإِنِ اعْتَرَفَ بِذَلِكَ، أَمَرَهُ بِالْخُرُوجِ مِنْهُ، وَإِنْ أَنْكَرَ، وَقَال: إِنَّمَا يُرِيدُ تَبْذِيلِي.
فَإِنْ عَرَفَ لِمَا ادَّعَاهُ أَصْلًا، أَحْضَرَه، وَإِلَّا فَهَلْ يُحْضِرُه؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
وللمُسْتَعْدَى عليه أن يُوَكِّلَ مَن يَقُومُ مَقامَه إن كَرِهَ الحُضُورَ.

4866 -

مسألة: (وإنِ اسْتَعْداه على القاضي قبلَه، سَألَه عَمّا يَدَّعِيه، فإن قال: لي عليه دَينٌ مِن مُعامَلَةٍ، أو رِشْوَةٌ. راسَلَه)

بذلك (فإن اعْتَرَفَ به، أمَرَه بالخُرُوجِ منه، وإن أنْكَرَ، وقال: إنَّما يُرِيدُ تَبْذِيلي.
فإن عَرَف لِما ادَّعاه أصْلًا، أحْضَرَه، وإلَّا فهل يُحْضِرُه؟ على رِوايَتَين) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا اسْتَعْدَى على الحاكمِ المَعْزُولِ، لم يُعْدِه حتى يَعْرِفَ ما يَدَّعِيه، فيَسْألَه عنه، صِيانَةً للقاضي عن الامْتِهانِ، فإن ذَكَر أنَّه يَدَّعِي عليه حَقًّا مِن دَينٍ أو غَصْبٍ، أعْداه عليه، وحَكَم بينَهما،

..................................  كغيرِ القاضي.
وكذلك إنِ ادَّعَى أنَّه أخَذَ منه رِشْوَةً على الحُكْمِ؛ لأنَّ أخْذَ الرِّشْوَةِ عليه لا يجوزُ، فهي كالغَصْبِ.
وإنِ ادَّعَى عليه الجَوْرَ في الحُكْمِ، وكان للمدَّعِي بَيِّنَةٌ، أحْضَرَه، وحَكَم بالبَيِّنَةِ، وإن لم تكنْ معه بَيِّنَةٌ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يُحْضِرُه؛ لأنَّ في إحْضارِه وسُؤالِه امْتهانًا له، وأعْداءُ القاضي كثيرٌ، وإذا فَعَل هذا معه، لم يُؤْمَنْ أن لا يَدْخُلَ في القضاءِ أحدٌ، خَوْفًا مِن عاقِبَتِه.
والثاني، يُحْضِرُه؛ لجوازِ أن يَعْتَرِفَ، فإن حَضَر واعْترَفَ، حَكَم عليه، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قولُه مِن غيرِ يَمينٍ؛

جارٍ التحميل