..................................
أصحابِ الشافعيِّ: يجُوزُ أنَّ يكونَ أعْمَى 1؛ لأنَّ شُعَيبًا - عليه السلام -، كان أعْمَى.
ولهم في الأخْرسِ الذي تُفهَمُ إشارتُه وَجْهان.
ولنا، أنَّ هذه الحَواسَّ تُؤَثِّرُ في الشَّهادةِ، فيَمْنَعُ فَقْدُها ولايةَ القَضاءِ كالسَّمْعِ؛ وهذا لأنَّ مَنْصِبَ الشَّهادةِ دُونَ مَنْصِبِ القَضاءِ، والشاهدَ يَشْهَدُ في أشْياءَ يَسِيرَةٍ يُحْتاجُ إليه فيها، وربَّما أحاط بحَقِيقَةِ عِلْمِها، والقاضيَ ولايتُه عامَّة، فيَحْكُمُ في قَضايا الناسِ عامَّةً، فإذا لم تُقْبَلْ منه الشَّهادةُ، فالقضاءُ أَوْلَى، وما ذَكَرُوه عن شُعَيبٍ - عليه السلام -، فمَمْنُوعٌ، فإنه لم يَثْبُتْ أنَّه كان أعْمَى 2، ولو ثَبَت فيه ذلك، فلا يَلْزَمُ
..................................
ههُنا؛ فإنَّ شُعَيبًا، - عليه السلام -، كان مَن آمَنَ معه مِن الناسِ قليلًا، ورُبَّما لا يَحْتاجُونَ إلى الحُكْمِ بينَهم لقلَّتِهم وتَناصُفِهم، فلا يكونُ حُجَّةً في مسألتِنا.
التاسعُ، العدالةُ، فلا يجوزُ تَوْلِيَةُ فاسِقٍ، ولا مَن فيه نَقْصٌ يَمْنَعُ الشَّهادةَ، وسَنذْكُرُ ذلك في الشَّهادةِ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.
وحُكِيَ عن الأصَمِّ، أنَّه قال: يجوزُ أنَّ يكونَ القاضي فاسِقًا، لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «سَيَكُونُ بَعْدِي أمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلاةَ عَنْ أوْقَاتِهَا، فَصَلُّوهَا لِوَقْتِهَا، واجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً» 1. ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 2. فأمَرَ
..................................
بالتَّبَيُّنِ 1 عندَ قول الفاسِقِ، ولا يجوزُ أنَّ يكونَ الحاكِمُ ممَّن لا يُقْبَلُ قولُه، ويَجِبُ التَّبَيُّنُ 2 عندَ حُكْمِه، ولأنَّ الفاسِقَ لا يجوزُ أنَّ يكونَ شاهدًا، فلَأن لا 3 يكونَ قاضِيًا أوْلَى.
فأمَّا الخبرُ فأخْبَر بوُقُوعِ ذلك مع كونِهم أُمَراءَ، لا بمَشْرُوعِيَّته، والنِّزاعُ في صِحَّةِ تَوْلِيَته لا في وُجُودِها.
العاشرُ، أنَّ يكونَ مُجْتَهِدًا.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وبعضُ الحنفيَّة.
وقال بعضُهم: يجوزُ أنْ يكونَ عامِّيًّا فيَحْكُمَ بالتَّقْلِيدِ؛ لأنَّ الغَرَضَ منه فَصْلُ الخُصوماتِ، فَإِذا 4 أمْكَنَه ذلك بالتَّقْلِيدِ 5 جاز، كما يُحْكَمُ بقولِ المُقَوِّمِينَ.
ولَنا، قولُه تعالى: (وَأنِ احْكُم بَينَهُم بِمَا أنزَلَ
..................................
اللهُ) 1. [ولم يَقُلْ: بالتَّقْلِيدِ.
وقال: (لِتَحْكُمَ بَينَ النَّاسِ بِمَا أَراكَ اللهُ)] 2. وقال: (فَإِن تَنَزَعْتُمْ فِي شَيْء فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُولِ) 3. ورَوَى بُرَيدَةُ، عن رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ؛ اثْنَانِ فِي النَّارِ، ووَاحِدٌ فِي الْجَنةِ، رَجُل عَلِمَ الْحَقَّ فَقَضَى بِهِ، فَهوَ فِي الْجَنَّةِ، وَرَجُلٌ قَضَى لِلنَّاسِ عَلَى جَهْل، فَهُوَ فِي النَّارِ، وَرَجُلٌ جَارَ فِي الحُكْمِ، فَهُوَ فِي النَّارِ».
رَواه ابنُ ماجه 4. والعامِّيُّ يَقضِي على جَهْلٍ، ولأنَّ الحُكْمَ آكَدُ مِن الفُتْيا؛ لأنَّه فُتْيا وإلزامٌ، ثم المُفْتِي لا يجوزُ أنَّ يكونَ عامِّيًّا مُقَلِّدًا، فالحُكْمُ أوْلَى.
فإنْ قيل: فالمُفْتِي يجوزُ أنْ يُخْبِرَ بما سَمِع.
قُلْنا: نعم، إلَّا أنَّه لا يكونُ مُفْتِيًا في تلك الحالِ، وإنَّما هو مُخْبِرٌ، فيَحْتاجُ أنْ يُخْبِرَ عن رجلٍ بعَينه مِن أهلِ الاجْتِهادِ، فيكونُ مَعْمُولًا بخَبَرِه لا بفُتْياه.
ويُخالِفُ قولَ المُقَوِّمِين؛ لأنَّ ذلك لا يُمْكِنُ الحاكمَ مَعْرفَتُه بنَفْسِه، بخلافِ الحُكْمِ.
..................................
4837 - مسألة: وليس مِن شَرْطِ الحاكِمِ أنَّ يكونَ كاتِبًا.
وفيه وَجْهٌ آخَر، أنَّه يُشْتَرَطُ ذلك؛ ليَعْلَمَ ما يَكْتُبُه كاتِبُه، ولا يَتَمَكَّنَ مِن إخْفائِه عنه.
ولَنا، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان أُمِّيًّا، وهو سَيِّدُ الحُكّامِ، وليس مِن ضرورةِ الحُكْمِ الكِتابةُ، فلا تُعْتَبَر شَرْطًا
1. فإنِ احْتاجَ إلى ذلك،
.................................. جاز تَوْلِيَتُه لمَن يَعْرِفُه، كما أنَّه قد يَحْتاجُ إلى القِسْمَةِ بينَ الناسِ، وليس مِن شَرْطِه مَعْرِفَةُ المِساحَةِ، ويَحْتاجُ إلى التَّقْويِمِ، وليس مِن شُروطِ القَضاءِ أن يكونَ عالِمًا بقِيَمِ الأشْياءِ، [ولا مَعْرِفتُه بعُيُوبِ كلِّ شيءٍ] 1.
وَالْمُجْتَهِدُ مَنْ يَعْرِفُ مِنْ كِتَابِ الله تِعَالى وَسُنَّةِ رَسُولِهِ عَلَيهِ السَّلَامُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ، وَالأمْرَ وَالنَّهْيَ، وَالْمُجْمَلَ وَالْمُبَيَّنَ، وَالْمُحْكَمَ وَالْمُتَشَابِهَ، وَالْخَاصَّ وَالْعَامَّ، وَالْمُطْلَقَ وَالْمُقَيَّدَ، وَالنَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ، وَالْمُسْتَثْنَى وَالْمُسْتَثْنَى مِنْهُ، وَيَعْرِفُ مِنَ السُّنَّةِ صَحِيحَهَا مِنْ سَقِيمِهَا، وَتَوَاتُرَهَا مِنْ آحَادِهَا، وَمُرْسَلَهَا وَمُتَّصِلَهَا، وَمُسْنَدَهَا وَمُنْقَطِعَهَا، مِمَّا لَهُ تَعَلُّقٌ بِالأحْكَامِ خَاصَّةً،
4838 - مسألة: (والمُجْتَهِدُ مَن يَعْرِفُ مِن كِتابِ اللهِ تَعالى، وسُنَّةِ رسولِه - صلى الله عليه وسلم - الحَقِيقَةَ والمَجازَ، والأمْرَ والنَّهْيَ، والمُجْمَلَ والمُبَيَّنَ، والمُحْكَمَ والمُتَشابِهَ، والخاصَّ والعامَّ، والمُطْلَقَ والمُقَيَّدَ، والنَّاسِخَ والمَنْسُوخَ، والمُسْتَثْنَى والمُسْتَثْنَى منه، ويَعْرِفُ مِن السُّنَّةِ صحيحَها مِن سَقِيمِها، وتَواتُرَها مِن آحادِها، ومُرْسَلَها ومُتَّصِلَها، ومُسْنَدَها ومُنْقَطِعَها، ممّا له تَعَلُّقٌ بالأحْكامِ خاصَّة)
وهي مِن 1 كتابِ اللهِ تعالى نحوُ خَمْسِمائةِ آيةٍ، ولا يَلْزَمُه معرفةُ سائِرِ القُرآنِ.
ومِن السُّنَّةِ ما يتَعَلَّقُ بالأحْكامِ دُونَ سائِرِ الأخْبارِ، مِن 2 خَبَرِ الجَنَّةِ والنَّارِ،
..................................
ونحوهما 1 ممَّا لا 2 يَتَعَلَّقُ بالأحْكامِ.
وإنَّما كان المُجْتَهِدُ مَن يَعْرِفُ هذه الأشْياءَ المَذْكُورَةَ؛ لأنَّ المُجْتَهِدَ هو مَن يُمْكِنُه تَعَرُّفُ الصَّوابِ بدَليله، كالمُجْتَهِدِ في القِبْلَةِ، ومَن لا يَعْرِفُه بدَلِيله يكونُ مُقَلِّدًا؛ لكونِه يَقْبَلُ قولَ غيرِه مِن غيرِ مَعْرِفَةٍ بصَوابِه، كالذي يَقْبَلُ قولَ الدَّليلِ على الطَّريقِ مِن غيرِ مَعْرِفَةٍ بَصوابه، وقولَ مَن يعْرِف جِهَةَ القِبْلَةِ مِن غيرِ مَعْرِفَتِه 3. وأدلةُ الأحْكامِ، الكتابُ، والسُّنَّةُ، والإِجْماعُ، والقِياسُ، وجِهَةُ دَلالةِ الكِتابِ والسُّنَّةِ مِن هذه الوُجوهِ، فإنَّ الكلامَ بإطْلاقِه يُحْمَلُ على الحقيقةِ دُونَ المجازِ، والعامُّ والخاصُّ إذا تَعارَضا قُدِّم الخاصُّ، ويَجُوزُ تَخْصِيصُ العامِّ، ولا يَدْخُلُ الخاصَّ تَخْصِيصٌ، والمُطْلَقُ يُحْمَلُ على المُقَيَّدِ.
والمقْصودُ أنَّ لكلِّ واحدٍ ممَّا ذَكَرْنا دَلالةً لا يُمْكِنُ معرِفَتُها إلَّا بمعرفَتِه، فوَجَب معرفَةُ ذلك؛ ليَعْرِفَ دَلالتَه، ووَقَفَ الاجْتِهادُ على معرفتِه لذلك.
ومثالُه، أنَّ المُجْتَهِدَ في القِبلةِ يَحْتاجُ في معرفةِ النُّجومِ إلى 4 معرفتِها بأعْيانِها وجِهاتِها، فإذا عَرَف القُطْبَ، احْتاجَ إلى معرفةِ
ويَعْرِفُ مَا أُجْمِعَ عَلَيهِ ممَّا اخْتُلِفَ فِيهِ، وَالْقِيَاسَ وَحُدُودَهُ وَشُرُوطَهُ وَكَيفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِهِ، وَالْعَرَبِيَّةَ الْمُتَدَاوَلَةَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْعِرَاقِ وَمَا يُوَالِيهِمْ.
وَكُلُّ ذَلِكَ مَذْكُورٌ في أُصُولِ الْفِقْهِ وَفُرُوعِهِ، فَمَنْ وَقَفَ عَلَيهِ وَرُزِقَ فَهْمَهُ، صَلُحَ لِلْقَضَاءِ، وَالْفُتْيَا، وَبِاللهِ التَّوْفِيقُ.
كونِه في الجِهَةِ الشَّمالِيَّةِ، وكذلك إذا عَرَف الشمسَ، احْتاجَ إلى معرفةِ الجِهَةِ التي تكونُ فيها في حالِ طُلوعِها، وحالِ غُرُوبِها وتَوَسُّطِها، وهذا كذلك.
والمُسْنَدُ مِن السُّنَّةِ والمُتَّصِلُ واحدٌ، والمُرْسَلُ الذي يكونُ (1) بينَ الرَّاوي وبينَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رجلٌ غيرُ مَذْكُورٍ، والمُنْقَطِعُ الذي يكونُ بينَهما أكثرُ مِن واحدٍ.
وقيلَ: هو الذي يَرْويه مَن لم يُدْرِكِ الصحابةَ عنهم (2).
4839 -
مسألة: (ويَعْرِفُ ما أُجْمِع عليه ممَّا اخْتُلِف فيه، والقِياسَ وحُدُودَه وشُرُوطَه وكَيفِيَّةَ اسْتِنْباطِه)
الأحْكامَ [منه (والعربيةَ المُتداوَلَةَ بالحِجازِ والشَّامِ والعِراقِ وما يُوالِيهم) ليَتَعَرَّفَ به اسْتِنْباطَ الأحْكامِ] 3 مِن أصْنافِ عُلُومِ الكِتابِ والسُّنَّةِ.
وقد نَصَّ أحمدُ على12
..................................
اشْتِراطِ ذلك لِلفُتْيا، والحُكْمُ في مَعْناه.
وإنَّما اشْترطَ معرفةَ ما أُجْمِع عليه؛ لأنَّ الاجْتِهادَ إنَّما يُشْرَعُ فيما اخْتُلِف فيه، وأمَّا المُجْمَعُ عليه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى ما أُجْمِع عليه دُونَ غيرِه، فيَجِبُ معرفةُ [ذلك؛ ليَرْجِعَ في المُجْمَعِ عليه إلى الإجْماعِ، وفي غيرِه إلى الاجْتِهادِ.
وأمَّا معرفةُ اسْتِنْباطِ] 1 القياسِ -وهو أحدُ أدِلَّةِ الأحْكامِ- فإنَّه لا يُمْكِنُ مَعْرِفَتُها إلَّا
..................................
بذلك، فكان معرفةُ ذلك مِن ضَرُورَةِ معرفةِ الأحْكامِ.
فأمَّا معرفةُ اللُّغَةِ والعرَبِيَّةِ، فإنَّ أدِلَّةَ الأحْكامِ كتابُ اللةِ تعالى وسُنَّةُ رسولِه، والكتابُ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ 1، نَزَل به الرُّوحُ الأمِينُ، بلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ، والسُّنَّةُ قولُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وما يَقُومُ مَقامَه، وقد قال اللهُ تعالى: (وَمَا أرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إلا بِلِسَانِ قَوْمِهِ) 2. فيُعْتَبَرُ معرفةُ اللُّغَةِ التي هي لِسانُ الكتابِ والسُّنَّةِ؛ ليَعْرِفَ مُقْتَضاهما 3. فإن قيلَ: فهذه الشُّروطُ لا تَجْتَمِعُ في أحدٍ، فكيفَ يجوزُ اشْتراطُها؟ قُلْنا: ليس مِن شَرْطِه أنَّ يكونَ مُحِيطًا بهذه العُلُومِ إحاطَةً تَجْمَعُ أقْصاها، وإنَّما يَحْتاجُ أنْ يَعْرِفَ مِن ذلك
..................................
ما يَتَعَلَّقُ بالأحْكامِ مِن الكتابِ والسُّنَّةِ ولسانِ العربِ، ولا أنَّ يُحِيطَ بجميعِ الأخْبارِ الواردةِ في هذا، فقد كان أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ وعمرُ بنُ الخَطَّابِ، رَضِيَ اللهُ عنهما، خَلِيفَتا رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ووَزِيراه، وخيرُ الناسِ بعدَه، في حالِ إمامَتِهما يُسْألانِ عن 1 الحُكْمِ، فلا يَعْرِفانِ ما فيه مِن السُّنَّةِ حتى يَسْألا الناسَ فيُخْبَرَا، فسُئِلَ أبو بكرٍ عن ميراثِ الجَدَّةِ، فقال: مالكِ في كتابِ اللهِ شيءٌ، ولا أعْلَمُ لكِ في سُنَّةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شيئًا، ولكنِ ارْجعِي حتى أسْألَ الناسَ.
ثم قامَ فقال: أنشُدُ اللهَ مَن يَعْلَمُ قضاءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في الجَدَّةِ؟ فقامَ المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، فقال: أشْهَدُ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أعْطاها السُّدْسَ 2. وسأل عمرُ عن إمْلاصِ المرأةِ،
.................................. فأخْبَرَه المُغِيرَةُ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قَضَى فيه بغُرَّةٍ 1. ولا تُشْتَرَطُ معرِفةُ المسائلِ التي فَرَّعَها 2 المجتَهِدون في كُتُبِهم، فإنَّ هذه فُرُوعٌ فَرَّعَها الفُقَهاءُ بعدَ حِيازَةِ مَنْصِبِ الاجْتِهادِ، فلا تكونُ شَرْطًا له وهو سابقٌ عليها 3. وليس مِن شَرْطِ الاجْتِهادِ في مسألةٍ أنَّ يكونَ مُجْتَهِدًا في كلِّ المسائلِ، بل مَن عَرَف أدِلَّةَ مسألةٍ، وما يَتَعَلَّقُ بها، فهو مُجْتَهِدٌ فيها وإن
..................................
جَهِل غيرَها، كمَن يَعْرِفُ الفَرائِضَ وأُصُولَها، ليس مِن شَرْطِ اجْتِهادِه فيها معرفتُه بالبَيعِ، ولذلك ما مِن إمامٍ إلَّا وقد تَوَقَّفَ في مسائلَ.
وقيل: مَن يُجِيبُ في كلِّ مسألةٍ فهو مجنون، وإذا تَرَك العالِمُ: لا أدْرِي.
أُصِيبَتْ مَقاتِلُه.
وحُكِي [عن مالِكٍ أنَّه] 1 سُئِل عن أرْبَعِين مسألةً، فقال في ستٍّ وثلاثين: لا أدْرِي.
ولم يُخْرِجْه ذلك عن كونِه مُجْتَهِدًا.
وإنَّما المُعْتَبَرُ أُصُولُ هذه الأُمُورِ، وهو مَجْمُوع مُدَوَّن في فُرُوعِ الفِقْهِ وأُصُولِه، فمَن عَرَف ذلك، ورُزِق فَهْمَه، كان مُجْتَهِدًا، وصَلَح للفُتْيا والقضاءِ.
وباللهِ التَّوْفِيقُ.
فَصْل: وَإنْ تَحَاكَمَ رَجُلَانِ إِلَى رَجُل يَصْلُحُ للقَضَاءِ، فَحَكَّمَاهُ بَينَهُمَا، فَحَكَمَ، نَفَذَ حُكمُهُ في الْمَالِ.
فصل: قال الشّيخُ، رَحِمَه اللهُ: (وإذا تحاكَمَ رَجُلانِ إلى رجل يَصْلُحُ للقَضاءِ، وحَكَّماه بينَهما) جازَ ذلك، و (نَفَذ حُكْمُه) عليهما.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وللشافعيِّ قَوْلان؛ أحَدُهما، لا يَلْزَمُهما 1 حُكْمُه إلَّا بتَراضِيهما؛ لأنَّ حُكْمَه إنَّما يَلْزَمُ بالرِّضا به، ولا يكونُ الرِّضا إلَّا بعدَ المعرفةِ بحُكْمِه.
ولَنا، ما رَوَى أبو شُرَيح، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال له: «إنَّ اللهَ هُوَ الْحَكَمُ، فَلِمَ تُكَنَّى أبا الحَكَمِ؟».
قال: إنَّ قَوْمِي إذا اخْتَلَفوا في شيءٍ أتَوْني، فحَكَمْتُ بينَهم، فرَضِيَ عليَّ الفَرِيقان.
قال: «مَا أحْسَنَ
..................................
هَذَا، فَمَنْ أكْبَرُ وَلَدِكَ؟» قال: شُرَيحٌ.
قال: «فَأنْتَ أبو شُرَيح».
أخْرَجَه النَّسائِيُّ 1. ورُوي عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ حَكَمَ بَينَ اثْنَينِ تَرَاضَيَا بِهِ، فَلَمْ يَعْدِلْ بَينَهُما، فَهُوَ مَلْعُون» 2. ولولا أنَّ حُكْمَه يَلْزَمُهما، لَما لَحِقَه هذا الذَّمُّ.
ولأنَّ عُمَرَ وأبَيًّا تَحاكَما إلى زيدٍ 3. وحاكَمَ عُمَرُ أعْرابِيا إلى شُرَيح قبلَ أن يُوَلِّيَه القضاءَ.
وتحاكَمَ عُثمانُ وطَلْحَةُ إلى جُبَيرِ بنِ مُطْعِم 4، ولم يكونوا قُضاةً.
[فإن قِيلَ: فعُمَرُ وعُثْمانُ كانا إمامَين، فإذا رَدَّا الحُكْمَ إلى رجل صار قاضِيًا.
قُلْنا: لم يُنْقَلْ عنهما إلَّا الرضا بتَحْكِيمِه خاصَّةً، وبهذا لا يُعْتَبَرُ قاضِيًا] 5. وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بما إذا رَضِيَ بتَصَرُّفِ وَكِيله، فإنَّه يَلْزَمُه قبلَ المعرفةِ به.
إذا ثَبَت هذا، فإنه لا يجوزُ نقْضُ حُكْمِه فيما لا يُنْقَضُ فيه حُكْمُ مَن له ولاية.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: للحاكِمِ نَقْضُه إذا خالفَ رَايَه؛ لأن هذا عَقْذ في حقِّ الحاكمِ، فمَلَك فَسْخَه، كالعَقْدِ المَوْقُوفِ في حَقِّه.
ولَنا، أن هذا حُكْمٌ صحيح لازِم، فلم يَجُزْ فَسْخُه لمُخالفَةِ رَأيِه، كحُكْمِ مَن له ولاية.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ حُكْمَه لازِم للخَصْمَين، فكيفَ
ويَنْفُذُ في الْقِصَاصِ، والْحَدِّ، وَالنِّكَاحِ، واللِّعَانِ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
ذَكَرَهُ أبو الْخَطَّابِ.
وَقَال الْقَاضِي: لا يَنْفُذُ إلا في الاموالِ خَاصَّةً.
يكونُ مَوْقُوفًا؛ ولو كان كذلك، لملك فَسْخَه وإن لم يُخالِفْ رَايَه، ولا نُسَلِّمُ الوُقُوفَ في العُقُودِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ لكلِّ واحدٍ مِن الخَصْمَين الرُّجُوعَ عن تَحْكِيمِه قبلَ شُرُوعِه [في الحُكْمِ؛ لأنَّه لا يَثْبُتُ إلَّا برِضاه، فأشْبَهَ ما لو رَجَع عن التَّوْكِيلِ قبلَ التَّصَرُّفِ.
وإن رَجَع بعدَ شُرُوعِه] 1، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّ الحُكْمَ لم يتمَّ، أشْبَهَ قبلَ الشُّرُوعِ.
والثاني، ليس له ذلك؛ لأنَّه يُؤَدِّي إلى أنَّ كلَّ واحدٍ منهما إذا رَأى مِن الحُكْمِ ما لا يُوافِقُه، رَجَع، فبَطَل المقْصُودُ به.
واخْتَلَفَ أصْحابُنا فيما يجوزُ فيه التَّحْكِيمُ، فقال أبو الخَطَّابِ: ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ تَحْكِيمَه يجوزُ في كلِّ ما يَتحاكَمُ فيه الخَصْمانِ، قِياسًا على قاضي الإمامِ.
وقال القاضي: يجوزُ حُكْمُه في الأمْوالِ خاصَّةً، فأمَّا النِّكاحُ، واللِّعانُ، والقَذْفُ، والقِصاصُ، فلا يجوزُ التَّحْكِيمُ فيها؛ لأنَّ
..................................
لهذه الأحْكامِ مَزِيَّةً على غيرِها، فاخْتَصَّ حاكمُ الإمامِ بالنَّظَرِ فيها، كالحُدودِ وذكرَ صاحِبُ «المُحَرَّرِ» فيها رِوايَتَين.
ولأصحابِ الشافعيِّ وَجْهان كهَذَين.
وإذا كَتَب هذا القاضي بما حَكَم به كِتابًا إلى قاض مِن قُضاةِ المسلمين، لَزِمَه قَبُولُه، وتَنْفِيذُ كِتابِه؛ لأنَّه حاكمٌ نافِذُ الأحْكامِ،
.................................. فلَزِم قَبولُ كتابِه، كحاكِمِ الإمامِ.
بَابُ أدبِ الْقَاضِي
يَنْبَغِي أن يَكُونَ قَويًّا مِنْ غَيرِ عُنْفٍ، صليَنا مِنْ غَيرِ ضَعْفٍ، حَلِيمًا، ذَا أنَاةٍ وَفِطْنَةٍ، بَصِيرًا بِأحْكَامِ الْحُكَّامِ قَبْلَهُ، وَرِعًا، عَفِيفًا.
بابُ أدبِ القاضي
(يَنْبَغِي أن يكونَ قويًّا مِن غيرِ عُنْفٍ، لينا مِن غيرِ ضَعْفٍ) لا يَطْمَعُ القويُّ في باطلِه، ولا يَيأسُ الضَّعِيفُ مِن عَدْلِه، ويكون (حليمًا، مُتَأنيا، ذا فِطْنَةٍ) وتَيَقُّظٍ؛ لا يُؤْتَى مِن غَفْلَةٍ، ولا يُخْدَعُ لِغِرَّةٍ، صحيحَ السمعِ والبصرِ، عالِمًا بلُغاتِ أهلِ ورئته (عفيفًا،
..................................
وَرِعًا) نَزِهًا، بعيدًا مِن الطَّمَعِ، صَدُوقَ اللَّهْجَةِ، ذا رَأيٍ ومَشُورَةٍ، لكلامِه لِينٌ إذا قَرُب، وَهَيبَةٌ إذا أوْعَد، [ووفاءٌ إذا وَعَد] 1، ولا يكونَ جَبَّارًا، ولا عَسُوفًا، فيَقْطَعَ ذا الحُجَّةِ عن حُجَّتِه.
قال عليٌّ، رَضِي الله عنه: لا يَنْبَغِي أن يكونَ القاضي قاضِيًا حتى يكونَ فيه خمسُ خِصالٍ؛ عفيفٌ، حليمٌ، عالمٌ بما كان قبلَه، يَسْتَشِيرُ ذَوي الألْبابِ، لا يخافُ في اللهِ لَوْمَةَ لائِم.
[وعن عمرَ بنِ عبدِ العزيزِ أنَّه قال] 2: يَنْبَغِي للقاضي أن يكونَ فيه سبعُ خلالٍ، إن فاتَتْه واحدَة كانت فيه وَصْمَة؛ العقلُ، والفِقْهُ 3، والوَرَعُ، والنزاهةُ، والصَّرامةُ، والعلمُ [بالسُّنَنِ، والحِلْمُ] 4. رَواه سعيدٌ 5. وفيه: ويكونُ فَهِمًا، حليمًا، عفيفًا، صُلْبًا، سألا عمَّا لا يَعْلَمُ.
وفي روايةٍ: مُحْتَمِلًا لِلَّائمَةِ، ولا يكونُ
..................................
ضَعيفا، مَهِينًا؛ لأنَّ ذلك يبسُطُ المُتخاصِمين إلى التَّهاتُرِ والتَّشاتُمِ بينَ يَدَيه.
قال عمرُ، رَضِيَ الله عنه: لأعْزِلَنَّ فُلانا عن القَضاءِ، ولأستعْمِلَنَّ رجلا إذا رآه الفاجِرُ فَرِقَه 1.
فصل: وله أن يَنْتَهِرَ الخَصْمَ إذا الْتَوَى، ويَصِيحَ عليه، وإنِ اسْتَحَقَّ التَّعْزِيرَ عَزَّرَه بما يَرَى مِن أدَبٍ أو حَبْس.
وإنِ افتاتَ عليه بأنْ يقولَ: حَكَمْتَ عليَّ بغيرِ حق.
أو: ارْتَشَيتَ.
فله تَأدِيبُه.
وله أن يَعْفُوَ.
وإن بَدَأ المُنْكِرُ باليَمِينِ، قَطَعَها عليه، وقال: البَينةُ على خَصْمِك.
فإن عاد نَهَرَه، فإن عادَ عَزَّرَه إن رأى.
وأمثالُ ذلك ممَّا فيه إساءَةُ الأدَبِ، فله مقابَلَةُ فاعِلِه، وله العَفْوُ.
وَإذَا وُلِّيَ فِي غَيرِ بَلَدِهِ، سَألَ عَمَّنْ فِيهِ مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْفُضَلَاءِ والْعُدُولِ.
وَيُنْفِذُ عِنْدَ مَسِيرِهِ مَنْ يُعْلِمُهُمْ يَوْمَ دُخُولِهِ لِيَتَلَقَّوْهُ.
وَيَدْخُلُ الْبَلَدَ يَوْمَ الْاثْنَينِ أو الْخَمِيسِ أو السَّبْتِ لَابِسًا أجْمَلَ ثِيَابِهِ،
4840 - مسألة: (وإذا وُلِّي في غيرِ بلدِه، سأل عَمَّن فيه مِن الفُقَهاءِ والفُضَلاءِ والعُدُولِ، ويُنْفِذُ عندَ مَسِيرهْ مَن يُعْلِمُهم يومَ دُخُولِه ليَتَلَقَّوْه)
وجملةُ ذلك، [أنَّ القاضِيَ] (1) إذا وُلِّيَ في غيرِ بَلَدِه، فأراد المَسِيرَ إلى بَلَدِ ولايته، بَحَث عن قوم مِن أهْلِ ذلك البَلَدِ، ليَسْألَهم عنه، ويَتَعَرّفَ منهم ما يَحْتاجُ إلى معرفتِه، فإن لم يَجِدْ، [سَأل في طريقِه، فإن لم يَجِدْ] (2)، سَأل إذا دَخَل عن أهلِه، ومَن به مِن العلماءِ والفُضَلاءِ وأهْلِ العَدالةِ والسَّتْرِ (3)، وسائرِ ما يَحْتاجُ إلى معرفتِه، وإذا قَرُب مِن البَلَدِ، بَعَث مَن يُعْلِمُهم بقُدومِه ليَتَلَقَّوْه.
4841 -
مسألة: (و)
يَجْعَلُ دُخُولَه (يومَ الاثْنَينِ أو الخميسِ أو السَّبْتِ)123
فَيَأتِي الْجَامِعَ فَيُصَلِّي فِيهِ رَكْعَتَينِ، وَيَجْلِسُ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ.
إن أمْكَنَه؛ لقَوْلِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «بُورِكَ لأمَّتِي في سَبْتِها وَخَمِيسِهَا» 1. ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه كان إذا قَدِم من سَفَرٍ، قَدِم يومَ الخميسِ 2. ويكونُ (لابِسًا أجْمَلَ ثِيابِه، فيَأتِي الجامِعَ فيُصلِّي فيه ركعتَين)؛ كان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَفْعَل إذا دَخَل المدينةَ 3. ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ، [فإنَّه قد] 4 رُوِيَ:
فَإِذَا اجْتَمَعَ النَّاسُ أمر بِعَهْدِهِ فَقُرِئَ عَلَيهِمْ، وَأمرَ مَنْ يُنَادِي: مَنْ لَهُ حَاجَة، فَلْيَحْضُرْ يَوْمَ كَذَا.
ثُمَّ يَمْضِي إِلَى مَنْزِلِهِ، ويُنْفِذ فَيَتَسَلَّمُ دِيوَانَ الحُكْمِ مِنَ الَّذِي كَانَ قَبْلَهُ.
«أفْضَلُ المَجَالِسِ مَا اسْتُقْبِلَ بِهِ الْقِبْلَةُ» (1).
4842 -
مسألة: (فإذا اجْتَمَعَ النَّاسُ أمَرَ بعَهْدِه فَقُرِيء عليهم)
ليَعْلَمُوا تَوْلِيَتَه (وأمَرَ مَن يُنَادِي: مَن له حاجَة، فَلْيَحْضُرْ يومَ كذا.
ثم يَنْصَرِفُ إلَى مَنْزِلِه) الذي قد أُعِدَّ لَهُ.
وأوَّلُ ما يَبْدَأ به، أن يَبْعَثَ إلى الحاكِمِ المعْزُولِ فيَاخُذَ منه دِيوانَ الحُكْمِ؛ وهو ما فيه وَثائِقُ الناسِ مِن المَحاضِرِ، وهو نسَخُ ما ثَبَت عندَ الحاكمِ، والسِّجِلَّاتُ نسَخُ ما حَكَم به، وما كان عندَه مِن حجَجِ الناسِ ووَثائِقِهم مُودَعَةً في دِيوانِ الحُكْمِ، وكانت عندَه بحُكْمِ الولايةِ، فإذا انْتَقَلَتِ الولايةُ إلى غيرِه،1
ثُمَّ يَخْرُجُ فِي الْيَوْمِ الَّذِي وَعَدَ بِالْجُلُوسِ فِيهِ، عَلَى أعدَلِ أحْوَالِهِ، غيرَ غَضْبَانَ، وَلَا جَائِعٍ، وَلَا شَبْعَان، وَلَا حَاقِنٍ، وَلَا مَهْمُوم بِأمْر يَشْغَلُهُ عَنِ الفَهْمِ، فَيُسَلِّمُ عَلَى كان عليه تَسْلِيمُها إليه، فتكونُ مُودَعَةً عندَه في دِيوانِه.
4843 -
مسألة: (ثم يَخْرُجُ في اليومِ الذي وَعَد بالجُلُوسِ فيه، على أعْدَلِ أحْوالِه، غيرَ غَضْبانَ، ولا جائِعٍ، ولا شَبْعان، ولا حاقِنٍ، ولا مَهْمُوم بأمْر يَشْغَلُه عن الفَهْمِ)
كالعَطَشِ الشّديدِ، والفَرَحِ الشَّديدِ، والحُزْنِ الكبيرِ، والهَمِّ العظيمِ، والوَجَعِ المُؤْلمِ، والحَرِّ المُزْعِجِ، والنُّعاس الذي يَغْمُرُ القلبَ؛ ليكونَ أجْمَعَ لقَلْبِه، وأحْضَرَ لذِهْنِه، وأبلَغَ في تَيَقُّظِه للصَّوابِ، وفِطْنَتِه لمَوْضِعِ الرأي؛ ولذلك قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَقْضِي القَاضِي بَينَ اثْنَين وَهُوَ غَضْبَانُ» 1. فنَصَّ على الغَضَبِ، ونبَهَ على ما في مَعْناه ممَّا ذَكَرْنا (فيُسَلِّمُ على
مَنْ يَمُرُّ بِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى مَنْ فِي مَجْلِسِهِ، وَيُصَلِّي تَحِيَّةَ المَسْجِدِ إنْ كَانَ فِي مَسْجِدٍ، وَيَجْلِسُ عَلَى بِسَاطٍ،
مَن يَمُرُّ به، ثم يُسَلِّمُ على مَن في مَجْلِسِه، ويُصَلِّي تَحِيَّةَ المسجدِ إن كان في المسجدِ، ويَجْلِسُ على بِساطٍ) ولا يَجْلِسُ على التُّرابِ، ولا على حُصْرِ المسجدِ؛ لأنَّ ذلك يَذْهَبُ بهَيبَتِه مِن أعْيُنِ الخُصُومِ.
وهذه الآدابُ المَذْكُورةُ في هذه المسألةِ ليستْ شَرْطًا في الحُكْمِ، إلَّا الخُلُوَّ مِن الغَضَبِ وما في مَعْناه، وفي اشْتِراطِه رِوايتان.
وما ذُكِر ههُنا مِن الجُلُوسِ على بِساطٍ، ولا يَجْلِسُ على التُّرابِ ولا حُصْرِ المسجدِ، لم نَعْلَمْ أنَّه نُقِل عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، ولا عن أحَدٍ مِن خُلَفائِه، والاقْتِداءُ بهم أوْلَى، فيكونُ وُجُودُه وعَدَمُه سواءً.
والله أعلمُ.
= الأحوذي 6/ 77، 78. والنسائي، في: باب النهي عن أن يقضي في قضاء بقضاءين، من كتاب القضاة.
المجتبى 8/ 216، 217. وابن ماجه، في: باب لا يحكم الحاكم وهو غضبان، من كتاب الأحكام.
سنن ابن ماجه 2/ 776. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 36، 37، 52.
وَيَسْتَعِينُ بِاللهِ وَيَتَوَكَّلُ عَلَيهِ، وَيَدْعُوهُ سِرًّا أن يَعْصِمَهُ مِنَ الزَّلَلِ، وَيُوَفِّقَهُ لِلصَّوَابِ، ولِمَا يُرْضِيهِ مِنَ القَوْلِ وَالعَمَلِ، وَيَجْعَلُ مَجْلِسَهُ فِي مَكَانٍ فسِيحٍ؛ كَالْجَامِعِ، وَالْفَضَاءِ، وَالدَّارِ الْوَاسِعَةِ فِي وَسَطِ الْبَلَدِ إنْ أمْكَنَ.
4844 - مسألة: (ويَسْتَعِينُ بِاللهِ وَيَتَوَكَّلُ عليه.، ويَدْعُوه سِرًّا أن يَعْصِمَه مِن الزَّلَلِ، ويُوَفِّقَه للصَّوابِ، ولِما يُرْضِيه مِن القولِ والعَمَلِ، ويَجْعَلُ مَجْلِسَه في مَكانٍ فَسِيح؛ كالجَامِعِ، والفَضَاءِ)
الوَاسِعِ (والدّارِ الواسعةِ في وَسَطِ البَلَدِ إن أمْكَنَ) ليَتَساوَى النَّاسُ فيه.
فصل: ولا يُكْرَهُ القضاءُ في الجامعِ والمساجدِ 1. فَعَل ذلك شُرَيح، والحسنُ، والشَّعْبِي، ومحارِبُ بنُ دِثار 2، ويحيى بنُ يَعْمُرَ، وابنُ أبي ليلى، وابنُ خَلْدَةَ 3، قاضٍ لعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
ورُوي عن
..................................
عُمَرَ وعُثْمانَ وعليّ، رَضِي الله عنهم، أنَّهم كانوا يَقْضُونَ في المسجدِ.
قال مالك: القضاءُ في المسجدِ مِن أمْرِ الناسِ القديمِ.
وبه قال مالك، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الشافعي: يُكْرَهُ ذلك، إلَّا أن يتَّفِقَ خَصمانِ عندَه في المسجدِ؛ لِما رُوِيَ أنَّ عمرَ، رَضِي الله عنه، كَتَب إلى القاسمِ بنِ عبدِ الرحمنِ، أن لا تَقْضِيَ في المسجدِ؛ لأنَّه يَأتِيك الحائضُ والجُنُبُ.
[ولأنَّ القاضِيَ يَأتِيه الحائِضُ والجُنُبُ] 1 والذِّمِّي، وتَكْثُرُ غاشِيَتُه، ويَجْرِي بينَهم اللَّغَطُ والتَّكاذُبُ والتَّجاحُدُ، ورُبَّما أدَّى إلى السَّبِّ وما لم تبْنَ له المساجدُ.
ولَنا، إجْماعُ الصحابةِ بما قد رَوَينا عنهم.
وقال الشَّعْبِي: رَأيتُ عُمَرَ مُسْتَنِدًا إلى القبلةِ، يَقْضِي بينَ الناسِ.
ولأنَّ القَضاءَ قُرْبَة وطاعة وإنْصافٌ بينَ الناسِ.
ولا نَعْلَمُ صِحَّةَ ما رَوَوْه، وقد رُوِيَ عنه خِلافُه.
وأمَّا الحائضُ، فإن عَرَضَتْ لها حاجَة إلى القضاءِ، وَكَّلَتْ، أو أتَتْه في مَنْزِلِه.
والجُنُبُ يَغْتَسِلُ ويَدْخُلُ، والذِّمِّي يجوزُ دُخُولُه بإذْنِ مسلم.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَجْلِسُ في مسجدِه، مع حاجةِ الناسِ إليه للحُكُومَةِ والفُتْيا وغيرِ ذلك مِن حَوائِجِهم، وكان أصْحابُه يُطالِبُ بعضُهم بعضًا بالحُقوق في المسجدِ، ورُبَّما رَفَعُوا أصْواتَهم، فقد رُوِيَ عن كَعْبِ بنِ مالكٍ، قال: تقاضَيتُ ابنَ أبي حَدْرَدٍ
وَلَا يَتَّخِذُ حَاجِبًا وَلَا بَوَّابًا، إلَّا فِي غَيرِ مَجْلِس الحُكْمِ إن شَاءَ.
دَينًا في المسجدِ، حتى ارْتَفَعَتْ أصْواتُنا، فَخَرَجَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، فأشار إليَّ أن (1) ضَعْ مِن دَينك الشَّطْرَ.
فقُلْتُ: نعم يا رسولَ اللهِ.
فقال: «قمْ فَاقْضِه» (2).
4845 -
مسألة: (ولا يَتَّخِذُ حاجِبًا ولا بَوَّابًا)
يَحْجُبُ الناسَ عن الوُصُولِ إليه؛ لِما روَى القاسمُ بنُ مُخَيمِرَةَ، عن أبي مَرْيَمَ 1 صاحبِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: [سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ] 3: «مَنْ وَلِيَ مِنْ أمُورِ النَّاسِ شَيئًا، وَاحْتَجَبَ دُونَ حَاجَتِهم، احْتَجَبَ اللهُ دُونَ حَاجَتِه وَفَاقَتِه وَفَقْرِه».
رَواه التِّرْمِذِيُّ 4. ولأن حاجِبَه رُبَّما قَدَّمَ المُتَأخِّرَ وأخّرَ المُتَقَدِّمَ لغَرَض له، ورُبَّما كَسَرَهم بحَجْبِهم 5 والاسْتِئْذانِ لهم.
ولا بَأسَ باتِّخاذِ حاجِبٍ في غيرِ مَجْلِسِ القضاءِ؛ لأنَّه يَحْتاجُ إلى الخَلْوَةِ بنَفْسِه.2
وَيَعْرِضُ الْقَصَصَ، فَيَبْدأ بِالأوَّلِ فَالأوَّلِ، وَلَا يُقَدِّمُ السَّابِقَ فِي أكْثَرَ مِنْ حُكُومَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِنْ حَضَروا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَتَشَاحُّوا، قَدَّمَ أحدَهُمْ بِالْقُرْعَةِ.
4846 - مسألة: (ويَعْرِضُ القَصَصَ، فيَبْدأ بالأوَّلِ فالأوَّلِ)
لأنَّ الأوَّلَ سَبَق، فقُدِّمَ، كما لو سَبَق إلى مَوْضِع مُباح (ولا يُقَدِّمُ السابِقَ في أكثَرَ مِن حُكُومَةٍ واحدةٍ) لئلَّا يَسْتَوْعِبَ المجْلِسَ بدَعاويه فيَضُرَّ بغيرِه (فإن حَضَرُوا دَفْعَةً واحِدَةً وتَشاحُّوا) أقْرَعَ بينَهم، فقَدَّمَ مَن تَقَعُ له
وَيَعْدِلُ بَينَ الْخَصْمَينِ فِي لَحْظِهِ، وَلَفْظِهِ، وَمَجْلِسِهِ، وَالدُّخُولِ عَلَيهِ، إلَّا أنْ يَكُونَ أحَدُهُمَا كَافِرًا، فَيُقَدِّمُ الْمُسْلِمَ عَلَيهِ فِي الدُّخُولِ، وَيَرْفَعُهُ فِي الجُلُوسِ.
وَقِيلَ: يُسَوِّي القُرْعَةُ.
4847 - مسألة: (ويَعْدِلُ بينَ الخَصْمَين في لَحْظِه، ولَفْظِه، ومَجْلِسِه والدُّخُولِ عليه، إلَّا أن يكونَ أحَدُهما كافِرًا، فيُقَدِّمُ المُسْلِمَ عليه في الدُّخُولِ، ويَرْفَعُه في الجُلُوسِ)
لحُرْمَةِ الإسْلام، قال الله تعالى: ﴿أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِنًا كَمَنْ كَانَ فَاسِقًا لَا يَسْتَوُونَ﴾ 1. ووَجْهُ وُجُوبِ العَدْلِ بينَ الخَصْمَين فيما ذَكَرْنا، ما رَوَى عمرُ 2 بنُ شَبَّةَ 3، في كتابِ
.................................. «القُضَاةِ»، بإسْنادِه عن أمِّ سَلَمَةَ، رضِيَ الله عنها، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنِ ابْتُلِيَ بِالْقَضَاءِ بَينَ المسلمين، فَلْيَعْدِلْ بَينَهُمْ فِي لَفْظِه، وَإشَارَتِه، ومَقْعَدِه، وَلَا يَرْفَعَنَّ صَوْتَه عَلَى أحَدِ الخَصْمَين ما 1 لا يَرْفَعُه عَلَى الآخَرِ» 2. وفي روايةٍ: «فَلْيُسَوِّ بَينَهُمْ فِي النظَرِ، والمَجْلِسِ، وَالإشَارةِ» 3. ولأَنه إذا مَيَّزَ أحَدَ الخَصْمَين عن الآخَرِ، حُصِرَ،
بَينَهُمَا.
وَلَا يُسَارُّ أحَدَهُمَا، وَلَا يُلَقِّنُهُ حُجَّتَهُ، وَلَا يُضِيفُهُ،
وانْكَسَرَ، ورُبَّما لم يُقِمْ حُجَّتَه، فأدَّى ذلك إلى ظُلْمِه.
وقِيلَ: يُسَوِّي بينَ المسلمِ والكافِرِ؛ لأنَّ العَدْلَ يَقْتَضِي ذلك (ولا يُسارُّ أحَدَهما، ولا يُلَقِّنُه حُجَّتَه) لِما فيه مِن الضَّرَرِ (ولا يُضِيفُه) لأنَّه يَكْسِرُ قَلْبَ صاحِبِه.
ورُوِيَ مثلُ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، [إلَّا أن يُضِيف صاحِبَه معه] 1؛
وَلَا يُعَلِّمُهُ كَيفَ يَدَّعِي، فِي أحدِ الوَجْهَينِ.
وَفِي الآخَرِ، يَجُوزُ لَهُ تَحْرِيرُ الدَّعْوَى لَهُ، إِذَا لَمْ يُحْسِنْ تَحْرِيرَهَا.
وَلَهُ أنْ يَشْفَعَ إلَى خَصْمِهِ لِيُنْظِرَهُ، أوْ لِيَضَعَ عَنْهُ، وَيَزِنَ عَنْهُ.
[لِما رُوِيَ عن عليٍّ، كَرَّمَ اللهُ وَجْهَه] (1)، أنَّه نَزل به رجل، فقال له: ألك (2) خَصْمٌ؟ قال: نعم.
قال تَحَوَّلْ عنّا، فإنِّي سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «لَا تُضِيفُوا أحَدَ الخَصْمَين إلا وَخَصْمُهُ مَعَهُ» (3).
4848 -
مسألة: (ولا يُعَلِّمُه كيف يَدَّعِي، في أحَدِ الوَجْهَين)
لِما ذَكَرْنا (وفي الآخَرِ، له تَحْرِيرُ الدعْوَى إذا لم يُحْسِنْ تَحْرِيرَها) لأنه لا ضَرَرَ [في ذلك] 4 على خَصْمِه (وله أن يَشْفَعَ إلى خَصْمِه ليُنْظِرَه، أو يَضَعَ عنه، ويَزِنَ عنه) لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - شَفَع إلى كَعْبِ بنِ123
وَيَنْبَغِي أنْ يُحْضِرَ مَجْلِسَهُ الْفُقَهَاءَ مِنْ كُلِّ مَذْهَبٍ،
مالكٍ، في أن يَحُطَّ عن ابن أبي حَدْرَدٍ بَعْضَ دَينه.
وله أن يَزِنَ عن المُدَّعَى عليه ما وَجَب عليه؛ لأنَّه نَفْعٌ لخَصْمِه، ولا يكونُ إلَّا بعدَ انْقِضاءِ الحُكْمِ.
4849 -
مسألة: (ويَنْبَغِي أن يُحْضِرَ مَجْلِسَه الفُقَهاءَ مِن كلِّ مَذْهَبٍ)
حتى إذا حَدَثَتْ حادِثَة يَفْتَقِرُ إلى سُؤَالِهم عنها، سألهم؛ ليَذْكُرُوا
إنْ أمْكَنَ، وَيُشَاورَهُمْ فِيمَا يُشْكِلُ عَلَيهِ،
أدِلَّتَهم فيها، وجَوابَهم عنها؛ فإنَّه أسْرَعُ لاجْتِهادِه، وأقْرَبُ لصوابِه.
وإن حَكَم باجْتِهادِه، فليس لأحَدٍ منهم الاعْتِراضُ عليه وإن خالفَ اجْتِهادَه؛ لأنَّ فيه افْتِياتًا عليه، إلَّا أن [يَحْكُمَ بما] 1 يُخالِفُ نَصًّا أو إجْماعًا (و) يُسْتَحَبُّ أن (يُشاورَهم فيما يُشْكِلُ عليه) لقولِه سبحانه: ﴿وَشَاورْهُمْ فِي الْأَمْرِ﴾ 2. قال الحسنُ: إن كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لغَنِيًّا عن مَشُورَتهم، وإنَّما أراد أن يَسْتَنَّ بذلك الحُكَّامُ بعدَه 3. وقد شاوَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أصْحابَه في أُسارَى بَدْرٍ 4، وفي مُصالحةِ الكُفَّارِ يومَ الخَنْدَقِ 5. وشاوَرَ أبو بكر، رَضِيَ الله عنه، النَّاسَ في ميراثِ الجَدَّةِ 6، وعُمَرُ في ديةِ الجنينِ 7، وشاوَرَ في حَدِّ الخَمْرِ 8. ورُوِيَ أنَّ عُمَرَ كان يكونُ عندَه جماعة مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ منهم عثمانُ، وعليٌّ، وطَلحَةُ، والزُّبَيرُ، وعبدُ الرحمنِ بنُ عَوْفٍ، إذا نَزَل به الأمْرُ
..................................
شاوَرَهم فيه 1. ولا مُخالِفَ في اسْتِحْبابِ ذلك، قال أحمدُ: لمّا وَلِيَ سعدُ بنُ إبراهيمَ قضاءَ المدينةِ، كان يَجْلِسُ بينَ القاسِمِ وسالم ويُشاورُهما، ووَلِيَ مُحارِبُ بنُ دِثارٍ قضاءَ الكوفةِ، فكان يَجْلِسُ بينَ الحَكَمِ وحَمّادٍ يُشاورُهما، ما أحْسَنَ هذا لو كان الحُكَّامُ يَفْعَلُونَه، يُشاورُون ويَنْتَظِرُون.
ولأنَّه يَنْتَبِهُ بالمُشاوَرَةِ، ويَتَذَكَّرُ ما نَسِيَه بالمذاكرةِ.
ولأنَّ الاحاطةَ بجميعِ العُلومِ مُتَعَذِّرَة، وقد يَنْتَبِهُ لإصابةِ الحقِّ ومعرفةِ الحادثةِ مَن هو 2 دُونَ القاضي، فكيف بمَن يُساويه [أو يَزِيدُ عليه] 3! فقد رُوِيَ أنَّ أبا بكر الصِّدِّيقَ، رَضِيَ اللهُ عنه، جاءَتْه الجَدَّتان، فوَرَّثَ أمَّ الأمِّ، وأسْقَطَ أمَّ الأبِ، فقال له عبدُ الرحمنِ بنُ سَهْل: يا خليفةَ رسولِ اللهِ، لقد أسْقَطْتَ التي لو ماتَتْ وَرِثَها، ووَرَّثْتَ التي لو ماتَتْ لم يَرِثْها.
فرَجَعَ أبو بكر، فأشْرَكَ بينَهما 4. إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُشاورُ أهلَ العلمِ والأمانَةِ؛ لأنَّ مَن ليس كذلك فلا قولَ له في الحادثةِ، ولا يُسْكَنُ إلى قولِه.
قال سُفْيانُ: ولْيَكُنْ أهلُ مَشورَتِك أهلَ التَّقْوَى وأهلَ الأمانَةِ.
ويُشاورُ المُوافِقِين والمُخالِفِينَ، ويَسْألهم عن حُجَّتِهم؛ ليَبِينَ له الحَقُّ.
فَإن اتَّضَحَ لَهُ، حَكَمَ، وَإلَّا أخَّرَهُ.
وَلَا يُقَلِّدُ غَيرَهُ وإنْ كَانَ أعلَمَ مِنْهُ.
فصل: والمُشَاوَرَةُ ههُنا لاسْتِخْراجِ الأدِلَّةِ، وتَعَرُّفِ الحَق بالاجْتِهادِ.
4850 -
مسألة: (فإنِ اتضَحَ له)
الحَقُّ 1 (حَكَم، وإلا أخرَه، ولا يُقَلِّدُ غيرَه وإن كان أعْلَمَ منه) لا يجوزُ له 2 تَقْلِيدُ غيرِه، سَواء ظَهَر له (2) الحَقُّ فخالفَه غيرُه فيه، أو لم يَظْهَرْ له شيء، وسَواء ضاق الوَقْت أو لم يَضِقْ.
وكذلك ليس للمُفْتِي الفُتْيا بالتَّقْلِيدِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كان الحاكِمُ مِن أهلِ الاجْتِهادِ، جاز له تَرْكُ رَأيِه لرَأي مَن هو أفْقَهُ منه عندَه إذا صار إليه، فهو ضَرْبٌ مِن الاجْتهادِ؛ لأنَّه يَعْتَقِدُ أنَّه أفْقَهُ منه بطريقِ الاجْتهادِ.
وَلَا يَقْضِي وَهُوَ غَضْبانُ، ولَا حَاقِن، وَلَا فِي شِدَّةِ الْجُوعِ،
ولَنا، أنَّه مِن أهلِ الاجْتِهادِ، فلم يَجُزْ له تَقْلِيدُ غيرِه، كما لو كان مِثْلَه، كالمُجْتَهدين في القبلةِ.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ مَن هو أفْقَهُ منه يجوزُ عليه الخَطَأ، فإذا اعْتَقَدَ أنَّ ما قاله خَطَأٌ، لم يَجُزْ له أن يَعْمَلَ به، وإن كان لم يَبِنْ له الحَقُّ، فلا يجوزُ له أن يَحْكمَ بما يجوزُ أن يَبِينَ له خَطَؤُه إذا اجْتَهَدَ.
4851 -