الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 178-218

..................................  الراجِحةَ 1 يُحْكَمُ بها مِن غيرِ يمِينٍ.
وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، أنَّه يُقْرَعُ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف أنَّها له، لا حَقَّ للآخَرِ فيها، وكانتِ العَيْنُ له، كما لو كانتْ في يَدِ غيرِهما.
ذكرَ هذه الرِّوايَةَ أبو الخَطَّابِ.
والأولَى أصَحُّ، إنْ شاءَ اللهُ تعالى، للخَبَرِ والمَعْنى.

فَإنِ ادَّعَى أحَدُهُمَا أَنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، لَمْ تُسْمَعِ البَينةُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى يَقُولَ: وَهِيَ مِلْكُهُ.
وَتَشْهَدَ [341 ظ] البَيِّنَةُ بِهِ.

4987 - مسألة: (فإنِ ادَّعَى أحَدَّهما أنَّه اشْتَراها مِن زيدٍ، لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ على ذلك حتى يَقُولَ: وهي مِلْكُه. وتَشْهَدَ البَيِّنَةُ به)

وجملةُ ذلك، أنَّه متى كان في يَدِ رَجُلٍ عَيْنٌ، فادَّعَى آخَرُ أنَّه اشْتَراها مِن زيدٍ، وهي ملْكُه، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، حُكِم له بها؛ لأنَّه ابْتاعَها مِن مالِكِها، وكذا إن شَهِدَتْ أنَّه باعَه إيَّاها وسَلَّمَها إليه، حُكِمَ له بها؛ لأنَّه لم يُسَلِّمْها إليه إلَّا وهي في يَدِه.
وإن لم تَذْكُرْ إلَّا التّسْلِيمَ، لم يُحْكَمْ له 1 بها؛ لأنَّه

فَإنِ ادَّعَىِ أحَدُهُمَا انَهُ اشْتَرَاهَا مِنْ زَيْدٍ، وَهِيَ مِلْكُهُ، وَادَّعَى الآخَرُ أنهُ اشْتَرَاهَا مِنْ عَمْرٍو، وَهِيَ مِلْكُهُ، وَأقَامَا بِذَلِكَ بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا.
يُمْكِنُ أنْ يَبِيعَه ما لا يَمْلِكُه، فلا تُزالُ يدُ 1 صاحِب اليَدِ (فإنِ ادَّعَى أحَدُهما أنَّه اشْتَراها مِن زيدٍ، وهي مِلْكُه، وادْعَى الآخَرُ أنَّه اشْتَراها مِن عمرٍو، وهي مِلْكُه، وأقاما بذلك بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا) فإن كانت في يَدِ أحَدِهما، انْبَنَى ذلك على الرِّوايَتَيْن في تَقْديمِ بَيِّنَةِ الخارِجِ والداخِل.
فإن كانت في أيْدِيهِما، قُسِمَتْ بينَهما؛ لأنَّ بَيِّنَةَ كلِّ واحدٍ منهما داخِلَةٌ في أحَدِ النِّصْفَيْن، خارِجَةٌ عن النِّصْفِ الآخَرِ.
وإن كانتْ في يَدِ أحَدِ البائِعَيْن، فأنْكَرَهما، وادَّعاها لنَفْسِه، فإن قُلْنا: تسْقُطُ البَيِّنَتان.
حَلَف، وكانتْ له.
وإن أقَرَّ بها لأحَدِهما، صارَ الدَّاخِلَ، إلاَّ أن يُقِرَّ له (1) بعدَ أن يَحْلِفَ أنَّها له.
وإن قُلْنا: يُقَدَّمُ أحَدُهما بالقُرْعَةِ.
فهي لمَن تَخْرُجُ له القُرْعَةُ مع يَمِينِه.
وإن قُلْنا: تُقْسَمُ بينَهما.
قُسِمَتْ، ورَجَع كلُّ واحِدٍ منهما بنِصْفِ ثَمَنِها.
فإن كان المَبِيعُ ممّا يدْخُلُ في ضَمانِ المُشْتَرِى بنَفْسِ

وَإِنْ أَقَامَ أحَدُهُمَا بَيِّنَةً أَنَّهَا مِلْكُهُ، وَأقَامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّهُ اشْتَرَاهَا مِنْهُ، أَوْ وَقَفَهَا عَلَيْهِ، أَوْ اعْتَقَهُ، قُدِّمَتْ بَيِّنتُهُ.
وَلَوْ أقامَ رَجُل بَيِّنَةً أنَّ هَذِهِ الدَّارَ لأبِى، خَلَّفَهَا تَرِكَةً، وَأقَامَتِ  العَقْدِ، أو كان المُشْتَرِى مُقِرًّا بقَبْضِه، فلا خِيارَ لواحِدٍ منهما ولا الرُّجوع بشئٍ مِن الثَّمَنِ؛ لاعْتِرافِه بسُقُوطِ الضَّمانِ عن البَائِعِ، وإن كان مِن المَكِيل والمَوْزُونِ، ولم يُقْبَضْ، فلكلِّ واحدٍ منهما الخِيارُ في الفَسْخِ والإمْضاءِ، فإنِ اخْتارَ أحَدُهما الفَسْخَ، لم يَتَوفَّرِ المَبِيعُ على الآخَرِ؛ لأنَّ البَائِعَ اثْنان.
والله أعلمُ.

4988 -

مسألة: (وإن أقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً أنَّها مِلْكُه، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَراها منه، أو أعْتَقَه، قُدِّمَتْ بَينهُ الثَّانِي)

لأنَّها تَشْهَدُ بأمْرٍ حادِثٍ على المِلْكِ، خَفِىَ على بَيِّنةِ المِلْكِ، ولا تَعارُضَ بينَهما، فيَثْبُتُ المِلْكُ للأوَّلِ والشِّراءُ منه للثاني.
4989 -

مسألة: (وَلو أقامَ رَجُلٌ بَيِّنَةً أنَّ هذه الدَّارَ لأبِى، خَلَّفَهَا

امْرَأَتُهُ بَيِّنَةً أَنَّ أَبَاهُ أَصْدَقَهَا إِيَّاهَا، فَهِىَ لِلْمَرْأَةِ.
فَصْلٌ: الْقِسْمُ الثَّالِثُ، تَدَاعَيَا عَيْنًا فِى يَدِ غَيْرِهِمَا، فَإِنَّهُ يُقْرَعُ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ، حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
تَرِكَةً، وأقامَتِ امْرأتُهُ بَيِّنَةً أنَّ أباه أصْدَقَها إِيَّاها، فهى للمرْأةِ) لِما ذَكَرْنا.
فصل: قال، رَضِىَ اللهُ عنه: (القِسْمُ الثالثُ، تَداعَيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما، فإنَّه يُقْرَعُ بينَهما، فَمَنْ خرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف) أنَّها له (وأخَذَها) وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَيْن إذا تَداعَيا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما، ولا بَيِّنَةَ لهما، فأنْكَرَهما، فالقوْلُ قَوْلُه مع يَمِينِه، بغيرِ خِلافٍ.
وإنِ اعْتَرَفَ أنَّه لا يَمْلِكُها، وقال: لا أعْرِفُ صاحِبَها.
أو قال: هى

..................................  لأحَدِكُما، لا أعْرِفُه عَيْنًا 1. أُقْرِعَ بينَهما، فمَنْ قَرَع صاحِبَه، حَلَف أنَّها له، وسُلِّمَتْ إليه؛ لِما رَوَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ رَجُلَيْن تَداعَيا عَيْنًا، لم تَكُنْ لواحِدٍ منهما بَيِّنَة، فأمَرَهما النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أنْ يَسْتَهِمَا على اليَمِينِ، أحَبَّا أم كَرِهَا.
روَاه أبو داودَ 2. ولأنَّهما تَساوَيا في الدَّعْوى،

..................................  ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ منهما ولا يدَ، والقُرْعَةُ تُمَيِّزُ عندَ التَّساوِى، كما لو أعْتَقَ عَبِيدًا لا 1 مالَ له غيرُهم في مَرَضِ مَوْتِه.

فَإِنْ كَانَ الْمُدَّعَى عَبْدًا، فَأَقَرَّ لأَحَدِهِمَا، لَمْ يُرَجَّحْ بِإِقْرَارِهِ، وَإِنْ كَانَ لأَحَدِهِمَا بَيِّنَةٌ، حُكِمَ لَهُ بِهَا.
وَإِنْ كَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ بَيِّنَة، تَعَارَضَتَا، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ.

4990 - مسألة: (فإن كان المُدَّعَى عَبْدًا، فأقَرَّ لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ بإقْرارِه)

لأنَّه محْجُوزٌ عليه، أشْبَهَ الطِّفْلَ (فإن كانت لأحَدِهما بَيِّنَة، حُكِمَ له بها) بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
4991 -

مسألة: (وَإن كانَت لكلِّ واحدٍ)

منهما (بَيِّنَة) فَفِيهِ رِوَايَتَانِ، ذَكَرَهما أبو الخَطَّابِ؛ إحْداهما، تَسْقُطُ البَيِّنَتان، ويَقْتَرِعُ المُدَّعِيَان على اليَمِينِ، كما لو لم تكُنْ بَيِّنةٌ.
هذا الذى ذَكَرَه القاضى.
وهو ظاهِرُ كَلام الخِرَقِىِّ؛ لأنَّه ذَكَر القُرْعَةَ، ولم يُفَرِّقْ بينَ أن تكونَ معها بَيِّنَة أو لم تَكُنْ.
رُوِىَ هذا عن ابنِ عمرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ.
وبه قال إسْحاقُ، وأبو عُبَيْدٍ.
وهو رِوايَةٌ عن مالكٍ، وقَدِيمُ قَوْلِ الشافعىِّ؛ لِما

..................................  رَوَى ابنُ المُسَيَّبِ، أنَّ رَجُلَيْن اخْتَصَما إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، في أمْرٍ 1، وجاءَ كلُّ واحدٍ منهما بشُهُودٍ عُدُولٍ، على عِدَّةٍ واحِدَةٍ، فأسْهَمَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - بينَهما.
رَواه الشافعىُّ في «مُسْنَدِه» 2. ولأنَّ البَيِّنَتَيْن حُجَّتان تَعارَضَتا، مِن غيرِ تَرْجِيح لإِحْدَاهما على الأُخْرَى، فسَقَطَتا، كالخَبَرَيْن.
والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، تُسْتَعْملُ البَيِّنَتان.
وفى كَيْفِيَّةِ اسْتِعْمالِهما رِوايَتان؛ إحْداهما، تُقْسَمُ العَيْنُ بينَهما 3. وهو قَوْلُ الحارثِ العُكْلِىِّ، وقَتادةَ، وابنِ شُبْرُمَةَ، وحَمَّادٍ، وأبى حنيفةَ، وقَوْلٌ للشَّافِعِىِّ؛ لِما ذَكرْنا مِن حديثِ أبى موسى، ولأنَّهما تَساوَيا في دَعْواه، فتَساوَيا في قِسْمَتِه.
والرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، تُقَدَّمُ إحْدَاهما بالقُرعةِ 4. وهو قَوْلٌ للشافعىِّ.
وله قَوْلٌ رابعٌ، يُوقَفُ الأمْرُ حتى يتبيَّنَ.
وهو قَوْلُ أبى ثَوْرٍ؛ لأنَّه اشْتَبَهَ 5 الأمْرُ، فوَجَبَ

..................................  التَّوَقُّفُ، كالحَاكِمِ إذا لم يَتَّضِحْ له الحُكْمُ في قَضِيَّةٍ.
ولَنا، خَبَرُ أبى موسى، وخَبَرُ ابنِ المُسَيَّبِ، ولأنَّ تَعارُضَ الحُجَّتَيْن لا يُوجِبُ التَّوَقُّفَ، كالخَبَرَيْن 1، بل إذا تَعَذَّرَ التَّرْجِيحُ أسْقَطْناهما، ورَجَعْنا إلى دَلِيلٍ غيرِهما.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّنا 2 إذا أسْقَطْنا البَيِّنَتَيْن، أقْرَعْنا بينَهما، فمَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، حَلَف وأخَذَها 3، كما لو لم تَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ.
وإن قُلْنا: يُعْمَلُ بالبَيِّنَتَيْن، ويُقْرَعُ بينَهما.
فمَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، أخَذَها مِن غيرِ يَمِينٍ.
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ تُغْنِى عن اليَمِينِ.
وقال أبو الخَطَّابِ: عليه اليَمِينُ مع بَيِّنَتِه، تَرْجِيحًا لها.
وعلى هذا القَوْلِ تكونُ هذه الرِّوَايةُ كالأُولى، وإنَّما يَظْهَرُ اخْتِلافُ الحُكْمِ في شئ آخَرَ، سَنَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى.

فَإِنْ أَقَرَّ صَاحِبُ الْيَدِ لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَتَرَجَّحْ بِذَلِكَ.
فصل: فإن أنْكَرَهما مَن العَيْنُ في يَدِه، وكانت لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها.
وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً.
فإن قُلْنا: تُسْتَعْمَلُ البَيِّنَتان.
أُخِذَتِ العَيْنُ مِن يَدِه، وقُسِمَتْ بينَهما، على قَوْلِ مَن يَرَى القِسْمَةَ، أو (1) تُدْفَعُ إلى مَن تَخْرُجُ له القُرْعَةُ، عندَ مَن يَرَى ذلك.
وإن قُلْنا: تَسْقُطُ البَيِّنَتَان.
حَلَف صاحِبُ اليَدِ، وأُقِرَّتْ في يَدِه، كما لو لم تَكُنْ لهما بَيِّنَةٌ.

4992 -

مسألة: (فإن أقَرَّ صاحِبُ اليَدِ لأحَدِهما، لم يُرَجَّحْ)

بإقْرارِه، إذا قُلْنا: لا تَسْقُطُ البَيِّنَتان.
لأنَّه قد ثبتَ زَوالُ مِلْكِه، فصارَ كالأجْنَبِىِّ.
وإن قُلْنا بسُقُوطِهما، فأقَرَّ بها لهما أو لأحَدِهما،1

وَإِنِ ادَّعَاهَا صَاحِبُ الْيَدِ لِنَفْسِهِ، فَقَالَ القَاضِى: يَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَهِىَ لَهُ.
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: بَلْ يُقْرَعُ بَيْنَ المُدَّعِيَيْنِ، فَتَكُونُ لِمَنْ تَخْرُجُ لَهُ الْقُرْعَةُ.
قُبِلَ إقْرارُه.
فأمَّا إنْ أقَرَّ بها في الاْبتِدَاءِ لأحَدِهما، صارَ المُقَرُّ له صاحِبَ اليَدِ؛ لأنَّ مَن هى في يَدِه مُقِرٌّ بأنَّ يدَه نائِبَةٌ عن يَدِه.
وإن أقَرَّ لهما جميعًا، فاليَدُ لكلِّ واحدٍ منهما في الجُزْءِ الذى أقَرَّ له به؛ لذلك.

4993 -

مسألة: (وإنِ ادَّعاها صاحِبُ اليَدِ لنَفْسِه)

وقُلْنا بسُقُوطِ البَيِّنَتَيْن (حَلَف لكلِّ واحِدٍ منهما، وهى له) وهو قَوْلُ القاضى؛ لأنَّه صاحِبُ اليَدِ، وهو مُنْكِرٌ، فلَزِمَتْه اليَمِينُ؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ» 1 (وقال أبو بكرٍ: بل يُقْرَعُ بينَ المُدَّعِيَيْنِ، فتكونُ لمَن تخْرُجُ له القُرْعَةُ) وهذا يَنْبَنِى على أنَّ البَيِّنَتَيْن إذا تَعارَضَتا لا يَسْقُطان،

..................................  فرَجُحَتْ إحْدَى البَيِّنَتَيْن بالقُرْعَةِ، كما لو أقَرَّ صاحِبُ اليَدِ أنَّها لأحَدِهما لا يَعْلَمُه بِعَيْنِه.
فصل: إذا تَداعَيا عيْنًا في يَدِ غيرِهما، فقال: هى لأحدِ كما لا أعْرِفُه عيْنًا.
أو قال: لا أعْرِفُ صاحِبَها، أهو 1 أحدُكما أو غيرُكما.
أو قال: أوْدَعَنِيها أحدُكما.
أو: رَجُلٌ لا أعْرِفُه عيْنًا.
فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّك تَعْلَمُ أنِّى صاحِبُها، أو أنِّى أنا 2 الذى أوْدَعْتُكَها، وطَلَبَ يَمِينَه، لَزِمَه أن يَحْلِفَ له؛ لأنَّه لو أقَرَّ له، لَزِمَه تَسْلِيمُها إليه، ومَن لَزِمَه الحَقُّ مع الإِقْرارِ، لَزِمَتْه اليَمِينُ مع الإِنْكارِ، ويحْلِفُ على ما ادَّعاه مِن نَفْىِ العلمِ.
وإن صَدَّقاهُ، فلا يَمِينَ عليه.
وإن صَدَّقَه أحَدُهما، حَلَفَ للآخَرِ 3. وإن أقَرَّ بها لأحَدِهما أو لغيرِهما، صار المُقَرُّ له صَاحِبَ اليَدِ.
فإن قال غيرُ المُقَرِّ له: احْلِفْ لى أنَّ العَيْنَ ليستْ مِلْكِى.
أو 4: أنِّى لستُ الذى أوْدَعْتُكَها.
لَزِمَتْه اليَمِينُ على ما ادَّعاهُ مِن ذلك؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن نَكَل عن اليَمِينِ، قُضِىَ عليه بِقِيمَتِها.
وإنِ اعْتَرَفَ بها 5 لهما، كان الحُكْمُ

..................................  فيها كما لو كانتْ في أيْدِيهما ابْتِدَاءً، وعليه اليَمِينُ لكُلِّ وَاحِدٍ منهما في النِّصْفِ المَحْكُومِ به لصاحِبِه، وعلى كلِّ وَاحِدٍ منهما اليَمِينُ لصَاحِبِه في النِّصْفِ المَحْكُومَ له به.
فصل: إذا كان في يَدِ رَجُلٍ دارٌ، فادَّعاها نَفْسان، فقال أحدُهما: أجَرْتُكَها.
وقال الآخَرُ: هى دارِى أعَرْتُكَها.
أو قال: هى دارِى وَرِثْتُها مِن أبى.
أو قال: هى دَارِى.
ولم يذْكُرْ شيئًا آخَرَ، فأنْكَرَهما صَاحِبُ اليَدِ، فالقَوْلُ قوْلُه مع يَمِينِه.
وإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها.
فإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بما ادَّعاه، تَعارَضَتا، وكان الحُكْمُ على ما ذَكَرْنا فيما مَضَى، إلَّا على الرِّوايَةِ التى تُقَدَّمُ فيها البَيِّنَةُ الشَّاهِدَةُ بالسَّبَبِ، فإنَّ بَيِّنَةَ مَن ادَّعَى أنَّه وَرِثَها مُقَدَّمَةٌ؛ لشهادَتِها بالسَّبَبِ.
وإن أقامَ أحدُهما بَيِّنَةً أنَّه غَصَبَه إيّاهَا، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه أقَر له بها، فهى للمَغْصُوبِ منه، ولا تَعارُضَ بينَهما؛ لأنَّ الجَمْعَ بينَهما مُمْكِنٌ، بأن يكونَ غَصَبَها مِن هذا وأقَرَّ بها لغيرِه، وإقْرَارُ الغاصِبِ باطِلٌ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
فتُدْفَعُ إلى المغْصُوبِ منه.
فصل: نقَل ابنُ منصورٍ عن أحمدَ، في رَجُلٍ أخذَ مِن رَجُلَيْن ثَوْبَيْن، أحدَهما بعشَرَةٍ والآخَرَ بعشْرِين، ثم لم يَدْرِ أيُّهما ثَوْبُ هذا [مِن ثوبِ هذا] 1، فادَّعَى أحدُهما ثوْبًا مِن هذَيْن الثَّوْبَيْن، وادَّعاه الآخَرُ: يُقْرَعُ

..................................  بينَهما، فأيُّهما أصابَتْه القُرْعَةُ، حَلَف وأخذَ الثَّوْبَ الجيِّدَ 1، والآخَرُ للآخَرِ.
وإنَّما قال ذلك؛ لأنَّهما تَنازَعا عَيْنًا في يَدِ غيرِهما.
فصل: إذا تَداعَيَا عَيْنًا، فقال كلُّ واحدٍ منهما: هذه العَيْنُ لى، اشْتَريْتُها 2 مِن زيدٍ بمِائةٍ، ونَقَدْتُه إيَّاها.
ولا بَيِّنَةَ لواحِدٍ منهما، فإن أنْكَرَهما 3 زيدٌ، فهى له مع يَمِينِه، وإن أقَرَّ بها لأحَدِهما، سَلَّمَها إليه، وحَلَف للآخَرِ.
وإن أقَرَّ لكُلِّ واحدٍ منهما بنِصْفِها، سُلِّمَتْ إليهما، وحَلَف لكلِّ واحدٍ منهما على نِصْفِها 4. وإن قال: لا أعْلَمُ لمَن هى.
أُقْرِعَ بينَهما، فمَن خَرَجَتْ له القُرْعَةُ، حَلَف وأخَذَها.
وإن حَلَف البائِعُ له، ثم أقَرَّ بها لأحَدِهما، سُلِّمَتْ إليه، ثم 5 إن أقَرَّ بها للآخَرِ، لَزِمَتْه غَرامَتُهِا له.
وإن أقامَ كُلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بما ادَّعاه، وكانَتا مُؤَرَّخَتَيْن بتارِيخيْن مُخْتَلِفَيْن، مثلَ أن يَدَّعِىَ أحدُهما أنَّه اشْتَراها في المُحَرَّمِ، وادَّعَى الآخَرُ أنَّه اشْتَراها في صَفَر، وشَهِدَتْ بَيِّنَةُ كُلِّ واحدٍ منهما للآخَرِ بدَعْواه، فهى للأوَّلِ؛ لتَقَدُّمِ بَيِّنَتِه بأنَّه باعَها منه أوَّلًا، وزَالَ مِلْكُه عنها، فيكونُ

..................................  بَيْعُ الثانِى باطِلًا، لكَوْنِه باعَ ما لا يَمْلِكُه، ويُطالَبُ برَدِّ الثَّمَنِ.
وإنِ اتَّفَقَ تارِيخُهما، أو كانَتا مُطْلَقَتَيْن، أو أحَدُهما مُطْلَقَةً وِالأُخْرَى مُؤَرَّخَةً، تَعارَضَتا؛ لتَعَذُّر الجَمْعِ، فيُنْظَرُ في العَيْنِ؛ فإنْ كانتْ في يَدِ أحَدِهما، انْبَنَى ذلك على بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ، فمن قَدَّمَ بَيِّنَةَ الدَّاخِلٍ، جعَلَها لمن هى في يَدِه، ومَن قَدَّمَ بَيِّنَةَ الخارِجِ، جَعَلَها له.
وإن كانتْ في يَدِ البَائِعِ، وقُلْنا: تَسْقُطُ البَيِّنَتان.
رُجِعَ إلى البَائِعِ، فإن أنْكَرَهما، حَلَف لهما، وكانت له، وإن أقَرَّ لأحَدِهما، سُلِّمَتْ إليه، وحَلَف للآخَرِ، وإن أقَرَّ لهما، فهى بينَهما، ويَحْلِفُ لكلِّ واحِدٍ منهما على نِصْفِها، كما لو لم يكُنْ لهما بَيِّنَة.
وإن قُلْنا: لا تَسْقُطُ البَيِّنَتان.
لم يُلْتَفَتْ إلى إنْكارِه ولا اعْتِرَافِه.
وهذا قَوْلُ القاضِى، واكثرِ أصْحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد ثَبَت زَوالُ مِلْكِه، وأنَّ يَدَه لا حُكْمَ لها، فلا حُكْمَ لقَوْلِه، فمن قال: يُقْرَعُ بينَهما.
أُقْرِعَ بينَهما، فمَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، فهى له مع يَمِينِه.
وهذا قَوْلُ القاضِى، لم يَذْكُرْ غيرَه.
وقال أبو الخَطَّابِ: تُقْسَمُ بينَهما.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الكَوْسَجِ، في رَجُلٍ أقامَ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَى سِلْعَةً بمِائةٍ، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَرَاها بمائَتَيْن: فكلُّ واحدٍ منهما يَسْتَحِقُّ نِصْفَ السِّلْعَةِ بنِصْفِ الثَّمَنِ، ويكُونان شَرِيكَيْن.
وحملَ القاضِى هذه الرِّوايَةَ على أنَّ العَيْنَ في أْيدِيهما، أو على أنَّ البَائِعَ أقَرَّ لهما جيعًا.
وإطْلاقُ الرِّوايَةِ يدُلُّ على صِحَّةِ قَوْلِ أبى الخَطَّابِ.
فعلى هذا، إن كان المَبِيعُ ممّا لا يدْخُلُ في ضَمانِ المُشْتَرِى إلَّا بقَبْضِه، فلكلِّ واحدٍ منهما الخِيارُ؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ

وَإنْ كَانَ فِى يَدِ رَجُلٍ [342 و] عَبْدٌ، فَادَّعَى أَنَّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ زَيْدٍ، وَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّ زَيْدًا أَعْتَقَهُ، وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ بَيِّنَةً، انْبَنَى عَلَى بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ وَالْخَارِجِ، وَإنْ كَانَ الْعَبْدُ فِى يَدِ زَيْدٍ، فَالْحُكْمُ فِيهِ حُكْمُ مَا إِذَا ادَّعَيَا عَيْنًا فِى يَدِ غَيْرِهِمَا.
تَبَعَّضَتْ عليه.
فإنِ اخْتارَ الإِمْساكَ، رَجَعَ كلُّ واحِدٍ منهما بنِصْفِ الثَّمَنِ، وإنِ اخْتارَ الفَسْخَ، رَجَع كلُّ واحدٍ منهما بجَمِيعِ الثَّمَنِ، وإنِ اخْتارَ أحَدُهما الفَسْخَ، توَفَّرَتِ السِّلْعَةُ كلُّها على الآخَرِ، إلَّا أن يكونَ الحاكِمُ قد حَكَمَ له 1 بنِصْفِ السِّلْعَةِ ونِصْفِ الثَّمَنِ، فلا يَعُودُ النِّصْفُ الآخَرُ 2 إليه.
وهذا قَوْلُ الشافعىِّ في كلِّ مَوْضِعٍ.
فصل: ولو كان في يَدِ رَجُلٍ دارٌ، فادَّعى عليه رَجُلان، كلُّ واحِدٍ منهما يَزْعُمُ أنَّه غَصَبَها منه، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنِّى اشْتَريْتُها منه، على ما مَضَى مِن التَّفْصِيلَ فيه.
واللهُ أعلمُ.

4994 -

مسألة: (وإن كان في يَدِ رجلٍ عَبْدٌ، فادَّعى أنَّه اشْتَراه مِن زيدٍ، وادَّعَى العَبْدُ أنَّ زَيدًا أعْتَقَه، وأقامَ كلُّ واحدٍ بَيِّنَهْ، انْبَنَى على بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ والخارِجِ، وَإن كان العَبْدُ في يَدِ زيدٍ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ

..................................  فيما إذا ادَّعَيا عَيْنًا فِى يَدِ غيرِهما) إذا ادَّعَى رجلٌ عبدًا في يَدِ آخَرَ أنَّه اشْتَرَاه منه، وادَّعَى العَبْدُ أنَّ سَيِّدَه أعْتَقَه، ولا بَيِّنَةَ لهما، فأنْكَرَهما، حَلَف لهما، والعَبْدُ له.
فإن أقَرَّ لأحَدِهما، ثبتَ ما أقَرَّ به، ويَحْلِفُ للآخَرِ.
وإن أقامَ أحدُهما بَيِّنَةً بما ادَّعاه، ثَبَتَ.
وإن أقامَ كلُّ واحدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، وكانَتا مُؤَرَّخَتَيْن بتارِيخَيْن مُخْتَلِفَيْن، قَدَّمْنا الأُولَى، وبَطَلَتِ الأُخْرَى؛ لأنَّه إن سَبَق العِتْقُ، لم يَصِحَّ البَيْعُ، وإن سَبَقَ البَيْعُ، لم يَصِحَّ العِتْقُ؛ لأنَّه أعْتَقَ عَبْدَ غيرِه.
فإن قِيلَ: يَحْتَمِلُ أنَّه عاد إلى مِلْكِه فأعْتَقَه.
قُلْنا: قد ثَبَتَ المِلْكُ للمُشْتَرِى، فلا يُبْطِلُه عِتْقُ البَائعِ.
وإن كانتا مُؤَرَّخَتَيْن بتارِيخٍ واحدٍ، أو مُطْلَقَتَيْن، أو إحْداهُما مُطْلَقَةً، تعارَضَتا؛ لأنَّه لا تَرْجِيحَ لإِحْدَاهما على الأُخْرَى.
فإن كان في يَدِ المُشْتَرِى، انْبَنَى ذلك على الخِلافِ

..................................  في تَقْدِيمِ بَيِّنَةِ الدَّاخِلِ أو 1 الخَارِجِ، فإن قَدَّمْنا بَيِّنَةَ الدَّاخِلِ، فهو للمُشْتَرِى، وإن قَدَّمْنا بَيِّنَةَ الخارِجِ، قُدِّمَ العِتْقُ؛ لأنَّه خارِجٌ.
وإن كان فَى يَدِ البائِعِ، وقُلْنا: إنَّ البَيِّنَتَيْن تَسْقُطان بالتَّعارُضِ.
صارا كمَن لا بَيِّنَةَ لهما، فإن أنْكَرَهما، حَلَف لهما، وإن أقَرَّ بالعِتْقِ، ثَبَتَ، ولم يَحْلِفِ العَبْدُ؛ لأنَّه لو أقَرَّ بأنَّه ما أعْتَقَه، لم يَلْزَمْه شئٌ، فلا فائِدَةَ في إحْلافِه، [ويَحْلِفُ البائِعُ للمُشْتَرى.
وإن أقَرَّ للمُشْتَرى ثَبَت المِلكُ له، ولم يَحْلِفْ للعبدِ؛ لأنَّه لو أقَرَّ له أنَّه كان أعْتَقَه، لم يَلْزَمْه غُرْمٌ، فلا فائدةَ في إحْلافِه] 2. وإن قُلْنا: تَرْجُحُ إحْدَى البَيِّنَتَيْن بالقُرْعَةِ.
قَرَعْنا بينَهما، فمَن خَرَجَت قُرْعَتُه، قَدَّمْناه.
قال أبو بكرٍ: هذا قِياسُ قولِ أبى عبدِ اللهِ.
فعلَى هذا، يَحْلِفُ مَن خَرَجَت له القُرْعَةُ، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وإن قُلْنا: يُقْسَمُ.
قَسَمْنا العَبْدَ، فجَعَلْنا نِصْفَه مَبِيعًا ونِصْفَه حُرًّا، ويَسْرِى العِتْقُ إلى جَمِيعِه إن كان البائِعُ مُوسِرًا؛ لأنَّ البَيِّنَةَ قامت 3 عليه بأنَّه أعْتَقَه مُخْتَارًا، وقد ثَبَت العِتْقُ في نِصْفِه بشهادَتِهما.

وَإِنْ كَانَ فِى يَدِهِ عَبْدٌ، فَادَّعَى عَلَيْهِ رَجُلَانِ؛ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ اشتَرَاهُ مِنِّى بِثَمَنٍ سَمَّاهُ، فَصَدَّقَهُمَا، لَزِمَهُ الثَّمَنُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، وَإنْ أَنكَرَهُمَا، حَلَفَ لَهُمَا، وَبَرِئَ، فَإنْ صَدَّقَ أَحدَهُمَا، لَزِمَهُ مَا ادَّعَاهُ، وَحَلَفَ لِلْآخَرِ، وَإنْ كَانَ لِأَحَدِهِمَا بَيِّنَةَ، فَلَهُ الثَّمَنُ، وَيَحْلِفُ لِلْآخَرِ، وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً، فَأَمكَنَ صِدْقُهُمَا؛ لِاخْتِلَافِ تَارِيخِهِمَا، أَو إِطْلَاقِهِمَا، أَوْ إِطْلَاقِ إِحْدَاهُمَا وَتَأْرِيخِ الأُخْرَى، عُمِلَ بِهِمَا، وَإِنِ اتَّفَقَ تَارِيخُهُمَا، تَعَارَضَتَا، وَالْحُكْمُ عَلَى مَا

4995 - مسألة: (وإن كان في يَدِه عَبْدٌ، فادَّعى عليه رجلان، كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه اشْتَراه منه بثَمَنٍ سَمَّاه، فصَدَّقَهما، لَزِمَه الثّمَنُ لكلِّ واحِدٍ منهما، وإن أنْكَرَهما، حَلَف لهما، وبَرِئَ، وإن صَدَّقَ أحَدَهما، لَزِمَه ما ادَّعاه، وحَلَف للآخَرِ، وإن كان لأحَدِهما بَيِّنَةٌ، فله الثَّمَنُ، ويَحْلِفُ للآخَرِ، وإن كان لكلِّ واحدٍ منهما بَيِّنَةٌ، وأمْكَنَ صِدْقُهما؛ لاخْتِلافِ تارِيخِهما، أو إطلاقِها، أو إطْلاقِ إحْداهما وتأْرِيخ الأُخرَى، عُمِلَ بهما، وإنِ اتَّفَقَ تارِيخُهما، تَعارَضَتا، والحُكْمُ على ما

..................................  تَقَدَّمَ) إذا كان في يَدِ إنسانٍ عَيْنٌ، فادَّعَى عليه رجلان، كلُّ واحِدٍ منهما أنَّك اشْتَرَيْتَه مِنِّى بألْفٍ، وأقامَ بذلك بَيِّنَةً، واتَّفَقَ تَارِيخُهما، مثلَ أن يقولَ: اشْتَراها مِنِّى مع الزَّوالِ، يومَ كذا.
ليوم واحدٍ، فهما مُتَعارِضَتان.
فإن قُلْنا: تَسْقُطان.
رُجِع إلى قَوْلِ المُدَّعَى عليه، فإن أنْكَرَهما، حَلَف لهما، وبَرِئَ، وإن أقَرَّ لأحَدِهما، فعليه له الثمنُ، ويحْلِفُ للآخَرِ، وإن أقَرَّ لهما، فعليه لكلِّ واحدٍ منهما الثّمَنُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَشْتَرِيَها مِن أحدِهما 1، ثم يَهَبَها للآخرِ ويَشتَرِيَها منه.
وإن قال: اشْتَرَيْتُها منكما صَفْقَةً واحِدَةً بألفٍ.
فقد أقرَّ لكلِّ واحدٍ منهما بنِصْفِ الثَّمَنِ، وله أن يحْلِفَ على الباقِى.
وِإن قُلْنا: يُقْرَعُ بينَهما.
وجَب الثَّمَنُ لمَن تَخْرُجُ له القُرْعَةُ، ويَحْلِفُ للآخرِ، ويَبْرأُ.
وإنْ قُلْنا:

..................................  يُقْسَمُ.
قُسِمَ الثَّمَنُ بينَهما، ويحْلِفُ لكلِّ واحدٍ منهما على الباقِى.
فإن كان التَّاريخان مُخْتَلِفَيْن، أو كانتا مُطْلَقَتَيْن، أو إحْدَاهُما مُطْلَقَةً، ثَبَتَ العَقدَانِ، ولزِمَه الثَّمَنان؛ لأنَّه يُمْكِنُ أن يَشْتَرِيَها مِن أحَدِهما ثم يَمْلِكَها الآخَرُ 1، فيَشْتَرِيَها منه، وإذا أمْكَنَ صِدْقُ البَيِّنَتَيْن والجَمْعُ بينَهما، وَجَب تَصْدِيقُهما.
فإن قيلَ: فلِمَ قُلْتُم: إنَّ البائِعَ إذا كان واحِدًا والمُشْتَرِى اثْنَين، فأقامَ أحَدُهما بَيِّنَةً أنَّه اشْتَراه في المُحَرَّمِ، وأقامَ الآخَرُ بَيِّنَةً أنَّه اشْتَراه في صَفَر، يكونُ الشِّراءُ الثَّانِى باطِلًا؟ قُلْنا: لأنَّه 2 إذا ثَبَتَ المِلْكُ للأوَّلِ، لم يُبْطِلْه بأنْ يَبِيعَه الثانى 3 ثانِيًا، وفى مَسْألَتِنا ثُبُوتُ [شِرإئِه مِن كلِّ واحدٍ منهما 4 يُبْطِلُ مِلْكَه؛ لأنَّه لا يجوزُ أن يَشْتَرِىَ ثانِيًا مِلْكَ نَفْسِه، ويَجُوزُ أن يَبِيعَ البائِعُ] 5 ما ليس له، فافْتَرَقا.
فإن قِيلَ: فإذا كانتِ البَيِّنَتان مُطْلَقَتَيْن، أو إحْداهما مُطْلَقَةً، احْتَمَلَ أن يَكُونَ تارِيخُهما واحِدًا، فيَتعارَضان، والأصْلُ بَراءَةُ ذِمَّةِ المَشْهُودِ عليه، فلا تُشْغَلُ بالشَّكِّ.
قُلْنا: متى أمْكَنَ صِدْقُ البَيِّنَتَيْن، وَجَب تَصْدِيقُهما، و 6 لم

وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَنَّهُ بَاعَنِى إِيَّاهُ بِأَلْفٍ، وَأَقامَ بَيِّنَةً، قُدِّمَ أَسْبَقُهُمَا تَارِيخًا.
وَإِنْ لَمْ تَسْبِقْ إِحْدَاهُمَا، تَعَارَضَتَا.
يكُنْ ثَمّ وَهْمٌ (1)، وإنَّما يَبْقَى الوَهْمُ، والوَهْمُ لا تَبْطُلُ به البَيِّنَةُ؛ لأنَّها لو بَطَلَتْ به، لم يَثْبُتْ بها حَقٌّ أصْلًا؛ لأنُّه ما مِن بَيِنَةٍ إلَّا ويَحْتَمِلُ أنْ تكونَ كاذِبَةً، أو غيرَ عَادِلَةٍ، أو مُتَّهَمَةً، أو مُعارَضَةً، ولم يُلْتَفَتْ (2) إلى الوَهْمِ، كذا (3) ههُنا.

4996 -

مسألة: (وإنِ ادَّعى كلُّ واحِدٍ منهما أنَّه باعَنِى إيّاه بألْفٍ، وأقامَ بَيِّنَةً، قُدِّمَ أسْبَقُهما تارِيخًا)

لِما ذَكَرْنا (فإن لم تَسْبِقْ إحْداهُما، تَعارَضَتا).123

وَإِنْ قَالَ أَحَدُهُمَا: غَصَبَنِى إيَّاهُ.
وَقَالَ الْآخَرُ: مَلَّكَنِيهِ.
أَوْ: أَقَرَّ لِى بِهِ.
وَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ [342 ظ] بَيِّنَةً، فَهُوَ لِلْمَغْصُوبِ مِنْهُ، وَلَا يَغرَمُ لِلْآخَر شَيْئًا.

4997 - مسألة: (وإن قال أحَدُهما: غَصَبَنِى إيّاه. وقال الآخَرُ: مَلَّكَنِيه. أو: أقَرَّ لى به. وأقام كلُّ واحِدٍ)

منهما (بَيِّنَةً، فهو للمَغْصُوبِ منه، ولا يَغْرَمُ للآخَرِ شَيْئًا) لأنَّه لا تَعارُضَ بينَهما؛ لجَوازِ أن يكونَ غَصَبَه مِن هذا، ثم مَلَّكَه الآخَرَ.
واللهُ أعلمُ.

..................................  فصل: وإذا ادَّعى رجلٌ زَوْجِيَّةَ امرأةٍ، فأقَرَّتْ بذلك، قُبِلَ إقْرارُها؛ لأنَّها أقَرَّتْ على نَفْسِها وهى غيرُ مُتَّهَمَةٍ؛ لأنَّها لو أرادَتِ ابْتداءَ النِّكاحِ، لم تُمْنَعْ منه.
فإنِ ادَّعاها اثْنان، فأقَرَّت لأحَدِهما، لم يُقْبَلْ إقْرارُها 1؛ لأنَّ الآخَرَ يَدَّعِى مِلْكَ بُضْعِها 2، وهى مُعْتَرِفَةٌ أنَّ ذلك قد مَلَك عليها، فصار إقْرارُها بحَقِّ غيرِها، ولأنَّها مُتَّهَمَةٌ، فإنَّها لو أرادَتِ ابْتِداءَ تَزْوِيجِ أحَدِ المُتَداعِيَيْن، لم يَكُنْ لها ذلك قبلَ الانْفِصالِ مِن دَعْوى الآخَرِ.
فإن قيلَ: فلو تَداعَيا عَيْنًا في يَدِ ثالِثٍ، فأقَرَّ لأحَدِهما، قُبِلَ.
قُلْنا: لا يثْبُتُ المِلْكُ بإقْرارِه في العَيْنِ، إنَّما يَجْعَلُه كصاحِبِ اليَدِ، فيَحْلِفُ، والنِّكاحُ لا يُسْتَحَقُّ باليَمِينِ، فلم يَنْفَعِ الإِقْرارُ بها ههُنا.
فإن كان [لأحَدِ المُتَدَاعِيَيْن] 3 بَيِّنَةٌ، حُكِمَ له بها؛ لأنَّ البَيِّنَةَ حُجَّةٌ في النِّكاحِ وغيرِه.
وإن

..................................  أقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وسَقَطَا، وحِيلَ بينَهما [وبينَها] 1، ولا يُرَجَّحُ أحَدُ المُتَداعِيَيْن بإقْرارِ المرْأةِ؛ لِما ذَكَرْنا، ولا بكوْنِها في بَيْتِه ويَدِه؛ لأنَّ اليَدَ لا تثْبُتُ على حُرَّةٍ، ولا سَبِيلَ إلى القِسْمَةِ ههُنا، ولا إلى القُرْعَةِ؛ لأنَّه لا بُدَّ مع القُرْعَةِ مِن اليَمِينِ، ولا مدْخَلَ لها ههُنا.

بَابٌ فِى تَعَارُضِ الْبَيِّنَتيْن

إِذَا قَالَ لِعَبْدِه: مَتَى قُتِلْتُ فَأَنْتَ حُرٌّ فَادَّعَى الْعَبْدُ أَنَّهُ قُتِلَ، وَأَنْكَرَ الْوَرَثَةُ، فَالْقَوْلُ قَوْلُهُمْ.
وَإِنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَيِّنَةً بِمَا ادَّعَاهُ، فَهَلْ تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ الْعَبْدِ، فَيَعْتِقُ، أَوْ يَتَعَارَضَانِ وَيَبْقَى عَلَى الرِّقِّ؟ فِيهِ وَجْهَانِ.
بابٌ في تَعارُضِ البَيِّنَتَيْن (إذا قال لعَبْدِه: متى قُتِلْتُ فأنت حُرٌّ.
فادَّعى العَبْدُ أنَّه قُتِلٍ، وأنْكَرَ الورثةُ، فالقَوْلُ قولُهم) لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ القَتْلِ، فإن أقامَ بَيِّنَة بدَعْواه، عَتَق.
وإن أقامَ الوَرَثَةُ بَيِّنَةً بمَوْتِه، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ العَبْدِ في أحَدِ الوَجْهَيْن؛ لأنَّها تَشْهَدُ بزِيادَةٍ، وهى القَتْلُ.
والثانى، يتَعارَضان؛ لأنَّ إحْداهما 1 تَشْهَدُ بضِدِّ ما شَهِدَتْ به الأُخْرَى، فيَبْقَى على الرِّقِّ.

وَإنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِى الْمُحَرَّمِ، فَسَالِمٌ حُرٌّ، وَإِنْ مِتُّ فِى صَفَرٍ، فَغَانِمٌ حُرٌّ.
فَأَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِمُوجبِ عِتْقِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ سَالِمٍ.

4998 - مسألة: (وإن قال: إن مِتُّ في المحَرَّمِ، فسالمٌ حُرٌّ، وَإن مِتُّ في صَفَرٍ، فغانِمٌ حُرُّ. وأقام كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةُ بمُوجِبِ عِتْقِهِ، قُدِّمَتْ بَيِّنَةُ سالمٍ)

في أحَدِ الوُجُوهِ؛ لأنَّ معها زِيادَةَ عِلْمٍ، فإنَّهَا أثْبَتَتْ ما يجوزُ أن يَخْفَى على البَيِّنَةِ الأُخْرَى.
والثانى، يتَعارَضان، ويَبْقَى العَبْدُ على الرِّقِّ؛ لأنَّهما سَقَطا، فصارا كمَنْ لا بَيِّنَةَ لهما.
والثالثُ، يُقْرَعُ بينَهما، فيَعْتِقُ مَن تَقَعُ له القُرْعَةُ.
فأمَّا إن لم تَقُمْ لواحِدٍ منهما بَيِّنَةْ، وأنْكَرَ

وَإنْ قَالَ: إِنْ مِتُّ فِى مَرَضِى هَذَا، فَسَالِمٌ حُرٌّ.
وَإنْ بَرِئْت، فَغَانِمٌ حُرٌّ.
وَأَقَامَا بَيِّنَتَيْنِ، تَعَارَضَتَا، وَبَقِيَا عَلَى الرِّقِّ.
ذَكَرَة أَصْحَابُنَا.
الوَرَثَةُ، فالقَوْلُ قولُهم؛ لأنَّه يجوزُ أن يمُوتَ في غيرِ هذَيْن الشَّهْرَيْن، وإن أقَرُّوا لأحَدِهما (1)، عَتَقَ بإقْرارِهم، وكذلك إنْ أقامَ بَيِّنَةً.

4999 -

مسألة: (وإن قال: إن مِتُّ مِن مَرَضِى هذَا، فسَالِمٌ حُرٌّ. وإن بَرِئْتُ، فَغَانِمٌ حُرٌّ. فأقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وبَقِيا على الرِّقِّ.

1

وَالْقِيَاسُ أَنْ يَعْتِقَ أَحَدُهُمَا بِالْقُرْعَةِ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعْتِقَ غَانِمُ وَحْدَهُ؛ لِأَنَّ بَيِّنَتَهُ تَشْهَدُ بِزِيَادَةٍ.
ذَكَرَ أصْحابُنا.
والقِياسُ أن يَعْتِقَ أحدُهما بالقُرْعَةِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ غانِمٌ وَحْدَه؛ لأنَّ بَيِّنَتَه تَشْهَدُ بزِيادَةٍ) إذا قال: إن مِتُّ مِن مَرَضِى هذا، فسالِمٌ حُرُّ، وإن بَرِئْتُ، فغانِمٌ حُرٌّ.
فمات، وادَّعى كلُّ واحدٍ منهما مُوجِبَ عِتْقِه، أُقْرِعَ بينَهما، فمَن خرَجَت له القُرْعَةُ، عَتَقَ؛ لأَّنه لا يَخْلُو مِن أن يَكونَ بَرَأ أو لم يَبْرَأْ، فيَعْتِقُ أحدُهما على كلِّ حالٍ، ولم تُعْلَمْ عَيْنُه فيُخْرَجُ بالقُرْعَةِ، كما لو أعْتَقَ أحَدَهما، فأشْكَلَ عليْنا.
ويَحْتَمِلُ أنْ يُقَدَّمَ قَوْلُ سالمٍ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ البُرْءِ.
وإن أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بمُوجِبِ عِتْقِه، فقالَ أصْحابُنا: يَتعارَضان، ويبْقَى العَبْدان على الرِّقِّ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدَةٍ 1 منهما تُكَذِّبُ الأُخْرَى 2، وتُثْبِتُ

..................................  زِيادَةً تَنْفِيها الأُخْرَى.
وهذا قَوْلٌ لا يَصِحُّ، وهو ظاهِرُ الفَسادِ؛ لأنَّ التَّعارُضَ أثَرُه 1 في إسْقاطِ البَيِّنَتَيْن، ولو لم يَكُونا أصْلًا لعَتَقَ أحَدُهُما، فكذلك إذا سَقَطتا، وذلك لأنَّه لا يَخْلُو مِن إحْدَى الحالَتَيْن اللَّتَيْن عَلَّقَ على كلِّ واحِدَةٍ منهما عِتْقَ أحدِهما، فيَلْزَمُ وجُودُه، كما لو قال: إن كان هذا الطَّائِرُ غُرابًا، فسالمٌ حُرٌّ، وإن لم يكُنْ غُرابًا 2، فغانمٌ حُرٌّ.
ولم يُعْلَمْ حالُه، ولكنْ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يُقْرَعُ بينَهما، كما في مسْألَةِ الطَّائِرِ، ولأنَّ البَيِّنَتَيْن إذا تَعارَضَتا، قُدِّمَتْ إحْداهما بالقُرْعَةِ في رِوايَةٍ.

وَإِنْ أَتْلَفَ ثَوْبًا، فَشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أنَّ قِيمَتَهُ عِشْرُونَ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّ قِيمَتَهُ ثَلَاثُونَ، لَزِمَهُ أَقَلُّ الْقِيمَتَيْنِ.
والثانى، تُقَدَّمُ بَيِّنَةُ غانِمٍ؛ لأنَّها شَهِدَتْ بزِيادَةٍ، وهى البُرْءُ.
وإن أقَرَّ الوَرَثَةُ لأحَدِهم، عَتَق بإقْرارِهم، ولم يَسْقُطْ حَقُّ الآخَرِ ممَّا ذَكَرْنا، إلَّا أن يَشْهَدَ عَدْلان منهم بذلك، مع انْتِفاءِ التُّهْمَةِ، فيَعْتِقُ وَحْدَه إذا لم تَكُنْ للآخَرِ بَيِّنَةٌ.

5000 -

مسألة: (وإن أتْلَفَ ثَوْبًا، فشَهِدَتْ بَيِّنَةٌ أنَّ قِيمَتَه عِشْرون، وشَهِدَتْ أُخْرى أنَّ قِيمَتَه ثلاثُون، لَزِمَتْه أقَلُّ

القِيمَتَيْن) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شَهِدَ شاهِدٌ أنَّه عَصَبَه ثوبًا قِيمتُه دِرْهمان، وشَهِدَ آخَرُ أنَّ قِيمتَه ثلاثةٌ، ثَبَتَ ما اتَّفَقَا عليه، وهو دِرْهمان، فله أن يَحْلِفَ مع الآخَرِ على دِرْهَمٍ؛ لأنَّهما اتَّفقَا على دِرْهَمَيْن، وانْفَرَد أحدُهما بدرهمٍ، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَ أحدُهما بألْفٍ والآخَر بخَمْسِمائةٍ.
وإذا شَهِدَ شاهِدان أنَّ قِيمَتَه دِرْهمانِ، وشاهِدان أنَّ قِيمَتَه ثلاثةٌ، ثَبَت له دِرْهمان.

..................................  وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: له ثلاثةٌ؛ لأنَّه قد شَهِدَ بها شاهِدان, وهما حُجَّةٌ, فيُؤْخَذُ بهما, كما يُؤْخَذُ بالزِّيادةِ في الأخْبارِ, وكما لو شَهِدَ له 1 شاهِدان بألْفٍ, وشاهِدان بألْفَيْن, فإنَّه يَجِبُ له ألْفان.
قال القاضي: ويتَوجَّهُ لنا مثلُ ذلك, كما لو شَهِدَ له شاهِدان بألْفٍ, وشاهِدان بخَمْسِمائةٍ.
ولَنا, أنَّ مَن شَهِدَ أنَّ قِيمَتَه دِرْهمان, يَنْفِي أنَّ قِيمَتَه ثلاثةٌ, فقد تَعارَضَتِ البَيِّنَتان في الدِّرْهَمِ, ويُخالِفُ الزِّيادَةَ في الأخْبارِ, فإنَّ مَن يَرْوِى النَّاقِصَ لا يَنْفِي الزِّيادَةَ, وكذلك مَن شَهِدَ بألْفٍ, لا يَنْفِي أنَّ عليه ألْفًا آخَرَ.
فإن قيلَ: فلِمَ قُلْتُم: إنَّه إذا شَهِدَ بواحِدَةٍ مِن القِيمَتَيْن شاهِدان, تَعارَضَتا, وإن شَهِدَ شاهِدٌ, لم يَتعارَضا, وكان له أن يَحْلِفَ مع الشاهِدِ بالزِّيادةِ عليها؟ قُلْنا: لأنَّ الشَّاهِدَيْن حُجَّةٌ وبَيِّنَةٌ, وإذا كَمَلَتْ مِن الجانِبَيْنِ, تَعارَضَتِ الحُجَّتانِ؛ لِتَعَذُّرِ الجَمْعِ بينَهما, أمَّا الشَّاهِدُ الواحدُ, فليسَ بحُجَّةٍ وَحْدَه, وإنَّما يصيرُ حُجَّةً مع اليَمِينِ, فإذا حَلَف مع أحدِهما كمَلَتِ الحُجَّةُ مع يَمِينِه, ولم يُعارِضْها ما ليس بحُجَّةٍ,

وَلَوْ مَاتَتِ امْرأَةٌ وَابْنُهَا، فَقَالَ زَوْجُهَا: [343 و] مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا، ثُمَّ مَاتَ ابْنِى فَوَرِثْتُهُ.
وَقَالَ أَخوهَا: مَاتَ ابْنُهَا.
فَوَرِثَتْهُ، ثُمَّ مَاتَتْ فَوَرِثْنَاهَا.
وَلَا بَيِّنَةَ، حَلَفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى إِبْطَالِ دَعْوَى صَاحِبِهِ، وَكَانَ مِيرَاثُ الابْنِ لِأَبِيهِ، وَمِيرَاثُ الْمَرأَة لأَخِيهَا  كما لو شَهِدَ بأحدِهما شاهِدان، وبالآخَرِ شاهِدٌ واحدٌ.

5001 -

مسألة: (ولو ماتَتِ امْرَأةٌ وابْنُها، فقال زوجُها: ماتَت فوَرِثْناها، ثم مات ابْنِى فوَرِثْتُه.
وقال أخوها: بل مات ابْنُهَا فَوَرِثَتْه، ثم ماتَتْ فوَرِثْناها.
حَلَف كلُّ واحِدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوى صاحِبِه، وكان مِيرَاثُ الابْنِ لأبِيهِ، وَمِيرَاثُ المَرْأةِ لأخِيهَا وَزوْجِهَا نِصْفَيْنِ.
وإن

وَزَوْجِهَا نِصْفَيْنِ.
وَإنْ أَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةً بِدَعْوَاهُ، تَعَارَضَتَا، وَسَقَطَتَا.
وَقِيَاسُ مَسَائِلِ الْغَرْقَى، أَنْ يُجْعَلَ لِلْأَخِ سُدْسُ مَالِ الابْنِ، وَالبَاقِى لِلزَّوْجِ.
أقامَ كلُّ واحِدٍ منهما بَيِّنَةً بدَعْواه، تَعارَضَتا، وسَقَطَتا أيْضًا.
وَقِيَاسُ مَسائِلِ الغَرْقَى، أن يُجْعَلَ للأخِ سُدْسُ مالِ الابْنِ، والباقِى للزَّوْجِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا مات جَماعَةٌ يَرِثُ بعْضُهم بعْضًا، واخْتَلَفَ الأحْياءُ مِن وَرَثَتِهم في السَّابِقِ بالموتِ في المسْألَةِ المذْكورَةِ، فقال الزَّوجُ: ماتتِ المرأةُ أوَّلًا، فصارَ مِيراثُها كلُّه لى ولابْنِى، ثمَّ مات ابْنِى فصارَ مِيراثُه لى.
وقال أخُوها: مات ابْنُها أوَّلًا، فوَرِثَتْ ثُلُثَ مالِه، ثم ماتَتْ فكانَ مِيراثُها بَيْنِى وبَيْنَك نِصْفَيْن.
حَلَف كلُّ واحدٍ منهما على إبْطالِ دَعْوى صاحِبِه، وجَعَلْنا مِيراثَ كلِّ واحدٍ منهما للأحْياءِ مِن وَرَثَتِه، دُونَ مَن مات معه؛ لأنَّ سَبَبَ اسْتِحْقاقِ الحَىِّ مِن مَوْرُوثِه مَوْجُودٌ، وإنَّما يَمْتَنِعُ لبقاءِ مَوْرُوثِ الآخَرِ بعدَه، وهذا الأمْرُ مَشْكُوكٌ فيه، فلا نَزُولُ عن اليَقِينِ بالشَّكِّ، فيكونُ

..................................  مِيراثُ الابْنِ لأبِيه، لا مُشارِكَ له فيه، ومِيراثُ المرْأةِ بينَ أخيها وزَوْجِها نِصْفَيْن.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
فإنْ قِيلَ: فقد أعْطَيْتُم الزَّوجَ النِّصْفَ، وهو لا يَدَّعِى إلَّا الرُّبْعَ.
قُلْنا: بل هو مُدَّعٍ لجَمِيعِه؛ رُبْعُه [بمِيراثِه منها] 1، وثلاثةُ أرْباعِه بإرثِه 2 مِن ابنِه 3 قال أبو بَكْرٍ: قد ثَبَتَتِ البُنُوَّةُ بيَقِينٍ، فلا يُقْطَعُ ميراثُ الأبِ فيه إلَّا بِبَيِّنَةٍ تَقُومُ للأخِ.
وهذا تَعْلِيلٌ لقَوْلِ الخِرَقِىِّ في هذه المسْألَة.
وذكَرَ قَوْلًا آخَرَ يَحْتَمِلُ أنَّ المِيراثَ بينَهما نِصْفَيْن، [قال: وهذا اخْتِيارى أنَّ كلَّ رجلين ادَّعَيا ما لا يُمْكِنُ صِدْقهما فيه، فهو بينَهما نصفين] 4. قال شيْخنا 5: وهذا لا 6 يُدْرَى ما أرادَ به؛ إن أرادَ أنَّ مالَ المرْأةِ بينَهما نِصْفَيْن، [فهو قولُ الخِرَقِىِّ، وليس بقولٍ آخرَ، وإن أرإدَ أنَّ مالَها ومالَ الابْنِ بينَهما نِصْفَيْن] (4)، لم يَصِحَّ؛

..................................  لأنَّه يُفْضِى إلى إعْطاءِ الأخِ ما لا يَدَّعِيه، ولا يَسْتَحِقُّه يَقِينًا؛ لأنَّه لا يَدَّعِى مِن مالِ الابْنِ أكثرَ مِن سُدْسِه، ولا يُمْكِنُ أن يَسْتَحِقَّ أكثرَ منه، وإن أرادَ أنَّ ثُلُثَ مالِ الابنِ يُضَمُّ إلى مالِ المرْأةِ، فيَقْسِمانِه نِصْفَيْن، لم يَصحَّ؛ لأنَّ نِصْفَ ذلك إلى الزَّوْجِ باتِّفاقٍ منهما، لا يُنازِعُه الأخُ فيه، وإنَّما النِّزاعُ بينَهما في نِصفِه.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ هذا مُرادَه، كما لو تَنازَعَ رجلان دارًا في أيْدِيهما، فادَّعاها أحدُهما كُلَّها، وادَّعَى الآخَرُ نِصْفَها، فإنَّها تُقْسَمُ بينَهما نِصْفَيْن، وتكونُ اليَمِينُ على مُدَّعِى النِّصْفِ، إلَّا أنَّ الفَرْقَ بينَ هذه المسْألةِ وتلك، أنَّ الدَّارَ في أيْدِيهما، فكلُّ واحدٍ منهما في يَدِه نِصْفُها، فمُدَّعِى النِّصْفِ يدَّعِيه وهو في يَدِه، فقُبِلَ قَوْلُه فيه مع يَمِينِه، وفى مسْألَتِنا يَعْتَرِفان أنَّ هذا مِيراثٌ عن المَيِّتَيْن 1، فلا يَدَ لأحدِهما عليه؛ لاعْتِرافِهما

..................................  بأنَّه لم يَكنْ لهما، وإنَّما هو مِيراثٌ يَدَّعِيانِه مِن غيرِهما.
وإِن أرادَ أنَّ سُدْسَ مالِ الابْنِ يُضَمُّ إلى نِصْفِ مالِ المرْأةِ، فيُقْسَمُ بينَهما نِصْفيْن، فله وَجْهٌ؛ لأنَّهما تَساوَيا في دَعْواه، فيُقْسَمُ بينَهما، كما لو تَنازَعا دابَّةً في أيْدِيهما، وعلى كلِّ واحدٍ منهما اليَمِينُ فيما حُكِمَ له به.
والذى يَقْتَضِيه قَوْلُ أصْحابِنا في الغَرْقَى والهَدْمَى، أنْ يكونَ سُدْسُ الابْنِ للأخِ، وباقى مِيراثِهما للزَّوْجِ؛ لأنَّا نُقَدِّرُ أنَّ المرأةَ ماتَتْ أوَّلًا، فيَكونُ مِيراثها لابْنها وزَوْجِها، ثم مات الابْنُ، فوَرِثَه أبُوه، وهو الزَّوْجُ، فصار مِيراثُها كلُّه لزوجِها، ثم نُقَدِّرُ أنَّ الابْنَ مات أوَّلًا، فوَرِثَه أبَواه؛ لأُمِّه الثُّلُثُ، ثمَّ ماتَتْ، فصار الثُّلُثُ بينَ أخِيها وزَوْجِها نِصْفَيْن، لِكُلِّ واحدٍ منهما السُّدْسُ، فلم يَرِثِ الأخُ إلَّا سُدْسَ مالِ الابْنِ، كما ذَكَرْنا.
قال شيْخُنا 1: ولَعل هذا القَوْلَ يَخْتَصُّ بمَن جُهِلَ مَوْتُهما، واتَّفَقَ وُرَّاثُهما 2 على الجَهْلِ به.
والقَوْلانِ

فَصْلٌ: إِذَا شَهِدَتْ بَيِّنَةٌ عَلَى مَيِّتٍ أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ سَالِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، وَشَهِدَتْ أُخْرَى أَنَّهُ وَصَّى بِعِتْقِ غَانِمٍ، وَهُوَ ثُلُثُ مَالِهِ، أُقْرِعَ بَيْنَهُمَا، فَمَنْ تَقَعُ لَهُ الْقُرْعَةُ، عَتَقَ دُونَ صَاحِبِهِ، إِلَّا أَنْ يُجِيزَ الْوَرَثَةُ.
المُتَقَدِّمان؛ قولُ الخِرَقِىِّ، وقَوْلُ أبى بكر، فيما إذا ادَّعَى وَرَثَةُ كلِّ مَيِّتٍ أنَّه مات أخِيرًا، وأنَّ الآخرَ مات قَبْلَه، فإن كان لأحَدِهما بَيِّنَة بما ادَّعاهُ، حُكِمَ له بها، وإن أقاما بَيِّنَتَيْن، تَعارَضَتا، وهل يَسْقُطان، أو يُقْرَعُ بينَهما، أو يَقْتَسمان ما اخْتَلَفا فيه؟ يُخَرجُ على الرِّواياتِ الثَّلاثِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَهُ اللهُ: (إذا شَهِدَت بَيِّنَةٌ على مَيِّتٍ أنَّه وَصَّى بعِتْقِ سالمٍ، وهو ثُلُثُ مالِه، وشَهِدَت) بَيِّنَةٌ (أُخْرى أنَّه وَصَّى بعِتْقِ غانمٍ، وهو ثُلُثُ مالِه، أُقْرِعَ بينَهما، فمَن تَقَعُ له القُرْعَةُ، عَتَق دُونَ صاحِبِه، إلَّا أن يُجِيزَ الوَرَثَةُ) لأنَّ الوَصِيتَّيْن ثَبتتا بشَهادَةِ العُدُولِ، فهما سَواءٌ، فيُقْرَعُ بينَهما، سَواءٌ اتَّفَقَ تارِيخُهما أو اخْتَلَفَ؛ لأنَّ الوَصِيَّةَ يَسْتَوِى فيها المُتَقَدِّمُ والمُتَأَخِّرُ، فمَن خرَجَت له القُرْعَةُ، عَتَق

وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ، وَابْنُ أَبِى مُوسَى: يَعْتِقُ مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا نِصْفُهُ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ.
جَمِيعُه (وقال أبو بكرٍ، وابنُ أبى موسى: يَعْتِقُ نِصْفُ كلِّ واحدٍ منهما بغيرِ قُرْعَةٍ) لأنَّ القُرْعَةَ إنَّما تَجِبُ إذا كان أحدُهما عبْدًا والآخَرُ حُرًّا، ولا كذلك ههُنا، فيجبُ أن يُقْسَمَ بينَهما، ويَدْخُلُ النَّقْصُ على كلِّ واحدٍ منهما بقَدْرِ وَصِيِّتِه، كما لو أوْصَى لاثْنَيْن بمالٍ.
والأوَّلُ قِياسُ المذهبِ؛ لأنَّ الإِعْتاقَ بعدَ الموْتِ كالإِعْتاقِ في مَرَضِ الموْتِ، وقد ثَبَت في الإِعتاقِ في مَرَضِ الموْتِ أنَّه يُقْرَعُ بينَهما؛ لحدِيثِ عِمْرانَ بنِ حُصَيْنٍ 1، كذلك بعدَ الموْتِ، ولأنَّ المَعْنَى المُقْتَضِىَ في أحَدِهما في الحياةِ مَوْجُودٌ بعدَ المَماتِ، فيَثْبُتُ.
فأمَّا إن صَرحَّ فقال: إذا مِتُّ، فنِصْفُ كلِّ واحدٍ مِن سالمٍ وغانم حُرٌّ.
أو كان في لَفظِه ما يَقْتَضِيه، أو دَلَّت عليه قَرِينَةٌ، ثَبَت ما اقْتَضاهُ.
وان أجازَ الوَرَثَةُ عِتْقَهُما عَتَقا؛ لأنَّ الحَقَّ لهم، فأشْبَهَ ما لو أعْتَقُوهُما بعدَ مَوْتِه.

جارٍ التحميل