الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 380-419

..................................  أُوقِيَّةٍ، فأدَّاهَا [إلَّا عَشْرَ أواقٍ، فهو عَبْدٌ، وأيُّما عَبْدٍ كَاتَبَ على مِائَةِ دِينارٍ فأدَّاها] 1، إلَّا عشَرَةَ دَنانِيرَ، فهو عَبْدٌ».
وعن محمدِ بنِ المُنْكَدِرِ، و [عُمَرَ بنِ عبدِ اللهِ مَوْلَى عُفْرَةَ] 2، وعبدِ اللهِ بنِ عُبَيدَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعَتَّابِ بنِ أُسِيدٍ: «مَنْ كاتَبَ مُكاتَبًا فهو أحَقُّ به حتى يَقْضِيَ كِتَابَتَه».
وقال القاضي، وأبو لخطابِ: إذا أدَّى المكاتَبُ ثلاثةَ أرباعِ كتابَتِه وعجز عن الرُّبْعِ، عَتَقَ؛ لأنَّ ذلك يَجِبُ إيتاؤه للمكاتَبِ، فلا يجوزُ إبْقاؤه على الرقِّ لعَجْزِه عمَّا يَجِبُ ردُّه 3 إليه.
والروايةُ الثانيةُ، أنه إذا مَلَك ما يؤدي صار حرًّا يَرِث ويُورَث، فإذا مات له مَن يَرِثه وَرِثَ، وإن مات فلسيِّدِه بقِيَّة كتابَتِه، والباقي لوَرَثَتِه؛ لما روَى أبو داودَ 4 بإسنادِه، عن أُمِّ سلمةَ قالت: قال لنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إذا كان لإِحْداكُنَّ مُكَاتَبٌ، وكانَ عِنْدَه ما يؤدِّي، فلتَحْتَجِبْ منه».
وروَى الحَكَمُ، عن عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، وشُريحٍ: يُعْطَى سيدُه مِن تركَتِه ما بَقِيَ مِن كتابَتِه، فإن فَضَل شيءٌ كان لورَثَةِ المكاتَبِ.
ورُوِيَ نحوُه عن الزُهريِّ.
وبه قال سعيدُ بنُ المسيَّبِ، وأبو سلمةَ بنُ عبدِ الرحمنِ،

..................................  والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والحسنُ، ومنصورٌ، ومالكٌ، وأبو حنيفةَ، إلَّا أنَّ مالكًا جَعَل مَن كان معه في كتابَتِه أحقَّ ممَّن لم يكنْ معه، فإنَّه قال في مكاتَبٍ هَلَك وله أخ معه في الكتابَةِ، وله ابنٌ، قال: ما فَضَل مِن كتابَتِه لأخيه دون ابنِه.
وجعلَه أبو حنيفةَ عبدًا ما دام حيًّا، وإن مات أُدِّيَ مِن تَرِكَتِه باقي كتابَتِه، والباقي لوَرَثَتِه.
ورُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ الله عنه، أنَّه قال على المِنْبَرِ: إنَّكُم مكاتِبون مكاتَبِين، فأيُّهم أدّى النِّصفَ فلا رِقَّ عليه.
وعن عليٍّ: إذا أدَّى النِّصفَ فهو حُرٌّ.
وعن عروةَ نحوُه.
وعن الحسنِ: إذا أدَّى الشَّطْرَ فهو غَريمٌ.
وعن ابنِ مسعودٍ وشُريحٍ مثلُه.
وعن ابنِ مسعودٍ: إذا أدَّى ثُلُثًا أو رُبْعًا فهو غَريمٌ.
وعن ابنِ عباس: إذا كَتَب الصحيفَةَ فهو غَريمٌ.
وعن عليٍّ قال: تَجْرِي العَتاقَة في المكاتَبِ في أولِ نَجْمٍ.
يَعْنِي يَعْتِقُ منه بقَدْرِ ما أدَّى.
وعنه أنَّه قال: يَرِثُ، ويَحْجُبُ، ويَعْتِقُ منه بقَدْرِ ما أدَّى.
وروَى حمَّادُ بنُ سلمةَ عن أيوبَ عن عكرمةَ عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذا أصَابَ المُكَاتَبُ حدًّا أو مِيراثًا وَرِثَ بحسابِ ما عتَقَ منه، وأُقِيمَ عليه الحدُّ بحسابِ ما عَتَقَ منه» 1. وفي روايةٍ: «يُودَى 2 المكاتَبُ بقَدْرِ ما عَتَقَ منه دِيَةَ

فَأمَّا الْمُعْتَقُ بَعْضُهُ، فَمَا كَسَبَهُ بِجُزْئِهِ الْحُرِّ فَلِوَرَثَتِهِ، وَيَرِثُ وَيَحْجُبُ بِقَدْرِ مَا فِيهِ مِنَ الْحُرِّيَّةِ.
الحُرِّ، وقَدْرِ ما رَقَّ منه دِيَةَ العبدِ».
قال يحيى بنُ أبي كثيرٍ: وكان عليٌّ، رَضِيَ الله عنه، ومروانُ بنُ الحكمِ يقولان ذلك.
وقد رُوِيَ حديثُ ابنِ عباسٍ عن عكرمةَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مُرْسَلًا.
والحديثُ الذي رَوَيناه (1) لقولِنَا أصَحُّ، ولا نعلمُ أحدًا مِن الفقهاءِ قال بهذا، وما ذكرناه أولى، إن شاء اللهُ.

2882 -

مسألة: (فأمَّا المُعْتَقُ بعضُه، فما كَسَبَه بجزئِه الحرِّ، فهو لوَرَثَتِه، ويَرِثُ ويَحْجُبُ بقَدْرِ ما فيه مِن الحُريَّةِ)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُعْتَقَ بعضُه إذا اكْتَسَبَ مالًا ثم ماتَ وخَلَّفَه؛ فإن كان قد كَسَبَه بجُزْئِه الحر، مثلَ أن يكونَ قد هايأ سيدَه على مَنْفَعَتِه، فاكْتَسَبَ في أيامِه أو وَرِثَ شيئًا، فإنَّ الميراثَ إنَّما يستَحِقه بجُزئِه الحرِّ، أو كان قد قاسَمَ سيدَه في حياتِه، فتَرِكَتُه كُلُّها لورَثَتِه، لا حقَّ لمالكِ باقيهِ فيها.
وقال قومٌ: جميعُ ما خَلَّفَه1

..................................  بينَه وبينَ سيدِه.
قال ابنُ اللبَّانِ: هذا غلطٌ؛ لأنَّ الشَّريكَ إذا أخَذَ حقَّه مِن كسْبِه لم يَبْقَ له حَقٌّ في الباقي، ولا سبيلَ له على ما كَسَبَه بنصفِه الحرِّ، كما لو كان بينَ الشريكَين فاقْتَسَما كَسْبَه، لم يكنْ لأحَدِهما حَقٌّ في حِصَّةِ الآخَرِ، والعبدُ يخْلُفُ أحدَ الشريكَين فيما عَتَقَ منه.
فأمَّا إن لم يكنْ كَسَبَه بجُزْئِه الحرِّ خاصَّةً، ولا اقْتَسَما كسْبَه، فللمالكِ باقِيه مِن تَرِكَتِه بقَدْرِ مِلْكِه فيه، والباقي لوَرَثَتِه، فإن مات له مَن يَرِثُه، فإنَّه يَرِثُ ويُورَثُ ويَحْجُبُ، على قَدْرِ ما فيه مِن الحُريَّةِ.
هذا قولُ عليٍّ، وابنِ مسعودٍ، رضي اللهُ عنهما.
وبه قال.
عثمانُ البَتِّيُّ 1، وحمزَةُ الزَّيَّاتُ، وابنُ المبارَكِ، والمُزَنِيّ، وأهلُ الظاهرِ.
وقال زيدُ بنُ ثابتٍ: لا يَرِثُ ولا يُورَثُ، وأحكامُه أحكامُ العبدِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ في القَدِيم، وجعلا ما لَه لمالكِ باقِيهِ.
قال ابنُ اللَّبَّانِ: هذا غلطٌ؛ لأنه ليس لمالكِ باقِيهِ على ما عَتَقَ منه مِلْكٌ، ولا وَلاءٌ، [ولا] 2 هو ذو رَحِم.
قال ابنُ سُرَيجٍ 3: يَحْتَمِلُ على قولِ الشافعيِّ القديمِ أن

..................................  يُجْعَلَ في بيتِ المالِ؛ لأنَّه لا حَقَّ له فيما كسَبَه بجُزْئِه الحرِّ.
وقال الشافعيُّ في الجديدِ: ما كسَبَه بجُزْئِه الحرِّ لورَثَتِه، ولا يَرِثُ هو ممَّن مات شيئًا.
وبه قال طاوسٌ، وعمرُو بنُ دينارٍ، وأبو ثورٍ.
وقال ابنُ عباسٍ: هو كالحُرِّ في جميعِ أحكامِه؛ في تَوْرِيثه والإِرْثِ منه، وغيرِهما.
وبه قال الحسنُ، وجابرُ بنُ زيدٍ، والشَّعْبِيّ، والنَّخَعِيُّ، والحكَمُ، وحمادٌ، وابنُ أبي لَيلَى، والثَّوْرِيّ، وأبو يوسف، ومحمدٌ، واللُّولُؤِيّ، ويحيى بنُ آدمَ، وداودُ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان الذي لم يُعْتِقِ استَسْعى العبدَ، فله مِن تَركَتِه سِعايتُه 1، وله نصفُ ولايةٍ، وإن كان أغْرَمَ 2 الشَّريكَ، فولاؤه كلّه للذي أعْتَقَ بَعْضَه.
ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ، ثنا الرَّمْلِيُّ، عن يزيدَ بنِ هارونَ، عن عِكْرِمةَ، عن ابنِ عباسٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال في العبدِ 3 يَعْتِقُ بعضُه: «يَرِثُ ويُورَث على قَدْرِ ما عَتَقَ منه» 4. ولأنَّه يَجِبُ أنْ يَثْبُتَ لكُلِّ بعضٍ حُكْمُه، كما لو كان الآخَرُ مثلَه، وقياسًا لأحَدِهما على الآخَرِ.
إذا ثَبَت هذا، فالتَّفْرِيعُ على قولِنا؛ لأنَّ العملَ على غيرِه واضحٌ.
وكَيفِيةُ تَوْرِيثِه أن يُعْطَى مَن له فرْضٌ بقَدْرِ ما فيه مِن الحريَّةِ مِن فَرْضِه، وإن كان عَصَبَةً، نُظِرَ ما لَه مع الحُريَّةِ الكامِلَةِ، فأُعْطِيَ بقدرِ

فَإِذَا كَانَتْ بِنْتٌ وَأمٌّ نِصْفُهُما حُرٌّ، وَأَبٌ حُرٌّ، فَلِلْبِنْتِ بنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا نِصْفُ مِيرَاثِهَا وَهُوَ الرُّبْعُ، وَلِلأمِّ مَعَ حُرِّيَّتِهَا وَرِقِّ الْبِنْتِ الثُّلُثُ، وَالسُّدْسُ مَعَ حُرِّيَّةِ الْبِنْتِ، فَقَدْ حَجَبَتْهَا حُرِّيّتهَا عَنِ السُّدْسِ، فَبِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا تَحْجُبُهَا عَنْ نِصْفِهِ، يَبْقَى لَهَا الرُّبْعُ لَوْ كَانَتْ حُرَّةً، فَلَهَا بِنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا نِصْفُهُ وهُوَ الثُّمْنُ، وَالْبَاقِي لِلْأَبِ.
وَإنْ شِئْتَ نَزَّلْتَهُمْ أَحْوَالًا، كَتَنْزِيلِ الْخَنَاثَى.
ما فيه منها.
فإذا خَلَّفَ (أُمًّا وبنتًا نصفُهما حرٌّ، وأبًا حرًّا؛ فللبنتِ بنصفِ حُرِّيَّتِهَا نصفُ مِيراثِها وهو الرُّبْعُ، وللأمِّ مع حُرِّيَّتِهَا وْرِقِّ البنتِ الثُّلُثُ، والسُّدْسُ مع حُرِّيَّةِ البنتِ، فقد حَجَبَتْها حُرِّيَّتِهَا عن السُّدْسِ، فبنِصْفِ حُرِّيَّتِهَا تَحْجُبُها عن نِصْفِه، يَبْقَى لها الرُّبْعُ لو كانت حرَّةَ، فلها بنصفِ حُرِّيَّتِهَا نِصْفُه وهو الثُّمْنُ، والباقي للأبِ، وإن شِئْتَ نزَّلْتَهم أحوالًا، كتنْزِيلِ الخنَاثَى) فتَقُولُ: إن كانتا حرَّتَين فالمسألةُ مِن سِتَّةٍ؛ للبنتِ ثلاثةٌ،

..................................  وللأُمِّ السُّدْسُ سَهْمٌ، والباقي للأبِ، وإن كانا رقيقَين فالمالُ للأبِ، وإن كانتِ البنتُ وحدَها حرَّةً فلها النِّصفُ، والمسألةُ مِن اثْنَين، وإن كانتِ الأمُّ وحدَها حرةً فلها الثُّلُثُ وهي مِن ثلاثةٍ، وكُلُّها تَدْخُلُ في السِّتَّةِ، فتَضْرِبُها في الأرْبَعةِ الأحوالِ تكنْ أربعةً وعشرين؛ للبنتِ سِتَّةٌ وهي الرُّبْعُ؛ لأنَّ لها النِّصْفَ في حالين، وللأُمِّ الثُّمْنُ وهو ثلاثةٌ؛ لأنَّ لها السُّدْسَ في حالٍ والثُّلُثَ في حالٍ، والباقي للأبِ، وتَرْجِعُ بالاختصارِ إلى ثمانيةٍ.

وَإذَا كَانَ عَصَبَتَانِ، نِصْفُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُرٌّ، كَالْأَخَوَينِ، فَهَلْ تُكَمَّلُ الْحُرِّيَّةُ فِيهمَا؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
وَإنْ كَانَ أحدُهُمَا يَحْجُبُ الْآخَرَ؛ كَابْنٍ وَابْنِ ابْنٍ، فَالصَّحِيحُ أنهَا لَا تُكَمَّلُ.

2883 - مسألة: (وإن كان عَصَبَتان، نصفُ كُلِّ واحدٍ منهما حرٌّ، كالأخوين، فهل تُكَمَّلُ الحريةُ فيهما؟ يَحْتَمِلُ وجْهَين.
وإن كان أحَدُهما يحْجُبُ الآخَرَ؛ كابنٍ وابن ابنٍ، فالصَّحيحُ أنَّها لا تُكَمَّلُ)

إذا كان عَصَبتان لا يحْجُبُ أحدُهما الآخرَ، كابْنين نصفُهما حُرٌّ، ففيه وجهان، أحدُهما، تُكَمَّلُ الحرِّيةُ فيهما، بأن تُضَمَّ الحُرِّيةُ مِن أحدِهما

..................................  إلى ما في الآخَرِ منهما، فإن كَمَل منهما واحدٌ، ورِثا جميعًا ميراثَ ابنٍ حُرٍّ؛ لأنَّ نِصْفَيْ شيءٍ شيءٌ كاملٌ، ثم يُقْسَمُ ما وَرِثاه بينَهما على قَدْرِ ما في كُلِّ واحدٍ منهما، فإذا كان ثُلُثا أحدِهما وثُلُثُ الآخَرِ، كان ما وَرِثاه بينَهما أثلاثًا، فإن نَقَص ما فيهما مِن الحُرِّيةِ عن حُرٍّ كامِلٍ، وَرِثا بقَدْرِ ما فيهما، وإن زاد على حُرٍّ واحدٍ وكان الجُزءان فيهما سواءً، قُسِمَ ما يَرِثانِه بينَهما بالسَّويَّةِ، وإنِ اخْتَلَفَا أُعْطِي كُلُّ واحدٍ منهما بقَدْرِ ما فيه.
قال الخَبْرِيُّ: قال الأكثرونَ: هذا قياسُ قولِ عليٍّ، رَضِيَ الله عنه.
والوجهُ الثاني، لا تَكْمُلُ الحُرِّيةُ فيهما؛ لأنَّها لو كَمَلَتْ لم يَظْهَرْ للرِّقِّ أثرٌ وكانا في ميراثِهما

..................................  كالحُرَّينِ.
وإن كان أحدُهما يَحْجُبُ الآخَرَ، فقيلَ: فيهما وجْهان.
والصَّحيح أنَّ الحُريَّةَ لا تَكْمُلُ هاهُنا؛ لأنَّ الشيءَ لا يَكْمُلُ بما يُسْقِطُه، ولا يُجْمَعُ بينَه وبينَ ما يُنافيه.
ووَرَّثَهم بعضُهم بالخِطابَ وتَنْزيلِ الأحْوالِ، وحَجَب بعضَهم ببعضٍ على مثال تَنْزِيلِ الخَناثَى.
وهو قولُ أبي يوسفَ، وقد ذكرناه.
مسائل ذلك: ابنٌ نِصْفُهُ حُرٌّ، له نِصْفُ المالِ، فإن كان معه ابنٌ آخَر نِصْفُه حُرٌّ، فلهما المال، في أحَدِ الوَجْهَين، وفي الآخَرِ، لهما نِصْفُه والباقي للعَصَبَةِ أو لبيتِ المالِ إن لم يكنْ عَصَبَةٌ.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لكُلِّ منهما ثلاثَةُ أثْمانِ المالِ؛ لأنَّهما لو كانا حُرَّين لكان لكلِّ واحدٍ منهما النِّصْفُ، ولو كانا رَقِيقَين لم يكنْ لهما شيءٌ، ولو كان الأكْبَرُ وحْدَه حرًّا كان له المالُ ولا شيءَ للأصْغَرِ، ولو كان الأصْغَرُ وحدَه حُرًّا فكذلك، فلِكُلِّ واحدٍ منهما في الأحوالِ الأربعةِ مالٌ ونِصفٌ، فله رُبْعُ ذلك وهو ثلاثَةُ أثْمانٍ.
فإن كان معهما ابنٌ آخَرُ ثُلُثُه حُرٌّ، فعلى الوَجْهِ الأوَّلِ، يُقْسَمُ المالُ بينَهم على ثمانيةٍ، كما تُقْسَمُ مسألةُ المُباهَلَةِ.
وعلى الثاني، يُقْسَمُ النِّصْفُ بينَهم

..................................  على ثمانيةٍ.
وفيه وَجْهٌ آخرُ، يُقْسَمُ الثُّلُثُ بينَهم أثلاثًا، ثم يُقْسَمُ السُّدْسُ بينَ صاحِبَي النِّصْفَين نِصْفَين.
وعلى تَنْزِيلِ الأحوالِ، يَحْتَملُ أن يكونَ لكُلِّ واحدٍ ممَّن نِصْفُه حُرٌّ سُدْسُ المالِ وثُمْنُه، ولمَن ثُلُثُه حُرٌّ ثُلُثا ذلك، وهو تُسْعُ المالِ ونِصْفُ سُدْسِه؛ لأنَّ لكُلِّ واحدٍ المال في حالٍ ونِصْفَه في حالين وثُلُثَه في حالٍ، فيكونُ له مالان وثُلُثٌ في ثمانيةِ أحوالٍ، فنُعْطِيه ثُمْنَ ذلك وهو سُدْسٌ وثُمْنٌ، ويُعْطَى مَن [ثُلُثُه حُرٌّ] 1 ثُلُثَيه، وهو تُسْعُ المالِ ونِصْفُ سُدْسِه.
ابنٌ حُرٌّ وابنٌ نِصفُه حُرٌّ، المالُ بينَهما على ثلاثةٍ على الوَجْهِ الأوَّلِ.
وعلى الثاني، النِّصفُ بينَهما نصفان والباقي للحُرِّ، فيكون للحُرِّ ثلاثةُ أرباعٍ وللآخَرِ الرُّبْعُ.
ولو نَزَّلْتَهما بالأحوالِ أفْضَى إلى هذا؛ لأنَّ للحُرِّ المال في حالٍ والنِّصْفَ في حالٍ، فله 2 نِصْفُهما، وهو ثلاتةُ أرباعٍ، وللآخَرِ نِصْفُه في حالٍ، فله نِصْفُ ذلك وهو الرُّبْعُ.
ولو خَاطَبْتَهما لقلتَ للحُرِّ: لكَ المالُ لو كان أخوك رقيقًا، ونِصْفُه لو كان حرًّا، فقد حَجَبَك بحُرِّيتِه

..................................  عن النِّصفِ، فبِنِصْفِها يحْجُبُك عن الرُّبْعِ، يَبْقَى لك ثلاثةُ أرباعٍ.
ويقالُ للآخَرِ: لك النِّصفُ لو كنتَ حرًّا، فإذا كان نِصْفُك حُرًّا فلك نِصْفُه، وهو الرُّبْعُ.
ابنٌ ثُلُثاه حُرٌّ وابنٌ ثُلُثُه حُرٌّ، على الأوَّلِ، المالُ بينَهما أثلاثًا.
وعلى الثاني، الثُّلُثُ بينَهما، وللآخَرِ ثُلُثٌ فيكونُ له النِّصفُ، وللآخَرِ السُّدْسُ.
وقيل: الثُّلُثان بينَهما أثلاثًا.
فإنَّا بالخِطابِ نقولُ لمَن ثُلُثاه حُرٌّ: لو كنتَ وحدَك حرًّا كان لك المالُ، ولو كنتما حُرَّين كان لك النِّصفُ، فقد حَجَبَك بحرِّيتِه عن النِّصفِ، فبثُلُثِها يحجُبُك عن السُّدْسِ، يَبْقَى لك خَمْسةُ أسْداسٍ لو كنت حُرًّا، فلك بثُلُثَيْ حريةٍ خَمْسَةُ أتْسَاعٍ.
ويقالُ للآخَرِ: يحجُبُك أخوك بثُلُثَيْ حريةٍ عن ثُلُثَيِ النِّصفِ وهو الثُّلُثُ، يَبْقَى لك الثُلُثان، فله بثُلُثِ حُرِّيتِه ثُلُثُ ذلك، وهو التُّسْعان، ويَبْقَى التُّسْعان لعَصَبَتِه -إن كان- أو ذِي رَحِمٍ، وإلَّا لبيتِ المالِ.
ابنٌ حُرٌّ وبنتٌ نِصفُها حُرٌّ؛ للابنِ خَمْسةُ أسداسِ المالِ، وللبنتِ

..................................  سُدْسُه، في الخِطابِ والتنزِيلِ جميعًا، ومَن جَمَع الحُرِّيَّةَ أفْضَى قولُه إلى أنَّ له أرْبَعَةَ أخْماسِ المالِ، ولها الخُمْس.
فإن كانتِ البنتُ حُرَّةً والابنُ نِصْفُه حُر وعَصَبَهٌّ، فللابنِ الثُلُثُ، ولها رُبْعٌ وسُدْس، ومَن جَمَعَ الحُرِّيةَ فيهما جعل المال بينَهما نصْفَين.
ابنٌ وبنتٌ نصفُهما حُرٌّ وعَصَبَةٌ، فمن جَمعَ الحُرِّيةَ فثلاثةُ أرباعِ المالِ بينَهما على ثلاثةٍ.
وقال بعضُ البَصْرِيين: النِّصْفُ بينَهما على ثلاثةٍ.
ومَن ورَّثَ بالتَّنزِيلَ والأحْوالِ قال: للابنِ المالُ في حالٍ وثُلُثَاه في حالٍ، فله رُبْعُ ذلك، رُبْعٌ وسُدْسٌ، وللبِنْتِ نِصْفُ ذلك، ثُمْنٌ ونِصْفُ سُدْسٍ، والباقي للعَصَبَةِ.
وإن شئتَ قُلتَ: إن قدَّرْناهما حُرَّين فهي مِن ثلاثةٍ، وإن قدَّرنا البنتَ وحدَها حُرَّةً فهي مِن اثْنَين، وإن قدَّرْنا الابنَ وحدَه حُرًّا فالمالُ له، وإن قدَّرناهما رَقِيقَين فالمالُ للعَصَبَةِ، فتَضْرِبُ الاثنَين في ثلاثةٍ تكنْ سِتَّةً، ثم في أربعةِ أحوالٍ تكنْ أربعةً وعشرين؛ فللابنِ المالُ في حالٍ سِتَّة، وثُلُثاه في حالٍ أرْبعةٌ، صار له عشَرةٌ، وللبنتِ النِّصْفُ في

..................................  حالٍ [والثُّلُثُ في حالٍ] 1 خَمْسَةٌ، وللعَصَبَةِ المالُ في حالٍ، ونِصْفُه في حالٍ تِسْعَةٌ، فإن لم تكنْ عَصَبَةٌ، جَعَلْتَ للبنتِ في حالِ حُرِّيَّتِهَا المال كُلَّه بالفَرْضِ والرَّدِّ، فيكونُ لها مالٌ وثُلُثٌ، فيُجْعَلُ لها رُبْعُ ذلك، وهو الثُّلُثُ.
وإن كان معهما امرأةٌ وأُمٌّ حُرّتان كمَلَتِ الحُرِّية فيهما، فحجَبَا الأمَّ إلى السُّدْسِ، والمرأةَ إلى الثُّمْنِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لو انْفَرَدَ لحجَبَ نِصْفَ الحَجْبِ، فإذا اجْتَمعا اجتمعَ الحَجبُ.
ومَن وَرَّثَ بالأحوالِ والتنزِيلَ، قال: للأمِّ السُّدْسُ في ثلاثةِ أحوالٍ، والثُّلُثُ 2 في حالٍ، فلها رُبْعُ ذلك، وهو سُدْسٌ وثُلُثُ ثمْن، وللمرأةِ الثُّمْن في ثلاثَةِ أحوالٍ، والرّبْع في حالٍ، فلها رُبْعُ ذلك، وهو الثُّمْنُ ورُبْعُ الثُّمنِ، وللابنِ الباقي في حالٍ، وثُلُثاه في حالٍ، فله رُبْعُه، وللبِنْتِ ثُلُثُ الباقي في حالٍ، والنِّصفُ في حالٍ، فلها رُبْعُه وإن لم يكنْ في المسألةِ عَصَبَةٌ، فللبِنْتِ بالفَرْضِ والرَّدِّ أحَدٌ وعشرون مِن اثنين وثلاثين، مكانَ النِّصْفِ، وللأمِّ سَبْعَةٌ مكانَ سُدْس، وتصِحُّ المسألةُ إذا لم يكن فيها رَدٌّ بالبَسْطِ مِن مائتين وثمانيةٍ وثمانين سهمًا؛ للأمِّ منها سِتُّون، وللمرأةِ خَمْسَةٌ وأربعون، وللابنِ خَمْسَةٌ وثمانون 3، وللبنتِ ثلاثةٌ وخمسون، والباقي للعَصبَةِ.
وقياسُ

..................................  قولِ مَن جَمَع الحُرِّيةَ في الحجْبِ، أن يَجْمَعَ الحُرِّيةَ في التَّوْرِيثِ، فيكونَ لهما ثلاثةُ أرباعِ الباقي.
وقال ابنُ اللبَّانِ: لهما سَبْعَةَ عَشَرَ مِن ثمانيةٍ وأربعين؛ لأنهما لو كانا حُرَّين لكان لهما سَبعَةَ عَشَرَ مِن أربعةٍ وعشرين، فيكونُ لهما بنصفِ حُرِّيتهما نِصْفُ ذلك.
وهذا غَلَطٌ؛ لأنَّه جَعَل حَجْبَ كُلِّ واحدٍ منهما لصاحبِه بنصفِ حُريته كحَجْبِه إيَّاه بجَميعِها، ولو ساغ 1 ذلك لكان لهما حال انْفرادِهما النِّصْفُ بينَهما مِن غيرِ زيادةٍ.
ابنٌ وأبوان، نِصْف كُلِّ واحدٍ منهما حُرٌّ، إن قدَّرْناهم أحْرارًا فللابنِ الثُّلُثان، وإن قدَّرْناه حُرًّا وحدَه فله المالُ، وإن قدَّرْنا معه أحدَ الأبوَين حرًّا فله خمسةُ أسْداس، فتَجْمَعُ ذلك تَجِدُه ثلاثةَ أموالٍ وثُلُثًا، فله ثُمْنُها، وهو رُبْع وسُدْس، وللأبِ المالُ في حالٍ وثُلُثاه في حالٍ وسُدْساه في حالين، فله ثُمْنُ ذلك رُبْعٌ، وللأمِّ الثُّلُثُ في حالين، والسُّدْسُ في حالين، فلها الثُّمْنُ، والباقي للعَصَبَةِ.
وإن عَمِلْتَها بالبَسْطِ قلتَ: إن قَدَّرْناهم أحْرارًا فهي مِن سِتَّةٍ، وإن قدَّرْنا الابنَ وحْدَه حرًّا فهي مِن سَهْمٍ، وكذلك الأبُ، وإن قدَّرنا الأمَّ وحدَها حُرَّةً، أو 2 قدَّرْناها مع حُرِّيَّةِ الأبِ، فهي مِن ثلاثةٍ، وإن قدَّرْنا الابنَ مع الأبِ أو مع الأُمِّ، فهي مِن سِتَّةٍ، وإن قدَّرْناهم رقيقًا، فالمالُ للعَصَبَةِ، وجميعُ المسائلِ تَدخُلُ في سِتَّةٍ، فتَضْرِبُها في الأحوالِ، وهي ثمانية؛ تكنْ ثمانيةً وأربعين؛ للابنِ

..................................  المالُ في حالٍ سِتَّةٌ، وثُلُثاه في حالٍ أرْبعةٌ، [وخَمْسةُ أسْداسِه في حالين عَشرَةٌ، فذلك عشرون سهمًا مِن ثمانيةٍ وأربعين، وللأبِ المالُ في حالٍ سِتَّة، وثُلُثاه في حالٍ أرْبعةٌ] 1، وسُدْساه في حالين، وذلك اثنا عشَرَ، وللأُمِّ الثُّلُثُ في حالين، والسُّدْسُ في حالين، وذلك سِتَّةٌ وهي الثُّمْنُ.
وإن كان ثُلُثُ كُلِّ واحدٍ منهم 2 حُرًّا، زِدْتَ على السِّتِّ نِصفَها، تَصِرْ تِسْعَةً، وتَضْرِبُها في الثمانيةِ تكنِ اثْنَين وسبعين، فللابنِ عشرون مِن اثنين وسبعين، وهي السُّدْسُ والتُّسْعُ، وللأبِ اثنا عشَرَ، وهي السُّدْسُ، وللأمِّ سِتَّةٌ، وهي نِصفُ السُّدْسِ، ولم تَتَغَيَّر سِهامُهم، وإنَّما صارت مَنْسُوبةً إلى اثْنين وسبعين.
وإن كان رُبْعُ كُلِّ واحدٍ منهم حرًّا، زِدْتَ على السِّتَّةِ مثلَها.
وقيلَ فيما إذا كان نِصْفُ كلِّ واحدٍ منهم حرًّا: للأُمِّ الثُّمْنُ، وللأبِ الرُّبْعُ، وللابنِ النِّصْفُ.
ابنٌ نِصْفُه حُرٌّ وأُمٌّ حُرَّةٌ، للأمِّ الرُّبْعُ، وللابنِ النِّصْفُ.
وقيل: له ثلاثةُ أثْمانٍ، وهو نِصْف ما يَبْقَى.
فإن كان بدلُ الأُمِّ أختًا حُرَّةً، فلها النِّصْفُ.
وقيل: لها نِصْفُ الباقي، لأنَّ الابنَ يحْجُبُها بنِصْفِه عن نِصْفِ فَرْضِها.
فإن كان نِصْفُها حرًّا.
فلها الثُّمْنُ على هذا القولِ، وعلى الأوَّلِ، لها الرُّبْعُ، فإن كان مع الابنِ أخْتٌ مِن أُمٍّ أو أخٌ مِن أُمٍّ، فلكُلِّ واحدٍ منهما نِصف السُّدْسِ، وإن كان معه عَصَبَةٌ حُرٌّ، فله الباقي كُلُّه.

..................................  فصل: ابنٌ نِصْفُه حُرٌّ وابنُ ابن حُر، المالُ بينَهما نِصْفَين في قولِ الجميعِ، إلَّا الثَّوْرِيَّ قال: لابنِ الابنِ الرُّبْعُ؛ لأنَّه محْجوبٌ بنِصْف الابنِ عن الرُّبْعِ.
فإن كان نصفُ الثاني حرًّا فله الرُّبْعُ، وإن كان معهما ابنُ ابنِ ابنٍ نِصْفُه حُرٌّ، فله الثُّمْنُ.
وقيل: للأعْلى النِّصْف، وللثاني النِّصْفُ؛ لأنَّ فيهما حُرِّيةَ ابن.
وهذا قولُ أبي بكرٍ.
وقال سفيانُ: لا شيءَ للثاني والثالثِ؛ لأنَّ ما فيهما مِن الحُريةِ مَحْجُوب بحُريةِ الابنِ.
فإن كان معهم أخ حُر أو غيرُه مِن العَصَباتِ فله الباقي، وإن كان نِصْفُه حرًّا فله نِصْفُ ما بقى، إلَّا على الوَجْهَين الآخَرَين.
ابنٌ نِصْفُه حُر، وابنُ ابنٍ ثُلُثُه حُر، وأخٌ ثَلاثَةُ أرباعِه حُرٌّ؛ للابنِ النِّصْفُ، وللثاني ثُلُثُ الباقي، وهو السُّدْسُ، وللأخ ثلاثةُ أرباعِ الباقي، وهو الرُّبْعُ.
وعلى القولِ الآخَرِ، للابنِ النِّصف، ولابنِ الابنِ الثُّلُثُ، والباقي للأخِ.
ثلاثةُ إخْوَةٍ مُفْتَرِقِين، نِصْفُ كُلِّ واحدٍ حُرّ؛ للأخِ مِن الأم نِصْفُ السُّدْسِ، وللأخِ مِن الأبوَين نِصْفُ الباقي، وللأخِ مِن الأبِ نِصْفُ الباقي، وتصِحُّ مِن ثمانيةٍ وأربعين؛ للأخِ مِن الأم أرْبعةٌ، وللأخِ مِن الأبوَين اثنان وعشرون، وللأخِ مِن الأبِ أحَدَ عَشَرَ.
وعلى القولِ الآخَرِ، للأخِ مِن الأم نِصْفُ سُدْس، وللأخِ مِن الأبوَين النصْفُ، وللاخِ مِن الأبِ ما بَقِيَ.
فإن كان معهم بنتٌ حُرَّة فلها النِّصْفُ، ولا شيءَ للأخَ مِن الأمِّ، وللأخَ مِن الأخَوَين الرُّبْعُ، وللأخ

..................................  مِن الأبِ الثُّمْنُ، والباقي للعَصَبَةِ.
وعلى القولِ الآخَرِ، الباقي للأخِ مِن الأبوَين وحدَه.
فإن كان نِصْفُ البنتِ حرًّا فلها الرُّبْعُ، وللأخِ مِن الأمِّ رُبْعُ السُّدْسِ، وللأخِ مِن الأبوَين نِصْفُ الباقي، وللأخِ مِن الأبِ الباقي.
فصل: بنتٌ نِصْفُها حُرٌّ، لها الرُّبْعُ، والباقي للعَصَبَةِ، فإن لم يكنْ عَصَبةٌ فلها النصْفُ بالفَرْضِ والرَّدِّ، والباقي لذِي الرَّحِمِ، فإن لم يكنْ، فلبيتِ المالِ.
فإن كان معها أمٌّ حُرَّةٌ، فلها الرُّبْعُ، لأنَّ البنتَ الحُرَّةَ تحْجُبُها عن السُّدْسِ، فنِصْفُها يحْجُبُها عن نِصْفِه.
وإن كان معها امرأة، فلها الثُّمْنُ ونِصْفُ الثُّمْنِ.
وإن كان معها أخٌ مِن أمٍّ، فله نِصْفُ السُّدْسِ.
فإن كان معها بنتُ ابنٍ، فلها الثُّلُثُ، لأنَّها لو كانت كُلُّها رَقِيقَةً لكان لبنتِ الابنِ النِّصْفُ، ولو كانت حُرَّةً لكان لها السُّدْسُ، فقد حجَبَتْها حُرِّيتُها عن الثُّلُثِ، فنِصْفُها يحْجُبُها عن السُّدْسِ.
وكلُّ مَن ذكرنا إذا كان نصفه حرًّا، فله نِصْفُ ما له في الحُرِّيةِ، فإن كان ثُلُثُه حُرًّا، فله ثُلُثُه.
فإن كان معها بنتٌ أخْرَى حُرَّةٌ، فلهما رُبْعُ المالِ وثُلُثُه بينَهما على ثلاثةٍ عندَ مَن جمَعَ الحُرّيةَ فيهما؛ لأنَّ لهما بحُرِّيةٍ نصفًا وبنصفِ حُرِّيةٍ نصف كمالِ الثُّلُثَين.
وفي الخِطابِ والتنزِيلِ، للحُرَّةِ رُبْعٌ وسُدْسٌ، وللأخْرَى سُدْسٌ، لأنَّ نصفَ إحْداهما يَحْجُبُ الأخْرَى الحُرَّةَ عن نصفِ السُّدْسِ، فيَبْقَى لها رُبْعٌ وسُدْسٌ، والحُرَّةُ تحْجُبُها عن سُدْس كامل، فيَبْقَى لها سُدْسٌ.
فإن كان نِصْفُهما رَقِيقًا ومعهما عَصَبَةٌ، فلهما رُبْعُ المالِ وسُدْسُه بينَهما؛ لأنَّهما لو كانتا حرَّتَين لكان لهما الثُّلُثان، ولو كانتِ الكُبْرَى وحْدَها حُرَّةً كان

..................................  لها النِّصْفُ، وكذلك الصُّغْرَى، ولو كانتا أمَتَين كان المالُ للعَصَبَةِ، فقد كان لهما مالٌ وثُلُثان، فلهما رُبْعُ ذلك، وهو رُبْعٌ وسُدْسٌ.
وطَرِيقُهما 1 بالبَسْطِ أن تقولَ: لو كانَتا حُرَّتَين فالمسألةُ مِن ثلاثةٍ، وإن كانتِ الكُبْرَى وحدَها حُرَّةً فهي مِن اثْنَين، وكذلك إذا كانتِ الصُّغْرَى وحدَها حُرَّةً، وإن كانَتا أمَتَين فهي مِن سَهْمٍ، فتَضْرِبُ اثْنَين في ثلاثةٍ تكنْ 2 سِتَّة، ثم في الأحْوالِ الأرْبعةِ، تكنْ أرْبعةً وعشرين؛ للكُبْرَى نِصْفُ المالِ في حالٍ ثلاثةٌ، وثُلُثُه في حالٍ سَهْمَانِ، صار لها خمسةٌ مِن أربعةٍ وعشرين، وللأخْرَى مثلُ ذلك، وللعَصَبَةِ المالُ في حالٍ، والنِّصْفُ في حالين، والثُّلُثُ في حالٍ، وذلك أربعةَ عشَرَ سَهْمًا مِن أربعةٍ وعشرين سَهْمًا.
ومَن جَمَعَ الحُرِّيةَ فيهما جعل لهما النِّصْفَ والباقيَ للعَصَبَةِ.
فإذا لم تكنْ عَصَبَة، نزَّلْتَهما على تَقْديرِ الرَّدِّ، فيكونُ حُكْمُهما حُكْمَ اثْنَين نِصْفُ كلِّ واحدٍ منهما حُر، على ما بَيَّناه.
ثلاثُ بناتِ ابن مُتنَازلاتٍ، نِصْفُ كلِّ واحدةٍ حُر وعَصَبَة، للأولَى الرُّبْعُ، وللثانيةِ السُّدْسُ، لأنَّها لو كانت حُرَّةً كان لها الثُّلُثُ، وللثالثةِ نِصْفُ السُّدْسِ في قولِ البَصْرِيِّين؛ لأنَّك تقولُ للسُّفْلَى: لو كانتا أمَتَين كان لكِ النِّصْفُ، ولو كانت إحْداهما حُرَّةً كان لكِ السُّدْسُ، فنِصْفُهما ثُلُث، فتَحْجُبُكِ العَلْياءُ عن رُبْع والثانيةُ عن نِصفِ سُدْس، فيَبْقَى لكِ

..................................  سُدْسٌ لو كنتِ حُرَّةً، فإذا كان نِصْفُك حُرًّا، كان لكِ نِصْفُه.
وفي التنزِيلِ، للثالثةِ نِصْفُ الثُّمْنِ وثُلُثُه؛ وذلك لأنَّنا لو نَزَّلْنا كلَّ واحدةٍ حُرَّةٍ وحْدَها، كان لها النِّصْفُ.
فهذه ثلاثةُ أحْوالٍ مِن اثْنَين اثْنَين.
ولو كُنَّ إماءً كان المالُ للعَصَبَةِ.
ولو كُنَّ أحْرارًا كان للأولى النِّصْف، وللثانيةِ السدْسُ، والثُّلُثُ للعَصَبَةِ.
ولو كانت الأولَى والثانية حُرَّتَين، فكذلك.
ولو كانتِ الثانيةُ والثالثةُ حُرَّتَين، فللثَّانيةِ النِّصْفُ، وللثالثَةِ السُّدْسُ، والثُّلُثُ للعَصَبَة.
فهذه أربعةُ أحوالٍ مِنٍ ستةٍ سِتَّة.
والمسائلُ كُلُّها تَدْخُلُ فيها، فتَضْرِبُها في ثمانيةِ أحوْالِ تكنْ ثمانية وأربعين، للعُلْيا النِّصْفُ في أربعةِ أحوالٍ، اثنا عَشَرَ، وهي الرُّبْعُ، وللثَّانيةِ النّصفُ في حالين، والسُّدْسُ في حالين، وهي ثمانيةٌ، وذلك هو السُّدْسُ، وللثّالثةِ النِّصْفُ في حالٍ، والسُّدْسُ في حالين، وهي خَمْسةٌ، وهي نِصْفُ الثُّمْنِ وثُلُثُه.
وقال قوم: تُجْمَعُ الحُرِّيةُ فيهنَّ، فيكونُ منهنَّ حُرية ونِصف، لهنَّ بها ثُلُث ورُبْعٌ، للأولى والثانيةِ رُبْعان، وللثّالِثَة نصْف سُدْس، فإن كان معهنَّ رابعةٌ كان لها نِصْفُ سُدْس آخرُ.
ثلاثُ أخَواتٍ مُفْتَرِقاتٍ نِصْفُ كل واحدةٍ حُرٌّ، وامٌّ حُرّةٌ وعَمٌّ؛ للتي مِن قِبَلِ الأبوين الرُّبْعُ، وللتي مِن قِبَل الأبِ السُّدْسُ 1، وللتي مِن قِبَلِ الأم نصفُ السُّدْسِ، وللأمِّ الثُّلُثُ؛ لأنَّها لا تَنْحَجِبُ إلَّا باثْنَين مِن الإِخْوَةِ

..................................  والأخَوَاتِ، ولم تَكْمُلِ الحُرِّيةُ [في 1] اثْنَتَين، وللعَمِّ ما بَقِيَ.
وهكذا لو كانت أختٌ حُرَّةٌ وأخرى نِصْفُها حُرٌّ وأمٌ حرةٌ، فللأمِّ الثُّلُثُ؛ لما ذكرناه.
وقال الخَبْرِيُّ: للأمِّ الرُّبْعُ.
وحَجَبَها بالحُرِّ، كما تُحْجَبُ بنصفِ البنتِ، والفرقُ بينَهما أنَّ الحَجْبَ بالولَدِ غَيرُ مُقدَّرٍ، بل هو مُطْلَقٌ في الولدِ والجُزءِ مِنه، وفي الإِخْوةِ مقدَّرٌ باثنينِ، فلا يثبتُ بأقلَّ منهما، ولذلك لم تُحْجَبْ بالواحدِ عن شيءٍ أصْلًا.
وهذا قولُ ابنِ اللبَّانِ.
وحَكَى القولَ الأوَّلَ عن الشَّعْبِيِّ وقال، هذا غَلَطٌ.
وفي البابِ اختلاف كثيرٌ وفروعٌ قلَّما تَتَّفِقُ، وقَلَّ مسألة تجئُ إلَّا ويُمْكِنُ عملُها بقياسِ ما ذكَرْنا.

بَابُ الوَلَاءِ

بابُ الولاءِ الأصْلُ فيه قولُه تعالى: ﴿فَإِنْ لَمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ﴾ 1. يعني الأدْعِياءَ.
وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّما الولَاءُ لِمَنْ أعْتَقَ».
مُتَّفقٌ عليه 2. وعن ابنِ عمرَ قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيع الوَلَاءِ وهِبَتِه 3. وقال - عليه السلام -: «لَعَنَ الله مَنْ تَوَلَّى غيرَ مَوَاليهِ» 4.

كُلُّ مَنْ أعتَقَ عَبْدًا، أَوْ عَتَقَ عَلَيهِ بِرَحِمٍ، أَوْ كِتَابَةٍ، أَوْ تَدْبِيرٍ، أو اسْتِيلَادٍ، أو وَصِيَّةٍ بِعِتْقِهِ، فَلَهُ عَلَيهِ الْوَلَاءُ، وَعَلَى أولَادِهِ مِنْ زَوْجَةٍ مُعْتَقَةٍ، أوْ مِنْ أَمَتِهِ، وَعَلَى مُعْتِقِيهِ وَمُعْتِقِي أَوْلَادِهِ وَأوْلَادِهِمْ وَمُعْتِقِهمْ، أبَدًا مَا تَنَاسَلُوا.
قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديث حسن صحيح.
وقال - صلى الله عليه وسلم -: «مَوْلَى القَوْمِ مِنْهُم» 1. [حديث صحيح] 2. وروَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن [عبد الله] 3 ابنِ أبي أوْفَى، قال: قال لي النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الولَاءُ لُحْمَة كَلُحْمَةِ النَّسَبِ، لا يُبَاعُ ولا يُوهَبُ» 4.

2884 -

مسألة: (كل مَن أعْتَقَ عبدًا، أو عَتَق عليه برَحِمٍ، أو كِتابَةٍ، أو تَدْبيرٍ، أو اسْتِيلادٍ، أو وصيةٍ بعتقِه، فله عليه الولاءُ، وعلى أولادِه مِن زوجةٍ مُعْتَقَةٍ أو مِن أمتِه، وعلى مُعْتَقِيه ومُعْتَقِي أولادِه وأولادِهم

..................................  ومُعْتَقِهم، أبدًا ما تناسَلُوا) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ مَن أعْتَقَ عبدًا أو عَتَقَ عليه، ولم يُعْتِقْه سائِبَةً 1، ولا مِن زكاتِه أو نذْرِه أو كفَّارَتِه، أنَّ له عليه الولاءَ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الولَاءُ لمَنْ أعْتَقَ».
متفق عليه.
فصل: وإن أعْتَقَ حَرْبِيٌّ حَرْبِيًّا فله عليه الولاءُ؛ لأنَّ الولاءَ مُشبَّهٌ بالنَّسَبِ، والنَّسبُ ثابت بينَ أهلِ الحَرْبِ، فكذلك الولاءُ.
وهذا قولُ عامةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أهلَ العراقِ، فإنَّهم قالوا: العِتْقُ في دارِ الحربِ والكِتابَةُ والتَّدْبيرُ لا يَصِحُّ.
ولَنا، أن مِلْكَهُم ثابتٌ، بدليلِ قولِ الله تعالى: ﴿وَأَوْرَثَكُمْ أَرْضَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَأَمْوَالهُمْ﴾ 2. فنَسَبَها إليهم، فصَحَّ عِتْقُهُم، كأهلِ الإِسلامِ، وإذا صَحَّ عِتْقُهُم ثبتَ الولاءُ لَهُم؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «الولَاءُ لمَنْ أعْتَقَ».
فإن جاءَنا المُعْتَقُ مُسْلِمًا، فالوَلَاءُ بحالِه.
وإن سُبِيَ مَوْلَى النِّعْمَةِ، لم يَرِثْ ما دام عبدًا، فإن أُعْتِقَ، فعليه الوَلَاءُ لمُعْتِقِه، وله الوَلَاءُ على عَتِيقِه.
وهل يَثْبُتُ لمُعْتِقِ السيِّدِ وَلَاءٌ على مُعْتَقِه؟

..................................  يَحْتَمِلُ أن يثْبُتَ، لأنَّه مَوْلَى مَوْلاهُ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يثْبُتَ؛ لأنَّه ما حَصَل مِنه إنْعامٌ عليه ولا سَبَبٌ لذلك.
فإن كان الذي اشْتَراه مَوْلاه فأعْتَقَه، فكلُّ واحدٍ مِنهما مَوْلَى صاحبِه, يَرِثُه بالولاءِ.
وإن أسَرَه مَوْلاه فأعْتَقَه، فكذلك.
فإن أسَرَه مَوْلَاه وأجْنَبِيٌّ فأعْتَقَاه، فولاؤه بَينَهما نِصْفَين.
فإذا مات بعدَه المُعْتِقُ الأوَّلُ، فلشَرِيكِه نِصْفُ مالِه، لأنَّه مَوْلَى نِصْفِ مَولَاه، على أحدِ الاحْتِمالين.
والآخَر، لا شيءَ له؛ لأنَّه لم يُنْعِمْ عليه.
وإن سُبِيَ المُعْتَقُ فاشْتَراه رجلٌ فأعْتَقَه، بَطَل ولاءُ الأوَّلِ، وصارَ الوَلَاءُ للثاني.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وقيلَ: الوَلَاءُ بَينَهُما.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّه ليس أحَدُهما أولَى مِن الآخَرِ.
وقِيلَ: الوَلَاءُ للأوَّلِ؛ لأنَّه أسْبَقُ.
ولَنا، أنَّ السَّبْيَ يُبْطِلُ مِلْكَ الحرْبِيِّ الأوَّلِ، فالولاءُ التابع له أوْلَى.
ولأنَّ الوَلاءَ بَطَل باسْتِرْقاقِه، فلم يَعُدْ بإعْتاقِه.
وإن أعْتَقَ ذِمِّيٌّ عَبْدًا كافِرًا، فهَرَب إلى دارِ الحَرْبِ فاسْتُرِقَّ، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ فيما إذا أعْتَقَه الحرْبِيُّ سَواءً.

..................................  وإن أعْتَقَ مُسْلِمٌ كافِرًا، فَهَرَبَ إلى دارِ الحرْبِ ثم سَبَاهُ المسلمون، فذَكَرَ أبو بكرٍ، والقاضِي، أنَّه لا يجوزُ اسْتِرْقاقُه.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ في اسْتِرْقاقِه إبْطال ولاءِ المسلمِ المَعْصُومِ.
قال ابنُ اللبَّانِ: ولأنَّ له أمانًا بعِتْقِ المسلمِ إيَّاه.
قال شيخُنا 1: والصَّحِيحُ، إن شاءَ الله، جَوازُ اسْتِرْقاقِه؛ لأنَّه كافر أصْلِيٌّ كِتابِيٌّ، فجازَ اسْتِرْقاقُه، كمُعْتَقِ الحَرْبِيِّ وكغيرِ المُعْتَقِ.
وقولُهم: في اسْتِرْقاقِه إبْطَالُ وَلَاءِ المُسْلِم.
قُلْنا: لا نُسَلِّمُ، بل متى أُعْتِقَ عاد الولاءُ للأوَّلِ، وإنَّما امْتَنَعَ عَمَلُه في حالِ رِقِّهِ لمانِعٍ، وإن سَلَّمْنا أنَّ فيه إبْطَال ولائِه، ولكنَّ ذلك غيرُ مُمْتَنِع، كما لو قُتِلَ بكُفْرِه فإنَّه يَبْطُلُ وَلَاؤه به، فكذلك بالاسْتِرْقاقِ، ولأنَّ القرابَةَ يَبْطُلُ عَمَلُها بالاسْتِرْقاقِ، فكذلك الولاءُ 2. وقولُ ابنِ اللَّبَّانِ: له أمانٌ.
لا يصِحُّ؛ فإنَّه لو كان له أمانٌ لم يَجُزْ قَتْله ولا سَبْيُه.
فعلى هذا، إنِ اسْتُرِقَّ، احْتَمَلَ أن يكونَ الوَلَاءُ للثاني؛ لأنَّ الحُكْمَين إذا تنافَيَا كان الثابِتُ هو الآخِرَ منهما، كالنَّاسِخِ والمَنْسُوخِ.
واحْتَمَلَ أن يكونَ للأوَّلِ؛ لأنَّ ولاءَه ثَبَتَ وهو معصومٌ، فلا يزُولُ بالاسْتِيلاءِ، كحقيقةِ المِلْكِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه بينَهما، وأيهما مات كان للثَّاني.

..................................  وإن أعتَقَ مُسْلِمٌ مُسْلِمًا، أو أعتَقَه ذِمِّيٌّ، فازتَدَّ ولَحِقَ بدارِ الحربِ، فسُبِيَ، لم يَجُزِ اسْتِرقاقُه.
وإنِ اشْتُرِيَ فالشِّراءُ باطِل، ولا يُقْبَلُ منه إلَّا التَّوْبةُ أو القَتْلُ.

2885 -

مسألة: (أو عَتَق عليه بِرَحِم)

يعني إذا مَلَكَه فعَتَقَ عليه بالمِلْكِ، كان له وَلَاوه؛ لأنَّه يَعتِقُ مِن مالِه بسببِ فِعْلِه، فكان ولاوه له، كما لو باشَرَ عِتْقَه.
وسواءٌ مَلَكَه بشراءٍ أو هِبَةٍ أو إرثٍ أو غَنِيمَةٍ أو غيرِه، لا نعلَمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه اخْتِلافًا (أو كتابةٍ، أو تدبير) يعني إذا كاتَبَه فأدَّى إلى مُكاتِبِه وعتَقَ، أو عَتَقَ بالتدبيرِ، فولاؤه لسيِّدِه، في قولِ عامةِ الفقهاءِ.
وبه يقولُ الشافعيُّ وأهلُ العراقِ.
وحَكَى ابنُ سُراقَةَ، عن عمرِو بن دِينار، وأبي ثَوْرٍ، أنَّه لا وَلاءَ على المُكاتَبِ؛ لأنَّه اشْتَرَى نَفسَه مِن سَيِّدِه، فلم يكنْ له عليه وَلاء، كما لو اشْتَراه أجْنَبِيٌّ فأعتَقَه.
وكان قَتادَةُ يقولُ: مَن لم يَشْتَرِطْ ولاءَ المُكاتَبِ فللمُكاتَبِ أن يُوالِيَ مَن يشاءُ.
وقال مكحولٌ: أمَّا المُكاتَبُ إذا اشْتَرَط ولاءَه مع رَقَبَتِه، فجائِزٌ.
ولَنا، أنّ السيدَ هو المُعتِقُ للمُكاتَبِ؛ لأنَّه يَبِيعُه بمالِه، ومالُه وكَسْبُه

..................................  لسيدِه، فجَعَلَ ذلك له، ثم باعَه به حتى عَتَقَ، قكان هو المُعتِقَ، وهو المُعتِقُ للمُدَبَّر أيضًا بلا إشْكالٍ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «الوَلَاءُ لمَنْ أعتَقَ».
ويدُلُّ على ذلك أنَّ المُكاتَبِينَ يدعَوْنَ مَوَالِيَ مُكاتِبيهِم، فيُقالُ: أبو سعيدٍ مَوْلَى أبي اسَيدٍ، وسِيرِينُ مَوْلَى أنس، وسليمانُ بنُ يَسارٍ مَوْلَى مَيمونَةَ.
وكانوا مُكاتَبِينَ.
ويدُلُّ على ذلك حَدِيثُ بَرِيرَةَ، أنَّها جاءَتْ إلى عائِشَةَ فقالت: يا أمَّ المؤمنينَ، إنِّي كاتبتُ أهْلِي على تِسْعِ أواقٍ فأعِينيني.
فقالت عائشةُ: إن شاءوا عَددتُ لهم عَدَّةً واحِدَةً ويكونُ ولأوكِ لي، فَعَلْتُ.
فأبَوْا أن يَبِيعُوها إلَّا أن يكونَ الوَلَاءُ لهم، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «اشْتَرِيها واشْتَرِطِي لَهُم الوَلَاءَ» 1. وهذا يدُلُّ على أنَّ الوَلاءَ كان لهم لو لم تَشْتَرِها مِنهم عائشة.
فصل: وإنِ اشْتَرَى العبْدُ نَفْسَه مِن سيدِه بعِوَض حال، عَتَقَ، والوَلَاءُ لسيدِه؛ لأنّه يَبِيعُ ماله بمالِه، فهو مِثلُ المكاتَبِ سَواءً، والسيدُ هو المُعتِقُ

..................................  لهما، فكان الوَلَاءُ له عليهما.

2886 -

مسألة: (أو استيلادٍ، أو وصيةٍ بعتقِه)

يعني إذا عَتَقَتْ أمُّ الولَدِ بموتِ سيدِ بها، فوَلَاؤها له يَرِثُها أقْرَبُ عَصَبَتِه.
وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، رضِيَ الله عنهما.
وبه قال عامَّةُ الفُقَهاءِ.
وقال ابنُ مسعودٍ: تعتِقُ مِن نَصيبِ ابنِها، فيكونُ ولاؤها له.
ونحوُه عن ابنِ عباس.
وعن علي: لا تَعتِقُ ما لم يُعتِقْها، وله بَيعُها.
وبه قال جابرُ بنُ زيدٍ، وأهلُ الظاهِرِ.
وعن ابنِ عباس نحوُه.
ولذكْرِ الدَّلِيلِ على ذلك موضِع يُذْكَرُ إن شاءَ اللهُ تعالى في بابِه.
ولا خلافَ بينَ القائلينَ بعِتْقِها أنَّ ولاءَها لمَن عَتَقَتْ عليه.
ومذْهبُ الجُمهورِ أنَّها تعتِقُ بموتِ سيدِها مِن رأسِ المالِ، فيكونُ وَلاؤها له؛ لأنَّها عَتَقَتْ بِفِعلِه مِن مالِه، فَكان ولاؤها له، كما لو عَتَقَتْ بقولِه.
ويَخْتَصُّ وَلَاؤها للذكورِ 1 مِن عَصَبَةِ السيدِ، كالمُدَبَّرِ والمُكاتَبِ.
فصل: ومن أوْصَى أن يُعْتَقَ عنه بعدَ مَوتِه، فأعتِقَ، فالوَلَاءُ له.
وكذلك إن أوْصَى به ولم يَقُلْ: عنى.
فأعتِقَ، كان الولاءُ له؛ لأنَّ الإِعتَاقَ عنه مِن مالِه.
فإن أُعتِقَ عنه ما يَجِبُ عِتْقُه، ككَفَّارةٍ ونحوها، فَفِيه اخْتِلافٌ نَذْكُرُه إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ويَثْبُتُ الوَلاءُ للمُعتِقِ على المُعتَقِ؛ لما ذَكرنا.
وعلى أولادَه مِن زوجةٍ مُعتَقَةٍ أو مِن أمَتِه؛ لأنَّه وليُّ نِعمَتِهم، وعِتْقُهم بسَبَبِه.
ولأنَّهم

وَيَرِثُ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْعَصَبَةِ مِنَ النَّسَبِ.
فَرعٌ، والفرعُ يتْبَعُ أصلَه، بشَرطِ أن يكونُوا مِن زوجَةٍ مُعتَقَةٍ أو مِن أمَتِه.
فإن كانت أمُّهم حرةَ الأصلِ، فلا وَلاءَ على وَلَدِها؛ لأنَّهم يَتْبَعونها في الحريةِ والرِّقِّ، فيَتْبَعونها في عدَمِ الولاءِ، إذ ليسَ عليها ولاءٌ.
وكذلك إن كان أبوهم حُرَّ الأصلِ، إذا لم يَمسَسْهُم رِقّ.
فإن كان قد ثَبَت عليهم (1) مِلْكٌ فأعتِقُوا، فوَلَاوهم لمُعتِقِهم؛ للحديثِ وهو قولُه عليه الصَّلاةُ والسلامُ: «الولاءُ لمَنْ أعتَقَ».
ويثْبُتُ الوَلَاءُ للمُعتِقِ على مُعتَقِي معتَقِيه (2)، ومُعتَقِي أولادِه، ومُعتَقِهِم أبدًا ما تناسَلُوا؛ لأنَّه وَلِي نعمَتِهم، وبسبَبِه عَتَقُوا، فأشْبَه ما لو باشَرَهم بالعِتْقِ.

2887 -

مسألة: (ويَرِثُ به عندَ عدَمِ العَصَبةِ مِن النَّسبِ)

فمتى كان للمُعتَقِ عَصَبَةٌ أو [ذو فَرض] 3، وتَسْتَغْرِقُ 4 فُرُوضُهم المال، فلا شيءَ للمَوْلَى، لا نَعلَمُ في هذا خِلافًا.
فإن لم يكنْ له عَصَبَة ولا ذُو فَرض يَرِثُ المال كلَّه، فهو للمَوْلَى.
وإن كان ذو الفَرضِ لا يَرِثُ جميعَ المالِ، فالباقي للمَوْلَى؛ لِما روَى الحسن، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «المِيراثُ للعَصَبَةِ، فإنْ لم يَكُنْ عَصَبَة فللمَوْلَى» 5. وعنه، أنَّ رجُلًا أعتَقَ12

ثُمَّ يَرِثُ بِهِ عَصَبَاتُهُ مِنْ بعدِهِ، الأقْرَبُ فَالأقْرَبُ،  عبدًا، فقال للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ما ترى في مالِه؟ قال: «إنْ ماتَ ولم يَدَع وارثًا فهو لكَ» (1). ولأنَّ النَّسبَ أقْوَى مِن الوَلَاءِ، بدَلِيلِ أنَّه يَتَعَلَّقُ به التَّحرِيمُ، والنَّفَقَةُ، وسُقُوطُ القِصاصِ، ورَدُّ الشَّهادةِ، ولا يَتَعَلَّقُ ذلك بالوَلاءِ.

2888 -

مسألة: (ثم يَرِثُ به عَصَباتُه الأقْرَبُ فالأقْرَبُ)

وجملةُ ذلك، أنَّ العَتِيقَ إذا لم يُخَلِّفْ مِن نَسَبِه مَن يَرِثُه، كان مالُه لمَوْلَاه.
فإن كان مَولَاه مَيِّتًا فهو لأقرَبِ عَصَبَتِه، سواء كان ولدًا، أو أخًا، أو عمًّا، أو أبا، أو غيرَه مِن العَصَباتِ، وسواء كان المُعتِقُ ذكرًا أو أنثى.
فإن لم يكنْ له عَصَبة مِن أقاربِهِ كان الميراثُ لمَوْلاه، ثم لعَصَباتِه الأقْرَبِ فالأقْرَبِ، ثم لمَوْلاه، وكذلك أبدًا.
رُوِيَ هذا عن عمرَ، رضِيَ الله عنه.
وبه قال الشَّعبِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقتادةُ، ومالك، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيّ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ وصاحباه.
ورُوِيَ عن علي، رضِيَ الله عنه، ما يدُلُّ على أنَّ مذهبَه في امرأةٍ ماتت وخَلَّفَتِ ابْنَها وأخاها، أو ابنَ أخيها، أنَّ ميراثَ مَواليها لأخِيها وابنِ أخيها، دُونَ ابْنِها.
ورُوِيَ عنه الرُّجوعُ إلى مثلِ قولِ الجماعةِ، فرُوِيَ عن إبراهيمَ، أنَّه قال: اخْتَصَمَ عليٌّ والزُّبَيرُ،1

..................................  في مَوالِي صَفِيَّةَ بنتِ عبدِ المُطَّلب، فقال على: أنا أحَقُّ بهم، أنا أرِثُهم وأعقِلُ عنهم.
وقال الزُّبَيرُ: هم مَوالِي أمِّي، وأنا أرِثُهم.
فقَضى عمرُ للزُّبَيرِ بالمِيراثِ، والعَقْلِ على عليٍّ.
رَواه سعيدٌ 1، [قال: نا] 2 أبو معاويةَ، نا 3 عُبَيدَةُ الضَّبِّيُّ، عن إبراهيمَ.
وقال: ثنا هُشَيم، ثنا الشَّيبانيُّ، عن الشَّعبِيِّ، قال: قَضَى بوَلاءِ مَوالِي صَفِيَّةَ للزُّبَيرِ دُونَ العباسِ، وقَضَى في أمِّ هانِيء، بنتِ أبي طالبٍ لابنِها جَعدَةَ بنِ هُبَيرَةَ دُونَ علي.
وروَى الإمَامُ 4 بإسنادِه عن زيادِ بنِ أبي مريمَ، أنَّ امرأةً أعتَقَتْ عبدًا لها، ثم توُفِّيَتْ وتَرَكَتِ ابنًا لها وأخاها، ثم توُفيَ مَوْلاها مِن بعدِها، فأتى أخو المرأةِ وابنُها رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في مِيراثِه، فقال - عليه السلام -: «ميراثُه لابنِ المرأةِ».
فقال أخوها: يا رسولَ اللهِ: لو جَرَّ جَرِيرَةً كانت عليَّ، ويكونُ مِيراثُه لهذا! قال: «نعم».
وروَى 5 بإسنادِه عن سعيدِ

..................................  ابنِ المسيَّبِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المَوْلَى أخٌ في الدِّينِ، ومَوْلَى نِعمَةٍ، يَرِثُه أوْلَى النَّاسِ بالمُعتِقِ».
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ المُعتِقَةَ [إذا ماتت و] 1 خَلَّفَتِ ابنَها وأخاها، أو ابنَ أخيها، ثم مات مَوْلَاها، فمِيراثُه لابنِها، وإن مات ابنُها بعدَها وقبلَ مَوْلَاها، وتَرَكَ عَصَبَةً كأعمامِه وبَنِي أعمامِه، ثم مات العبدُ وتَرَكَ أخا مَوْلاتِه وعَصَبةَ ابنِها، فميراثُه لأخِي مَوْلاتِه، لأنَّه أقْربُ عَصَبةِ المُعتِقِ، فإنَّ المرأةَ لو كانت هي المَيتةَ لوَرِثَها أخوها وعَصَبَتُها.
فإنِ انْقَرَضَ عَصَبَتُها، كان بيتُ المالِ أحَقَّ به مِن عَصَبةِ ابنِها.
يُروَى هذا عن علي.
وبه قال أبانُ بنُ عثمانَ، وقَبِيصَةُ بنُ ذُؤيبٍ 2، وعطاء، وطاوس، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ، ومالك، والشافعيُّ، وأهلُ العراقِ.
ورُوِيَ عن علي رواية أخْرَى، أنَّه لعَصَبةِ الابنِ.
ورُوِيَ ذلك عن عمرَ، وابنِ عباس، وسعيدِ بنِ المسيَّبِ.
وبه قال شُرَيح.
وهذا مبْنِيٌّ على أنَّ الوَلاءَ يُورَثُ؛ يُورَثُ المالُ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ نحوُ هذا.
واحتَجُّوا بأنَّ عمرَو بنَ شُعَيبٍ روَى عن أبِيه عن جَدِّه، أنَّ رِئَابَ 3 بنَ حُذَيفَةَ تَزَوَّجَ امرأةً، فولَدَتْ له ثلاثةَ غِلْمةٍ، فماتَتْ أمُّهم، فوَرِثُوا عنها ولاءَ مَوالِيها، وكان عمروُ بنُ العاصِ عَصَبةَ بنيها، فأخْرَجَهُم إلى الشامِ، فماتوا، فقَدِمَ عَمْرُو بنُ العاصِ، ومات مَوْلاها

..................................  وتَرَك مالًا، فخاصَمه إخْوَتُها إلى عمرَ، فقال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «ما أحرَزَ الوَالِدُ والوَلَدُ فَهُوَ لعَصَبَتِه مَنْ كَانَ».
قال: وكَتَب له كتابًا فيه شَهادَةُ عبدِ الرحمنِ بنِ عوفٍ وزيدِ بنِ ثابتٍ ورجُل آخَرَ، فنحنُ فيه إلى الساعةِ.
رَواه أبو داودَ، وابنُ ماجَه 1. والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ فإن الولاءَ لا يُورَثُ، على ما نَذْكُرُه، إن شاء اللهُ تعالى، وإنما يُورَثُ به، وهو باقٍ للمعتِقِ، يَرِثُه به أقْرَبُ عَصَباتِه، ومَن لم يكنْ مِن عَصَبةِ أمِّهِ لم يَرِث شيئًا، وعَصَبةُ الابنِ غيرُ عَصَبَةِ أمِّه، فلا يَرِثُ الأجانِبُ منها بولائها دُونَ عَصَباتِها.
وحديثُ عَمرِو بنِ شُعَيبٍ غَلَطٌ.
قال أحمدُ 2: الناسُ يُغَلِّطُونَ عَمرَو بنَ شُعَيبٍ في هذا الحديثِ.
فعلى هذا، لا يَرِثُ المَوْلَى العَتِيقَ مِن أقاربِ مُعتِقِه إلَّا عَصَباتُه، الأقْرَبُ منهم فالأقْربُ، على ما ذكرنا في ترتيبِ العَصَباتِ.
ولا يَرِثُ ذو فرضٍ بفَرضِه، ولا ذو رَحِم، إلَّا أن يكونَ الأبُ والجَدُّ مع البَنِينَ، والجَدُّ مع الإِخْوَةِ على ما نذكرُه.
فإنِ اجْتَمَعَ لرجل مِنهم فَرضٌ وتعصيبٌ، كالأبِ والجَدِّ، والزوجِ والأخ مِن الأمِّ إذا كانا ابنَيْ عَمٍّ، وَرِثَ بما فيه مِن التَّعصيبِ دُونَ الفَرضِ.
فإن كان 3 عَصَباتٌ في دَرَجَةٍ واحِدَةٍ، كالبَنِينَ وبَنِيهم، والإِخوةِ وبَنِيهم،

وَعَنْهُ فِي الْمُكَاتَبِ إِذَا أدَّى إِلَى الْوَرَثَةِ، أنَّ وَلَاءَهُ لَهُم، وَإنْ أَدَّى إِلَيهِمَا فَوَلَاؤهُ بَينَهُمَا.
والأعمامِ وبَنِيهم، اقْتَسَمُوا المراثَ بالسَّويَّةِ.
وهذا كُلُّه لا خلافَ فيه سوى ما ذكرنا مِن الأقوالِ الشَّاذَّةِ.
فصل: ويُقَدَّمُ المَوْلَى في الميراثِ على الرَّدِّ وذَوي الأزحام، في قول جُمهورِ العُلماءِ مِن الصحابةِ والتابعينَ ومَن بعدَهم.
فإذا مَات رجل فخَلَّفَ بِنتَه ومَوْلاه، فلبِنْتِه النصفُ، والباقي لمَوْلاه.
كان خَلَّفَ ذا رَحِم ومَوْلَاه، فالمالُ لمَوْلاه خاصَّةً.
وعن عمرَ، وعل، يُقَدَّمُ الرَّدُّ على المَوْلَى.
ولعَلَّهُم يحتَجُّون بقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ﴾ (1). ولَنا، حَدِيثُ عبدِ اللهِ بنِ شَدَّادٍ (2)، وحديثُ الحسنِ (3). ولأنَّه عَصَبَة يَعقِلُ عن مَوْلاه، فيُقَدَّمُ.
على الرَّدِّ وذي (4) الرَّحِمَ، كابْنَ العَمِّ.

2889 -

مسألة: (وعنه في المُكاتَبِ إذا أدَّى إلى الورَثَةِ، أنَّ وَلاءَه لهم)

لأنَّه انْتَقَلَ إليهم، أشْبَه ما لو اشْتَرَوْه (وإن أدَّى إليهما فولاؤه بَينَهما) لأنَّهما اشْتَرَكا في أدَائِه إليهما، فاشْتَرَكا في اسْتِحقَاقِ ولائِه، كالشَّرِيكين.1234

وَمَنْ كَانَ أَحَدُ أبوَيهِ حُرَّ الأصلِ وَلَم يَمَسَّهُ رِقٌّ فَلَا وَلَاءَ عَلَيهِ.
والرِّوايةُ الأخْرَى، ولاوه للمكاتِبِ؛ لأنَّ عِتْقَه بكتابَتِه، وهي مِن سيدِه.

2890 -

مسألة: (ومَن كان أحدُ أبويه)

الحرَّين (حُرَّ الأصلِ، فلا وَلاءَ عليه) وجملتُه، أنَّه إذا كان أحدُ الزوجين حُرَّ الأصلِ، فلا وَلاءَ على ولدِهما، سواء كان الآَخَرُ عَرَبِيًّا أوْ مَوْلًى؛ لأنَّ الأمَّ إن كانت حُرَّةَ الأصلِ، فالولدُ يَتْبَعُها فيما إذا كان الأبُ رقيقًا في انْتِفاءِ الرِّق والوَلاءِ، فلأن يَتْبَعَها في نَفْي الوَلاءِ وحدَه أوْلَى.
وإن كان الأبُ 1 حُرَّ الأصلِ، فالولدُ يَتْبَعُه فيما إذا كان عليه وَلاءٌ، بحيث يَصِيرُ الوَلاءُ عليه لمَوْلَى أبِيه، فلأن يَتْبَعَه في سقوطِ الوَلاءِ عنه أوْلَى.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان الأبُ أعجَمِيًّا والأمُّ مَوْلاةً، ثَبَتَ الولاءُ على ولَدِه.
وليس بصَحِيحٍ؛ لأنَّه حُرُّ الأصلِ، فلم يَثْبُتِ الوَلاءُ على ولدِه، كما لو كان عربيًّا.
وسَواء كان مسلمًا أو ذمِّيًّا أو حَربِيًّا، مجهولَ النَّسَبِ أو مَعلومَه.
وهذا قولُ أبي يوسفَ، ومالكَ، وابنِ سُرَيجٍ 2.

..................................  وقال القاضِي: إن كان مَجْهولَ النّسبِ، ثَبَت الوَلاءُ على ولدِه لمَوْلَى الأمِّ، إن كانت مولاةً.
قال ابنُ اللَبِّانِ: هذا ظاهرُ مَذْهبِ الشافعي.
وقال الخَبْرِيُّ: هذا قولُ أبي حنيفةَ، ومحمدٍ، وأحمدَ؛ لأنَّ مُقْتَضى ثُبُوتِه لمَوْلَى الأمِّ مَوْجودٌ، وإنَّما امتَنَعَ في مَحَل الوفاقِ لحُرِّيةِ الأبِ، فإذا لم تكنْ معلومَةً، فقَدْ وَقَع الشَّكُّ في المانِعِ، فيَبْقَى على الأصلِ، ولا يَزُولُ اليَقينُ بالشكِّ، ولا يُتْرَكُ العمَلُ بالمُقْتَضِي مع الشكِّ في المانِعِ.
ولَنا، أنَّ الأبَ حُر محكُومٌ بحرِّيته، أشْبَه مَعروفَ النَّسبِ، ولأنَّ الأصلَ في الآدمِيِّين الحرِّيةُ وعَدَمُ الوَلَاءِ، فلا يُتْرَكُ هذا الأصلُ بالوهْمِ في حَقِّ الولدِ، كما لم يُتْرَكْ في حقِ الأبِ.
وقولُهم: مُقْتَضى ثُبُوتِه لمَوْلَى الأمِّ مَوْجودٌ.
ممنوع؛ فإنَّه إنَّما يثْبُتُ لمَوْلَى الأمِّ بشَرطِ رِقِّ الأبِ، وهذا الشَّرطُ مُنْتَفٍ حُكْمًا وظاهرًا.
وإن سَلَّمنا وُجودَ المُقْتَضِي، فقد ثَبَت المانِعُ حُكْمًا، فإنَّ حُريةَ الأبِ ثابِتَةٌ حُكْمًا، فلا تَعويلَ على ما قَالُوه.
فأمَّا إن كان الأبُ مَوْلًى والأمُّ مجْهُولةَ النَّسبِ، فلا وَلاءَ عليه في قوْلِنا.
وقياسُ قولِ القاضِي، والشافعيِّ، ثُبُوتُ الوَلاءِ عليه لمَوْلَى أبِيه؛ لأنَّا شَكَكْنا في المانِعِ مِن ثُبُوتِه.

وَمَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً، أَوْ فِي زَكَاتِهِ، أَوْ نَذْرِهِ، أَوْ كَفَّارَتِهِ، فَفِيهِ  ولَنا، ما ذَكَرْناه في التي قبلَها، ولأنَّ الأم لا تَخْلُو مِن أن تكونَ حُرَّةَ الأصلِ، فلا وَلاءَ على ولدِها، أو أمةً، فيكونُ ولدُها عبدًا، أو مَوْلاةً، فيكونُ على ولدِها الوَلاءُ لمَوْلَى أبيه.
والاحتمالُ الأوَّلُ راجِحٌ لوجْهين؛ أحَدُهما، أنَّه محكُومٌ به في الأم، فيجبُ الحُكْمُ به في وَلَدِها.
الثاني، أنَّه مُعتَضِدٌ بالأصلِ، فإنَّ الأصلَ الحُرِّيةُ، ثم لو لم يَتَرَجَّح هذا الاحتمالُ، لكان الاحتمالُ الذي صاروا إليه مُعارَضًا باحتمالين، كلُّ واحِدٍ منهما مساوٍ له، فتَرجِيحُه عليهما تَحَكُّم لا يَجوزُ المَصيرُ إليه بغيرِ دليل، وهذا وارد عليهم المسألةِ الأولَى أيضًا.

2891 -

مسألة: (ومَن أعتَقَ سَائِبةً، أو في زكاتِه، أو نذرِه،

رِوَايَتَانِ؛ إِحدَاهُمَا، لَهُ عَلَيهِ الْوَلَاءُ.
وَالثَّانِيَةُ، لَا وَلَاءَ عَلَيهِ، وَمَا رَجَع مِنْ مِيرَاثِهِ رُدَّ فِي مِثْلِهِ، يُشْتَرَى بِهِ رِقَابٌ يعتِقُهم.
أو كفَّارَتِه، فَفِيه روايتان؛ إحداهما، له عليه الوَلَاءُ.
والثانية، لا وَلاءَ) له (عليه، وما رَجَع مِن مِيراثِه رُدَّ في مِثْلِه، يَشْتَرِي به رِقابًا يُعتِقهم) قال أحمدُ، في روايةِ عبدِ اللهِ: الرجلُ يُعتِقُ عبدَه سَائِبة، هو الرجلُ يقولُ لعبدِه: قد أعتَقْتُكَ سَائِبة.
كأنه يَجْعَلُه لله، لا يكونُ وَلاؤه له، قد جَعَلَه لله وسَلَّمَ».
وعن أبي عمرو الشَّيبانِيِّ، عن ابنِ مسعودٍ: والسَّائِبة يضَعُ ماله حيثُ شاء.
وقال أحمدُ قال عمرُ 1: الصَّدَقَةُ والسَّائِبة ليَوْمِهما.
ومتى قال الرجلُ لعَبْدِه: أعتَقْتُكَ سَائِبة.
أو: أعتَقْتُكَ ولا ولاءَ لِي عليك.
لم يكُنْ له عليه وَلَاء.
فإن ماتَ وخَلَّفَ مالًا، ولم يَدَع وَرَثَةً، اشُتْرِيَ بمالِه رِقَابٌ فأعتِقُوا، في المَنْصُوصِ عن أحمدَ.
وأعتَقَ ابنُ عمرَ عبدًا سَائِبةً، فمات، فاشْتَرَى ابنُ عمرَ بمالِه رِقابًا فأعتَقَهُم.
والرِّوايةُ الثانية، الوَلاءُ للمُعتِقِ.
وهو قولُ الشعبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وابنِ سيرينَ،

..................................  وراشدِ بنِ سعدٍ، وضَمرَةَ بنِ حبيب 1، والشافعيِّ، وأهلِ العراقِ، لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «الوَلاءُ لمَنْ أعتَقَ» 2. وقولِه: «الوَلَاءُ لحمَةٌ كَلُحمَةِ النَّسَبِ» 3. ولَعَلَّ أحمدَ ذهب إلى شِراءِ الرِّقاب اسْتِحبابًا، لفعلِ ابنِ عمرَ.
وقال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والزُّهْرِيُّ، وأَبو العاليةِ، ومكحولٌ، ومالكٌ: يُجْعَلُ وَلَاؤه لجماعةِ المسلمين.
وعن عطاءٍ قال: إذا قال: أنتَ حُرٌّ سَائِبةً.
يُوالِي مَن شاءَ.
والقولُ بثُبُوتِ الوَلَاءِ للمُعتِقِ

جارٍ التحميل