الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 84-124

..................................  فصل: ولا فَرْقَ بينَ المُسْلِمِ والذِّمِّيِّ في الإحْياءِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وقال مالِكٌ: لا يَمْلِكُ الذِّمِّيُّ بالإحْياءِ في دارِ الإسْلام.
قال القاضي: وهو مَذْهَبُ جَماعَةٍ مِن أصحابِنا؛ لقولِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَوَتَان الأرْضِ لِلّهِ ولِرَسُولِهِ، ثمّ هِيَ لَكمْ مِنِّي» 1. فجَمَعَ المَوَتانَ، ثم جَعَلَه للمسلمين.
ولأن مَوَتانَ الأرْضِ مِن حُقُوقِها، والدّارَ للمسلمين، فكان مَواتها لهم، كمَرافِقِ المَمْلُوكِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السّلامُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ» 2. ولأنَّ هذه جِهَةٌ مِن جهاتِ التَّملِيكِ، فاشْتَرَكَ فيها المُسْلِمُ والذِّمِّيُّ، كسائِرِ جِهاتِه.
وحديثُهُم لا

..................................  نَعْرِفُه، إنّما نَعْرِفُ قَوْلَه: «عَادِيُّ الأرْضِ لِلّه وَرَسُولِه ثُمَّ هِيَ لَكُمْ بَعْدُ، وَمَنْ أحْيَا مَوَاتًا مِنَ الأرْضِ فَلَهُ رَقَبَتُها».
هكذا رَواه 1 سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ، وهو مُرْسَلٌ، رَواه طاوُسٌ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. ثم لا يَمْتَنِعُ أن يُرِيدَ بقَوْلِه: «هِيَ لَكُمْ».
أي لأهْلِ دارِ الإسْلامِ.
والذِّمِّيُّ مِن أهْلِ

..................................  الدّارِ، تَجْرِي عليه أحْكامُها.
وقَوْلُهم: إنَّها مِن حُقُوقِ دارِ الإسْلامِ.
قُلْنا: هو مِن أهْلِ الدّارِ، فيَمْلِكُها كما يَمْلِكُها بالشِّراءِ، ولأنَّه يَمْلِكُ مُباحاتِها مِن الحَشِيشِ والخَطَبِ والصُّيُودِ والرِّكازِ والمَعْدِنِ واللُّقَطَةِ، وهي مِن مَرافِقِ دارِ الاسْلامِ، فكذلك المَواتُ.

بإِذْنِ الإِمَام أوْ غَيرِ إذْنِهِ إلا مَا أحْيَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ أرْضِ الْكُفَّارِ الَّتِي صُولِحُوا عَلَيهَا.

2465 - مسألة: ويَمْلِكُه (بإذْنِ الإِمَامِ وغيرِ إذْنِه)

وجملةُ ذلك، أنَّ إحْياءَ المَواتِ لا يَفْتَقِرُ إلى إِذْن الإمامِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأبو يُوسُفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: يَفْتَقِرُ إلى إذْنِه؛ لأنَّ للإمام مَدْخَلًا في النَّظَرِ في ذلك، بدَلِيلِ مَن تَحَجَّرَ مَواتًا فلم يُحْيِه، فإنَّه يُطالِبُه بَالإحْياءِ أو التَّرْكِ، فافْتَقَرَ إلى إِذنِه، كمالِ بَيتِ المالِ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه عليه السّلامُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ».
ولأنَّ هذه عَيْنٌ مُباحَةٌ، فلا يَفْتَقِرُ تَمَلُّكُها إلى إذْنِ الإمامِ، كأخْذِ الحَشِيشِ والحَطَبِ، ونَظَرُ الإمامِ في ذلك لا يَدُلُّ على اعْتِبارِ إذْنِه، ألا تَرَى أنَّ مَن وَقَف في مَشْرَعةٍ، طالبَه الإمامُ أن يَأْخُذَ حاجَتَه ويَنْصَرِفَ، ولم يَفْتَقِرْ ذلك إلى إذْنِه.
وأمّا مالُ بَيتِ المالِ فهو مَمْلُوكٌ للمسلمين، وللإمام تَعْيِين مَصارِفِه وتَرْتِيبُها، فافْتَقَرَ إلى إذْنِه، بخِلافِ مسألتِنا، فإنَّ هذا مُباحٌ، فمَن سَبَق إليه كان أحَقَّ النّاسِ به، كسائِرِ المُباحاتِ.
2466 -

مسألة: (إلَّا ما أحْياه مُسْلِمٌ مِن أرْضِ الكُفّارِ التي صُولِحُوا عليها)

وجملة ذلك، أنَّ جَمِيعَ البلادِ فيما ذَكَرْنا سَواءٌ، المَفْتوحُ عَنْوَةً، كأرْضِ الشّام والعِراقِ، وما أسْلَمَ أهْلُه عليه كالمَدِينَةِ، وما صُولِحَ أهْلُه على أنَّ الأرْضَ للمسلمين؛ كأرْضِ خَيبَرَ، إلَّا الذي صُولِحَ أهْلُه على أن الأرْضَ لهم ولَنا الخَراجَ عنها، فإن أصْحابَنا قالوا: لو دَخَل

وَمَا قَرُبَ مِنَ الْعَامِرِ وَتَعَلَّقَ بِمَصَالِحِهِ، لَمْ يُمْلَكْ بِالْإحْيَاءِ.
وَإِنْ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِمَصَالِحِهِ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
إليها مُسْلِمٌ فأحْيا فيها مَوَاتًا لم يَمْلِكْه؛ لأنَّهم صُولِحُوا في بِلادِهم، فلا يَجُوزُ التَّعرُّضُ لشيءٍ منها، عامِرًا كان أو مَوَاتًا؛ لأنَّ المَوَاتَ تابعٌ للبَلَدِ، فإذا لم يَمْلِكْ عليهم البَلَدَ لم يَمْلِكْ مَوَاتَه.
ويُفارِقُ دارَ الحَرْبِ، حيث يَمْلِكُ مَواتَها؛ لأنَّ دارَ الحَرْبِ على أصْلِ الإباحَةِ، وهذه صالحْناهم على تَرْكِها لهم.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها مَن أحْياها؛ لعُمُومِ الخَبَرِ، ولأنَّها مِن مُباحَاتِ دارِهم، فجاز أن يَمْلِكَها مَن وُجِد منه سبَبُ تَمَلُّكِها، كالحَشِيشِ والحَطَبِ.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ، أنَّه ليس في السَّوادِ مَواتٌ.
يَعْنِي سَوادَ العِراقِ.
قال القاضي: هو مَحْمُولٌ على العامِرِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ أحمدَ قال ذلك لكونِ السَّوادِ كان مَعْمُورًا كلَّه في زَمَنِ عُمَرَ بنِ الخَطّاب، حينَ أخَذَه المسلمون مِن الكُفّارِ، حتى بَلَغنا أنَّ رَجُلًا منهم (1) سَأل أَن يُعْطَى خَرِبَةً، فلم يَجِدُوا له خَرِبةً فقال: إنَّما (1) أرَدْتُ أن أُعْلِمَكم كيف أخَذْتُمُوها مِنّا.
وإذا لم يكنْ فيها مَواتٌ حينَ مَلَكَها المسلمون، لم يَصِرْ فيها مَواتٌ بعدَه؛ لأنَّ ما دَثَر مِن أمْلاكِ المسلمين لم يَصِرْ مَواتًا، على إحْدَى الرِّوايَتَين.

2467 -

مسألة: (وما قَرُب مِن العامِرِ وتَعَلَّقَ بمَصالِحِه، لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ. فإن لم يتَعَلَّقْ بمَصالِحه، فعلى رِوَايَتَينِ)

كلُّ ما تعَلَّقَ بمَصالِح1

..................................  العامِرِ؛ مِن طُرُقِه، ومَسِيلِ مائِه، ومُطَّرَحِ قُمامَتِه، ومُلْقَى تُرابِه، وآلاتِه، لا يَجُوزُ إحْياوه، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَبِ.
وكذلك ما تعَلَّقَ بمَصالِحِ القَرْيَةِ؛ كفِنائِها، ومَرْعَى ماشِيَتِها، ومُحْتَطبِها، وطُرُقِها، ومَسِيلِ مائِها، لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، لا نَعْلَمُ فيه أيضًا خِلافًا بينَ أهلِ العِلْم.
وكذلك حَرِيمُ البِئْرِ والنَّهْرِ والعَينِ، وكلُّ مَمْلُوكٍ لا يَجُوزُ إحْياءُ ما تعَلَّقَ بمَصالِحِه؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسّلامُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً في غَيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِيَ لَهُ» 1. مَفْهُومُه أنَّ ما تَعَلَّق به حَقُّ مُسْلِمٍ لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ.
ولأنَّه تابعٌ للمَمْلُوكِ، ولو جَوَّزْنا إحياءَه، لبَطَلَ المِلْكُ في العامِرِ علي أهْلِه.
وذَكَر القاضي أنَّ هذه المَرافِقَ لا يَمْلِكُها المُحْيي

..................................  بالإحْياءِ، لكنْ هو أحَقُّ بها مِن غيرِه؛ لأنَّ الإحْياءَ الذي هو سَبَبُ المِلْكِ لم يُوجَدْ فيها.
وقال الشافعيُّ: يَمْلِكُ بذلك.
وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ في حَرِيمِ البِئرِ؛ لأنَّه مَكانٌ اسْتَحَقَّه بالإحْياءِ، فمَلَكَه، كالمُحْيِي، ولأنَّ مَعْنَى المِلْكِ مَوْجُودٌ فيه؛ لأنَّه يَدْخُلُ مع الدّارِ في البَيعِ، ويَخْتَصُّ به صاحِبُها.
فأمّا ما قَرُب مِن العامِرِ ولم يتَعَلَّقْ بمَصالِحِه، فيَجُوزُ إحياؤُه، في إحْدَى الرِّوايَتَين.
قال أحمدُ في رِوايَةِ أبي الصَّقْرِ، في رَجُلَين أحْيَيا قِطْعَتَين مِن مَواتٍ، وبَقِيَتْ بينَهما رُقْعَةٌ، فجاء رجلٌ ليُحْيِيَها، فليس لهما مَنْعُه.
وقال في جَبّانَةٍ بينَ قَرْيَتَينِ: مَن أحْياها فهي له.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لعُمُومِ قَوْلِه عليه السَّلامُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ».

..................................  ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ بِلال بنَ الحارِثِ العَقِيقَ 1، وهو يَعْلَمُ أنه بينَ 2 عِمارَةِ المَدِينَةِ.
ولأنَّه مَواتٌ لم تتَعَلَّقْ به مَصْلَحَةُ العامِرِ، فجاز إحْياؤُه، كالبَعِيدِ.
والثانيةُ، لا يَجُوزُ إحْياؤُه.
وبه قال أبو حنيفةَ، واللَّيثُ؛ لأنَّه في مَظِنَّةِ تَعَلُّقِ المَصْلَحَةِ به، فإَّنه يَحْتَمِلُ أن يَحْتاجَ إلى فَتْحِ بابٍ في حائِطِه إلى فِنائِه ويَجْعَلَه طَرِيقًا، أو يَخْرَبَ حائِطُه فيَجْعَلَ آلاتِ البِناءِ في فِنائِه، وغيرِ ذلك، فلم يَجُزْ تَفْويت ذلك عليه، بخِلافِ البَعِيدِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّما يُرْجَعُ في القَرِيبِ والبَعِيدِ إلى العُرْفِ.
وقال اللَّيثُ: حَدُّه غَلْوَةٌ 3، وهو [خُمْسُ خُمْسِ الفَرْسَخِ] 4. وقال أبو حنيفةَ: حَدُّ البَعِيدِ هو الذي إذا وَقَفَ الرجلُ في أدْناه، فصاح بأعْلَى صَوْتِه، لم يَسْمَعْ أدْنَى أهْلِ المِصْرِ إليه.
ولَنا 5، أنَّ التَّحْدِيدَ لا يُعْرَفُ إلَّا بالتَّوْقِيفِ، ولا يُعْرَفُ بالرَّأْي والتَّحَكُّمِ، ولم يَرِدْ مِن الشَّرْعِ تَحْدِيدٌ له، فوَجَبَ أن يُرْجَعَ في ذلك إلى العُرْفِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ، فقولُ مَن حَدَّدَ بهذا تَحَكُّمٌ بغيرِ دَلِيلٍ،

وَلَا تُمْلَكُ الْمَعَادِنُ الظَّاهِرَةُ، كَالْمِلْحِ، وَالْقَارِ، وَالنِّفْطِ، وَالْكُحْلِ، وَالْجَصِّ، بِالْإحْيَاءِ، وَلَيسَ لِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ.
وليس ذلك بأوْلَى مِن تَحْدِيدِه بشيءٍ آخَرَ، كمِيلٍ أو نِصْفِ مِيلٍ.
وهذا التَّحْدِيدُ الذي ذَكَرُوه، واللهُ أَعلمُ، يَخْتَصُّ بما قَرُب مِن المِصْرِ أو القَرْيَةِ، ولا يَجُوزُ أن يكونَ حَدًّا لكلِّ ما قَرُب مِن عامِرٍ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى أنَّ مَن أحْيا أرْضًا في مَواتٍ، حَرُم إحْياءُ شيءٍ مِن ذلك المَواتِ على غيرِه، ما لم يَخْرُجْ عن ذلك الحَدِّ.

2468 -

مسألة: (ولا تُمْلَكُ المَعادِنُ الظّاهِرَةُ؛ كالمِلْحِ، والقارِ، والكُحْلِ، والجَصِّ، والنِّفْطِ، بالإحْياءِ، وليس للإمامِ إقْطاعُه)

وجملةُ ذلك، أنَّ المَعَادِنَ الظّاهِرَةَ، وهي التي يُوصَلُ إلى ما فيها مِن غيرِ مُؤْنَةٍ، يَنْتابُها النّاسُ، ويَنْتَفِعُون بها؛ كالمِلْحِ، والماءِ،

..................................  والكِبْرِيتِ، والقِيرِ 1، والمُومْيا 2، والنِّفْطِ، والكُحْلِ، والبِرامِ 3، والياقُوتِ، ومَقاطِعِ الطِّينِ، وأشْباهِ ذلك، لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، ولا يَجُوزُ إقْطاعُه لأحَدٍ مِن النّاسِ، ولا احْتِجارُه دُونَ المسلمين؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا بالمسلمين وتَضْيِيقًا عليهم، ولِما روَى أبو عُبَيدٍ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، بإسْنادِهِم 4، عن أَبْيَضَ بنِ حَمّالٍ، أنَّه اسْتَقْطَعَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - المِلْحَ الذي بمَأْرِبَ، فلَمّا وَلَّى، قِيلَ: يا رسولَ اللهِ، أتَدْرِي ما أقْطَعْتَ له؟ إنَّما أقْطَعْتَه الماءَ العِدَّ 5. فرَجَعَه منه.
قال: قلتُ: يا

..................................  رسولَ اللهِ، ما يُحْمَى 1 مِن الأرَاكِ؟ قال: «مَا لَمْ تَنَلْهُ أخْفَافُ الْإبِلِ».
وهو حديثٌ غريبٌ.
ورَواه سعيدٌ، قال: حَدَّثَنِي إسماعيلُ بنُ عَيّاشٍ، عن عَمْرِو بنِ قَيس المَأْرِبِيِّ 2، عن أبيه، عن أَبْيَضَ بن حَمّالٍ المَأْرِبِيِّ (2) قال: اسْتَقْطَعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مَعْدِنَ المِلْحِ بمَأْرِبَ، فأقْطَعَنِيه، فقِيلَ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه بمَنْزِلَةِ الماء العِدِّ.
يَعْنِي أنَّه لا يَنْقَطِعُ.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «فَلا إذَنْ».
ولأنَّ هذا يتَعَلَّقُ به مَصالِحُ المسلمين العامَّةُ، فلم يَجُزْ إحْياؤُه ولا إقْطاعُه، كمَشارِعِ الماءِ وطُرُقاتِ المسلمين.
قال ابنُ عَقِيلٍ: هذا مِن مَوَادِّ اللهِ الكريمِ، وفيضِ جُودِه الذي لا غَناءَ عنه، ولو مَلَكَه أحَدٌ بالاحْتِجارِ، مَلَك مَنْعَه، فضاق على النّاسِ، فإن أخَذَ العِوَضَ عنه أغْلاه، فخَرَجَ عن الوَضْعِ الذي وَضَعَه الله به مِن تَعْمِيمِ ذوي الحَوائِجِ مِن غيرِ كُلْفَةٍ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ولا أعْلَمُ فيه مُخالِفًا.

..................................  فصل: فأمَّا المَعادِنُ الباطِنةُ، وهي التي لا يُوصَلُ إليها إلَّا بالعَمَلِ والمُؤْنَةِ؛ كمعادِنِ الذَّهَبِ، والفِضَّةِ، والحَدِيدِ، والنُّحاسِ، والرَّصاصِ، والبَلُّورِ، والفَيرُوزَجِ، فإن كانت ظاهِرَةً، لم تُمْلَكْ أيضًا بالإِحْياءِ؛ لِما ذكَرْنا في التي قبلَها.
وإن لم تكنْ ظاهِرَةً، فحَفَرَها إنْسانٌ وأَظْهَرَها، لم يمْلِكْها بذلك في ظاهِرِ المَذْهَبِ، وظاهِرِ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَها بذلك.
وهو قولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّه مَواتٌ لا يُنْتَفَعُ به إلَّا بالعَمَلِ والمُؤْنَةِ، فمُلِكَ بالإِحْياءِ، كالأرْضِ، ولأنَّه بإظْهارِه تَهَيَّأَ للانْتِفاعِ به مِن غيرِ حاجةٍ إلى تَكْرارِ ذلك العَمَلِ، فأشْبَهَ الأرْضَ إذا أحْياها بماءٍ أو حاطَها.
وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ الإِحْياءَ الذي يُمْلَكُ به هو العِمارَةُ التي يتَهَيّأُ بها المُحْيَا للانْتِفاعِ مِن غيرِ تَكْرارِ عَمَلٍ، وهذا حَفْرٌ وتَخْرِيبٌ يَحْتاجُ إلى تَكْرارٍ عندَ كلِّ انْتِفاعٍ.
فإن قِيلَ: فلو احْتَفَرَ

فَإِنْ كَانَ بِقُرْبِ السَّاحِلِ مَوْضِعٌ إِذَا حَصَلَ فِيهِ الْمَاءُ صَارَ مِلْحًا، مَلَكَهُ بِالْإِحْيَاءِ، وَلِلْإِمَامِ إِقْطَاعُهُ.
بِئْرًا مَلَكَها ومَلَكَ حَرِيمَها.
قُلْنا: البِئْرُ تَهَيَّأتْ للانْتِفاعِ بها مِن غيرِ تَجْدِيدِ حَفْرٍ ولا عِمارَةٍ، وهذه المَعادِنُ تَحْتاجُ عندَ كلِّ انْتِفاعٍ إلى عَمَلٍ وعِمارَةٍ، فافْتَرقَا.
قال أصْحابُنا: وليس للإِمامِ إقْطاعُها؛ لأنَّها لا تُمْلَكُ بالإِحْياءِ.
والصَّحِيحُ جَوازُ ذلك؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أقْطَعَ بِلال بنَ الحارِثِ مَعادِنَ القَبَلِيَّةِ، جَلْسِيَّها وغَوْرِيَّها (1). رَواه أبو داودَ، وغيرُه (2).

2469 -

مسألة: (فإن كان بقُرْبِ السّاحِلِ مَوْضِعٌ إذا حَصَل فيه الماءُ صار مِلْحًا، مُلِك بالإِحْياءِ، وللإِمامِ إقْطاعُه)

لأنَّه 3 لا يُضَيِّقُ على المسلمين بإحْداثِه، بل يَحْدُثُ نَفْعُه بفِعْلِه، فلم يُمْنَعْ منه، كبَقِيَّةِ المَواتِ.
وإحْياءُ هذا تَهْيِئَتُه لِما يَصْلُحُ له؛ مِن حَفْرِ تُرابِه، وتَمْهِيدِه، وفَتْحِ قَناةٍ إليه تَصُبُّ الماءَ فيه؛ لأنَّه يَتَهَيَّأُ بهذا للانْتِفاعِ به.12

وَإِذَا مَلَكَ الْمُحْيَا مَلَكَهُ بِمَا فِيهِ مِنَ الْمَعَادِنِ الْبَاطِنَةِ، كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ.

2470 - مسألة: (وإذا مَلَك المُحْيَا، مَلَك ما فيه مِن المَعادِنِ الباطِنَةِ، كمَعادِنِ الذَّهَبِ والفِضَّةِ)

إذا مَلَك الأرْضَ بالإِحْياءِ، فظَهَرَ فيها مَعْدِنٌ جامِدٌ، مَلَكَه، ظاهِرًا كان أو باطِنًا؛ لأنَّه مَلَك الأرْضَ بجَمِيعِ أجْزائِها وطَبَقَاتِها، وهذا منها.
ويُفارِقُ الكَنْزَ، فإنَّه مُودَعٌ فيها، وليس مِن أجْزائِها.
ويُفارِقُ ما إذا كان ظاهِرًا قبلَ إحْيائِها؛ لأنَّه قَطَعَ على المسلمين نَفْعًا كان واصِلًا إليهم، ومَنَعَهم انْتِفاعًا كان لهم، وههُنا لم يَقْطَعْ عنهم شيئًا؛ لأنَّه إنَّما ظَهَر بإظْهارِه.
ولو تَحَجَّرَ الأرْضَ أو أقْطَعَها، فظَهَرَ فيها المَعْدِنُ قبلَ إحْيائِها، كان له إحْياؤُها، ويَمْلِكُها بما فيها؛ لأنَّه صار أحَقَّ بتَحَجُّرِه وإقْطاعِه، فلم يُمْنَعْ مِن إتْمامِ حَقِّه.

وَإِنْ ظَهَرَ فِيهِ عَينُ مَاءٍ أَوْ مَعْدِنٌ جَارٍ أَوْ كَلَأٌ أَوْ شَجَرٌ، فَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

2471 - مسألة: (وإن ظَهَر فيه عَينُ ماءٍ أو مَعْدِنٌ جارٍ أو كَلأٌ أو شَجَرٌ، فهو أحَقُّ به)

لأنَّه في مِلْكِه.
ويَمْلِكُه في إحْدَى الرِّوايَتَين؛ لأنَّه خارِجٌ مِن أرْضِه، أشْبَهَ المَعادِنَ الجامِدَةَ والزَّرْعَ.
والثانيةُ، لا يَمْلِكُه.
وهي أصَحُّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - «النَّاسُ شُرَكاءُ في ثَلَاثٍ؛ فِي الْمَاءِ، وَالْكَلأ، وَالنَّارِ».
رَواه الخَلَّالُ 1. ولأنَّها ليست مِن أجْزاءِ الأرْضِ، فلم يَمْلِكْها بمِلْكِ الأرْضِ، كالكَنْزِ.

وَمَا فَضَلَ مِنْ مَائِهِ لَزِمَهُ بَذْلُهُ لِبَهَائِمِ غَيرِهِ.

2472 - مسألة: ويَلْزَمُه بَذْلُ (ما فَضَل مِن مائِه لبَهائِمِ غيرِه)

لِما روَى أبو هُرَيرَةَ أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ مَنَعَ فَضْلَ الْمَاءِ ليَمْنَعَ

وَهَلْ يَلْزَمُهُ بَذْلُهُ لِزَرْعِ غَيرِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
بِهِ فَضْلَ الْكَلأ، مَنَعَهُ اللهُ فَضْلَ رَحْمَتِهِ» 1 (وهل يَلْزَمُه بَذْلُه لزَرْعِ غيرِه؟ على رِوايَتَين) إحْداهما، لا يَلْزَمُه؛ لأنَّ الزَّرْعَ لا حُرْمَةَ له في نَفْسِه.
والثانيةُ، يَلْزَمُه؛ لِما روَى إياسُ بنُ عبْدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عَنْ بَيعِ فَضْلِ الْمَاءِ 2. وعن بُهَيسَةَ 3 عن أبِيها، أنَّه قال: يا نبيَّ اللهِ، مَا الشيءُ الذي لا يَحِلُّ مَنْعُه؟ قال: «الْمَاءُ».
رَواه أبو داودَ 4.

..................................  فصل: ولو شَرَع إنْسانٌ في حَفْرِ مَعْدِنٍ ولم يَصِلْ إلى النَّيلِ، صار أحَقَّ به، كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ.
فإذا وَصَل إلى النَّيلِ صار أحَقَّ بالأخْذِ منه، ما دام مُقِيمًا على الأخْذِ منه.
وهل يَمْلِكُه بذلك؟ فيه ما قد ذَكَرْنا مِن قبلُ.
فإن حَفَر آخَرُ مِن ناحِيَةٍ أُخْرَى، لم يكنْ له مَنْعُه، وإذا وَصَل إلى ذلك العِرْقِ، لم يكنْ له مَنْعُه، سَواءٌ قُلْنا: إنَّ المَعْدِنَ يُمْلَكُ بحَفْرِه.
أو لم نَقُلْ؛ لأنَّه إن مَلَكَه، فإنَّما يَمْلِكُ المَكانَ الذي حَفَره، وأمَّا العِرْقُ الذي في الأرْضِ فلا يَمْلِكُه بذلك، ومَن وَصَل إليه مِن جِهَةٍ أُخْرَى، فله أخْذُه.
ولو ظَهَر في مِلْكِه مَعْدِنٌ بحيثُ يَخْرُجُ النَّيلُ عن أرْضِه، فحَفَرَ إنْسانٌ مِن خارِجِ أرْضِه، كان له أن يَأْخُذَ ما خَرَج عن أرْضِه منه؛ لأنَّه لم يَمْلِكْه، إنَّما مَلَك ما هو مِن أجْزاءِ أرْضِه، وليس لأحَدٍ أن يَأْخُذَ ما كان داخِلًا في أرْضِه مِن أجْزاءِ الأرْضِ الباطِنَةِ، كما لا يَمْلِكُ أخْذَ أجْزائِها الظّاهِرَةِ.
ولو حَفَر كافِرٌ في دارِ الحَرْبِ مَعْدِنًا فوَصَلَ إلى النَّيلِ، ثمَّ فَتَحَها المسلمون عَنْوَةً، لم يَصِرْ غَنِيمَةً، وكان وُجُودُ عَمَلِه 1 وعَدَمُه واحِدًا؛ لأنَّ عامِرَه لم يَمْلِكْه بذلك، ولو مَلَكَه فإنَّ الأرْضَ تَصِيرُ كلَّها وَقْفًا للمسلمين، وهذا يَنْصَرِفُ إلى مَصْلَحةٍ مِن مَصالِحِهم، فتَعَيَّنَ لها، كما لو ظَهَر بفِعْلِ اللهِ تعالى.

..................................  فصل: ومَن مَلَك مَعْدِنًا، فعَمِلَ فيه غيرُه بغيرِ إذْنِه، فما حَصَّلَه منه فهو لمالِكِه، ولا أجْرَ للغاصِبِ على عَمَلِه؛ لأنَّه عَمِل في مِلْكِ غيرِه بغيرِ إذْنِه، فهو كما لو حَصَد زَرْعَ غيرِه.
وإن قال مالِكُه: اعْمَلْ فيه ولك ما يَخْرُجُ منه.
فله ذلك، وليس لصاحِبِ المَعْدِنِ فيه شيءٌ؛ لأنَّه إباحَةٌ مِن مالِكِه، فمَلَك ما أخَذَه، كما لو أباحَه الأخْذَ مِن بُسْتانِه.
وإن قال: اعْمَلْ فيه على أنَّ ما رَزَق اللهُ مِن نَيلٍ كان بينَنا نِصْفَين.
فعَمِل، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَجُوزُ، وما يَأْخُذُه يكونُ بينَهما، كما لو قال: احْصُدْ هذا الزَّرْعَ بنِصْفِه -أو- ثُلُثِه.
ولأنَّها عَينٌ تُنَمَّى بالعَمَلِ عليها، فصَحَّ العَمَلُ فيها

..................................  ببَعْضِه، كالمُضارَبَةِ في الأثْمانِ.
والثّانِي، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ ما يَحْصُلُ منه مَجْهُولٌ، ولأنَّه لا يَصِحُّ أن يكونَ إجارَةً، لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، والعَمَلَ مَجْهُولٌ، ولا جَعالةً؛ لأنَّ العِوَضَ مَجْهُولٌ، ولا مُضارَبَةً؛ لأنَّ المُضارَبَةَ إنَّما تَصِحُّ بالأثْمانِ على أن يُرَدَّ رَأْسُ المالِ ويكونَ له حِصَّةٌ مِن الرِّبْحِ، وليس ذلك ههُنا.
وفارَقَ حَصادَ الزَّرْعِ بنِصْفِه أو جُزْءٍ منه؛ لأنَّ الزَّرْعَ مَعْلُومٌ بالمُشاهَدَةِ، وما عُلِم جَمِيعُه عُلِم جُزْؤُه، بخِلافِ هذا.
وإن قال: اعْمَلْ فيه كذا ولك ما يَحْصُلُ منه، بشَرْطِ أن تُعْطِيَنِي ألْفًا -أو- شيئًا مَعْلُومًا.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه بَيعٌ لمَجْهُولٍ، ولا يَصِحُّ أن يكونَ مَعْلُومًا 1، كالمُضارَبةِ؛ لِما ذَكَرْنا؛ ولأنَّ المُضارَبةَ تكونُ بجُزْءٍ مِن النَّماءِ لا دَراهِمَ مَعْلُومَةٍ.
قال أحمدُ: إذا أخَذَ مَعْدِنًا مِن قَوْمٍ على أن يَعْمُرَه يَعْمَلَ فيه ويُعْطِيَهم ألْفَيْ مَنٍّ 2 أو ألْفَ مَنٍّ صُفْرًا، فذلك مَكْرُوهٌ.
ولم يُرَخِّصْ فيه.

..................................  فصل: إذا اسْتَأْجَرَ رجلًا ليَحْفِرَ له عَشَرَةَ أذْرُعٍ في دَورِ كذا بدِينارٍ، صَحَّ؛ لأنَّها إجارَةٌ مَعْلُومَةٌ.
وإن ظَهَر عِرْقُ ذَهَبٍ، فقال: اسْتَأْجَرْتُك لتُخْرِجَه بدِينارٍ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّ العَمَلَ مَجْهُولٌ.
وإن قال: إنِ اسْتَخْرَجْتَه فلك دِينارٌ.
صَحَّ، ويكونُ جَعالةً؛ لأنَّ الجَعالةَ تَصِحُّ على عَمَلٍ مَجْهُولٍ، إذا كان العِوَضُ مَعْلُومًا.

..................................  فصل: وما نَضَب عنه الماءُ مِن الجَزائِرِ، لم يُمْلَكْ بالإِحْياءِ.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ العَبّاسِ بنِ موسى 1: إذا نَضَب الماءُ عن جَزِيرَةٍ إلى قَناةِ رجلٍ، لم يَبْنِ فيها؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا، وهو أنَّ الماءَ يَرْجِعُ.
يَعْني أنَّه يَرْجِعُ إلى ذلك المَكانِ، فإذا وَجَدَه مَبْنِيًّا، رَجَع إلى الجانِبِ الآخَرِ، فأضَرَّ بأهْلِه.
ولأنَّ الجَزائِرَ مَنْبِتُ الكَلَأ والحَطَبِ، فجَرَى مَجْرَى المَعادِنِ الظّاهِرَةِ، وقد قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا حِمَى في 2 الأرَاكِ» 3. قال أحمدُ، في رِوايَةِ حَرْبٍ: يُرْوَى عن عُمَرَ أنَّه أباح الجَزائِرَ.
يَعْنِي أباح ما يَنْبُتُ في الجَزائِرِ مِن النّباتِ، وقال: إذا نَضَب الفُراتُ عن شيءٍ، ثمَّ نَبَت فيه نَباتٌ، فجاء رجلٌ يَمْنَعُ النّاسَ منه، فليس له ذلك.
فأمَّا إن غَلَب الماءُ على مِلْكِ إنْسانٍ، ثمَّ عاد فنَضَب عنه، فله أخْذُه، ولا يَزُولُ مِلْكُه بغَلَبةِ الماءِ عليه.
فإن كان ما نَضَب عنه الماءُ لا يَنْتَفِعُ به أحَدٌ، فعَمَّرَه رجلٌ عِمارَةً لا تَرُدُّ الماءَ، مثلَ أن يَجْعَلَه مَزْرَعَةً، فهو أحَقُّ به مِن غيرِه؛ لأنَّه مُتَحَجِّرٌ لِما ليس لمُسْلِمٍ فيه حَقٌّ، فأشْبَهَ التَّحَجُّرَ في المَواتِ.

فَصْلٌ: وَإِحْيَاءُ الْأَرْضِ أَنْ يَحُوزَهَا بِحَائِطٍ، أَوْ يُجْرِيَ لَهَا مَاءً.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (وإحْياءُ الأرْضِ أن يَحُوزَها بحائِطٍ، أو يُجْرِيَ لها ماءً) ظاهِرُ كلامِه ههُنا، أنَّ تَحْويطَ الأرْضِ إحْياءٌ لها، سَواءٌ أرادَها للبِناءِ أو للزَّرْعِ، أو حَظِيرَةً للغَنَمِ، أو الخَشَبِ.
وهو ظاهِرُ كلامِ

..................................  الخِرَقِيِّ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايَةِ عليِّ بنِ سعيدٍ، فقال: الإِحْياءُ: أن يُحَوِّطَ عليها حائِطًا، أو يَحْفِرَ فيها بِئْرًا أو نَهْرًا.
ولا يُعْتَبَرُ في ذلك تَسْقِيفٌ، وذلك لِما روَى الحَسَنُ عن سَمُرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أحَاطَ حَائِطًا عَلَى أرْضٍ فَهِيَ لَهُ».
رَوَاهُ أبو داودَ، والإِمامُ أحمدُ في «مُسْنَدِه» 1. ورُوِيَ عن جابرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - مثلُه 2. ولأنَّ الحائِطَ حاجِزٌ مَنِيعٌ، فكان إحْياءً، أشْبَهَ ما لو جَعَلَها حَظِيرَةً للغَنَمِ.
ويُبَيِّنُ هذا أنَّ القَصْدَ لا اعْتِبارَ به، بدَلِيلِ ما لو أرادَها حَظِيرَةً للغَنَمِ 3، فبَناهَا بجِصٍّ وآجُرٍّ وقَسَمَها بُيُوتًا، فإنَّه يَمْلِكُها.
وهذا لا يُصْنَعُ للغَنَمِ مثلُه.
ولابُدَّ أن يكونَ الحائِطُ مَنِيعًا يَمْنَعُ ما وراءَه، ويكونَ ممَّا جَرَتِ العادَةُ بمثلِه.
ويَخْتَلِفُ باخْتِلافِ البُلْدانِ، فإن كان مِمّا 4 جَرَتْ عادَتُهم

..................................  بالبِناءِ بالحَجَرِ وَحْدَه، كأهْلِ حَوْرَانَ، أو بالطّيِنِ، كأهْلِ الغُوطَةِ بدِمَشْقَ، أو بالخَشَبِ أو القَصَبِ، كأهْلِ الغَوْرِ، كان ذلك إحْياءً.
وإن بَناه بأقْوَى ممَّا جَرَتْ به عادَتُهم، كان أوْلَى.
وقال القاضي: في صِفَةِ الإِحْياءِ رِوايَتانِ؛ إحْداهُما، ما ذَكَرْنا.
والثّانيةُ، الإِحْياءُ ما تَعارَفَه النّاسُ إحْياءً؛ لأنَّ الشَّرْعَ وَرَد بتَعْلِيقِ المِلْكِ عليه، ولم يُبَيِّنْه، ولا ذَكَر كَيفِيَّتَه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ فيه إلى ما كان إحْياءً في العُرْفِ، كما أنَّه لَمّا وَرَد باعْتِبارِ القَبْضِ والحِرْزِ ولم يُبَيِّنْ كَيفِيَّتَه، كان المَرْجِعُ فيه إلى العُرْفِ، ولأنَّ الشّارِعَ لو عَلَّقَ الحُكْمَ على مُسَمًّى باسْمٍ، لتَعَلَّقَ بمُسَمّاه عندَ أهْلِ اللِّسانِ، فكذلك 1 يَتَعَلَّقُ الحُكْمُ بالمُسَمَّى إحياءً عندَ أهْلِ العُرْفِ،

..................................  ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لا يُعَلِّقُ الحُكْمَ على ما ليس إلى مَعْرِفَتِه طَرِيقٌ، فلَمّا لم يُبَيِّنْه، تَعَيَّنَ العُرْفُ طَرِيقًا لمَعْرِفَتِه، إذ ليس له طَرِيقٌ سِواه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الأرْضَ تُحْيَى دارًا للسُّكْنَى، وحَظِيرَةً، ومَزْرَعَةً، فإحْياءُ كلِّ واحِدَةٍ مِن ذلك بما تَتَهَيَّأُ به للانْتِفاعِ الذي أُرِيدَتْ له.
فأمَّا الدّارُ، فبأن يَبْنِيَ حِيطانَها بما جَرَتْ به العادَةُ، ويُسَقِّفَها؛ لأنَّها لا تَصْلُحُ للسُّكْنَى إلَّا بذلك.
والحَظِيرَةُ إحْياؤُها بحائِطٍ جَرَتْ به العادَةُ لِمْثلِها، وليس مِن شَرْطِها التَّسْقِيفُ؛ لأنَّ العادَةَ لم تَجْرِ به، وسَواءٌ أرادَها حَظِيرَةً للماشِيَةِ، أو للخَشَبِ، أو للحَطَبِ، أو نحو ذلك.
فإن جَعَل عليها خَنْدَقًا، لم يَكُنْ إحياءً؛ لأنَّه ليس بحائطٍ ولا عِمارَةٍ، إنَّما هو حَفْرٌ وتَخْرِيبٌ، وكذلك إن حاطَها بشَوْكٍ وشِبْهِه، لا يكونُ إحياءً، ويكونُ تَحَجُّرًا، لأنَّ المُسافِرَ قد يَنْزِلُ مَنْزِلًا ويُحَوِّطُ على رَحْلِه بنحوٍ مِن ذلك، ولو نَزَل مَنْزِلًا فنَصَبَ فيه بَيتَ شَعَرٍ أو خَيمَةً، لم يكنْ إحْياءً.
وإن أرادَها للزِّراعَةِ، فبأن يُهَيِّئَها لإِمْكانِ الزَّرْعِ فيها، فإن كانت لا تُزْرَعُ إلَّا بالماءِ، فبأنْ يسُوقَ إليها ماءً مِن نَهْرٍ أو بِئْرٍ، وإن كان المانِعُ مِن زَرْعِها كَثْرَةَ الأحْجارِ، كأرْضِ

..................................  اللَّجاةِ 1، فإحْياؤُها بقَلْعِ أحْجارِها وتَنْقِيَتِها حتى تَصْلُحَ للزَّرْعِ، وإن كانت غِياضًا وأشْجارًا، كأرْضِ الشِّعْرَى 2، فبأنْ يَقْلَعَ أشْجارَها، ويُزِيلَ عُرُوقَها المانِعَةَ مِن الزَّرْعِ.
وإن كانت ممَّا لا يُمْكِنُ زَرْعُه إلَّا بحَبْسِ الماءِ عنه، كأرْضِ البَطائِحِ، فإحياؤُها بِسَدِّ الماءِ عنها وجَعْلِها بحالٍ يُمْكِنُ زَرْعُها؛ لأنَّ بذلك يُمْكِنُ الانْتِفاعُ بها فيما أرادَها له، مِن غيرِ حاجَةٍ إلى تَكْرارِ ذلك في كلِّ عامٍ، فكان إحياءً، كسَوْقِ الماءِ إلى أرْضٍ لا ماءَ لها.
ولا يُعْتَبَرُ في إحْياءِ الأرْضِ حَرْثُها، ولا زَرْعُها؛ لأنَّ ذلك ممَّا يتَكَرَّرُ كلَّما أراد الانْتِفاعَ بها، فلم يُعْتَبَرْ في الإِحْياءِ، كسَقْيِها، وكالسُّكْنَى في البُيُوتِ، ولا يَحْصُلُ الإِحْياءُ بذلك إذا فَعَلَه بمُجَرَّدِه؛ لِما ذَكَرْنا.
ولا يُعْتَبَرُ في إحْياءِ الأرْضِ للسُّكْنَى نَصْبُ الأبْوابِ على البُيُوتِ.
وبه قال الشافعيُّ فيما ذَكَرْنا في الرِّوايَةِ الثانيةِ، إلَّا أنَّ له وَجْهًا في أنَّ حَرْثَها وزَرْعَها إحياءٌ لها، وأنَّ ذلك مُعْتَبَرٌ في إحْيائِها لا يَتِمُّ بدُونِه، وكذلك نَصْبُ الأبْوابِ على البُيُوتِ؛ لأنّه ممَّا جَرَتِ العادَةُ به، أشْبَهَ السَّقْفَ.
ولا يَصِحُّ هذا؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ السُّكْنَى مُمْكِنَةٌ بدُونِ نَصْبِ الأبْوابِ، فأشَبَهَ تَطْيِينَ سُطُوحِها وتَبْيِيضَها.

وَإِنْ حَفَرَ بِئْرًا عَادِيَّةً، مَلَكَ حَرِيمَهَا خَمْسِينَ ذِرَاعًا.
وَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَادِيَّةً، فَحَرِيمُهُا خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ ذِرَاعًا.

2473 - مسألة: (وإن حَفَر بِئْرًا عادِيَّةً، مَلَك حَرِيمَها خَمْسِين ذِرَاعًا. وإن لم تكنْ عادِيَّةً، فحَرِيمُها خمسةٌ وعِشْرُون)

البِئْرُ العادِيَّةُ، بتَشْدِيدِ الياءِ: القَدِيمَةُ، مَنْسُوبَةً إلى عادٍ.
ولم يُرِدْ عادًا بعَينِها، لكنْ لَمَّا كانت عادٌ في الزَّمَنِ الأوَّلِ، وكانت لها آثارٌ في الأرْضِ، نُسِب إليها كلُّ قَدِيمٍ.
فكلُّ مَن سَبَق إلى بِئْرٍ عادِيَّةٍ كان أحَقَّ بها؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَبَقَ إلى مَا لَمْ يَسْبِقْ إليه مُسْلِمٌ فَهُوَ لَهُ» 1. وله حَرِيمُها خَمْسُون ذِراعًا مِن كلِّ جانِبٍ.
وإن حَفَر بِئْرًا في مَواتٍ للتَّمْلِيكِ، فله حَرِيُمها خَمْسَةٌ وعِشْرُون ذِراعًا مِن كلِّ جانِبٍ.
نَصَّ أحمدُ على هذا في رِوايَةِ حَرْبٍ، وعبدِ اللهِ.
واخْتارَه أكْثَرُ أصْحابِنا.
وقال

..................................  القاضي، وأبو الخَطَّابِ: ليس هذا على طَرِيقِ التَّحْدِيدِ، بل حَرِيمُها في الْحَقِيقَةِ ما يَحْتاجُ إليه في تَرْقِيَةِ مائِها منها، فإن كان بدُولابٍ فقَدْرُ مَدَارِ 1 الثَّوْرِ أو غيرِه، وإن كان بساقِيَةٍ، فبقَدْرِ طُولِ البِئْرِ؛ لما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «حَرِيمُ البِئْرِ مَدُّ 2 رِشَائِها».
أخْرَجَه ابنُ ماجه 3. ولأنَّه المَكانُ الذي تَمْشِي إليه البَهِيمَةُ.
وإن كان يَسْتَقِي منها بيَدِه، فبِقَدْرِ ما يَحْتاجُ إليه الواقِفُ عندَها.
وإن كان المُسْتَخْرَجُ عَينًا،

..................................  فحَرِيمُها القَدْرُ الذي يَحْتاجُ إليه صاحِبُها للانْتِفاعِ بها 1، ولا يَسْتَضِرُّ بأخْذِه منه، ولو كان ألْفَ ذِراعٍ.
وحَرِيمُ النَّهْرِ مِن جانِبَيه ما يَحْتاجُ إليه لطَرْحِ كِرايَتِه 2 بحُكْمِ العُرْفِ؛ وذلك أنَّ هذا إنَّما ثَبَت للحاجَةِ، فيَنْبَغِي أن تُراعَى فيه الحاجَةُ دُونَ غيرِها.
وقال أبو حنيفةَ: حَرِيمُ البئْرِ أرْبَعُون ذِراعًا، وحَرِيمُ العَينِ خَمْسُمائَةِ ذِراعٍ؛ لأنَّ أبا هُرَيرَةَ روَى أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «حَرِيمُ البِئْرِ أرْبَعُونَ ذِراعًا لأعْطانِ الإِبِلِ والغَنَمِ».
وعن الشَّعْبِيِّ مثلُه.
رَواه أَبو عُبَيدٍ 3. ولَنا، ما روَى الدّارَقُطْنِيُّ 4

..................................  والخَلّالُ بإسْنادِهما عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «حَرِيمُ البِئْرِ البَدِئِ 1 خَمْسٌ وعِشْرُونَ ذِرَاعًا، وَحَرِيمُ البِئْرِ الْعَادِيِّ خَمْسُونَ ذِرَاعًا».
وهذا نَصُّ.
وروَى أبو عُبَيدٍ 2 بإسْنادِه، عن يَحْيَى بنِ سعيدٍ الأنصارِيِّ أنَّه قال: السُّنَّةُ في حَرِيمِ القَلِيبِ العادِيِّ خمْسُون ذِراعًا، والبَدِئِ خَمْسٌ وعِشْرُون ذِراعًا.
وبإسْنادِه (2) عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، قال: حَرِيمُ البِئْرِ البَدِئِ خَمْسٌ وعِشْرُون ذِراعًا مِن نَواحِيها كلِّها، وحَرِيمُ بِئْرِ الزَّرْعِ ثَلاثُمائَةِ ذِراعٍ مِن نَواحِيها كلِّها، وحَرِيمُ البِئْرِ العادِيِّ خمْسُونَ ذِراعًا

..................................  مِن نواحِيها كلِّها.
ولأنَّه مَعْنىً يُمْلَكُ به المَواتُ، فلا يَقِفُ على قَدْرِ الحاجَةِ، كالحائِطِ، ولأنَّ الحاجَةَ إلى البِئْرِ لا تَنحَصِرُ في تَرْقِيَةِ الماءِ، فإنَّه يَحْتاجُ إلى ما حَوْلَه عَطَنًا لإِبِله، ومَوْقِفًا لدَوابِّه وغَنَمِه، ومَوْضِعًا يَجْعَلُ فيه أحْواضًا يَسْقِي منها ماشِيَتَه، ومَوْقِفًا لدابَّتِه التي يَسْتَقِي عليها، وأشْباهِ ذلك، فلم يَخْتَصَّ الحَرِيمُ بما يَحْتاجُ إليه في تَرْقِيَةِ الماءِ.
فأمَّا حديثُ أبي حنيفةَ فحَدِيثُنا أصَحُّ منه، وراويهما 1 أبو هُرْيَرَةَ، فيَدُلُّ على ضَعْفِه.

وَعِنْدَ الْقَاضِي، حَرِيمُهَا قَدْرُ مَدِّ رِشَائِهَا مِنْ كُلِّ جَانِبٍ.
وَقِيلَ: بِقَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيهِ فِي تَرْقِيَةِ مَائِهَا.
وَقِيلَ: إِحْيَاءُ الْأَرْضِ مَا عُدَّ إِحْيَاءً، وَهُوَ عِمَارَتُهَا بِمَا تَتَهَيَّأُ بِهِ لِمَا يُرَادُ مِنْهَا مِنْ زَرْعٍ أَوْ بِنَاءٍ.
وَقِيلَ: مَا يَتَكَرَّرُ كُلَّ عَامٍ؛ كَالسَّقْي، وَالْحَرْثِ، فَلَيسَ بِإِحْيَاءٍ، وَمَا لَا يَتَكَرَّرُ فَهُوَ إِحْيَاءٌ.

2474 - مسألة: (وقِيلَ: حَرِيمُها قَدْرُ مَدِّ رِشائِها مِن كلِّ جانِبٍ)

لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ ظاهِرَ كَلامِه في هذا الكِتابِ، وظاهِرَ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه يَمْلِكُ حَرِيمَ البِئْرِ.
ونُقِل عن الشافعيِّ.
وقال القاضي: بل يكونُ أحَقَّ به.
2475 -

مسألة: (وقِيلَ: إحْياءُ الأرْضِ ما عُدَّ إحْياءٌ، وهو عِمارَتُها بما تَتَهَيَّأُ به لِما يُرَادُ منها)

وقد ذَكَرْنا ذلك (وقِيلَ: ما يتَكَرَّرُ كلَّ عامٍ؛ كالسَّقْي، والحَرْثِ، فليس بإحْياءٍ، وما لا يتَكَرَّرُ فهو إحْياءٌ) لأنَّ العُرْفَ أنَّ حَرْثَ الأرْضِ مَرَّةً ليس بإحْياءٍ، وأنَّ عَمَلَ الحائطِ عليها ونحوه إحْياءٌ.
وللشافعيِّ وَجْهٌ في أنَّ الزَّرْعَ والحَرْثَ إحْياءٌ.
وقد ذَكَرْناه.
فإن كانت كثيرَةَ الدَّغَلِ 1 والحَشيشِ، كالمُرُوجِ التي لا يُمْكِنُ زَرْعُها إلَّا بتَكْرارِ حَرْثِها وتَنْقِيَةِ دَغَلِها وحَشِيشِها المانِعِ مِن زَرْعِها، كان إحْياءٌ على قِياسِ ما ذكَرْنا أوَّلًا.

..................................  فصل: ولابُدَّ أن يكونَ البِئْرُ فيها ماءٌ، فإن لم تَصِلْ إلى الماءِ، فهو كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ، على ما نَذْكُرُه.
وقَوْلُه: ومَن حَفَر بِئْرًا عادِيَّةً.
يُحْمَلُ على البِئْرِ التي انْطَمَّتْ وذَهَب ماؤُها، فجَدَّدَ حَفْرَها وعِمارَتَها، أو انْقَطَعَ ماؤُها، فاسْتَخْرَجَه، ليكونَ ذلك إحْياءً لها.
فأمَّا البِئْرُ التي لها ماءٌ يَنْتَفِعُ به المسلمون، فليس لأحَدٍ احْتِجارُه ومَنْعُه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ المَعادِنِ الظّاهِرَةِ التي يَرْتَفِقُ بها النّاسُ، وهكذا العُيُونُ النّابِعَةُ، ليس لأحَدٍ أن يَخْتَصَّ بها.
ولو حَفَر رجلٌ بِئْرًا للمسلمين يَنْتَفِعُونَ بها، أو يَنْتَفِعُ بها مُدَّةَ إقامَتِه عندَها ثمَّ يَتْرُكُها، لم يَمْلِكْها، وكان له الانْتِفاعُ بها، فإذا تَرَكَها كانت للمسلمين كلِّهم، كالمَعادِنِ الظّاهِرَةِ، وهو أحَقُّ بها ما دام مُقِيمًا عندَها؛ لأنَّه سابِقٌ إليها، فهو كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ.
فصل: وإذا كان لإنْسانٍ شَجَرَةٌ في مَواتٍ، فله حَرِيمُها قَدْرَ ما تَمُدُّ إليه أغْصانَها حَواليها، وفي النَّخْلَةِ مَدُّ جَرِيدِها؛ لِما روَى أبو سعيدٍ قال: اخْتُصِمَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حَرِيمِ نَخْلَةٍ، فأمَرَ بجَرِيدَةٍ مِن جَرائِدِها فَذُرِعَتْ، فكانت سَبْعَةَ أذْرُعٍ أو خَمْسَةَ أذْرُعٍ، فَقَضَى بذلك.
رَواه أبو داودَ 1. وإن غَرَس شَجَرَةً في مَواتٍ، فهي له وحَرِيمُها، وإن سَبَق إلى شَجَرٍ مُباحٍ؛ كالزَّيتُونِ، والخَرُّوبِ، فسَقاه وأصْلَحَه، فهو له، كالمُتَحَجِّرِ الشّارِعِ في الإِحْياءِ، فإن طَعَمَه 2 مَلَكَه

..................................  بذلك وحَرِيمَه؛ لأنَّه تَهَيَّأَ للانْتِفاعِ به لِما يُرادُ منه، فهو كسَوْقِ الماءِ 1 إلى الأرْضِ المَواتِ، ولقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 2. فصل: ومَن كانت له بِئْرٌ فيها ماءٌ، فحَفَرَ آخَرُ قَرِيبًا منها بِئْرًا يَنْسَرِقُ إليها ماءُ البِئْرِ الأُولَى، فليس له ذلك، سَواءٌ كان مُحْتَفِرُ الثانيةِ في مِلْكِه؛ مثلَ رَجُلَين مُتَجاورَين في دارَين، حَفَر أحَدُهما في دارِه بِئْرًا، ثمَّ حَفَر 3 الآخَرُ بِئْرًا أعْمَقَ منها، فسَرَى إليها ماءُ الأُولَى، أو كانتا في مَواتٍ، فسَبَق أحَدُهما فحَفَرَ بِئْرًا، ثمَّ جاء آخَرُ فحَفَر قَرِيبًا منها بِئْرًا تَجْتَذِبُ ماءَ الأُولَى.
ووافَقَ الشافعيُّ في هذه الصُّورَةِ الثانيةِ؛ لأنَّه ليس له أن يَبْتَدِئَ مِلْكَه على وَجْهٍ يَضُرُّ بالمالِكِ قبلَه.
وقال في الأُولَى: له ذلك؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ مُباحٌ في مِلْكِه، فجازَ له فِعْلُه، كتَعْلِيةِ دارِه.
وهكذا الخِلافُ في كلِّ ما يُحْدِثُه الجارُ ممَّا يَضُرُّ بجارِه، مثلَ أن يَجْعَلَ دارَه مَدْبَغَةً أو حَمّامًا يَضُرُّ بعَقارِ جارِه بِحَمْي نارِه ورَمادِه ودُخَانِه، أو يَحْفِرَ في أصْلِ حائِطِه حُشًّا 4 يتَأَذَّى جارُه برائِحَتِه وغيرِها، أو يَجْعَلَ دارَه مَخْبِزًا في وَسَطِ العَطّارِين، ونحوه ممَّا يُؤْذِي جارَه.
وقال الشافعيُّ: له ذلك كلُّه.
ورُوِيَ ذلك عن أحمدَ.
وهو قولُ بعضِ الحَنَفِيَّةِ؛ لأنَّه تَصَرُّفٌ مُباحٌ في مِلْكِه، أشْبَهَ بِناءَه ونَقْضَه.
ولَنا،

وَمَنْ تَحَجَّرَ مَوَاتًا لَمْ يَمْلِكْهُ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهِ، وَوَارِثُهُ بَعْدَهُ، وَمَنْ يَنْقُلُهُ إِلَيهِ، وَلَيسَ لَهُ بَيعُهُ.
وَقِيلَ: لَهُ ذَلِكَ.
قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا ضَرَرَ وَلَا إضْرَارَ» (1). ولأنَّه إحْداثُ ضَرَرٍ بجارِه، فلم يَجُزْ، كالدَّقِّ الذي يَهُزُّ الحِيطانَ ويُخَرِّبُها، وكإلْقاءِ السَّمادِ والتُّرابِ في أصْلِ حائِطِه على وَجْهٍ يَضُرُّ به.
ولو كان لرجُلٍ مَصْنَعٌ، فأراد جارُه غَرْسَ شَجَرَةٍ ممَّا تَسْرِي عُرُوقُه فتَشُقُّ حائِطَ مَصْنَعِ جارِه وتُتْلِفُه، لم يَمْلِكْ ذلك، وكان لجارِه مَنْعُه، وقَلْعُها إن غَرَسَها.
ولو كان هذا الذي حَصَل منه الضَّرَرُ سابِقًا، مثلَ مَن له في مِلْكِه مَدْبَغَةٌ أو مَقْصَرَةٌ، فأحْيا إنْسانٌ إلى جانِبِه مَواتًا، وبَناهُ دارًا، فتَضَرَّرَ بذلك، لم يَلْزَمْه إزالةُ الضَّرَرِ، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه؛ لأنَّه لم يُحْدِثْ ضَرَرًا.

2476 -

مسألة: (ومَن تَحَجَّرَ مَوَاتًا، لم يَمْلِكْه، وهو أحَقُّ به، وَوَارِثُه مِن بعدِه، ومَن يَنْقُلُه إليه. وليس له بَيعُه. وقِيلَ: له ذلك)

تَحَجُّرُ المَواتِ الشُّروعُ في إحْيائِه، مثلَ أن يُدِيرَ حَوْلَ الأرْضِ تُرَابًا أو أحْجارًا، أو يُحِيطَها بجِدارٍ صَغِيرٍ، لم يَمْلِكْها بذلك؛ لأنَّ المِلْكَ بالإِحْياءِ، وليس هذا إحْياءً، لكنْ يَصِيرُ أحَقَّ الناسِ به؛ لِما رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيه مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ».
رَواه أبو1

..................................  داودَ 1. فإن مات، فوارثُه أحَقُّ به؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ تَرَكَ حَقًّا أوْ مَالًا، فَهُوَ لِوَرَثَتِه» 2. فإن نَقَلَه إلى غيرِه، صار الثَّانِي أحَقَّ به؛ لأنَّ صاحِبَه أقامَه مُقامَه.
وليس له بَيعُه.
فإن باعَهُ، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُه، فلم يَمْلِكْ بَيعَه، كحَقِّ الشُّفْعَةِ قبلَ الأخْذِ به، وكمَنْ سَبَق إلى مَعْدِنٍ أو مُباحٍ قبلَ أخْذِه.
وقِيلَ: له بَيعُه؛ لأنَّه أحَقُّ به.

فَإِنْ لَمْ يُتِمَّ إِحْيَاءَهُ، قِيلَ لَهُ: إِمَّا أَنْ تُحْيِيَهُ أَوْ تَتْرُكَهُ.

2477 - مسألة: (فإن لم يُتِمَّ إحْياءَه، قِيلَ له: إمّا أن تُحْيِيَه، وإمّا أن تَتْرُكَه)

إذا طالتِ المُدَّةُ بعدَ التَّحَجُّرِ، ولم يُحْيِه، فيَنْبَغِي أن يَقُولَ له 1 السُّلْطانُ: إمّا أن تُحْيِيَه أو تَتْرُكَه ليُحْيِيَه غيرُك؛ لأنَّه ضَيَّقَ على النّاسِ في حَقٍّ مُشْتَرَكٍ بينَهم، فلم يُمَكَّنْ مِن ذلك، كما لو وَقَف في طَرِيقٍ ضَيِّقٍ، أو مَشْرَعَةِ ماءٍ، أو مَعْدِنٍ لا يَنْتَفِعُ به، ولا يَدَعُ غيرَه.

فَإِنْ طَلَبَ الْإِمْهَال، أُمْهِلَ الشَّهْرَينِ، وَالثَّلَاثَةَ، فَإِنْ أَحْيَاهُ غَيرُهُ فَهَلْ يَمْلِكُهُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

2478 - مسألة: (فإن طَلَب الإِمْهال، أُمْهِلَ)

مُدَّةً قَرِيبَةً؛ كالشَّهْرَين، والثَّلاثَةِ، ونحوها؛ لأنَّه يَسِيرٌ.
فإن بادَرَ غيرُه فأحْياهُ في مُدَّةِ المُهْلَةِ أو قبلَ ذلك، مَلَكَه بالإِحْياءِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
لأنَّ الإِحْياءَ يُمْلَكُ به، والتَّحَجُّرَ لا يُمْلَكُ به، فيَثْبُتُ المِلْكُ بما يُمْلَكُ به دُونَ ما لا يُمْلَكُ

..................................  به، كمَن سَبَق إلى مَعْدِنٍ أو مَشْرَعَةٍ، فجاء غيرُه فأزاله وأخَذَه، ولعُمُومِ الحديثِ في الإِحْياءِ.
والثانِي، لا يَمْلِكُه؛ لأنَّ مَفْهُومَ قَوْلِه عليه الصلاةُ والسَّلامُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً في غَيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ، فَهِيَ لَهُ» 1. أنَّها لا تكونُ له إذا كان لمُسْلِمٍ فيها حَقٌّ، وكذلك قَوْلُه: «مَنْ سَبَقَ إلَى مَا لَمْ يَسْبِقْ إلَيهِ مُسْلِمٌ، فَهُوَ أحَقُّ بِهِ» 2. وروَى سعيدٌ في «سُنَنِه» 3 أنَّ عُمَرَ قال: مَن كانت له أرْضٌ -يَعْنِي من تحَجَّرَ أرْضًا- فعَطَّلَها ثَلاثَ سِنِين، فجاءَ قَوْمٌ يُعَمِّرُونَها، فهم أحَقُّ بها.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ مَن عَمَّرَها قبلَ ثَلاثِ سِنِين لا يَمْلِكُها.
ولأنَّ الثانِيَ أحْيا في حَقِّ غيرِه فلم يَمْلِكْه، كما لو أحْيا ما تتَعَلَّقُ به مَصالِحُ مِلْكِ غيرِه، ولأنَّ حَقَّ المُتَحَجِّرِ أسْبَقُ، فكان أوْلَى، كحَقِّ الشَّفِيعِ يُقَدَّمُ على شِراءِ المُشْتَرِي.

جارٍ التحميل