الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 529-36

..................................  فصارَ له ثَلاثةُ أرْباعِ الدّارِ، ولشَرِيكِه الرُّبْعُ، ويَدْفَعُ إلى الأوَّلِ نِصْفَ الثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثَّاني ثَلاثةَ أرْباعِ الثَّمَنِ الثَّاني، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ برُبْع الثَّمَنِ الثَّاني؛ لأنَّه يَأخُذُ نِصْفَ ما اشْتَراه الأوَّلُ، وهو السُّدْسُ، فيَدْفعُ إليه نِصْفَ الثَّمَنِ؛ لذلك، وقد صار نِصْفُ هذا النِّصْفِ في يَدِ الثَّاني، وهو رُبْعُ ما في يَدِه، فيَأخُذُه منه، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ بثَمَنِه، وبَقِيَ المَأخُوذُ مِن الثَّاني ثَلاثةَ أرْباعِ ما اشْتَراه، فأخَذَها منه، ودَفَع إليه ثلاثةَ أرْباعِ الثَّمَنِ.
وإن كان المُشتَرِي الثَّاني هو البائِعَ الأولَ، فالحُكْمُ على ما ذَكَرْنا، لا يَخْتَلِفُ.
وإن كانتِ الدّارُ بينَ الثلاثةِ أرْباعًا، لأحَدِهم نِصْفُها وللآخَرَين نِصْفُها بينَهما، فاشْتَرَى صاحِبُ النِّصْفِ مِن أحَدِ شَرِيكَيه رُبْعَه، ثم باعَ رُبْعًا مِمَّا في يَدِه لأجْنَبِي، ثم عَلِم شَرِيكُه فأخَذَ بالبَيعِ الثَّاني، أخَذَ جَمِيعَه، ودَفَع إلى المُشْتَرِي ثَمَنَه.
وإن أخَذَ بالبَيعِ الأوَّلِ وحدَه، أخَذَ ثُلُثَ المَبِيعِ، وهو نِصْفُ سُدْسٍ؛ لأنَّ المَبِيعَ كلَّه رُبْعٌ، فثُلُثُه نِصْفُ سُدْس، ويَأخُذُ ثُلُثَيه مِن المُشْتَرِي الأوَّلِ، وثُلُثَه مِن الثَّاني، ومَخْرَج ذلك مِن سِتَّةٍ وثَلاثينَ، النِّصْفُ ثمانِيَةَ عَشرَ، ولكلِّ واحِدٍ منهما تِسْعَة، فلما اشْتَرَى صاحِبُ النِّصْفِ تِسْعَةً، كانت شُفْعَتُها بينَه وبينَ شَرِيكِه الذي لم يَبعْ أثْلاثًا، لشَرِيكِه ثُلُثُها ثَلاثة، فلما

..................................  باعَ صاحِبُ النِّصْفِ ثُلُثَ ما في يَدِه، حَصَل في المَبِيع مِن الثلاثةِ ثُلثها، وهو سَهْمٌ، بَقِيَ في يَدِ البائِعِ منها سَهْمان، فتُرَدُّ الثلاثةُ إلى الشَّرِيكِ، يَصِيرُ في يَدِه اثْنَا عَشَرَ، وهي الثُّلُثُ، ويبقى في يَدِ المُشْتَرِي الثَّاني ثَمانِيَةٌ، وهي تُسْعانِ، وفي يَدِ صاحِبِ النِّصْفِ سِتَّةَ عَشَرَ، وهي أرْبعةُ أتْساع، ويَدفَعُ الشَّرِيكُ الثَّمَنَ إلى المُشْتَرِي الأوَّلِ ويَرْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني عليه بتُسْعِ الثَّمَنِ الذي اشْتَرَى به؛ لأنَّه قد أخَذَ منه تُسْعَ مَبِيعِه، وإن أخَذَ بالعَقْدَين، أخَذَ مِن الثَّاني جَمِيعَ ما في يَدِه، وأخَذَ مِن الأوَّلِ نِصْفَ التُّسْعِ، وهي سَهْمانِ مِن سِتَّةٍ وثَلاثينَ، فيَصِيرُ في يَدِه عشْرُونَ سَهْمًا، وهي خَمْسَةُ أتْساع ويَبْقَى في يَدِ الأوَّلِ سِتَّةَ عَشَرَ سهْمًا، وهي أرْبَعَةُ أتْساع، ويَدْفَعُ إليه ثُلُثَ الثَّمَنِ الأوَّلِ، ويَدْفَعُ إلى الثَّاني ثَمانِيَةَ أتْساعِ الثَّمَنِ الثَّاني، ويَرْجِعُ الثَّاني على الأوَّلِ بتُسْعِ الثَّمَنِ الثَّاني.

..................................  فصل: إذا كانت دارٌ بينَ ثلاثةٍ؛ لزَيدٍ نِصْفُها، ولعَمْرو ثُلثها، ولبَكْرٍ سُدْسُها، فاشْتَرَى بَكْرٌ مِن زَيدٍ ثُلُثَ الدّارِ، ثم باع عَمْرًا سُدْسَها، ولم يَعْلَمْ عَمْرُوٌ بشِرائِه للثُّلُثِ، ثم عَلِم، فله المُطالبَةُ بحَقِّه مِن شُفْعَةِ الثُّلُثِ، وهو ثُلُثاه، وهو تُسْعَا الدّارِ، فيَأخُذُ مِن بَكْر ثُلُثَيْ ذلك، وقد حَصَل ثُلُثُه الباقِي في يَدِه بشِرائِه للسُّدْسِ، فيَفْسَخُ بَيعَه فيه، ويَأخُذُه بشُفْعَةِ البَيعِ الأوَّلِ، ويَبْقَى مِن بَيعِه خَمْسَةُ أتْساعِه، لزَيدٍ ثُلُث شُفْعَتِه، فتُقْسَمُ بينَهما أثلاثًا.
وتَصِحُّ المسألةُ مِن مائةٍ واثْنَين وسِتِّين سَهْمًا، الثُّلُثُ المَبِيعُ أرْبَعَة وخَمْسُونَ، لعَمْرو ثُلُثاهَا بشُفْعَتِه سِتَّة وثَلاثونَ سَهْمًا، يَأخُذُ ثُلُثَيها مِن بَكْرٍ، وهي أرْبَعَة وعِشْرُونَ سَهْمًا، وثُلُثُها في يَدِه اثْنا عَشَرَ سَهْمًا، والسُّدْسُ الذي اشْتَراه سَبْعَة وعِشْرُونَ سَهْمًا، قد أخَذَ منها اثْنيْ عَشَرَ بالشُّفْعَةِ، بَقِيَ منها خَمْسَةَ عَشَرَ، له ثُلُثاها عَشَرَة، ويَأخُذُ منها زَيدٌ خَمْسَةً، فحَصَلَ لزَيدٍ اثْنانِ وثَلاثونَ سهْمًا، ولبَكْر ثَلاثونَ سَهْمًا، ولعَمْرو مائةُ سَهْمٍ، وذلك نِصْف الدّارِ وتُسْعُها ونِصْفُ تُسْعِ تُسْعِها،

..................................  ويَدْفَعُ [عَمْروٌ إلى بَكْر] 1 ثُلُثَي الثَّمَنِ في البَيعِ الأوَّلِ، وعلى زَيدٍ خَمْسَةُ أتْساعِ الثَّمَنِ الثَّانِي بينَهما أثْلاثًا.
فإن عَفَا عَمْرو عن شُفْعَةِ الثُّلُثِ، فشُفْعَةُ السُّدْسِ الذي اشْتَراه بينَه وبينَ زَيدٍ أثلاثًا، ويَحْصُلُ لعَمْرو أرْبَعَةُ أتْساعِ الدّارِ، ولزَيدٍ تُسْعاها، ولبَكْر ثُلثها، وتَصِحُّ مِن تِسْعَةٍ.
وإن باعَ بَكْرٌ السُّدْسَ لأجْنَبِي فهو كبَيعِه إيّاه لعَمْرو، إلَّا أنَّ لعَمْرو العَفْوَ عن شُفْعَتِه في السُّدْسِ، بخِلافِ ما إذا كان هو المُشْتَرِيَ، فإَّنه لا يَصِحُّ عَفْوُه عن نَصِيبِه منها.
وإن باع بَكْر الثُّلُثَ لأجْنَبِي، فلعَمْرو ثُلُثَا شُفْعَةِ المَبِيعِ الأوَّلِ وهو التُّسْعانِ، يَأخُذُ ثُلُثَهُما مِن بَكْر وثُلُثَيهِم مِن المُشْتَرِي الثَّاني، وذلك تُسْعٌ وثُلُثُ تسع، يَبْقَى في يَدِ الثَّاني سُدْسٌ وسُدْسُ تُسْع، وهو عَشَرَة مِن أرْبَعَةٍ وخَمْسِينَ بينَ عَمْرو وزَيدٍ أثلاثًا، وتَصِحُّ أيضًا مِن مائةٍ واثْنَين وسِتِّينَ، ويَدْفَعُ عَمْرو إلى بَكْر ثُلُثَيْ ثَمَنِ مَبِيعِه، ويَدْفَعُ هو وزَيدٌ إلى المُشْتَرِي الثَّاني ثَمَنَ خَمْسَةِ أتْساعِ مَبِيعِه بينَهما أثلاثًا، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي الثَّاني على بَكْر بثَمَنِ أرْبَعَةِ أتْساعِ مَبِيعِه.
وإن لم يَعْلَمْ عَمْروٌ حتَّى باع مِمَّا في يَدَيه سُدْسًا، لم تَبْطُلْ شُفْعَتُه في أحَدِ الوجوه، وله أن يَأخُذَ بها كما لو لم يَبع شيئًا.
والثَّاني، تَبْطُلُ شُفْعَتُه كلُّها.
والثَّالثُ، تَبْطُلُ في قَدْرِ ما باع، وتبْقَى فيما لم يَبعْ.
وقد ذَكَرْنا تَوْجِيهَ هذه الوُجُوهِ.
فأمَّا شُفْعَةُ ما باعَه، ففيها ثلاثةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، أنَّها بينَ المُشْتَرِي الثَّاني وزَيدٍ

..................................  وبَكْر أرْباعًا، للمُشْتَرِي نِصْفُها، ولكلِّ واحِدٍ منهما 1 رُبْعُها، على قَدْرِ أمْلاكِهِم حينَ بَيعِه.
والثاني، أنَّها بينَ زَيدٍ وبَكْر على أرْبَعَةَ عَشَرَ سَهْمًا، لزَيدٍ تِسْعَة، ولبَكْر خَمْسَة؛ لأنَّ لزَيدٍ السُّدْسَ، ولبَكْر سُدْسٌ يَسْتَحِقُّ منه أرْبَعَةَ أتْساعِه بالشُّفْعَةِ، فيَبْقَى معه خَمْسَةُ أتْساعِ السُّدْسِ مِلْكُه مُستَقِرٌّ عليها، فأضَفْناه 2 إلى سُدْسِ زَيدٍ، وقَسَمْنا الشُّفْعَةَ على ذلك، ولم نُعْطِ المُشْتَرِيَ الثانيَ ولا بَكْرًا بالسِّهامِ المُسْتحَقَّةِ بالشُّفْعَةِ شيئًا؛ لأنَّ المِلْكَ عليها غيرُ مُسْتَقِرٍّ.
والثَّالثُ، إن عَفَا لهم عن الشُّفْعَةِ اسْتَحَقُّوا بها، وإن أُخِذَتْ بالشُّفْعَةِ لم يَسْتَحِقُّوا بها شيئًا، وإن عَفَا عن بعضِهم دُونَ بعض، اسْتَحَق المَعْفُوُّ عنه بسِهَامِه دُونَ غيرِ المَعْفُوِّ عنه.
وما بَطَلَتِ الشُّفْعَةُ فيه ببَيعِ عَمْرو، فهو بمَنْزِلةِ المَعْفُوِّ عنه، فيُخَرَّجُ في قَدْرِه وَجْهانِ.
ولو اسْتَقْصَينا فُرُوعَ هذه المسألةِ على سَبِيلِ البَسْطِ، لطَال، وخَرَجَ إلى الإمْلالِ.
فصل: إذا كانت دارٌ بينَ أرْبَعَةٍ أرْباعًا، فاشْتَرَى اثْنانِ منهم نَصِيبَ أحَدِهم، اسْتَحَقَّ الرّابع الشُّفْعَةَ عليهما، واسْتَحَق كلُّ واحِدٍ مِن المُشْتَرِيَيْن الشُّفْعَةَ على صاحِبِه.
فإن طالبَ كلُّ واحِدٍ منهم بشُفْعَتِه، قُسِمَ المَبِيعُ بينَهم أثلاثًا، وصارتِ الدّارُ بينَهم كذلك، وإن عَفَا الرّابع وحدَه، قُسِمَ المَبِيعُ بينَ المُشْتَرِيَين نِصْفَين.
وكذلك إن عَفَا الجَمِيعُ عن

..................................  شُفْعَتِهم، فيَصِيرُ لهما ثلاثةُ أرْباعِ الدَّارِ، وللرّابع الرُّبعُ بحالِه.
وإن طالبَ الرابعُ وحدَه، أخَذَ منهما نِصْفَ المَبِيعِ؛ لأنَّ كلِّ واحِدٍ منهما له مِن المِلْكِ مثلُ ما للمُطالِبِ، فشُفْعَةُ مَبِيعِه بينَه وبينَ شَفِيعِه نِصْفَين، فيَحْصُلُ للرّابع ثلاثةُ أثْمانِ الدّارِ، وباقِيها بينَهما نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن سِتَّةَ عَشَرَ.
وإن طالبَ الرابعُ وحدَه أحَدَهُما دُونَ الآخَرِ، قاسَمَه الثَّمَنَ نِصْفَين، فيَحْصُلُ للمَعْفُوِّ عنه ثلاثةُ أثْمانٍ، والباقِي بينَ الرابعِ والآخَرِ نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن سِتَّةَ عَشَرَ.
وإن عَفَا أحَدُ المُشتَرِيَين ولم يَعْفُ الآخَرُ ولا الرابعُ، قسِمَ مَبِيعُ المَعْفُوِّ عنه بينَه وبينَ الرابع نِصْفين، ومِبيعُ الآخرِ بينَهم أثلاثًا، فيَحْصُلُ للذي لم يَعْفُ عنه رُبْع وثُلُثُ ثُمْنٍ، وذلك سُدْسٌ وثُمْن، والباقِي بينَ الآخرَين نِصْفَين، وتَصِحُّ مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ.
وإن عَفَا الرَّابع عن أحَدِهما، ولم يَعْفُ أحَدُهما عن صاحِبه، أخَذَ مِمَّن لم يَعْفُ عنه ثُلُثَ الثَّمَنِ، والباقِي بينَهما نِصْفَين، ويكَونُ الرَّابع كالعافِي في التي قبلَها، وتَصِحُّ أيضًا مِن ثَمانِيَةٍ وأرْبَعِينَ.
وإن عَفَا الرَّابع، وأحَدُهما عن الآخَرِ، ولم يَعْفُ الآخَرُ، فلغيرِ العافِي رُبْعٌ وسُدْسٌ، والباقِي بينَ العافِيَين نِصْفَين، لكل واحِدٍ منهما سُدْسٌ وثُمْنٌ، وتَصحُّ مِن أرْبَعَةٍ وعِشْرِينَ، وما يُفَرَّعُ مِن المَسائِلِ، فهو على سِياقِ 1 ما ذَكَرْناه.

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1415 هـ - 1995 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

باب الوَدِيعَةِ

باب الوَدِيعَةِ والأصْلُ فيها الكِتابُ والسُّنَّةُ والإجْماعُ؛ أمّا الكِتابُ فقولُ الله تِعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ 1. وقَوْلُه تعالى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ 2. وأمّا السُّنَّةُ فقولُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أدِّ الأمانَةَ إلَى مَنِ ائتْمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذيُّ 3، وقال: حدِيثٌ حسنٌ.
ورُوِيَ عنه، عليه الصَّلاةُ والسلامُ، أنَّه كانت عندَه ودائِعُ، فلَمّا

..................................  أراد الهِجْرَةَ أوْدَعَها عندَ أمِّ أيمَنَ، وأمَرَ عليًّا أن يَرُدَّها على أهْلِها 1. وأمّا الإجْماعُ، فأجْمَعَ عُلَماءُ كلِّ عَصْر على جَوازِ الإيداعِ والاسْتِيداعِ، والعِبْرَةُ تَقْتَضِيها؛ لحاجَةِ النّاسِ إليها، فإنَّه يَتَعَذَّر على جَمِيعِهم حِفْظُ أمْوالِهم بأنْفُسِهم، ويَحْتاجُون إلى مَن يَحْفَظُها لهم.
والوَدِيعَةُ فَعِيلة، مِن وَدَع الشيءَ: إذا تَرَكَه، أي هي مَتْرُوكَة عندَ المُودَعِ.
واشْتِقاقُها بِن السُّكُونِ.
يُقالُ: وَدَع، يَدَعُ.
فكأنَّها ساكِنَة عندَ المُودَعِ مُسْتَقِرة.
وقِيلَ: هي مُشْتَقَّةٌ مِن الحِفْظِ والدَّعَةِ، فكأنَّها في دَعة عندَ المُودَعِ.
وقَبُولُها مُسْتَحبٌّ لمَن يَعْلَمُ مِن نَفْسِه الأمانَةَ؛ لأنَّ فيه قَضاءَ حاجَةِ أخِيه المُؤمِنِ ومُعاوَنَتَه.
وهي عَقْدٌ جائِزٌ مِن الطَّرَفَين، متى أراد المُودِعُ أخْذَ وَدِيعَتِه لَزِم المُسْتَوْدَعَ رَدُّها؛ للآيَةِ.
وإن رَدَّها المُسْتَوْدَعُ على صاحِبِها، لَزِمَه القَبُولُ؛ لأنَّ المُسْتَوْدَعَ مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها، فلا يَلْزَمُه التَّبرُّعُ في المُستقْبَلَ.

وَهِيَ أمَانةٌ لَا ضَمَانَ عَلَيهِ فِيهَا، إلَّا بَعْدَ أن يَتَعَدَّى.
وإنْ تَلِفَتْ مِنْ بَينِ مَالِهِ، لَمْ يَضْمَنْ، فِي أصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.

2432 - مسألة: (وهي أمانَةٌ لا ضَمانَ عليه فيها، إلَّا أن يَتَعَدَّى. وإن تَلِفَتْ منِ بينِ مالِه، لم يَضْمَنْ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين)

وجُمْلَةُ ذلك أنَّ الوَدِيعَةَ أمانة، إذا تَلِفَتْ مِن غيرِ تَعَدٍّ ولا تفْرِيطٍ مِن المُودَعِ، فليس عليه ضَمان، سَواءٌ ذَهَب معها شيءٌ مِن مالِ المُودَع أو لم يَذهَبْ.
هذا قولُ أكْثرِ أهلَ العِلْمَ.
رُوِيَ ذلك عن أبي بكر، وعليٍّ، وابنَ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وبه قال شُرَيحٌ، والنَّخَعِيُّ، ومالِكٌ، وأبو الزِّنادِ،

..................................  والثَّوْرِيُّ، والشّافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأي.
وعن أحمدَ رِوايَة، إن ذَهَبَتِ الوَدِيعَة مِن بينِ مالِه ضَمِنَها؛ لِما رُوِيَ عن عُمَرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أَنَّه ضَمَّنَ أنَسَ بنَ مالِكٍ وَدِيعَةً ذَهَبَتْ مِن بينِ مالِه 1. قال القاضي: والأوَّل أصَحُّ؛ لأنَّ الله تعالى سَمّاها أمانَةً، والضَّمان يُنافِي الأمانَةَ.
وروَى الدّارَقطنيُّ 2، لأنَّ عمرِو بنِ شعَيبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «لَيسَ عَلَى الْمُودَعِ ضَمَان».
[ولأن المسْتَوْدَعَ مؤتَمَنٌ، فلم يَضْمَنْ ما تَلِف مِن غيرِ تَعَدِّيه ولا تَفْرِيطِه، كما لو ذَهَبَت مع مالِه] 3، ولأنَّ المسْتَوْدَعَ إنَّما يَحْفَطها لصاحِبِها متَبَرِّعًا، مِن غيرِ نَفعٍ يَرْجِع إليه، فلو لَزِمَه الضَّمان لامْتَنَعَ النّاس مِنِ الاسْتِيداعِ، وذلك مضِرٌّ؛ لِما بَيَّناه مِن الحاجَةِ إليها.
وما رُوِيَ عن عُمَرَ مَحْمولٌ على التَّفْرِيطِ مِن أنَسٍ في حِفْظِها، فلا ينافِي ما ذَكَرْناه.
فإن تَعَدَّى المُودَع فيها، أو فَرَّطَ في حِفظِها، ضَمِنَها، بغيرِ خِلافٍ عَلِمْناه؛ لأنَّه مُتْلِف لمالِ غيره، فضَمِنَه، كما لو أتْلَفَه مِن غير اسْتِيداع.

وَيَلْزَمُهُ حِفْظُهَا فِي حِرْزِ مِثْلِهَا.
فصل: فإن شَرَط المُودِعُ على المُسْتَوْدَعِ ضَمانَ الوَدِيعَةِ، فقَبِلَه، أو قال: أنا ضامِنٌ لها.
لم يَضْمَنْ.
قال أحمدُ في المُودَعِ: إذا قال: أنا ضامِنٌ.
فسُرِقَتْ، فلا شيءَ عليه.
وكذلك كلُّ ما أصْلُه الأمانةُ، كالمُضارَبَةِ، ومالِ الشَّرِكَةِ، والرَّهْنِ، والوَكالةِ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وإسحاق، وابنُ المُنْذِرِ؛ وذلك لأنَّه شَرَط ضَمانَ ما لم يُوجَدْ سَبَبُ ضَمانِه، فلم يَلْزَمْه، كما لو شَرَط ضَمانَ ما يَتْلَفُ في يَدِ مالِكِه.

2433 -

مسألة: (ويَلْزَمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها)

إذا أودِعَ وَدِيعَةً، ولم يُعَيِّن، المُودِعُ له مَوْضِعًا لها، فإن المُودَعَ يَلْزَمُه حِفْظُها في حِرْزِ مِثْلِها، كما يَحْفَظُ ماله.
وحِرْزُ مِثْلِها يُذْكَر في بابِ القطعِ في السَّرِقَةِ.
فإن لم يَحْفَظْها في حِرْزِ مِثْلِها، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ فيها، فإن وَضَعَها في حِرْزِ مِثْلِها، [ثم نَقَلَها عنه إلى حِرْزِ مثْلِها] 1، لم يَضْمَنْها، سَواءٌ نَقَلَها إلى مِثْلِ الأوَّلِ أو دُونَه؛ لأنَّ صاحِبَها رَدَّ حِفْظَها إلى رَأيِه واجْتِهادِه، وأذِنَ له في إحْرازِها بما شاء مِن إحْرازِ مِثْلِها، ولهذا لو تَرَكَها في الثَّانِي أوَّلًا، لم يَضْمَنْها، فكذلك إذا نَقَلَها إليه.
ولو كانتِ العَينُ في بَيتِ صاحِبِها، فقال لرجل: احْفَظْها في مَوْضِعِها.
فنقَلَها عنه مِن غيرِ خَوْفٍ، ضَمِنَها؛

وإنْ عَيَّنَ صَاحِبُهَا حِرْزًا، فَجَعَلَهَا فِي دُونِهِ، ضَمِنَ.
لأنَّه ليس بمُودَعٍ، إنَّما هو وَكِيل في حِفْظِها.
وليس له إخْراجُها مِن مِلْكِ صاحِبِها، ولا مِن مَوْضِع اسْتَأجَرَه لها، إلَّا أن يَخافَ عليها، فعليه إخْراجُها؛ لأنَّه مَأمُور بحِفْظِها، وقد تَعَيَّن حِفْظُها في إخْراجِها، ويَعْلَمُ أنَّ صاحِبَها لو حَضَر في هذه الحالِ، أخْرَجَها، ولأنَّه مَأمُور بحِفْظِها على صِفَةٍ، فإذا تعَذَّرَتِ الصِّفَةُ، لَزِمَه حِفْظُها بدُونِها، كالمُسْتَوْدَعِ إذا خاف عليها.

2434 -

مسألة: (وإن عَيَّن صاحِبُها حِرْزًا، فجَعَلَها في دُونِه، ضَمِن)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ المُودِعَ إذا أمَرَ المُسْتَوْدَعَ بحِفْظِها في مكانٍ عَيَّنه، فحفظَها فيه، ولم يَخْشَ عليها، فلا ضَمانَ عليه، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّه مُمْتَثِلٌ، غيرُ مُفرِّطٍ.
وإن أحْرَزَها في دُونِه، ضمِن؛ لأنَّه مُخالِف، ولأنَّ صاحِبَها لم يَرْضَه.

وإن أحْرَزَهَا بِمِثْلِهِ، أوْ فَوْقَهُ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَكِيلَ: يَضْمَنُ إلَّا أن يَفْعَلَهُ لِحَاجَةٍ.

2435 - مسألة: (وإن أحْرَزَها في مِثْلِه، أو فوقَه، لم يَضْمَنْ)

وكذلك إن نَقَلَها إلى مِثْلِ ذلك الحِرْزِ لغيرِ جاجَةٍ.
هذا قولُ القاضي.
وهو مَذْهَبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّ تَقْيِيدَه بهذا الحِرْزِ، يَقْتَضِي ما هو مِثْلُه، كمَن اكْتَرَى أرْضًا لزَرْعِ الحِنْطَةِ، فله زَرْعُها وزَرْعُ مِثْلِها في الضَّرَرِ، ولأن مَن رَضِيَ حِرْزًا، رَضِيَ مِثْلَه أو فوقَه (وقِيلَ: يَضْمَنُ) ويَحْتَمِلُه كَلامُ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّ الأمْرَ بشيء يقْتَضِي تَعَيُّنه، فلا يُعْدَلُ عنه إلَّا بدَلِيل.
وإن نَقَلَها إلى أحْرَزَ منه، فهو كما لو نَقَلَها إلى مِثْلِه، وإن فَعَلَه لحاجَةٍ، لم يَضْمَنْ؛ لِما نَذْكُرُه.

وَإنْ نَهَاهُ عَنْ إخْرَاجِهَا، فَأخْرَجَهَا لِغَشَيَانِ شَيْءٍ الْغَالِبُ مِنْهُ التَّوَى، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإنْ تَرَكَهَا فَتَلِفَتْ، ضَمِنَ.
وإن أخْرَجَهَا لِغَيرِ خوْفٍ، ضَمِنَ.

2436 - مسألة: (وإن نَهاه)

المالِكُ (عن إخْراجِها) فأخْرَجَها (لغَشيانِ شيءٍ الغَالِبُ منه التَّوَى 1، لم يَضْمَنْ.
وإن تَرَكَها فتَلِفَتْ، ضَمِنَها.
وإن أخْرَجَها لغيرِ خَوْفٍ، ضَمِن) إذا نَهاه المالِكُ عن إخْراجِها مِن ذلك المَكانِ، فالحُكْمُ فيه حُكْمُ ما لو لم يَنْهَه، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ فيه.
فإن أخْرَجَها لشيءٍ الغالِبُ منه التَّوَى، مِثْلَ أن خاف عليها نَهْبًا، أو هَلاكًا، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه غيرُ مُفَرِّطٍ في حِفْظِها، لأنَّ حِفْظَها

..................................  نَقْلُها؛ وتَرْكَها تَضْيِيعٌ لها.
وإن نَقَلَها في هذه الحالِ إلى دُونِ الحِرْزِ؛ فإن أمْكَنَه إحْرازُها في مِثْلِه، أو أعْلى منه، ضَمِنَها؛ لتَفْرِيطِه، وإن لم يُمْكِنْه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ إحْرازَها بذلك أحْفَظُ لها، وليس في وُسْعِه سِواه.
وإن تَرَكَها فتَلِفَتْ، ضَمِن، سَواءٌ تَلِفَتْ بالأمْرِ المَخُوفِ أو بغيرِه؛ لأنَّه مُفَرِّط في حِفْظِها؛ لأنَّ حِفْظَها في نَقْلِها، وتَرْكُها تَضْيِيعٌ لها.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه لا يَضْمَنُ؛ لأنَّه امْتَثَلَ أمْرَ صاحِبِها، أشْبَهَ ما لو قال: لا تُخرِجْها وإن خِفْتَ عليها.
فإن أخْرَجَها لغيرِ خَوْفٍ، ضَمِن سَواءٌ أخْرَجَها إلى مِثْلِ الحِرْزِ أو دُونِه أو فوقِه؛ لأنَّه خالفَ نَصَّ صاحِبها لغيرِ فائِدَةٍ.
وهذا ظاهِرُ كلامِ الشَّافعيِّ.
وفيه قولٌ آخَرُ، أَنَّه لا يَضْمَنُ، كما لو لم يُعَيِّنْ

..................................  له حِرْزًا.
وقد ذَكَرْناه.
وهو قولُ القاضي.
وقال أبو حنيفةَ: إن نَهاه عن نَقلِها مِن بَيتٍ، فنَقَلَها إلى بَيتٍ آخَرَ مِن الدّارِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ البَيتَين مِن دار واحِدَةٍ حِرْزٌ واحِد، وطَرِيقُ أحَدِهما طَرِيقُ الآخَرِ، فأشْبَهَ ما لو نَقَلَها مِن زَاويَةٍ إلى زاويَةٍ.
وإن نَقَلَها مِن دارٍ إلى دار أخْرَى، ضَمِن.
ولَنا، أنَّه خالفَ أمْرَ صاحِبها بما لا مَصْلَحَةَ فيه، فيَضْمَنُ، كما لو نَقَلَها مِن دار إلى دار.
ولا يَصِحُّ هذا الفَرْقُ؛ لأنَّ بُيُوتَ الدّارِ تَخْتَلِفُ، فمنها ما هو أقْرَبُ إلى الطَّرِيقِ، أو إلى الانْهِدامْ، أو إلى مَوْضِعِ الوَقُودِ، أو أسْهَلُ فَتْحًا، أو أضْعَفُ حائِطًا، أو أسْهَلُ نَقْبًا، أو يكون المالِكُ يَسْكُنُ به، أو غيرِه وأشْباه هذا ممّا يُؤثِّرُ في الحِفْظِ أو في عَدَمِه، فلا يَجُوزُ تَفْويت غَرَضِ رَبِّ الوَدِيعَةِ مِن تَعْيينه مِن غيرِ ضَرُورَةٍ.

فَإن قَال: لَا تُخْرِجْهَا وإن خِفْتَ عَلَيهَا.
فَأخْرَجَهَا عِنْدَ الْخَوْفِ، أوْ تَرَكَهَا، لَمْ يَضْمَنْ.

2437 - مسألة: (فإن قال: لا تُخْرِجْها وإن خِفْتَ عليها. فأخْرَجَها عندَ الخَوْفِ، أو تَرَكَها، لم يَضْمَنْ)

إذا أخْرَجَها في هذه الحالِ مِن غيرِ خَوْفٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُخالِفٌ شَرْطَ صاحِبِها لغيرِ حاجَةٍ.
وإن أخْرَجَها عندَ خَوْفِه عليها، أو تَرَكَها، لم يَضْمَنْ إذا تَلِفَتْ؛ [لأن نَهْيَه] 1 مع خَوْفِ الهَلاكِ نصَّ فيه، وتَصْرِيحٌ به، فيكونُ مأذونًا في تَرْكِها في تلك الحالِ، فلم يَضْمَنْها؛ لامْتِثالِه أمْرَ صاحِبِها، أشْبَهَ ما لو أذِنَ له في إتْلافِها.
ولا يَضْمَنُ إذا أخْرَجَها؛ لأنَّه زاده خَيرًا وحِفْظًا، فلم يَضْمَنْ، كما لو أذِنَ له في إتْلافِها، فلم يَفْعَلْ حتَّى تَلِفَتْ.
فصل: إذا أخْرَجَ الوَدِيعَةَ المَنْهِيَّ عن إخْراجِها، فتَلِفَتْ، فادَّعَى أَنَّه أخْرَجَها لغَشيانِ نارٍ، أو سَيلٍ، أو أمْرٍ ظاهِرٍ، وأنْكَرَ صاحِبُها وُجُودَه، فعلي المُسْتَوْدَعِ البَيِّنةُ أَنَّه كان في ذلك المَوْضِعِ ما ادَّعاه؛ لأنَّه ممَّا لا تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ عليه؛ لظُهُورِه.
فإذا ثَبَت ذلك، كان القولُ قَوْلَه في التَّلَفِ مع يَمِينِه، ولا يَحْتاجُ إلى بَيِّنةٍ؛ لأنَّه تَتَعَذَّرُ إقامَةُ البَيِّنةِ، فلم يُطالبْ

..................................  بها، كما لو ادَّعَى تَلَفَها بأمْر خَفِيّ.
وهذا قولُ الشَّافعيِّ.
والحُكْمُ في إخْراجِها مِن الخَرِيطَةِ 1 والصُّنْدُوق، حُكْمُ إخْراجِها مِن البَيتِ، على ما ذَكَرْنا مِن التَّفْصِيلِ.
فصل: ولو أمَرَه أن يَجْعَلَها في مَنْزِلِه، فتَرَكَها في ثِيابِه، وخَرَج بها، ضَمِنَها؛ لأنَّ البَيتَ أحْرَزُ لها.
وإن جاءَه بها في السُّوق، فقال: احْفَظْها في بَيتكَ.
فقام بها في الحالِ، فتَلِفَتْ، لم يَضْمَنْ.
وإن ترَكَها في دُكّانِه أو ثِيابه، ولم يَحْمِلْها إلى بَيته مع إمكانِه، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّ بَيتَه أحْرَزُ لها.
هَكذا قال أصْحابُنا.
قال شيخُنا 2: ويَحْتَمِلُ أنَّه متى تَرَكَها عندَه إلى وَقْتِ مُضِيِّه إلى مَنْزِلِه فيَسْتَصْحِبُه 3 معه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ المُودِعَ عالِمٌ بهذه العادَةِ، راضٍ بها، ولو لم يَرْضَ بها لشَرَطَ عليه خِلَافَها، وأمَرَه بتَعْجِيلِ حَمْلِها، فإمّا أن يَقْبَلَها بهذا الشَّرْطِ أو يَرُدَّها.

وَلَوْ أوْدَعَهُ بَهِيمَةً، فَلَمْ يَعْلِفْهَا حَتَّى مَاتَتْ، ضَمِنَ، إلَّا أن يَنْهَاهُ الْمَالِكُ عَنْ عَلْفِهَا.

2438 - مسألة: (وإن أوْدَعَه بَهِيمَةً، فلم يَعْلِفْها حتَّى ماتت، ضَمِنَها، إلَّا أن يَنْهاه المالِكُ عن عَلْفِها)

إذا أوْدَعَه بَهِيمَةً، ولم يَأمُرْه بعَلْفِها، لَزِمَه ذلك.
وبه قال الشافعيُّ.
ويَحتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأنَّه اسْتَحْفَظَه إيّاها، ولم يَأمُرْه بعَلْفِها، والعَلْف على مالكِها، فإذا لم يَعْلِفْها كان هو المُفَرِّطَ.
ولَنا، أَنَّه لا يَجُوزُ إتْلافُها، ولا التَّفْرِيطُ فيها، فإذا أمَرَه بحِفْظِها تَضَمَّنَ ذلك عَلْفَها وسَقْيَها، فإن تَرَك عَلْفَها حتَّى تَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُفَرِّطٌ فيها.
فإن أمَرَه صاحِبُها بعَلْفِها وسَقْيِها، لَزِمَه ذلك لحُرْمَةِ صاحِبِها؛ لأَنه أخَذَها منه على ذلك، ولحُرْمَةِ البَهِيمَةِ، فإن الحَيَوانَ يَجِبُ إحْياؤه بالعَلْفِ والسَّقْي.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَلْزَمَه عَلْفُها، إلَّا أن يَقْبَلَ ذلك؛ لأنَّ هذا تَبَرُّعٌ به، فلا يَلْزَمُه بمُجَرَّدِ أمْرِ صاحِبِها، كغيرِ الوَديعةِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
ثم يُنْظَرُ؛ فإن قَدَر المُسْتَوْدَعُ على صاحِبِها أو وَكِيله، طالبَه بالإنْفاقِ عليها، أو يَرُدُّها عليه، أو يَأذَنُ له في الإنْفاقِ عليها ليَرْجِعَ به.
فإن عَجَز عن صاحِبِها أو وكِيله، رَفَع الأمْرَ إلى الحاكِمِ،

..................................  فإن وَجَد لصاحِبِها مالًا أنْفَقَ عليها منه، وإن لم يَجِدْ مالًا فَعَل ما يَرَى لصاحِبِها الحَظَّ فيه، مِن بَيعِها، أو بَيعِ بَعْضِها وإنْفاقِه عليها، أو إجارَتها، أو الاسْتِدانَةِ على صاحِبِها، ويَدْفَعُه إلى المُودَعِ لينفِقَه عليها، أو إلى غيرِه فيُنْفِقُ عليها، إن رَأى ذلك.
ويَجُوزُ أن يَأذَنَ للمُودعِ أن يُنْفِقَ عليها مِن مالِه، ويكونَ قابِضًا مِن نَفْسِه لنَفْسِه، ويَكِلُ ذلك إلى اجْتِهادِه في قَدْرِ ما يُنْفِقُ، ويَرْجِعُ به على صاحِبِها، فإنِ اخْتَلَفَا في قَدْرِ النَّفَقَةِ، قُبِل قولُ المُودَعِ إذا ادَّعَى النَّفَقَةَ بالمَعْرُوفِ، وإنِ ادَّعَي زِيادَةً، لم يُقْبَلْ.
وإنِ اخْتَلَفا في قَدرِ المُدّةِ، فالقولُ قولُ صاحِبِها؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك.
وإن لم يَقدِرْ على الحاكِمِ، فأنْفَقَ عليها مُحْتَسِبًا بالرُّجوعِ على صاحِبِها، وأشْهَدَ على الرُّجُوعِ، رَجَع بما أنْفَقَ؛ لأنه مَأذُونٌ فيه عُرْفًا، ولا تَفْرِيطَ منه إذ لم يَجِدْ حاكِمًا.
وإن فَعَل ذلك مع إمْكانِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ مِن غيرِ إذْنِه، ففيه رِوايَتان.
نَصَّ عليهما فيما إذا أنفَق على البَهِيمَةِ المَرْهُونَةِ مِن غيرِ إذْنِ الرّاهِن؛ إحْداهما، يَرْجِعُ؛ لأنَّه مَأذُونٌ فيه عُرْفًا.
والثانيةُ، لا يَرْجِعُ؛ لأنَّه مُفرط بتَرْكِ اسْتِئْذانِ الحاكِمِ.
وإن أنْفَقَ مِن غيرِ

..................................  إشْهادٍ، مع العَجْزِ عن اسْتِئْذانِ الحاكِمِ، أو مع إمْكانِه، ففي الرُّجُوعِ أيضًا وَجْهان، وَجْهُهما ما ذَكَرْنا.
ومتى عَلَف البَهِيمَةَ أو سَقاها في دارِه أو غيرِها، بنَفْسِه أو أمَرَ غلامَه أو صاحِبَه ففَعَلَ ذلك، كما يَفْعَلُ كما في بَهائِمِه، على ما جَرَتْ به العادَةُ، فلا ضَمانَ فيه؛ لأنَّ هذا مَأذُون فيه عُرْفًا، لجَرَيانِ العادَةِ به، فأشْبَهَ المُصَرَّحَ به.
فصل: فإن نَهاه المالِكُ عن عَلْفِها وسَقْيِها، لم يَجُزْ له تَرْكُ عَلْفِها؛ لأنَّ للحَيَوانِ حُرْمَةً في نَفْسِه يَجِبُ إحْياؤه لحَقِّ اللهِ تعالى.
فإن عَلَفَها وسَقاها، فهو كما لو لم يَنْهَه، وإن تَرَكَها حتَّى تَلِفَتْ، لم يَضْمَنْها.
وهو قولُ أكْثَرِ أصْحابِ الشَّافعيِّ.
وقال بَعْضُهم: يَضْمَنُ؛ لأنَّه تَعَدَّى بتَرْكِ عَلْفِها، أشْبَهَ ما إذا لم يَنْهَه.
وهو قولُ ابنِ المُنْذِرِ؛ لنَهْي رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن إضاعَةِ المالِ، فيَصِيرُ أمْرُ مالِكِها وسُكوتُه سَواءً.
ولَنا، أنَّه مُمْتَثِلٌ قولَ صاحِبِها، فلم يَضْمَنْها، كما لو أمَرَه بقَتْلِها، ففَعَل، وكما

..................................  لو قال: لا تُخْرِجِ الوَدِيعَةَ وإن خِفْتَ عليها.
فخاف عليها ولم يُخْرِجْها، أو أمَرَه بإلقائِها في نارٍ.
وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه.
ومَنَع ابنُ المُنْذِرِ الحُكْمَ فيما إذا أمَرَه بإتْلافِها فأتْلَفَها.
ولا يَصِحُّ؛ لأنَّه نائِبُ صاحِبِها، فلم يَغْرَمْ، كما لو اسْتَنابَه في مُباحٍ، والتَّحْرِيمُ أثَرُه في بَقاءِ حَقِّ الله تعالى.
وهو الإثْمُ، أمّا حَق الآدَمِيِّ فلا يَبْقَى مع إذْنِه في تَفْويته، ولأنَّها لم تَتْلَفْ بفِعْلِه، وإنَّما تَلِفَتْ بتَرْكِ العَلْفِ المَأذُونِ فيه، أشْبَهَ ما إذا نَهاه عن إخْراجِها مع الخَوْفِ، فلم يُخرِجْها.

فَإِنْ قَال: اتْرُكِ الْوَدِيعَةَ فِي جَيبِكَ.
فَتَرَكَهَا فِي كُمِّهِ، ضَمِنَ.
وَإنْ قَال: اتْرُكْهَا فِي كُمِّكَ.
فَتَرَكَهَا فِي جَيبِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.
فَإن تَرَكَهَا فِي يَدِهِ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ.

2439 - مسألة: (وإِن قال: اتْرُكِ الوَدِيعَةَ في جَيبك. فتَرَكَها في كُمِّه، ضَمِن)

لأنَّه رُبَّما نسِيَ، فسَقَطَ الشيءُ مِن كُمِّه.
وكذلك إن تَرَكَها في يَدِه؛ لأنَّ الجَيبَ أحْرَزُ (وإن قال: اتْرُكْها في كُمِّك.
فتَرَكَها في [جَيبِه، لم يَضْمَنْ) لأنَّ الجَيبَ أحْرَزُ، على ما ذَكَرْنا.
وإن قال: اتْرُكْها في كُمِّك (فتَرَكَها في] 1 يَدِه، احْتَمَلَ وَجْهَين) أحَدُهما، يَضْمَنُ؛ لأنَّ سُقُوطَ الشئِ مِن اليَدِ مع النِّسْيانِ أكْثَرُ مِن سُقُوطِه مِن الكُمِّ.
والثَّانِي، لا يَضْمَنُ؛ لأنَّ اليَدَ لا يَنْبَسِطُ عليها الطَّرّارُ بالبَطِّ 2، بخِلافِ

..................................  الكُمِّ، ولأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما أحْرَزُ مِن وَجهٍ، فتَساوَيا.
ولِمَن نَصَر الأوَّلَ أن يقولَ: متى كان كلُّ واحِدٍ منهما أحْرَزَ مِن وَجْهٍ، وَجَب أن يَضْمَنَ؛ لأنَّه فَوَّتَ الوَجْهَ المَأمُورَ بالحِفْظِ به، وأتَى بما لم يُؤمَرْ به، فضَمِنَ لمُخالفَتِه.
وعلى هذا، لو أمَرَه بتَرْكِها في يَدِه، فجَعَلَها في كُمِّه، ضَمِن لذلك 1. وقال القاضي: اليَدُ أحْرَزُ عندَ المُغالبَةِ، والكُمُّ أحْرَزُ عندَ عَدَمِ المُغالبَةِ.
فعلى هذا، إن أمَرَه بتَرْكِها في يَدِه، فشَدَّها في كُمِّه من غيرِ حالِ المُغالبَةِ، فلا ضَمانَ عليه، وإن فَعَل ذلك عندَ المُغالبَةِ، ضَمِن.
وإن أمَرَه بحِفْظِها مُطْلَقًا، فتَرَكَها في جَيبِه، أو شَدَّها في كُمِّه، لم يَضْمَنْها.
وإن تَرَكَها في كُمِّه غيرَ مَشْدُودَةٍ، وكانت خَفِيفَةً لا يَشْعُرُ بها

..................................  إذا سَقَطَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه مُفَرِّط، وإن كانت ثَقِيلَةً يَشْعُرُ بها، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّ هذا عادَةُ النَّاسِ في حِفْظِ أمْوالِهم.
وإن شَدَّها على عَضُدِه، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ ذلك أحْفَظُ لها.
وقال القاضي: إن شَدَّها مِن جانِبِ الجَيبِ، لم يَضْمَنْها، وإن شَدَّها مِن الجانِبِ الآخَرِ، ضَمِن؛ لأنَّ الطَّرّارَ يَقْدِرُ على بَطِّها، بخِلافِ ما إذا شَدَّها ممّا يلي الجَيبَ.
وهذا يَبْطُلُ بما إذا تَرَكَها في جَيبه، أو رَبَطَها في كُمِّه، فإنَّ الطَّرّارَ يَقْدِرُ على بَطِّها ولا يَضْمَنُ، وليس إمْكَانُ حِرْزِها بأحْفَظِ الحِرْزَين مانِعًا من إحْرازِها بما دُونَه، إذا كان حِرْزًا لمِثْلِها.
وشَدُّها على العَضُدِ حِرْز لها كيفما كان؛ لأنَّ النّاسَ يُحَرِّزُون به أمْوالهم، فأشْبَهَ شَدَّها في الكُمِّ وتَرْكَها في الجيبِ، لكنْ لو أمَرَه بشَدِّها ممَّا يلي الجَيبَ، فشَدَّها مِن الجانِبِ الآخرِ، ضَمِن.
وإن أمَرَه بشَدِّها ممّا يلي الجانِبَ الآخَرَ، فشَدَّها ممّا في الجَيبَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه أحْرَزُ.
وإن أمَرَه بشَدِّها على عَضُدِه مُطْلَقًا، أو أمَرَه بحِفْظِها معه، فشَدَّها مِن أيِّ الجانِبَين كان، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّه مُمْتَثِل أمْرَ مالِكِها، مُحْرِز لها بحِرْزِ مِثْلِها.
وإن شَدَّها على وَسَطِه، فهو أحْرَزُ لها، وكذلك إن تَرَكَها في بَيته في حِرزِها.

..................................  فصل: وإن أمَرَه أن يَجْعَلَها في صُنْدُوق، وقال: لا تَقْفِلْ عليها، ولا تَنَمْ فوقَها.
فخالفَه، أو قال: لا تَقْفِلْ عليها إلَّا قُفْلًا واحِدًا.
فجَعَلَ عليها قُفْلَيْن، فلا ضَمانَ عليه.
ذَكَرَه القاضي.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافعيِّ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ أنَّه يَضْمَنُ؛ لأَنه خالفَ رَبَّها في شيءٍ له فيه غَرَضٌ يَتَعَلَّقُ بحِفْظِها، أشْبَهَ ما لو نَهاه عن إخْراجِها عن مَنْزِلِه، فأخرَجَها لغيرِ حاجَةٍ؛ وذلك لأنَّ النَّوْمَ عليها، وتَرْكَ قُفْلَين، وزِيادَةَ الاحْتِفاظِ، يُنَبِّهُ اللِّصَّ عليها، ويَحُثُّه على الجِدِّ في سَرِقَتِها، والاحْتِيالِ لأخْذِها.
ولَنا، أنَّ ذلك أحْرَزُ لها، فلم يَضْمَنْ بفِعْلِه، كما لو أمَرَه بتَرْكِها في صَحْنِ الدّارِ، فتَرَكَها في البَيتِ، وبهذا يَنْتَقِضُ ما ذَكَرُوه.

..................................  فصل: وإن قال: اجْعَلْها في هذا البَيتِ، ولا تُدْخِلْه أحَدًا.
فأدْخَلَ إليه قَوْمًا، فسَرَقَها أحَدُهم، ضَمِنَها؛ لأَنها ذَهَبَتْ بتَعَدِّيه ومُخالفَتِه.
وسَواءٌ سَرَقَها حال إدْخالِهم أو بعدَه؛ لأنَّه رُبَّما شاهَدَ الوَدِيعَةَ في دُخُولِه البَيتَ، وعَلِم مَوْضِعَها، وطَرِيقَ الوُصُول إليها.
وإن سَرَقَها مَن لم يَدْخُلِ البَيتَ، فقال القاضي: لا يَضْمَنُ؛ لَأنَّ فِعْلَه لم يَكُنْ سَبَبًا لإتْلافِها.
ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنَ؛ لأنَّ الدّاخِلَ رُبَّما دَلَّ عليها مَن لم يَدْخُلْ، ولأنَّها مُخالفَة تُوجِبُ الضَّمانَ إذا كانت سَبَبًا لإتْلافِها، فأوْجَبَتْه وإن لم تِكنْ سَبَبًا، كما لو نَهاه عن إخْراجِها، فأخْرَجَها لغيرِ حاجَةٍ.
وإن قال: ضَعْ هذا الخاتَمَ في الخِنْصِرِ.
فوَضَعَه في البِنْصِرِ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّها أغْلَظُ وأحْفَظُ له 1، إلَّا أن (1) لا يَدْخُلَ فيها، فيَضَعَه في أنْمُلَتِها العُلْيَا، أو يَنْكَسِرَ لغِلَظِها عليه، فيَضْمَنَه في المَوْضِعَين؛ لأنَّ مُخالفَتَه سَبَبٌ لتَلَفِه.

وَإنْ دَفَعَ الْوَدِيعَةَ إلَى مَنْ يَحْفَظُ مَالهُ؛ كَزَوْجَتِهِ وَعَبْدِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.

2440 - مسألة: (وإن دَفَع الوَدِيعَةَ إلى مَن يَحْفَظُ ماله؛ كزَوْجَتِهِ أو عَبْدِه، لم يَضْمَنْ)

نَصَّ على هذا أحمدُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشَّافعي: يَضْمَنُ؛ لأنَّه سَلَّمَ الوَدِيعَةَ إلى مَن لم يَرْضَ به صاحِبُها، فضَمِنَها، كما لو دَفَعَها إلى أجْنَبِيٍّ.
ولَنا، أنَّه حَفِظَها بما يَحْفَظُ به ماله، أشْبَهَ ما إذا حَفِظَها بنَفْسِه، وكما لو دفع الماشِيَةَ إلى الرَّاعِي، أو البَهِيمَةَ إلى غُلامِه ليَسْقِيَها، ويُفارِقُ الأجْنَبِيَّ؛ فإنَّ دَفْعَها إليه لا يُعَدُّ حِفْظًا منه.

وَإنْ دَفَعَهَا إِلَى أجْنَبِي أَوْ حَاكِم، ضَمِنَ، وَلَيسَ لِلْمَالِكِ مطَالبَةُ الْأجْنَبِيِّ.
وَقَال الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ.

2441 - مسألة: (وإن دَفَعَها إلى أجْنَبِي أو حاكِم، ضَمِن، وليس للمالِكِ مُطالبَةُ الأجْنَبِيِّ. وقال القَاضِي: له ذلك)

إذا دَفَع الوَدِيعَةَ.
إلى غيرِه لغيرِ عُذْرٍ، فعليه الضَّمانُ، بغيرِ خِلافٍ في المَذْهَب، إلَّا أن يَدْفَعَها إلى مَن جَرتْ عادَتُه بحِفْظِ مالِه.
وقد ذَكَرْناه في المَسْألةِ قبلَها، وذَكَرْنا الخِلافَ فيه.
وقال شُرَيح، ومالِكٌ، والشّافعيُّ، وأبو حنيفةَ

..................................  وأصْحابُه، وإسحاقُ: متى دَفَعَها إلى أجْنَبِي أو حاكِمٍ، ضَمِن.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ عليه حِفْظَها وإحْرازَها، وقد أحْرَزَها عندَ غيرِه وحَفِظَها به، ولأنَّه يَحْفَظُ ماله بإيداعِه، فإذا أوْدَعَها فقد حَفِظَها بما يَحْفَظُ به ماله، فلم يَضْمَنْها، كما لو حَفِظَها في حِرْزِه.
ولَنا، أنَّه خالفَ المُودِعَ فضَمِنَها، كما لو نَهاه عن إيداعِها؛ فإنَّه أمَرَه بحِفْظِها بنَفْسِه، فلم يَرْضَ لها غيرَه.
فإن فَعَل فتَلِفَتْ عندَ الثَّانِي، مع عِلْمِه بالحالِ، فله تَضْمِينُ أيِّهما شاء؛ لأنَّهما مُتَعَدِّيان، ويَسْتَقِرُّ ضَمانُها على الثَّانِي؛ لأنَّ التَّلَفَ حَصَل عندَه، وقد دَخَل على أنَّه يَضْمَنُ، وإن لم يَعْلَمِ الحال، فله تضْمِينُ الأوَّلِ، وليس للأوَّلِ الرجُوعُ على الثَّانِي؛ لأنَّه دَخَل معه في العَقْدِ على أنَّه أمِينٌ له 1 لا ضَمانَ عليه.
وإن أحَبَّ المالِكُ تَضْمِينَ الثَّانِي، فليس له تَضْمِينُه، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ.
قاله القاضي؛ لأنَّ أحمدَ ذَكَر الضَّمانَ على الأوَّل فقط.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه قَبَض قَبْضًا مُوجِبًا للضَّمانِ على الأوَّلِ، فلم يُوجِبْ ضَمانًا آخَرَ.
ويُفارِقُ

..................................  القَبْضَ مِن الغاصِبِ؛ فإنَّه لم يُوجِبِ الضَّمانَ على الغاصِبِ، إنَّما لَزِمَه الضَّمانُ بالغَصْبِ.
قال شَيخُنا (1): ويَحْتَمِلُ أنَّ له تَضْمِينَ الثَّانِي أيضًا.
وهو قولُ القاضي، ومَذْهَبُ الشَّافعيِّ؛ لأنَّه قَبَض مال غيرِه على وَجْهٍ لم يكنْ له قَبْضُه، ولمِ يَأذَنْ له مالِكُه، فيَضْمَنُه، كالقابِضِ مِن الغاصِبِ.
وذِكْرُ أحمدَ الضَّمان على الأوَّلِ لا يَنْفِي الضَّمانَ عن الثّانِي، كما أنَّ الضَّمانَ يَلْزَمُ الغاصِبَ، ولا يَنْفِي وُجُوبَه على القابِضِ منه.
فعلى هذا، يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الأوَّلِ، فإن ضَمَّنَه لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن ضَمَّنَ الثّانِيَ رَجَع على الأوَّلِ.
وهذا القولُ أقْرَبُ إلى الصَّوابِ، وما ذَكَرْنا للقولِ الأوَّلِ لا أصْلَ له، ثم هو مُنْتَقِضٌ بما إذا دَفَع الوَدِيعَةِ إلى إنْسانٍ عارِيَّةً أو هِبَة.

وإنْ أرَادَ سَفَرًا، أوْ خَافَ عَلَيهَا عِنْدَهُ، رَدَّهَا عَلَى مَالِكِهَا.

2442 - مسألة: (وإن أرَاد سَفَرًا، أو خافَ عليها عِنْدَه، رَدَّها على مالِكِها)

أو وَكِيله فِي قَبضِها إن قَدَر على ذلك، ولم يَجُزْ له دَفْعُها إلى الحاكِمِ، ولا إلى غيرِه؛ لأنَّه ليس للحاكِمِ ولاية على الحاضِرِ، فإن فَعَل، ضَمِنَها؛ لأنَّه دَفَعَها إلى غيرِ مالِكِها بغيرِ إذْنِه مِن غيرِ عُذْرٍ، فضَمِنَها، كالصُّورَةِ الأولَى.

فَإن لَمْ يَجِدْهُ، حَمَلَهَا مَعَهُ إنْ كَانَ أحفَظَ لَهَا، وَإلَّا دَفَعَهَا إلَى الْحَاكِمَ.

2443 - مسألة: (فإن لم يَجِدْه، حَمَلَها معه إن كان أحْفَظَ لها)

إذا أراد السَّفَرَ بها وقد نَهاه صاحِبُها عنه، ضَمِنَها؛ لمُخالفَتِه، وإن لم يَنْهَه، لكنّ الطَّرِيقَ مَخُوفٌ، أو البَلَدَ الذي يُسافِرُ إليه مَخُوفٌ، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِها.
وإن لم يكنْ كذلك، فله السَّفَرُ بها.
نَصَّ عليه أحمدُ.
سَواءٌ كان به ضَرُورَة إلى السَّفَرِ أو لم يكنْ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشَّافعي: إن سافَرَ بها مِع القُدْرَةِ على صاحِبِها أو وَكِيله أو الحاكِمِ أو أمِينٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه سافرَ بها مِن غير ضَرُورَةٍ، أشْبَهَ ما لو كان السَّفَرُ مَخُوفًا.
ولَنا، أنَّه نَقَلَها إلى مَوْضِعٍ مَأمُونٍ، فلم يَضْمَنْها، كما لو نَقَلَها إلى البَلَدِ، ولأنَّه سافَرَ بها سَفَرًا غيرَ مَخُوفٍ، أشبَهَ ما لو لم

..................................  يَجِدْ أحَدًا يَدَعُها عندَه.
قال شيخُنا 1: ويَقْوَى عندِي أنَّه متى سافَرَ بها مع القُدْرَةِ على مالِكِها أو وَكِيله فيها بغيرِ إذنِه، فهو مُفَرِّطٌ عليه الضَّمان؛ لأنَّه يُفَوِّتُ على صاحِبِها إمْكانَ استرْجاعِها، ويُخاطِرُ بها، فإن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -

..................................  قال: «المُسَافِرُ وَمَالُهُ عَلَى قَلَتٍ، إلَّا مَا وَقَى الله» (1). أي على هَلاكٍ.
ولا يَلْزَمُ مِن الإِذْنِ في إمْساكِها على وَجْهٍ لا يَتَضَمَّنُ هذا الخَطَرَ ولا يُفَوِّتُ إمْكانَ رَدِّها على صاحِبِها الإِذْنُ فيما يتَضَمَّنُ ذلك.
فأمَّا مع غَيبَةِ المالِكِ [ووَكِيِله] (2)، فله السَّفَرُ بها إذا كان أحْفَظَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ فيَخْتارُ ما فيه الحَظُّ.
وهذا الذي ذَكَرَه شيخُنا في الكِتابِ المَشرُوحِ.

2444 -

مسألة: فإن لم يَجِدْ صاحِبَها ولا وَكِيله، فله دَفْعُها إلى الحاكِمِ، سَواءٌ كان به ضَرُورَةٌ إلى السَّفَرِ أو لم يكُنْ؛

لأنَّه مُتَبَرِّعٌ بإمْساكِها، فلا يَلْزَمُه اسْتِدامَتُه، والحاكِمُ يَقُومُ مَقامَ صاحِبِها عندَ غَيبَتِه.
فإن أوْدَعَها مع قُدْرَتِه على الحاكِمِ، ضَمِنَها؛ لأنَّ غيرَ الحاكِمِ لا ولايةَ12

فَإِنْ تعَذَّرَ ذَلِكَ، أوْدَعَهَا ثِقَةً، أوْ دَفَنَهَا وَأعْلَمَ بِهَا ثِقَةً يَسْكُنُ تِلْكَ الدَّارَ، وَإنْ دَفَنَهَا وَلَمْ يُعْلِمْ بِهَا أحَدًا، أو أعْلَمَ بِهَا مَنْ لَا يَسْكُنُ الدَّارَ، ضَمِنَهَا.
له.
ويَحْتَمِلُ أن يَجُوزَ له إيداعُها؛ لأنَّه قد يكونُ أحْفَظَ لها وأحَبَّ إلى صاحِبِها.
وإن لم يَقْدِرْ على الحاكِمِ، فأوْدَعَها ثِقَةً، لم يَضْمَنْها؛ لأنَّه مَوْضِعُ حاجَةٍ.
وذَكَر القاضي أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ أنَّه يَضْمَنُها، ثم تَأوَّلَ كَلامَه على أنَّه أوْدَعَها مِن غيرِ حاجَةٍ، أو مع قُدْرَته على الحاكِمِ.

2445 -

مسألة: (فإن تَعَذَّرَ ذلك، أوْدَعَها ثِقَةً، أو دَفَنَها وأعْلَمَ بها ثِقَةً يَسْكُنُ تلك الدَّارَ، فإن دَفَنَها ولم يُعْلِمْ بها أحَدًا، أو أعْلَمَ بِها مَن لا يَسْكُنُ الدَّارَ، ضَمِنَها)

إذا دَفَنَها في مَوْضِع، وأعْلَمَ بها ثِقَة يَدُه على المَوْضِعِ، وكانت ممّا لا يَضُرُّها الدَّفْنُ، فهو كإيداعِها عندَه،

..................................  وإن لم يُعْلِمْ بها أحدًا، ضَمِنَها؛ لأنَّه فَرَّطَ في حِفْظِها، فإنَّه لا يَأْمَنُ أن يَمُوتَ في سَفَرِه فلا تَصِلُ إلى صاحِبِها، ورُبَّما نَسِيَ مَكانَها، أو أصابَها آفَةٌ مِن هَدْمٍ أو حَرْقٍ أو غرَقٍ، فتَضِيعُ.
وإِن أعْلَمَ بها غيرَ ثِقَةٍ، ضَمِنَها؛ لأنَّه رُبَّما أخَذَها.
وكذلك إن أعْلَمَ بها ثِقَةً لا يَدَ له على المَكانِ؛ لأنَّه لم يُودِعْها إيّاه، ولا يَقْدِرُ على الاحْتِفاظِ بها.
فصل: وإن حَضَرَه المَوْتُ، فحُكْمُه حُكْمُ السَّفَرِ، على ما مَضَى

وَإنْ تَعَدَّى فِيهَا، فَرَكِبَ الدَّابَّةَ لِغَيرِ نَفْعِهَا، وَلَبِسَ الثّوْبَ، وَأَخْرَجَ الدَّرَاهِمَ لِيُنْفِقَهَا، ثُمَّ رَدَّهَا،  مِن أحْكامِه، إلَّا في أخْذِها معه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما سَبَبٌ لخُرُوجِها عن يَدِه.

2446 -

مسألة: (وإن تَعَدَّى فيها، فرَكِبَ الدّابَّةَ لغيرِ نَفْعِها،

جارٍ التحميل