الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 407-448

أَوْ جَعَلَ لَهُ الْخِيَارَ فَاخْتَارَ إِمْضَاءَ الْبَيعِ، فَهُوَ عَلَى شُفْعَتِهِ.
لشَريكِه: بعْ نِصْفَ نَصِيبي مع نِصْفِ نَصِيبِكَ.
ففَعَلَ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ لكلِّ واحدٍ منهما في المَبِيعِ مِن نَصِيبِ صاحِبِه.
وعندَ القاضي: تَثْبُت في نَصِيبِ الوَكِيلِ دُونَ نَصِيب المُوَكِّلِ.

2396 -

مسألة: وإن (جَعَل له الخِيارَ فاخْتارَ إمْضاءَ البَيعِ، فهو على شُفْعَتِه)

إذا شَرَط للشَّفِيعِ الخِيارَ فاخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ، أو ضَمِن العُهْدَةَ للمُشْتَرِي، فالشُّفْعَةُ بحَالِها.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال

وَإِنْ أَسْقَطَ شُفْعَتَهُ قَبْلَ الْبَيعِ، لَمْ تَسْقُطْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَسْقُطَ.
أصحابُ الرَّأْي: تَسْقُطُ؛ لأنَّ العَقْدَ تَمَّ به، فأشْبَهَ البائِعَ إذا باعَ بعضَ نَصِيبِ نَفْسِه.
ولَنا، أنَّ هذا سَبَبٌ سَبَقَ وُجُوبَ الشُّفْعَةِ، فلم تَسْقُطْ به الشُّفْعَةُ، كالإِذْنِ في البَيعِ، والعَفْو عن الشُّفْعَةِ قبلَ تَمامِ البَيعِ.
وما ذَكَرُوه لا يَصِحُّ؛ فإنَّ البَيعَ لا يَقِفُ على الضَّمانِ، ويَبْطُلُ بما إذا كان المُشْتَرِي شَرِيكًا، فإنَّ البَيعَ تَمَّ به، وثَبَتَتْ له الشُّفْعَةُ بقَدْرِ نَصِيبِه.

2397 -

مسألة: (وإن أسْقَطَ شُفْعَتَه قبلَ البَيعِ، لم تَسْقُطْ. ويَحْتَمِلُ أن تَسْقُطَ)

إذا عَفَا الشَّفِيعُ عن الشُّفْعَةِ قبلَ البَيعِ، فقال: قد أذِنْتُ في البَيعِ.
أو: أسْقَطْتُ شُفْعَتِي.
أو ما أشْبَهَ ذلك، لم تَسْقُطْ، وله المُطالبَةُ بها، في ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، والبَتِّيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وعن أحمدَ ما يَدُلُّ على أنَّ الشُّفْعَةَ تَسْقُطُ بذلك؛ فإنَّ إسماعيلَ بنَ سعيدٍ قال: قُلْتُ لأحمدَ: ما مَعْنَى قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ بَينَهُ وَبَينَ أَخِيه رَبْعَةٌ فَأَرادَ بَيعَهَا، فَلْيَعْرِضْهَا عَلَيهِ» 1. وقد جاء في بعضٍ الحديثِ: «لَا يَحِلُّ لَهُ إلَّا أَنْ يَعْرِضَها عَلَيهِ».
إذَا كَانتِ الشُّفْعَةُ ثابتة له 2؟ فقال: ما هو ببَعِيدٍ مِن أن يكونَ على ذلك، وأن لا تكونَ

..................................  له شُفْعةٌ.
وهذا قولُ الحَكَمِ، والثَّوْرِيِّ، وأبي خَيثَمةَ، وطائفةٍ مِن أهْلِ الحَدِيثِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وقد اخْتُلِفَ فيه عن أحمدَ، فقال مَرَّةً: تَبْطُلُ شُفْعَتُه.
وقال مَرَّةً: لا تَبْطُلُ.
واحْتَجُّوا بقَوْل النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ كَانَ لَهُ شَرِكَةٌ فِي أَرْض؛ رَبْعَةٍ أوْ حَائِطٍ، فَلَا يَحِلُّ لَهُ أنْ يَبِيعَ حَتَّى يَسْتَأْذِنَ شَرِيكَهُ، فَإنْ شَاءَ أخَذَ، وَإنْ شَاءَ تَرَكَ» 1. ومُحَالٌ أن يَقُولَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ».
فلا يَكُونُ لتَرْكِه مَعْنًى.
ولأنَّ مَفْهُومَ قَوْلِه: «فَإِنْ بَاعَ وَلَمْ يُؤْذِنْه فَهُوَ أحَقُّ بِهِ».
أنَّه إذا باعَه بإذْنِه لا حَقَّ له.
ولأنَّ الشُّفْعَةَ ثَبَتَتْ في مَوْضِعِ الاتِّفاقِ على خِلافِ الأصْلِ؛ لكَوْنِه يَأْخُذُ مِلْكَ المُشْتَرِي بغيرِ رِضَاه، ويُجْبِرُه على المُعاوَضَةِ به لدُخولِه مع البائِع [في العَقْدِ] 2 الذي أساءَ فيه بإدْخالِه الضَّرَرَ على شَرِيكِه، وتَرْكِه الإِحْسانَ إليه في عَرْضِه 3 عليه.
وهذا المعنى مَعْدُومٌ ههُنا، فإنَّه قد عَرَضَه عليه، وامْتِناعُه مِن أخْذِه دَلِيلٌ على عَدَمِ الضَّرَرِ في حَقِّه ببَيعِه، فإن كان

وَإنْ تَرَكَ الْوَلِيُّ شُفْعَةً لِلصَّبِيِّ فِيهَا حَظٌّ، لَمْ تَسْقُطْ، وَلَهُ الْأَخْذُ بِهَا إِذَا كَبِرَ، وَإِنْ تَرَكَهَا لِعَدَمِ الْحَظِّ فِيهَا، سَقَطَتْ.
ذَكَرَهُ ابْنُ حَامِدٍ.
وَقَال الْقَاضِي: يَحْتَمِلُ أَلَّا تَسْقُطَ.
فيه ضَرَرٌ، فهو أدْخَلَه على نَفْسِه، فلا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ، كما لو أخَّرَ المُطالبَةَ بعدَ البَيعِ.
ووَجْة الأوَّلِ، أنَّه إسْقاطُ حَقٍّ قبلَ وُجُوبِه، فلم يَصِحَّ، كما لو أبْرَأه مِمّا يَجِبُ له، أو لو أسْقَطَتِ المَرْأةُ صَدَاقَها قبلَ التَّزْويجِ، وأمّا الخَبَر، فيَحْتَمِل أنَّه أرادَ العَرْضَ عليه ليَبْتَاعَ ذلك إن أرادَ، فَتخِفَّ عليه المؤْنَةُ ويَكْتَفِيَ بأخْذِ المُشْتَرِي الشِّقْصَ، لا إسْقاطَ حَقِّه مِن شفْعَتِه.

2398 -

مسألة: (وإن تَرَك الوَلِيُّ شُفْعَةً للصَّبيِّ فيها حَظٌّ، لم تَسْقُطْ، وله الأخْذ بها إذا كَبِرَ، وإن تَرَكَها لعَدَمِ الحَظِّ فيها، سَقَطَتْ.
ذَكَرَه ابنُ حامِدٍ.
وقال القاضِي: يَحْتَمِلُ أن لا تَسْقُطَ)

إذا بِيعَ في شَرِكَةِ الصَّغِيرِ شِقْصٌ، ثَبَتَتْ له الشُّفْعَةُ في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ؛ منهم، الحسنُ،

..................................  وعَطَاءٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وسَوَّارٌ، والعَنْبَرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال ابنُ أبي لَيلَى: لا شُفْعَةَ له.
ورُوِيَ ذلك عن النَّخَعِيِّ، والحارِثِ العُكْلِيِّ؛ لأنَّ الصَّبِيَّ لا يُمْكِنُه الأخْذُ، ولا يُمْكِنُ انْتِظارُه حتى يَبْلُغَ؛ لِما فيه مِن الإِضْرارِ بالمُشْتَرِي، وليس للوَلِيِّ الأخْذُ؛ لأنَّ مَن لا يَمْلِكُ العَفْوَ لا يَمْلِكُ الأخْذَ، كالأجْنَبِيِّ.
ولَنا، عُمُومُ الأحَادِيثِ، ولأنَّه خِيارٌ جُعِلَ لإِزالةِ الضَّرَرِ عن المالِ، فثَبَتَ في حَقِّ الصَّبِيِّ، كخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
قولُهم: لا يُمْكِنُ الأخْذُ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الوَلِيَّ يَأْخُذُ بها كما يَرُدُّ بالعَيبِ.
قولُهم: لا يُمْكِنُه العَفْوُ.
يَبْطُلُ بالوَكِيلِ فيها، وبالرّدِّ بالعَيبِ، فإنَّ وَلِيَّ الصَّبِيِّ لا يُمْكِنُه العَفْوُ، ويُمْكِنُه الرَّدُّ.
ولأنَّ في الأخْذِ تَحْصِيلًا للمِلْكِ للصَّبِيِّ، ونظرًا له، وفي العَفْو تَضيِيعٌ وتَفْرِيطٌ في حَقِّه، ولا يَلْزَمُ مِن مِلْكِ ما فيه الحَظُّ مِلْكُ ما فيه تَضْيِيعٌ، ولأنَّ العَفْوَ إسْقاطٌ لحَقِّه، والأخْذَ اسْتِيفاءٌ له، ولا يَلْزَمُ مِن مِلْكٌ الوَليِّ اسْتِيفاءَ

..................................  حَقِّ المُوَلَّى عليه مِلْكُ إسْقاطِه، بدَلِيلِ سائِرِ حُقُوقِه ودُيُونِه.
فإن لم يَأْخُذِ الوَلِيُّ، انْتُظِرَ بُلُوغُ الصَّبِيِّ، كما يُنْتَظَرُ قُدُومُ الغائِبِ.
وبه يَبْطُلُ ما ذَكَرُوه مِن الضَّرَرِ في الانْتِظارِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الصَّغِيرَ إذا كَبِر فله الأخْذُ بها، في ظاهِرِ قَوْلِ الخِرَقِيِّ، سَواءٌ عَفَا عنها الوَلِيُّ أو لم يَعْفُ، وسَواءٌ كان الحَظُّ في الأخْذِ بها أو في تَرْكِها.
وهو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ.
وهذا قولُ الأوْزاعِيِّ، وزُفَرَ، ومحمدِ بنِ الحَسَنِ.
وحَكَاه بعضُ أصحابِ الشافعيِّ عنه؛ لأنَّ المُسْتَحِقَّ للشُّفْعَةِ يَمْلِكُ الأخْذَ بها، سَواءٌ كان له الحَظُّ فيها أو لم يَكُنْ 1، فلم تَسْقُطْ بتَرْكِ غيرِه، كالغائِبِ إذا تَرَك وَكِيلُه الأخْذَ بها.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن تَرَكَها الوَلِيُّ لحَظِّ الصَّبِيِّ، أو لأنَّه ليس للصَّبِيِّ ما يَأْخُذُها به، سَقَطَتْ.
وهو ظاهِرُ مَذهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الوَلِيَّ فَعَل ما له فِعْلُه، فلم يَجُزْ للصَّبِيِّ نَقْضُه، كالرَّدِّ بالعَيبِ، ولأنَّه

..................................  فَعَل ما للصّبِيِّ فيه حَظٌّ، فصَحَّ، كالأخْذِ مع الحَظِّ.
وإن تَركَها لغيرِ ذلك، لم تَسْقُطْ.
وقال أبو حنيفةَ: تَسْقُطُ بعَفو الوَلِيِّ عنها في الحالينِ؛ لأنَّ مَن مَلَك الأخْذَ بها مَلَك العَفْوَ عنها، كالمالِكِ.
وخالفَه صاحِبَاه في هذا؛ لأنَّه أسْقَطَ حَقًّا للمُوَلَّى عليه، ولا حَظَّ له في إسْقاطِه، فلم يَصِحَّ، كالإِبْراءِ، وخِيارِ الرَّدِّ بالعَيبِ.
ولا يَصِحُّ قِياسُ الوَلِيِّ على المالِكِ؛ لأنَّ للمالِكِ التَّبرُّعَ والإِبراءَ وما لا حَظَّ له فيه، بخِلافِ الوَلِيِّ.

..................................  فصل: فأمّا الوَلِيُّ، فإن كان للصَّبِيِّ حَظٌّ في الأخْذِ بها، مثلَ أن يكونَ الشِّراءُ رَخِيصًا، أو بثَمَنِ المِثْلِ، وللصَّبِيِّ ما يَشْتَرِي به العَقَارَ، لَزِم وَلِيَّه الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ عليه الاحْتِياطَ له، والأخْذَ بما فيه الحَظُّ، فإذا أخَذَ بها، ثَبَت المِلْكُ للصَّبِيِّ، ولم يَمْلِكْ نَقْضَه بعدَ البُلُوغِ، في قولِ مالِكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال الأوْزاعِيُّ: ليس للوَلِيِّ الأخْذُ بها؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ العَفْوَ عنها، ولا يَمْلِكُ الأخْذَ بها، كالأجْنَبِيِّ، وإنَّما يَأْخُذُ بها الصَّبِيُّ إذا كَبِرَ.
وهذا لا يصِحُّ؛ لأنَّه خِيَارٌ جُعِلَ لإِزالةِ الضَّرَرِ عن المالِ، فمَلَكَه الوَلِيُّ، كالرَّدِّ بالعَيبِ.
وقد ذَكَرْنا فَسادَ قِياسِه فيما مَضَى.
فإن تَرَكَها الوَلِيُّ مع الحَظِّ للصَّبِيِّ، فللصَّبِيِّ الأخْذُ بها إذا كَبِر، ولا يَلْزَمُ الوَلِيَّ غُرْمٌ لذلك؛ لأنَّه لم يُفَوِّتْ شيئًا مِن مالِه، وإنَّما تَرَك تحْصِيلَ ما له الحَظُّ فيه، فأشْبَهَ ما لو تَرَك شِراءَ العَقَارِ له مع الحَظِّ في شِرائِه، وإن كان الحَظُّ في تَرْكِها، مثلَ أن يكونَ المُشْتَرِي قد غُبِنَ، أو كان في الأخْذِ بها يَحْتاجُ إلى أن يَسْتَقْرِضَ ويَرْهَنَ مال الصَّبِيِّ، فليس له الأخْذُ؛ لأنَّه لا يَمْلِكُ فِعْلَ ما لا حَظَّ للصَّبِيِّ فيه.
فإن أخَذَ، لم يَصِحَّ في إحْدَى

..................................  الرِّوَايَتَين، ويكونُ باقِيًا على مِلْكِ المُشْتَرِي؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما لا يَمْلِكُ شِرَاءَه، فلم يَصِحَّ، كما لو اشْتَرَى بزِيادَةٍ كَثِيرَةٍ على ثَمَنِ المِثْلِ، أو اشْترَىَ مَعِيبًا يَعْلَمُ عَيبَه، ولا يَمْلِكُ الوَلِيُّ المَبِيعَ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ تُؤْخَذُ بحَقِّ الشَّرِكَةِ، ولا شَرِكَةَ للوَلِيِّ، ولذلك لو أرادَ الأخْذَ لنَفْسِه لم يَصِحَّ، فأشْبَهَ ما لو تَزَوَّجَ لغيرِه بغيرِ إذْنِه، فإنَّه يَقَعُ باطِلًا، ولا يَصِحُّ لواحِدٍ منهما، كذا ههُنا.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
والثانيةُ، يَصِحُّ الأخْذُ للصَّبِيِّ؛ لأنَّه اشْتَرَى له ما يَنْدَفِعُ عنه الضَّرَرُ به، فصَحَّ، كما لو اشْتَرَى مَعِيبًا لا يعْلَمُ عَيبَه، والحَظُّ يَخْتَلِفُ ويَخْفَى، فقد يكونُ له حَظٌّ في الأخْذِ بأكْثَرَ مِن ثَمَنِ المِثْلِ، لزِيادَةِ قِيمَةِ مِلْكِه والشِّقْصِ الذي يَشْتَرِيه بزَوَالِ الشَّرِكَةِ، أو لأنَّ الضَّرَرَ الذي يَنْدَفِعُ بِأخْذِه كَثِيرٌ، فلا يُمْكِنُ اعْتِبارُ الحَظِّ بنَفْسِه لخفائِه، ولا بكَثْرَةِ الثَّمَنِ؛ لما ذَكَرْناه، فسَقَطَ اعْتِبارُه، وصَحَّ البَيعُ.

..................................  فصل: وإذا باعَ وَصِيُّ الأيتامِ، فباعَ 1 لأحَدِهم نَصِيبًا في شَرِكَةِ الآخَرِ، فله الأخْذُ للآخَرِ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه كالشِّراءِ له.
وإن كان الوَصِيُّ شَرِيكًا لمَن باعَ عليه، فليس له الأخْذُ؛ للتُّهْمَةِ في البَيعِ، ولأنَّه بمَنْزِلَةِ مَن يَشْتَرِي لنَفْسِه مِن مال يَتِيمِه.
ولو باعَ الوَصِيُّ نَصِيبَه، كان له الأخْذُ لليَتِيمِ بالشُّفْعَةِ مع الحَظِّ لليَتِيمِ؛ لأنَّ التُّهْمَةَ مُنْتَفِيَةٌ، فإنَّه لا يَقْدِرُ على الزِّيادَةِ في ثَمَنِه؛ لكَوْنِ المُشْتَرِي لا يُوافِقُه، ولأنَّ الثَّمَنَ حاصِلٌ له مِن المُشْتَرِي، كحُصُولِه مِن اليَتِيمِ؛ بخِلافِ بَيعِه مال اليَتِيمِ، فإنَّه يُمْكِنُه تَقْلِيلُ الثَّمَنِ ليَأْخُذَ الشِّقْصَ به، فإن رُفعَ الأمْرُ إلى الحاكِمِ فباعَ عليه، فللْوَصِيِّ الأخْذُ حِينَئِذ؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ، فإن كان مكانَ الوَصِيِّ أبٌ فباع شِقْصَ ولدِه، فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ له أن يَشْتَرِيَ مِن نفسِه مال ولدِه؛ لعَدَمِ التُّهْمَةِ.
وإن بِيعَ شِقْصٌ في شَرِكَةِ حَمْلٍ، لم يَكُنْ لوَلِيِّه الأخْذُ له بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ تَمْلِيكُه بغيرِ الوَصِيَّةِ.
فإذا وُلِدَ الحَمْلُ ثم كَبِر، فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ، كالصَّبِيِّ إذا كَبرَ.
فصل: وإذا عَفَا وَلِيُّ الصَّبِيِّ عن شُفْعَتِه التي له فيها حَظٌّ، ثم أرادَ الأخْذَ بها، فله ذلك، في قياسِ المَذهَبِ؛ لأنَّها لم تسْقطْ

..................................  بإسْقاطِه، ولذلك مَلَك الصَّبِيُّ الأخْذَ بها إذا كَبِر، ولو سقَطَتْ لم يَمْلِكِ الأخْذَ بها.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَمْلِكَ الأخْذَ بها؛ لأنَّ ذلك يُؤَدِّي إلى ثُبُوتِ حَقِّ الشُّفْعَةِ على التَّرَاخِي، وذلك على خِلافِ الخَبَرِ والمَعْنَى.
ويُخالِفُ أخْذَ الصَّبِيِّ بها إذا كَبِر؛ لأنَّ الحَقَّ يَتَجَدَّدُ له عندَ كِبَرِه، فلا يمْلِكُ تَأْخِيرَه حينئذٍ، وكذلك أَخْذُ الغائبِ بها إذا قَدِم.
فأمَّا إن تركها لعدم الحَظِّ فيها، ثم أراد الأخْذَ بها، والأمرُ بحالِه، لم يَمْلِكْ ذلك، كما لم يَملِكْه ابْتداءً.
وإن صارَ فيها حَظٌّ، أو كان مُعْسِرًا عندَ البَيعِ، فأيسَرَ بعدَ ذلك، انْبَنَى ذلك على سُقُوطِها بذلك، فإن قُلْنا: لا تَسْقُطُ، وللصَّبِيِّ الأخْذُ بها إذا كَبِر.
فحُكْمُها حُكْمُ ما فيه الحَظٌّ.
وإن قُلْنا: تَسْقُطُ.
فليس له الأخْذُ بها بحالٍ؛ لأنَّها قد سَقَطَتْ مُطْلَقًا، فهو كما لو عَفَا الكَبِيرُ عن شُفْعَتِه.
فصل: والحُكْمُ في المَجْنُونِ المُطْبِقِ كالحُكْمِ في الصَّبِيِّ سَواءً؛ لأنَّه مَحْجُوزٌ عليه لحَظِّه، وكذلك السَّفيهُ، فأمّا المُغْمَى عليه، فحُكْمُه حُكْمُ الغائِبِ؛ لأنَّه لا ولايةَ عليه، وكذلك المَحْبُوسُ، فعلى هذا، نَنْتَظِرُ إفاقَتَه.
وأمّا المُفْلِسُ فله الأخْذُ بالشُّفْعَةِ والعَفْوُ عنها، وليس لغُرَمائِه الأخْذُ بها؛ لأنَّها مُعاوَضَةٌ فلا يُجْبَرُ عليها، كسائِرِ المُعاوَضاتِ.
وليس لهم إجْبارُه على العَفْو؛ لأنَّه إسْقاطُ حَقٍّ، فلا يُجْبَرُ عليه 1. وسَواءٌ كان له حَظٌّ في الأخْذِ بها أو لم يَكُنْ؛ لأنَّه يَأْخُذُ في ذِمَّتِه، وليس بمَحْجُورٍ عليه في ذِمَّتِه،

فَصْل: الرَّابعُ، أَنْ يَأْخُذَ جَمِيعَ الْمَبِيعِ، فَإِنْ طَلَبَ أَخْذَ الْبَعْضِ، سَقَطَتْ شُفعَتُهُ.
لكن لهم مَنْعُه مِن دَفْعِ مالِه في ثَمَنِها؛ لتَعَلُّقِ حُقُوقِهم بمالِه، فأشْبَهَ ما لو اشْتَرَى في ذِمَّتِه شِقْصًا غيرَ هذا.
ومتى مَلَك الشِّقْصَ المَأْخُوذَ بالشُّفْعَةِ، تَعَلَّقَتْ حُقُوقُ الغُرَماءِ به، سَواءٌ أخَذَه برِضَاهُم أو بغيرِه؛ لأنَّه مالٌ له، فأشْبَهَ ما لو اكْتَسَبَه.
وأمّا المُكاتَبُ، فله الأخْذُ والتَّرْكُ، وليس لسَيِّدِه الاعْتِراضُ عليه؛ لأنَّ التَّصَرُّفَ يَقَع له دُونَ سَيِّدِه.
وكذلك المَأْذُونُ له في التِّجارَةِ مِن العَبِيدِ، له الأخْذُ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّه مَأْذُونٌ له في الشِّراءِ، وإن عَفَا عنها لم يَنْفُذْ عَفْوُه؛ لأنَّ المِلْكَ للسَّيِّدِ، ولم يَأْذَنْ في إبْطالِ حُقوقِه.
فإن أسْقَطَها السَّيِّدُ، سَقَطَتْ، ولم يَكُنْ للعَبْدِ أن يَأْخُذَ؛ لأنَّ للسَّيِّدِ الحَجْرَ عليه، ولأنَّ الحَقَّ قد أسْقَطَه مُسْتَحِقُّه، فسَقَطَ بإسْقاطِه.
فصل: الشرطُ (الرابعُ، أن يَأْخُذَ جَميعَ المَبِيعِ، فإن طَلَب أخْذَ البَعْضِ، سَقَطَتْ شُفْعَتُه) وبه قال محمدُ بنُ الحَسَنِ، وبعضُ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال أبو يُوسُفَ: لا تَسْقُطُ؛ لأنَّ طَلَبَه لبَعْضِها طَلَبٌ لجَمِيعِها؛ لكَوْنِه لا يَتَبَعَّضُ، ولا يَجُوزُ أخْذُ بَعْضِها.
ولَنا، أَنه تارِكٌ لطَلَبِ بعضِها، فتَسْقُطُ، ويَسْقُطُ باقِيها؛ لأنَّها لا تَتَبَعَّضُ، ولا يَصِحُّ ما

فَإِنْ كَانَا شَفِيعَينِ، فَالشُّفْعَةُ بَينَهُمَا عَلَى قَدْرِ مِلْكَيهِمَا.
وَعَنْهُ، عَلَى عَدَدِ الرُّءُوسِ.
ذَكَرَه؛ فإنَّ طَلَبَ بعضِها ليس بطَلَبِ جَمِيعِها، وما لا يَتَبَعَّضُ لا يَثْبُتُ حتى يَثْبُتَ السَّبَبُ في جَمِيعِه، كالنِّكاحِ، بخِلافِ السُّقُوطِ؛ فإنَّ الجَمِيعَ يَسْقُطُ بوُجُودِ السَّبَبِ في بعضِه، كالطَّلاقِ.
فصل: فإن أخَذَ الشِّقْصَ بثَمَنٍ مَغْصُوبٍ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَسْقُطُ شُفْعَتُه؛ لأنَّه بالعَقْدِ اسْتَحَقَّ الشِّقْصَ بمِثْلِ ثَمَنِه في الذِّمَّةِ، فإذا عَيَّنه فيما لا يَمْلِكُه، سَقَطَ التَّعْيِينُ، وبَقِيَ الاسْتِحْقاقُ في الذِّمَّةِ، أشْبَهَ ما لو أخَّرَ الثَّمَنَ، أو ما لو اشْتَرَى شَيئًا آخَرَ ونَقَد فيه ثَمَنًا مَغْصُوبًا.
والثاني، يَسقُطُ؛ لأنَّ أخْذَه للشِّقْصِ بما لا يَصِحُّ أخْذُه به تَرْكٌ له وإعْراضٌ عنه، فسَقَطَتِ الشُّفْعَةُ، كما لو تَرَك الطَّلَبَ بها.

2399 -

مسألة: (وإن كانا شَفِيعَين، فالشُّفْعَةُ بينَهما على قَدْرِ مِلْكَيهما. وعنه، على عَدَدِ الرُّءُوسِ)

ظاهِرُ المَذْهَبِ، أنَّ الشِّقْصَ المَشْفُوعَ إذا أخَذَه الشُّفَعاءُ، قُسِمَ بينَهم على قَدْرِ أمْلاكِهِم.
اخْتارَه أبو

..................................  بكرٍ.
ورُوِيَ ذلك عن الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ.
وبه قال مالكٌ، وسَوَّارٌ، والعَنْبَرِيُّ، وإسحاقُ، وأبو عُبَيدٍ.
وهو أحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يُقسَمُ بينَهم على عَدَدِ الرُّءُوسِ.
اخْتارَها ابنُ عَقِيلٍ.
ورُوِيَ ذلك عن النَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ.
وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وابنِ شُبْرُمَةَ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم لو انْفَرَدَ لاسْتَحَقَّ 1 الجَمِيعَ، فإذا اجْتَمَعُوا تَساوَوْا، كالبَنِينَ في المِيراثِ، وكالمُعْتَقِينَ في سِرَايَةِ العِتْقِ.
ولَنا، أنَّه حَقٌّ يُسْتَفادُ بسَبَبِ المِلْكِ، فكان على قَدْرِ الأمْلاكِ، كالغَلَّةِ، ودَلِيلُهم يَنْتَقِضُ بالابْنِ والأبِ أو الجَدِّ، وبالفُرْسانِ والرَّجَّالةِ في الغَنِيمَةِ، وبأصحابِ الدُّيُونِ والوَصَايَا إذا نَقَصَ مالُه عن دَينِ أحَدِهم، أو الثُّلُثُ عن وَصِيَّةِ أحَدِهِم.
وأمَّا الإعْتاقُ فلنا فيه مَنْعٌ، وإن سُلِّمَ فلأنَّه إتْلافٌ، والإتْلافُ يَسْتَوي فيه القَلِيلُ

..................................  والكَثِيرُ، كالنَّجاسَةِ تُلْقَى في مائِعٍ.
وأمّا البَنُونَ فإنَّهم تَسَاوَوْا في السَّبَبِ وهو البُنُوَّةُ، فتَسَاوَوْا في الإرْثِ بها، فنَظِيرُه في مَسْألَتِنا تَسَاوي الشُّفَعاءِ في سِهَامِهِم، فإذا كانت دارٌ بينَ ثَلاثةٍ، لأحَدِهم النِّصْفُ، وللآخَرِ الثُّلُثُ، وللآخَرِ السُّدْسُ، فباعَ أحَدُهُم، [نَصِيبَه، فإنَّك تَنْظُرُ] 1 مَخْرَجَ سِهَامِ الشُّرَكاءِ كلِّهم، فتَأْخُذُ منها 2 سِهامَ الشُّفَعاءِ، فإذا عَلِمْتَ عِدَّتَها، قسَمْتَ السَّهْمَ المَشْفُوعَ عليها، ويَصِيرُ العَقَارُ بينَ الشُّفَعاءِ على تلك العِدَّةِ، كما يُفْعَلُ في مَسائِلِ الرَّدِّ.
فَفِي هذه المسألَةِ مَخْرَجُ سِهَامِ الشُّرَكاءِ سِتَّةٌ، فإذا باعَ صاحِبُ النِّصْفِ، فسِهامُ الشُّفَعاءِ ثَلاثةٌ، لصاحِبِ الثُّلُثِ سَهْمان، وللآخرِ سَهْمٌ، فالشُّفْعَةُ بينَهم على ثَلاثةٍ، ويَصِيرُ العَقارُ بينَهم أثْلاثًا، لصاحِب الثُّلُثِ ثُلُثاه، وللآخَرِ ثُلُثُه.
وإن باعَ صاحِبُ الثُّلُثِ، كانت بينَ الآخَرَين أرْباعًا، لِصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثَةُ أرْباعِها، وللآخَرِ رُبْعُها.
وإن باع صاحِبُ السُّدْسِ، كانت بينَ الآخَرَين أخْماسًا، لِصاحِبِ النِّصْفِ ثَلاثةُ أخْماسِه، وللآخَرِ خُمْساه.
هذا على ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وعلى الرِّوايَةِ الثانيةِ، يَنْقَسِمُ الشِّقْصُ المَشْفُوعُ بينَ الآخَرَين نِصْفَين، فإذا باعَ صاحِبُ النِّصْفِ، قُسِمَ النِّصْفُ بينَ الآخَرَينِ، لكلِّ واحِدٍ الرُّبْعُ، فيَصِيرُ لصاحِبِ الثُّلُثِ ثُلُثٌ ورُبْعٌ، وللآخرِ رُبْعٌ وسُدْسٌ.
وإن باعَ صاحِبُ الثُّلُثِ، صار لصاحِبِ النِّصْفِ

فَإِنْ تَرَكَ أَحَدُهُمَا شُفْعَتَهُ، لَمْ يَكُنْ لِلْآخَرِ أَنْ يَأْخُذَ إلا الْكُلَّ أَوْ يَتْرُكَ.
الثُّلُثانِ، وللآخَرِ الثُّلُثُ.
وإن باعَ صاحِبُ السُّدْسِ، فلصاحِبِ النِّصْفِ ثُلُثٌ ورُبْعٌ.
ولصاحِبِ الثُّلُثِ رُبْعٌ وسُدْسٌ.

2400 -

مسألة: (فإن تَرَك أحَدُهما شُفْعَتَه، لم يَكُنْ للآخَرِ إلَّا أن يَأْخُذَ الكُلَّ أو يَتْرُكَ)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إذا كان الشِّقْصُ بينَ شُفَعاءَ، فتَرَكَ بعضُهم، فليس للباقِينَ إلَّا أخْذُ الجَمِيعِ أو تَرْكُ الجَميعِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كل مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهْلِ العِلْمِ على هذا.
وهو قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ في أخْذِ البَعْضِ إضْرارًا بالمُشْتَرِي بتَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ عليه، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما تَثْبُت على خِلافِ الأصْلِ دَفْعًا لضَرَرِ الشَّرِيكِ الدّاخِلِ، خَوْفًا مِن سُوءِ المُشارَكَةِ ومُؤْنَةِ القِسْمَةِ، فإذا أخَذَ بَعْضَ الشِّقْصِ لم يَنْدَفِعْ عنه الضَّرَرُ، فلمَ يَتَحَقَّقِ المَعْنَى المُجَوِّز لمُخالفَةِ الأصْلِ، فلا تَثْبُتُ.
وإن وَهَب بعضُ الشرُّكاءِ نَصِيبَه مِن الشُّفْعَةِ لبعضِ الشُّرَكاءِ أو لغيرِه، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ ذلك عَفْوٌ وليس بهِبَةٍ، فلم يَصِحَّ لغيرِ مَن هو عليه، كالعَفْو عن القِصَاصِ.

..................................  فصل: فإن كان الشُّفَعاءُ غائِبِين، لم تَسْقُطِ الشُّفْعَةُ؛ لمَوْضِعِ العُذْرِ.
فإذا قَدِم أحَدُهم، فليس له إلَّا أن يَأْخُذَ الكلَّ أو يَتْرُكَ؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ اليومَ مُطالِبًا سِواه، ولأنَّ في أخْذِه البَعْضَ تَبْعِيضًا لصَفْقَةِ المُشْتَرِي، فلم يَجُزْ ذلك، كما لو لم يَكُنْ معه غيرُه، ولا يَجُوزُ تَأْخِيرُ حَقِّه إلى أن يَقْدَمَ شُرَكاؤُه؛ لأنَّ في التَأْخِيرِ ضَرَرًا بالمُشْتَرِي.
فإذا أخَذَ الجَمِيعَ ثم حَضَرَ آخَرُ، قاسَمَه إن شَاءَ، أو عَفَا فيَبْقَى للأوَّلِ؛ لأنَّ المُطالبَةَ إنَّما وُجِدَتْ منهما.
فإن قاسَمَه، ثم حَضَر الثالِثُ، قاسَمَهُما إن أحَبَّ، أو عَفَا فيَبْقَى للأوَّلَين.
فإن نَمَا الشِّقْصُ في يَدِ الأوَّلِ نَماءً مُنْفَصِلًا، لم يُشَارِكْه فيه واحِدٌ منهما؛ لأنَّه انْفَصَلَ في مِلْكِه، أشْبَهَ ما لو انْفَصَلَ في يَدِ المُشْتَرِي قبلَ الأخْذِ بالشُّفْعَةِ.
وكذلك إذا أخَذَ الثاني فَنَمَا في يَدِه نَماءً مُنْفَصِلًا، لم يُشارِكْه الثالِثُ فيه.
فإن خَرَج الشِّقْصُ مُسْتَحَقًّا، فالعُهْدَةُ على المُشْتَرِي، يَرْجِعُ الثلاثةُ عليه، ولا يَرْجِعُ أحَدُهُم على الآخَرِ؛ فإنَّ الأخْذَ وإن كان مِن الأوَّلِ، فهو بمَنْزِلَةِ النائِبِ عن المُشْتَرِي في الدَّفْعِ إليهما،

..................................  والنائِبِ عنهما في دَفْعِ الثَّمَنِ إليه؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ مُسْتَحَقَّةٌ عليه لهم.
هذا ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
وإن امْتَنَعَ الأوَّلُ مِن المُطالبَةِ حتى يَحْضُرَ صاحِبَاه، أو قال: آخُذُ قَدْرَ حَقِّي.
ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَبْطُلُ حَقُّه؛ لأنَّه قَدَرَ على أخْذِ الكلِّ وتَرَكَه، فأشْبَهَ المُنْفَرِدَ.
والثاني، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه تَرَكَه لعُذْرٍ، وهو خَوْفُ قُدُومِ الغائِبِ فيَنْتَزِعُه منه، والتَّرْكُ لعُذْرٍ لا يُسْقِطُ الشُّفْعَةَ، بدَلِيلِ ما لو أظْهَرَ المُشْتَري ثَمَنًا كَثِيرًا، فتَرَكَ لذلك، فبانَ خِلافُه.
وإن تَرَك الأوَّلُ شُفْعَتَه، تَوَفَّرَتِ الشُّفْعَةُ على صاحِبَيه، وإذا قَدِم الأوَّلُ منهما، فله أخْذُ الجَمِيعِ، على ما ذَكَرْنا في الأوَّلِ.
فإن أخَذَ الأوَّلُ بها، ثم رَدَّ ما أخَذَه بعَيبٍ، فكذلك.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ عن محمدِ بنِ الحَسَنِ، أنَّها لا تَتَوَفَّرُ عليهما، وليس لهما أخْذُ نَصِيبِ الأوَّلِ؛ لأنَّه لم يَعْفُ، وإنَّما رَدَّ نَصيبَه بالعَيبِ، فأشْبَهَ ما لو رَجَع إلى المُشْتَرِي بِبَيعٍ أو هِبَةٍ.
ولَنا، أنَّ الشَّفِيعَ فَسَخ مِلْكَه، ورَجَع إلى المُشْتَرِي بالسَّبَبِ الأوَّلِ، فكان لشَرِيكِه أخْذُه، كما لو عَفَا.
ويُفارِقُ عَوْدَه بسَبَبٍ آخَرَ؛ لأنَّه عادَ غيرَ المِلْكِ الأوَّلِ الذي تَعَلَّقَتْ به الشُّفْعَةُ.

..................................  فصل: وإذا حَضَر الثاني بعدَ أخْذِ الأوَّلِ، فأخَذَ نِصْفَ الشِّقْصِ منه، واقْتَسَما، ثُم قَدِم الثالِثُ، وطالبَ بالشُّفْعَةِ، وأخَذَ بها، بَطَلَتِ القِسْمَةُ؛ لأنَّ هذا الثالِثَ إذا أخَذَ بالشُّفْعَةِ، فهو كأنَّه مُشارِكٌ حال القِسْمَةِ؛ لثُبُوتِ حَقِّه، ولهذا لو باعَ المُشْتَرِي، ثم قَدِمَ الشَّفِيعُ، كان له إبْطالُ البَيعِ.
فإن قِيلَ: وكيف تَصِحُّ القِسْمَةُ وشَرِيكُهما الثالِثُ غائِبٌ؟ قُلْنا: يَحْتَمِلُ أن يكونَ وَكَّلَ في القِسْمَةِ قَبْلَ البَيعِ أو قبْلَ عِلْمِه به، أو يكونَ الشَّرِيكان رَفَعَا ذلك إلى الحاكِمِ وطالبَاه بالقِسْمةِ عن الغائِبِ، فقاسَمَهُما، وبَقِيَ الغائِبُ على شُفْعَتِه.
فإن قِيلَ: وكيف تَصِحُّ مُقاسَمَتُهُما للشِّقْصِ وحَقُّ الثالِثِ ثابِتٌ فيه؟ قُلْنا: ثُبُوتُ حَقِّ الشُّفْعَةِ لا يَمْنَعُ التَّصرُّفَ؛ لأنَّه يَصِحُّ 1 بَيعُه وهِبَتُه وغيرُهما، ويَمْلِكُ الشَّفِيعُ إبْطاله، كذا ههُنا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الثالِثَ إذا قَدِم فوَجَدَ أحَدَ شَرِيكَيه غائِبًا، أخَذَ مِن الحاضِرِ ثُلُثَ ما في يَدِه؛ لأنَّه قَدْرُ ما يَسْتَحِقُّه، ثم إن حَكَم له القاضِي على الغائِب، أخَذَ ثُلُثَ ما في يَدِه أيضًا، وإن لم يَقْضِ، انْتَظرَ الغائبَ حتى يَقْدَمَ؛ لَأنَّه مَوْضِعُ عُذْرٍ.

..................................  فصل: إذا أخَذَ الأوَّلُ الشِّقْصَ كلَّه بالشُّفْعَةِ، فقَدِمَ الثاني، فقال: لا آخُذُ منك نِصْفَه، بل أقْتَصِرُ على قَدْرِ نَصِيبِي وهو الثُّلُثُ.
فله ذلك؛ لأنَّه اقْتَصَرَ على بعضِ حَقِّه، وليس فيه تَبْعِيضُ الصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي، فجاز، كتَرْكِ الكلِّ.
فإذا قَدِم الثالِثُ، فله أن يَأْخُذَ مِن الثاني ثُلُثَ ما في يَدِه فيُضِيفَه إلى ما في يَدِ الأوَّلِ، ويَقْتَسِمانِه 1 نِصْفَينِ.
فتَصِحُّ قِسْمَةُ الشِّقْصِ مِن ثَمانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا؛ لأنَّ الثالِثَ أخَذَ حَقَّه مِن الثانِي ثُلُثَ الثُّلُثِ، ومَخْرَجُه تِسْعَةٌ فيَضُمُّهُ إلى الثُّلُثَين، وهي سِتَّةٌ، صارَت سَبْعَةً، ثم قَسَمَا السَّبْعَةَ نِصْفَين، لا تَنْقَسِمُ، فاضْرِب اثْنَين في تِسْعَةٍ يَكُنْ ثَمانِيةَ عَشَرَ، للثانِي أرْبَعَةٌ، ولكلِّ واحِدٍ مِن شَرِيكَيه سَبْعةٌ.
وإنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الثانِي تَرَك سُدْسًا كان له أخْذُه، وحَقُّه منه ثُلُثاه، وهو السُّبْعُ 2 فيُوَفِّرُ ذلك على شَرِيكَيه في الشُّفْعَةِ، فللأوَّلِ والثالثِ أن يَقُولَا: نحن سَواءٌ في الاسْتِحْقاقِ، ولم يَتْرُكْ واحِدٌ مِنّا شَيئًا مِن حَقِّه، فنَجْمَعُ ما معنا فنَقْسِمُه.
فيكونُ على ما ذَكَرْنا.
وإن قال الثاني: أنا آخُذُ الرُّبْعَ.
فله ذلك؛ لِما ذَكَرْنا في التي قبلَها، فإذا قَدِم الثالِثُ، أخَذَ منه نِصْفَ

فَإِنْ كَانَ الْمُشْتَرِي شَرِيكًا، فَالشُّفْعَةُ بَينَهُ وَبَينَ الْآخَرِ،  سُدْسٍ، وهو ثُلُثُ ما في يَدِه، فضَمَّه إلى ثَلاثِةِ الأرْباعِ، وهي تِسْعةٌ، يَصِيرُ الجَمِيعُ عَشَرَةً فيَقْتَسِمانِها (1)، لكلِّ واحِدٍ منهما خَمْسَةٌ، وللثاني سَهْمانِ، وتصِحُّ مِن اثْنَيْ عَشَرَ.

2401 -

مسألة: (وإن كان المُشْتَرِي شَرِيكًا، فالشُّفْعَةُ بينَه وبينَ الآخَرِ)

وللآخَرِ الأخْذُ بقَدْرِ نَصِيبِه.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
وحُكِيَ عن الحَسَنِ، والشَّعْبِيِّ، والبَتِّيِّ، لا شُفْعَةَ للآخَرِ؛ لأنَّها تَثْبُتُ لدَفْعِ ضَرَرِ الشَّرِيكِ الدّاخِلِ، وهذا شَرِكَتُه مُتَقَدِّمَةٌ، فلا ضَرَرَ في شِرائِه.
وحَكَى ابنُ الصَّبّاغِ عنهم، أنَّ الشُّفْعَةَ كلَّها لغيرِ المُشْتَرِي، ولا شيءَ للمُشْتَرِي فيها؛ لأنَّها تُسْتَحَقُّ عليه فلا يَسْتَحِقُّها على نَفْسِه.
ولَنا، أنَّهما تَساوَيَا في الشَّرِكَةِ فتَساوَيَا في الشُّفْعَةِ، كما لو اشْتَرَى أجْنَبِيٌّ، بل المُشتَرِي أوْلى؛ لأنَّه قد مَلك الشِّقصَ المَشفوعَ مِن غيرِ نظرٍ إلى1

فَإِنْ تَرَكَ شُفْعَتَهُ؛ لِيُوجِبَ الْكُلَّ عَلَى شَرِيكِهِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ.
المُشْتَرِي، وقد حَصَلَ شِراؤُه.
والثاني، لا يَصِحُّ أيضًا؛ لأنَّا لا نَقُولُ: إنَّه يَأْخُذُ مِن نَفْسِه بالشُّفْعَةِ.
وإنَّما يَمْنَعُ الشَّرِيكَ أن يَأْخُذَ قَدْرَ حَقِّه بالشُّفْعَةِ، فيَبْقَى على مِلْكِه، ثم لا يَمْتَنِعُ أن يَسْتَحِقَّ الإنْسانُ على نَفْسِه لأجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ الغَيرِ به، ألا تَرَى أنَّ العَبْدَ المَرْهُونَ، إذا جَنَى على عَبْدٍ آخَرَ لسَيِّدِه، ثَبَت للسَّيِّدِ على عَبْدِه أرْشُ الجِنايَةِ؛ لأجْلِ تَعَلُّقِ حَقِّ المُرْتَهِنِ، ولو لم يَكُنْ رَهْنًا ما تَعَلَّقَ به.
وإذا ثَبَت هذا، فإنَّ لشَرِيك المُشْتَرِي أخْذَ قَدْرِ نَصِيبِه لا غيرُ، أو العَفْوَ.

2402 -

مسألة: (وإن تَرَك)

المُشْتَرِي (شُفْعَتَه؛ ليُوجِبَ الكُلَّ على شَرِيكِه، لم يَكُنْ له ذلك) إذا قال المُشْتَرِي: قد أسْقَطْتُ شُفْعَتِي، فخُذِ الكُلَّ أو اتْرُكْ.
لم يَلْزَمْه ذلك، ولم يَصِحَّ إسْقاطُ المُشْتَرِي؛ لأنَّ مِلْكَه اسْتَقَرَّ على قَدْرِ حَقِّه، فجَرَي مَجْرَى الشَّفِيعَين إذا أخَذَا بالشُّفْعَةِ ثم عَفَا أحَدُهما عن حَقِّه.
ولذلك لو حَضَر أحَدُ الشَّفِيعَين، فأخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ بالشُّفْعَةِ، ثم حَضَر الآخرُ، فله أخْذُ النِّصْفِ مِن ذلك.
فإنْ قال الأوَّلُ: خُذِ الكُلَّ أو دَعْ، فإنِّي قد أسْقَطْتُ شُفْعَتِي.
لم يَكُنْ له ذلك.
فإن قِيلَ: هذا تَبْعِيضٌ للصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي.
قُلْنا: هذا تَبْعِيضٌ اقْتَضاه دُخُولُه في العَقْدِ، فصارَ كالرِّضَا منه به، كما قُلْنا في الشَّفِيعِ الحاضِرِ إذا أخَذَ جَمِيعَ الشِّقْصِ، وكما لو اشْتَرَى شِقْصًا وسَيفًا.

وَإذَا كَانَتْ دَارٌ بَينَ اثْنَينِ، فَبَاعَ أَحَدُهُمَا نَصِيبَهُ لِأجْنَبِيٍّ صَفْقَتَينِ، ثُمَّ عَلِمَ شَرِيكُهُ، فَلَهُ أَنْ يَأْخُذ بِالْبَيعَينِ، وَلَهُ أَنْ يَأْخُذَ بِأَحَدِهِمَا، فَإِنْ أَخَذَ بِالثَّانِي، شَارَكَهُ الْمُشْتَرِي فِي شُفْعَتِهِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ، لَمْ يُشَارِكْهُ، وَإِنْ أَخَذَ بِهِمَا، لَمْ يُشَارِكْهُ فِي شُفْعَةِ الْأَوَّلِ، وَهَلْ يُشَارِكُهُ فِي شُفْعَةِ الثَّانِي؟ عَلَى وَجْهَينَ.

2403 - مسألة: (وإذا كانت دارٌ بينَ اثْنَين، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه لأجْنَبِيٍّ صَفْقَتَين، ثم عَلِم الشَّرِيكُ، فله أن يَأْخُذَ بالبَيعَين، وله أن يَأْخُذَ بأحَدِهما، فإن أخَذَ بالثانِي، شارَكَه المُشْتَرِي في شُفْعَتِه، في أحَدِ الوَجْهَينِ، وإن أخَذَ بالأوَّلِ، لم يُشارِكْه، وإن أخَذَ بهما)

جَمِيعًا (لم يُشارِكْه في شُفْعَةِ الأوَّلِ، وهل يُشارِكُه في شُفْعَةِ الثاني؟ على وَجْهَين) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الشَّرِيكَ إذا باعَ بعضَ الشِّقْصِ لأجْنَبِيٍّ، ثم باعَه باقِيَه في صَفْقَةٍ أُخْرَى، ثم عَلِم الشَّفِيعُ، فله أخْذُ المَبِيعِ الأوَّلِ والثاني، وله أخْذُ أحَدِهما، فإن أخَذَ الأوَّلَ، لم يُشارِكْه في شُفْعَتِه أحَدٌ، وإن أخَذَ

..................................  بالثانِي، فهل يُشارِكُه المُشْتَري في شُفْعَتِه بنَصِيبِه الأوَّلِ؟ فيه ثَلاثَةُ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يُشارِكُه فيها.
وهو مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، وبعضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه شَرِيكٌ في وَقْتِ البَيعِ الثاني بمِلْكِه الذي اشْتَراهُ أوَّلًا.
والثاني، لا يُشارِكُه؛ لأنَّ مِلْكَه على الأوَّلِ لم يَسْتَقِرَّ؛ لكَوْنِ الشَّفِيعِ يَمْلِكُ أخْذَه.
والثالثُ، إن عَفَا الشَّفِيعُ عن الأوَّلِ شارَكَه في الثاني، وإن أخَذَ بهما جَميعًا لم يُشارِكْه.
وهذا مَذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه إذا عفا عنه، اسْتَقَرَّ مِلْكُه، بخِلافِ ما إذا أخَذَ.
فإن قُلْنا: يُشارِكُ 1 في الشُّفْعَةِ، ففي قَدْرِ ما يَسْتَحِقُّ وَجْهان؛ أحَدُهما، ثُلُثُه.
والثانِي، نِصْفُه بِناءً على الرِّوايَتَين في قَسْمِ الشُّفْعَةِ على قَدْرِ الأمْلاكِ أو عَدَدِ الرُّءُوسِ.
فإذا قُلْنا: يُشارِكُه.
فَعَفَا له عن الأوَّلِ، صار له ثُلُثُ العَقَارِ، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، ثَلاثةُ أثْمانِه، وباقِيه لشَرِيكِه.
وإن لم يَعْفُ عن الأوَّلِ، فله نِصْفُ سُدْسِه، في أحَدِ الوَجْهَين.
وفي الآخَرِ، ثُمْنُه، والباقِي لشَرِيكِه.
وإن باعَه الشَّرِيكُ الشِّقْصَ في ثَلاثِ صَفَقاتٍ مُتَساويَةٍ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو باعَه لثَلاثَةِ أنْفُسٍ، على ما نَذْكُرُه.
ويَسْتَحِقُّ ما يَسْتَحِقُّونَ، وللشَّفِيع ههُنا مثلُ ما لَه مع الثَّلاثةِ.
واللهُ أعْلَمُ.

..................................  فصل: وإن كانت دارٌ بينَ ثَلاثَةٍ، فوَكَّلَ أحَدُهُم شَرِيكَه في بَيعِ نَصِيبِه مع نَصِيبِه، فباعَهُما لرجلٍ واحِدٍ، فلشَرِيكِهما الشُّفْعَةُ فيهما، وهل له أخْذُ أحَدِ النَّصِيبَينِ دُونَ الآخرِ؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، له ذلك؛ لأنَّ المالِكَ اثْنانِ، فهما بَيعانِ، فكان له أخْذُ نَصِيبِ أحَدِهما، كما لو تَولَّيا العَقْدَ.
والثاني، ليس له ذلك؛ لأنَّ الصَّفْقَةَ واحِدَةٌ، وفي أخْذِ أحَدِهما تَبْعيضُ الصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي، فلم يَجُزْ، كما لو كانا لرجلٍ واحِدٍ.
وإن وَكَّلَ رجلٌ رجلًا في شِراءِ نِصْفِ نَصِيبِ أحَدِ الشُّرَكاءِ، فاشْتَرَى الشِّقْصَ كلَّه لنَفْسِه ولِمُوَكِّلِه، فلشَرِيكِه أخْذُ نَصِيبِ أحَدِهِما؛ لأنَّهما مُشتَرِيان، أشْبَهَ ما لو وَلِيَا العَقْدَ.
والفَرْقُ بينَ هذه الصُّورَةِ والتي قبلَها أنَّ أخْذَ أحَدِ النَّصِيبَين لا يُفْضِي إلى تَبْعِيضِ الصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي، ولأنَّه قد يَرْضَى شَرِكَةَ أحَدِ المُشْتَرِيَين دُونَ الآخَرِ، بخِلافِ التي قبلَها، فإنَّ المُشْتَرِيَ واحِدٌ.

وَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ حَقَّ وَاحِدٍ، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ حَقِّ أَحَدِهِمَا.

2404 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى اثْنانِ حَقَّ واحِدٍ، فللشَّفِيعِ أخْذُ حَقِّ أحَدِهما)

وبه قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ في إحْدَى الرِّوايَتَين عنه.
وقال في الأُخْرَى: يَجُوزُ له ذلك بعدَ القَبْضِ، ولا يَجُوزُ قبلَه؛ لأنَّه قبلَ القَبْضِ يُبَعِّضُ صَفْقَةَ البائِعِ.
ولَنا، أنَّهما مُشتَرِيان، فجازَ للشَّفِيعِ أخْذُ نَصِيب أحَدِهما، كما بعدَ القَبْضِ، وما ذكَرُوه مَمْنُوعٌ.
على أنَّ المُشْتَرِيَ الآخَرَ يَأْخُذُ نَصِيبَه، فلا يكونُ تَبْعِيضًا.
فإن باعَ اثْنان مِن اثْنَين، فهي أرْبَعةُ عُقُودٍ، وللشَّفِيعِ أخْذُ الكُلِّ، أو ما شاءَ منها.

..................................  فصل: وإذا باعَ شِقْصًا لثلاثةٍ دَفْعَةً واحِدَةً، فلشَرِيكِه أن يَأْخُذَ مِن الثَّلاثةِ، وله أن يَأْخُذَ مِن أحَدِهم، وله أن يَأْخُذَ مِن اثْنَين دُونَ الثّالِثِ؛ لأنَّ كلَّ عَقْدٍ منها مُنْفَرِدٌ، فلا يَتَوَقَّفُ الأخْذُ به على الأخْذِ بما في العَقْدِ الآخَرِ، كما لو كانت مُتَفَرِّقَة.
وإذا أخَذَ نَصِيبَ أحَدِهِم، لم يَكُنْ 1 للآخَرَين مُشارَكَتُه في الشُّفْعَةِ؛ لأنَّ مِلْكَهُما لم يَسْبِقْ مِلْكَ مَن أخَذَ نصِيبَه، ولا يَسْتَحِقُّ الشُّفْعَةَ إلَّا بمِلْكٍ سابِقٍ.
فأمّا إن باعَ نَصِيبَه لثلاثةٍ في ثَلاثةِ عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ثم عَلِمَ الشَّفِيعُ، فله أيضًا أن يَأْخُذَ الثَّلاثَةَ، وله أن يَأْخُذَ ما شاءَ منها، فإن [أخَذَ نِصيبَ الأوَّلِ، لم يَكُنْ للآخَرَين مُشارَكَتُه في شُفْعَتِه؛ لأنَّهما لم يَكُنْ لهما مِلْكٌ حينَ بَيعِه] 2، وإن أخَذَ نَصِيبَ الثانِي وحدَه، لم يَمْلِكِ الثالِثُ مُشارَكَتَه؛ لذلك، ويُشارِكُه الأوَّلُ في شُفْعَتِه؛ لأن مِلْكَه سابِقٌ لشِراءِ الثاني، فهو شَرِيكٌ في اسْتِحْقاقِها حال شِرائِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُشارِكَه؛ لأنَّ مِلْكَه حال شِراءِ الثاني يَسْتَحِقُّ أخْذَه بالشُّفْعَةِ؛ فلا يَكونُ سَبَبًا [في اسْتِحْقاقِها] 3. وإن أخَذَ مِن الثالِثِ وعَفَا

..................................  عن الأوَّلَين، ففي مُشارَكَتِهما له وَجْهان.
وإن أخَذَ مِن الثَّلاثَةِ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يشارِكُه واحدٌ منهم؛ لأنَّ أمْلاكَهُم قد اسْتَحَقَّها بالشُّفْعَةِ، فلا يَسْتَحِقُّ عليه بها شُفْعَةً.
والثاني، يُشارِكُه الثاني في شُفْعَةِ الثالِثِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وبعضِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه كان مالِكًا مِلْكًا صَحِيحًا حال شِراءِ الثالِثِ، ولذلك اسْتَحَقَّ مُشارَكَتَه إذا عَفَا عن شُفْعَتِه، فكذلك إذا لم يَعْفُ؛ لأنَّه إنَّما اسْتَحَقَّ الشُّفْعَةَ بالمِلْكِ الذي صار به شَرِيكًا؛ لا بالعَفْو عنه، ولذلك قُلْنا في الشَّفِيعِ إذا لم يَعْلَمْ بالشُّفْعَةِ حتى باعَ نَصِيبَه: إنَّ له أخْذَ نَصِيبِ المُشْتَرِي الأوَّلِ، وللمُشْتَرِي الأوَّلِ أخْذُ نَصِيبِ المُشْتَرِي الثاني.
وعلى هذا، يُشارِكُه الأوَّلُ في شُفْعَةِ الثانِي والثالِثِ جَمِيعًا.
فعلى هذا، إذا كانت دارٌ بينَ اثْنَين نِصْفَين، فباعَ أحَدُهما نَصِيبَه لثلاثةٍ في ثَلاثةِ عُقُودٍ، في كلِّ عَقْدٍ سُدْسًا، فللشَّفِيعِ السُّدْسُ الأوَّلُ وثَلاثةُ أرْباعِ الثاني وثَلاثةُ أخْماسِ الثالِثِ، وللُمشْتَرِي الأوَّلِ رُبْعُ السُّدْسِ الثاني وخُمْسُ الثالِثِ، وللمُشْتَرِي الثاني خُمْسُ الثالِثِ، فتَصِحُّ المسألةُ مِن مائةٍ وعِشرِينَ سَهْمًا، للشَّفِيعِ الأوَّلِ مائةٌ وسَبْعَةُ أسْهُمٍ، وللثانِي تِسْعَةٌ، وللثالثِ أرْبَعَةٌ.
وإن قُلْنا: إنَّ الشُّفْعَةَ على عَدَدِ الرُّءُوسِ.
فللمُشْتَرِي الأوَّلِ نِصْفُ السُّدْسِ الثاني وثُلُثُ الثالِثِ، وللثاني ثُلُثُ الثالِثِ، وهو نِصْفُ التُّسْعِ، فتَصِحُّ مِن سِتَّةٍ وثَلاثِينَ، فللشَّفِيعِ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ، وللثانِي خَمْسَةٌ، وللثالث سَهْمانِ.

..................................  فصل: دارٌ بينَ أرْبعةٍ أرْباعًا، باعَ ثَلاثَةٌ منهم في عُقُودٍ مُتَفَرِّقَةٍ، ولم يَعْلَمْ شَرِيكُهُم، ولا بعضُهم ببعض، فللَّذِى لم يَبِعِ الشُّفْعَةُ في الجَميعِ.
وهل يَسْتَحِقُّ البائعُ الثاني والثالِثُ الشُّفْعَةَ فيما باعَه البائِعُ الأوَّلُ؟ على وَجْهَين.
وكذلك هل يَسْتَحِقُّ الثالِثُ الشُّفْعَةَ فيما باعَه الأوَّلُ والثانِي؟ على وَجْهَين.
وهل يَسْتَحِقُّ مُشْتَرِي الرُّبْعِ الأوَّلِ الشُّفْعَةَ فيما باعَه الثاني والثالِثُ؟ وهل يَسْتَحِقُّ الثاني شُفْعَةَ الثالِثِ؟ على ثَلاثةِ أوْجُهٍ؛ أحَدُها، يَسْتَحِقَّانِ؛ لأنَّهما مالِكان حال البَيعِ.
والثاني، لا حَقَّ لهما؛ لأنَّ مِلْكَهُما مُتَزَلْزِلٌ يَسْتَحِقُّ أخْذَه بالشُّفْعَةِ، فلا تَثْبُتُ به.
والثالثُ، إن عَفَا عنهما أخَذَا 1 وإلَّا فلا.
فإذا قُلْنا: يَشْتَرِكُ الجَمِيعُ.
فللَّذِي لم يَبعْ ثُلُثُ كلِّ رُبْعٍ؛ لأنَّ له شَرِيكَين، فصارَ له الرُّبْعُ مَضْمُومًا 2 إلى مِلْكِه،

وَإِنِ اشْتَرَى وَاحِدٌ حَقَّ اثْنَينِ، أَو اشْتَرَى وَاحِدٌ شِقْصَينِ مِنْ أَرْضَينِ صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلِلشَّفِيعِ أَخْذُ أَحدِهِمَا، عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَينَ.
فكَمَلَ له النِّصْفُ، وللبائِع الثالِثِ والمُشْتَرِي الأوَّلِ الثُّلُثُ، لكلِّ واحِدٍ منهما سُدْسٌ؛ لأنَّه شَرِيكٌ في شُفْعَةِ مَبِيعَين.
وللبائِعِ الثاني والمُشْتَرِي الثاني السُّدْسُ، لكلِّ واحِدٍ منهما نِصْفُه؛ لأنَّه شَرِيكٌ في شُفْعَةِ بَيعٍ واحِدٍ، وتَصِحُّ مِن اثْنَيْ عَشَرَ.

2405 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَى واحِدٌ حَقَّ اثْنَين، أو اشْتَرَى شِقْصَين مِن دارَين صَفْقَةً واحِدَةً، فللشَّفِيعِ أخْذُ أحَدِهما، على أصَحِّ الوَجْهَين)

إذا اشْتَرَى رجلٌ مِنِ رَجُلَين شِقْصًا صَفْقَةً واحِدَةً، فللشَّفِيعِ أخْذُ نَصِيبِ أحَدِهما دُونَ الآخَرِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وحُكِيَ

..................................  عن القاضِي، أنَّه لا يَمْلِكُ ذلك.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ؛ لئَلَّا تَتَبَعَّضَ صَفْقَةُ المُشْتَرِي.
ولَنا، أنَّ عَقْدَ الاثْنَين مع واحِدٍ عَقْدان؛ لأنَّه مُشْتَرِ مِن كلِّ واحِدٍ منهما مِلْكَه بثَمَنٍ مُفْرَدٍ، فكان للشَّفِيعِ أخْذُه، كما لو أفْرَدَه بعَقْدٍ، وبهذا يَنْفَصِلُ عمّا ذَكَرُوه.
وأمَّا إذا باعَ شِقْصَين مِن أرْضَين صَفْقَةً واحِدَةً لرجلِ واحِدٍ، وكان الشَّرِيكُ في أحَدِهما غيرَ الشَّرِيكِ في الآخَرِ، فلهما أن يَأْخُذَا ويَقْسِما الثَّمَنَ على قَدْرِ القِيمَتَين، وإن أخَذَ أحَدُهُما دُونَ الآخَرِ، جازَ، ويَأْخُذُ الشِّقْصَ الذي في شَرِكَتِه بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ.
ويتَخَرَّجُ أن لا شُفْعَةَ له؛ لأنَّ فيه تَبْعِيضَ الصَّفْقَةِ على المُشْتَرِي،

..................................  وذلك ضَرَرٌ به، وليس له أخْذُهُما معًا؛ لأنَّ أحَدَهما لا شَرِكَةَ له فيه، ولا هو تابعٌ لما فيه الشُّفْعَةُ، فجَرَى مَجْرَى الشِّقْصِ والسَّيفِ على ما نَذْكُرُه.
وإن كان الشَّرِيكُ فيهما واحِدًا، فله أخْذُهُما وتَرْكُهُما؛ لأنَّه شَرِيكٌ فيهما، وله أخْذُ أحَدِهما دُونَ الآخَرِ.
وهو منْصُوصُ الشافعيِّ.
وفيه وَجْه آخَرُ، أنَّه لا يَمْلِكُ ذلك، ومتى اخْتارَه، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ فيهما؛ لأنَّه أمْكَنَه أخْذُ المَبِيعِ كلِّه، فلم يَمْلِكْ أخْذَ بعضِه، كما لو كان شِقْصًا واحِدًا.
ذَكَرَه أبو الخَطّابِ، وبعضُ الشافعيَّةِ.
ولَنا، أنَّه يَسْتَحِقُّ كلُّ واحِدٍ منهما بسَبَبٍ غيرِ الآخَرِ، فجَرَى مَجْرَى الشَّرِيكَين، ولأنَّه لو جَرَى مَجْرَى الشِّقْصِ الواحِدِ لوَجَبَ -إذا كانا شَرِيكَين، فتَرَكَ أحَدُهُما شُفْعَتَه- أن يكونَ للآخَرِ أخْذُ الكلِّ، والأمْرُ بخِلافِه.

وَإنْ بَاعَ شِقْصًا وَسَيفًا، فَلِلشَّفِيعِ أخْذُ الشِّقْص بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَجُوزَ.

2406 - مسألة: (وإن باعَ شِقْصًا وسَيفًا، فللشَّفِيعِ أخْذُ الشِّقْصِ بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ. ويَحْتَمِلُ أن لا يَجُوزَ)

إذا باع شِقْصًا مَشْفُوعًا ومعه ما لَا شُفْعَةَ فيه، كالسَّيفِ، والثَّوْبِ، في عَقْدٍ واحِدٍ، ثَبَتَتِ الشُّفْعَةُ في الشِّقْصِ بحِصَّتِه مِن الثَّمنِ دُونَ ما معه، فيُقَوَّمُ كلُّ واحِدٍ منهما، ويُقْسَمُ الثَّمَنُ على قَدْرِ قِيمَتِهما، فما يَخُصُّ الشِّقْصَ يَأْخُذُ به الشَّفِيعُ.
وبه قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ؛ لِئَلَّا تَتَبَعَّضَ صَفْقَةُ 1 المُشْتَرِي، وفي ذلك إضْرارٌ به، أشْبَهَ ما لو أرادَ أخْذَ بعضِ الشِّقْصِ.
وقال مالكٌ: تَثْبُتُ الشُّفْعَةُ فيهما؛ لذلك.
ولَنا، أنَّ السَّيفَ لا شُفْعَةَ فيه، ولا هو تابعٌ لما فيه الشُّفْعَةُ، فلم يُؤْخَذْ بالشُّفْعَةِ، كما لو أفْرَدَه، والضَّرَرُ اللَّاحِقُ بالمُشْتَرِي هو ألْحَقَه بنَفْسِه لجَمْعِه في العَقْدِ بينَ ما تَثْبُتُ فيه الشُّفْعَةُ وما لا تَثْبُتُ، ولأنَّ في الأخْذِ بالكُلِّ إضْرارًا بالمُشْتَرِي أيضًا؛ لأنَّه رُبَّما كان غَرَضُه في إبْقاءِ السَّيفِ له، ففي أخْذِه منه إضْرارٌ به مِن غيرِ سَبَبٍ يَقْتَضِيه.

وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَبِيعِ، فَلَهُ أخْذُ الْبَاقِي بِحِصَّتِهِ مِنَ الثَّمَنِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: إِنْ كَانَ تَلَفُهُ بِفِعْلِ اللهِ تَعَالى، فَلَيسَ لَهُ أَخْذُهُ إلا بِجَمِيعِ الثَّمَنِ.

2407 - مسألة: (وإن تَلِف بعضُ المَبِيعِ، فله أخْذُ الباقِي بحِصَّتِه مِن الثَّمَنِ. وقال ابن حامِدٍ: إن كان تَلَفُه بفِعْلِ اللهِ تِعالى، فليس له أخْذه إلَّا بجَمِيعِ الثَّمَن)

إذا تَلِف الشِّقْصُ أو بعضُه في يَدِ المُشْتَرِي، فهو مِن ضَمانِه؛ لأنَّه مِلْكُه تَلِف في يَدِه، فإن أرادَ الشَّفِيعُ الأخْذَ إذا تَلِف بعضُه، أخَذَ المَوْجُودَ بحِصَّتِه مِن الثَّمنِ، سَواءٌ كان التَّلَفُ بفِعْلِ اللهِ تَعالى أو بفِعْلِ آدَمِيٍّ، وسَواءٌ تَلِفَ باخْتِيارِ المشْتَرِي؛ كنَقْضِه البِنَاءَ،

..................................  أو بغيرِ اخْتِيارِه، مثلَ أنِ انْهَدَمَ.
ثم إن كانتِ الأنْقاضُ 1 مَوْجُودَةً، أخَذَها مع العَرْصَةِ بالحِصَّةِ، وإن كانت مَعْدُومَةً، أخَذَ العَرْصَةَ 2 وما بَقِيَ مِن البِنَاءِ.
هذا ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ في روايةِ ابنِ القاسِمِ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والعَنْبرِيِّ، وأبي يُوسُفَ، وقولٌ للشافعيِّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن كان التَّلَفُ بفِعْلِ آدَمِيٍّ، كما ذَكَرْنا، وإن كان بفِعْلِ اللهِ تَعالى؛ كانْهِدامِ البِناءِ بنَفْسِه، أو حَرِيقٍ، أو غَرَقٍ، فليس للشَّفِيعِ أخْذُ الباقِي إلَّا بكلِّ الثَّمَنِ، أو يَتْرُكُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وقولٌ للشافعيِّ؛ لأنَّه متى كان النَّقْصُ بفِعْلِ آدَمِيٍّ، رَجع بَدَلُه إلى المُشْتَرِي، فلا يَتَضرَّرُ، ومتى كان بغيرِ ذلك، لم يَرْجِعْ إليه شيءٌ، فيكونُ الأخْذُ منه إضْرارًا به، والضَّرَرُ لا يُزَالُ بالضَّرَرِ.
ولَنا، أنَّه تَعَذَّرَ على الشَّفِيعِ أخْذُ الجميعِ، وقَدَر على أخْذِ البَعْضِ، فكان له بالحِصَّةِ، كما لو تَلِفَ بفعلِ آدَمِيٍّ سِوَاه، وكما لو كان له شَفِيعٌ آخَرُ، أو نقولُ: أخَذَ بعضَ ما دَخَل معه في العَقْدِ، فأخَذَه بالحِصَّةِ، كما لو كان معه سَيفٌ.
وأمَّا الضَّرَرُ فإنَّما حَصَل بالتَّلَفِ، ولا صُنْعَ للشَّفِيعِ فيه، والذي يَأْخُذُه الشَّفِيعُ يُؤَدِّي ثَمَنَه، فلا يَتَضرَّرُ المُشْتَرِي بأخْذِه.
وإنَّما قُلْنا: يَأْخُذُ الأنْقاضَ (1) وإن كانت مُنْفَصِلَةً؛ لأنَّ اسْتِحْقاقَه كان حال عَقْدِ البَيعِ، وفي تلك الحالِ كان مُتَّصِلًا اتِّصالًا ليس مَالُه إلى الانْفِصالِ، وانْفِصالُه بعدَ ذلك لا يُسْقِطُ حَقَّ الشفْعَةِ.

فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أَنْ يَكُونَ لِلشَّفِيعِ مِلْكٌ سَابِقٌ.
ويُفارِقُ الثَّمَرَةَ غيرَ المُؤَبَّرَةِ إذا أُبِّرَتْ، فإنَّ مَآلَها إلى الانْفِصالِ والظُّهُورِ، فإذا ظَهَرَتْ فقد انْفَصَلَتْ، فلم تَدْخُلْ في الشُّفْعَةِ.
وإن نَقَصَتِ القِيمَةُ مع بَقاءِ صُورَةِ المَبِيعِ، مثلَ أنِ انْشَقَّ الحائِطُ، واسْتَهْدَمَ البِناءُ، وشَعِثَ الشَّجَرُ، وبارَتِ الأرْضُ، فليس له إلَّا أن يَأْخُذَ بجَمِيعِ الثَّمَنِ أو يَتْرُكَ؛ لأنَّ هذه المَعانِيَ لا يُقابِلُها الثَّمَنُ، بخِلافِ الأعْيانِ، ولهذا لو بَنَى المُشْتَرِي، أعْطاه الشَّفِيعُ قِيمَةَ بِنائِه، ولو زادَ المَبِيعُ زِيادَةً مُتَّصِلَةً، دَخَلَتْ في الشُّفْعَةِ.
فصل: الشرطُ (الخامسُ، أن يكونَ للشَّفِيعِ مِلْكٌ سابِقٌ) لأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما ثَبَتَتْ للشَّرِيكِ لدَفْعِ الضَّرَرِ عنه، وإذا لم يَكُنْ له مِلْكٌ سابقٌ فلا ضَرَرَ عليه، فلا تَثْبُتُ له الشُّفْعَةُ.

فَإِنِ اشْتَرَى اثْنَانِ دَارًا صَفْقَةً وَاحِدَةً، فَلَا شُفْعَةَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى صَاحِبِهِ.
وَإِنِ ادَّعَى كُلُّ وَاحِدٍ، مِنْهُمَا السَّبْقَ، فَتَحَالفَا، أَوْ تَعَارَضَتْ بَيِّنَتَاهُمَا، فَلَا شُفْعَةَ لَهُمَا.

2408 - مسألة: (فإنِ اشْتَرَى اثْنان دارًا صَفْقَةً واحِدَةً، فلا شُفْعَةَ لأحَدِهما على صاحِبِه)

لأنَّه لا مَزِيَّةَ لأحَدِهما على صاحِبِه؛ لتَساويهِما.
2409 -

مسألة: (فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما السَّبْقَ، فتَحالفَا، أو تَعارَضَتْ بَيِّنَتاهُما، فلا شُفْعَةَ لهما)

إذا كانت دارٌ بينَ رَجُلَين، فادَّعَى كلُّ واحِدٍ منهما على صاحِبِه أَنه يَسْتَحِقُّ ما في يَدِه بالشُّفْعَةِ، سُئِلَا: متى مَلَكْتُماهَا؟ فإن قالا: مَلَكْناها دَفْعَةً واحِدَةً.
فلا شُفْعَةَ لأحَدِهما على الآخَرِ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما ثَبَتَتْ بمِلْكٍ سابِقٍ في مِلْكٍ مُتَجَدِّدٍ بعدَه.
وإن قال كلُّ واحِدٍ منهما: مِلْكِي سابِقٌ.
ولأحَدِهما بَيِّنَةٌ بما ادَّعاهُ، قُضِيَ له.
وإن كان لكلِّ واحِدٍ 1 منهما بَيِّنَةٌ، قُدِّمَ أسْبَقُهُما تارِيخًا، فإن شَهِدَتْ بَيِّنَةُ كلِّ واحِدٍ منهما بسَبْقِ مِلْكِه وتَجَدُّدِ مِلْكِ صاحِبِه، تَعارَضَتَا.
وإن لم يَكُنْ لواحِدٍ منهما بَيِّنَةٌ، سَمِعْنا دَعْوَى السّابِقِ، وسَألْنا خَصْمَه، فإن أنْكَرَ، فالقَوْلُ قولُه مع يَمينِه، فإن حَلَف، سَقَطَتْ دَعْوَى الأوَّلِ، ثم نَسْمَعُ دَعْوَى الثاني على الأوَّلِ، فإن أنْكَرَ وحَلَف، سَقَطَتْ دَعْواهُما جَمِيعًا.
وإنِ ادَّعَى الأوَّلُ فَنَكَل الثانِي عن اليَمِينِ، قَضَينَا عليه، ولم نسْمَعْ دَعْواه؛ لأنَّ خَصْمَه قد اسْتَحَقَّ مِلْكَه.
وإن حَلَف الثاني ونَكَل

وَلَا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الْوَقْفِ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ.
الأوَّلُ، قَضَينا عليه.

2410 -

مسألة: (ولا شُفْعَةَ بِشَرِكَةِ الوَقْفِ، في أحَدِ الوَجْهَين)

ذَكَرَه القاضِيَان ابنُ أبي مُوسَى، وأبو يَعْلَى.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لا يُؤْخَذُ بالشُّفْعَةِ، فلا تَجِبُ به، كالمُجاورِ وما لا يَنْقَسِمُ.
ولأنَّنا إن قُلْنا: هو غيرُ مَمْلُوكٍ.
فالمَوْقُوفُ عليه غيرُ مالكٍ.
وإن قُلْنا: هو مَمْلُوكٌ.
فمِلْكُه غيرُ تامٍّ؛ لأنَّه لا يُبيح 1 إباحَةَ التَّصَرُّفِ في الرَّقَبَةِ، فلا يَمْلِكُ به مِلْكًا تامًّا.
وقال أبو الخَطّابِ: إن قُلْنا: هو مَمْلُوكٌ.
وَجَبَتْ به الشُّفْعَةُ؟؛ لأنَّه مَمْلُوكٌ بِيعَ في شَرِكَتِه شِقْصٌ، فوَجَبَتْ به الشُّفْعَةُ، كالطِّلْقِ 2، ولأنَّ الضَّرَرَ يَنْدَفِعُ عنه بالشُّفْعَةِ، فوَجَبَتْ فيه، كوُجُوبِها في الطِّلْقِ، وإنَّما لم يَسْتَحِقَّ بالشُّفْعَةِ؛ لأنَّ الأخْذَ بها بَيعٌ، وهو مِمّا لا يَجُوزُ بيعُه.

فَصْلٌ: وَإِنْ تَصَرَّفَ الْمُشْتَرِي فِي الْمَبِيعِ قَبْلَ الطَّلَبِ بِوَقْفٍ أَوْ هِبَةٍ، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
نَصَّ عَلَيهَا.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لَا تَسْقُطُ.
فصل: (وإن تَصَرَّفَ المُشْتَرِي في المَبِيع قبلَ الطَّلَبِ بوَقْفٍ أو هِبَةٍ، سَقَطَتِ الشُّفْعَةُ.
نَصَّ عليه) في رِوايَةِ عليِّ بنِ سعيدٍ، وبكرِ بنِ محمدٍ.
وحُكِيَ ذلك عنِ الماسَرْجِسِيِّ 1 في الوَقْفِ؛ لأنَّ الشُّفْعَةَ إنَّما تَثْبُتُ في المَمْلُوكِ، وقد خرَج بهذا عن كَوْنِه مَمْلُوكًا.
قال ابنُ أبي مُوسَى: مَن اشْتَرَى دارًا فجَعَلَها مَسْجِدًا، فقد اسْتَهْلَكَها، ولا شُفْعَةَ فيها.
ولأنَّ في الشُّفْعَةِ ههُنا إضْرارًا بالمَوْهُوبِ له، والمَوْقُوفِ عليه؛ لأنَّ مِلْكَه يَزُولُ عنه بغيرِ عِوَضٍ، ولا يُزَالُ الضَّرَرُ بالضَّرَرِ، بخِلافِ البَيعِ، فإنَّه إذا فَسَخ

..................................  البَيعَ الثانِيَ، رَجَع المُشْتَرِي الثاني بالثَّمَنِ الذي أُخِذَ منه، فلا يَلْحَقُه ضَرَرٌ، ولأنَّ ثُبُوتَ الشُّفْعَةِ ههُنا يُوجِبُ رَدَّ العِوَضِ إلى غيرِ المالِكِ وسَلْبَه عن المالِكِ، وفي ذلك ضَرَرٌ، فيكونُ مَنْفِيًّا.
وقال أبو بكرٍ: للشَّفِيعِ فسْخُ ذلك وأخْذُه بالثَّمَنِ الذي وَقَع به البَيعُ.
وهذا قولُ مالكٍ،

جارٍ التحميل