أوْ جَحَدَهَا ثُمَّ أقَرَّ بِهَا.
ولَبِس الثَّوْبَ) أو أخَذَ الوَدِيعَةَ ليَسْتَعْمِلَها، أو ليَخُونَ (1) فيها (ثم رَدَّها) إلى مَوْضِعِها بنِيَّةِ الأمانَةِ، ضَمِنَها؛ لتَعَدِّيه، ولم يَزُلْ عنه الضَّمانُ برَدِّها.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: يَبْرأُ؛ لأنَّه مُمْسِكٌ لها بإذْنِ مالِكِها، فأشْبَهَ ما قبلَ التَّعَدِّي.
ولَنا، أنَّه ضَمِنَها بعُدْوانٍ فبَطَلَ الاسْتِئْمانُ، كما لو جَحَدَها ثم أقَرَّ بها، وبهذا يَبْطُلُ ما ذَكَرَه.
2447 -
مسألة: فإن (جَحَدَها ثم أقَرَّ بها)
فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه بجَحْدِها خَرَج عن الاسْتِئْمانِ عليها، فلم يَزُلْ عنه1
أوْ كَسَرَ خَتْمَ كِيسِهَا، أوْ خَلَطَهَا بِمَا لَا تَتَمَيَّزُ مِنْهُ، ضمِنَهَا، الضَّمان بالإقْرارِ بها؛ لأنَّ يَدَه صارت يَدَ عُدْوانٍ.
2448 -
مسألة: فإن (كَسَر خَتْمَ كِيسِها)
أو كانت مَشْدُودَةً فحَلَّ الشَّدَّ، ضَمِن، سَواءٌ أخْرَجَ منها شيئًا أو لم يُخْرِجْ؛ لأنَّه هَتَك الحِرْزَ بفِعْلٍ تَعَدَّى به.
فإن خَرَق الكِيسَ فوقَ الشَّدِّ، فعليه ضَمانُ ما خَرَق خاصَّةً؛ لأنَّه لمّا هَتَك الحِرْزَ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا كَسَر خَتْمَ الكِيسِ، لم يَلْزَمْه ضَمانُ الوَدِيعَةِ؛ لأنَّه لم يَتَعَدَّ في غيرِه.
ولَنا، أنَّه هَتَك حِرْزَها، فضَمِنَها إذا تَلِفَتْ، كما لو أوْدَعَه إيّاها في صُنْدُقٍ مُقْفَلٍ، ففَتَحَه وتَرَكه مَفْتوحًا، ولا نُسَلِّمُ أنَّه لم يتَعَدَّ في غيرِ الخَتْمِ.
2449 -
مسألة: وإن (خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه، ضَمِنَها)
إذا خَلَطَها بما لا تَتَمَيَّزُ منه مِن مالِه أو مالِ غيرِه، ضَمِنَها، سَواءٌ خَلَطَها بمِثْلِها أو دُونِها، أوَ أجْوَدَ مِن جنْسِها أو مِن غيرِ جِنْسِها، مثلَ أن يَخْلِطَ الدَّراهِمَ بدَراهِمَ، أَوْ دُهْنًا بدُهْنٍ، كالزَّيتِ بالزيتِ أو
..................................
السَّمْنِ أو بغيرِه.
وبهذا قال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وقال ابنُ القاسِمِ: إن خَلَط دَراهِمَ بدَراهِمَ على وَجْهِ الحِرْزِ، لم يَضْمَنْ.
وحُكِيَ عن مالِكٍ، لا يَضْمَنُ إلَّا أن تكونَ دُونَها، لأنَّه لا يُمْكِنُه رَدُّها إلَّا ناقِصَةً.
ولنا، أنَّه خَلَطَها بمالِه خَلْطًا لا يَتَمَيَّزُ، فوَجَبَ أن يَضْمَنَها، كما لو خَلَطَها بدُونِها، ولأنَّه إذا خَلَطَها بما لا يَتَمَيَّزُ، فقد فَوَّتَ على نَفْسِه إمْكانَ رَدِّها، فلَزِمَه ضَمانُها، كما لو ألْقاها في لُجَّةِ بَحْرٍ.
فإن أمَرَه صاحِبُها بخَلْطِها بمالِه أو بغيرِه، ففَعَلَ ذلك، فلا ضَمانَ عليه، لأنَّه فَعَلَ ما أمَرَه به، فكان نائِبًا عن المالِكِ فيه.
وقد نَقَل مُهَنّا عن أحمدَ، في رجلٍ اسْتُودِعَ عَشَرَةَ دَراهِمَ، واسْتَوْدَعَه آخَرُ عَشَرَةً، وأمَراه 1 أن يَخْلِطَها، فخَلَطَها، فضاعَتِ الدَّرِاهِمُ، فلا شيءَ عليه.
فإن أمَرَه أحَدُهما بخَلْطِ دَراهِمِه، ولم يَأْمُرْه الآخرُ، فعليه ضَمانُ دَراهِمِ مَن لم يَأْمُرْه دُونَ الأخْرَى.
وإنِ اخْتَلَطَتْ هي بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه، كما لو تَلِفَتْ بغيرِ تَفرِيطِه.
وإن خَلَطَها غيرُه، فالضَّمانُ على مَن خَلَطَها، لأنَّ العُدْوانَ منه، أشْبَهَ ما لو أتْلَفَها.
وَإنْ خَلَطَهَا بِمُتَمَيِّزٍ، أَوْ رَكِبَ الدَّابَّةَ لِيَسْقِيَهَا، لَمْ يَضْمَنْ.
2450 - مسألة: (وإن خَلَطَها بمُتَمَيِّزٍ، أو رَكِب الدّابَّةَ ليَسْقِيَها، لم يَضْمَنْ)
أمّا إذا خَلَطَها بما تَتَمَيَّزُ منه، مِثْلَ أن خَلَط دَراهِمَ بدَنانِيرَ، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّها تَتَمَيَّزُ منها، فلا يَعْجِزُ بذلك عن رَدِّها، فلم يَضْمَنْها، كما لو تَرَكَها في صُنْدُوقٍ فيه أكْياسٌ له.
وبهذا قال الشافعيُّ، ومالِكٌ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وكذلك الحُكْمُ إذا خَلَط بِيضًا بسُودٍ.
وقد حُكِيَ عن أحمدَ، في مَن خَلَط دَراهِمَ بِيضًا بسُودٍ: يَضْمَنُها.
ولَعَلَّه قال ذلك لكَوْنِها تَكْتَسِبُ منها سَوادًا، ويَتَغَيَّرُ لَوْنُها، فتَنْقُصُ قِيمَتُها، فإن لم يَكُنْ فيه ضَرَرٌ، فلا ضَمانَ عليه.
وإن رَكِب الدّابَّةَ ليَسْقِيَها أو يَعْلِفَها، لم يَضْمَنْ؛ لأنَّ رُكُوبَها لذلك مَأذُونٌ فيه عُرْفًا وشَرْعًا، لأنَّه مَأْذُون له في سَقْيِها، كما 1 أُذِنَ له في عَلْفِها، والعادَةُ أنَّ مَن يَسْقِيها يَرْكَبُها، فالإذْنُ في السَّقْي إذْنٌ في الرُّكُوبِ المُعْتادِ، ولهذا لو قال لوَكِيلِه: اسْقِ الدّابَّة.
فإنَّه يُفهَمُ منه: ارْكَبْها له.
وَإنْ أَخَذَ دِرْهَمًا ثُمَّ رَدَّهُ، فَضَاعَ الْكُلُّ، ضَمِنَهُ وَحْدَهُ.
وَعَنْهُ، يَضْمَنُ الْجَمِيعَ.
2451 - مسألة: (وإن أخَذَ دِرْهَمًا ثم رَدَّه، فضاع الكلُّ، ضَمِنَه وَحْدَه)
اخْتَارَه الخِرَقِيُّ (وعنه، يَضمَنُ الجَمِيعَ) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن أُودِعَ شيئًا فأخَذَ بَعْضَه، لَزِمَه ضَمانُ ما أخَذَ؛ لتَعَدِّيه، فإن رَدَّه أو مِثْلَه، لم يَزُلِ الضَّمانُ 1 عنه.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال مالِكٌ: لا ضَمانَ عليه إذا رَدَّه أو مِثْلَه.
وقال أصْحابُ الرَّأْي.
إن لم يُنْفِقْ ما أخَذَه، [ورَدَّه] 2، لم يَضْمَنْ، وإن أنْفَقَه ثم رَدَّه أو مِثْلَه، ضَمِن.
ولَنا، أنَّ الضَّمانَ تَعَلَّقَ بذِمَّتِه بالأخْذِ، بدَلِيلِ أنَّه لو تَلِف في يَدِه قبلَ رَدِّه ضَمِنَه، فلا يَزُولُ إلَّا برَدِّه إلى صاحِبِه كالمَغْصُوبِ.
فأمّا سائِرُ الوَدِيعَةِ، فيُنْظرُ فيه، فإن لم تكنِ الدَّراهِمُ في كِيسٍ، أو كانت في كِيسٍ غيرِ مَشْدُودٍ، أو كانت ثِيابًا
وَإنْ رَدَّ بَدَلَهُ مُتَمَيِّزًا، فَكَذَلِكَ، وَإنْ كَانَ غَيرَ مُتَمَيِّزٍ، ضَمِنَ الْجَمِيعَ، وَيَحْتَمِلُ أَلَّا يَضْمَنَ غَيرَهُ.
فأخَذَ منها واحِدًا ثم رَدَّه بعَيِنه، لم يَضْمَنْ غيرَه؛ لأنّه لم يَتَعَدَّ في غيرِه.
وكذلك إن رَدَّ بَدَلَه مُتَمَيِّزًا؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن لم يكنْ مُتَمَيِّزًا، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ أنَّه (لا يَضْمَنُ غيرَه) لأنَّ التَّعَدِّيَ اخْتَصَّ به، فاخْتَصَّ الضَّمانُ به، وخَلْطُ المَرْدُودِ بغيرِه لا يَقْتَضِي ضَمانَ الجَمِيعِ؛ لأنَّه يَجِبُ رَدُّه معها، فلم يُفَوِّتْ على نَفْسِه إمْكانَ رَدِّها، بخِلافِ ما إذا خَلَطَه بغيرِه.
ولو أذِنَ له صاحِبُ الوَدِيعَةِ في الأخْذِ منها، ولم يَأْمُرْه برَدِّ بَدَلِه، فأخَذَ ثم رَدَّ بَدَل ما أخَذَ، فهو كرَدِّ بَدَلِ ما لم يُؤْذَنْ في أخْذِه.
وقال القاضي: يَضْمَنُ الكلَّ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنه خَلَط الوَدِيعَة بما لا تَتَمَيَّزُ منه، فضَمِنَ الكلَّ، كما لو خَلَطَها بغيرِ البَدَلِ.
وقد ذَكَرْنا فَرْقًا بينَ البَدَلِ وغيرِه، فلا يَصِحُّ القِياسُ.
وإن كانتِ الدَّراهِمُ في كِيسٍ مَخْتُومٍ أو مَشْدُودٍ، فكَسر الخَتْمَ أو حَلَّ الشَّدَّ، ضَمِنَها، وقد ذَكَرْناه.
..................................
فصل: وإذا ضَمِن الوَدِيعَةَ بالاسْتِعْمالِ أو بالجَحْدِ، ثم رَدَّها إلى صاحِبِها، زال عنه الضَّمانُ، فإن رَدَّها صاحِبُها إليه، فهو ابْتِداءُ اسْتِئْمانٍ، وإن لم يَرُدَّها إليه، ولكنْ جَدَّدَ له الاسْتِئْمانَ، أو أَبْرَأه مِن الضَّمانِ، بَرِئَ، في ظاهِرِ المَذْهَبِ؛ لأنَّ الضَّمانَ حَقُّه، فإذا أَبْرَأه منه بَرِئَ كما لو أَبْرَأه مِن دَينٍ في ذمَّتِه.
وإذا جَدَّدَ له اسْتِئْمانًا، فقد انتَهَى القَبْضُ المَضْمُون به، فزال الضَّمانُ.
وقد قال أصْحابُنا: إذا رَهَن المَغْصُوبَ عندَ الغاصِبِ، أو أوْدَعَه عندَه، زال عنه ضَمانُ الغَصْبِ.
فههُنا أوْلَى.
وَإنْ أَوْدَعَهُ صَبِيٌّ وَدِيعَةً، ضَمِنَهَا، وَلَمْ يَبْرَأْ إلا بِالتَّسْلِيمِ إِلى وَلِيِّهِ.
2452 - مسألة: (وإن أوْدَعَه صَبِيٌّ وَدِيعَةً، ضَمِنَها، ولم يَبْرَأْ إلَّا بالتَّسْلِيمِ إلى وَلِيِّهِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه لا يَصِحُّ الإيداعُ إلَّا مِن جائِزِ التَّصَرُّفِ، فإن أوْدَعَ طِفْلٌ أو مَعْتُوة إنْسانًا وَدِيعَةً، ضَمِنَها بقَبْضِها؛ لأنّه أخَذَ ماله بغيرِ إذْنٍ شَرْعِيٍّ، أشْبَهَ ما لو غَصَبَه، ولا يَزُولُ الضَّمانُ عنه برَدِّها إليه، وإنَّما يَزُولُ بدَفْعِها إلى وَلِيِّه النّاظِرِ في مالِه.
فإن كان الصَّبِيُّ مُمَيِّزًا،
وَإِنْ أوْدَعَ الصَّبِيَّ وَدِيعَةً، فَتَلِفَتْ بِتَفْرِيطِهِ، لَمْ يَضْمَنْ.
وَإِنْ أتْلَفَهَا لَمْ يَضْمَنْ، وَقَال الْقَاضِي: يَضْمَنُ.
صَحَّ إيداعُه لِما أُذِنَ له في التَّصَرُّفِ فيه؛ لأنَّه كالبالِغِ (1) بالنِّسْبَةِ إلى ذلك.
فإنْ خاف أنَّه إذا لم يَأْخُذْه منه أتْلَفَه، لم يَضْمَنْه بأخْذِه؛ لأنَّه قَصَد تَخْلِيصَه مِن الهَلاكِ، فلم يَضْمَنْه، كما لو وَجَدَه في سَيل فأخْرَجَه منه.
2453 -
مسألة: (وإن أوْدَعَ الصَّبِيَّ)
أو المَعْتُوهَ (وَدِيعَةً، فتَلِفَتْ بتَفْرِيطِه، لم يَضْمَنْ) فإن أتْلَفَها، أو أكلَها، ضَمِنَها في قولِ القاضي، وظاهِرِ مَذْهَبِ الشافعيِّ.
ومِن أصْحابِنا مَن قال: لا ضَمانَ1
..................................
عليه.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لأنَّه سَلَّطَه على إتْلافِها بدَفْعِها إليه، فلا يَلْزَمُه.
ألا تَرَى أنَّه لو دَفَع إلى صَغِيرٍ سِكِّينًا، فوَقَعَ عليها، كان ضَمانُه على عاقِلَتِه؟ ولنا، أنَّ ما ضَمِن بإتْلافِه قبلَ الإيداعِ، ضَمِنَه بعدَ الإيداعِ، كالبالِغِ.
ولا يَصِحُّ قَوْلُهم: إنَّه سَلَّطَه على إِتْلافِها.
وإنَّما اسْتَحْفَظَه إيّاها، وفارَقَ دَفْعَ السِّكِّينِ، فإنَّه سَبَبٌ للإتْلافِ، ودَفْعُ الوَدِيِعَةِ بخِلافِه.
وَإنْ أوْدَع عَبْدًا وَدِيعَةً فَأتْلَفَهَا، ضَمِنَهَا في رَقَبَتِهِ.
2454 - مسألة: (وإن أوْدَعَ عَبْدًا وَدِيعَةً فأتْلَفَها)
خُرِّجَ على الوَجْهَين في الصَّغِيرِ، إذا أتْلَفَ 1 الوَدِيعَةَ، فإن قُلْنا: لا يَضْمَنُ الصَّبِيُّ.
كانت في ذِمَّتِه.
وإن قُلْنا: يَضْمَنُ.
كانت في رَقَبَتِه.
..................................
فصل: وإذا أوْدَعَه شيئًا، ثم سَألَه دَفْعَه إليه في وَقْتٍ أمْكَنَه ذلك، فلم يَفْعَلْ حتى تَلِف، ضَمِنَه.
ولا نَعْلَمُ خِلافًا في وُجُوبِ رَدِّ الوَدِيعَةِ على مالِكِها إذا طَلَبَها، فأمْكَنَ أداؤُها إليه بغيرِ ضَرُورَةٍ، وقد أمَرَ اللهُ تعالى بذلك، فقال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾ 1. وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أدِّ الأمَانَةَ إلَى مَنِ ائتَمَنَكَ، وَلَا تَخُنْ مَنْ خَانَكَ» 2. يَعْنِي عندَ طَلَبِها.
ولأنَّها حَقٌّ لمالِكِها لم يتَعَلَّقْ بها حَقُّ غيرِه، فلَزِم أداؤُها إليه، كالمَغْصُوبِ والدَّينِ الحالِّ.
فإنِ امْتَنَعَ مِن دَفْعِها في هذه الحال، فتَلِفَتْ، ضَمِنَها؛ لأنَّه صار غاصِبًا، لأنَّه أمْسَكَ مال غيرِه بغيرِ إذْنِه بفِعْل مُحَرَّمٍ، أشْبَهَ الغاصِبَ.
فأمّا إن طَلَبَها في وَقْتٍ لم يُمْكِنْ دَفْعُها؛ لبُعْدِها، أولمَخافَةٍ في طَرِيقِها، أو للعَجْزِ عن حَمْلِها، أو غيرِ ذلك، لم يكنْ مُتَعَدِّيًا بتَرْكِ تَسْلِيمِها؛ لأنَّ اللهَ تعالى لا يُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها.
فإن تَلِفَتْ لم يَضْمَنْها؛ لعَدَمِ عُدْوانِه.
وإن قال: أمْهِلُونِي حتى أقْضِيَ صَلاتِي -أو- آكُلَ، فإنِّي جائِعٌ -أو- أنامَ فإنِّي ناعِسٌ -أو- يَنْهَضِمَ عنِّي الطَّعامُ، فإني مُمْتَلِئٌ.
أُمْهِلَ بقَدْرِ ذلك.
..................................
فصل: وليس على المُسْتَوْدَعِ مُؤْنَةُ الرَّدِّ وحَمْلُها إلى رَبِّها، إذا كانت ممّا لحَمْلِها مُؤْنَةٌ، قَلَّتِ المُؤْنَةُ أو كَثُرَتْ؛ لأنَّه قَبَض العَينَ لمَنْفَعَةِ مالِكِها على الخُصُوصِ، فلم تَلْزَمْه الغَرامَةُ عليها، كما لو وَكَّلَه في حِفْظِها في مِلْكِ صاحِبِها، وإنّما عليه التَّمْكِينُ مِن أخْذِها.
فإن سافَرَ بها بغيرِ إذْنِ رَبِّها، رَدَّها إلى بَلَدِها؛ لأنَّه بَعَّدَها بغيرِ إذْنِ رَبِّها، فلَزِمَه رَدُّها، كالغاصِبِ.
فصل: إذا مات الرجلُ، وثَبَت أنَّ عندَه وَدِيعَةً لم تُوجَدْ بعَينِها، فهي دَينٌ عليه، تُغْرَمُ مِن تَركَتِه، فإن كان عليه دَينٌ سِواها، فهما سَواءٌ إن وَفَّتْ تَرِكَتُه بهما، وإلَّا اقْتَسماها 1 بالحِصَصِ.
وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وداودُ بنُ 2 أبي هِنْدٍ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو حنيفةَ وأصْحابُه، وإسحاقُ.
ورُوِيَ ذلك عن شُرَيح، ومَسْرُوقٍ، وعَطاءٍ، وطاوُسٍ، والزُّهْرِيِّ، وأبي جَعْفَرٍ محمدِ بنِ عليّ.
ورُوِيَ عنِ النَّخَعِيِّ: الأمانَةُ قبلَ الدَّين.
وقال الحارِثُ العُكْلِيُّ: الدَّينُ قبلَ الأمانَةِ.
ولَنا، أنَّهما حَقَّان وَجَبا في ذِمَّتِه، فتَساوَيا كالدَّينَين.
وسَواءٌ وُجِد في تَرِكَتِه مِن جِنْسِ الوَدِيعَةِ أو لم يُوجَدْ.
وهذا إذا أقَرَّ المُودَعُ أنَّ عندِي وَدِيعَةً، أو عليَّ وَدِيعَةً لفُلانٍ، أو ثَبَتَتْ بَيِّنَةٌ أنَّه مات وعندَه وَدِيعَةٌ.
فأمّا إن كانت عندَه وَدِيعَةٌ
فَصْلٌ: وَالْمُودَعُ أمِينٌ، وَالْقَوْلُ قَوْلُهُ فِيمَا يَدَّعِيهِ مِنْ رَدٍّ وَتَلَفٍ وَإذْنٍ في دَفْعِهَا إِلَى إِنْسَانٍ، وَيُدَّعَى عَلَيهِ مِنْ خِيَانَةٍ وَتَفْرِيطٍ.
في حَياتِه، ولم تُوجَدْ بعَينِها، ولم يُعْلَمْ هل هي باقِيَةٌ عندَه أو تَلِفَتْ؟ ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، وُجُوبُ ضَمانِها؛ لأنَّ الوَديعَةَ يَجِبُ رَدُّها، إلَّا أن يَثْبُتَ سُقُوطُ الرَّدِّ بالتَّلَفِ مِن غيرِ تَعَدٍّ، ولم يَثْبُتْ ذلك، ولأنَّ الجَهْلَ بعَينِها كالجَهْلٍ بها، وذلك لا يُسْقِطُ الرَّدَّ.
والثانِي، لا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ الوَدِيعَةَ أمانةٌ، والأصْلُ عَدَمُ إتْلافِها والتَّعَدِّي فيها، فلم يَجِبْ ضَمانُها.
وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى، وأحَدُ الوَجْهَين لأصْحابِ الشافعيِّ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُ 1 الرَّدِّ، فيَبْقَى عليه، ما لم يُوجَدْ ما يُزِيلُه.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (والمُودَعُ أمِينٌ، والقولُ قَوْلُه فيما يَدَّعِيه مِن رَدٍّ أو تَلَفٍ أو إذْنٍ في دَفْعِها إلى إنْسانٍ) إذا ادعى المُسْتَوْدَعُ تَلَفَ الوَدِيعَةِ، فالقولُ قَوْلُه بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلَّ
..................................
مَنْ نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على أنَّ المُودَعَ إذا أحْرَزَ الوَدِيعَةَ، ثم ذَكَر أنَّها ضاعَتْ، أنَّ القولَ قَوْلُه.
وقال أكْثَرُهم: مع يَمِينِه.
وإنِ ادَّعَى رَدَّها على صاحِبِها، فالقولُ قَوْلُه مع يَمينِه.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي، وإسحاقُ.
وبه قال مالِكٌ إن كان دَفَعَها إليه بغيرِ بَيِّنةٍ، وإن كان أوْدَعَه إيّاها ببَيِّنةٍ، لم يُقْبَلْ قَوْلُه في الرَّدِّ إلَّا ببَيِّنةٍ.
وحَكاه القاضي أبو الحُسَينِ رِوايَةً عن أحمدَ.
ولَنا، أنَّه أمِينٌ لا مَنْفَعَةَ له في قَبْضِها، فقُبِل قَوْلُه في الرَّدِّ بغيرِ بَيِّنةٍ، كما لو أُودِعَ بغيرِ بَيِّنةٍ.
وإن قال: دَفَعْتُها إلى فُلانٍ بأمْرِكَ.
فأنْكَرَ مالِكُها الإذْنَ في دَفْعِها، فالقولُ قولُ المُودَعِ.
نَصَّ عليه
..................................
أحمدُ في رِوايَةِ ابنِ منصورٍ.
وهو قولُ ابنِ أبي لَيلَى.
وقال مالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والعَنْبَرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْي: القولُ قولُ المالِك؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِذْنِ، وله تَضْمِينُه.
ولَنا، أنَّه ادَّعَى دَفْعًا يَبْرأُ به مِن الوَدِيعَةِ، فكان القولُ قَوْلَه، كما لو ادَّعَى رَدَّها على مالِكِها.
ولو اعْتَرَفَ المالِكُ بالإِذْن، ولكنْ قال: لم يَدْفَعْها.
فالقول قول المُسْتَوْدَعِ أيضًا، ثم يُنْظرُ في المَدْفُوعِ إليه؛ فإن أقَرَّ بالقَبْضِ، وكان الدَّفْعُ في دَينٍ، فقد بَرِئَ الكلُّ، وإن أنْكَرَ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه.
وقد ذَكَر أصْحابُنا أنَّ الدّافِعَ يَضْمَنُ؛ لكونِه قَضَى الدَّينَ بغيرِ بَيِّنةٍ، ولا تَجِبُ اليَمِينُ على صاحِبِ
..................................
الوَدِيعَةِ؛ لأنْ المُودَعَ مُفَرِّطٌ، لكونِه أذِنَ له في قَضاءٍ يُبَرِّئُه مِن الحَقِّ ولم يَبْرَأْ بدَفْعِه، فكان ضامِنًا، سَواءٌ صَدَّقَه أو كَذَّبَه.
وإن أمَرَه بدَفْعِه وَدِيعَةً، لم يَحْتَجْ إلى بَيِّنةٍ؛ لأنّ المُودَعَ يُقْبَلُ قَوْلُه في التّلَفِ والرَّدِّ، فلا فائِدَةَ في الإشْهادِ عليه.
فعلى هذا، يَحْلِفُ المُودَعُ ويَبرَأُ، ويَحْلِفُ الآخَرُ ويَبْرَأُ أيضًا، ويكونُ ذَهابُها مِن مالِكِها.
وإنِ ادَّعَى عليه خِيانَةً أو تَفْرِيطًا، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ ذلك، أشْبَهَ الوَكِيلَ.
وَإِنْ قَال: لَمْ تُودِعْنِي.
ثُمَّ أقَرَّ بِهَا، أوْ ثَبَتَتْ بِبَيِّنةٍ، فَادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لَمْ يُقْبَلْ وَإِنْ أقَامَ بِهِ بَيِّنةً.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تُقْبَلَ بَيِّنتُهُ.
2455 - مسألة: (وإن قال: لم تُودِعْني. ثم أقَرَّ بها، أو ثَبَتَتْ ببَيِّنةٍ، ثم ادَّعَى الرَّدَّ أو التَّلَفَ، لم يُقْبَلْ)
قَوْلُه (وإن أقام به بَيِّنَةً.
ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ بَيِّنتُه) إذا ادَّعَى على رجلٍ وَدِيعَةً، فأنْكَرَ، ثم ثَبَت أنَّه أوْدَعَه،
..................................
فقال: أوْدَعْتَنِي، وهَلَكَتْ مِن حِرْزي.
لم يُقْبَلْ قَوْلُه، وعليه ضَمانُها.
وبهذا قال مالِكٌ، والشافعيُّ، وإسحاق، وأَصْحابُ الرَّأْي؛ لأنَّه مُكذِّبٌ لإنْكارِه الأوَّلِ، ومُعْتَرِفٌ على نَفْسِه بالكَذِبِ المُنافِي للأمانَةِ.
وإن أقَرَّ صاحِبُها له بتَلَفِها مِن حِرْزِه قبلَ جَحْدِها، فلا ضَمانَ عليه.
وإن أقَرَّ أنَّها تَلِفَتْ بعدَ جُحُودِه، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّه خَرَج بجُحُودِه عن الأمانَةِ، فصار ضامِنًا، كمَن طُولِبَ بالوَدِيعَةِ فامْتَنَعَ مِن رَدِّها.
وكذلك إن أقام بَيِّنةً بتَلَفِها بعدَ الجُحُودِ؛ لذلك.
وإن شَهِدَتْ بتَلَفِها قبلَ الجُحُودِ
وَإنْ قَال: مَالكَ عِنْدِى شَيْءٌ.
قُبِلَ قَوْلُهُ في الرَّدِّ والتَّلَفِ.
من الحِرْزِ، فهل تُسْمَعُ بيِّنتُه؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تُسْمَعُ؛ لأنَّه مُكَذِّبٌ لها بإنْكارِه الإيداعَ.
والثَّاني، تُسْمَعُ؛ لأنَّ صاحِبَها لو أقرَّ بذلك سَقَط عنه، فتُسْمَعُ البَيِّنةُ به، فإنْ شَهِدَتْ بالتَّلَفِ من الحِرْزِ ولم تُعَيِّنْ قبلَ الجُحُودِ ولا بعدَه، واحْتَمَلَ الأمْرَين، لم يَسْقُطِ الضَّمانُ؛ لأنَّ الأصْلَ وُجُوبُه، فلا يَنْتَفِي بأمْرٍ مُتَرَدِّدٍ.
2456 -
مسألة: (وإن قال: ما لَكَ عندِي شيءٌ.
قُبِل قَوْلُه في الرَّدِّ والتَّلَفِ) إذا قامت بَيِّنةٌ بالإِيداعِ، أو أقَرَّ به المُودَعُ بعدَ قَوْلِه: ما لَكَ عندِي شيءٌ -أو- لا حَقَّ لك عليَّ.
ثم قال: ضاعَت مِن حِرْزِي.
كان القولُ قَوْلَه مع يَمِينِه، ولا ضَمانَ عليه؛ لأنَّ قَوْلَه لا يُنافِي ما شَهِدَتْ به البَيِّنةُ، ولا يُكَذِّبُها، فإنَّ مَن تَلِفَتِ الوَدِيعَةُ مِن حِرْزِه بغيرِ تَفْرِيطِه لا شيءَ لمالِكِها عندَه، ولا يَسْتَحِقُّ عليه شيئًا.
..................................
فصل: فإن نَوَى الخِيانَةَ في الوَدِيعَةِ بالجُحُودِ أو الاسْتِعْمالِ، ولم يَفعَل ذلك، لم يَصِرْ ضامِنًا؛ لأنَّه لم يُحْدِث في الوَدِيعَةِ قولًا ولا فِعْلًا، فلم يَضْمَن، كما لو لم يَنْو.
وقال ابنُ سُرَيجٍ: يَضْمَنُها؛ لأنَّه أمْسَكَها بنِيَّةِ الخِيانةِ، فضَمِنَها، كاللُّقَطَةِ بقَصْدِ التَّمْليكِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «عُفِيَ لأُمَّتِي عنِ الخَطَأ والنِّسْيَانِ، وما حَدَّثَتْ به أنْفسَها، ما لمْ تَتَكَلَّمْ بِه، أوْ تعْمَل بِهِ» 1. ولأنَّه لم يَخُنْ فيها بقولٍ ولا فِعْلٍ، فلم يَضْمَنْها، كالذي لم يَنْو، وفارَقَ المُلْتَقِطَ بقَصْدِ التَّمْلِيكِ، فإنه عَمِل فيها 2 بأخْذِها ناويًا للخِيانَةِ فيها، فوَجَبَ الضمان بفِعْلِه المَنْويِّ، لا بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ ولو الْتَقَطَها قاصِدًا لتَعْرِيفِها، ثم نَوَى بعدَ ذلك إمْساكَها لنَفْسِه، كانت كمسْأَلتِنا.
وإن أخْرَجَها بنِيِّةِ الاسْتِعْمالِ، فلم يَسْتَعْمِلْها، ضَمِنَها.
وبهذا قال الشافعي.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَضْمَنُها إلَّا بالاسْتِعْمالِ؛ لأنَّه لو أخْرَجَها لنَقْلِها لم يَضْمَنْها.
ولنا، أنَّه تَعَدَّى بإخْراجِها، أشْبَهَ ما لو اسْتَعْمَلَها، بخِلافِ ما إذا نَقَلَها.
وَإِنْ مَاتَ الْمُودَعُ، وَادَّعَى وَارِثُهُ الرَّدَّ، لَمْ يُقْبَلْ إلَّا بِبَيِّنةٍ.
وَإِنْ تَلِفَتْ عِنْدَهُ.
قَبْلَ إِمْكَانِ رَدِّهَا، لَمْ يَضْمَنْهَا، وَبَعْدَهُ يَضْمَنُهَا، في أحَدِ الْوَجْهَينِ.
2457 - مسألة: (وإن مات المُودَعُ، فادَّعَى وارِثُه التَّسْلِيمَ، لم يُقْبَلْ إلَّا ببَيِّنَةٍ)
لأنَّ صاحِبَها لم يَأْتَمِنْه عليها، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه عليه، بخِلافِ المُودَعِ، فإنه ائْتَمَنَه، فقُبِلَ قَوْلُه بغيرِ بَيِّنةٍ.
2458 -
مسألة: (فإن تَلِفَتْ عندَه قبلَ إمْكانِ رَدِّها، لم يَضْمَنْها)
..................................
لأنَّه لا تَفْرِيطَ منه ولا تَعَدٍّ.
وإن كان بعدَ الإمْكانِ فتَلِفَتْ، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، يَضْمَنُها؛ لتَأخُّرِ رَدِّها مع إمْكانِه.
والآخَرُ، لا يَضْمَنُها؛ لأنَّه غيرُ مُتَعَدٍّ في إِثْباتِ يَدِه عليهِا، إنَّما حَصَلَتْ في يَدِه بغيرِ فِعْلِه.
..................................
فصل: إذا مات المُودَعُ وعندَه وَدِيعَةٌ مَعْلُومَةٌ بعَينِها، فعلى وَارِثِه تَمْكِين صاحِبِها مِن أخْذِها، فإن لم يَفْعَلْ، ضَمِن كالمُودَعِ، فإن لم يَعْلَمْ صاحِبُها بمَوْتِ المُودَعِ، فعلى الوَرَثَةِ إعْلامُه، وليس لهم إمْساكها قبلَ أن يَعْلَمَ بها رَبُّها؛ لأنَّه لا يَأْتَمِنهم عليها، وإنّما حَصَل مال غيرِهم بأيدِيهم، بمَنْزِلةِ مَن أطارَتِ الرِّيحُ إلى دارِه ثوْبًا وعَلِمَ به، فعليه إعْلامُ صاحِبِه به، فإن أخَّرَ 1 ذلك مع الإمْكانِ ضَمِن.
كذا ها هنا.
..................................
فصل: ولا تَثْبُتُ الوَدِيعَة إلَّا بإقْرارٍ مِن المَيِّتِ أو وَرَثَتِه، أو بَيِّنةٍ.
وإن وُجِدَ عليها مَكْتوبٌ وَدِيعَةً، لم يكنْ حُجَّةً عليهم، لجَوازِ أن يكونَ الوعاء كانت فيه وَدِيعَةٌ قبلَ هذه، أو كان وَدِيعَةً لمَوْرُوثِهم عندَ غيرِه، أو كانت وَدِيعَةً فابْتاعَها، وكذلك لو وَجَد في رُزْمَانَجِ 1 أبيه أنَّ لفلانٍ عندِي وَدِيعةً كذا، لم يَلْزَمْه بذلك؛ لجَوازِ أن يكون قد رَدَّها ونَسِيَ الضَّرْبَ على ما كَتَب، أو غيرِ ذلك.
وهذا قولُ أصْحابِ الشافعيِّ.
وحَكَى القاضي أبو الحُسَينِ، أنَّ المَذْهَبَ وُجُوبُ الدَّفْعِ إلى مَن هو مكْتوبٌ باسْمِه.
أوْمَأ إليه أحمدُ، كما لو وَجَد في رُزْمَانَجِ أبيه دَينًا على غيرِه بخَطِّ أبيه، كان له أن يَعْمَلَ على خَطِّه، ويَحْلِفَ على اسْتِحْقاقِه بالخَطِّ، فإذا وَجَد دَينًا عليه كان أَوْلَى وأحْوطَ.
وَإذَا ادَّعَى الْوَدِيِعَةَ اثْنَانِ، فَأقَرَّ بِهَا لِأحَدِهِمَا، فَهِيَ لَهُ مَعَ يَمِينِهِ، وَيَحْلفُ الْمُودَعُ أيضًا.
2459 - مسألة: (وإنِ ادَّعَى الوَدِيعَةَ اثْنان، فأقَرَّ بها لأحَدِهما، فهي له مع يَمِينِهِ)
لأنَّ يدَه دَلِيلُ 1 مِلْكِه، بدَلِيلِ أنَّه لو ادَّعاها لنَفْسِه،
..................................
كان القولُ قَوْلَه، فكذلك إذا أقَرَّ بها لغيرِه، ويَلْزَمُه أن يَحْلِفَ للآخَرِ؛ لأنَّه مُنْكِرٌ لحَقِّه، فإن حَلَفَ بَرِئَ، وإن نَكَلَ لَزِمَه أن يَغْرَمَ له قِيمَتَها؛ لأنَّه فَوَّتَها عليه.
وكذلك لو أقَرَّ له بها بعدَ أن أقَرَّ بها للأوَّلِ، فإنَّها تُسَلَّمُ إلى الأوَّلِ، ويَغْرَمُ قِيمَتَها للثانِي.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وَإِنْ أَقَرَّ بهَا لَهُمَا، فَهِيَ لَهُمَا، وَيَحْلِفُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنْ قَال: لَا أَعْرِفُ صَاحِبَهَا.
حَلَفَ أَنَّهُ لَا يَعْلَمُ، وَيُقْرَعُ بَينَهُمَا، فَمَنْ قَرَعَ صَاحِبَهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا.
2460 - مسألة: (وإن أقَرَّ بها لهما)
جَمِيعًا، فهي بينَهما، ويَلْزَمُه اليَمِينُ لكلِّ واحِدٍ منهما في نِصْفِها (وإن قال: لا أعْرِفُ صاحِبَها) فاعْتَرَفا له بجهْلِه بعَين المُسْتَحِقِّ لها، فلا يَمِينَ عليه.
وإنِ ادَّعَيا مَعْرِفَتَه، لَزِمَتْه يَمِينٌ واحِدَةٌ أنَّه لا يَعْلَمُ ذلك.
وقال أبو حنيفةَ: يَحْلِفُ يمِينَينِ، كما لو أنْكَرَهما.
ولَنا، أنَّ الذي يُدَّعَى عليه أمْرٌ واحِدٌ، وهو العِلْمُ بعَينِ المالِكِ، فكَفاه يَمِينٌ واحِدَةٌ، كما لو ادَّعَياها فأقَرَّ بها لأحَدِهما، ويُفارِقُ ما إذا أنْكَرَهما؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَدَّعِي عليه أنَّها له، فهما دَعْوَيان، فإن حَلَف أَقْرِعَ بينَهما، وسُلِّمَتْ إلى مَن تَقَعُ له الُقْرعَةُ.
وقال الشافعيُّ: يَتَحالفان، ويُوقَفُ الشيءُ بينَهما حتى يَصْطَلِحا.
وهذا قولُ ابنِ أبي لَيلَى؛ لأنَّه لا يَعْلَمُ المالِكَ منهما.
وللشافعيِّ قولٌ آخَرُ، أنَّها تُقْسَمُ بينَهما، كما لو أقَرَّ بها لهما.
وهذا الذي حَكاه ابنُ المُنْذِرِ عن ابنِ أبي لَيلَى.
وهو قولُ أبي حنيفةَ وصاحِبَيه فيما حُكِى عنهم، قالوا: ويَضْمَنُ المُودَعُ
..................................
نِصْفَها لكلِّ واحدٍ منهما؛ لأنَّه فَوَّتَ ما اسْتُودِعَ بجَهْلِهِ.
ولَنا، أنَّهما تَساوَيا في الحَقِّ فيما ليس بأيديِهما، فوَجَبَ أن يُقْرَعَ بينَهما، كالعَبْدَين إذا أعْتَقَهما في مَرَضِه، فلم يَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ إلَّا أحَدُهما، أو كما لو أرادَ السَّفَرَ بإحْدَى نِسائِه.
وقولُ أبي حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ فإنَّ العَينَ لم تَتْلَفْ، ولو تَلِفتْ بغيرِ تَفْرِيطٍ منه، فلا ضَمانَ عليه، وليس في جَهْلِهِ تفْرِيطٌ، إذْ ليس في وُسْعِه أن لا يَنْسَى ولا يَجْهَلَ.
وَإِنْ أوْدَعَهُ اثْنَانِ مَكِيلًا أوْ مَوْزُونًا، فَطَلَبَ أحَدُهُمَا نَصِيبَهُ، سَلَّمَهُ إلَيهِ.
وَإنْ غُصِبَتِ الْوَدِيعَةُ، فَهَلْ لِلْمُودِعِ الْمُطَالبَةُ بِهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
2461 - مسألة: (وإن أوْدَعَه اثْنان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا، فطَلَبَ أحَدُهما نَصِيبَه، سَلَّمَه إليه)
لأنَّ قِسْمَتَه مُمْكِنَةٌ بغيرِ غَبْنٍ ولا ضَرَرٍ.
اخْتارَه أبو الخَطّابِ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَجُوزُ في غَيبَةِ الشَّرِيكِ، إلَّا أن يَحْكُمَ بها حاكِمٌ.
قاله القاضي.
2462 -
مسألة: (وإن غُصِبَتِ الوَدِيعَةُ، فهل للمُودِعِ المُطالبَةُ بِهَا؟ على وَجْهَين)
أحَدُهما، له المُطالبَةُ بها؛ لأنّه مأْمُورٌ بحِفْظِها، وذلك
..................................
مِن حِفْظِها.
والثَّاني، ليس له ذلك؛ لأنَّه لم يُؤْمَرْ به.
ولا ضَمانَ على المُودَعِ، سواءٌ أُخِذَتْ مِن يَدِه قَهْرًا، أو أُكْرِهَ على تَسْلِيمِها فسَلَّمَها بنَفْسِه؛ لأنَّ الإكْراهَ عُذْرٌ له يُبيحُ دَفْعَها، فلم يَضْمَنْها، كما لو أُخِذَتْ مِن يَدِه قَهْرًا.
والله سبحانه وتعالى أعلمُ.
بَابُ إِحْيَاءِ الْمَوَاتِ
وَهِيَ الْأرْضُ الدَّاثِرَةُ الَّتِي لَا يُعْلَمُ أَنَّهَا مُلِكَتْ.
بابُ إحْياءِ المَوَاتِ
(وهي الأرْضُ الدّاثِرَةُ التي لا يُعْلَمُ أنَّها مُلِكَتْ) المَواتُ: الأرْضُ الدّارِسَةُ.
تُسَمَّى مَيتَةً ومَواتًا ومَوَتَانًا، بفَتْحِ المِيمِ والواو.
والمُوتانُ: بضَمِّ المِيمِ وسُكُونِ الواو: المَوْتُ الذَّرِيعُ.
ورجل مَوْتَانُ القَلْبِ، بفَتْحِ المِيمِ وسُكُونِ الواو، يَعْنِي أعْمَى القَلْبِ، لا يَفْهَمُ.
والأصْلُ في إحْياءِ المَواتِ ما روَى جابِرٌ، رَضِيَ اللهُ عَنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ» 1. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صَحِيِحٌ.
ورَوَى سعيدُ بنُ زيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فهِيَ لَهُ» 2. قال التِّرْمِذِيُّ: هذا حديثٌ حَسَنٌ.
وروَى مالِكٌ،
..................................
في «مُوَطَّئِه»، وأبو داودَ في «سُنَنِه» 1 عن عائشةَ مِثْلَه.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وهو مُسْنَدٌ صَحِيحٌ مُتَلَقَّى بالقَبُولِ عندَ فُقَهَاءِ المَدِينَةِ وغيرِهم.
وروَى أبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» 2 عن عائشةَ، قالت: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أحْيا أَرْضًا لَيسَتْ لِأحَدٍ فَهُوَ أحَقُّ بِهَا».
قال عُرْوَةُ: وقَضَى بذلك عُمَرُ بنُ الخَطّابِ في خِلافتِه.
وعامةُ فُقَهاءِ الأمْصارِ على أنَّ المَواتَ يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، وإنِ اخْتَلَفُوا في شُرُوطِه.
فَإنْ كَانَ فِيِهَا آثارُ الْمِلْكِ وَلَا يُعْلَمُ لَهَا مَالِكٌ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
2463 - مسألة: (فإن كان فيها آثارُ المِلْكِ ولا يُعْلَمُ لها مالِكٌ، ففيه رِوايَتانِ)
وجملةُ ذلك، أن المَواتَ قِسْمان؛ أحَدُهما، ما لم يَجْرِ عليه مِلْكٌ لأحَدٍ ولم يُوجَدْ فيه أثَرُ عِمارَةٍ، فهذا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، بغيرِ خِلافٍ بينَ القائِلِين بالإحْياءِ؛ لأنَّ الأخْبارَ المَرْويَّةَ مُتَناولَةٌ له.
القِسْمُ الثانِي، ما جَرَى عليه مِلْكٌ، وهو ثَلاثةُ أنْواعٍ؛ أحَدُها، ما له مالِكٌ مُعَيَّنٌ، وهو ضَرْبان؛ أحَدُهما، ما مُلِك بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، فهذا لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ، بغيرِ خِلافٍ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: أجْمَعَ العُلَماءُ أنَّ ما عُرِف بمِلْكِ مالِكٍ غيرِ مُنْقَطِعٍ، أنَّه لا يَجُوزُ إحياؤُه لأحَدٍ غيرِ أرْبابِه.
الثانِي، ما مُلِك بالإحْياءِ ثم تُرِك حتى دَثَر وعاد مَواتًا، فهو كالذي قبلَه سَواءً.
..................................
وقال مالِكٌ: تُمْلَكُ؛ لعُمُومِ قَوْلِه: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ».
ولأنَّ أصْلَ هذه الأرْضِ مُباحٌ، فإذا تُرِكَتْ حتى تَصِيرَ مَواتًا، عادَتْ إلى الإباحَةِ، كمَن أخَذَ ماءً مِن نَهْرٍ ثم رَدَّه فيه.
ولَنا، أنَّ هذه أرْضٌ يُعْرَفُ مالِكُها، فلم تُمْلَكْ بالإحْياءِ، كالتي مُلِكَتْ بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، والخَبَرُ مُقَيَّدٌ بغيرِ المَمْلُوكِ، بقَوْله في الرِّوايَةِ الأخْرَى: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَيتَةً لَيسَتْ لأحَدٍ».
وقَوْلِه: «مِنْ غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ» 1. وهذا يُوجِبُ تَقْيِيدَ مُطْلَقِ حَدِيثِه.
وقال هِشامُ بنُ عُرْوَةَ، في تَفْسِيرِ قَوْلِه عليه السّلامُ: «لَيسَ لِعِرْقٍ ظَالِمٍ حَقٌّ»: والعِرْقُ الظّالِمُ أن يَأْتِيَ الرجلُ الأرْضَ المَيتَةَ لغيرِه، فيَغْرِسَ فيها.
رَواه سعيدُ بنُ مَنْصُورٍ في «سُنَنِه».
ثم الحديث مَخْصُوصٌ بما مُلِك بشِراءٍ أو عَطيَّةٍ، فنَقِيسُ عليه مَحَلَّ النِّزاعِ.
ولأنَّ سائِرَ الأمْوالِ لا يَزُولُ المِلْكُ عنها بالتَّرْكِ، بدَلِيلِ سائِرِ الأمْلاكِ إذا تُرِكَتْ حتى
..................................
تَشَعَّثَتْ.
وما ذَكَرُوه يَبطُلُ بالمَواتِ إذا أحْياه إنْسانٌ ثم باعَه، فتَرَكَه المُشْتَرِي حتى عاد مَواتًا، وباللُّقَطَةِ إذا مَلَكَها ثم ضاعَتْ منه، ويُخالِفُ ماءَ النَّهْرِ، فإنَّه اسْتُهْلِكَ.
النَّوْعُ الثانِي، ما يُوجَدُ فيه آثارُ مِلْكٍ قَدِيمٍ جاهِلِيٍّ، كآثارِ الرُّومِ ومَساكِنِ ثَمُودَ ونحوهم، فهذا يُمْلَكُ بالإِحْياءِ، في أظْهَرِ الرِّوايَتَين؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ، ولأنَّ ذلك المِلْكَ لا حُرْمَةَ له؛ لِما روَى طاوُسٌ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «عَادِيُّ الأرْضِ للهِ وَلِرَسُولِهِ، ثُمَّ هِيَ لَكُمْ بَعْدُ».
رَواه سعيدٌ في «سُنَنِه»، وأبو عُبَيدٍ في «الأمْوالِ» 1. وقال: عادِيُّ الأرْضِ؛ التي كان بها ساكِنٌ في آبادِ الدَّهْرِ، فانْقَرَضُوا، فلم يَبْقَ منهم أنِيسٌ، وإنَّما نَسَبَها إلى عادٍ؛ لأنَّهم كانُوا مع تَقَدُّمِهِم ذوي قُوَّةٍ وبَطْشٍ وآثارٍ كَثِيرةٍ، فنُسِبَ كلُّ أثَرٍ قَدِيمٍ إليهم.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، لا تُمْلَكُ؛ لأنها إمّا لمُسْلم أو ذِمِّيٍّ أو بَيتِ المالِ، أشْبَهَ
..................................
ما لو تَعَيَّنَ مالِكُه.
قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أنَّ كلَّ ما فيه أثَرُ المِلْكِ، ولم يُعْلَمْ زَوالُه قبلَ الإسْلامِ أنَّه لا يُمْلَكُ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أنَّ المسلمين أخَذُوه عامِرًا فاسْتَحَقُّوهْ، فصار مَوْقُوفًا بوقْفِ عُمَرَ له، فلم يُمْلَكْ، كما لو عُلِم مالِكُه.
النَّوْعُ الثالثُ، ما جَرَى عليه المِلكُ في الإسْلامِ لمُسلِمٍ أو ذِمِّيٍّ غيرِ مُعَيَّنٍ، فظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ، أنَّه لا يُمْلَكُ بالإحْياءِ.
وهو إحْدَى الرِّوايَتَين عن أحمدَ، نَقَلَها عنه أبو داودَ، وأبو الحارثِ؛ لِما روَى كَثِيرُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عَوْفٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «مَنْ أحْيَا أرْضًا مَوَاتًا في غَيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ فَهِيَ لَهُ» 2.
..................................
فقَيَّدَه بكَوْنِه في غيرِ حَقِّ مُسْلِمٍ.
ولأن هذه الأرْضَ لها مالِكٌ، فلم يَجُزْ إحْياؤُها، كما لو كان مُعَيَّنًا، فإنَّ مالِكَها إن كان له وَرَثةٌ، فهي لهم، وإن لم يَكُنْ له وَرَثَةٌ، وَرِثَه المسلمون.
والثانيةُ، أنَّها تُمْلَكُ بالإحْياءِ.
نَقَلَها صالِحٌ وغيرُه.
وهي مَذْهَبُ أبي حنيفةَ، ومالِكٍ؛ لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأنَّها أرْضٌ مَواتٌ لا حَقَّ فيها لقَوْمٍ بأعْيانِهم، أشْبَهَتْ ما لم يَجْرِ عليه مِلْكُ مالِكٍ، ولأنَّها إن كانت في دارِ الإسْلامِ، فهي كلُقَطَةِ دارِ الإسْلامِ، وإن كانت في دارِ الكُفْرِ، فهي كالرِّكازِ.
وَمَنْ أحْيَا أَرْضًا مَيتَةً فَهِيَ لَهُ، مُسْلِمًا كَانَ أو كَافِرًا، في دَارِ الإسْلَامِ وَغَيرِهَا.
2464 - مسألة: (ومَنْ أحيا أرْضًا مَيتَةً فهي له)
للأخْبارِ التي رَوَيناها (مُسْلِمًا كان أو كافِرًا، في دارِ الإسْلامِ وغيرِها) لعُمُومِ الأخْبارِ، ولأن عامِرَ دارِ الحَرْبِ إنَّما يُمْلَكُ بالقَهْرِ والغَلَبةِ، كسائِرِ أمْوالِهم.
فأمّا ما عُرِف أنَّه كان مَمْلُوكًا في دارِ الحَرْبِ، ولم يُعْلَمْ له مالِكٌ مُعيَّنٌ، فهو على الرِّوايَتَين.
فإن قِيلَ: هذا مِلْكُ كافِرٍ غيرُ مُحْتَرَم، فأشْبَهَ دِيارَ عادٍ، وقد دَلَّ عليه قَوْلُه عليه السَّلامُ: «عَادِيُّ الأرْضِ لله ولِرَسُولِهِ، ثمَّ هِيَ لَكمْ بَعْدُ».
ولأنَّ الرِّكازَ مِن أمْوالِهم، ويَمْلِكه واجِدُه، فهذا
..................................
أوْلَى.
قُلْنا: قَوْلُه: «عَادِيُّ الأرْضِ».
يَعْنِي ما تَقَدَّمَ مِلْكُه ومَضَتْ عليه الأزْمانُ، وما كان كذلك فلا حُكْمَ لمالِكِه.
فأمّا ما قَرُب مِلْكُه، فيَحْتَمِلُ أنَّ له مالِكًا باقِيًا وإن لم يَتَعَيَّنْ، فلهذا قُلْنا: لا يُمْلَكُ على إحْدَى الرِّوايَتَين.
وأمّا الرِّكازُ، فإَّنه يُنْقَلُ ويُحَوَّلُ، وهذا يُخالِفُ الأرْضَ، بدَلِيلِ أنَّ لُقَطَةَ دارِ الإسْلامِ تُمْلَكُ بعدَ التَّعْرِيفِ، بخِلافِ الأرْضِ