..................................
المُشْتَرِي على الغاصِبِ، إذا رَجَع به المالِكُ على الغاصِبِ رَجَع الغاصِبُ به على المُشْتَرِي، وكُل ما لو رَجَعَ به على المُشْتَرِي رَجَعَ به المُشْتَرِي على الغاصِبِ، إذا غَرِمَه الغاصِبُ لم يَرْجِعْ به على المُشْتَرِي؛ لأنَّ الضَّمانَ اسْتَقَرَّ على الغاصِبِ.
فإن رَدَّها حامِلا، فماتَتْ مِن الوَضْعِ، فهي مَضْمُونَةٌ على الواطِئ؛ لأن التَّلَفَ بسَبَبٍ مِن جِهَتِه.
وإنْ وَلَدَتْ مِنْ زَوْج فَمَاتَ الْوَلَدُ، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ، وَهَلْ يَرْجِعُ بِهَا عَلَى الْغَاصِبِ؟ عَلَى روَايَتَينِ.
2341 - مسألة: (وإن وَلَدَتْ مِن زَوْجٍ فماتَ الوَلَدُ، ضَمِنَه بقِيمَتِه)
إذا اشْتَرَى الجارِيَةَ المَغْصُوبَةَ مَن لا يَعْلَمُ بذلك، فزَوَّجَها لغيرِ عالِم بالغَصْبِ، فوَلَدَتْ مِن الزَّوْجِ، فهو مَمْلوكٌ؛ لأنَّه مِن زَوائِدِها ونَمائِها، فيكونُ مَضْمونًا عَلَى مَن هو في يَدِه بقِيمَتِه إذا تَلِفَ؛ لأنَّه مال، وليس بمِثْليٍّ (وهل يَرْجِع بها على الغاصِبِ؟ على رِوَايتين) في ما ذَكَرْنا فيما إذا ضَمِن المُشْتَرِي ما حَصَلَ له 1 به نَفْعٌ، ووَجْهُ الرِّوَايَتَين ما سَبَقَ.
فصل: إذا وَهَب المَغْضوبَ لعالِم بالغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه،
وَإنْ أعَارَهَا فَتَلِفَتْ عِنْدَ الْمُسْتَعِيرِ، اسْتَقَر ضَمَانُ قِيمَتِهَا عَلَيهِ، وَضَمَان الأجْرَةِ عَلَى الْغَاصِبِ.
ولا يَرْجِعُ به على أحَدٍ؛ لأنَّه غاصِبٌ، ولم يَغُرَّه أحدٌ، وإن لم يَعْلَمْ فلِصاحِبِها (1) تَضْمِينُ أيهما شاءَ، ويرجِعُ المُتهِبُ على الواهِبِ بقِيمَةِ العَينِ والأجْر؛ لأنَّه غَرَّه وقال أبو حنيفة: أيُّهما ضُمِّنَ، لم يَرْجِعْ على الآخرِ.
ولَنا، أنَّ المُتَّهِبَ دَخَل على أن تُسَلَّمَ له العَينُ، فيَجِبُ أن يَرْجِعَ بما غَرِم مِن قِيمَتِها، كقِيمَةِ الأوْلادِ، فإنّه وافَقَنا على الرُّجُوعِ بها.
فأمَّا الأجْرُ والمَهْرُ وأرْش البَكارَةِ، ففيه وَجْهانِ مَبْنِيَّانِ على الروَايَتَين في المُشْتَرِي.
2342 -
مسألة: (وإن أعَارَها فتَلِفَتْ عندَ المُسْتَعِيرِ، اسْتَقَرَّ ضَمانُ قِيمَتِها عليه، وضَمان الأجْرِة على الغاصِبِ)
[إذا أعَار العَينَ المَغْصُوبَةَ فتَلِفَتْ عندَ المُسْتَعِيرِ، فللمالِكِ تَضْمِينُ أيُّهما شَاءَ أجْرَها وقِيمَتَها] 2، فإن ضَمَّنَ المُسْتَعِيرَ مع عِلْمِه بالْغَصْبِ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ،1
..................................
وإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، رَجَع على المُسْتَعِيرِ.
وإن لم يَكُنْ عَلِم بالغَصْبِ فضَمَّنَه، لم يَرْجِعْ بقِيمَةِ العَينِ؛ لأنَّه قَبَضَها على أنَّها مَضْمُونَة عليه.
وفي الرُّجُوعِ بالأجْرِ وجْهان؛ أحَدُهما، يَرْجِعُ؛ لأنَّه دَخَل على أنَّ المَنافِعَ له 1 غيرَ مَضْمُونَةٍ عليه.
والثاني، لا يَرْجِعُ به؛ لأنَّه انْتَفَعَ بها، فقد
..................................
اسْتَوْفَى بَدَلَ ما غَرِمَ.
وكذلك الحُكْمُ فيما تَلِفَ مِن الأجْزاءِ 1 بالاسْتِعْمالِ.
إذا كانتِ العَينُ وَقْتَ القَبْضِ أكثر قِيمَةً مِن يومِ التَّلَفِ، فضَمِنَ الأكْثَرَ، فيَنْبَغِي أن يَرْجِعَ بما بينَ القِيمَتَين؛ لأنَّه دَخَل على أنَّه لا يَضْمَنُه، ولم يَسْتَوْفِ بَدَلَه.
فإن رَدَّها المُسْتَعِيرُ على الغاصِبِ، لم يَسْقُطْ عنه الضَّمانُ؛ لأنَّه فَوَّتَ المِلْكَ على مالِكِه بتَسْلِيمِه إلى غيرِ مُسْتَحِقِّه.
ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الغاصِبِ إن حَصَل التَّلَفُ في يَدِه، وكذلك الحُكْمُ في المُودَع.
وَإذَا اشْتَرَى أرْضًا فَغَرَسَهَا أوْ بَنَى فِيهَا، فَخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، فَقُلِعَ غَرْسُهُ وَبِنَاؤُهُ، رَجَعَ الْمُشْتَرِي عَلَى الْبَائعِ بمَا غَرِمَهُ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي في الْقِسْمَةِ.
2343 - مسألة: (وإنِ اشْتَرَى أرْضًا فغَرسَها أو بَنَى فيها، فخَرَجَتْ مُسْتَحَقَّةً، وقُلِع غَرْسُه وبِناؤه، رَجَع المُشْتَرِي على البائِعِ بما غَرِمَه. ذَكَرَه القاضِي في القِسْمةِ)
لأنَّه ببيعِه إيّاها غَرَّه وأوْهَمَه أنَّها مِلْكُه، وكان ذلك سببًا في بِنائِه وغَرْسِه، فرَجَعَ عليه بما غَرِمَه عليها، كرُجُوعِه بما أعْطاهُ مِن ثَمَنِها.
وإنْ أطْعَمَ الْمَغْصُوبَ لِعَالِم بِالْغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَيهِ،
2344 - مسألة: (وإن أطْعَمَ المَغْصُوبَ لعالِم بالغَصْبِ، اسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه)
لكَوْنِه أتْلَفَ مال غيرِه بغيرِ إذْنِه عالِمًا مِن غيرِ تَغْرِير.
وللمالِك تضْمِين الغاصِبِ؛ لأنَّه حال بينَه وبينَ مالِه، والآكِلِ؛ لأنَّه أتْلَفَ مال غيرِه بغيرِ إذْنِه، وقَبَضَه مِن يَدِ ضامِنِه بغيرِ إذْنِ مالِكِه.
فإن ضَمَّنَ الغاصِبَ، رَجَع على الآكلِ، وإن ضَمَّنَ الآكِلَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ.
وإنْ لَمْ يَعْلَمْ، وَقَال لَهُ الْغَاصِبُ كُلْهُ، فَإنَّهُ طَعَامِي.
اسْتَقَرَّ الضَّمَانُ عَلَى الْغَاصِبِ، وَإنْ لَمْ يَقُلْ، فَفِي أيِّهِمَا يَسْتَقِرُّ عَلَيهِ الضَّمَانُ وَجْهَانِ.
2345 - مسألة: (وإن لم يَعلَمْ، وقال له الغاصِبُ: كُلْهُ، فإنَّه طَعَامِي. اسْتَقَرَّ الضَّمانُ على الغاصِبِ)
لاعْتِرافِه بأنَّ الضَّمانَ باقٍ عليه، وأنه لم يَلْزَم الآكِلَ شيء، ولأنَّه غَرَّ الآكِلَ.
2346 -
مسألةَ: (وإن لم يَقُلْ، فَفي أيِّهما يَسْتَقِرُّ عليه الضَّمانُ
وَإنْ أطْعَمَهُ لِمَالِكِهِ ولَمْ يَعْلَمْ، لَمْ يَبْرأ.
نَصَّ عَلَيهِ، في رَجُلٍ لَهُ عِنْدَ رَجُلٍ تَبِعَةٌ، فَأوْصَلهَا إِليهِ، عَلَى أنهَا صِلَةٌ، أَوْ
وَجْهان) أحَدُهما، يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الآكِلِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ في الجَدِيدِ؛ لأنَّه ضَمنَ [ما أتلفَ] (1)، فلم يَرْجع به على أحَدٍ.
والثاني، يَسْتَقِرُّ على الغاصِبِ؛ لأنَّه غَرَّ الآكِلَ، وأطْعَمَه على أنَّه لا يَضْمَنُه.
وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِيِّ.
وأيُّهما اسْتَقَرَّ عليه الضمانُ فغَرِمَ، لم يَرْجِعْ على أحَدٍ، وإن غَرِم صاحِبُه، رَجَع عليه.
2347 -
مسألة: (وإن أطعَمَه لمالِكِه ولم يَعْلَمْ، لم يَبْرَأ. نَصَّ عليه)
إذا أطْعَمَ المَغْصُوبَ لمالِكِه، فأكَلَه 2 عالِمًا أنَّه طَعامُه، بَرِئ الغاصِبُ.
وإن لم يَعْلَمْ، وقال له: كُلْهُ، فإنّه طَعَامِي.
استقَرَّ الضَّمانُ على الغاصِبِ؛ لِما ذَكَرْنا، وإن كانت له بَيِّنَةٌ بأنَّه طَعام المَغْصُوبِ منه.1
هَدِيَّةٌ، وَلَمْ يَعْلَمْ: كَيفَ هَذَا؟ يَعْنِي أنَّهُ لا يَبْرأ.
وإن، يَقُلْ ذلك، بل قَدَّمَه إليه، وقال: كُلْهُ.
فظاهِرُ كلامِ أحمدَ أنَّه لا يَبْرَأ، لأنَّه قال في رِوايَةِ الأثْرَمِ، في رجل له قِبَلَ رجل تَبِعَةٌ، فأوْصَلَها إليه على سَبِيلِ صَدَقَةٍ أو هَدِيَّةٍ، فلم يَعْلَمْ، فقال: (كيف هذا؟) هذا يَرَى أنَّه هَدِيَّة، يقولُ له: هذا لك عِنْدِي.
وهذا يَدُلُّ على (أنَّه لا يَبرأ) ههُنا، فيَأكُلُ المالِكُ طَعامَه بطَرِيقِ الأوْلَى، لأنَّه ثَمَّ رَدَّ إليه يَدَه وسُلْطانَه، وههُنا بالتَّقْدِيمِ إليه لم يَعُدْ إليه اليَدُ والسُّلْطانُ، فإنَّه لا يَتَمَكَّنُ مِن التَّصَرُّفِ فيه بكلِّ ما يُرِيدُ مِن أخْذِه وبَيعِه والصَّدَقَةِ به، فلم يَبْرَأ به الغاصِبُ، كما لو عَلَفَه لدَوَابِه.
ويَتَخَرَّجُ أن يَبْرَأ، بِنَاءً على ما إذا أطْعَمَه لأجْنَبِي، فإنَّه يَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على الآكِلِ، في إحْدَى الرِّوايَتَين، فكذلك ها هنا.
وهذا مَذْهَبُ أبي حنيفةَ.
..................................
فصل: وإن وَهَب المَغْصُوبَ لمالِكِه، أو أهْداه إليه، بَرِئ في الصَّحِيحِ؛ لأنَّه سَلَّمَه إليه تَسْلِيمًا تامًّا، وزالتْ يَد الغاصِبِ.
وكَلامُ أحمدَ في رِوايَةِ الأثْرَمِ مَحْمُولٌ على ما إذا أعْطاه عِوَضَ حَقِّه على سَبِيلِ الهِبَةِ، فأخَذَه المالِكُ على هذا الوَجْهِ لا على سَبِيلِ العِوَضِ، فلم تَثْبُتِ المُعاوَضَةُ، ومسألتُنا فيما إذا رَدَّ إليه 1 عَينَ مالِه، وأعَادَ يَدَه التي أزَالها.
وإن باعَه إيّاهُ وسَلَّمَه إليه، بَرِئ مِن الضمانِ؛ لأنَّه قَبَضَه بالابتِياعِ، وهو مُوجِب للضَّمانِ.
وكذلك إن أقْرَضَه إيَّاهُ؛ لِما ذَكَرْنا.
وإِن رَهَنَهُ عِنْدَ مَالِكِهِ، أوْ أوْدَعَهُ إيَّاهُ، أوْ أجَرَهُ، أو اسْتَأجَرَهُ عَلَى قِصَارَتِهِ وَخِيَاطَتِهِ، لَمْ يبرَأ إلَّا أنْ يَعْلَمَ.
2348 - مسألة: (وإن رَهَنَه عندَ مالِكِه، أو أوْدَعَه إيّاهُ، أو أجَرَه، أو اسْتَأجَرَه على قِصَارَته أو خِياطَتِه)
ولم يَعْلَمْ، لم يَبْرَأ مِن الضَّمانِ؛ لأنَّه لم يَعُدْ إليه سُلْطانُه، إنَّما قَبَضَه على أنَّه أمَانةٌ.
وقال بعضُ أصحابِنا: يبرأُ؛ لأنَّه رَدَّه إلى يَدِه وسُلْطانِه.
وهذا أحَد الوَجْهَين لأصْحاب الشافعيِّ.
والأولُ أوْلَى؛ فإنّه لو أباحَه أكْلَه فأكَلَه, لم يَبْرأ، فههُنا أَوْلَى.
وإنْ أعَارَهُ إيَّاهُ، بَرِئ، عَلِمَ أوْ لَمْ يَعْلَمْ.
2349 - مسألة: (وإن أعَارَه إيّاهُ، بَرِئ، عَلِمَ أو لم يَعْلَمْ)
لأنَّ
وَمَنِ اشْتَرَى عَبْدًا فَأعْتَقَهُ، فَادَّعَى رَجُلٌ أنَّ الْبَائِعَ غصَبَهُ منه، فَصَدَّقَهُ أحَدُهُمَا، لَمْ يُقْبَلْ عَلَى الْآخَرِ.
وإن
العارِيَّةَ تُوجِبُ الضَّمانَ على المُسْتَعِيرِ، فلو وَجَب الضَّمانُ على الغاصِبِ رَجَع به على المُسْتَعِيرِ، ولا فائِدَةَ في وُجُوبِ شَيءٍ عليه يَرْجِعُ به على مَن وَجَب له.
2350 -
مسألة: (وإنِ اشْتَرَى عَبْدًا فأعْتَقَه، فادَّعَى رجل أنَّ البائعَ غَصَبَه منه، فصَدَّقَه أحَدُهما، لم يُقْبَلْ على الآخَرِ. وإن صَدَّقَاهُ مع العَبْدِ،
صَدَّقَاهُ مَعَ الْعَبْدِ، لَم يَبْطُلِ الْعِتْقُ، وَيَسْتَقِرُّ الضَّمَانُ عَلَى الْمُشْتَرِي.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَبْطُلَ الْعِتْقُ إذا صَدَّقُوهُ كُلُّهُمْ.
لم يَبْطُلِ العِتْقُ، ويَسْتَقِرُّ الضَّمانُ على المُشْتَرِي.
ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ العِتْقُ إذا صَدَّقُوهُ كُلُّهُم) إذا أقامَ المُدَّعِي، بَيِّنَّةَ بما ادَّعاه، بَطَل البَيعُ والعِتْقُ، ويَرْجِعُ المُشْتَرِي على البائع بالثَّمَن.
وإن صَدَّقَه البائعُ أو المُشْتَرِي، لم يُقْبَلْ قولُ أحَدِهما على الآخرِ؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ إقْرارُه في حَقِّ غيرِه.
وإن صَدَّقَاه جَمِيعًا، لم يَبْطُلِ العِتْقُ، وكان العَبْدُ حُرًّا؛ لأنَّه قد تَعَلَّقَ به حَق لغَيرِهما.
فإن وافَقَهُما العَبْدُ، فقال القاضِي: لا يُقْبَلُ أَيضًا؛ لأنَّ الحُرِّيّةَ حَقٌّ يتَعَلَّقُ بها حَق الله تعالى، ولهذا لو شَهِدَ شاهِدانِ بالعِتْقِ مع اتِّفاق السَّيِّدِ والعَبْدِ على الرِّقِّ، قُبِلَتْ شَهادَتُهُما.
ولو قال رجل: أنا حُرُّ.
ثم أقَر بالرِّقِّ، لم يُقْبَلْ إقْرارُه.
وهذا مَذْهبُ الشافعيِّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ العِتْقُ إذا اتَّفَقُوا عليه كُلُّهُم، ويَعُود العَبْدُ إلى المُدَّعِي؛ لأنَّه مَجْهُولُ النَّسبِ، أقَرَّ بالرِّقِّ لمَن يَدعيه، فصَحَّ، كما لو لم يُعْتِقْه المُشْتَرِي.
ومتى
..................................
حَكَمْنا بالحريَّةِ، فللمالِكِ تَضْمِينُ أيِّهِما شاء قِيمَتَه يومَ عِتْقِه، فإن ضَمَّنَ البائعَ، رَجَع على المُشْتَرِي؛ لأنَّه أتْلَفَه، وإن ضَمَّنَ المُشْتَرِي، لم يَرْجِعْ على البائِعِ إلَّا بالثَّمَنِ؛ لأن التَّلَفَ حَصَل منه، فاسْتَقَرَّ الضَّمانُ عليه.
وإن ماتَ العَبْدُ وخَلَّف مالًا، فهو للمُدَّعِي؛ لاتِّفاقِهِم على أنَّه له.
وإنَّما لم يُرَدَّ العَبْدُ إليه لتَعَلُّقِ حَقِّ الحُرِّيَّةِ به، إلَّا أن يُخَلِّفَ وارِثًا فيَأخُذَه، وليس عليه وَلاءٌ؛ لأنَّ أحدًا لا يَدَّعِيه.
وإن صَدَّقَ المُشْتَرِي البائعَ وَحْدَه، رَجَع عليه بقِيمَتِه، ولم يَرْجِعِ المُشْتَرِي بالثَّمَنِ.
وبَقِيَّةُ الأقْسامِ على ما نَذْكُرُ في الفَصْلِ بعدَه.
فصل: وإن كان المُشْتَرِي لم يُعْتِقْه، وأقَامَ المُدَّعِي بَينةً بما ادَّعاه، انْتَقَضَ البَيعُ، ورَجَع المُشْتَرِي على البائِعِ بالثَّمَنِ، وكذلك إذا أقَرَّا بذلك.
وإن أقَرَّ أحَدُهما، لم يُقْبَلْ على الآخَرِ، فإن كان المُقِرُّ البائعَ، لَزِمَتْه القِيمَةُ للمُدَّعِي؛ لأنَّه حال بَينَه وبينَ مِلْكِه، ويُقَرُّ العَبْدُ في يَدِ المُشْتَرِي؛ لأنَّه مِلْكُه في الظاهِرِ، وللبائعِ إحْلافُه، ثُمَّ إن كان البائعُ لم يَقْبِضِ الثَّمَنَ، فليس له مُطالبَةُ المُشْتَرِي، لأنَّه لا يَدَّعِيه.
ويَحْتَمِلُ أن يَمْلِكَ مُطالبَتَه بأقَلِّ الأمْرَين مِن الثَّمنِ أو قِيمَةِ العَبْدِ؛ لأنَّه يَدَّعِي القِيمَةَ
..................................
على المُشْتَرِي، والمُشْتَرِي يُقِرُّ له بالثمَنِ، فقد اتَّفَقا على اسْتِحْقاقِ أقَلِّ 1 الأمْرَين، فوَجَبَ، ولا يَضُرُّ اخْتِلافُهُما في السَّبَبِ بعدَ اتفاقِهِما على حُكْمِه، كما لو قال: لي عليك ألفٌ مِن ثمَنِ مَبِيعٍ.
فقال: بل ألْف مِن قَرْض.
وإن كان قد قَبَضَ الثمنَ، فليس للمُشْتَرِي اسْتِرْجاعُه؛ لأنَّه لا يَدَّعِيه.
ومتى عادَ العَبْدُ إلى البائعِ بفسْخ أو غيرِه، لَزِمَه رَدُّه إلى مُدَّعِيه، وله اسْتِرْجاعُ ما أخَذَ منه.
وإن كان إقْرار البائِعِ في مُدَّةِ الخِيَارِ، انْفَسَخَ البَيعُ؛ لأنَّه يَمْلِكُ فَسْخَه، فقُبِلَ إقْرارُه بما يَفْسَخُه.
وإن كان المُقِرُّ المُشْتَرِيَ وَحْدَه، لَزِمَه رَدُّ العَبْدِ 2، ولم يُقْبَلْ إقْرارُه على البائِعِ، ولا يَمْلِكُ الرُّجُوعَ عليه بالثمَنِ إنْ كان قَبَضَه، وعليه دَفْعُه إليه إن لم يكُنْ قَبَضَه.
فإن أقام المشتري بينةً بما أقَر به، قُبِلَتْ، وله الرُّجوعُ بالثمنِ.
وإن كان البائعُ المُقِر، فأقَامَ بَينةً، فإن كان في حالِ البَيعِ، قال: بِعْتُكَ عَبْدِي هذا أو مِلْكِي.
لم تُقْبَلْ بَيِّنتُه؛ لأنَّه يُكَذِّبُها، وإن لم يَكُنْ قال ذلك، قُبِلَتْ؛ لأنَّه يَبِيعُ مِلكَه وغيرَه، وإن أقَامَ المُدعِي البَيِّنةَ، سُمِعَتْ، ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ البائِعِ له؛ لأنَّه يَجُرُّ بها إلى نفْسِه نَفْعًا.
وإن أنكَراه جَمِيعًا، فله إحْلافُهُما.
قال أحمدُ، في رجل يَجِدُ سَرِقَتَه عندَ إنسانٍ بعَينِها، قال: هو مِلْكُه، يَأخُذُه، أذْهَبُ إلى حَدِيثِ سَمُرَةَ، رَضِيَ الله عَنْهُ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ وَجَدَ مَتاعَهُ عِنْدَ رَجُل فَهُوَ أحَقُّ بِهِ، ويَتْبَعُ
فَصْلٌ: وإنْ تَلِفَ الْمَغْصُوبُ، ضَمِنَهُ بِمِثْلِهِ، إنْ كَانَ مَكِيلًا أوْ مَوْزُونًا.
المُبْتَاعُ مَنْ بَاعَه» 1. رَواه هُشَيم، عن مُوسَى بنِ السّائبِ، عن قَتادَةَ، عن الحسنِ، عن سَمُرَةَ.
ومُوسَى بن السّائبِ ثِقَةٌ.
فصل: قال، رَضِيَ الله عَنه: (وإن تَلِفَ المَغْصُوبُ، ضَمِنَه بمِثْلِه، إن كان مَكِيلًا أو مَوْزُونًا) متى تَلِفَ المَغْصُوبُ في يَدِ الغاصِبِ، لَزِمَه رَدُّ بَدَلِه؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيكُمْ﴾ 2. ولأنَّهُ لما تَعَذرَ رَدُّ العَينِ، لَزِمَه رَدُّ ما يَقُومُ مَقامَها.
فإن كان المُتْلَفُ مِثْلِيًّا؛ كالمَكِيلِ والمَوْزُونِ 3، وَجَب
وَإنْ أعْوَزَ الْمِثْلُ، فَعَلَيهِ قِيمَةُ مِثْلِهِ يَوْمَ إعْوَازِهِ.
وَقَال الْقَاضِي: يَضْمَنُهُ.
بِقِيمَتِهِ يَوْمَ الْقَبْضِ.
وَعنه، تَلْزَمُهُ قيمَتُهُ يَوْمَ تَلَفِهِ.
المِثْل، قال ابنُ عَبْدِ البَرِّ: كُل مَطْعُوم مِن مَأكُولٍ أو مَشْرُوبٍ، فمُجْمَعٌ على أنَّه يَجِبُ على مُسْتَهْلِكِه مِثْلُه لا قِيمَتُه.
ولأنَّ المِثْلَ أقْرَبُ إليه مِن القِيمَةِ، فهو مُماثِل له مِن طَرِيقِ الصُّورَةِ والمُشاهَدَةِ (1) والمَعْنَى، والقِيمَةُ مُماثِلَة مِن طَرِيقِ الظَّنِّ والاجتِهادِ، فقُدِّم ما طَرِيقُه المُشاهَدَة، كالنَّصِّ، لمَّا كان طَرِيقُه الإدْراكَ بالسَّماعِ كان أوْلَى مِن القِياسِ؛ لأنَّ طَرِيقَه الظَّنُّ والاجْتِهادُ.
2351 -
مسألة: (وإن أعْوزَ المِثْلُ، فعليه قِيمَةُ مِثْلِه يومَ إعْوازِه. وقال القاضي):
تَجِبُ قِيمَتُه يومَ قبضِ البَدَلِ؛ لأنَّ الواجِبَ المِثْلُ إلى1
..................................
حينِ قَبْضِ البَدَلِ، بدَلِيلِ أنَّه لوْ وُجِدَ المِثْلُ بعدَ إعْوازِه، لكان الواجِبُ هو دونَ القِيمَةِ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالك وأكثرُ أصحابِ الشافعيِّ: تَجِبُ قِيمَتُه يومَ المُحاكَمَةِ؛ لأن القِيمَةَ لم تَنتقِلْ إلى ذِمَّتِه إلَّا حينَ حكَم بها الحاكِمُ.
ولَنا، أن القِيمَةَ وَجَبَتْ في الذِّمَّةِ حينَ انْقِطاعِ المِثْلِ، فاعْتُبِرَتِ القِيمَةُ حِينَئِذٍ، كتَلَفِ المُتَقَوِّمِ، ودَلِيلُ وُجُوبِها حينئِذٍ أَنه يَسْتَحِقُّ طَلَبَها واسْتِيفاءَها 1، ويَجِبُ على الغاصِبِ أداؤها, ولا يَنْفِي وُجُوبَ المِثْلِ؛ لأنَّه مَعْجُوز عنه، والتكْلِيفُ يَسْتَدْعِي الوُسْعَ، ولأنَّهُ لا يَسْتَحِقُّ طَلَبَ المِثْلِ ولا اسْتِيفاءَه، ولا يَجِبُ على الآخَرِ أداؤه، فلم
..................................
يَكُنْ واجِبًا، كحالةِ المُحَاكَمَةِ.
وأمَّا إذا قَدَر على المِثْل بعدَ فَقْدِه، فإنَّه يَعُودُ وُجُوبُه؛ لأنَّه الأصْلُ قَدَر عليه قبلَ أدَاءِ البَدَلِ، فأَشْبَهَ القُدْرَةَ على الماءِ بعدَ التيمُّمِ، وهذا لو قَدَر عليه بعدَ المُحاكَمَةِ وقبلَ الاسْتِيفاءِ، اسْتَحَقَّ المالِكُ طَلَبَه وأخْذَه (وعنه، تَلْزَمُه قِيمَتُه يومَ تَلَفِه) لأن القِيمَةَ إنما ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ حينَ التَّلَفِ؛ لأنه قبلَ، التَّلَفِ يَجِبُ رَدُّه، فإذا تَلِفَ وَجَبَتْ قِيمَتُه [في الذِّمةِ حِينَئِذٍ وكان الواجبُ قِيمَتَه يومَ ثَبَت في الذِّمَّةِ، ولأنَّه مَضْمُون بالقِيمَةِ فوَجَبَت قِيمَتُه] 1 يومَ تَلَفِه، كغَيرِ المِثْلِيِّ.
وَإنْ لَمْ يَكُنْ مِثْلِيًّا، ضَمِنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ تَلَفِهِ في بَلَدِهِ مِنْ نَقْدِهِ.
2352 - مسألة: (وإن لم يَكُنْ مِثْلِيًّا، ضَمِنَه (بقِيمَتِه يومَ تَلَفِه في بَلَدِه مِن نَقْدِه)
لِما روَى عبد اللهِ بنُ عمرَ، رضي الله عنهما، أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ أعْتَقَ شِرْكًا لَهُ في عَبْدٍ قُوِّمَ عَلَيهِ قِيمَةُ العِدْلِ».
مُتَّفَق 1
..................................
[عليه 1. فأمَرَ بالتَّقْويمِ في حِصَّةِ الشَّرِيك؛ لألها مُتْلَفَةٌ بالعِتْقِ، ولم يَأمُرْ بالمِثْلِ.
ولأنَّ هذه الأشْياءَ لا تتساوَى أجْزاوها، وتَخْتَلِفُ صِفاتُها، فالقِيمَةُ فيها أعْدَلُ وأقْرَبُ إليها فكانت أوْلَى] 2. في قولِ الجَماعَةِ.
وحُكِيَ عن العَنْبَرِيِّ: يَجِبُ في كلِّ شيءٍ مثلُه؛ لِما رَوَتْ جَسْرَةُ بنتُ دَجاجَةَ، عن عائشةَ، رَضِيَ الله عنها، أنها قالت: ما رَأيتُ صانِعًا مثلَ حَفْصَةَ، صَنَعَتْ طَعامًا فَبَعَثَتْ به إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأخَذَنِي الأفْكَلُ 3 فكَسَرْتُ الإنَاءَ، فَقُلْتُ: يَا رسول اللهِ، ما كَفَّارَةُ ما صَنَعْتُ؟ فقال:
..................................
«إنَاءٌ مِثْلُ الإنَاءِ، وَطَعَامٌ مِثْلُ الطَّعَام».
رَواه أبو داودَ 1. وعن أنس، أنَّ إحْدَى نِسَاءِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - كَسَرتْ قَصْعَةَ الأُخرَى، فدَفَعَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قَصْعَةَ الكَاسِرَةِ إلى رسولِ صاحِبَةِ المَكْسُورَةِ وحَبَسَ المَكْسُورَةَ في بَيته، رَواه التِّرْمِذِيّ بنَحْوه 2. وقال: حَسَنٌ صَحِيح.
[ولَنا، حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما، في العِتْقِ، وما ذَكَرْنا مِن المَعْنَى في الحديثِ مَحْمُولٌ على أنَّه جَوَّزَ ذلك بالتَّراضِي وعَلِم أنَّها تَرْضَى به] 3. ويكونُ ذلك يومَ تَلَفِه؛ لِما ذَكَرنا.
ويكُون في بَلَدِه
وَيَتَخَرَّجُ أنْ يَضْمَنَهُ بِقِيمَتِهِ يَوْمَ غَصَبَهُ.
مِن نَقْدِه؛ لأنَّه مَوْضِعُ الضَّمانِ، يَعْنِي يَضْمَنُه في البَلَدِ الذي غَصَبَه فيه مِن نَقْدِه (ويَتَخَرَّجُ أن يَضْمَنَه بقِيمته يومَ غَصَبَه) وهو قولُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ.
ورُويَ عن أحمدَ، لأَته فَوَّته عليه غَصْبِه، فكان عليه قِيمَةُ ما فوَّتَ عليه حينَ فَوَّتَه.
وقد رُويَ عن أحمدَ، في رجل أخَذَ مِن رجل أرطالًا مِن كذا وكذا: أعْطاه على السِّعْرِ يومَ أخَذَه لا يومَ مُحاسَبَتِه.
وكذلك 1 رُويَ عنه في حوائجِ البَقّالِ: عليه القيمةُ يومَ الأخْذِ.
وهذا يَدُل على أنَّ القيمةَ تُعْتَبَرُ يومَ الغَصْبِ، والأوَّل أوْلَى.
قال شيخُنا 2: ويُمْكِنُ التَّفْرِيقُ بينَ هذا وبينَ الغَصْبِ مِن قِبَل أنَّ ما أخَذَه ها هنا بإذْنِ مالِكِه مَلَكَه وحَلَّ له التَّصَرُّفُ فيه، فثَبَتَتْ قِيمَتُه يومَ مَلَكَه، ولم يَتَغَيَّرْ 3 ما ثَبَت في
.................................. ذِمَّتِه بتَغَيُّرِ قِيمَةِ ما أخَذَه؛ لأنَّه مِلْكُه، والمَغْصُوبُ مِلْكُ المَغْصُوبِ منه، والواجِبُ رَدُّه لا قِيمَتُه، وإنَّما تَثْبُتُ قِيمَتُه في الذِّمَّةِ يومَ تَلَفِه أو انْقِطاعِ مِثْلِه، فاعْتُبِرَتِ القِيمَةُ حِينَئِذٍ، وتَغَيَّرَتْ بتَغَيُّرِه قبلَ ذلك، فأمَّا إن كان المَغْصُوبُ باقِيًا وتَعَذَّرَ رَدُّه، فأوجَبْنا رَدَّ قِيمَتِه، فإنَّه يُطالِبُه بها يومَ قَبْضِها، لأنَّ القِيمَةَ لم تَثْبُتْ في الذِّمةِ قبلَ ذلك، ولهذا يتَخَيَّرُ بينَ أخْذِها والمُطَالبَةِ بها، وبينَ الصَّبْرِ إلى وَقْتِ إمْكانِ الرد ومُطالبَةِ الغاصِبِ بالسَّعْيِ في رَدِّهِ، وإنَّما يَأخُذُ القِيمَةَ لأجْلِ الحَيلُولَةِ بينَه وبينَه، فيُعْتَبَرُ ما يَقُومُ مَقامَه؛ لأنَّ مِلْكَه لم يَزُلْ عنه بخِلافِ غيرِه.
..................................
فصل: وقد ذَكَرْنا أنَّ ما تَتَماثَلُ أجزاؤه وتَتَقارَبُ؛ كالأثْمانِ والحُبُوبِ والأدْهانِ، يُضْمَنُ بمِثْلِه.
وهذا لا خِلافَ فيه.
فأمّا سائِرُ المَكِيلِ والمَوْزُونِ، فظاهِرُ كَلامِ أحمدَ، أنَّه يَضْمَنُه بمِثْلِه أَيضًا، فإنَّه قال في رِوايَةِ حَرْب: ما كان مِن الدَّرَاهِمِ والدَّنانِيرِ، وما يُكالُ ويُوزَنُ.
فظاهِرُه وجُوبُ المثْلِ في كلِّ مَكِيلٍ وَمْوُزونٍ، إلَّا أن يكونَ مِمّا فيه صِناعَةٌ مُباحَةٌ، كمَعْمُولِ الحَدِيدِ، والنُّحَاسِ، والرَّصَاص، والصُّوفِ، والشَّعَرِ المَغْزُولِ، فإنَّه يُضْمَنُ بقِيمَتِه؛ لأنَّ الصِّناعَةَ تُؤَثِّرُ في قِيمَتِه، وهي مُخْتَلفَة، فالقِيمَةُ فيه أحْصَرُ، فأشْبَهَ غيرَ المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
وذَكَرَ القاضي أنَّ النُّقْرَةَ والسَّبِيكَةَ مِن الأثْمانِ، والعِنَبَ، والرُّطَبَ، والكُمَّثْرَى، إنما يُضْمَنُ بقِيمَتِه.
وظاهِرُ كَلامِ أحمدَ يَدُلُّ على ما قُلْنا.
وإنَّما خَرَج منه ما فيه الصِّناعَةُ؛ لِما ذَكَرْنا.
ويَحْتَمِلُ أن تُضْمَنَ النُّقْرَةُ بقِيمَتِها؛ لتَعَذُّرِ وُجودِ مِثْلِها إلَّا بكَسْرِ النُّقُودِ المَضْرُوبَةِ وسَبْكِها، وفيه إتْلافٌ.
..................................
فصل: وقد قال الخِرَقِي في مَن غَصَب جارِيَةً حامِلًا فَوَلَدَتْ في يَدَيه، ثم ماتَ الوَلَدُ: أَخَذَها سَيِّدُها وقِيمَةَ وَلَدِها أكثَرَ ما كانت قِيمَتُه.
فحَمَلَ القاضِيّ قولَ الخِرَقِيِّ على ما إذا اخْتَلَفَتِ القِيمَةُ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ.
فعلى هذا، إذا تَلِف المَغْصُوبُ، لَزِم الغاصِبَ قِيمَتُه أكثرَ ما كانت مِن يوم الغَصْبِ إلى يومِ التَّلَفِ؛ لأنَّ أكثر القِيمَتَين فيه للمَغْصُوبِ منه، فإذا تَعَذَّرَ رَدُّها، ضَمِنَه، كقِيمَتِه يومَ التَّلَفِ، وإنَّما سَقَطَتِ القِيمَةُ مع رَدِّ العَينِ.
والمَذْهَب أنَّ زِيادَةَ القِيمَةِ بتَغَيُّرِ الأسْعارِ غيرُ مَضْمُونَةٍ على الغاصِبِ، وقد ذَكَرْنا ذلك.
وعلى هذا، فكَلام الخِرَقِيّ محمولٌ على ما إذا اخْتَلَفَتِ القِيمَةُ لمَعْنًى في المَغْصُوبِ، مِن كِبَر، وصِغَر، وسِمَن، وهُزَالٍ، ونِسْيانٍ، ونحو ذلك، فالواجِبُ القِيمَةُ أكثر ما كانت؛ لأنَّها مَغْصُوبَةٌ في الحالِ التي زادَتْ فيها، والزيادَةُ لمالِكِها مَضْمُونَة على الغاصِبِ على ما قَدَّرْناه، بدَلِيلِ أنَّه لو رَدَّ العَينَ ناقِصَةً، لَزِمَه أرْش نَقْصِها وهو
..................................
بَدَلُ الزِّيادَةِ.
فإذا ضَمِنَ الزِّيادَةَ مع رَدِّها 1، ضَمِنَها عندَ تَلَفِها، بخِلافِ زِيادَةِ القِيمَةِ لتَغيُّرِ الأسْعارِ، فإنَّها لا تُضْمَنُ مع رَدِّها، فكذلك مع تَلَفِها.
وقولُهم: إنَّها إنَّما سَقَطَتْ مع رَدِّ العَينِ.
لا يَصِحُّ؛ لأنها لو وَجَبَتْ ما سَقَطَتْ بالردِّ، كزِيادَةِ السِّمَنِ.
قال القاضِي: ولم أجِدْ عن أحمدَ رِوايَةً بأنها تُضْمَنُ بأكثرِ القِيمَتَين لتَغَيُّرِ الأسْعارِ.
فعلى هذا، تُضْمَنُ بقِيمَتِها يومَ التَّلَفِ.
وقد رُويَ عن أحمدَ، أنَّها تُضْمَنُ بقِيمَتِها يومَ الِغَصْبِ، إلَّا أنَّ الخَلَّال قال: جَبُنَ أحمدُ عنه.
كأنَّه رَجَع إلى القولِ الأوّلِ، وقد ذكرْناه.
فَإِنْ كَانَ مَصُوغًا أَوْ تِبْرًا تُخَالِفُ قِيمَتُهُ وَزْنَهُ، قَوَّمَهُ بِغَيرِ جِنْسِهِ.
2353 - مسألة: (فإن كان مَصُوغًا أو تِبْرًا تُخالِفُ قِيمَتُه وَزْنَه، قَوَّمَه بغَيرِ جِنْسِه)
متى كان المُصَاغُ تَزِيدُ قِيمَتُه على وَزْنه أو تَنْقُصُ، والصِّناعَةُ مُباحَةٌ، كحَلْيِ النِّساءِ، وَجَب ضَمانُه بقِيمَتِه، لكن يُقَوِّمُه بغيرِ
..................................
جِنْسِه، فيُقَوِّم الذَّهَبَ بالفِضَّةِ، والفِضَّةَ بالذَّهَب؛ لِئِلَّا يُفْضِيَ ذلك إلى الرِّبَا.
وقال القاضي: يَجُوزُ تَقْويمُه بجِنْسِه؛ لأنَّ ذلك قِيمَتُه، والصَّنْعَةُ لها قِيمَة، بدَلِيلِ أنَّه لو اسْتَأجَرَه لِعَمَلِها جازَ، ولو كَسَرَ الحَلْيَ وَجَب عليه أرْشُ ذلك، ويُخالِفُ البَيعَ؛ لأنَّ الصَّنْعةَ لا يُقابِلُها العِوَضُ في العُقُودِ، ويُقابِلُها في الإتْلافِ، ألا تَرَى أنَّها لا تَنْفَرِدُ بالعَقْدِ وتَنْفرِدُ بضَمانِها في الإتْلافِ.
قال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: هذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وذَكَر بعضُهم مثلَ القَوْلِ الأوّلِ، وهو الذي ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ القِيمَةَ مَأخُوذَة على سَبِيلِ العِوَضِ، فالزِّيادَةُ رِبًا، كالبَيعِ وكالنَّقْص.
وقد قال أحمدُ، في رِوايَةِ ابنِ مَنْصُورٍ: إذا كَسَر الحَلْيَ، يُصْلِحُه أحَبُّ إلَيَّ.
قال القاضي: هذا مَحْمُولٌ على أنَّهما تَراضَيا بذلك، لا على طَرِيقِ الوُجُوبِ.
فإن كانتِ الصِّناعَةُ مُحَرَّمَة؛ كالأوانِي، وحلْيِ الرِّجالِ المُحَرَّمِ، لم يَجُزْ ضَمانُه بأكْثَرَ مِن وَزْنِه، وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصِّناعَةَ لا قِيمَةَ لها شَرْعًا.
فَإِنْ كَانَ مُحَلّى بِالنَّقْدَينِ مَعًا، قَوَّمَهُ بِمَا شَاءَ مِنْهُمَا، وَأعْطَاهُ بِقِيمَتِهِ عَرْضًا.
2354 - مسألة: (فإن كان مُحَلَّى بالنَّقْدَين معًا، قَوَّمَه بما شاءَ منهما)
للحاجَةِ (وأعْطاهُ بقِيمَتِه عَرْضًا) لِئَلَّا يُفْضِيَ إلى الرِّبَا, ولا يُمْكِنُ تَقْويمُه إلَّا بأحدِهما؛ لأنَّهما قِيَم الأمْوالِ، فدَعَتِ الحاجَةُ إلى تَقويمِهما بأحدِهما, وليس أحدُهما بأوْلَى من الآخرِ، فكانتِ الخِيَرَةُ إليه في تقويمِه
وَإِنْ تَلِفَ بَعْضُ الْمَغْصُوب، فَنَقَصَتْ قِيمَةُ بَاقِيهِ؛ كَزَوْجَيْ خُفٍّ تَلِفَ أَحَدُهُمَا، فَعَلَيهِ رَدُّ الْبَاقِي وَقِيمَةُ التَّالِفِ وَأَرْشُ النَّقْصِ.
وَقِيلَ: لَا يَلْزَمُهُ أَرْشُ النَّقْصِ.
بما شاء منهما.
والدَّلِيلُ على أنَّه لا يُمْكِنُ تَقْويمُه [إلَّا بأحَدِ النَّقْدَين، أنَّه لا يُمْكِنُ تَقْويمُه] (1) بكلِّ واحِدٍ [مِن النَّقْدَين] (2) مُنْفَرِدًا؛ لعَدَمِ مَعْرِفَةِ ما فيه منه، ولأنَّ قِيمَةَ الحِلْيَةِ قد تَنْقُصُ بالتَّحْلِيَةِ بها، وقد تَزِيدُ، ولا يُمكنُ إفْرادُها بالبَيعِ ولا بغيرِه مِن التَّصرُّفاتِ، وإنَّما يُقَوَّمُ المُحَلَّى كالسَّيفِ، بأن يُقال: كَمْ قِيمَةُ هذا؟ ولو بِيعَ، ما كان الثَّمَنُ إلَّا عِوَضًا له؛ لأنَّ الحِلْيَةَ صارت صِفَةً له وزِينَةً فيه، فكانتِ القِيمَةُ فيه مَوْصُوفةً بهذه الصِّفَةِ، كقِيمَتِه في بَيعِه.
والله أعلمُ.
2355 -
مسألة: (وإن تَلِفَ بعضُ المَغْصُوبِ، فنَقَصَتْ قِيمَةُ باقِيه؛ كَزَوْجَيْ خُفٍّ تَلِفَ أحَدُهما، فعليه رَدُّ الباقِي وقِيمَةُ التّالِفِ وأَرْشُ النَّقْصِ. وقيلَ: لا يَلْزَمُه أَرْشُ النَّقْصِ)
إذا غَصَب شَيئَين يَنْقُصُهما12
..................................
التَّفْرِيقُ، كزَوْجَيْ خُفٍّ، أو مِصْرَاعَيْ بابٍ، فتَلِفَ أحَدُهما، رَدَّ الباقِيَ وقِيمَةَ التالِفِ وأَرْشَ نَقْصِهِما.
فإذا كانت قِيمَتُهُما سِتّةَ دَراهِمَ، فصارَت قِيمَةُ الباقِي بعدَ التَّلَفِ دِرْهَمَين، رَدَّه وأَرْبَعَةَ دَرَاهِمَ.
وفيه وَجْهٌ آخَرُ، أنَّه لا يَلْزَمُه إلَّا قِيمَةُ التّالِفِ مع رَدِّ الباقِي.
وهو أحدُ الوَجْهَين لأصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَتْلَفْ غيرُه، ولأنَّ نَقْصَ الباقِي نقْصُ قِيمَةٍ، فلا يَضْمَنُه، كالنَّقْصِ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ.
ولَنا، أنَّه نَقْصٌ حَصَل بجِنايَتِه، فلَزِمَه ضَمانُه، كما لو غَضَب ثَوْبًا فشَقَّه ثم تَلِف أحَدُ الشِّقَّين، فإنَّه يَلْزَمُه رَدُّ الباقِي وقِيمَةُ التالِفِ وأَرشُ النَّقْصِ إن نَقَص، بخِلافِ نَقْصِ السِّعْرِ، فإنَّه لم يَذهَبْ مِن المَغْصُوبِ عَينٌ ولا مَعْنًى، وههُنا فَوَّتَ مَعْنًى، وهو إمْكانُ الانْتِفاعِ به، وهذا هو المُوجِبُ لنَقْصِ قِيمَتِه، وهو حاصِلٌ مِن جِهَةِ الغاصِبِ، فيَنْبَغِي أن يَضْمَنَه, كما لو فَوَّتَ بَصَرَه أو سَمْعَه أو عَقْلَه، أو فَكَّ تَرْكِيبَ بابٍ ونَحْوه.
..................................
فصل: وإن غَصَب ثَوْبًا فلَبِسَه، فأَبْلَاه، فنَقَصَ نِصْفَ قِيمَتِه، ثم غَلَتِ الثِّيابُ، فعادَتْ قِيمَتُه كما كانت، مثلَ أن غَصَبَ ثَوْبًا قِيمَتُه عَشَرَةٌ، فنَقَصَه لُبْسُه حتى صارَتْ قِيمَتُه خَمْسَةً، ثم زادَتْ قِيمَتُه فصارتْ عشرَةً، رَدَّه وأَرْشَ نَقْصِه؛ لأنَّ ما تَلِفَ قبلَ غَلَاءِ الثَّوْبِ ثَبَتَتْ قِيمَتُه في الذِّمَّةِ، فلا يَتَغَيَّرُ.
ذلك بغَلَاءِ الثَّوْبِ ولا رُخْصِه.
وكذلك بو رَخُصَتِ الثِّيابُ، فصارتْ قِيمَتُه ثَلاثَةً، لم يَلْزَمِ الغااصِبَ إلَّا خَمْسَةٌ مع رَدِّ الثَّوْبِ.
ولو تَلِفَ الثَّوْبُ كلُّه وقِيمَتُه عَشَرَةٌ، ثم غَلَتِ الثِّيابُ، فصارت [قِيمَةُ الثَّوْبِ] 1 عِشْرِينَ، لم يَضْمَنْ إلَّا عَشَرَةً؛ لأنَّها ثَبَتَتْ في الذِّمَّةِ عَشَرَةً، فلا تُزادُ بغَلَاءِ الثِّيابِ، ولا تَنْقُصُ برُخْصِها.
فصل: فإن غَصَب ثَوْبًا أو زِلِّيًّا 2 فذَهَبَ بعضُ أجْزائِه؛ كخَمْلِ المِنْشَفةِ، فعليه أَرْشُ نَقْصِه.
وإن أقَامَ عندَه مُدَّةً لمِثْلِها أُجْرةٌ، لَزِمَتْه أُجْرَتُه، سَواءٌ اسْتَعْمَلَه أو تَرَكَه.
ولا اجْتَمَعا، مثلَ أن أقَامَ عندَه مُدَّةً وذَهَب بعضُ أجْزائِه، فعليه ضَمانُهُما معًا؛ الأُجْرَةُ وأَرْشُ النَّقْصِ، سَواءٌ كان ذَهَابُ الأَجْزاءٍ بالاسْتِعْمالِ، [أو بغيرِه.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: إن نقَص بغيرِ الاسْتِعْمالِ] 3، كثَوْبٍ يَنْقُصُه النَّشْرُ 4، نَقَص
..................................
بنَشْرِه، وبَقِيَ عندَه مُدَّةً، ضَمِن الأَجْرَ والنَّقْصَ، وإن كان النَّقْصُ بالاسْتِعمالِ؛ كَثَوْبٍ لَبِسَه فأَبْلَاه، فكذلك يَضْمَنُهما معًا، في أحَدِ الوَجْهينِ.
والثاني، يَجِبُ أَكْثَرُ الأَمْرَين مِن الأَجْرِ أو أَرْشِ النَّقْصِ؛ لأنَّ ما نَقَص مِن الأجْزاءِ في مُقابَلَةِ الأَجْرِ، ولذلك 1 لا يَضْمَنُ المُسْتَأْجِرُ تلك الأَجْزاءَ.
ويتَخَرَّجُ لنا مثلُ ذلك.
ولَنا، أنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَنْفَرِدُ بالإِيجابِ عن صاحِبِه، فإذا اجْتَمَعا وَجَبَا, كما لو أقَامَ في يَدِه مُدَّةً ثم تَلِف، والأُجْرَةُ تَجِبُ في مُقابَلَةِ ما يَفُوتُ مِن المنافِعِ، لا في مُقابَلَةِ الأجْزاءِ، [ولذلك يَجِبُ الأجْرُ وإن لم تَفُتِ الأجْزاءُ] 2. وإن لم يَكُنْ للمَغْصُوبِ أُجْرَةٌ، كثَوْبٍ غيرِ مَخِيطٍ، فليس على الغاصِبِ إلَّا ضَمان نَقْصِه.
فصل: فإن نَقَص المَغْصُوبُ عندَ الغاصِبِ ثم باعَه، فتَلِفَ عندَ المُشْتَرِي، فله تَضمِينُ مَن شاءَ منهما، إذا لم يَكُنِ النَّقْصُ لتَغَيُّرِ الأسْعارِ، وقد ذَكَرْناه.
فإن ضَمُّنَ الغاصِبَ، ضَمَّنَه قِيمَتَه أكْثَرَ ما كانت مِن حينِ الغَصْبِ إلى حينِ التَّلَفِ؛ لأنَّه في ضَمانِه مِن حينِ غَصْبِه إلى يومِ تَلَفِه، وإن ضَمَّنَ المُشْتَرِيَ، ضَمَّنَه قِيمَتَه أكْثَرَ ما كانت مِن حينِ قَبْضِه إلى يومِ تلفِه؛ لأنَّ ما قبلَ القَبْضِ لم يَدْخُلْ في ضَمانِه.
وإن كانت له أُجْرَةٌ، فله الرُّجُوعُ على الغاصِبِ بجَمِيعِها، وعلى المُشْتَرِي بأَجْرِ مُقَامِه في يَدَيه،
وَإِنْ غَصَبَ عَبْدًا، فَأَبَقَ، أَوْ فَرَسًا فَشَرَدَ، أَوْ شَيئًا تَعَذَّرَ رَدُّهُ مَعَ بَقَائِهِ، ضَمِنَ قِيمَتَهُ، فَإِنْ قَدَرَ عَلَيهِ بَعْدُ، رَدَّهُ وَأَخَذَ الْقِيمَةَ.
وبالباقِي على الغاصِبِ.
الكلامُ في رُجُوعِ كلِّ واحدٍ منهما على صاحِبِه قد ذَكَرْناه فيما مَضَى.
2356 -
مسألة: (وإن غَضب عَبْدًا فأَبَقَ، أو فَرَسًا فشَرَدَ، أو شيئًا تَعَذَّرَ رَدُّه مع بَقائِه، ضَمِن قِيمَتَه، فإن قَدَر عليه بعدُ، رَدَّه وأخَذَ القِيمَةَ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ مَن غَصَب شيئًا فعَجَزَ عن رَدِّه مع بَقائِه، كعَبْدٍ أبَقَ، فللمَغْصُوبِ منه المُطالبةُ بَبدَله، فإذا أخَذَه مَلَكَه، ولم يَمْلِكِ الغاصِبُ العَينَ المَغْصُوبَةَ، بل متى قَدَرَ عليه لَزِمَه رَدُّه، ويَسْتَرِدُّ بَدَلَها الذي أدَّاه.
وبه قال الشافِعِيُّ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَتَخَيَّرُ المالِكُ
..................................
بينَ الصَّبْرِ أبي إمْكانِ رَدِّها فيَسْتَرِدُّها، وبينَ تَضْمِينِه إيّاها، فيَزُولُ مِلْكُه عنها وتَصِيرُ مِلْكًا للغاصِبِ لا يَلْزَمُه رَدُّها، إلَّا أن يكونَ دَفَع دُونَ قِيمَتِها، فهو له مع يَمِينِه؛ لأنَّ المالِكَ مَلَك البَدَلَ، فلا يَبْقَى مِلْكُه على المُبْدَلِ، كالبَيعِ، ولأنّه تَضْمِينٌ فيما يُنْقَلُ المِلْكُ فيه، فنَقَلَه, كما لو خَلَط زَيتَه بزَيتِه.
ولَنا، أنَّ المَغْصُوبَ لا يَصِحُّ تَمَلُّكُه بالبَيعِ ههُنا، فلا يَصِحُّ بالتَّضْمِينِ، كالتَّالِفِ، ولأنَّه ضَمِن ما تَعَذَّرَ عليه رَدُّه بخُرُوجِه عن يَدِه، فلا يَمْلِكُه بذلك, كما لو كان المَغْصُوبُ مُدَبَّرًا، وليس هذا جَمْعًا بينَ البَدَل والمُبْدَلِ؛ لأنَّه مَلك القِيمَة لأجْلِ الحَيلُولَةِ، لا على سَبِيلِ العِوَضِ، ولهذا إذا ردَّ المَغْصُوبَ إليه، رَدَّ القِيمَةَ عليه، ولا يُشْبِهُ الزَّيتَ؛ لأنَّه يَجُوزُ بَيعُه، ولأنَّ حَقَّ صاحِبِه انْقَطَعَ عنه لتَعَذُّرِ رَدِّه.
إذا ثَبَتَ ذلك، فإنَّه، إذا
وَإِنْ غَصَبَ عَصِيرًا فَتَخَمَّرَ، فَعَلَيهِ قِيمَتُهُ.
فَإِنِ انْقَلَبَ خَلًّا، رَدَّهُ، وَمَا نَقَصَ مِنْ قِيمَةِ الْعَصِيرِ.
قَدَر على المَغْصُوبِ رَدَّه ونَماءَه المُنْفَصِلَ والمُتَّصِلَ، وأَجْرَ مِثْلِه إلى حينٍ دَفْعِ بَدَلِه.
ويَجِبُ على المالِكِ رَدُّ ما أخَذَه بَدَلًا عنه إلى الغاصِبِ؛ لأنَّه أخَذَه بالحَيلُولةِ، وقد زالتْ، فيَجِبُ رَدُّ ما أخَذَ مِن أَجْلِها إن كان باقِيًا بعَينِه، وَرَدُّ زِيادَتِه المُتَّصِلَةِ؛ لأنَّهَا تَتْبَعُ في الفُسُوخِ، [وهذا فَسْخٌ، ولا يَلْزَمُ (1) رَدُّ زِيادَتِه المُنْفَصِلَةِ؛ لأنَّها وُجِدَتْ في مِلْكِه، ولا تَتْبَعُ في الفُسُوخِ] (2)، فأشْبَهَتْ زِيادَةَ المَبِيعِ المَرْدُودِ بعَيب.
وإن كان البَدَلُ تالِفًا، فعليه مِثْلُه، أو قِيمَتُه إن لم يَكُنْ مِن ذَوَاتِ الأمْثالِ.
2357 -
مسألة: (وإن غَصَب عَصِيرًا فتَخَمَّرَ، فعليه)
مِثْلُه؛ لأنَّه تَلِفَ في يَدِه.
فإن صار خَلًّا وَجَبَ رَدُّه (وما نَقَص مِن قِيمَةِ العَصِيرِ)12
..................................
ويَسْتَرْجِعُ ما أَدَّاه مِن بَدَلِه.
وقال بعضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَرُدُّ الخَلَّ، ولا يَسْتَرْجِعُ البَدَلَ، لأنَّ العَصِيرَ تَلِفَ بتَخَمُّرِه، فوَجَبَ ضَمانُه، فإن عادَ خَلًّا، كان كما لو هَزَلَتِ الجارِيَةُ السَّمِينَةُ، ثم عادَ سِمَنُها، فإنَّه يَرُدُّها وأَرْشَ نَقْصِها.
ولَنا، أنَّ الخَلَّ عَينُ العَصِيرِ، تَغَيَّرَتْ صِفَتُه، وقد رَدَّه، فكان له اسْتِرْجاعُ ما أدَّاه بَدَلًا عنه, كما لو غَصَبَه فغَصَبَه منه غاصِبٌ ثم رَدَّه عليه، وكما لو غصَب حَمَلًا فصار كَبْشًا.
وأمَّا السِّمَنُ الأوَّلُ فلَنَا فيه مَنْعٌ، وإن سَلَّمْناه، فالثانِي غيرُ الأوَّلِ، بخِلافِ مسألتِنا.
فصل: إذا غَصَب أثْمانًا، فطَالبَه مالِكُها بها في بَلَدٍ آخَرَ، وَجَب رَدُّها إليه؛ لأنَّ الأثْمانَ قِيَمُ الأَمْوالِ، فلا يَضُرُّ اخْتِلافُ قِيمَتِها.
وإن كان المَغْصُوبُ مِن المُتَقَوَّماتِ، لَزِمَ دَفْعُ قِيمَتِه في بَلَدِ الغَصْبِ.
وإن كان مِن