الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 5-44

كِتَابُ الْعِدَدِ الأصْلُ في وُجُوبِ العِدَّةِ، الكِتابُ والسُّنَّةُ والإِجْماعُ؛ أمَّا الكِتابُ فقولُه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 1. وقولُه سبحانه: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾ 2. وقولُه سبحانه: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ 3. وأمَّا السُّنَّةُ، فقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ لِامْرَأةٍ تُومِنُ بِاللهِ واليَوْمِ الآخِرِ، أن تُحِدَّ على مَيِّتٍ فوْقَ ثَلَاثٍ، إلَّا على زَوْجٍ، أرْبَعه أشْهُرٍ وعَشْرًا» 4.

###: باب

الطيب للمرأة عند غسلها من المحيض، من كتاب الحيض، وفي: باب حد المرأة على غير زوجها، من كتاب الجنائز، وفي: باب تحد المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرا، وباب تلبس الحادة ثياب العصب، وباب الكحل للحادة، من كتاب الطلاق.
صحيح البخاري 1/ 85، 2/ 99، 7/ 76، 77. ومسلم، في: باب وجوب الإحداد في عدة الوفاة وتحريمه في غير ذلك إلا ثلاثة أيام، من كتاب الرضاع.
صحيح مسلم 2/ 1123 - 1127. وأبو داود، في: باب إحداد المتوفى عنها زوجها، وباب فيما تجتنب المعتدة في عدتها، من كتاب الطلاق.
سنن أبي داود 1/ 535 - 537. والترمذي، في: باب ما جاء في =

كُلُّ امْرأَةٍ فَارَقَهَا زَوْجُهَا فِي الْحَيَاةِ قَبْلَ الْمَسِيسِ وَالْخَلْوَةِ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيهَا،  وقال لفاطمةَ بنتِ قَيس: «اعْتَدِّي في بَيتِ ابنِ أمِّ مَكْتُومٍ» (1). في آيٍ وأحاديثَ كثيرةٍ.
وأجْمَعَتِ الأمَّةُ على وُجُوبِ العِدَّةِ في الجُمْلَةِ، وإنَّما اخْتَلَفُوا في أنْواعٍ منها.

3839 -

مسألة. (كلُّ امْرَأةٍ فارَقَها زَوْجُها في الحَياةِ قبلَ المَسِيسِ وَالخَلْوَةِ)

بها (فلا عِدَّةَ عليها) أجْمَع العُلَماءُ على ذلك، لقولِ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ 2. ولأنَّ العِدَّةَ إنَّما وَجَبَتْ في الأصْلِ لِبراءَةِ الرَّحِمِ، وقد تَيَقَّنَّاها 3 ههُنا.1
= عدة المتوفى عنها زوجها، من أبواب الطلاق.
عارضة الأحوذي 5/ 172، 173. والنسائي، في: باب الإحداد، وباب سقوط الأحداد في الكتابية المتوفى عنها زوجها، وباب ما تجتنب الحادة من الثياب المصبغة، وباب الخضاب للحادة، من كتاب الطلاق.
المجتبى 6/ 164 - 168. وابن ماجه، في: باب هل تحد المرأة على غير زوجها، من كتاب الطلاق.
سنن ابن ماجه 1/ 674. والدارمي، في: باب النهي للمرأة عن الزينة في العدة، من كتاب الطلاق.
سنن الدارمي 2/ 167، 168. والإمام مالك، في: باب ما جاء في الإحداد، من كتاب الطلاق.
الموطأ 2/ 597، 598. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 85، 6/ 37، 184، 249، 281، 286، 287، 324 - 326، 408، 426.

وَإِنْ خَلَا بِهَا وَهِيَ مُطَاوعَةٌ، فَعَلَيهَا الْعِدَّةُ، سَواءٌ كَانَ بِهِمَا أَوْ بِأَحَدِهِمَا مَانِعٌ مِنَ الوَطْءِ، كَالْإِحْرَامِ والصِّيامِ والحَيضِ وَالنِّفَاسِ والمَرَضِ وَالْجَبِّ وَالْعُنَّةِ، أَوْ لَمْ يَكُنْ،  فصل: وتَجِبُ العِدَّةُ على الذِّمِّيَّةِ مِن الذِّمِّيِّ والمسلمِ.
وقال أبو حنيفةَ: إن لم يكُنْ مِن دِينِهم، لم يَلْزَمْها؛ لأنَّهم لا يُخاطَبُونَ بفُرُوعِ الإِسْلامِ.
ولَنا، عُمُومُ الآياتِ، ولأنَّها بائِنٌ بعدَ الدُّخُولِ، أشْبَهَتِ المُسْلِمةَ 1. وعِدَّتُها كعِدَّةِ المُسْلِمةِ، في قولِ علماءِ الأمْصارِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وهو قولُ مالِكٍ.
ورُويَ عنه أنَّه قال: تَعْتَدُّ مِن الوَفاةِ بحَيضَةٍ.
ولَنا، عُمُومُ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾.
ولأنَّها مُعْتَدَّة مِن الوَفاةِ، أشْبَهَتِ المُسْلِمةَ.

3840 -

مسألة: (وإن خَلَا بها وهِي مُطاوعَةٌ، فعليها العِدَّةُ، سَواءٌ كان بهما أو بأحَدِهما مانِعٌ مِن الوَطْءِ، كالإِحْرامِ وَالصِّيامِ والحَيضِ والنِّفاسِ والمَرَضِ والجَبِّ والعُنَّةِ، أو لم يَكُنْ، إلَّا أن لا يَعْلَمَ بها، كالأعْمَى والطِّفلِ، فلَا عِدَّةَ عليها)

وجُملَةُ ذلك، أنَّ العِدَّةَ تَجِبُ على

..................................  مَن خَلَا بها زَوْجُها ولم يَمَسَّها.
ولا خِلَافَ بينَ أهْلِ العلمِ في وُجُوبِها على المُطَلَّقَةِ بعدَ المَسِيسِ، فأمَّا إن خَلَا بها ولم يُصِبْها، ثم طَلَّقَها، فإن العِدَّةَ تَجِبُ عليها.
رُوِيَ ذلك عن الخُلفاءِ الرَّاشِدين، وزيدٍ، وابنِ عمرَ.
وبه قال عُرْوَةُ، وعليُّ بنُ الحُسَينِ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، وإسْحاقُ، وأصْحابُ الرَّأْي، والشافعيُّ في قديمِ قَوْلِه.
وقال في الجَديدِ: لا عِدَّةَ عليها؛ لقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.
وهَذا نَصٌّ، ولأنَّها مُطَلَّقَةٌ لم تُمَسَّ فأشْبَهَتْ مَن لم يَخْلُ بها.
ولَنا، إجْماعُ الصَّحابةِ، فروَى الإمامُ أحمدُ، والأثْرَمُ، بإسْنادِهما عن زُرَارَةَ بنِ أَوْفَى 1، قال: قَضَى الخُلَفاءُ الراشدون أنَّ مَن أرْخَى سِتْرًا، أو أغْلَقَ بابًا، فقد وجَبَ المَهْرُ، وَوَجَبَتِ العِدَّة 2. ورواه الأثْرَمُ أيضًا عن عمرَ وعليٍّ، وعن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ،

..................................  عن عمرَ وزَيدِ بنِ ثابتٍ.
وهذه قَضَايا اشْتَهَرَتْ، فلم تُنْكَرْ، فصارَتْ إجْماعًا.
وضَعَّفَ أحمدُ ما رُوِيَ في خِلافِ ذلك، وقد ذكرْناه في كِتابِ 1 الصَّداقِ.
ولأنَّه عَقْدٌ على المنافِعِ، فالتَّمْكِينُ فيه يَجْرِي مَجْرى الاسْتِيفاءِ في الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ، كعَقْدِ الإِجارَةِ، والآيةُ مَخْصُوصةٌ بما ذكَرْناه، ولا يَصِحُّ القياسُ على مَن لم يَخْلُ بها؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منها التَّمْكِينُ.
ولا فَرْقَ بينَ أن يَخْلُوَ بها مع المانِعِ مِن الوَطْءِ أو مع عَدَمِه، وسَواءٌ كان المانِعُ حَقِيقيًّا؛ كالجَبِّ والعُنَّةِ والرَّتْقِ، أو شَرْعِيًّا؛ كالصَّوْمِ والإِحْرامِ والحَيضِ والنِّفَاسِ والظِّهَارِ؛ لأنَّ الحُكْمَ عُلِّقَ ههُنا على الخَلْوَةِ التي هي مَظِنَّةُ الإِصابَةِ دُونَ حَقِيقَتِها، ولهذا لو خَلَا بها فأتَتْ بولَدٍ لمُدَّةِ الحَمْلِ،

إلا أَنْ لَا يَعْلَمَ بِهَا، كَالْأَعْمَى وَالطِّفْلِ، فَلَا عِدَّةَ عَلَيهَا.
لَحِقَه نَسَبُه، وإن لم يَطَأْها.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ أنَّ الصَّداقَ لا يكْمُلُ معِ وُجُودِ المانعِ، فكذلك يُخَرجُ في العِدَّةِ.
ورُوِيَ عنه أن صَوْمَ شَهْرِ رمضان يَمْنَعُ كَمال الصَّداقِ مع الخَلْوَةِ، وهذا يدُلُّ على أنَّ (1) المانِعَ متى كان مُتَأكِّدًا، كالإِحْرامِ وشِبْهِه، مَنَع (2) كمال الصَّداقِ، ولم تَجِبِ العِدَّةُ؛ لأنَّ الخَلْوَةَ إنَّما أُقِيمَتْ تُقامَ المَسِيسِ لأنَّها مَظَنَّةٌ له، ومع المانعِ لا تَتَحَقَّقُ المَظِنَّةُ.

3841 -

مسألة: (إلَّا أنْ لا يَعْلَمَ بها، كالأَعْمَى والطِّفْلِ، فلا عِدَّةَ عليها)

ولَا يَكْمل صَداقُها؛ لأن المَظِنَّةَ لا تَتَحَقَّقُ، وكذلك إن كانت صَغِيرَةً لَا يُوطَأُ مِثْلُها، أو لم تَكنْ مُطاوعَةً؛ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ المَظِنَّةِ مع ظُهُورِ اسْتِحَالةِ المَسِيسِ.12

وَالْمُعْتَدَّاتُ عَلَى سِتَّةِ أَضْرُبٍ؛ إِحْدَاهُنَّ، أُولَاتُ الأَحْمَالِ، أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، حَرَائِرَ كُنَّ أَوْ إِمَاءً، مِنْ فُرْقَةِ الْحَيَاةِ أَو الْمَمَاتِ.
(والمُعْتَدَّاتُ على سِتَّةِ أضْرُبٍ؛ أحَدُها، أُولَاتُ الأحْمالِ، أجَلُهُنَّ أن يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ، حَرائِرَ كُنَّ أو إماءً، مِن فُرْقَةِ الحَياةِ أو المَماتِ) كلُّ امرأةٍ حاملٍ مِن زَوْجٍ، إذا فارقَتْ زَوْجَها بطلاقٍ أو فسخٍ أو موتِه عنها، حُرَّةً كانت أو أمَةً، مُسْلِمةً أو كافرَةً، فعِدَّتُها بوضْعِ الحَمْلِ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
وهذا إجْماعُ أهلِ العلمِ 1، إلَّا أنَّه رُوِيَ عن ابنِ عَباسٍ، وعن عليٍّ مِن وَجْهٍ، أن المُتَوَفَّى عنها.
زَوْجُها تَعْتَدُّ بأطْوَلِ 2 الأجَلَين.
وقاله أبو السَّنابلِ بنُ بَعْكَكٍ 3، في حَياةِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَرَدَّ عليه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - قولَه 4. وقد رُوِيَ

..................................  أن ابنَ عَباسٍ رَجَعَ إلى قَوْلِ الجماعةِ لمَّا بَلَغه حَديثُ سُبَيعَةَ 1. وكَرِهَ الحسنُ، والشَّعْبِيُّ، أن تنْكحَ في 2 دَمِهَا.
وحُكِيَ عن إسْحاقَ، وحَمادٍ، أنَّ عِدَّتَها لا تَنْقَضِي حتى تَطْهُرَ.
وأبَى سائِرُ أهلِ العلمِ هذا القولَ، وقالوا: لو وَضَعَتْ بعدَ ساعةٍ مِن وفاةِ زَوْجِها، حَلَّ لها أن تَتَزَوَّجَ، ولكن لا يَطَؤُها زَوْجُها حتى تَطْهُرَ مِن نِفاسِها وتَغْتَسِلَ، وذلك لقَوْلِ اللهِ تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
ورُوِيَ عن أُبَيِّ بنِ 3 كَعْبٍ، قال: قلتُ للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا والمُتَوَفى عنها زَوْجُها؟ قاك: «هِيَ لِلْمُطَلَّقَةِ ثَلاثًا، والمُتَوَفَّى عَنْهَا 4». وقال ابنُ مسعودٍ: مَن شاء باهَلْتُه -أو- لاعَنْتُه، أنَّ الآيةَ التي في سُورةِ النِّساءِ القُصْرَى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
نَزَلَتْ بعدَ التي في سورةِ البقرةِ: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا﴾ 5. يعني أنَّ هذه الآيةَ هي الأخيرةُ، فتُقَدَّمُ على ما

..................................  خَالفَها [مِن عُمومِ الآيةِ المتقدِّمةِ] 1، ويُخَصُّ بها عُمُومُها.
وروَى عبدُ اللهِ بنُ الأرْقَمِ 2، أن سُبَيعةَ الأسْلَمِيَّةَ أخْبَرَتْه أنَّها كانت تَحتَ سعدِ بنِ خوْلَةَ، وتُوُفِّيَ عنها في حَجَّةِ الوَداعِ وهي حاملٌ، فلم تَنْشَبْ 3 أن وضَعَتْ حَمْلَها بعدَ وفَاتِه، فلما تَعَلَّتْ 4 من نِفَاسِها، تجَمَّلَتْ للخُطَّابِ، فدَخَلَ عليها أبو السَّنابِلِ بنُ بَعْكَكٍ، فقال: ما لي أراكِ مُتَجَمِّلَةً، لعلَّك تَرْجِينَ النِّكاحَ؟ إنَّكِ واللهِ ما أنتِ بناكِحٍ حتى تَمُرَّ عليك أربعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ.
قالت سُبَيعَةُ: فلمَّا قال لي ذلك، جَمَعْت عليَّ ثِيابي حينَ أمْسَيتُ، فأتَيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فسألتُه عن ذلك، فأفْتانِي بأنِّي قد حَلَلْتُ حينَ وَضَعْتُ حَمْلِي، وأمَرَنِي بالتَّزْويجِ إن بَدَا لي.
مُتَّفَقٌ عليه 5.

..................................  قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حديث صحيحٌ 1، قد جاء مِن وُجُوهٍ شَتَّى، كلُّها ثابتةٌ، إلَّا ما رُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، ورُوِيَ عن عليٍّ مِن وَجْهٍ مُنْقَطِعٍ.
ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ حامِلٌ، فتَنْقَضِي عِدَّتُها بوَضْعِه كالمُطَلَّقَةِ، يُحَقِّقُه أن العِدَّةَ إنَّما شُرِعَتْ لمَعْرِفةِ بَراءَتِها مِن الحملِ، وَوَضْعُه أدَلُّ الأشْياءِ على البَراءَةِ منه، فوَجَبَ أن تنْقَضِيَ به العِدَّةُ، ولأنَّه لا خِلافَ في بَقاءِ العِدَّةِ بِبقاءِ الحملِ، فوَجَبَ أن تنْقَضِيَ به، كما في حَقِّ 2 المُطَلَّقَةِ.
فصل: وإذا كان الحَمْلُ واحِدًا، انْقَضَتِ العِدَّةُ بوَضْعِه، وانْفِصالِ جَميعِه، وإن ظَهَرَ بعضه، فهي في عِدَّتِها حتى يَنْفَصِلَ باقِيه، لأنَّها لا تكونُ واضِعَةً لحَمْلِها حتى يَخْرُجَ كله.
وإن كان الحَمْلُ اثْنَينِ أو أكْثَرَ، لم تَنْقَضِ عِدَّتُها إلَّا بوَضْعِ الآخِرِ، لأنَّ الحملَ هو الجميِعُ.
هذا قولُ جماعةِ أهلِ العلمِ، إلَّا أبا قِلابَةَ وعِكْرِمَةَ، فإنَّهما قالا: تنْقَضِي عِدَّتُها بوَضْعِ الأوَّلِ، ولا تَتَزوَّجُ حتى تَضَعَ الآخِرَ.
وذكرَ ابنُ أبي شَيبَةَ 3، عن قَتادَةَ، عن عِكْرِمَةَ، أنَّه قال.
إذا وَضَعَتْ أحَدَهُما، فقد انْقَضَتْ

وَالْحَمْلُ الَّذِي تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ، ما يَتَبَيَّنُ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ، فَإِنْ وَضَعَتْ مُضْغَةً لَا يَتَبَيَّنُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ، فَذَكَرَ ثِقَاتٌ مِنَ النِّسَاءِ أَنَّهُ مُبْتَدَأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، فَهَلْ تَنْقَضِي بِهِ الْعِدَّةُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
عِدَّتُها.
قيل له: أفَتَتَزَوَّجُ؟ قال: لا.
قال قَتادَةُ: خُصِمَ العَبْدُ.
وهذا قولٌ شاذٌّ، يُخالِفُ ظاهِرَ الكِتابِ وقولَ أهْلِ العلمِ والمَعْنَى، فإن العِدَّةَ شُرِعَتْ لمَعْرِفَةِ البَراءَةِ مِن الحَمْلِ، فإذا عُلِمَ وُجُودُ الحَمْلِ، فقد تَبَيَّنَ وُجُودُ المُوجِبِ لِلعِدَّةِ، وانْتَفَتِ البَراءَةُ المُوجِبَةُ لانْقِضائِها، ولأنَّها لو انْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضعِ الأوَّلِ، لأُبِيحَ 1 لها النِّكاحُ، كما لو وَضَعَتِ الآخِرَ.
فإن وضَعَتْ ولَدًا، وشَكَّتْ في وُجُودِ ثَانٍ، لم تَنْقَضِ عِدَّتُها حتى تَزولَ الرِّيبَةُ، وتَتَيَقَّنَ أنَّه لم يَبْقَ معها حَمْلٌ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاؤُها، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ.

3842 -

مسألة: (والحَمْلُ الذي تَنْقَضِي به العِدَّةُ، ما يَتَبَيَّنُ فيه شَيْءٌ مِن خَلْقِ الإِنْسانِ، فإن وَضَعَتْ مُضْغَةً لا يَتَبَيَّنُ فيها شَيْءٌ مِن ذلك، فذَكَرَ ثِقَاتٌ مِن النِّساءِ أنَّه مُبْتَدأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، فهل تَنْقَضِي به العِدَّةُ؟ على رِوايَتَين)

وجملةُ ذلك، أنَّ المرأةَ إذا ألْقَتْ بعدَ فُرْقَةِ زَوْجِها شيئًا، لم تَخْلُ

..................................  مِن خَمْسةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن تَضَعَ ما بان فيه خَلْقُ آدَمِيٍّ، مِن الرَّأْسِ واليَدِ والرِّجْلِ، فتَنْقَضِي به العِدَّة، بغيرِ خِلافٍ بينهم.
قال ابن المُنْذِرِ: أجْمَعَ كل مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ عِدَّةَ المرأةِ تَنْقَضِي بالسَّقْطِ إذا عُلِمَ أنَّه وَلَدٌ، وممَّن نَحْفَظُ عنه ذلك، الحسن، وابنُ سِيرِينَ، وشرَيحٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأحمدُ، وإسْحاقُ.
قال الأثْرَمُ: قلت لأبي عبدِ اللهِ: إذا نُكِسَ في الخلقِ الرابعِ -يعني تَنْقَضِي به العِدَّةُ؟ فقال: إذا نُكِسَ في الخَلْقِ الرابعِ، فليس فيه اخْتِلافٌ، ولكن إذا تَبَيَّنَ [خَلْقُه، هذا أدَلُّ] 1. وذلك لأنَّه إذا بانَ فيه شيءٌ مِن خَلْقِ الآدَمِيِّ، عُلِمَ أنَّه حَمْلٌ، فيَدْخُل في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
الحالُ الثَّاني، ألْقَت نطْفَةً أو دَمًا، لا تَدْرِى هل هو ما يُخْلَق منه آدَمِيٌّ أو لا؟ فهذا لا يَتَعَلَّق به شيءٌ مِن الأحْكامِ؛ لأنَّه لم يَثْبُتْ أنَّه

..................................  ولَا بالمُشاهَدَةِ ولا بالبَيِّنةِ.
الحالُ الثالثُ، ألْقَتْ مُضْغَةً لم تَبِنْ فيها الخِلْقةُ، فشَهِدَ ثِقَاتٌ مِن القَوابِلِ، أنَّ فيه صُورَةً خَفِيَّةً، بانَ بها 1 أنَّها خِلْقةُ آدَمِيٍّ، فهذا في حُكْمِ الحالِ الأولِ.
الحالُ الرابعُ، ألْقَتْ مُضْغَةً لا صُورَةَ فيها، فَشَهِدَ ثِقات مِن القَوابِلِ أنَّه مُبْتَدا خَلْقِ آدَمِيٍّ، فاخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، فنقَلَ 2 أبو طالبٍ أنَّ عِدَّتَها لا تَنْقَضِي به، ولا تَصِيرُ به أُمَّ وَلَدٍ؛ لأنَّه لم يَبِنْ فيه خَلْقُ آدَمِيٍّ 3، أشْبَهَ الدَّمَ.
وقد ذُكِرَ هذا قوْلًا للشَّافِعِيِّ.
وهو اخْتيارُ أبي بكرٍ.
ونَقَلَ الأثْرَمُ عن أحمدَ أنَّ عِدَّتَها لا تَنْقَضِي به، ولكن تصيرُ أُمَّ ولَدٍ؛ لأنَّه مَشْكُوكٌ في كَوْنِه ولدًا، فلم يُحْكَمْ بانْقِضاءِ العِدَّة المُتَيَقَّنةِ بأمْر مَشْكُوكٍ فيه، ولم يَجُزْ بَيعُ الأمَةِ الوالدةِ له مع الشَّكِّ في رِقِّها، فيثْبُتُ كَوْنُها أُمَّ ولدٍ احْتِيَاطًا، ولا تَنْقَضِي العِدَّةُ احْتِياطًا.
ونَقَلَ حَنْبَلٌ أنَّها تَصِيرُ أُمَّ ولدٍ، ولم يَذْكُرِ العِدَّةَ، فقال بعضُ أصْحابِنا: على هذا تَنْقَضِي به العِدَّةُ.
وهو قولُ الحسنِ.
وظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنهم شَهِدُوا بأنَّه خِلْقَةُ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ ما لو تَصَوَّرَ.
قال شيخنا 4: والصَّحِيحُ أن هذا ليس رِوايةً في العِدَّةِ؛ لأنَّه لم يَذْكُرْها (3)،

..................................  ولم يتَعَرَّضْ لها.
الحالُ الخامسُ، أن تَضَعَ مُضْغَةً لا صُورةَ فيها، ولم تَشْهَد القَوابلُ بأنَّها مُبْتَدأُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، فلا تَنْقَضِي به العِدَّةُ، ولا تَصِيرُ به الأمَةُ أُمَّ ولَدٍ؛ لأنَّه 1 لم يَثْبُتْ كَوْنُه ولدًا بِبيِّنَةٍ ولا مُشاهَدَةٍ، فأشْبَهَ العَلَقَةَ.
ولا تَنْقَضِي العِدَّةُ بوَضْعِ ما قبلَ المُضْغَةِ بحالٍ، سَواءٌ كان نُطْفَةً أو عَلَقَةً، وسَواءٌ قيل: إنَّه بَدْءُ خلقِ آدَمِيٍّ.
أو لم يُقَلْ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: أمَّا إذا كان عَلَقَةً، فليس بشيءٍ، إنَّما هو دَمٌ، لا تَنْقَضِي بها عِدَّةٌ، ولا تَعْتِقُ بها أمَةٌ.
ولا نَعْلَمُ في هذا مُخالِفًا، إلَّا الحسنَ فإنَّه قال: إذا عُلِمَ أنَّها حَمْلٌ، انْقَضَتْ به العِدّةُ، وفيه الغُرَّةُ.
والأوَّلُ أصَحُّ، وعليه الجُمْهورُ.

وَإنْ أتَتْ بِوَلَدٍ لَا يَلْحَقُهُ نَسَبُهُ، كَامْرَأةِ الطِّفْلِ، لَمْ تَنْقَضِ عِدَّتُهَا بِهِ.
وَعَنْهُ، تَنْقَضِي بِهِ.
وَفِيهِ بُعْدٌ.

3843 - مسألة: (وإن أتَتْ بِوَلَدٍ لا يَلْحَقُه نَسَبُه، كامْرأةِ الطِّفْلِ، لم تَنْقَضِ به العِدَّةُ. وعنه، تَنْقَضِي. وفِيهِ بُعْدٌ)

إذا أتَتْ بولدٍ بعدَ أرْبَعِ سِنِينَ منذُ مات، أو بانتْ منه بطَلاقٍ أو فَسْخٍ، أو انْقِضاءِ عِدَّتِها إن كانت رَجْعِيَّةً، لم يَلْحَقْه وَلَدُها؛ لأنَّا نَعْلَمُ أنَّها عَلِقَتْ به بعدَ زَوالِ النِّكاحِ والبَينُونَةِ منه، وكَوْنِها قد صارَتْ أجْنَبِيَّةً منه، فأشْبَهَتْ سائِرَ الأجْنَبِيَّاتِ.
فعلى هذا، لا تَنْقَضِي به العِدَّةُ.
وهو ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه يَنْتَفِي عنه بغيرِ لِعانٍ، فلم تَنْقَضِ عِدَّتُها به، كما لو أتَتْ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُر منذُ نَكَحَها.
وقال أبو الخَطَّابِ: هل تَنْقَضِي به العِدَّةُ؟ على وجْهَين.
وذكرَ القاضي أنَّ عِدَّتَها تَنْقَضِي به.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه وَلَا يُمْكِنُ أن يكونَ منه بعدَ نِكاحِه، بأن يكونَ قد وَطِئَها بشُبْهَةٍ، أو جَدَّدَ نِكاحَها، فوَجَب أن تَنْقَضِيَ به العِدَّةُ وإن لم يَلْحَقْ به، كالوَلَدِ المَنْفِيِّ باللِّعانِ، وبهذا فارَقَ الذي أتَتْ به لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُر، فإنَّه

..................................  يَنْتَفِي عنه يَقِينًا.
ثم ناقَضُوا قولَهم، فقالوا: لو تَزَوَّجَتْ في عِدَّتِها، وأتَتْ بولدٍ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مِن حينَ دَخَلَ بها الثاني، ولأكْثَرَ مِن أرْبعِ سِنِينَ مِن حِينَ بانَتْ مِن الأوَّلِ، فالوَلَدُ مُنْتَفٍ عنهما، ولا تَنْقَضِي عِدَّتُها بوَضْعِه عن واحدٍ منهما.
وهذا أصَحُّ؛ فإنَّ احْتِمال كَوْنِه منه لم يَكْفِ في إثْباتِ نَسَبِ الولَدِ منه.
مع أنَّه يَثْبُتُ بِمُجَرَّدِ الإِمْكانِ، فَلأن لا يَكْفِيَ في 1 انْقِضاءِ العِدَّةِ أَوْلَى وأَحْرَى.
وما ذكَرُوه مُنْتَقِضٌ بما سَلَّمُوه.
وما ذكَرُوه مِن الفَرْقِ بينَ هذا وبينَ الذي أتَتْ به قبلَ سِتَّةِ أشْهُرٍ غيرُ صَحِيحٍ؛ فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يكونَ أصابَها قبلَ نِكاحِها بشُبْهَةٍ، أو بنكاحٍ غيرِ هذا النِّكاحِ الذي أتَتْ بالولَدِ فيه، فاسْتَوَيا.
وأمَّا المَنْفِيُّ بِلِعانٍ فإنَّنا نَفَينَا الولَدَ عن الزَّوْجِ بالنِّسْبةِ إليه، ونَفَينا حُكْمَه في كَوْنِه منه بالنِّسْبَةِ إليها، حتى أوْجَبْنا الحَدَّ على قاذِفِها وقاذِفِ وَلَدِها، وانْقِضاءُ العِدَّةِ مِن الأحْكامِ المُتَعَلِّقَةِ بها دُونَه، فثَبَتَتْ.
فصل: فأمَّا امرأةُ الطفلِ الذي لا يُولَدُ لمِثْلِه إذا مات عن زَوْجَةٍ،

..................................  فوَلَدَتْ، لم يَلْحَقْه نَسَبُه، ولم تَنْقَضِ به عِدَّتُها، [وتَعْتَدُّ] 1 بالأشْهُرِ.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: إن مات وبها حَمْلٌ ظاهِرٌ، اعْتَدَّتْ عنه بالوَضْعِ، فإن ظهرَ الحَمْلُ بها بعدَ مَوْتِه، لم تَعْتَدَّ به.
وقد رُوِيَ عن أحمدَ في الصَّبِيِّ مثلُ قولِ [أبي حنيفةَ.
وذكَرَه] (1) ابنُ أبي مُوسى.
قال أبو الخَطَّابِ: وفيه بُعْدٌ.
وهكذا الخِلافُ فيما إذا تَزَوَّجَ امرأةً، ودَخَلَ بها، وأتَتْ بولَدٍ لدُونِ سِتَّةِ أشْهُر مِن حينِ عَقْدِ النِّكاحِ، فإنَّها لا تَعْتَدُّ بوَضْعِه عندَنا، وعندَه تَعْتَدُّ به، واحْتَجَّ بقولِه سبحانه: ﴿وَأُولَاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾.
ولَنا، أنَّ هذا حَمْلٌ مَنْفِيٌّ عنه يَقِينًا، فلم تَعْتَدَّ بوضْعِه، كما لو ظَهَرَ بعدَ مَوْتِه، والآيةُ واردةٌ في المُطَلَّقاتِ، ثم هي مخْصُوصَة بالقِياسِ الذي ذكرْناه.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ عِدَّتَها تَنْقَضِي بوَضْعِ الحَمْلِ مِن الوَطْءِ الذي عَلِقَتْ به منه، سواغ كان هذا الولَدُ مُلْحَقًا بغيرِ الصَّغِيرِ، مثلَ أن يكونَ مِن عَقْدٍ فاسدٍ، أو وَطْءٍ بِشُبْهَة، أو كان من زِنًى لا يَلْحَقُ بأحدٍ؛ لأنَّ العِدَّةَ تجبُ مِن كلِّ وطْءٍ، فإذا وَضَعَتْه اعْتَدَّتْ مِن الصَّبِيِّ بأرْبَعةِ أشْهُر وعَشْرٍ؛ لأنَّ العِدَّةَ مِن رَجُلَين لا يَتَداخَلان.
وإن

وَأقَلُّ مُدَّةِ الْحَمْلِ سِتَّةُ أشْهُر، وَغَالِبُهَا تِسْعَة، وَأكْثَرُهَا أرْبَعُ  كانتِ الفُرْقَةُ في الحياةِ بعدَ الدُّخُولِ، كزَوْجةِ كبيرٍ (1) دَخَلَ بها، ثم طَلَّقها، وأَتتْ بولَدٍ لِدُونِ سِتَّةِ أشْهُر منذُ تَزَوَّجَها، فإنَّها تَعْتَدُّ بعدَ وَضْعِه بثَلاثةِ قُرُوءٍ.
وكذلك إذا طَلَّقَ الخَصِيُّ (2) المَجْبُوبُ امْرأتَه، أو مات عنها، فأتَتْ بولدٍ، لم يَلْحَقْه نَسَبُه، ولم تَنْقَضِ عِدَّتُها بوَضْعِه، وتَنْقَضِي به عِدَّةُ الوَطْءِ، ثم تسْتَأنِفُ عِدَّةَ الطَّلاقِ أو عِدَّةَ الوَفاةِ، على ما بَيناه.
وذكَر القاضي أنَّ ظاهِرَ كلامِ أحمدَ، أنَّ الوَلَدَ يَلْحَقُ به؛ لأنه قد يُتَصَوَّرُ منه الإِنْزالُ، بأن يَحُكَّ مَوْضِعَ ذَكَرِه بفَرْجِها فيُنْزِلَ.
فعلى هذا القولِ يَلْحَقُ به الولَدُ، وتَنْقَضِي به العِدَّةُ.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا لا (3) يَلْحَقُ به ولدٌ، لأنَّه لم تَجْرِ به عادَة، فلا يَلْحَقُ به ولَدُها، كالصَّبِيِّ الذي لم يَبْلُغْ تِسْعَ سِنِينَ.
وكذلك إذا تَزَوَّجَ امْرأةً بحَضْرةِ الحاكمِ، ثم طَلَّقَها في المَجْلسِ، أو تَزَوَّجَ المَشْرِقِيُّ بالمَغْرِبِيَّةِ، ثم أتَتْ بوَلَدٍ، لم يَلْحَقْه، ولا تَنْقَضِي به العِدَّةُ.
وقد ذكَرْناه في البابِ الذي قبلَه، وذكَرْنا الخِلافَ فيه، وانْقِضاءُ العِدَّةِ مَبْنِيٌّ على لُحُوقِ النَّسَبِ.
واللهُ أعلمُ.

3844 -

مسألة: (وأقَلُّ مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ، وغَالِبُها تِسْعَةٌ،

123

سِنِينَ.
وَعَنْهُ، سَنَتَانِ.
وأكثَرُها أرْبَعُ سِنِينَ.
وعنه، سَنَتانِ) إنَّما كان أقَلُّ 1 مُدَّةِ الحَمْلِ سِتَّةَ أشْهُرٍ؛ لِمَا روَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن أبي الأسْودِ، أنَّه رُفِعَ إلى عمرَ أنَّ امْرأةً ولَدَتْ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ، فهَمَّ عمرُ بِرَجْمِها، فقال له عليٌّ: ليس لك ذلك، قال الله تعالى: ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَينِ كَامِلَينِ﴾ 2. وقال الله تعالى: ﴿وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا﴾ 3. فحَوْلانِ وسِتَّةُ أشْهُرٍ ثَلَاثُونَ شَهْرًا، لا رَجْمَ عليها.
فخَلَّى عمرُ سَبِيلَها، ووَلَدَتْ مَرَّةً أُخْرَى لذلك الحَدِّ 4. ورواه الأثْرَمُ أيضًا، عن عِكْرِمَةَ، أنَّ ابنَ عباسٍ قال ذلك 5. قال عاصمٌ الأحْوَلُ: فقلتُ لِعِكْرِمَةَ: إنَّه بَلَغَنا أنَّ عَلِيًّا قال هذا.
قال: فقال عِكْرِمَةُ: لا، ما قال هذا إلَّا ابنُ عباس.
وذكَرَ ابنُ قُتَيبَةَ، في «المعارفِ» 6 أنَّ عبدَ الملكِ بنَ مروانَ وُلِدَ لِسِتَّةِ أشْهُرٍ.
وهذا

..................................  قولُ مالِكٍ، والشافعيِّ، وأصْحابِ الرَّأي، وغيرِهم.
وغالِبُه تِسْعَةُ أشْهُرٍ؛ لأن غالِبَ النِّساءِ كذلك، وهذا أمْرٌ مَعْرُوفٌ بينَ الناسِ.
وأكْثَرُ مُدَّةِ الحَمْلِ أرْبَعُ سِنِينَ.
هذا ظاهِرُ المذهبِ.
وبه قال الشافعيُّ، وهو المَشْهُورُ عن مالِكٍ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنَّ أقْصَى مُدَّتِه سَنَتانِ.
رُوِيَ ذلك عن عائشةَ.
وهو مذهبُ.
الثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ؛ لِمَا رَوَتْ جَميلةُ بنت سَعْدٍ، عن عائشةَ: لا تَزِيدُ المرأةُ على السَّنَتَين في الحَمْل 1. ولأنَّ التَّقْديرَ إنَّما يُعْلَمُ بتَوْقِيفٍ 2 أو اتِّفاقٍ، ولا تَوْقِيفَ ههُنا، والاتِّفاقُ إنَّما هو على ما ذكَرْنا.
وقد وُجِدَ ذلك، فإنَّ الضَّحَّاكَ بنَ مُزَاحِم 3، وهَرِمَ بنَ حَيَّانَ 4، حَمَلَتْ أُمُّ كلِّ واحدٍ منهما به سَنَتَين.
وقال اللَّيثُ: أقْصاهُ ثَلاثُ 5 سِنِينَ، حَمَلَتْ مَوْلاةٌ لعمرَ بنِ [عبدِ الله] 6 ثَلاثَ سِنِينَ.
وقال عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ: خَمْسُ سِنِينَ.
وعن الزُّهْرِيِّ قال: قد تَحْمِلُ المرأةُ ستَّ سِنِينَ، وسَبْعَ سِنِينَ.
وقال أبو عُبَيدٍ: ليس لأقْصاه وَقْتٌ يُوقَف عليه.

..................................  ولَنا، أنَّ ما لَا نَصَّ فيه يُرْجَعُ فيه إلى الوُجُودِ، وقد وُجِدَ الحَمْلُ أرْبَعَ سِنِينَ، فروَى الوَلِيدُ بنُ سلِم، قال: قلتُ لمالِكٍ: حَدِيثُ جَميلةَ بنتِ سَعْدٍ، عن عائشةَ: لا تَزِيدُ المرأةُ على السَّنَتَين في الحَمْلِ.
قال مالكٌ: سُبْحانَ اللهِ، مَن يقولُ هذا؟ هذه جارَتُنا امرأةُ محمدِ بنِ عَجْلانَ تَحْمِلُ أرْبعَ سِنِينَ قبلَ أن 1 تَلِدَ 2. وقال الشافعيُّ: بَقِيَ محمدُ بنُ عَجْلانَ في بَطْنِ أُمِّه أرْبَعَ سِنِينَ 3. قال أحمدُ: نِساءُ بني عَجْلانَ يَحْمِلْنَ أرْبَعَ سِنِينَ، وامرأةُ عَجْلانَ حَمَلَتْ ثَلاثَ بُطُونٍ، كلَّ دَفْعَةٍ أرْبَعَ سِنِينَ.
وبَقِيَ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ الحسنِ بنِ [الحَسنِ بنِ] 4 عليٍّ في بَطْنِ أُمِّه أرْبَعَ سِنِينَ.
وهكذا إبْراهيمُ بنُ نَجِيح العُقَيليُّ.
حَكَى ذلك أبو الخَطَّابِ.
وإذا تَقَرَّرَ وُجُودُه، وجَبَ أن يُحْكَمَ به، ولا يُزادَ عليه؛ لأنَّه ما وُجِدَ، ولأنَّ عمرَ ضَرَبَ لامْرأةِ المَفْقُودِ أرْبَعَ سِنِينَ، ولم يَكُنْ ذلك إلَّا لأنَّه غايةُ 5 الحَمْلِ.
ورُوِيَ ذلك عن عثمانَ، وعلي، وغيرِهما.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّ

وَأقَلُّ مَا يَتَبَيَّنُ بِهِ الْوَلَدُ أَحَدٌ وَثَمانُونَ يَوْمًا.
المرأةَ إذا وَلَدَتْ لأرْبَعِ سِنِينَ فما دُونَ (1)، مِن يَوْم موتِ الزَّوْج أو طَلاقِه، ولم تكنْ تَزَوَّجَتْ، ولا وُطِئَتْ، ولا انْقَضَت عِدَّتُها بالقُرُوءِ، ولا بوَضْعِ الحَمْلِ، فإنَّ الوَلَدَ لاحِقٌ بالزَّوْجِ، وعِدَّتُها تَنْقَضِي به (2).

3845 -

مسألة: (وأقَلُّ ما يَتَبَيَّنُ به الوَلَدُ أحَدٌ وثَمانُونَ يَوْمًا)

وهو أقَلُّ ما تَنْقَضِي بهِ العِدَّةُ مِن الحَمْلِ، وهو أن تَضَعَه بعدَ ثَمانِينَ يَوْمًا مُنْذ أمْكَنَه وَطْؤُها؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ خَلْقَ أحَدِكُمْ يُجْمَعُ 3 في بَطْنِ أُمِّه، فَيَكُونُ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يَوْمًا، ثُمَّ يكُونُ عَلَقَة مِثْلَ ذَلِكَ، ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ» 4. ولا تَنْقَضِي العِدَّةُ بما دُونَ المُضْغَةِ، فوَجَبَ أن يكونَ بعدَ الثمانِينَ، فأمَّا بعدَ أرْبَعةِ أشْهُرٍ، فليس فيه إشْكالٌ؛ لأنَّه12

فَصلٌ: الثَّانِي، الْمُتَوَفَّى عَنْهَا زَوْجُهَا، عِدَّتُهَا أرْبَعَةُ أشْهُرٍ وَعَشْرٌ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَشَهْرَانِ وَخَمْسَةُ أَيَّام إِنْ كَانَتْ أمَةً، وَسَوَاءٌ مَا قَبْلَ الدُّخُولِ وبَعْدَهُ.
[يُنَكَّسُ في الخَلْقِ الرَّابع] 1. فصل: الضربُ (الثاني، المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها، فعِدَّتُها أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعشرٌ إن كانت حُرَّةً، وشَهْران وخَمْسةُ أيام إن كانت أمَةً، وسواءٌ ما قبلَ الدُّخُولِ وبعدَه) أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ عِدَّةَ الحُرَّةِ المُسْلِمةِ غيرِ ذاتِ الحَمْلِ مِن وفاةِ زَوْجِها أرْبَعةُ أشْهُرٍ وعَشْرٌ، مَدْخُولًا بها أو غيرَ مَدْخُولٍ بها، سواء كانت بَالِغَةً أو لم تَبْلُغْ؛ لقولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾ 2. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَحِلُّ لامْرَأَةٍ تُؤْمِنُ باللهِ والْيَوْمِ الآخِرِ أنْ تُحِدَّ عَلَى مَيِّتٍ فَوْقَ ثَلاثٍ، إلَّا عَلَى زَوْج، أرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وعَشْرًا».
مُتَّفَقٌ عليه 3. فإن

..................................  قيل: ألا حَمَلْتُم الآيةَ على المَدْخُولِ بها، كما قُلْتُمْ في قولِه تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ 1. قُلْنا: إنَّما خَصَصنا هذه بقولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾ 2. ولم يَرِدْ تَخْصِيصُ عِدَّةِ الوَفاةِ، ولا أمْكَنَ قِياسُها على المُطَلَّقةِ في التَّخْصِيصِ لوَجْهَين؛ أحدُهُما 3، أنَّ النِّكاحَ عَقْدُ عُمْرٍ، فإذا مات انْتَهَى، والشيءُ إذا انْتَهَى تقرَّرَتْ أحْكامُه، كتَقَرُّرِ أحْكامِ الصِّيامِ بدُخُولِ اللَّيلِ، وأحْكامِ الإجارَةِ بانْقِضائِها، والعِدَّةُ مِن أحْكامِه.
الثاني، أنَّ المُطَلَّقةَ إذا أتَتْ بولَدٍ يُمْكِنُ الزَّوْجَ تَكْذِيبُها ونَفْيُه باللِّعانِ، وهذا مُمْتَنِعٌ في حَقِّ المَيِّتِ، فلا يُؤمَنُ أن تَأتِيَ بولَدٍ، فيَلْحَقَ المَيِّتَ نَسَبُه، وما له مَن يَنْفِيه، فاحْتَطْنا بإيجابِ العِدَّةِ عليها لحِفْظِها عن التَّصَرُّفِ والمَبِيتِ في غيرِ مَنْزِلِها، حِفْظًا لها.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه لا يُعْتَبَرُ وُجُودُ الحَيضِ في عِدَّةِ الوَفاةِ، في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
وحُكِيَ عن

..................................  مالكٍ، أنَّها إذا كانت مَدْخولًا بها، وجَبَت أرْبَعة أشْهُرٍ وعَشْرٌ فيها حَيضَةٌ.
واتِّباعُ الكِتابِ والسُّنَّةِ أوْلَى، ولأنَّه لو اعْتبِرَ الحَيضُ في حَقِّها، لَاعْتبِرَ ثَلاثَةَ قُروءٍ، كالمُطَلَّقَةِ.
وهذا الخِلافُ مخْتَصٌّ بذاتِ القروءِ، فأمَّا الآيِسَة والصَّغِيرة، فلا خِلافَ فيهما.
وأمَّا الأمَة المُتَوَفَّى عنها، فعِدَّتها شَهْران وخَمْسَة أيَّام، في قَوْلِ عامَّةِ أهْلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وسليمان بنُ يَسارٍ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادَةُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي، وغيرُهم، إلَّا ابنَ سِيرِينَ فإنَّه قال: ما أرَى عِدَّةَ الأمَةِ إلَّا كعِدَّةِ الحُرَّةِ، إلَّا أن تكونَ قد مَضَتْ في ذلك سُنَّةٌ، فإنَّ السُّنَّةَ أحَقُّ أن تُتَّبَعَ.
وأخَذَ بظاهِرِ اللَّفْظِ وعُمُومِه.
ولَنا، اتِّفاقُ الصَّحابةِ، رضِيَ اللهُ عنهم، على أنَّ عِدَّةَ الأمَةِ المُطَلَّقَةِ على النِّصْف مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ، فكذلك عِدَّةُ الوَفاةِ.
فصل: والعَشْرُ المُعْتَبَرَةُ 1 في العِدَّةِ هي عشْرُ لَيالٍ، فيَجِبُ عشَرةُ أيَّام مع اللَّيالِي.
وبهذا قال مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وابنُ المُنْذِرِ، وأصْحابُ الرَّأي.
وقال الأوْزاعِيُّ: يَجِبُ عَشْرُ لَيالٍ وتِسْعةُ أيام؛ لأنَّ العَشْرَ تسْتَعْمَلُ في اللَّيالِي دُونَ الأيَّامِ، وإنَّما دَخَلَتِ الأيامُ اللَّاتِي في أثْناءِ اللَّيالِي تَبَعًا.
قُلْنا: العَرَبُ تُغَلِّبُ حُكْمَ التَّأْنِيثِ في العَدَدِ خاصَّةً على

فَإِنْ مَاتَ زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ، اسْتَأْنَفَتْ عِدَّةَ الوَفَاةِ مِنْ حِينِ مَوْتِهِ، وَسَقَطَتْ عِدَّةُ الطَّلَاقِ،  المُذَكَّرِ، فتُطْلِقُ لَفْظَ اللَّيالِي وتُرِيدُ الليالِيَ بأيَّامِها، كما قال الله تَعالى لزَكَرِيَّا: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَويًّا﴾ (1). يريدُ بأيَّامِها، بدليلِ أنَّه قال في موضع آخَرَ: ﴿آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ (2). ولو نَذَرَ اعْتِكافَ العَشْرِ الأخيرِ مِن رمضانَ، لَزِمَه اللَّيالِي والأَيَّامُ.
ويقولُ القائِلُ: سِرْنا عَشْرًا.
يُرِيدُ اللَّيالِيَ بأيَّامِها.
فلم يَجُزْ نَقْلُها عن العِدَّةِ إلى الإِباحَةِ بالشَّكِّ.

3846 -

مسألة: (وإن مات زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ)

في عِدَّتِها (اسْتأنَفَتْ عِدَّةَ الوَفاةِ مِن حِينِ مَوْتِه، وسَقَطَتْ عِدَّةُ الطَّلاقِ) وهذا لا خِلَافَ فيه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ على ذلك؛12

وإنْ طَلقَهَا في الصِّحَّةِ طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ مَاتَ في عِدَّتِهَا، لَمْ تَنْتَقِلْ عَنْ عِدَّتهَا،  لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ زَوْجَةٌ يَلْحَقُها طَلاقُه، ويَنالُها مِيراثُه، فاعْتَدَّتْ للوَفاةِ، كغيرِ المُطَلَّقَةِ.
[وحَكَى في «المُحَرَّرِ» أنَّها تَعْتَدُّ أطْوَلَ الأجَلَين، وهو بَعِيدٌ] (1).

3847 -

مسألة: (وإن طَلَّقَها في الصِّحَّةِ طَلَاقًا بَائِنًا، ثُمَّ مات في عِدَّتِهَا، لم تَنْتَقِلْ عَن عِدَّتِهَا)

وتَبْنِي على عِدَّةِ الطَّلاقِ، [ولَا تَعْتَدُّ لِلوَفاةِ.
وهذا قولُ مالكٍ، والشافعيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: عليها أطْوَلُ الأجَلَين، كما لو طَلّقَها في مَرَضِ مَوْتِه.
ولَنا، قولُه سُبْحانَه: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
ولأنَّها أجْنَبِيَّةٌ منه في نِكاحِه، ومِيراثِه، والحِلِّ له، ووُقوعِ طلاقِه وظِهارِه، وتَحِلُّ له أخْتُها، وأرْبَعٌ سِوَاها، فلم تَعْتَدَّ لوفاتِه، كما لو انْقَضَتْ] (2)1

وَإِنْ كَانَ الطَّلاقُ في مَرَضِ مَوْتِه، اعْتَدَّتْ أطْوَلَ الْأجَلَينِ؛ مِنْ عِدَّةِ الطَّلَاقِ وَعِدَّةِ الْوَفَاةِ.
[عِدَّتُها.
وذكَر القاضي، في المُطَلَّقَةِ في المرضِ، أنَّها إذا كانتْ حامِلًا، تَعْتَدُّ أطْوَلَ الأجَلَينِ.
وليس بشيءٍ، فإنّ الحَمْلَ تَنْقَضِي بوَضْعِه كلُّ عِدَّةٍ، ولا يجوزُ أن يَجِبَ عليها الاعْتِدادُ بغيرِ الحَمْلِ، لِما ذكَرْناه] (1). والله أعلمُ.

3848 -

مسألة: (وإن كان الطَّلاقُ في مَرَضَ مَوْتِه، اعْتَدَّتَ أطْوَلَ الأجْلَين؛ مِن عِدَّةِ الطَّلاقِ وعِدَّةِ الوَفاةِ)

نَصَّ على هذا أحمدُ.
وبه قال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
وقال مالِكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: تَبْنِي على عِدَّةِ الطَّلاقِ؛ لأنَّه مات وليست زَوْجةً له، لأنَّها بائنٌ مِن النِّكاحِ، فلا تكونُ مَنْكوحَةً.
وعن أحمدَ مثلُ ذلك.
وعنه روايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّها تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفاةِ فقط.
ذَكَرَ هاتَين في «المُحَرّرِ»؛ لأنَّها تَرِثُه، أشْبَهَتِ الرَّجْعِيَّةَ.1

..................................  والأُولَى ظاهِرُ المذهبِ.
ووَجْهُ ذلك، أنَّها وارِثَةٌ، فتَجِبُ عليها عِدَّةُ الوَفاةِ كالرُّجْعِيَّةِ، ويَلْزَمُها عِدَّةُ الطَّلاقِ، لِما ذكَرُوه في دَلِيلهم.
فصل: وإن مات المريضُ المُطَلِّقُ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها بالحِيَضِ، أو بالشُّهورِ، أو بوَضْعِ الحَمْلِ، أو كان طَلاقُه قيلَ الدُّخولِ، فليس عليها عِدَّةٌ لمَوْتِه.
وقال القاضي: عليهنَّ 1 عِدَّةُ الوَفاةِ إذا قُلْنا: [يَرِثْنَه؛ لأنَّهنَّ يَرِثْنَه بالزوجيةِ] 2، فتَجِبُ عليهنَّ (1) عِدَّةُ الوَفاةِ، كما لو مات بعدَ الدُّخُولِ قبلَ قَضاءِ العِدَّةِ.
ورواه أبو طالبٍ عن أحمدَ، في التي انْقَضَتْ عِدَّتُها.
وذكَر ابنُ أبي موسى فيها رِوايتَين.
والصَّحِيحُ أنَّها لا عِدَّةَ عليها؛

..................................  لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا﴾.وقال: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
وقال: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾ 1. فلا يجوزُ تَخْصِيصُ هذه النُّصوصِ بالتَّحَكمِ، ولأنَّها أجْنَبِيَّة تَحِلُّ للأزْواجِ، ويَحِلُّ للمُطَلِّقِ نِكاحُ أُخْتِها وأرْبَع سِوَاها، فلم تَجِبْ عليها عِدَّةٌ لمَوْتِه، كما لو تَزَوَّجَتْ، وتُخالِفُ التي مات زَوْجُها في عِدَّتِها، فإنَّها لا تَحِلُّ لغيرِه في هذه الحالِ، ولم تَنْقَضِ عِدَّتُها، ونَمْنَعُ أنَّها تَرِثُه؛ لأنَّها لو وَرِثَتْه لأَفْضَى إلى أن يَرِثَ الرَّجُلَ ثَمانِيَ زَوْجاتٍ.
فأمَّا إن تَزَوَّجَتْ إحْدَى هؤلاءِ، فلا عِدَّةَ عليها، بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، ولا تَرِثُه.
فإن كانتِ المُطَلَّقَةُ البائِنُ لا تَرِثُ، كالأمَةِ، أو الحُرةِ يُطَلِّقُها العَبْدُ، أو الذِّمِّيَّةِ يُطَلِّقُها المُسْلِمُ، والمُخْتَلِعَةِ أو فاعلةِ ما يَفْسَخُ نِكاحَها، لم يَلْزَمْها عِدَّةٌ، سَواءٌ مات زَوْجُها في عِدَّتِها أو بعدَها، على قياسِ قَوْلِ أصْحابِنا؛ لأنَّهم عَللُوا نَقْلَها إلى عِدَّةِ الوَفاةِ بإرْثِها، وهذه ليست وارِثَةً، فأشْبَهَتِ المطَلَّقَةَ في الصِّحَّةِ.

وَإنِ ارْتَابَتِ الْمُتَوَفَّى عَنْهَا لِظُهُورِ أَمَارَاتِ الْحَمْلِ؛ مِنَ الْحَرَكَةِ، وانْتِفَاخِ الْبَطْنِ، وانْقِطَاعِ الحَيضِ قَبْلَ أَنْ تَنْكِحَ، لَمْ تَزَلْ في عِدَّةٍ حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ، وإنْ تَزَوَّجتَ قَبْلَ زَوَالِهَا لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ، وَإنْ ظَهَرَ بِهَا ذَلِكَ بَعْدَ نِكَاحِهَا، لَمْ يَفْسُدْ بِهِ، لكنْ إنْ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِأقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَهَا، فَهُوَ بَاطِلٌ، وَإِلَّا فَلَا.

3849 - مسألة: (وإنِ ارْتابَتِ المُتَوَفَّى عنها لظُهُورِ أماراتِ الحَمْلِ، مِن الحَرَكَةِ، وانْتِفاخِ البَطْنِ، وانْقِطاعِ الحَيضِ قَبْلَ أن تَنْكِحَ، لم تَزَلْ في عِدَّتِهَا حَتَّى تَزُولَ الرِّيبَةُ، وإن تَزَوَّجَتْ قبلَ زَوالِها لم يَصِحَّ النِّكَاحُ، وإن ظَهَرَ بها ذَلِكَ بعدَ نِكاحِها، لم يَفْسُدْ به، لَكنْ إن أتَتْ بوَلَدٍ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُرٍ مُنْذُ نَكَحَها، فهو باطِلٌ، وإلَّا فلا)

وجملةُ ذلك، أنَّ المُعْتَدَّةَ إذا ارْتابَتْ في عِدَّتِها، بأن تَرَى أماراتِ الحَمْلِ؛ مِن حَرَكَةٍ،

..................................  أو نَفْخَةٍ، أو نَحْوهما، وشَكت هل هو حَمْلٌ أم لا؟ لم تَخْلُ مِن ثَلاثَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن تَحْدُثَ بها الرِّيبةُ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، فإنَّها تَبْقَى في حُكْمِ الاعْتِدادِ حتى تَزُولَ الرِّيبَةُ، فإن بان حَمْلًا، انْقَضَتْ عِدَّتُها بوَضْعِه، فإن زالت، وبان أنَّه ليس بحَمْل، تَبَينا أنَّ عِدَّتَها انْقَضَتْ بالشهُورِ أو بالأقْراءِ، إن كان فارَقَها في الحياةِ.
فإن تَزَوَّجَت قبلَ زَوالِ الريبةِ، فالنِّكاحُ بَاطِلٌ؟ لأنَّها تَزَوَّجَتْ: وهي في حُكْمِ المُعْتَدَّاتِ في الظاهِرِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه إذا تَبَيَّنَ عَدَمُ الحَمْلِ، أنَّه يَصِحُّ النِّكاحُ إذا كان بعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ.
الثاني، أن تَطهَرَ الرِّيبةُ بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها والتَّزَوُّجِ، فالنِّكاحُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه وُجِدَ بعدَ قَضاءِ العِدَّةِ ظاهِرًا، والحملُ مع الرِّيبةِ مَشْكُوكٌ فيه، فلا يَزُولُ به 1 ما حَكَمْنا بصِحَّتِه، لكن لا يَحلُّ لزَوْجِها وَطْؤُها؛ لأنَّنا شَكَكْنا في صِحَّةِ النِّكاحِ، ولأنَّه لا يَحِلُّ لمَن يُؤْمِنُ بالله واليومِ الآخِرِ أن يَسْقِيَ ماءَه زَرْعَ غيرِه، ثم يُنْظَرُ؛ فإن وضَعَتِ الولَدَ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُر منذُ تَزَوَّجَها الثاني ووَطِئَها، فنِكاحُه باطِلٌ؛ لأنَّه نَكَحَها وهي حامِلٌ، وإن أتَتْ به لأكثرَ مِن ذلك، فالولَدُ لَاحِقٌ به.

..................................  الثالثُ، ظهَرَتِ الرِّيبَةُ بعدَ قَضاءِ العِدَّةِ وقبلَ النِّكاح، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَحِلُّ لها أن تَتَزَوَّجَ، وإن فَعَلَتْ، لم يَصِحَّ النِّكاحُ؛ لأنَّها تَتَزَوَّجُ مع الشَّكِّ في انْقِضاءِ العِدَّةِ، فلم يَصِحَّ، كما لو وُجِدَتِ الرِّيبَةُ في العِدَّةِ، ولأنَّنا لو صَحَّحْنا النِّكاحَ، لَوَقَعَ مَوْقُوفًا، ولا يجوزُ كَوْنُ النِّكاحِ مَوْقُوفًا، ولهذا لو أسْلَمَ وتَخَلَّفَتِ امرأتُه في الشِّرْكِ، لم يَجُزْ أن يَتَزَوَّجَ أُخْتَها؛ لأنَّ نِكاحَها يكونُ مَوْقُوفًا على إسْلامِ الأُولَى.
والثاني، يَحِلُّ لها النِّكاحُ، ويَصِحُّ؛ لأنَّا حَكَمنا بانْقِضاءِ العِدَّةِ، وحِلِّ النِّكاحِ، وسُقُوطِ النَّفَقَةِ والسُّكْنَى، فلا يجوزُ زَوالُ ما حَكَمْنا به بالشَّكِّ الطَّارِئ، ولهذا لا يَنْقُضُ الحاكمُ ما حكَم به بتَغَيُّرِ اجْتِهادِه ورُجُوعِ الشُّهُودِ.
فصل: وإذا طلَّقَ واحِدَةً مِن نِسائِه لا بِعَينِها، أُخْرِجَتْ بالقُرْعَةِ، وعليها العِدَّةُ دُونَ غيرِها، وتُحْسَبُ عِدَّتُها مِن حينَ [طَلَّقَ، لا مِن حينَ] 1 خَرَجَتِ القُرْعَةُ.
وإن طَلَّقَ واحدةً بعَينِها وأُنْسِيَها، ففي قَوْلِ أصْحابِنا، الحكمُ فيها كذلك.
والصَّحِيحُ أنَّه يَحْرُمُ عليه الجميعُ.
وهو

وَإذَا مَاتَ عَنِ امْرأةٍ نِكَاحُهُا فَاسِدٌ، فَقَال الْقَاضِي: عَلَيهَا عِدَّةُ الْوَفَاةِ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَقَال ابْنُ حَامِدٍ: لَا عِدَّةَ عَلَيهَا لِلْوَفَاةِ في  اخْتيارُ شيخِنا، وقد ذَكَرْناه في بابِ الشَّكِّ في الطَّلاقِ (1). فإن مات، فعلَى الجميعِ الاعْتِدادُ بأقْصَى الأجَلَين مِن عِدَّةِ الطَّلاقِ أو الوَفاةِ؛ لأنَّ النِّكاحَ كان ثَابِتًا (2) بيَقِينٍ، وكلُّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يجوزُ أن تكونَ المُطَلَّقَةَ، ويجوزُ أن تكونَ زوجةً، فوجَبَ أقْصَى الأجَلَين إن كان الطَّلاقُ بائِنًا (3)، ليَسْقُطَ الفَرضُ بيَقِينٍ، كمَن نَسِيَ صَلاةً مِن يومٍ لا يَعْلَمُ عَينَها، لَزِمَه أن يُصَلِّيَ خمْسَ صلواتٍ، لكنَّ ابْتِداءَ القَرْءِ مِن حينَ طَلَّقَ، وابْتِداءَ عِدَّةِ الوَفاةِ مِن حينِ الموْتِ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
وإن طَلَّقَ الجميعَ ثَلاثًا بعدَ ذلك، فعليهِنَّ كلِّهنَّ تَكْمِيلُ عِدَّةِ الطَّلاقِ مِن حينَ طَلَّقَهُنَّ.
وإن طَلَّقَ ثَلاثًا وأُنْسِيَهُنَّ، فهو، كما لو طَلَّقَ واحدَةً.

3850 -

مسألة: (وإذا مات عن امْرَأةٍ نِكاحُها فَاسِدٌ، فقال القاضي: عليها عِدَّةُ الوَفاةِ. نَصَّ عليه. وقال ابنُ حامِدٍ: لا عِدَّةَ عليها

123

ذَلِكَ.
فَإِنْ كَانَ النِّكَاحُ مُجْمَعًا عَلَى بُطْلَانِهِ، لَمْ تَعْتَدَّ لِلْوَفَاةِ مِنْ أجْلِهِ، وَجْهًا وَاحِدًا.
للوَفَاةِ لذلكَ.
فإن كان النِّكاحُ مُجْمَعًا على بُطْلانِه، لم تَعْتَدَّ للوَفاةِ مِن أجْلِه، وَجْهًا واحِدًا) أمَّا إذا كان النِّكاحُ مُجْمَعًا على بُطْلانِه، مثلَ أن يَنْكِحَ ذاتَ مَحْرَمِه، أو مُعْتَدَّةً يَعْلَمُ حالها وتَحْرِيمَها، فلا حُكْمَ لعَقْدِها، والخَلْوَةُ بها كالخلْوَةِ بالأجْنَبِيَّةِ، لا تُوجِبُ عِدَّةً، وكذلك الموتُ عنها لا يُوجِبُ عِدَّةَ الوَفاةِ.
وإن وَطِئَها، اعْتَدَّتْ لِوَطْئِها بثلاثةِ قُرُوءٍ منذُ وَطِئَها، سَواءٌ فارَقَها أو ماتَ عنها، كالمَزْنِيِّ بها مِن غيرِ عَقْدٍ.
فأمَّا إن نَكَحَها نِكاحًا مُخْتَلَفًا فيه، فهو فاسِدٌ، فإن مات عنها، فنَقَلَ جَعْفرُ بنُ محمدٍ، أنَّ عليها عِدَّةَ الوَفاةِ.
وهو اخْتيارُ أبي بكرٍ.
وقال أبو عبدِ اللهِ ابنُ حامدٍ: ليس عليها عِدَّةُ الوَفاةِ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّه نِكاحٌ لا يَثْبُتُ، فأشْبَهَ الباطِلَ.
فعلى هذا، إن كان قبلَ الدُّخولِ، فلا عِدَّةَ عليها، وإن كان بعدَه، اعْتَدَّتْ بثلاثةِ قُرُوءٍ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه نِكاحٌ يَلْحَقُ به النَّسَبُ، فوَجَبَتْ به العِدَّةُ، كالنِّكاحِ الصَّحِيحِ، بخِلافِ الباطِلِ، فإنَّه لا يَلْحَقُ به النَّسَبُ.
وإن فارَقَها في الحياةِ بعدَ الإصابةِ، اعْتَدَّتْ بعدَ فُرْقَتِه

فصْلٌ: الثَّالِثُ: ذَاتُ الْقُرُوءِ الَّتِي فَارَقَهَا فِي الْحَيَاةِ بَعْدَ دُخُولِهِ بِهَا، وَعِدَّتُهَا ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ إِنْ كَانَتْ حُرَّةً، وَقَرْءَانِ إِنْ كَانَتْ أَمَةً.
بثَلاثةِ قُرُوءٍ، إن كانت مِن ذَواتِ الأقْراءِ، أو بثَلاثةِ أشْهُرٍ إن لم تَكُنْ، ولا خِلافَ في ذلك.
وإن كان قبلَ الخَلْوَةِ، فلا عِدَّةَ عليها، بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ المفارِقَةَ في الحياةِ في النِّكاحَ الصَّحيحِ لا عِدَّةَ عليها، ففي الفاسِدِ أوْلَى.
وإن كان بعدَ الخَلْوَةِ قبلَ الإِصابَةِ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّ عليها العِدَّةَ؛ لأنَّه أُجْرِىَ مُجْزَى النِّكاحِ الصَّحِيحِ في لُحُوقِ النَّسَبِ، فكذلك في العِدَّةِ.
وقال الشافعيُّ: لا عِدَّةَ عليها؛ لِوَجْهَين؛ أحَدُهما، أنَّها خَلْوَةٌ في غيرِ نِكاحٍ صَحِيحٍ، أشْبَهَتِ التي نِكاحُها باطِلٌ.
والثاني، أنَّ الخَلْوَةَ عندَه في النِّكاحِ الصَّحيحِ لاتُوجِبُ العِدَّةَ، ففي الفاسِدِ أوْلَى.
وهذا مُقْتَضَى قولِ ابنِ حامِدٍ.

3851 -

مسألة؛ قال، رَضِيَ اللهُ عنه: (الثالثُ، ذاتُ القُروءِ التي فارَقَها في الحياةِ بعدَ دُخُولِه بها، عِدَّتُها ثَلاثة قُروءٍ إن كانت حُرَّةً، وقَرْءانِ إن كانت أمَةً)

أمَّا الحُرَّةُ مِن ذَواتِ القُروءِ فعِدَّتُها ثَلاثةُ قُرُوءٍ، بغيرِ خِلافٍ بينَ أهلِ العلمِ؛ لِقَوْلِ الله تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
وأمَّا الأمَةُ فعِدَّتُها بالقَرءِ قَرْءانِ، في قولِ أكثرِ

..................................  أهلِ العلمِ؛ منهم عمرُ، وعليٌّ، [وابنُ عمرَ] 1، وسعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعَطاءٌ، وعبدُ اللهِ بنُ عُتْبةَ، والقاسمُ، وسالمٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ، ومالِكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْي.
وعن ابنِ سِيرِينَ، عِدَّتُها عِدَّةُ الحُرَّةِ، إلَّا أن تكونَ قد مَضَتْ بذلك سُنَّةٌ.
وهو قولُ داودَ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «قَرْءُ الأمَةِ حَيضَتانِ» 2. ولأنَّه قولُ [عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عمرَ] 3، ولم نَعْرِفْ لهِم مُحْالِفًا في الصَّحابةِ، فكان إجْماعًا، وهذا يَخُصُّ عُمُومَ الآيةِ.
ولأنَّه مَعْنًى ذو عَدَدٍ، بُنِيَ على التَّفاضُلِ، فلا تُساوي الأمَةُ فيه الحُرَّةَ، كالحَدِّ.
وكان القِياسُ يَقْتَضِي أن تكونَ حيضةً ونِصْفًا، كما كان حَدُّها على النِّصْفِ مِن حَدِّ الحُرَّةِ، إلَّا أنَّ الحَيضَ لا يَتَبَعَّضُ، فكَمَلَ حَيضَتَين، وٍ لهذا قال عمرُ، رَضِيَ الله عن عنه: لو اسْتَطَعْتُ 4 أن أجْعَلَ العِدَّةَ حَيضَةً ونِصْفًا لَفَعَلْتُ 5.

وَالْقُرُوءُ الحِيَضُ، في أَصَحِّ الرِّوَايَتَينِ.

3852 - مسألة: (والقُروءُ الحِيَضُ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين)

والثانيةُ، هي الأطْهارُ.
القَرْءُ في كلامِ العربِ يَقَعُ على الحَيضِ والطُّهْرِ جميعًا، فهو مِن الأسْماءِ المُشْتَرَكَةِ.
قال أحمدُ بنُ يَحْيَى ثَعْلَبٌ: القُروءُ الأوْقاتُ، الواحدُ قَرْءٌ، وقد يكونُ حَيضًا وقد يكونُ طُهْرًا؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يأتِي لِوَقْتٍ.
قال الشاعرُ 1: كَرِهْتُ العَقْرَ عَقْرَ بَنِي تَمِيمٍ … إذا هَبَّتْ لِقارِئِها الرِّياحُ 2 يعني: لوَقْتِها.
وقال الخليلُ بنُ أحمدَ: يُقالُ: أقْرَأتِ 3 المرأةُ.
إذا دَنَا حَيضُها، وأقْرَأتْ: إذا دَنَا طُهْرُها، وفي الحديثِ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعِي الصَّلَاةَ أيَّامَ أقْرائِكِ» 4. فهذا الحيضُ.
وقال الشاعرُ 5: مُوَرِّثَة عزًّا وفي الحَيِّ رِفْعَةً … لِمَا ضَاعَ فيها مِنْ قُرُوءِ نِسَائِكَا

..................................  فهذا الطُّهْرُ.
واخْتَلَف أهلُ العلمِ في المُرادِ بقولِه 1 تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
واختلفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في ذلك، فرُوِيَ أنَّها الحِيَضُ.
رُوِيَ ذلك عن عمرَ، وعليٍّ، وابنِ عباس، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيِّ، والأوزاعِيِّ، والعَنْبَرِيِّ، وإسْحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وأصْحابِ الرَّأي.
ورُوِيَ أيضًا عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعثمانَ بنِ عَفَّانَ، وأبي موسى، وعُبادةَ بنِ الصَّامتِ، وأبي الدَّرْداءِ.
قال القاضي: الصَّحِيحُ عن أحمدَ أنَّ الأقْراءَ الحِيَضُ.
وإليه ذهبَ أصْحابُنا، ورَجَعَ عن قوْلِه بالأطْهارِ، فقال في روايةِ النَّيسابُورِيِّ: كنتُ أقولُ: إنَّه الأطْهارُ، وأنا أذهبُ اليومَ إلى أنَّ الأقْراءَ الحِيَضُ.
وقال في رِوايةِ الأثْرَمِ: كنتُ أقولُ 2: الأطْهارُ، ثم وَقَفْتُ 3 لقولِ الأكابِرِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ عن أحمدَ، أنَّ القُرُوءَ الأطْهارُ.
وهو قولُ زيدٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، وسُلَيمانَ بنِ يَسارٍ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، والزُّهْرِيِّ، ومالِكٍ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ.
وقال أبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمن: ما أدْرَكْتُ أحدًا مِن فُقَهائِنا إلَّا وهو يقولُ ذلك.

..................................  قال ابنُ عبدِ البَرِّ 1: رجَعَ أحمدُ إلى [أنَّ القُروءَ الأطْهارُ] 2، قال في رِوايةِ الأثْرَمِ: رأيتُ الأحادِيثَ عَمَّن قال: القُروءُ الحِيَضُ.
تختلفُ، والأحادِيثُ عَمَّن قال: إنَّه أحَقُّ بها حتى تَدْخُلَ في الحَيضَةِ الثالثةِ.
أحادِيثُها صِحاحٌ قَويَّةٌ 3. واحْتَجَّ مَن قال ذلك بقولِ اللهِ تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾ 4. أي، في عِدَّتِهِنَّ، كقولِه تعالى: ﴿وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ 5. أي، في يومِ القِيامةِ.
وإنَّما أمَرَ بالطَّلاقِ في الطُّهْرِ لا في الحَيضِ.
ويَدُلُّ على ذلك قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابنِ عمرَ: «فَلْيُرَاجِعْهَا حتى تَطْهُرَ، ثم تَحِيضَ، ثم تَطهُرَ، فإن شاء.
طَلَّقَ، وإنْ شاءَ أمْسَكَ، فَتِلْكَ العِدَّةُ التي أمَرَ الله أن تُطَلَّقَ لها النِّسَاءُ».
مُتَّفَق عليه 6. وفي رِوايةِ ابنِ عمرَ: (فَطَلِّقُوهُن في قُبُلِ عِدَّتِهِنَّ) 7. ولأنَّها عِدَّةٌ عن طَلاقٍ مُجَرَّدٍ مُباح، فوَجَبَ أن تُعْتَبَرَ عَقِيبَ الطَّلاقِ، كعِدَّةِ الآيِسَةِ والصَّغِيرةِ.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأولَى قولُ الله تعالى: {وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ

جارٍ التحميل