..................................
يَحِضْنَ}.
فنقَلَهُنَّ عندَ عَدَمِ الحَيضِ إلى الاعْتِدادِ بالأشْهُرِ، فيدُلُّ ذلك على أنَّ الأصْلَ الحَيضُ، كما قال تعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾ 1. ولأنَّ المَعْهودَ في لِسانِ الشَّرْعِ اسْتِعْمالُ القَرْءِ بمعنى الحَيضِ، فقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَدَعُ الصَّلاةَ أيَّامَ أقْرَائِها».
رواه أبو داودَ 2. وقال لفاطمةَ بنتِ أبي حُبَيش: «انْظُرِي فَإذَا أتَى قَرْؤُكِ، فلا تُصَلِّي، وإذَا مَرَّ قَرْؤُكِ، فتَطَهَّرِى، ثم صَلِّي ما بَينَ القَرْءِ إلى القَرْءِ».
رواه النَّسائِيُّ 3. ولم يُعْهَدْ في لِسانِه اسْتِعْمالُه بمعنى الطُّهْرِ في مَوْضِعٍ، فوَجَبَ أن يُحْمَلَ كلامُه على المَعْهُودِ في لِسانِه.
ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «طَلاقُ الأمَةِ طَلْقَتانِ، وقَرْؤهَا حَيضَتَانِ».
رواه أبو داودَ 4، وغيرُه.
فإن قالوا: هذا يَرْويه مُظاهِرُ بنُ أسْلَمَ، وهو مُنْكَرُ الحديثِ.
قُلْنا: قد رواه عبدُ اللهِ بنُ عيسى، عن عَطِيَّةَ العَوْفيِّ 5، عن ابنَ عمرَ، كذلك أخْرَجَه ابنُ ماجه، في «سُنَنِه»، وأبو بكرٍ الخَلَّالُ، في «جامِعِه»، وهو نَصٌّ في عِدَّةِ الأمَةِ، فكذلك عِدَّةُ الحُرَّةِ.
ولأنَّ ظاهِرٍ قولِه تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
وجُوبُ التَّرَبُّصِ ثَلاثةً
..................................
كاملةً، ومَن جَعَلَ القُرُوءَ الأطهارَ، لم يُوجِبْ ثلاثةً، بل يَكْتَفِي بطُهْرَين وبعضِ الثالثِ، فيُخالِفُ ظاهرَ النَّصِّ، ومَن جَعَلَه الحِيَضَ، أوْجَبَ ثلاثةً كاملةً، فيُوافِقُ ظاهِرَ النَّصِّ، فيكونُ أوْلَى مِن مُخالفتِه، ولأنَّ العِدَّةَ اسْتِبْراء، فكانت بالحَيضِ، كاسْتِبْراءِ الأمَةِ، وذلك لأن الاسْتِبْراءَ لمَعْرِفَةِ بَراءَةِ الرَّحِمِ مِن الحَمْلِ، والذي يَدُلُّ عليه الحَيضُ 1، فوَجَبَ أن يكونَ الاسْتِبْراءُ به.
فإن قِيلَ: لا نُسلِّمُ أنَّ اسْتِبْراءَ الأمَةِ بالحَيضِ 2. كذلك قال ابنُ عبدِ البَرِّ 3. وإنَّما هو بالطُّهْرِ الذي قبلَ الحَيضَةِ.
وقال: قوْلُهم: إنَّ اسْتِبْراءَ الأمَةِ حَيضَة بإجْماعٍ.
ليس كما ظَنُّوا، بل جائِز لها عندَنا أن تَنْكِحَ إذا دَخَلَتْ في 4 الحَيضَةِ، واسْتَيقَنَتْ أنَّ دَمَها دَمُ حَيضٍ، كذلك قال إسماعيلُ بنُ إسحاقَ لِيَحْيى بنِ أكثمَ حينَ دخلَ عليه في مُناظَرَتِه إيَّاه.
قُلْنا:.
هذا يَرُدُّه قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تُوطَأُ حَامِل حتى تَضَعَ، ولَا حَائِلٌ حتى تُسْتَبْرَأ بِحَيضَةٍ» 5. ولأنَّ الاسْتِبْراءَ يُعَرِّفُ 6 بَراءةَ الرَّحِمِ، وإنَّما يَحْصُلُ بالحَيضَةِ، لا بالطُّهْرِ الذي قبلَها، ولأنَّ العِدَّةَ تَتَعَلَّقُ بخُرُوجِ خارجٍ مِن الرَّحِمِ، فوَجَبَ أن تتعلَّقَ بالحَيضِ 7،
وَلَا تَعْتَدُّ بِالْحَيضَةِ الَّتِي طَلَّقَهَا فِيهَا حَتَّى تَأْتِيَ بِثَلَاثٍ كَامِلَةٍ بَعْدَهَا، فَإِذا انْقَطَعَ دَمُهَا مِنَ الثَّالثَةِ، حَلَّتْ في إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ.
كوَضْعِ الحَمْلِ، يُحَقِّقُه أنَّ العِدَّةَ مقْصُودُها براءَةُ الرَّحِمِ مِن الحَمْلِ، فتارَةً تَحْصُلُ بوَضْعِه، وتارَةً تَحْصُلُ (1) بما يُنافِيه، وهو الحَيضُ الذي لا يُتَصَوَّرُ وُجُودُه معه.
فأمَّا قولُه تعالى: ﴿فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ﴾.
فيجوزُ أنَّه أراد قبْلَ عِدَّتِهِنَّ (2)، إذ لا يُمْكِنُ حَمْلُه على الطَّلاقِ في العِدَّةِ، ضَرُورةَ أنَّ الطلاقَ يَسْبِقُ العِدَّةَ، لكَوْنِه سَبَبَها، والسَّبَبُ يتقَدَّمُ الحُكْمَ، ولا يُوجَدُ (3) الحُكْمُ قبلَه، والطَّلاقُ في الطُّهْرِ تَطْلِيقٌ قبْلَ العِدَّةِ إذا كانتِ الأقْراءُ بالحِيَضِ.
3853 -
مسألة: (ولا تَعْتَدُّ بالحَيضَةِ التي طَلَّقَها فيها حتى تَأْتِيَ بِثَلاثٍ كامِلَةٍ بعدَها)
لا نعلمُ في ذلك خِلافًا بينَ أهلِ العلمِ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أمَرَ بثلاثةِ قُروءٍ، فيَتَناوَلُ ثَلاثةً كاملةً، والتي طَلَّقَ فيها لم يَبْقَ منها 4 ما تَتِمُّ به مع اثْنَتَين ثلاثةٌ كاملة، فلا يُعْتَدُّ بها، ولأنَّ الطَّلاقَ إنَّما حَرُمَ في الحَيضِ؛ لِما فيه مِن تَطْويلِ العِدَّةِ عليها، فلو احْتُسِبَ بتلك الحَيضَةِ قَرْءًا، كان أقْصَرَ لِعِدَّتِها، وأنْفَعَ لها، فلم يكنْ مُحَرَّمًا.
3854 - مسألة 5: فَإذا طَهُرَتْ مِن الحَيضَةِ الثالثةِ (حَلَّتْ في إحْدَى123
وَالأُخْرَى، لَا تَحِلُّ حَتَّى تَغْتَسِلَ.
الرِّوَايَتَين.
والأُخْرَى، لَا تَحِلُّ حتى تَغْتَسِلَ) حكَى هاتين الرِّوايتَين أبو عبدِ اللهِ بنُ حامدٍ؛ إحداهما، أنَّها في العِدَّةِ ما لم تَغْتَسِلْ، يُباحُ لزَوْجِها ارْتِجاعُها، ولا يَحِلُّ لغيرِه نِكاحُها.
قال أحمدُ: عمرُ، وعليٌّ، وابنُ مسعودٍ، يقولون: قبلَ أن تَغْتَسِلَ مِن الحَيضَةِ الثالثةِ.
رُوِيَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيِّ، وإسْحاقَ.
ورُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعثمانَ بنِ عَفَّانَ؛ وأبي مُوسَى، وعُبادَةَ، وأبي الدَّرْداءِ، رَضِي اللهُ عنهم.
قال شَرِيكٌ: له الرَّجْعَةُ وإن فَرَّطَتْ في الغُسْلِ عِشْرِينَ سنةً.
قال أبو بكرٍ: ورُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّها في عِدَّتِها، ولزَوْجِها رَجْعَتُها حتى يَمْضِيَ وقْتُ الصَّلاةِ التي طَهُرَتْ في وَقْتِها.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ.
وبه 1 قال أبو حنيفةَ إذا انْقَطَعَ الدَّمُ لدُونِ أكثرِ الحَيض، وإنِ انْقَطَعَ لأكْثَرِه، انْقَضَتِ العِدَّةُ بانْقِطاعِه.
ووَجْهُ اعتبارِ الغُسْلِ أَنَّه قولُ الأكابرِ مِن أصْحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، ولا مُخالفِ لهم في عَصْرِهم، فيكونُ إجْماعًا.
ولأنَّها مَمْنُوعةٌ مِن الصَّلاةِ بحُكْمِ حَدَثِ الحَيضِ، فأشْبَهَتِ الحائِضَ.
والروايةُ الثانيةُ، أنَّ العِدَّةَ تَنْقَضِي بطُهْرِها مِن الحَيضَةِ الثالثةِ، وانْقِطاعِ دَمِها.
اخْتاره أبو الخَطَّابِ.
وهو قولُ سَعِيدِ بنِ جُبَير، والأوْزاعِيِّ، والشافعيِّ في القَديمِ، لقولِ الله تعالى: ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
وقد كَمَلَتِ القُرُوءُ بوُجُوبِ الغُسْلِ عليها، ووُجُوبِ
..................................
الصَّلاةِ، وفِعْلِ الصِّيامِ، وصِحَّتِه منها، ولأنَّه لم 1 يَبْقَ حُكْمُ العِدَّةِ في المِيراثِ، ووُقُوعِ الطَّلاقِ بها، واللِّعانِ، والنَّفَقَةِ، وكذلك فيما نحن فيه.
قال القاضي: إذا شَرَطْنَا الغُسْلَ، أفادَ عَدَمُه إباحةَ 2 الرَّجْعةِ وتَحْرِيمَها على الأزْواجِ، فأمَّا سائِرُ الأحْكامِ، فإنَّها تَنْقَطِعُ بانْقِطاعِ دَمِها.
فصل: ومَن قال: القُرُوءُ الأطْهارُ.
احْتَسَبَ لها بالطهْرِ الذي طَلَّقَها فيه قَرْءًا، وإن بَقِيَ منه لَحْظَة حَسَبَها قَرْءًا.
هذا قولُ كلِّ مَن قال: إنَّ القُروءَ الأطْهارُ.
إلَّا الزُّهْرِيَّ، فإنَّه قال: تَعْتَدُّ بثَلاثة قُرُوءٍ سِوَى الطُّهْرِ الذي طَلَّقَها فيه.
وحُكِيَ عن أبي عُبَيدٍ، أنَّه إن كان 3 جَامَعَها في الطُّهْرِ، لم تَحْتَسِبْ بِبَقِيَّته؛ لأنَّه زَمَن حَرُمَ فيه الطلاقُ، فلم تَحْتَسِبْ به مِن العِدَّةِ،
..................................
كزَمَنِ الحيضِ.
ولَنا، أنَّ الطَّلاقَ حَرُمَ في زَمَنِ الحَيضِ دَفْعًا لضَرَرِ تَطْويلِ العِدَّةِ عليها، فلو لم تَحْتَسِبْ بِبَقِيَّةِ الطُّهْرِ قَرْءًا، كان الطَّلاقُ في الطُّهْرِ أضَرَّ بها وأطْوَلَ عليها، وما ذُكِرَ عن أبي عُبَيدٍ لا يَصِحُّ؛ لأنَّ تَحْرِيمَ الطَّلاقِ في الحَيضِ لِكَوْنِها لا تَحْتَسِبُ بِبَقِيَّتهِ، فلا يجوزُ أن تُجْعَلَ العِلَّة في عَدَمِ [الاحْتِسابِ تَحْرِيمَ] 1 الطَّلاقِ، فتَصِيرَ العِلَّةُ مَعْلُولًا، وإنَّما تَحْرِيمُ الطلاقِ في الطُّهْرِ الذي أصابها فيه لكَوْنِها مُرْتابَةً، ولكَوْنِه لا يأْمَنُ النَّدَمَ بظُهورِ حَمْلِها 2، فأمَّا إنِ انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلاقِ مع انْقِضاءِ الطُّهْرِ، فإنَّ الطَّلاقَ يَقَعُ في أوَّلِ الحَيضَةِ، ويكونُ مُحَرَّمًا، ولا تَحْتَسِبُ بتلك الحَيضَةِ مِن عِدَّتِها، وتَحْتاجُ أن تَعْتَدَّ بثَلاثِ حِيَضٍ، أو ثَلاثةِ أطْهارٍ
..................................
على الرِّوايةِ الأُخْرَى.
ولو قال لها: أنْتِ طالقٌ في آخرِ طُهْرِكِ.
أو: في آخِرِ جُزْءٍ مِن طُهْرِكِ.
فإنَّها لا تَحْتَسِبُ الذي وقَعَ فيه الطَّلاقُ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تكونُ إلَّا بعدَ وُقُوعِ الطَّلاقِ، وليس بعدَه طُهْرٌ تَعْتَدُّ به، ولا يجوزُ الاعْتِدَادُ بما قبلَه، ولا بما قارَنَه، ومن جَعَلَ القَرْءَ الحَيضَ، اعْتَدَّ لها بالحَيضَةِ التي تَلِي الطَّلاقَ؛ لأنَّها حَيضَة كاملةٌ لم يَقَعْ فيها طلاقٌ، فوَجَبَ أن تَعْتَدَّ بها قَرْءًا.
فإنِ اخْتَلَفَا فقال الزوجُ: وقَعَ الطَّلاقُ في أوَّلِ الحَيضِ.
وقالت: بل في آخرِ الطُّهْرِ.
أو قال: انْقَضَتْ حُرُوفُ الطَّلاقِ مع انْقِضاءِ الطُّهْرِ.
وقالت: بل قد بَقِيَ منه بَقِيَّة.
فالقولُ قولُها؛ لأنَّ قولَها مقْبولٌ في الحَيضِ وفي انْقِضاءِ العِدَّةِ.
وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ، الْقُرُوءُ الأطْهَارُ.
وتَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ الَّذي طَلَّقَهَا فِيهِ قَرْءًا، ثُمَّ إِذَا طَعَنَتْ في الْحَيضَةِ الثَّالِثَةِ، حَلَّتْ.
3855 - مسألة: (والرِّوايَةُ الثَّانِيَةُ، القُرُوءُ الأطْهَارُ، وتَعْتَدُّ بِالطُّهْرِ الذِي طَلَّقَها فِيه قَرْءًا، فإذا طَعَنَتْ في الحَيضَةِ، الثَّالِثَةِ، حَلَّتْ)
إذا طَلَّقَها وهي طاهِرٌ، انْقَضَتْ عِدَّتُها برُويةِ الدَّمِ مِن الحَيضَةِ.
الثالثةِ، وإن طَلَّقَها حائِضًا، انْقَضَتْ برُويةِ الدَّمِ مِن الحَيضَةِ الرَّابعةِ.
وهذا قولُ زَيدِ بنِ ثابِتٍ، وابنِ عمرَ، وعائشةَ، والقاسمِ بنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللهِ، وأبانَ بنِ عُثمانَ، ومالِكٍ، وأبي ثَوْرٍ.
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ.
وحُكِيَ عنه قولٌ آخَرُ، لا تَنْقَضِي العِدَّةُ حتى يَمْضِيَ مِن الدَّمِ يومٌ وليلةٌ؛ لجَوَازِ 1 أن يكونَ الدَّمُ دَمَ فَسادٍ، فلا يُحْكَمُ بانْقِضاء العِدَّةِ حتى يَزُولَ الاحْتِمالُ.
وحَكَى القاضي هذا احْتِمالًا في مذْهَبِنا أَيضًا.
ولَنا، أنَّ الله تَعالى جعلَ العِدَّةَ ثَلاثةَ قُروءٍ، فالزِّيادةُ عليها مُخالفةٌ للنَّصِّ، فلا يُعَوَّلُ عليه، ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصَّحابةِ، رواه الأثْرَمُ عنهم
..................................
بإسْنادِه، ولَفْظُ حديثِ زَيدِ بنٍ ثابِتٍ: إذا دَخَلَتْ في الدَّمِ مِن الحَيضةِ الثالثةِ، فقد بَرِئَتْ منه، وبَرِء منها، ولا تَرِثُه ولا يَرِثُها 1. وقولُهم: إنَّ الدَّمَ يجوزُ أن يكونَ دَمَ فسادٍ.
قُلْنا: قد حُكِمَ بكَوْنِه حَيضًا في تَرْكِ الصَّلاةِ، وتَحْرِيمِها على الزَّوْجِ، وسائِرِ أحْكامِ الحَيضِ، فكذلك في انْقِضاءِ العِدَّةِ.
ثم إن كان التَّوَقُّفُ عن الحُكْمِ بانْقِضاءِ العِدَّةِ للاحْتِمالِ، فإذا تَبَيَّنَ أنَّه حَيضٌ، عَلِمْنا أنَّ العِدَّةَ قد انْقَضَتْ حينَ رأتِ الدَّمَ، كما لو قال لها: إن حِضْتِ فأنْتِ طالِقٌ.
واخْتَلَفَ القائلُون بهذا القولِ، فمنهم مَن قال: اليومُ والليلةُ مِن العِدَّةِ؛ لأنَّه دَم تَكْمُلُ به العِدّةُ، فكان منها، كالذي في أثْناء الأطْهارِ.
ومنهم مَن قال: ليس منها، إنَّما يتَبَيَّنُ به انْقِضاؤُها؛ لأنَّنا لو جَعَلْناه منها، أوْجَبْنا الزِّيادَةَ على ثَلاثةِ قُروءٍ، ولكِنَّا نَمْنَعُها مِن النِّكاحِ حتى يَمْضِيَ يومٌ وليلةٌ، ولو راجَعَها زَوْجُها فيها، لم تَصِحَّ الرَّجْعةُ.
وهذا أصَحُّ الوَجْهَين.
فصل: وكلُّ فُرْقَةٍ بينَ زَوْجَين في الحياةِ بعدَ الدُّخُولِ، فَعِدَّةُ المرأةِ منها عِدَّةُ الطَّلاقِ، سواءٌ كانت بخُلْعٍ، أو لِعانٍ، أو رَضاعٍ، أو فَسْخٍ بعَيبٍ، أو إعْسارٍ، أو إعْتاقٍ، أو اخْتِلافِ دِينٍ، أو غيرِه، في قولِ أكثرِ
..................................
أهلِ العلمِ.
ورُوِيَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّ عِدَّةَ المُلاعِنَةِ تِسْعَةُ أشْهُرٍ.
وأبي ذلك سائِرُ أهْلِ العلمِ، وقالوا: عِدَّتُها عدَّةُ الطَّلاقِ، لأنَّها مُفارِقَةٌ في الحياةِ، أشْبَهَتِ المُطَلَّقَةَ.
وأكثرُ أهلِ العلمِ يقُولُون: عِدَّةُ المُخْتَلِعَةِ عدَّةُ المُطَلَّقةِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وسالمُ بنُ عبدِ اللهِ، وسُليمانُ بنُ يَسارٍ، وعمرُ بنُ عبدِ العزِيزِ، والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ، وخِلاسُ بنُ عمرٍو، وأبو عِيَاض، ومالكٌ، [واللَّيثُ] 1، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ.
ورُوِيَ عن عُثمانَ بنِ عَفَّانَ، وابنِ عمرَ، وابنِ عَبَّاس، وأبانَ بنِ عثمانَ، وإسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، أنَّ عِدَّةَ المُخْتَلِعَةِ حَيضَةٌ.
ورواه ابنُ القاسمِ عن أحمدَ؛ لِمَا روَى ابنُ عباس، أنَّ امرأةَ ثابتِ بنِ قَيسٍ اخْتَلَعَتْ منه، فجَعَلَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عِدَّتَها حَيضَةً.
روَاهُ النَّسَائِيُّ 2. وعن رُبَيِّع بنتِ مُعَوِّذٍ مثلُ ذلك، ولأنَّ عُثمانَ قَضَى به.
رواه النَّسائِيُّ، وابنُ ماجَه 3. ولَنا، قولُ اللهِ تعالي: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾.
ولأنَّها فُرْقَةٌ بعدَ الدُّخولِ في الحياةِ، فكانت ثلاثةَ قُرُوءٍ، كغيرِ الخُلْعِ، وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «قَرْءُ الأمَةِ حَيضَتَانِ» 4. عامٌّ، وحَدِيثُهم يَرْويه عِكْرِمَةُ مُرْسَلًا.
قال
فصْلٌ: الرَّابع، اللَّائِي يَئسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ، وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ، فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أشْهُرٍ إِنْ كُنَّ حَرَائِر، وَإنْ كُنَّ إِمَاءً فَشَهْرَانِ.
وَعَنْهُ، ثَلَاثَة.
وَعَنْهُ، شَهْرٌ وَنِصْفٌ.
أبو بكرٍ: هو ضَعِيفٌ مُرْسَلٌ.
وقولُ عُثمانَ وابنِ عَباسٍ، قد خالفَه قولُ عمرَ وعليٍّ، فإنَّهما قالا: عِدَّتُها ثلاثُ حِيَض.
وقَوْلُهما أَوْلَى.
وأمَّا ابنُ عمرَ، فقد روَى مالِكٌ 1، عن نافعٍ، عنه، أنَّه قال: عِدَّةُ المُخْتَلِعَةِ عِدَّةُ المُطَلَّقَةِ.
وهو أصَحُّ عنه.
فصل: (الرَّابعُ، اللَّائي يَئسْنَ مِن المَحِيضِ، واللَّائِي لم يَحِضْنَ، فعِدَّتُهُنَّ ثلاثةُ أشْهُر إن كُنَّ حَرائِرَ، وإن كُنَّ إماءً فَشَهْران.
وعنه، ثلاثةٌ.
وعنه، شَهْرٌ ونِصْفٌ) أجْمَعَ أهْلُ العلمِ على أنَّ عِدَّةَ الحُرَّة الآيِسَةِ والصَّغِيرَةِ التي لم تَحِضْ ثلاثُةُ أشْهُرٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ﴾
..................................
مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ} 1. فإن كان الطَّلاقُ في أوَّلِ الشَّهْرِ، اعْتُبِرَ ثلاثةُ أشْهُر بالأهِلَّةِ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ﴾ 2. وقال سبحانه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾ 3. ولم يخْتلفِ الناسُ في أنَّ الأشْهُرَ الحُرُمَ مُعْتَبَرة بالأهِلَّةِ.
وإن وقَعَ الطَّلاقُ في أثْناءِ شَهْرٍ، اعْتَدَّتْ بقِيَّتَه، ثم اعْتَدَّتْ شهْرَين بالأهِلَّةِ، ثم.
اعْتَدَّتْ مِن الشَّهْرِ الثالِثِ تَمامَ ثلاثِين يَوْمًا.
وهذا مذهبُ مالكٍ، والشافعيِّ.
وقال أبو حنيفةَ: تَحْسِبُ بَقِيَّةَ الأوَّلِ، وتَعْتَدُّ مِن الرَّابعِ بقَدْرِ ما فَاتَها مِن الأوَّلِ، تامًّا كان أو ناقِصًا؛ لأنَّه لو كان مِن أوَّلِ الهِلالِ، كانت العِدَّةُ بالأهِلَّةِ، فإذا كان مِن بعضِ الشَّهْر، وجَبَ فَضاءُ ما فاتَ منه: وخَرَّجَ أصْحابُنا وجْهًا ثانيًا، أنَّ جميعَ الشُّهورِ مَحْسُوبَة بالعَدَدِ.
وهو قول ابنِ بنتِ الشافعيِّ؛ لأنَّه إذا حُسِبَ الأوَّلُ بالعَدَدِ، كان ابْتِداءُ الثاني مِن نِصْف
..................................
الشَّهْرِ، وكذلك الثالثُ.
ولَنا، أنَّ الشَّهْرَ يقعُ على ما بينَ الهِلَالين وعلى الثَّلاثِين، ولذلك إذا غُمَّ الشَّهْرُ كُمِّلَ ثَلاثين، والأصْلُ الهِلالُ، فإذا أمْكَنَ اعْتِبارُ الهِلَالِ اعْتُبِرَ، وإذا تَعَذَّرَ رُجِعَ إلى العَدَدِ.
وفي هذا انْفِصالٌ عمَّا ذُكِرَ لأبي حنيفةَ.
وأمَّا التَّخْرِيجُ الذي ذُكِرَ لأصْحابِنَا، فإنه لا يَلْزَمُ إتْمامُ الشَّهْرِ الأوَّلِ مِن الثاني، ويجوزُ أن يكونَ تَمامُه مِن الرَّابعِ.
فصل: وتُحْسَبُ العِدَّةُ مِن السَّاعةِ التي فارَقَها زَوْجُها فيها، فلو فارَقَها نِصْفَ النَّهارِ، أو نِصْفَ اللَّيلِ، اعْتَدَّتْ مِن ذلك الوقتِ إلى مِثْلِه.
في 1 قولِ أكثرَ [أهلِ العلمِ] 2. وقال [أبو عبدِ الله] 3 ابنُ حامدٍ: لا تَحْتَسبُ بالسَّاعاتِ، وإنَّما تَحْتَسِبُ بأوَّلِ اللَّيلِ والنَّهارِ، فإذا طَلقَها نَهارًا، احْتَسَبَتْ مِن أوَّلِ اللَّيلِ الذي يليه، وإن طَلَّقَها ليلًا، احْتَسَبَتْ مِن أوَّلِ النهارِ الذي يليه.
وهذا قولُ مالكٍ؛ لأنَّ حِسابَ السَّاعاتِ يَشُقُّ، فسَقَطَ اعْتِبارُه.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾.
فلا تجوزُ الزيادةُ عليها بغيرِ دَلِيلٍ، وحِسابُ السَّاعاتِ مُمْكِن، إما يَقِينًا وإمَّا اسْتِظْهارًا، فلا وَجْهَ للزِّيادَةِ على ما أوْجَبَه اللهُ تعالى.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في عِدَّةِ الأمَةِ، فأكثَرُ الرِّواياتِ عنه، أنَّها شَهْران،
..................................
وهو الذي ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
رواه عنه جماعةٌ مِن أصْحابِه، واحْتَجَّ فيه بقولِ عمرَ، رَضِيَ الله عنه: عِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ حَيضَتان، ولو لم تَحِضْ كانت عِدَّتُها شَهْرَينِ.
رواه الأثْرَمُ عنه بإسْنادِه 1. وهذا قولُ 2 عَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، وإسْحاقَ، وأحَدُ أقْوالِ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأشْهُرَ بَدَلٌ مِن القُرُوءِ، وعِدَّةُ ذاتِ القروءِ قَرْءانِ، فبَدَلُهما شَهْران، ولأنَّها مُعْتَدَّة بالشُّهورِ مِن غيرِ الوَفاةِ، فكان عدَدُها كعَدَدِ القُروءِ، لو كانت ذاتَ قُرُوءٍ، كالحُرَّةِ.
والرِّوايةُ الثانيةُ، أنَّ عِدَّتَها شَهْر ونِصْف.
نقَلَها المَيمُونِيُّ، والأثْرَمُ، واخْتارَها أبو بكرٍ.
وهذا قولُ عليٍّ، - رضي الله عنه -. ورُويَ ذلك عن ابنِ عمرَ، وابنِ المُسَيَّبِ، وسالم، والشَّعْبِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأصْحابِ الرَّأْي.
وهو قولٌ ثانٍ (2) للشافعيِّ؛ لأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ نِصْفُ عِدَّةِ الحُرَّةِ، وعِدَّةُ الحُرَّةِ ثَلاثةُ أشْهُرٍ، فنِصْفُها شَهْرٌ ونِصْفٌ، وإنَّما كَمَّلْنا لذاتِ الحَيضِ حيضَتَين؛ لتَعَذُّرِ تَبْعِيضِ الحَيضَةِ، فإذا صِرْنا إلى الشُّهورِ، أمْكَنَ التَّنصِيفُ، فوَجَبَ المَصِيرُ إليه، كما في عِدَّةِ الوَفاةِ، ويصيرُ هذا كالمُحْرِمِ، إذا وَجَبَ عليه في جَزاءِ الصَّيدِ نِصْفُ مُدٍّ، [أمْكَنَه إخْراجُه] 3، فإن أراد الصِّيامَ مَكانَه، صامَ يَوْمًا كاملًا.
ولأنَّها عِدَّةٌ أمْكَنَ
وَعِدَّةُ أُمِّ الْوَلَدِ عِدَّةُ الأَمَةِ، وَعِدَّةُ الْمُعْتَقِ بَعْضُهَا بِالْحِسَابِ مِنْ عِدَّةِ حُرَةٍ وَأَمةٍ.
تَنْصِيفُها، فكانت على النِّصْفِ مِن عِدَّةِ الحُرَّةِ، كعِدَّةِ الوَفاةِ.
والثالثةُ، أنَّ عليها ثلاثةَ أشْهُرٍ.
رُوِيَ ذلك عن الحسنِ، ومُجاهِدٍ، وعمرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، ويَحْيى الأنْصَارِيِّ، ورَبِيعةَ، ومالكٍ.
وهو القوْلُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لِعُمُومِ قولِه تعالى: ﴿فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ﴾.
ولأنَّ اعْتِبارَ الشُّهُورِ ههُنا للعِلْمِ ببَرَاءَةِ رَحِمِها، ولا يَحْصُلُ هذا بدُونِ ثَلاثةِ أشْهُرٍ في الحُرَّةِ والأمَةِ جميعًا؛ لأنَّ الحَمْل يكونُ نُطْفَةً أرْبَعِينَ يومًا، وعَلَقَةً أرْبَعِين يومًا، ثم يَصِيرُ مُضْغَةً، ثم يتَحَرَّكُ، ويَعْلُو بَطْنُ المرأةِ، فيَظْهَرُ الحَمْلُ، وهذا مَعْنى لا يخْتلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ.
ومَن رَدَّ هذه الرِّوايةَ قال: هي مُخالِفةٌ لإجْماعِ الصَّحابةِ؛ لأنَّهم اخْتَلَفوا على القَوْلَين الأوَّلَينِ، ومتى اخْتَلَفَ الصَّحابةُ على قَوْلَين، لم يَجُزْ إحْداثُ قولٍ ثالِثٍ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَخْطِئتِهِم، وخُرُوجِ الحَقِّ عن قولِ جَمِيعِهم، ولا يجوزُ ذلك، ولأنَّها مُعْتَدَّةٌ بغيرِ الحَمْلِ، فكانت دونَ عِدَّةِ الحُرَّةِ، كذاتِ القُرُوءِ المُتَوَفَّى عنها زَوْجُها.
3856 -
مسألة: (وعِدَّةُ أُمِّ الوَلَدِ عِدَّةُ الأمَةِ)
لأنَّها أمَة مَمْلُوكةٌ (وعِدَّةُ المُعْتَقِ بَعْضُها بالحِسابِ مِن عِدَّةِ حُرَّةٍ وأمَةٍ) أمَّا إذَا اعْتَدَّتْ
وَحَدُّ الإياسِ خَمْسُونَ سَنَةً.
وَعَنْهُ، أنَّ ذَلِكَ حَدُّهُ في نساءِ الْعَجَمِ، وَحَدُّهُ في نِسَاءِ الْعَرَبِ سِتُّونَ سَنَةً.
بالحَمْلِ أو بالقُروءِ، فعِدَّتُهَا كعِدَّةِ الحُرَّةِ؛ لأنَّ عِدَّةَ الحاملٍ لا تَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، وعِدَّةُ الأمَةِ بالقُروء قَرْءان، فأدْنى ما يكونُ فيها مِن الحُرِّيَّةِ يُوجِبُ قَرْءًا ثالِثًا؛ لأنَّه لا يَتَبَعَّضُ، وإن كانت عِدَّتُها بالشُّهُورِ للوَفاةِ، وكان بَعْضُها (1) حُرًّا، اعْتَدَّتْ بثلاثةِ شُهُورٍ وثمانيةِ أيام، وإذا كان نِصْفُها حُرًّا، فعِدَّتُها ثلاثةُ أرْباعِ عِدَّةِ الحُرَّةِ.
فإن قُلْنا: عِدَّةُ الأمَةِ شَهْران.
فعِدَّتُها شَهْران ونِصْفٌ.
وإن قُلْنا: شَهْرٌ ونِصْفُ.
فعِدَّتُها شَهْران وسَبْعَةُ أيام ونِصْفٌ.
وإن قُلْنا: عِدَّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ.
فهي كالحُرَّةِ.
3857 -
مسألة: (وحَدُّ الإِياسِ خَمْسُون سَنَةً. وعنه، أنَّ ذلك حَدُّه في نِساءِ العَجَمِ، وحَدُّه في نِساءِ العَرَبِ سِتُّون سَنَةً)
اخْتُلِفَ عن أحمدَ في السِّنِّ الذي تَصِيرُ به المرأةُ مِن الآيِساتِ، فعنه، أوَّلُه خَمْسُون سنةً؛ لأنَّ عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، قالتْ: لن تَرَى المرأةُ في بَطْنِها ولدًا بعدَ خمسين1
..................................
سنةً.
وعنه، إن كانت مِن نِساءِ العَجَم فخمْسُون سنةً، وإن كانت مِن نِساءِ العَرَبِ فسِتُّون؛ لأنَّهُنَّ أقْوَى جِبِلًّةً وطَبيعَةً.
وقد ذَكَرَ الزُّبَيرُ بنُ بَكَّارٍ، في كتابِ «النَّسَبِ»، أنَّ هندًا بنتَ أَبي عُبَيدَةَ بنِ عبدِ اللهِ بنِ زَمْعةَ، ولَدَتْ مُوسَى بنٍ عبدِ اللهِ بنِ حسنِ [بنِ حسنِ] 1 بنِ عليِّ بنِ أبي طالبٍ ولها سِتُّون سنة.
وقال: يقالُ: إَّنه لن تَلِدَ بعدَ خمسين سنةً إلَّا عَرَبِيَّةٌ، ولا تَلِد لِستِّين إلَّا قُرَشِيَّةٌ.
وللشافعيِّ قَوْلان؛ أحَدُهما، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الذي يُتَيَقَّنُ أنَّها إذا بَلَغَتْه لم تَحِضْ.
قال بعضُهم: هو اثْنَان وسِتُّون سنةً.
والثاني، يُعْتَبَرُ السِّنُّ الذي يَيأسُ فيه نِساءُ عَشِيرَتِها؛ لأنَّ الظّاهِرَ أنَّ نَشْأها
..................................
كنَشْئِهِنَّ، وطَبْعَها كطَبْعِهِنَّ.
وقال شيخُنا 1: الصَّحِيحُ، إن شاءَ الله تعالى، أنَّه متى بلغَتِ المرأةُ خَمْسِين سنةً، فانْقَطَعَ حَيضُها عن عادَتِها مَرّاتٍ لغيرِ سَبَبٍ، فقد صارَتْ آيِسَةً؛ لأنَّ وُجُودَ الحَيضِ في حَقِّ هذه نادِرٌ، بدَلِيلِ قولِ عائشةَ، وقِلَّةِ وُجُودِه، فإذا انْضَمَّ إلى هذا انْقِطاعُه عن العاداتِ مَرَّاتٍ، حَصَلَ اليَأْسُ مِن وُجُودِه، فلها حِينَئِذٍ أن تَعْتَدَّ بالأشْهُرِ، وإنِ انْقَطَعَ قبلَ ذلك، فحُكْمُها حُكْمُ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، على ما نَذْكُرُه إن شاءَ الله تَعالى.
وإن رأتِ الدَّمَ بعدَ الخَمْسِين، على العادَةِ التي كانت [تَراه فيها، فهو حَيضٌ، في الصَّحِيحِ؛ لأنّ دلِيلَ الحَيضِ الوُجودُ في زَمَنِ الإمْكانِ، وهذا يُمْكِنُ وُجُودُ الحَيضِ فيه وإن كان] 2 نادِرًا.
وإن رَأَته بعدَ السِّتِّين، فقد تُيُقِّنَ أنَّه ليس بِحَيضٍ، فعندَ ذلك لا
وَإنْ حَاضَتِ الصَّغِيرَةُ في عِدَّتِهَا، انْتَقَلَتْ إِلَى الْقُرُوءِ، وَيَلْزَمُهَا إِكْمَالُهَا.
وَهَلْ يَحْسِبُ مَا قَبْلَ الحَيضِ قَرْءًا إِذَا قُلْنَا: الْقُرُوءُ الْأطْهَارُ؟ عَلَى وَجْهَينِ.
تَعْتَدُّ به، وتعْتَدُّ بالأشْهُرِ، كالتي لا تَرَى دَمًا.
وأمَّا أقَل سِنٍّ تَحِيضُ له المرأةُ، فقد ذَكَرْناهُ في بابِ الحَيضِ، وذَكَرْنا دَلِيلَه (1). فإن رَأَته قبلَ ذلك، اعْتَدَّتْ بالأشْهُرِ، وإن رَأَته بعدَ ذلك، فالمُعْتَبَرُ مِن ذلك ما تَكَرَّرَ ثلاثَ مَرَّاتِ في حالِ الصِّحَّةِ، وإن لم يُوجَدْ ذلك لم تَعْتَدَّ به.
3858 -
مسألة: (وإن حاضَتِ الصَّغِيرَةُ في عِدَّتِها، انْتَقَلَتْ إلى القُروءِ، ويَلْزَمُها إكْمالُها)
وجملةُ ذلك، أن الصَّغيرةَ التي لم تَحِضْ إذا اعْتَدَّتْ بالشهُورِ فحاضَتْ قبلَ انْقِضاء عِدَّتِها ولو بساعةٍ، لَزِمَها استئنافُ العِدَّةِ بالأقْراءِ في قولِ عامَّةِ فُقهاءِ الأَمْصارِ؛ منهم سعيدُ بن المُسَيَّبِ،1
..................................
والحسنُ، ومُجاهِدٌ، وقَتادةُ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والزُّهْرِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وإسْحاقُ، وأبو عُبَيدٍ، وأصْحابُ الرَّأْي، وأهلُ المدِينَةِ، وأهلُ البَصْرَةِ؛ وذلك لأنَّ [الشُّهورَ بَدَلٌ عن الحِيَضِ، فإذا] 1 وُجِدَ المُبْدَلُ بَطَلَ حُكْمُ البَدَلِ، كالتَّيَمُّم مع الماءِ، ويَلْزَمُها أن تَعْتَدَّ بثلاثِ حِيَض إن قُلْنا.
القُروءُ الحِيَضُ.
وإن قُلنا: القُروءُ الأطْهارُ.
فهل تَعْتَدُّ بما مَضَى مِن الطُّهْرِ قَبلَ الحَيضِ قَرْءًا؟ فيه وَجْهان؛ أحَدُهما، تَعْتَدُّ به؛ لأنَّه طُهْرٌ انْتَقَلَتْ منه إلى حَيضٍ، فأشْبَهَ الطُّهْرَ بينَ الحَيضَتَين.
والثاني، لا تَعْتَدُّ به.
وهو ظاهِرُ كلامِ الشافعيِّ؛ لأنَّ القَرْءَ هو الطُّهْرُ بينَ حَيضَتَين، وهذا لم يَتَقَدَّمْه حَيضٌ.
فأمَّا إن حاضَتْ بعدَ انْقِضاءِ عِدَّتِها بالشُّهُورِ ولو بلَحْظَةٍ، لم يَلْزَمْها اسْتِئْنافُ العِدَّةِ؛ لأنَّه حَدَثَ بعدَ انْقِضاءِ العِدَّةِ، فأشْبَهَ ما لو حَدَثَ بعدَ طُولِ الفَصْلِ، ولا يُمْكِنُ منعُ هذا الأصْلِ؛ لأنَّه لو صَحَّ مَنْعُه، لم يَحْصُلْ للصَّغرةِ الاعْتِدادُ بالشهورِ بحالٍ.
وَإنْ يَئِسَتْ ذَاتُ الْقُرُوءِ في عِدَّتِهَا، انْتَقَلَتْ إِلَى عِدَّةِ الْآيِسَاتِ، وَإنْ عَتَقَتِ الأمَةُ الرَّجْعِيَّةُ في عِدَّتِهَا، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ حُرَّةٍ، وَإنْ
3859 - مسألة: (وإن يَئسَتْ ذاتُ القُروءِ في عِدَّتِها، انْتَقَلَتْ إلى عِدَّةِ الآيِساتِ)
ثَلاثةِ أشْهُرٍ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تُلَفَّقُ مِن جِنْسَين، وقد تَعَذَّرَ إتْمامُها بالحِيَضِ، فوَجَبَ تَكْمِيلُها بالأشْهُرِ؛ لأنَّها عجَزَتْ عن الأصْلِ، فانْتَقَلَتْ إلى البَدَلِ، كمَن عَجَزَ عن الماءِ، يَنْتَقِلُ إلى التُّراب.
فإن ظَهَرَ بها حَمْلٌ مِن الزَّوْجِ، سَقَطَ حُكْمُ ما مَضَى، وبانَ لنا أنَّ ما رَأتْه مِن الدَّمِ لم يَكُنْ حَيضًا؛ لأنَّ الحامِلَ لا تَحِيضُ.
ولو حاضَتْ ثَلاثَ حِيَض، ثم ظَهَرَ بها حَمْلٌ، فوَلَدَتْ لأقَلَّ مِن سِتَّةِ أشْهُر منذُ انْقَضَتِ الحَيضَةُ الثالثةُ تبَيَّنَّا أنَّ الدَّمَ ليس بحَيضٍ؛ لأنَّها كانتْ حامِلًا مع رُؤْيَةِ الدَّم، والحامِلُ لا تَحِيضُ.
فأمَّا إن حاضَتْ ثَلاثَ حِيَض، ثم ظَهَر بها حَمْل يُمْكِنُ حُدُوثُه بعدَ العِدَّةِ، بأن تَلِدَ لِسِتَّةِ أشْهُر منذُ انْقَضَتْ عِدَّتُها، لم يَلْحَقِ الزوْجَ، وحَكَمْنا بصِحَّةِ الاعْتِدادِ، وكان هذا الولدُ حادِثًا.
3860 -
مسألة: (وإن عَتَقَتِ الأمَةُ الرَّجْعِيَّةُ في عِدَّتِها، بَنَتْ على
كَانَتْ بَائِنًا، بَنَتْ عَلَى عِدَّةِ أَمَةٍ.
عِدَّةِ حُرَّةٍ، وإن كانت بائِنًا، بَنَتْ على عِدَّةِ أمَةٍ) هذا قولُ الحسنِ، والشَّعْبِيِّ، والضَّحَّاكِ، وإسْحاقَ، وأصْحابِ الرَّأْي.
وهو أحدُ أقْوالِ الشافعيِّ.
والقولُ الثاني، تُكْمِلُ عِدَّةَ أمَةٍ، سَواءٌ كانت بائِنًا أو رَجْعِيَّةً.
وهو قوْلُ مالكٍ، وأبي ثَوْرٍ، لأنَّ الحُرِّيَّةَ طَرَأتْ بعدَ وُجُوبِ العِدَّةِ عليها، فلا يُعْتَبَرُ 1 حُكْمُها، كما لو كانت بائِنًا، أو كما لو طَرَأتْ بعدَ وُجُوبِ الاسْتِبْراءِ، ولأنَّه مَعْنًى يخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، فكان الاعْتِبارُ بحالةِ الوُجُوبِ، كالحَدِّ.
وقال عَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وقَتادةُ: تَبْنِي على عِدَّةِ حُرَّةٍ بكلِّ حالٍ.
وهو القَوْلُ الثالثُ للشافعيِّ؛ لأنَّ سبَبَ العِدَّةِ الكاملةِ إذا وُجِدَ في أثْناءِ العِدَّةِ، انْتَقَلَتْ إليها وإن كانت بائِنًا، كما لو اعْتَدَّتْ بالشُّهُورِ ثم حاضَتْ.
ولَنا، أنَّها إذا اعْتِقَتْ وهي رَجْعِيَّةٌ، فقد وُجِدَتِ الحُريَّةُ، وهي زَوْجَةٌ تَعْتَدُّ عِدَّةَ الوَفاةِ لو مات، فوَجَبَ أن تَعْتَدَّ عِدَّةَ الحرِّائرِ، لو أُعْتِقَتْ قبلَ الطَّلاقِ.
وإن أُعْتِقَتْ وهي بائنٌ، فلم تُوجَدِ الحُرِّيَّةُ في الزَّوْجِيَّةِ، فلم تَجِبْ عليها عِدَّةُ الحرائرِ، كما لو أُعْتِقَتْ بعدَ مُضِيِّ القَرأَين، ولأنَّ الرَّجْعِيَّةَ تَنْتَقِلُ إلى عِدُّةِ الوَفاةِ لو مات، فتَنْتَقِلُ إلى عِدَّةِ الحرائرِ.
والبائِنُ لا تَنْتَقِلُ إلى عِدَّةِ الوَفاةِ، فلا تَنْتَقِلُ إلى عِدَّةِ الحرائرِ، كما لو انْقَضَتْ عِدَّتُها.
وما [ذَكَرْناه لمالِكٍ] 2 يَبْطُلُ بما إذا مات زَوْجُ الرَّجْعِيَّةِ،
..................................
فإنَّها تَنْتَقِل إلى عِدَّةِ الوَفاةِ، والفَرْقُ بينَ ما نحن فيه وبينَ ما إذا حاضَتِ الصَّغيرةُ، أنَّ الشهورَ بَدَلٌ عن الحِيَضِ، فإذا وُجِدَ المُبْدَلُ زال حُكْمُ البَدَلِ، كالمُتَيَمِّمِ يجِدُ الماءَ، وليس كذلك ههُنا، فإن عِدَّةَ الأمَةِ ليست بِبَدَلٍ، ولذلك تَبْنِي الأمَة على ما مَضَى مِن عِدَّتِها اتِّفاقًا، وإذا حاضَتِ الصَّغِيرةُ اسْتَأْنفَتِ العِدَّةَ، فافْتَرَقا.
وتخالِفُ الاسْتِبْراءَ؛ فإنَّ الحُرِّيَّةَ لو قارَبَتْ سَبَبَ وُجُوبِه، لم يَكْمُلْ، ألا تَرَى أنَّ أُمَّ الولَدِ إذا مات سَيِّدُها عَتَقَتْ لمَوْتِه، ووَجَب الاسْتِبْراءُ، كما يجبُ على التي لم تَعْتِقْ، ولأنَّ الاسْتِبْراءَ لا يَخْتَلِفُ بالرِّقِّ والحُرِّيَّةِ، بخلافِ مَسْألتِنا.
فصل: إذا عَتَقَتِ الأمَةُ تحتَ العَبْدِ فاخْتَارَتْ نَفْسَها، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ الحُرَّةِ؛ لأنَّها بانَتْ مِن زَوْجها وهي حرَّة.
وروَى الحسن، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ بَرِيرَةَ أن تَعْتَدَّ عِدَّةَ الحُرَّةِ 1. وإن طَلَّقَها العَبْدُ طَلاقًا رَجْعِيًّا، فأعْتَقَها سَيِّدُها، بَنَتْ على عِدَّةِ حُرةٍ، سَواءٌ فَسَخَتْ أو أقامَتْ على النِّكاحِ؛ لأنَّها عَتَقَتْ في عِدَّةِ رَجْعيَّةٍ.
وإن لم تَفْسَخْ، فراجَعَها في عِدَّتِها، فلها الخيارُ بعدَ رَجْعتها، فإنِ اخْتارَتِ الفَسْخَ قبلَ المَسِيسِ، فهل تَسْتَأْنِفُ العِدَّةَ أو تَبْنِي على ما مَضَى مِن عِدَّتِها؟ على وجْهَين.
فإن قُلْنا: تَسْتأنِفُ.
فإنَّها تَسْتأنِفُ عِدَّةَ حُرَّةٍ.
وإن قُلْنا: تَبْنِي.
بَنَتْ على عِدةِ حُرَّةٍ.
فَصْلٌ: الْخَامِسُ، مَنِ ارْتَفَعَ حَيضُهَا لَا تَدْرِي مَا رَفَعَهُ، اعْتَدَّتْ سَنَةً؛ تِسْعَةَ أشْهُرٍ لِلْحَمْلِ، وَثَلَاثَةً لِلْعِدَّةِ،
فصل: (الخامسُ، مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، اعْتَدَّتْ سنةً؛ تِسْعَةَ أشْهُرٍ للحَمْلِ، وثَلَاثَةً للعِدَّةِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الرَّجُلَ إذا طَلَّقَ زوْجَتَه، وهي مِن ذواتِ الأقْراءِ، فلم تَرَ الحَيضَ في عادَتِها، ولم تَدْرِ ما رَفَعه، فإنَّها تَعْتَدُّ سنةً؛ تِسْعَةَ أشْهُرٍ منها تَتَرَبَّصُ فيها لتَعْلَمَ بَراءَةَ رَحِمِها؛ لأنَّ هذه غالبُ مُدَّةِ الحَمْلِ، فإذا لم يَبِنِ الحَمْلُ فيها، عُلِمَ بَراءَةُ الرَّحِمِ ظاهِرًا، فتَعْتَدُّ بعدَ ذلك عِدَّةَ الآيِسات، ثَلاثةَ أشْهُرٍ.
هذا قولُ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه.
قال الشافعيُّ: هذا قضاءُ عمرَ بينَ المُهاجِرين والأنْصارِ، لا يُنْكِرُه منهم مُنْكِر عَلِمْناه.
وبه قال مالكٌ، والشافعي في أحَدِ قَوْلَيه.
ورُوِيَ ذلك عن الحسنِ.
وقال الشافعي في قولٍ آخرَ: تَتَرَبَّصُ أرْبَعَ سِنِينَ، أكثرَ مُدَّةِ الحَمْلِ، ثم ثَعْتَد بثلاثةِ أشْهُرٍ؛ لأنَّ هذه المُدَّةَ هي التي يُتَيَقَّنُ بها بَراءَةُ رَحِمِها، فوَجَبَ اعْتِبارُها احْتِياطًا.
وحَكَى
..................................
شيخُنا مثلَ ذلك في المذهبِ.
وقال الشافعيُّ في الجديدِ: تكونُ في عِدَّةٍ أُبدًا حتى تَحِيضَ، أو تَبْلُغَ سِنَّ الإِياسِ، فتَعْتَدُّ حِينَئِذٍ بثَلاثةِ أشْهُرٍ.
وهذا قولُ جابرِ بنِ زيدٍ، وعَطاءٍ، وطاوسٍ، والشَّعْبيِّ، والنَّخَعِيِّ، والزُّهْرِيِّ، والثَّوْرِيِّ، وأبي عُبَيدٍ، وأهْلِ العِرَاقِ؛ لأنَّ الاعْتِدادَ بالأشْهُرِ جُعِلَ بعدَ الإياسِ، فلم يَجُزْ قبلَه، وهذه ليست آيِسَةً، ولأنَّها تَرْجُو عَوْدَ الدَّمِ، فلم تَعْتَدَّ بالشُّهُورِ، كما لو تَباعَدَ حَيضُها لعارِضٍ.
ولَنا، الإجْماعُ الذي 1 حكَاهُ الشافعيُّ، ولأنَّ الغَرَضَ بالاعْتِدادِ مَعْرِفةُ بَراءَةِ رَحِمِها، وهذا يَحْصُلُ به براءَةُ رَحِمِها، فاكْتُفِيَ به، [ولهذا اكْتُفِيَ] 2 في حَقِّ ذاتِ القُرُوءِ بثلاثةِ قُرُوءٍ، وفي حَقِّ الآيسَةِ بثلاثةِ أشْهُرٍ، ولو رُوعِيَ اليَقِينُ لاعْتُبِرَ أقْصَى مُدَّةِ الحَمْلِ، ولأنَّ عليها في تَطْويلِ العِدَّةِ 3
وَإنْ كَانَتْ أمَةً، اعْتَدَّتْ بِأَحَدَ عَشَرَ شَهْرًا.
وَيَحْتَمِلُ أنْ تَقْعُدَ لِلْحَمْلِ أرْبَعَ سِنِينَ.
ضَرَرًا، فإنَّها تُمْنَعُ مِن الأزْواجِ، وتُحْبَسُ (1) دائِمًا، ويتَضَرَّرُ الزَّوْجُ بإيجابِ السُّكْنَى والنَّفَقَةِ عليه.
وقد قال ابنُ عبّاسٍ: لا تُطَوِّلُوا عليها الشُّقَّةَ، كَفَاها تِسْعَةُ أشْهُرٍ.
فإن قِيلَ: فإذا مَضَت تِسْعَةُ أشْهُرٍ، فقد عُلِمَ بَراءَةُ رَحِمِها ظاهِرًا، فلِمَ اعْتَبَرْتُم بثلاثةِ أشْهُرٍ بعدَها؟ قُلْنا: الاعْتِدادُ بالقُرُوءِ والأشْهُرِ إنَّما يكونُ عندَ عَدَمِ الحَمْلِ، وقد تَجِبُ العِدَّةُ مع العِلْمِ ببَراءَةِ الرَّحِمِ، بدَلِيلِ ما لو عَلَّقَ طَلَاقَها بوَضْعِ الحَمْلِ، فوَضَعَتْه، وقَعَ الطَّلاقُ، ولَزِمَتْها العِدَّةُ.
3861 -
مسألة: (وإن كانت أمَةً، اعْتَدَّتْ أحَدَ عَشَرَ شَهْرًا)
تِسْعَةَ أشْهُرٍ للحَمْلِ وشَهْرَين للعِدَّةِ.
وهذا مَبْنِيٌّ على أنَّ الحُرَّةَ تَعْتَدُّ بتِسْعَةِ أشْهُرٍ للحَمْلِ، وثلاثةٍ للعِدَّةِ، على ما ذكَرْنا في المَسْأَلةِ قبلَها، وأنَّ عِدَّةَ الأمَةِ شَهْران؛ لأنَّ مُدَّةَ الحملِ تَتَساوَى فيها الحُرَّةُ والأمَةُ؛ لكَوْنِه أمْرًا حَقِيقِيًّا، فإذا يَئسَتْ مِن الحَمْلِ، اعْتَدَّتْ عِدَّةَ آيِسَةٍ شَهْرَين.
وعلى قوْلِنا: إنَّ عِدَّةَ الأمَةِ شَهْرٌ ونِصْفٌ.
تكونُ عِدَّتُها عَشَرَةَ أشْهُرٍ ونِصْفًا.
ومَن جَعَل عِدَّتَها ثلاثةَ أشْهُرٍ، فهي كالحُرَّةِ سَوَاءً.1
..................................
فصل: فإن عاد الحَيضُ إليها في السَّنَةِ، ولو في آخِرِها، أو عادَ إلى الأمَةِ قبلَ انْقِضاءِ عِدَّتِها، على ما فيها مِن الاخْتِلافِ، لَزِمَها الانْتِقَالُ إلى القُروءِ؛ لأنَّها الأصْلُ، فبَطَلَ بها حُكْمُ البَدَلِ، وإن عادَ بعدَ مُضِيِّها ونِكاحِها، لم تَعُدْ إلى القُرُوءِ؛ لأنَّ عِدَّتَها انْقَضَتْ، وحَكَمْنا بصِحَّةِ نِكاحِها، فلم تَبْطُلْ، كما لو اعْتَدَّتِ الصَّغيرَةُ بثَلاثةِ أشْهُرٍ، وتَزَوَّجَتْ، ثم حاضَتْ.
وإن حاضَتْ بعدَ السَّنَةِ وقبلَ نِكاحِها، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، لا تَعُودُ؛ لأنَّ العِدَّةَ انْقَضَتْ بالشُّهُورِ، فلم تَعُدْ 1، كالصَّغِيرةِ.
والثاني، تَعُودُ؛ لأنَّها مِن ذَواتِ القُروءِ، وقد قَدَرَتْ على المُبْدَلِ قبلَ تَعَلُّقِ حَقِّ زَوْجٍ بها، فَلَزِمَها العَوْدُ، كما لو حاضَتْ في السَّنَةِ.
فصل: فإن حاضَتْ حَيضَةً، ثم ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، فهي كالمَسْأَلةِ التي قبلَها، تَعْتَدُّ سَنَةً مِن وقتِ انْقِطاعِ الحَيضِ؛ وذلك لِما رُوِيَ عن عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه قال في رَجُلٍ طَلَّقَ امرأتَه، فحاضَتْ حَيضَةً أو حَيضَتَين، فارْتَفَعَ حَيضُها، لا تَدْرِي ما رَفَعَه: تَجْلِسُ تِسْعَةَ أشْهُرٍ، فإن لم يَسْتَبِنْ بها حَمْلٌ، تَعْتَدُّ بثلاثةِ أشْهُرٍ 2. فذلك سَنَةٌ.
ولا
..................................
نَعْلَمُ له مُخالِفًا.
قال ابنُ المُنْذِرِ: قَضَى به عمرُ بينَ المُهاجِرين والأنْصار، لا يُنْكِرُه مُنْكِرٌ.
وقال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْئَلُ عن الرجلِ يُطَلِّقُ امرأتَه، فتَحِيضُ حَيضَةً، ثم [يَرْتَفِعُ حَيضُها] 1؟ قال: أذْهَبُ إلى حَديثِ عمرَ: إذا رُفِعَتْ 2 حَيضَتُها فلم تَدْرِ بما ارْتَفَعَتْ، فإنَّها تَنْتَظِرُ سَنَةً.
قِيلَ له: فحاضَتْ دُونَ السَّنَةِ؟ فقال: تَرْجِعُ إلى الحَيضِ.
قِيلَ له: فإنِ ارْتَفعَتْ حَيضَتُها أيضًا 3 لا تَدْرِي ممَّا ارْتَفَعَتْ؟ قال: تقْعُدُ سَنَةً أُخْرَى.
وهذا قولُ كلِّ مَن وافَقَنا في المَسْأَلةِ قبلَها؛ وذلك لأنَّها لمَّا ارْتَفعَتْ حَيضَتُها، حَصَلَتْ مُرْتَابةً، فوَجَبَ أن تَنْتَقِلَ إلى الاعْتِدادِ بسَنَةٍ، كما لو ارْتَفَعَ حَيضُها حينَ طَلَّقَها، ووَجَبَ عليها سَنَةٌ كاملةٌ؛ لأنَّ العِدَّةَ لا تُبْنَى على عِدَّةٍ أُخْرَى، ولذلك لو حاضَتْ حَيضَةً أو حَيضَتَينِ، ثم يَئسَتْ، انْتَقَلَتْ إلى ثلاثَةِ أشْهُرٍ كاملةٍ، ولو اعْتَدَّتِ الصغيرةُ شَهْرًا أو شَهْرَين، ثم حاضَتْ، انْتَقَلَتْ إلى ثلاثةِ قُروءٍ.
فصل: فإن كانت عادَةُ المرأةِ أن يَتَباعَدَ ما بينَ حَيضَتَيها، لم تَنْقَضِ عِدَّتُها إلَّا بثلاثِ حيضاتٍ وإن طالتْ؛ لأنَّ هذه لم يَرْتَفِعْ حَيضُها، ولم يَتَأخَّرْ عن عادَتِها، فهي مِن ذَواتِ القُروءِ، باقِيَةٌ على عادَتِها، فأشْبَهَتْ
وَعِدَّة الْجَارِيَةِ الَّتِي أَدرَكَتْ فَلَمْ تَحِضْ، وَالْمُسْتَحَاضَةِ النَّاسِيَةِ، ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ.
وَعَنْهُ، سَنَةٌ.
مَن لم يَتَباعَدْ حَيضُها.
ولا نَعْلَمُ [في هذا] (1) مُخالِفًا.
3862 -
مسألة: (وعِدَّةُ الجارِيَةِ التي أدْرَكَتْ فلم تَحِضْ، والمُسْتَحاضَةِ النَّاسِيَةِ، ثَلاثَةُ أشْهُرٍ. وعنه، سَنَةٌ)
إذا بلغَتِ الجاريةُ سِنًّا تحيضُ فيه النِّساءُ في الغالبِ، فلم تَحِضْ، كخَمسَ عشْرةَ سنةً، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ، وهذا ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ، وقولُ أبي بكرٍ.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، ومالكٍ، والشافعيِّ.
وضَعَّفَ أبو بكرٍ الرِّوايةَ المُخالِفةَ لهذا، وقال: رواها أبو طالبٍ، فخالفَ فيها أصْحابَه، فروَى أبو طالبٍ عن أحمدَ، أنَّها تَعْتَدُّ سنةً.
قال القاضي: هذه الرِّوايةُ أصَحُّ؛ لأنَّه متى أتَى1
..................................
عليها زمانُ الحَيضِ فلم تَحِضْ، حصَلَتْ مُرْتابةً، يجوزُ أن يكونَ بها حَمْلٌ مَنَعَ حَيضَها، فيجبُ أن تَعْتَدَّ بسَنةٍ، كالتي ارْتَفَعَ حَيضُها بعدَ وُجُودِه.
ولَنا، قولُ الله تعالى: ﴿وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ﴾.
وهذه مِن اللَّائِي لم يَحِضْنَ، ولأنَّ الاعْتِبارَ بحالِ المُعْتَدَّةِ لا بحالِ غيرِها، ولهذا لو حاضَتْ قبلَ بُلُوغِ سِنٍّ تَحِيضُ لمِثْلِه النِّساءُ في الغالبِ، مثل أن تَحِيضَ لعَشْرِ سِنِينَ، اعْتَدَّت بالحِيَضِ، وفارَقَ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها، فإنَّها مِن ذَواتِ القُروءِ.
3863 -
مسألة: وهكذا حُكْمُ المُسْتَحاضَةِ النَّاسِيَةِ. وجملةُ القولِ في عِدَّةِ
1 المُسْتَحاضَةِ، وهي لا تَخْلُو إمَّا أن تكونَ لها حَيضٌ مَحْكُومٌ به (1) بعادةٍ أو تَمْيِيزٍ أو لا؛ فإن كان لها حَيضٌ (1) مَحْكُومٌ به، فحكمُها فيه حُكْمُ غيرِ المُسْتحاضَةِ، إذا مَرَّتْ لها ثلاثةُ قُرُوءٍ، فقد انْقَضَتْ عِدَّتُها.
قال أحمدُ: المُسْتحاضَةُ تَعْتَدُّ أيامَ أقْرائِها التي كانَتْ (1) تَعْرِفُ.
فإن عَلِمَتْ أنَّ لها في كلِّ شَهْر حَيضةً، ولم تَعْلَمْ مَوْضِعَها، فعِدَّتُها ثلاثةُ أشْهُرٍ.
وإن شَكَّتْ في شيء، تَرَبَّصَتْ حتى تَسْتَيقِنَ أنَّ القُروءَ الثلاثَ قد انْقَضَتْ.
..................................
وإن كانتْ مُبْتَدَأةً لا تَمْيِيزَ لها، أو ناسِيَةً لا تَعْرِفُ لها وَقْتًا ولا تميِيزًا، فعن أحمدَ فيها روايتان؛ إحداهما، أنَّ عِدَّتَها ثلاثةُ أشْهُرٍ.
وهو قولُ عِكْرِمَةَ، وقَتادةَ، وأبي عُبَيدٍ؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - أمَرَ حَمْنَةَ [بنتَ جَحْش] 1 أن تَجْلِسَ في كلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ أيام أو سَبْعَةً 2. فجَعلَ لها حَيضَةً كلَّ شَهْرٍ، ولأنَّنا نَحْكُمُ لها بحَيضَةٍ في كلِّ شَهْر تَتْرُكُ فيها الصَّلاةَ والصِّيامَ، ويَثْبُتُ فيها سائرُ أحْكام الحَيضِ، فيَجِبُ أن تَنْقَضِيَ بها العِدَّةُ؛ لأنَّ ذلك مِن أحْكَامِ الحَيضِ.
والروايةُ الثانيةُ، تَعْتَدُّ سَنَةً بِمَنْزِلَةِ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه.
قال أحمدُ: إذا كانت قد اختَلَطَتْ، ولم تَعْلَمْ إقْبال الدَّمِ وإدْبارَه، اعْتَدَّتْ سَنَةً؛ لحديثِ عمرَ؛ لأنَّ به يَتَبَيَّنُ الحَمْلُ.
وهو قولُ مالكٍ، وإسْحاقَ؛ لأنَّها لم تَتَيَقَّنْ لها حَيضًا، مع أنَّها مِن ذَواتِ القُرُوءِ، فكانت عِدَّتُها سَنَةً، كالتي ارْتَفَعَ حَيضُها.
وعلى الرِّوايةِ الأولَى، يَنْبَغِي أن يُقال: إنَّنا متى حَكَمْنا بأنَّ حَيضَها سَبْعَةُ أيام مِن كلِّ شَهْر، فمَضَى لها شَهْرانِ بالهِلال وسَبْعَةُ أيام مِن أوَّلِ الثالثِ، فقد انْقَضتْ عِدَّتُها.
وإن قُلْنا: القُرُوءُ الأَطْهارُ.
فطَلَّقَها في آخرِ شَهْرٍ، ثم مَضَى لها شَهْران وهَلَّ الثالثُ، انْقَضَتْ عِدَّتُها.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
فَأَمَّا الَّتِي عَرَفَتْ مَا رَفَعَ الْحَيض؛ مِنْ مَرَضٍ أَوْ رَضَاعٍ وَنَحْوهِ، فَلَا تَزَالُ في عِدَّةٍ حَتَّى يَعُودَ الْحَيضُ، فَتَعْتَدُّ بِهِ، إلا أنْ تَصِيرَ آيِسَةً، فَتَعْتَدُّ عِدَّةَ آيِسَةٍ حِينَئِذٍ.
3864 - مسألة: (فأمَّا التي عَرَفَتْ ما رَفَعَ الحَيضَ؛ مِن مَرَض أو رَضاعٍ ونحْوه، فلا تَزالُ في عِدَّةٍ حتى يَعُودَ الحَيضُ، فَتَعْتَدُّ به)
أمَّا إذا عَرَفَتْ أنَّ 1 ارْتِفاعَ الحَيضِ بِعارِضٍ مِن مَرَض، أو نِفاسٍ، أو رَضاع، فإنَّها تَنْتَظِرُ زَوال العارِضِ، وَعْودَ الدَّمِ وإن طال، إلَّا أن تَصِيرَ في سِنِّ الإياسِ، وقد ذَكَرْناه، فتَعْتَدُّ حِينَئِذٍ عِدَّةَ الآيِساتِ.
وقد روَى الشافعيُّ في «مُسْنَدِه» 2 بإسْنادِه، عن حَبَّان بنِ مُنْقِذٍ، أنَّه طَلَّقَ امرأتَه طَلْقَةً واحدَةً، وكان لها منه بُنَيَّةٌ تُرْضِعُها، فتباعَدَ حَيضُها، ومَرِضَ حَبَّان، فقيل له: إنَّك إن مِتَّ وَرِثَتْكَ.
فمَضَى إلى عُثمانَ، وعندَه عليٌّ وزيدُ بنُ ثابتٍ، فسأله عن ذلك، فقال عثمانُ لعليٍّ وزيدٍ: ما تَرَيان؟ فقالا: نَرَى
..................................
أنَّها إن ماتَتْ وَرِثَها، وإن مات وَرِثَتْه؛ لأنها ليست مِن القَواعِدِ اللَّا ئى يئسْنَ مِن المَحِيضِ، ولا مِن الأبكارِ اللَّائى لم [يبْلُغْنَ المَحِيضَ] 1. فرَجَعَ حَبَّان 2 إلى أهْلِه، فانتَزَعَ البِنْتَ منها، فعاد إليها الحَيضُ، فحاضَتْ حَيضَتَين، ومات حَبَّان قبلَ انْقِضاءِ الثالثةِ، فوَرَّثَها عثمانُ، رَضِيَ الله عنه.
وروَى الأثْرَمُ بإسْنادِه 3، عن محمدِ بنِ يَحْيَى بنِ حَيان، أنه كان عندَ جَدِّهِ امْرأتان؛ هاشِمِيَّة، وأنْصارِية، فطَلَّقَ الأنْصارِيَّةَ وهي مُرْضِع، فمرَّتْ بها سَنَة، ثم هَلَكَ ولم تَحِضْ، فقالتِ الأنْصارِيةُ (2): لم أحِضْ.
فاخْتَصَمُوا إلى عثمانَ، رَضِيَ اللهُ عنه، فقَضَى لها بالمِيراثِ، فلامَتِ الهاشِمِيَّةُ عثمانَ، فقال: هذا عَمَلُ ابنِ عَمِّكِ، هو أشارَ علينا بهذا.
يَعْنِي عليَّ بنَ أبي طالب، رَضِيَ الله عنه.
فَصْلٌ: السَّادِس، امْرأةُ الْمَفْقُودِ الَّذِي انْقَطَعَ خَبَرُهُ لِغَيبَةٍ ظَاهِرُهَا الْهَلَاكُ؛ كَالَّذِي يُفْقَدُ مِنْ بَينِ أهْلِهِ، أوْ فِي مَفَازَةٍ، أوْ بَينَ الصَّفَّينِ إذَا قُتِلَ قَوْمٌ، أوْ مَنْ غَرِقَ مَرْكَبُهُ، وَنَحو ذَلِكَ، فَإِنَّهَا تَتَرَبَّصُ أرْبَعَ سِنِينَ، ثُمَّ تَعْتَدُّ لِلْوَفَاةِ.
فصل: (السادسُ، امرأةُ المَفْقُودِ الذي انْقَطَعَ خبرُه لغيبَةٍ ظاهِرُها الهلاكُ، كالذي يفْقَدُ مِن بينِ أهْلِه، أو في مَفازَةٍ) مُهْلِكَة (أو بينَ الصَّفين إذا قُتِلَ قوم، أو مَن غَرِق مَرْكَبُه، ونحو ذلك، فإنَّها تَتَرَبَّصُ أرْبعَ سنين، ثم تَعْتدُّ للوَفاةِ) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا غاب الرجلُ عن امرأته لم يَخْلُ مِن حالينِ؛ أحَدُهما، أن تكونَ غَيبَتُه ظاهِرُها الهلاكُ، كالذي يُفْقَدُ مِن بينِ أهْلِه ليلًا أو نهارًا، أو يَخْرُجُ إلى الصَّلاةِ فلا يَرْجِعُ، أو يَمْضِي إلى مكانٍ قريبٍ ليَقْضِيَ حاجة ويَرْجِعَ، فلا يَظْهَرُ له خَبَر، أو يُفْقَدُ بينَ 1 الصَّفَّين، أو مَن انْكَسَرَ مَرْكَبُه فيَغْرَقُ بعضُ رُفْقَتِه، أو يُفْقَدُ في مَهْلَكَهَ،
..................................
كَبَرِّيةِ الحِجَازِ ونحوها، فمذهبُ أحمدَ الظاهِرُ عنه، أنَّ زَوْجَتَه تَتَرَبَّصُ أرْبَعَ سنينَ، أكثرَ مُدةِ الحملِ، ثم تَعْتَدُّ للوَفاةِ أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا، وتَحِل للأزْواجِ.
قال الأثْرَمُ: قيل لأبي عبدِ اللهِ: تذْهَبُ إلى حَديثِ عمرَ؟ قال: هو أحْسَنُها، يُرْوَى عن عمرَ مِن ثمانيةِ وُجُوهٍ.
ثم قال: زَعَمُوا أن عمرَ رَجَع عن هذا، هؤلاء الكَذَّابِين 1. قلتُ: فرُوِيَ مِن وجْهٍ ضعيف أن عمرَ قال بخلافِ هذا؟ قال: لا، إلَّا أن يكونَ إنسان يَكْذِبُ.
وقلتُ له مرةً: إن إنْسانًا قال لي: إنَّ أبا عبدِ اللهِ قد تَرَكَ قولَه في المَفْقُودِ بعدَك.
فضَحِكَ، ثم قال: مَن تَرَكَ هذا القولَ، أي شيءٍ يقولُ! وهذا قولُ عمرَ، وعثمانَ، وعليٍّ، وابنِ عباس، وابنِ الزُّبَيرِ.
قال أحمدُ: خمسة مِن أصْحابِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وبه قال عطاء، وعمرُ بنُ عبدِ العَزيزِ، والحسنُ، والزُّهْرِي، وقَتادةُ، والليثُ، وعَلِيُّ بنُ المَدِيني، وعبدُ العَزِيزِ بنُ أبي سَلَمَةَ.
وبه قال 2 مالِك، والشافعي في القدِيمِ، إلا أن مالِكًا قال: ليس في انْتِظارِ مَن يُفْقَدُ في القِتالِ وقْت.
ليقال سعيدُ.
بنُ المُسَيبِ في امرأةِ المَفْقُودِ بينَ الصفين: تَتَرَبصُ سنةً؛ لأن غَلَبَةَ هَلاكِه ههُنا 3 أكثرُ مِن غلَبَةِ غيرِه، لوُجُودِ سَبَبِه.
وقد نُقِلَ عن أحمدَ أنه قال:
..................................
كنتُ أقولُ: إذا تَرَبَّصَتْ أرْبَعَ سنين، ثم اعْتَدَّتْ أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا، تَزَوَّجَتْ، وقد ارْتَبْتُ فيها، وهِبْتُ الجوابَ فيها، لمَّا اخْتَلَفَ الناسُ فيها، فكأنِّي أحِبُّ السَّلامةَ.
وهذا تَوَقف يَحْتَمِلُ الرُّجُوعَ عمَّا قاله، وتَتَرَبَّصُ أبدًا، ويَحْتَمِلُ التَّوَرُّعَ، ويكونُ المذهبُ ما قاله أوَّلًا.
قال القاضي: أكثرُ أصْحابِنا على أنَّ المذْهَبَ رواية واحدةٌ، وعندِي أنَّ المَسْألةَ على روايتَين.
وقال أبو بكر: الذي أقولُ به إن صَحَّ الاخْتِلافُ في المَسْألةِ، أن لا [يُحْكَمَ بحكم ثانٍ] 1 إلَّا بدَلِيل على الانْتِقالِ، وإن ثَبَتَ الإجْماعُ، فالحُكْمُ فيه على ما نصَّ عليه.
وظاهِرُ المذْهَبِ على ما حَكَيناه 2 أوَّلًا.
نقَلَه عن أحمدَ الجماعةُ، وقد أنْكَرَ أحمدُ روايةَ مَن روَى عنه الرُّجُوعَ على ما حَكَيناه مِن رِوايةِ الأثْرَمِ.
وقال أبو قِلابةَ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وابنُ أبي لَيلَى،
..................................
وأصْحابُ الرَّأي، والشافعيُّ في الجَدِيدِ: لا تَتَزَوَّجُ امرأةُ المفْقُودِ حتى تَتَيَقنَ موْتَه أو فِراقَه؛ لِما روَى المُغِيرَةُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «امْرَأةُ المَفْقُودِ امْرَأتهُ حَتَّى يَأتِيَهَا زَوْجُهَا 1» 2. وروَى الحَكَمُ 3، وحَمَّاد، عن علي: لا تَتَزَوَّجُ امرأةُ المفْقُودِ حتى يَأتِيَ مَوْتُه أو طَلاقُه 4. ولأنَّه شَك في زَوالِ الزَّوْجِيَّةِ، فلم تَثْبُتْ به الفُرْقَة، كما لو كان [ظاهِرُ غَيْبَتِه] 5 السَّلامَةَ.
ولَنا، ما روَى الأثْرَمُ والجُوزْجانِيُّ بإسْنادِهما، عن عُبَيدِ بنِ عُمَير، قال: فُقِدَ رَجُل في عَهْدِ عمرَ، فجاءتِ امرأتُه إلى عمرَ، فذَكَرَتْ ذلك له، فقال: انْطَلِقِي فَتَرَبَّصِي أرْبَعَ سنين.
ففَعَلَتْ، ثم أتَتْه، فقال: انْطَلِقي فاعْتَدِّي أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشرًا.
ففَعَلَتْ، ثم أتَتْه، فقال: أينَ وَلِيُّ هذا الرجلِ؟ فجاء وَلِيُّهُ، فقال: طَلِّقْها.
ففَعَلَ، فقال لها عمرُ:
..................................
انْطَلِقِي، فتَزَوجِي مَن شِئْتِ.
فتَزَوجَتْ، ثم جاء زَوْجُها الأوَّلُ، فقال له عمرُ: أينَ كنتَ؟ فقال: يا أميرَ المؤمنين، استَهْوَتْنِي الشَّياطِين 1، فواللهِ ما أدْرِي في أيِّ أرْضِ اللهِ، كنتُ عندَ قَوْم يَسْتَعْبِدُونَنِي، حتى [اغْتَزَاهُم منهم] 2 قوم مُسْلِمونُ، فكنتُ في ما غَنِمُوه، فقالوا لي: أتْتَ رَجُل مِن الإنْسِ، وهؤلاءِ الجنُّ، فما لك وما 3 لهم؟ فأخْبَرْتُهم خَبَرِي، فقالوا: بأيِّ 4 أرْضِ اللهِ تُحِبُّ أن تُصْبِحَ؟ قلتُ: المَدِينةُ هي أرْضِي، فأصْبَحْتُ وأنا أنظرُ إلى الحَرَّةِ.
فخَيَّرَه عمرُ؛ إن شاء امْرأتَه، وإن شاء الصَّداقَ.
فاخْتارَ الصَّداقَ، وقال: قد حَبِلَتْ، لا حاجَةَ لي فيها 5. قال.
أحمدُ: يُرْوَى عن عمرَ مِن ثمانيةِ وُجُوهٍ، ولم يُعْرَفْ في الصحابةِ له مُخالِف.
وروَى الجُوزْجاني وغيرُه بإسْنادِهم 6، عن علي في امرأةِ المفْقُودِ: تَعْتَدُّ أرْبَعَ سِنِين، ثم يُطَلِّقُها وَلِيُّ زَوْجِها، وتَعْتَدُّ بعدَ ذلك أرْبَعَةَ أشْهُر وعَشْرًا، فإن جاء زَوْجُها المفْقُودُ
وَهَلْ تَفْتَقِرُ إِلَى رَفْعِ الأمْرِ إلَى الْحَاكِمِ لِيَحْكُمَ بِضَرْبِ الْمُدَّةِ وَعِدَّةِ
بعدَ ذلك، خُيرَ بينَ الصَّدَاقِ وبينَ امْرأتِه.
وقَضَى به عثمانُ أيضًا.
وقَضَى به ابنُ الزُّبَيرِ في مَوْلَاةٍ لهم.
وهذه قَضَايا انْتَشَرَتْ في الصَّحابةِ، فلم تُنْكَرْ، فكانت إجْماعًا.
فأمَّا الحدِيثُ الذي رَوَوْه عن النبي - صلى الله عليه وسلم - فلم يَثْبُتْ، ولم يَذْكُرْه أصْحابُ السُّنَنِ.
وما رَوَوْه عن علي، فيَرْويه الحَكَمُ وحَمَّاد مُرْسَلًا، والمُسْندُ عنه مثلُ قَوْلِنا، ثم يُحْمَلُ ما رَوَوْه على المفْقُودِ الذي ظاهِرُ غَيبتِه السَّلامَةُ، جَمْعًا بينَه وبينَ ما رَوَيناه.
وقولُهم: إنَّه شَك في زَوالِ الزَّوْجِيَّةِ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ الشَّكّ ما يَتَساوَى فيه الأمْرانِ، والظاهِرُ في مَسْألتِنا الهَلاكُ.
فصل: وهل يُعْتَبَرُ أن يُطَلقَها وَلِيُّ زَوْجِها، ثم تَعْتَدَّ بعدَ ذلك بثلاثةِ قُروءٍ؟ فيه روايتان؛ إحداهما، يُعْتَبَرُ ذلك؛ لأنَّه في حَدِيثِ عمرَ الذي رَوَيناهُ، وقد قال أحمدُ: هو أحْسَنُها.
وذُكِرَ في حديثِ علي، أنَّه يُطَلِّقُها وَلِيُّ زَوْجِها.
والثانيةُ، لا يُعْتَبَرُ.
كذلك قال (1) ابنُ عمرَ، وابنُ عباس.
وهو القِياسُ؛ فإنَّ وَلِيَّ الرجلِ لا ولايةَ له في طَلاقِ امرأتِه، ولأنَّنا حَكَمْنا عليها بعِدَّةِ الوَفاةِ، فلا يَجِبُ عليها مع ذلك عِدَّةُ الطَلاقِ، كما لو تَيَقَّنَتْ وَفاتَه، ولأنه قد وُجِدَ دَلِيلُ هَلاكِه على وَجْهٍ أباحَ التَّزْويجَ لها، وأوْجَبَ عليها عِدةَ الوَفاةِ، فأشْبَهَ ما لو شَهدَ به شاهدان.
3865 -
مسألة: (وهل تَفْتَقِرُ إلى رَفْعِ الأمْرِ إلى الحاكِمِ ليَحْكُمَ
1
الْوَفَاةِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
بضَرْب المُدَّةِ وعِدَّةِ الوَفاةِ؟ على رِوايَتَين) إحداهما، تَفْتَقِرُ؛ لأنَّها مُدة مُخْتَلَف فيها، فافْتَقَرَتْ إلى ضَرْبِ الحاكمِ، كمُدَّةِ العُنَّةِ.
فعلى هذا، يكونُ ابْتِداءُ المُدَّةِ مِن حينَ 1 ضَرَبَها الحاكمُ.
والثانيةُ، لا تَفْتَقِرُ؛ لأنَّها مُدَّة تُعْتَبَرُ لإباحةِ النِّكاحِ، فلم تَفْتَقِرْ إلى الحاكمِ، كمُدةِ مَن ارْتَفَعَ حَيضُها لا تَدْرِي ما رَفَعَه، فيكونُ ابْتِداءُ المدَّةِ مِن حينَ انْقَطَعَ خبرُه، وبَعُدَ أثَرُه، ولأنَّ هذا ظاهِر في مَوْتِه، فكان ابْتِداءُ المدَّةِ منه، كما لو شَهِدَ به شاهِدان.
وللشّافعيَّةِ 2 وَجْهان، كالرِّوايَتَين.