الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 250-289

..................................  فصل: قال شيخُنا 1: وليس له أن يَحُجَّ إذا احْتاجَ إلى إنْفاقِ مالِه فيه.
وذَكَرَ في كِتابِ الاعتِكافِ 2، أنَّ له أن يَحُجَّ بغَيرِ إذْنِ سيدِه؛ لأنَّه كالحُرِّ المَدينِ 3. ونَقَل المَيمُونِيُّ عن أحمدَ، أنَّ للمُكاتَبِ أن يَحُجَّ مِن المالِ الذي جَمَعَه إذا لم يَأْتِ نَجْمُه.
قال شيخُنا 4: وذلك مَحْمُول على أنَّه يَحُجُّ بإذْنِ سيدِه، أمَّا بغيرِ إذْنِه فلا يَجُوزُ؛ لأنَّه تَبَرُّعٌ بما يُنْفِقُ ماله فيه، فلم يَجُزْ، كالعِتْقِ.
فأمّا إن أمْكَنَه الحَجُّ مِن غيرِ إنْفاقِ مالِه، كالذي يَتَبَرَّعُ له إنْسانٌ بإحْجاجِه، أو يَخْدُمُ مَن يُنْفِقُ عليه، فيجوزُ إذا لم يأتِ نَجْمُه؛ لأنَّ هذا يَجْرِي مَجْرَى تَرْكِه المكْسَبَ 5، وليس ذلك ممَّا يُمْنَعُ منه.

..................................  فصل: وليس للمُكاتَبِ أن يُكاتِبَ إلَّا بإذْنِ سيدِه.
وهذا قولُ الحسنِ، والشافعيِّ؛ لأنَّ الكِتابَةَ نَوْعُ إعْتاقٍ، فلم تَجُزْ مِن المُكاتَبِ، كالمُنْجَزِ.
ولأنَّه لا يَمْلِكُ الإِعْتاق، فلم يَمْلِكِ الكِتابَةَ، كالمأْذُونِ واخْتار (1) القاضي جوازَ الكِتابَةِ.
وهو الذي ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ، في «رُءُوسِ المسائِلِ».
وهو قولُ مالكٍ، وأبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والأوْزَاعِيِّ؛ لأنَّه نوْعُ مُعاوَضَةٍ، فأشْبَهَ البَيعَ.
وقال أبو بكرٍ: هو مَوْقُوفٌ.
كقَوْلِه في العِتْقِ المُنْجَزِ، فإن أذِنَ فيها السيدُ صَحَّت.
وقال الشافعيُّ: فيها قولان.
وقد ذَكَرْنا ذلك فيما تَقَدَّمَ.

2994 -

مسألة: (وولاءُ مَن يُعْتِقُه ويُكاتِبُه لسيدِه)

إذا كاتَبَ عبدَه فعَجَزا جَمِيعًا صارا رَقِيقَين للسيدِ.
وإن أدَّى المُكاتَبُ الأوَّلُ، ثم1

..................................  أدَّى الثانِي، فوَلاءُ كلِّ واحدٍ منهما لمُكاتِبِه.
وإن أدَّى الأولُ وعَجَز الثاني صار رَقِيقًا للأولِ.
وإن عجز الأولُ وأدَّى الثاني فولاؤُه للسيِدِ الأولِ.
وإن أدَّى الثاني قبلَ عِتْقِ الأوَّلِ عَتَقَ.
قال أبو بكر: ووَلاوه للسيدِ.
وهو قول أبي حنيفةَ؛ لأنَّ العِتْقَ لا يَنْفَكُّ عن الوَلاءِ.
والولاءُ لا يُوقَفُ؛ لأنَّه سَبَبٌ يُورَثُ به، فهو كالنَّسَبِ، ولأنَّ المِيراثَ لا يَقِفُ، كذلك سَبَبُه.
وقال القاضي: هو مَوْقُوفٌ؛ إن أدَّى عَتَقَ والولاءُ له، وإلَّا فهو للسيدِ.
وهذا أحدُ قَوْلَي الشافعيِّ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إِنَّما الوَلاءُ لِمَنْ أعْتَقَ» 1. ولأنَّ العَبْدَ ليس بمِلْكٍ له، ولا يجوزُ أن يَثْبُتَ له الوَلاءُ على مَن لم يَعْتِقْ في مِلْكِه.
وقولُهم: لا يجوزُ أن يَقِفَ كما لم يَقِفِ النَّسَبُ والميراثُ.
ليس كذلك؛ فإنَّ النَّسَبَ يَقِفُ على بُلُوغِ الغُلامِ وانْتِسابه إذا لم تُلْحِقْه القَافَةُ بأحدِ الواطِئين، وكذلك المِيراثُ يُوقَفُ، على أَنَّ 2 الفَرْقَ بينَ النَّسَبِ والميراثِ وبينَ الولاءِ، أنَّ الوَلاءَ يجوزُ أن يَقَعَ لشَخْصٍ ثم يَنْتَقِلَ، وهو ما يَجُرُّه مَوْلَى الأبِ مِن مَوْلَى الأُمِّ، فجازَ أن يكونَ مَوْقُوفًا.
والنَّسَبُ والمِيراثُ بخلافِ ذلك.
فإن مات المُعْتَقُ قبل عتْقِ المُكاتَبِ، وقُلْنا: الوَلاءُ للسيدِ.
وَرِثَه.
وإن قُلْنا: هو موقوفٌ.
فمِيراثُه أيضًا مَوْقوفٌ.

..................................  فصل: وليس له أن يَبِيعَ نَسِيئَةً وإن باع السِّلْعَةَ بأضْعافِ قِيمَتِها.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ فيه تَغْريرًا بالمالِ، وهو مَمْنوعٌ منه؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ السيدِ به.
قال القاضي: ويَتَخرَّجُ الجوازُ، بِناءً على المُضَارِبِ أنَّ له البَيعَ نَسِيئَةً، في إحْدَى الرِّوايَتَين، فيُخرَّجُ ههُنا مثلُه.
وسواءٌ أخَذَ ضَمِينًا 1 أو رَهْنًا 2 أو لم يَأْخُذْ؛ لأنَّ الغَرَرَ باقٍ؛ لأنَّه يَحْتَمِلُ أن يَتْلَفَ الرَّهْنُ ويُفْلِسَ الغَرِيمُ والضَّمِينُ.
ويَحْتَمِلُ أن يجوزَ مع الرَّهْنِ والضَّمِينِ؛ لأنَّ الوَثِيقَةَ قد حَصَلَتْ به، والعَوارِضُ نادِرَةٌ على خِلافِ الأصْلِ.
فإن باع بأكْثَرَ مِن قِيمَتِه حالًّا، وجَعَلَ الزِّيادَةَ مُؤَجَّلَةً، جازَ؛ لأنَّ الزِّيادَةَ رِبْحٌ.

وَلَا يُكَفِّرُ بِالْمَالِ.
وَعَنْهُ، لَهُ ذَلِكَ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وإنِ اشْتَرَى نَسِيئةً جازَ؛ لأنَّه لا (1) غَرَرَ فيه.
ولا يجوزُ أن يدْفَعَ به رَهْنًا، لأنَّ الرَّهْنَ أمَانَةٌ، وقد يَتْلَفُ أو يَجْحَدُه الغَرِيمُ.
وليس له أن يَدْفَعَ ماله سَلَمًا (2)؛ لأنَّه في مَعْنَى البَيعِ نَسِيئَةً.
وله أن يَسْتَسْلِفَ في ذِمَّتِه، لأنَّه في مَعْنَى الشِّراءِ نَسِيئَةً.
وله أن يَقْتَرِضَ؛ لأنَّه يَنْتَفِعُ بالمالِ.
وليس له أن يَدْفَعَ ماله مُضَارَبةً؛ لأنَّه يُسَلمُه إلى غيرِه، فيُغَرِّرُ به.
وفي الرَّهْنِ والمُضارَبَةِ وجْهٌ آخَرُ، أنَّه يجوزُ (3). وله أن يأخُذَ قِراضًا؛ لأنَّه مِن أنْواعِ الكَسْبِ.
ومذهبُ الشافعيِّ في هذا الفَصْلِ كلِّه على ما ذَكَرْنا.

2995 -

مسألة: (ولا يُكَفِّرُ بالمالِ. وعنه، له ذلك بإذْنِ سيدِه)

إذا لَزِمَتِ المُكاتَبَ كَفَّارَةُ ظِهارٍ، أو جِماعٍ في رَمضانَ، أو قَتْلٍ، أو كَفَّارَةُ يَمِينٍ، لم يَكُنْ له التَّكْفِيرُ بالمالِ؛ لأنَّه عَبْدٌ، ولأنَّه في حُكْمِ المُعْسِرِ، بدليلِ أنَّه لا تَلْزَمُه زَكاةٌ، ولا نَفَقَةُ قَرِيبٍ، وله أخْذُ الزَّكاةِ لحاجَتِه.
وكَفَّارَةُ العَبْدِ والمُعْسِرِ الصِّيامُ.
وإن أذِنَ له سيدُه في التَّكْفِيرِ123

..................................  بالمالِ جازَ؛ لأَنه بمَنْزِلَةِ التَّبرُّعِ، ولأنَّ المَنْعَ لِحَقِّه، وقد أذِن فيه.
ولا يَلْزَمُه التَّكْفِيرُ بالمالِ وإن أذِنَ فيه السيدُ؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا لمَا يُفْضِي إليه مِن تَفْويتِ حُرِّيتِه، كما أنَّ التبرعَ لا يَلْزَمُه بإذْنِ سيدِه.
وقال القاضي: المُكاتَبُ كالعبدِ القِنِّ في التَّكْفِيرِ.
ومتى أذِنَ له سيدُه في التَّكْفِيرِ بالمالِ 1 انْبنى على مِلْكِ العبدِ بالتَّمْلِيكِ.
فإن قُلْنا: لا يَمْلِكُ.
لم يَصِحَّ تَكْفِيرُه بغيرِ الصِّيامِ، سواءٌ أذَنِ فيه أو لم يأْذَنْ؛ لأنَّه يُكَفِّرُ بما ليس بمَمْلوكٍ له (1). وإن قُلْنا: يَمْلِكُ بالتُّمْلِيكِ.
صَحَّ تَكْفِيرُه بالإطْعامِ، إذا أذِن فيه السيدُ.
وإن أذِن له في التَّكْفِيرِ بالعِتْقِ، فهل يَصِحُّ؟ على رِوايَتَين نَذْكُرُهما في تَكْفِيرِ العَبْدِ، إن شاء اللهُ تعالى.
قال شيخُنا 2: والصَّحيحُ أنَّ هذا التَّفْصِيلَ لا يَتَوَجَّهُ في المُكاتَبِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ المال بغيرِ خِلافٍ؛ وإنَّما مِلْكُه ناقِصٌ؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ سيدِه به، فإذا أذِن له سيدُه فيه، صَحَّ، كالتَّبَرُّعِ.

وَهَلْ لَهُ أَنْ يَرْهَنَ أَوْ يُضَارِبَ بِمَالِهِ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.

2996 - مسألة: (وهل له أن يَرْهَنَ أو يُضارِبَ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين)

أحَدُهما، لا يجوزُ؛ لأنَّ في دَفْعِ مالِه إلى غيرِه تَغْرِيرًا به، وفي الرَّهْنِ خَطَرٌ؛ لأنَّه قد يَتْلَفُ أو يَجْحَدُه الغَرِيمُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
والثاني، يجوزُ؛ لأنَّه قد يَرَى الحَظَّ فيه، بدليلِ أنَّ لِوَلِيِّ اليَتِيمِ أن يَفْعَلَه في مالِ اليَتِيمِ، فجازَ، كإجارَتِه.

وَلَيسَ لَهُ شِرَاءُ ذَوي رَحِمِهِ إلا بِإِذْنِ سَيِّدِهِ.
وَقَال الْقَاضِي: لَهُ ذَلِكَ.

2997 - مسألة: (وليس له شِراءُ ذَوي رَحِمِه إلَّا بإذْنِ سيدِه)

..................................  [ذَكَره أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّه] 1 تَصَرُّفٌ يُؤَدِّي إلى إتْلافِ مالِه، لأنَّه يُخْرِجُ مِن مالِه ما يجوزُ التَّصَرُّفُ فيه في مُقابَلَةِ ما لا يجوزُ له التَّصَرُّفُ فيه، أشْبَهَ الهِبَةَ.
وهذا قولُ الشافعيِّ.
(وقال القاضي: له ذلك) وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه اشْتَرَى مَمْلُوكًا لا ضَرَرَ على السيدِ في شِرائِه، فصَحَّ، كالأجْنَبِيِّ.
وبَيانُه أنَّه يأخُذُ كَسْبَهم، وإن عَجَزَ صاروا رَقِيقًا لسيدِه، ولأنَّه يَصِحُّ أن يَشتَرِيَه غيرُه، فصَحَّ شِراؤُه له، كالأجْنَبِيِّ.
ويُفارِقُ الهِبَةَ، لأنَّها تُفَوِّتُ المال بغيرِ عِوَض ولا نَفعٍ يَرْجِعُ إلى المُكاتَبِ [ولا السيدِ] 2. ولأنَّ السببَ تَحَقَّقَ، وهو صُدُورُ التَّصَرُّفِ مِن أهْلِه في مَحَلِّه، ولم يَتَحَقَّقِ المانِعُ؛ لأنَّ ما ذَكَرُوه لا نَصَّ فيه، ولا له أصْلٌ يُقاسُ عليه.
فإن أذِنَ فيه سيدُه جازَ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لأنَّ المَنْعَ لِحَقِّ سيدِه، فجاز بإذْنِه.
وهو قولُ بعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال بعضُهم: فيه قولان.

وَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهُمْ إِذَا وُهِبُوا لَهُ، أوْ وُصِّيَ لَهُ بِهِمْ، إِذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَرٌ بِمَالِهِ.

2998 - مسألة: (وله أن يَقْبَلَهم إذا وُهِبُوا له، أو وُصِّيَ له بِهم)

لأنَّه إذا مَلَكَ شِراءَهم مع ما فيه مِن بَذْلِ 1 مالِه، فلَأن يجوزَ بغيرِ عِوَض أوْلَى.
وعندَ مَن لا يَرى جَوازَ شِرائِهم بغيرِ إذْنِ السيدِ، لا يجوزُ قَبُولُهم، إلَّا (إذا لم يكُنْ فيه ضَرَر بمالِه) كما قالوا في وَلِيِّ اليَتِيمِ إذا وَصَّى لليَتِيمِ بمَن يَعْتِقُ عليه.

وَمَتَى مَلَكَهُمْ لَمْ يَكُنْ لَهُ بَيعُهُمْ، وَلَهُ كَسْبُهُمْ، وَحُكْمُهُمْ حُكْمُهُ، فَإِنْ عَتَقَ عَتَقُوا، وَإنْ رَقَّ صَارُوا رَقِيقًا لِلسَّيِّدِ.

2999 - مسألة: (وإذا مَلَكَهُم فليس له بَيعُهم)

ولا هِبَتُهم، ولا إخْراجُهم عن مِلْكِه.
وقال أصحابُ الرَّأْي: له بَيعُ مَن 1 عدا الوالِدِين والمَولودِين؛ لأنَّهم ليست قَرَابَتُهم قَرابَةً جُزْئيةً ولا بَعْضِيَّةً، فأشْبَهُوا الأجانِبَ.
ولَنا، أنَّه ذو رَحِم يَعْتِقُ عليه إذا عَتَقَ، فلا يجوزُ بَيعُه، كالوالِدِين والمَوْلُودِين.
ولأنَّه لا يَمْلِكُ بَيعَهم إذا كان حرًّا، فلا يَمْلِكُه مُكاتَبًا، كوالِدَيه.
فصل: ولا يَعْتِقُونَ بمُجَرَّدِ مِلْكِه لهم؛ لأنَّه لوَ باشَرَهم بالعِتْقِ أو أعْتَقَ غيرَهم، لم يَقَعِ العِتْقُ، فَلَأن لا يَقَعَ بالشراءِ الذي أُقِيمَ مُقامَه أوْلَى.
ومتى أدَّى وهُم في مِلْكِه عَتَقُوا؛ لأنَّه كَمُلَ مِلْكُه فيهم، وزال تَعَلُّقُ حَقِّ سيدِه عنهم، فعَتَقُوا حينَئِذٍ، وولاؤُهم له دُونَ سيدِه؛ لأنَّهم عَتَقُوا عليه بعدَ زَوالِ مِلْكِ سيدِه عنه، فصاروا بمَنْزِلَةِ ما لو اشْتَراهم بعدَ عِتْقِه.
وإنْ عَجَز ورُدَّ في الرِّقِّ صاروا عَبيدًا للسيدِ؛ لأنَّهم مِن مالِه، فيَصِيرُون للسيدِ بعَجْزِه، كعَبِيدِه الأجانِبِ، (وله كَسْبُهم) لأنَّهم ممالِيكُه، أشْبَهَ

وَكَذَلِكَ الْحُكمُ فِي وَلَدِهِ مِنْ أَمَتِهِ.
الأجانِبَ، ونَفَقَتُهم عليه بحكمِ المِلْكِ لا بحُكْمِ القرابَةِ (وكذلك الحُكْمُ في وَلَدِه مِن أمَتِه) قِياسًا عليهم.
فصل: فإن أعْتَقَهُم السيدُ لم يَعْتِقُوا؛ لأنَّه لا يَمْلِكُهم، فلم 1 يَمْلِكِ التَّصَرُّفَ فيهم.
وإن أعْتَقَهم المُكاتَبُ بغيرِ إذْنِ سيدِه لم يَعْتِقُوا؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ سيدِه بهم، وإن أعْتَقَهم بإذْنِه عَتَقُوا، كما لو أعْتَقَ غيرَهم مِن عَبِيدِه.

وَوَلَدُ الْمُكَاتَبَةِ الَّذِي وَلَدَتْهُ فِي الْكِتَابَةِ يَتْبَعُهَا.
وإن أعْتَقَه سيدُه عَتَقَ، وصارُوا رَقِيقًا للسيدِ، كما لو عَجَزَ؛ لأنَّ كِتابَتَه تَبْطُلُ بعِتْقِه، كما تَبْطُلُ بموتِه.
وعلى ما اخْتارَه شيخُنا يَعْتِقُون؛ لأنَّه عَتَقَ قبلَ فَسْخِ الكِتابَةِ، فوَجَبَ أن يَعْتِقُوا، كما لو عَتَقَ بالإِبْراءِ مِن مالِ الكِتابَةِ، أو بأدَائِه، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ لازِمٌ، يَسْتَفِيدُ بها المُكاتَبُ مِلْكَ رَقِيقِه وأكسابَه، ويَبْقَى حَقُّ السيدِ في مِلْكِ رَقَبَتِه على وجْهٍ لا يَزُولُ إلَّا بالأداءِ (1)، أو ما يقومُ مَقامَه، فلا يَتَسَلَّطُ السيدُ على إبْطالِها فيما يَرْجِعُ إلى إبْطالِ حَقِّ المُكاتَبِ، وإنَّما يَتَسَلَّطُ على إبْطالِ حَقِّه منِ رَقَبَةِ المُكاتَبِ، فيَنْفُذُ في مالِه دُونَ مال المُكاتَبِ.
وقد ذَكَرْنا مثْلَ هذا فيما مَضَى.
وإن مات المُكاتَبُ ولم يُخَلِّفْ وَفَاءً عادوا رَقِيقًا.
وقال أبو يُوسُفَ، ومحمدٌ: يَسْعَوْنَ في الكِتابَةِ على نُجُومِها، وكذلك [أُمُّ وَلَدِه] (2). وقال أبو حنيفةَ، في الوَلدِ خاصَّةً: إن جاء بالكتابةِ حالَّةً قُبِلَتْ منه، وعَتَقَ.
ولَنا، أنَّه عَبْدٌ للمُكاتَبِ، فصارَ بموتِه لسيدِه إذا لم يُخَلِّفْ وَفَاءً، كالأخنَبِيِّ.
وإن خَلَّفَ وَفَاءً، انْبَنَى على الرِّوايَتَين في فَسْخِ الكِتابَةِ، على ما تَقَدَّمَ.

3000 -

مسألة: (ووَلَدُ المُكاتَبَةِ الذي وَلَدَتْه في الكِتابَةِ يَتْبَعُها)

تَصِحُّ كِتابَةُ الأمَةِ كما تَصِحُّ كتابةُ العبدِ، بغيرِ خِلافٍ.
وقد دَلَّ عليه حَدِيث12

..................................  بَرِيرَةَ 1، وحديثُ جُوَيرِيةَ 2 بنتِ الحارِثِ، ولأنَّها داخِلَةٌ في عُمُومِ قولِه تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمْتُمْ فِيهِمْ خَيرًا﴾ 3. فإذا أتَتِ المُكاتَبَةُ بوَلَدٍ مِن غيرِ سيدِها مِن نِكاحٍ أو غيرِه، فهو تَابعٌ لها، فإن عَتَقَتْ بالأداءِ أو بالإِبْراءِ عَتَقَ، وإن فُسِختْ كِتابَتُها وعادَتْ إلى الرِّقِّ، عادَ رَقِيقًا قِنًّا.
وهذا قولُ شُرَيحٍ، ومالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأبي حنيفةَ، وإسحاقَ.
وسواءٌ في هذا ماكان حَمْلًا حال الكِتابَةِ، أو حَدَثَ بَعدَها.
وقال أبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ: هو عَبْدٌ قِنٌّ، لا يَتبعُ أُمَّه.
وللشافعيِّ قوْلان، كالمَذْهَبَين.
واحْتَجُّوا بأنَّ الكِتابَةَ غيرُ لازِمَةٍ مِن جِهَةِ العَبْدِ، فلا تَسْرِي إلى الوَلَدِ، كالتعليقِ بالصفةِ.
ولَنا، أنَّ الكِتابَةَ سَبَبٌ ثابِتٌ للعِتْقِ لا يجوزُ إبْطالُه، فسَرَى إلى الولدِ، كالاسْتِيلادِ، ويُفارِقُ التعليقَ بالصِّفَةِ، فإنَّ السيدَ يَمْلِكُ إبْطاله بالبَيعِ.

..................................  إذا ثَبَتَ هذا، فالكلامُ في الولدِ في فُصُولٍ أرْبَعَةٍ: في قِيمَتِه إذا تَلِفَ، وفي كَسْبه، وفي نَفَقَتِه، وفي عِتْقِه.
أما قِيمَتُه إذا تَلِفَ، فقال أبو بكرٍ: هي 1 لأُمِّهِ، تَسْتَعِينُ بها على كِتابَتِها؛ لأنَّ السيدَ لا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فيه مع كونِه عبدًا، فلا يَسْتَحِقُّ قِيمَتَه؛ لأنَّه بمَنْزِلَةِ جُزْءٍ منها ولو جُنِيَ على جُزْءٍ منها، كان أرْشُه لها، كذلك وَلَدُها، وإذا لم يَسْتَحِقَّها هو كانت لأمِّه؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، ولأنَّ وَلَدَها لو مَلَكَتْه بهِبَةٍ وشراءٍ فَقُتِلَ 2، كانت قِيمَتُه لها، فكذلك إذا تَبِعَها.
يُحَقِّقُه أنَّه إذا تَبِعَها صار حُكْمُه حُكْمَها، فلا يَثْبُت مِلْكُ السيدِ في مَنافِعِه ولا في أرْشِ الجنايَةِ عليه، كما لا يَثْبُتُ له ذلك فيها.
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قولَيه: تكَونُ القِيمَةُ لسيدِها؛ لأنَّها لو قُتِلَتْ كانت قِيمَتُها لسيدِها، فكذلك وَلَدُها.
والفَرْقُ بينَهما أنَّ الكِتَابَةَ تَبْطُلُ بقَتْلِها، فيَصِيرُ 3 مالُها لسيدِها، بخِلافِ وَلَدِها، فإنَّ العَقْدَ باقٍ بعدَ قَتْلِه، فنَظِيرُ هذا إتْلافُ بعضِ أعْضائِها.

..................................  والحُكْمُ في إتْلافِ بَعْضِ أعْضائِه، كالحُكْمِ في إتْلافِه.
وأمَّا كَسْبُه وأَرشُ الجِنايَةِ عليه، فيَنْبَغِي أن يكونَ لأُمِّه أيضًا؛ لأنَّ وَلَدَها جُزْءٌ منها تابعٌ لها، فأشْبَهَ بَقِيَّةَ أجْزائِها، ولأنَّ أداءَها لكِتابتِها سَبَبٌ لعِتْقِه وحُصُولِ الحُرِّيَّةِ له، فيَنْبَغِي أن يُصْرَفَ ذلك فيه؛ [لأنَّ صرفَه فيه] 1 بمَنْزِلَةِ صَرْفِه إليه، إذ في عَجْزِها رِقُّه وفَواتُ كَسْبِه عليه.
وأمَّا نَفَقَتُه، فعلى أمِّه؛ لأنَّها تابِعَةٌ لكَسْبِه، وكَسْبُه لها، ونَفَقَتُه عليها.
وأمَّا عِتْقُه، فإَّنه يَعْتِقُ بأدائِها أو إبْرائِها، ويَرِقُّ بِعَجْزِها؛ لأنَّه تَابعٌ لها.
وإن ماتَتِ المُكاتَبَةُ في كِتابَتِها بَطَلَتِ كِتابَتُها، وعاد رَقِيقًا قِنًّا، إلَّا أن تُخلِّفَ وَفَاءً، فيكونَ على الرِّوايَتَين.
وإن أعْتَقَها سَيدُها لم يَعْتِقْ وَلَدُها؛ لأنَّه إنَّما تَبِعَها في حُكْمِ الكِتابَةِ، وهو العِتْقُ 2 بَالأداءِ، وما حَصَلَ الأداءُ، إنَّما حَصَل عِتْقُها بأمرٍ 3 لا يَتْبَعُها فيه، فأشْبَهَ ما لو لم 4

..................................  تَكُنْ مُكاتَبَةً.
ومُقْتَضَى قولِ أصحابِنا الذين قالوا: تَبْطُلُ كِتابَتُها بعِتْقِها.
أنْ يَعُودَ وَلَدُها رَقِيقًا.
ومُقْتَضَى قولِ شيخِنا، أنَّه 1 يَبْقَى على حُكْمِ الكِتابَةِ، ويَعْتِقُ بالأداءِ؛ لأنَّ العَقْدَ لم يوجَدْ ما يُبْطِلُه، وإنَّما سَقَط الأداءُ عنها؛ لحُصُولِ الحُرِّيَّةِ بدُونِه، فإذا لم يكنْ لها وَلَدٌ يَتْبَعُها في الكِتابَةِ، ولا في يَدِها مالٌ يأخُذُه، لم يَظْهَرْ حُكْمُ بَقاءِ العَقْدِ، ولم يكُنْ في بقائِه فائِدَةٌ (1)، فانْتَفَى [لانْتِفاءِ فائِدَتِه، وفي مسألتِنا] 2، في بقائه فائِدَةٌ؛ لإِفْضائِه إلى عِتْقِ وَلَدِها، فيَنْبَغِي أنْ يَبْقَى.
ويَحْتَمِلُ أن يَعْتِقَ بإعْتاقِها؛ لأنَّه جَرَى مَجْرَى إبْرائِها مِن المالِ، والحُكْمُ فيما إذا عَتَقَتْ باسْتِيلادٍ أو تَدْبِيرٍ أو تَعْلِيقٍ بصِفةٍ 3 كالحُكْمِ فيما إذا أعْتَقَها؛ لأنَّها عَتَقَتْ بغيرِ الكِتابَةِ.
وإن أعْتَقَ السيدُ الوَلَدَ دُونَها صَحَّ عِتْقُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، في روايةِ مُهَنَّا؛ لأنَّه مَمْلوكٌ له (1)، فصَحَّ عِتْقُه، كأُمِّه 4، ولأنَّه لو أعْتَقَه مَعَها صَحَّ عِتْقُه، ومَن صَحَّ عِتْقُه مع غيرِه صَحَّ مُفْرَدًا، كسائِرِ ممالِيكِه.
قال القاضي: وقد كان يَجِبُ أنْ لا يَنْفُذَ عِتْقُه؛ لأنَّ فيه ضَرَرًا بأُمِّه؛ لتَفْوِيتِ كَسْبِه عَلَيها، فإنَّها كانت تَسْتَعِينُ به في كِتابَتِها، ولعلَّ أحمدَ نَفَّذَ عِتْقَه تَغْلِيبًا للعِتْقِ، والصَّحِيحُ أنَّه يَعْتِقُ، وما ذَكَرَه القاضي مِن الضَّرَرِ لا يَصِحُّ؛ لِوجُوهٍ: أحدُها، أنَّ الضَّرَرَ إنَّما يَحْصُلُ في حَقِّ مَن له كَسْبٌ

..................................  يَفْضُلُ عن نَفَقَتِه، فأمَّا مَن لا كَسْبَ له، فتَخْلِيصُها مِن نفَقَتِه نَفْعٌ مَحْضٌ، ومَن له كَسْبٌ لا يَفْضُلُ عن نَفَقَتِه، فلا ضَرَرَ في إعْتاقِه؛ لأنَّه لا يَفْضُلُ لها مِن كَسْبِه شَيءٌ تَنْتَفِعُ به، فكان يَنْبَغِي أنْ يُقَيِّدَ الحُكْمَ الذي ذَكَرَه بهذا القَيدِ.
الثاني، أنَّ النَّفْعَ بكَسْبِة ليس بواجِبٍ لها؛ لأنَّها لا تَمْلِكُ إجْبارَه على الكَسْبِ، فلم يكنِ الضَّرَرُ بفَواتِه مُعْتَبَرًا في حَقِّها.
الثالثُ، أنَّ مُطْلَقَ الضَّرَرِ لا يَكْفِي في مَنْعِ العِتْقِ الذي تحَقَّق مُقتَضِيه، ما لم يكُنْ له أصْلٌ يَشْهَدُ له بالاعْتِبارِ، ولم يَذْكُرْ له أصْلًا، ثم هو مُلْغًى بعِتْقِ المُفْلِسِ والرَّاهِنِ وسِرايَةِ العِتْقِ إلى مِلْكِ الشَّرِيكِ، فإنَّه يَعْتِقُ مع وُجودِ الضَّرَرِ بتَفْويتِ الحَقِّ اللَّازِمَ، فهذا أوْلَى.
فصل: فأمَّا وَلَدُ وَلَدِها، فإنَّ ولَدَ ابنِها حُكْمُه حُكْمُ أُمِّه، لأنَّ وَلَدَ المكاتَبِ لا يَتْبَعُه، وأمَّا وَلَدُ بِنْتِها فهو كبِنْتِها.
وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَسْرِي الكِتابَةُ إليه؛ لأنَّ السِّرايَةِ إنَّما تكونُ مع الاتِّصالِ، وهذا وَلَدٌ مُنْفَصِلٌ، فلا يَسْرِي إليه، بدَلِيلِ أنَّ ولدَ 1 أُمِّ الوَلدِ قبلَ أن يَسْتَوْلِدَها لا يَسْرِي إليه الاسْتِيلادُ، وهذا الولَدُ اتَّصَلَ بأُمِّه دُونَ جَدَّتِه.
ولَنا، أنَّ ابْنَتَها ثَبَتَ 2 لها حُكْمُها تَبَعًا، فيَجِبُ أن يَثْبُتَ لابْنَتِها حُكْمُها تَبَعًا، كما ثَبَتَ لها حكمُ أمِّها.
ولأنَّ البِنْتَ تَبِعَتْ أمَّها، فيَجِبُ أنْ يَتْبَعَها وَلَدُها؛ لأنَّ عِلَّةَ إتْباعِها لأُمِّها مَوْجُودَةٌ في وَلَدِها، ولأنَّ البِنْتَ تَعَلَّقَ بها حَقُّ العِتْقِ، فيجبُ أن يَسْرِيَ إلى وَلَدِها، كالمُكاتَبَةِ.
وهذا

وَإنِ اشْتَرَى الْمُكَاتَبُ زَوْجَتَهُ، انْفَسَخَ نِكَاحُهَا.
وَإنِ اسْتَوْلَدَ أَمَتَهُ، فَهَلْ تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ يَمْتَنِعُ عَلَيهِ بَيعُهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.
الخِلافُ في وَلَدِ البِنْتِ التَّابِعَةِ لأُمِّها في الكِتابَةِ، فأمَّا المَوْلُودَةُ قبلَ الكِتابَةِ، فلا تَدْخُلُ في الكِتابَةِ فابنُها (1) أوْلَى.

3001 -

مسألة: (وإنِ اشْتَرَى زَوْجَتَه)

صَحَّ، و (انْفَسَخَ نِكاحُها) يجوزُ للمُكاتَبِ شِراءُ امرأتِه، وللمُكاتَبةِ شِراءُ زَوْجِها؛ لأنَّ ذلك يجوزُ لغيرِ المُكاتَبِ، [فجاز للمُكاتَبِ] (2)، كشِراءِ الأجانِبِ، ويَنْفَسِخُ النِّكاحُ بذلك.
[وبهذا قال الشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ] (3): لا يَنْفسِخُ؛ لأنَّ المُكاتَبَ لا يَمْلِكُ، بدليلِ أنَّه لا يجوزُ له التَّسَرِّي (4)، ولا يَعْتِقُ والِدُه وولدُه إذا اشْتَراهُ، فأشْبَهَ العبدَ القِنَّ.
ولَنا، أنَّ المُكاتَبَ يَمْلِكُ ما اشْتَراهُ، [بدليلِ أنَّه تَثْبُتُ له الشُّفْعَةُ على سيدِه، ولسيدِه عليه، ويَجْرِي الرِّبا بينَه وبينَه، وإنَّما مُنِعَ التَّسَرِّيَ] (2)؛ لتَعَلُّقِ حَقِّ سيدِه بما في يَدِه، كما يُمْنَعُ الرَّاهِنُ مِن الوَطْءِ معَ ثُبُوتِ مِلْكِه، ولذلك لم يَعْتِقْ عليه ذَوُو رَحِمِه.
وإذا اشْتَرَى أحدُهما الآخرَ فله التَّصَرُّفُ فيه؛ لأنَّه أجْنَبِيٌّ منه.
3002 -

مسألة: (وإنِ اسْتَوْلَدَ أمَتَه، فهل تَصِيرُ أمَّ وَلَدٍ يَمْتَنِعُ عليه

1234

فَصْلٌ: وَلَا يَمْلِكُ السَّيِّدُ شَيئًا مِنْ كَسْبِهِ، وَلَا يَبِيعُهُ دِرْهَمًا بِدِرْهَمَينِ.
بَيعُها؟ على وَجْهَين) إذا اسْتَوْلَدَ المُكاتَبُ أمَتَه قبلَ عِتْقِه وعَجْزِه، فإنَّها تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ للمُكاتَبِ، وليس له بَيعُها.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ وَلَدَها له حُرْمَةُ الحُرِّيةِ، ولا يجوزُ بَيعُه، ويَعْتِقُ بعِتْقِ أبيه، وكذلك أُمُّه.
فعلى هذا، لا يجوزُ بَيعُها، وتكونُ مَوْقُوفَةً مع المُكاتَبِ، إن أُعْتِقَ فهي أُمُّ ولَدِه، وإن رَقَّ رَقَّتْ.
وقال القاضي في مَوْضِعٍ: لا تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ بحالٍ، وله بَيعُها، لأنها حَمَلَتْ بِمَمْلُوكٍ في مِلْكٍ غيرِ تامٍّ.
وللشافعيِّ قوْلان، كهذين الوَجْهَين.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (ولا يَمْلِكُ السيدُ شيئًا مِن كَسْبِه، ولا يَبِيعُه دِرْهَمًا بدِرْهَمَين) ولا يَمْلِكُ السيدُ 1 شيئًا مِن كَسْبِ

..................................  المُكاتَبِ؛ لأنَّه اشْتَرَى نَفْسَه مِن سيدِه ليَمْلِكَ ماله وكَسْبَه ومَنافِعَه، فلا يَبْقَى 1 ذلك لبائِعِه، كسائِرِ المَبِيعاتِ.
ويَجْرِي الرِّبا بينَه وبينَ سيدِه؛ لأنَّه معه في باب المُعاوَضَةِ كالأجْنَبِيِّ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا رِبا بينَهما؛ لأنَّه عَبدٌ في الأَظْهَرِ مِن قولِه، ولا رِبا بينَ العبدِ وسيدِه، ولهذا جاز أن يُعَجِّلَ لسيدِه، ويَضَعَ عنه بعضَ كِتابَتِه، وله وَطْءُ مُكاتَبَتِه إذا شَرَط، ولو حَمَلَتْ منه صَارَتْ له بذلك أُمَّ وَلَدٍ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ السيدَ مع مُكاتَبِه في بابِ المُعامَلَةِ كالأجْنَبِيِّ؛ بدليلِ أنَّ لكلِّ وَاحِدٍ منهما الشُّفْعَةَ على صاحِبِه، ولا يَمْلِكُ كلُّ واحدٍ منهما التَّصَرُّفَ فيما بَيدِ صاحِبِه، وإنَّما يَتَعَلَّقُ لسيدِه حَقٌّ فيما بيَدِه؛ لكونِه بعَرَضِيَّةِ 2 أن يَعْجِزَ 3 فيَعودَ إليه.
وهذا لا يَمْنَعُ جَرَيانَ الرِّبَا بينَهما، كالأبِ مع ابنِه.
فعلى هذا القولِ، لا يجوزُ التَّفاضُلُ بينَهما فيما يَحْرُمُ التَّفاضُلُ فيه بينَ الأجْنَبِيَّين، ولا النَّسَاءُ فيما يَحْرُمُ فيه النَّساءُ بينَ الأجانِبِ.

..................................  فصل: فإن كان لكُلِّ واحدٍ منهما على صاحِبِه دَينٌ، مثلَ أن كان للسيدِ على مُكاتَبِه دَينٌ مِن الكِتابَةِ أو غيرِها، وللمُكاتَبِ على سيدِه دَينٌ، وكانا نَقْدًا مِن جِنْس واحدٍ، حالَّينِ، أو مُؤَجَّلَين أجَلًا واحدًا، تَقَاصَّا وتَساقَطا؛ لأنَّهما إذا تَساقَطَا بينَ الأجانِبِ، فمعَ 1 السيدِ ومُكاتَبِه أوْلَى.
وإن كانا نَقْدًا مِن جِنْسَين، كدَراهِمَ ودَنانِيرَ، فقال ابنُ أبي موسى: لو كان له على سيدِه ألفُ دِرْهَمٍ، ولسيدِه عليه مائَة دِينارٍ، فجعلها قِصَاصًا بها، جاز، بخِلافِ الحُرَّينِ.
وقال القاضي: لا يجوزُ هذا، لأنَّه بَيعُ دَين بِدَينٍ، وقد نَهَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - عن بَيعِ الدَّينِ بالدَّينِ 2. ولأنَّه لا يجوزُ بينَ الأجْنَبِيَّين، فلم يَجُزْ بينَ المُكاتَبِ وسيدِه، كسائِرِ المُحَرَّمات.
وفارَقَ العبدَ القِنَّ، فإنَّه باقٍ في تَصَرُّفِ سيدِه، وما في يَدِه مِلْكٌ خَالِصٌ لسيدِه، له 3 أخْذُه والتَّصَرُّفُ فيه.
فعلى هذا لا يجوزُ وإن تَرَاضَيَا به.
وعلى قولِ ابنِ أبي موسى، يجوزُ إذا تَراضَيَا بذلك وتَبايَعاه، ولا يَثْبُتُ التَّقَاصُّ قبلَ تَراضِيهما به؛ لأنَّه بَيعٌ 4. فإن كانا عَرْضَين أو [عَرْضًا ونَقْدًا] 5، لم تَجُزِ المُقاصَّةُ فيهما بغيرِ تَراضِيهما بحالٍ، سواءٌ كان العَرْضُ

وَإنْ جَنَى عَلَيهِ، فَعَلَيهِ أَرشُ جِنَايَتِهِ.
مِن جِنْسِ حَقِّه أو مِن غيرِ جِنْسِه.
وإن تَرَاضَيا بذلك لم يَجُزْ أيضًا؛ لأنَّه بَيعُ دَينٍ بِدَينٍ، وإن قَبَضَ أحَدُهما مِن الآخَرِ حَقَّه، ثم دَفَعَه إلى الآخَرِ عِوَضًا عن ما لَه في ذِمَّتِه، جاز، إذا لم يكُنِ الثَّابِتُ في الذمَّةِ عن سَلَمٍ.
فإن كان ثَبَتَ عن سَلَمٍ، لم يَجُزْ أخْذُ عِوَضِه قبلَ قَبْضِه.
وفي الجُمْلَةِ، إنَّ حُكْمَ المُكاتَبِ مع سيدِه في هذا حُكْمُ الأجانِبِ، إلَّا على قولِ ابنِ أبي موسى الذي ذَكَرْناه.

3003 -

مسألة: (وإن جَنَى عليه، فعليه أَرْشُ جِنايَتِه)

إذا جَنَى السيدُ على مُكاتَبِه، فلا قِصاصَ عليه؛ لأمْرَين: أحدُهما، أنَّه حُرٌّ والمُكاتَبُ عَبْدٌ.
والثاني، أنَّه مِلْكُه، ولا يُقْتَصُّ مِن المالِكِ لممْلُوكِه، ولكَنْ يَجِبُ الأرْشُ، ولا يَجِبُ إلَّا بانْدِمالِ الجُرْحِ؛ لأنَّه قبلَ الانْدِمالِ لا يُؤْمَنُ سِرايَتُه إلى نفْسِه، فيَسْقُطُ أرْشُه، ومتى سَرَى الجُرْحُ إلى نَفْسِه انْفَسخَتِ الكِتابَةُ، وكان كقَتْلِه.
فإذا انْدَمَلَ الجُرْحُ وجَبَ له أَرْشُه حِينَئِذٍ.
فإن كان مِن جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، وقد حَلَّ عليه نجْمٌ، تَقَاصَّا.
وإن كان مِن غيرِ جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ، أو كان النَّجْمُ لم يَحِلَّ، لم يَتَقاصَّا.
ولكُلِّ واحدٍ منهما مُطالبَةُ صاحِبِه بما يَسْتَحِقُّه.
فإن رَضِيَ المُكاتَبُ

وَإنْ حَبَسَهُ مُدَّةً، فَعَلَيهِ أَرْفَقُ الأمْرَين بِهِ، مِنْ إِنْظَارِهِ مِثْلَ تِلْكَ الْمُدَّةِ، أوْ أُجْرَةِ مِثْلِهِ.
بتَعْجِيلِ الواجِبِ له عَمَّا (1) لم يَحِلَّ مِن نُجُومِه، جاز إذا كان مِن جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ.

3004 -

مسألة: (وإن حَبَسَه مُدَّةً، فعليه أرْفَقُ الأمْرَينِ به، مِن إنْظارِه مثلَ تِلك المُدَّةِ، أو أُجْرَةِ مِثْلِه)

إذا حَبَسَه سيدُه فقد أساء، ولا يَحْتَسِبُ عليه بمُدَّتِه، في أحَدِ الوُجُوهِ.
والثاني، يَحْتَسِبُ عليه بمُدَّتِه؛ لأنَّ مال الكِتابَةِ دَينٌ مُؤَجَّلٌ، فَيَحْتَسِبُ بمُدَّةِ الحَبْسِ مِن الأجَلِ، كسائِرِ الدُّيُونِ المُؤَجَّلَةِ.
فعلى هذا الوَجْهِ، يَلْزَمُه أجْرُ مِثْلِه في المدَّةِ التي حَبَسَه فيها.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ على سَيِّدِه تَمْكِينَه مِن التَّصَرُّفِ مُدَّةَ كِتابَتِه،1

وَلَيسَ لَهُ أَنْ يَطَأَ مُكَاتَبَتَهُ إلا أَنْ يَشْتَرِطَ،  فإذا حَبَسَه مُدَّةً وَجَبَ عليه تأْخِيرُه (1) مثلَ تلك المُدَّةِ؛ ليَسْتَوْفِيَ الواجِبَ له، ولأنَّ حَبْسَه يُفْضِي (2) إلى إبْطالِ الكِتابَةِ وتَفْويتِ مَقْصُودِها ورَدِّهِ إلى الرِّقِّ، ولأنَّ (3) عَجْزَه عن أداءِ نُجُومِه في مَحِلِّها، بسَبَبٍ مِن سيدِه، فلم يَسْتَحِقَّ به (4) فَسْخَ العَقْدِ، كما لو مَنَعَ البائِعُ المُشْتَرِيَ مِن أداءِ الثَّمنِ لم يَسْتَحِقَّ فَسْخَ البَيعِ لذلك، ولو مَنَعَتِ المرأةُ زَوْجَها مِن الإِنْفاقِ عليها، لم تَسْتَحِقَّ فَسْخَ العَقْدِ لذلك.
والثالثُ، أن يَلْزَمَ سَيِّدَه أرْفَقُ الأمْرَين به، مِن إنْظارِه مثلَ تلك المُدَّةِ، أو أُجْرَةِ مِثْلِه فيها؛ لأنَّه وُجِدَ سَبَبُهما، فكان للمُكاتَبِ أنْفَعُهما.

3005 -

مسألة: (وليس له أن يَطَأَ مُكاتَبَتَه إلَّا أن يَشْتَرِطَ)

وَطْءُ المُكاتَبَةِ مِن غيرِ شَرْطٍ حَرامٌ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، والزُّهْرِيُّ، ومالكٌ، واللَّيثُ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقيل: له وَطْؤُها في الوَقْتِ الذي لا يَشْغَلُها الوَطْءُ عن السَّعيِ عمَّا هي فيه، لأنَّها مِلْكُ يَمينِه، فتَدْخُلُ في عُمُومِ قولِه1234

..................................  تعالى: ﴿أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيمَانُهُمْ﴾ 1. ولَنا، أنَّ الكِتابَةَ عَقْدٌ 2 أزال مِلْكَ اسْتِخْدامِها، ومِلْكَ عِوَضِ مَنْفَعةِ بُضْعِها فيما إذا وُطِئَتْ بشُبْهةٍ، فأزال حِلَّ وَطْئِها، كالبَيعِ، والآيَةُ مَخْصُوصةٌ بالمُزَوَّجَةِ، فنَقِيسُ عليها مَحَلَّ النِّزاعِ، ولأنَّ المِلْكَ ههُنا ضَعِيفٌ؛ لأنَّه قد زال عن مَنافِعِها جُمْلَةً؛ ولهذا لو وُطِئَتْ بشُبْهَةٍ كان المَهْرُ لها، وتُفارِقُ أُمَّ الوَلَدِ، فإنَّ مِلْكَه باقٍ عليها؛ وإنَّما يَزُولُ بموتِه، فأشْبَهَتِ المُدَبَّرَةَ والمُوصَى بها، وإنَّما امْتَنَعَ البَيعُ؛ لأنَّها اسْتَحَقَّتِ العِتْقَ بموتِه، اسْتِحْقاقًا لازِمًا لا يُمْكِنُ زَوالُه.
فصل: فإن شَرَطَ وَطْأَها فله ذلك.
وبه قال سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ.
وقال سائِرُ مَن ذَكَرْنا: ليس له وَطْؤُها؛ لأنَّه لا يمْلِكُه مَع إطْلاقِ العَقْدِ، فلم

فَإِنْ وَطِئَهَا وَلَمْ يَشْتَرِطْ، أَوْ وَطِئَ أَمَتَهَا، فَلَهَا عَلَيهِ  يَمْلِكْه بالشَّرْطِ،؛ لو زَوجَها أو أعْتَقَهَا.
وقال الشافعيُّ: إذا شَرَطَ ذلك في عَقْدِ الكِتابَةِ فَسَدَ؛ لأنَّه شَرْطٌ فاسِدٌ، فأفْسَدَ العَقْدَ، كما لو شَرَط عِوَضًا فاسِدًا.
وقال مالكٌ: لا يَفْسُدُ العَقْدُ به، لأنَّه لا يُخِلُّ برُكْنِ العَقْدِ ولا شَرْطِه، فلم يَفْسُدْ، كالصَّحِيحِ.
ولَنا، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «المُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهمْ» (1). ولأنَّها مَمْلُوكَةٌ، له شَرْطُ نَفْعِها، فصَحَّ، كشَرْطِ اسْتِخْدَامِها.
يُحَقِّقُ هذا أنَّ مَنْعَه مِن وَطْئِها مع بَقاءِ مِلْكِه عليها ووُجُودِ المُقْتَضِي لحِلِّ وَطْئِها، إنَّما كان لحَقِّها، فإذا اشْتَرَطَه عليها جاز، كالخِدْمَةِ، ولأنَّه اسْتَثْنَى بعْضَ ما كان له، فصَحَّ، كاشْتِراطِ الخِدْمةِ، وفارَقَ البَيعَ، فإنَّه يُزِيلُ مِلْكَه عنها.

3006 -

مسألة: (وإن وَطِئَها ولم يَشْتَرِطْ، أو وَطِئَ أمَتَها،

1

الْمَهْر، وَيُؤَدَّبُ، وَلَا يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ.
وَإنْ شَرَطَ وَطْئَهَا فَلَا مَهْرَ لَهَا عَلَيهِ.
أُدِّبَ، ولم يَبْلُغْ به الحَدَّ) إذا وَطِئَها مِن غيرِ شَرْطٍ لم يَجِبْ عليه الحَدُّ؛ لشُبْهَةِ المِلْكِ، في قولِ عامةِ الفقهاءِ.
ورُوِيَ عن الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، أنَّهما قالا: عليه الحَدُّ؛ لأنَّه عَقَدَ عليها عَقْدَ مُعاوَضَةٍ يُحَرِّمُ الوَطْءَ، فأوْجَبَ الحَدَّ بوطْئِها، كالبَيعِ.
ولَنا، أنَّها مَمْلوكَتُه، فلم يَجِبْ عليه الحَدُّ بوَطْئِها، كالمرْهُونَةِ والمُسْتَأجَرَةِ، ويُخالِفُ البَيعَ، فإنَّه يُزِيلُ المِلْكَ، والكِتابَةُ لا تُزِيلُه، بدليلِ قولِه - عليه السلام -: «المُكاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عليه دِرْهَمٌ» 1. وعليه مَهْرُها إذا وَطِئَها بغيرِ شَرْطٍ؛ لأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَتَها المَمْنوعَ مِن اسْتِيفائِها، فأشْبَهَ مَنَافِعَ بَدنِها، فإن كانا

..................................  عالِمَين عُزِّرا، وإن كانا جاهِلَين عُذِرَا 1، وإن كان أحَدُهما عالمًا والآخَرُ جاهِلًا، عُزِّرَ العالِمُ وعُذِرَ 2 الجاهِلُ.
ولا تَخْرُجُ بالوَطْءِ عن الكِتابَةِ.
وقال اللَّيثُ: إن طاوَعَتْه فقد فَسَخَتْ كِتابَتَها وعادَتْ قِنًّا.
ولَنا، أنَّه عَقْدٌ لازِمٌ، فلم يَنْفَسِخْ بالمُطاوَعةِ على الوَطْءِ، كالإِجارَةِ والبَيعِ بعدَ لُزومِه.
ويَجِبُ لها المَهْرُ، مُطَاوعَةً له 3 كانت أو مُكْرَهَةً.
وبه قال الحسنُ، والثَّوْرِيُّ، والحسنُ بنُ صالِحٍ، والشافعيُّ.
وقال قَتادةُ: يَجِبُ إذا أكْرَهَها، ولا يَجِبُ إذا طَاوَعَتْه.
ونَقَلَه المُزَنِيُّ عن الشافعيِّ، لأنَّ المُطاوعَةَ بَذَلَتْ نَفْسَها بغيرِ عِوَضٍ، فصارَتْ كالزَّانِيَةِ.
ومَنْصُوصُ الشافعيِّ، وُجُوبُه في الحالين.
وأنْكَرَ أصحابُه ما نقله المُزَنِيُّ، وقالوا: لا يُعْرَفُ.
وقال مالكٌ: لا شيءَ عليه؛ لأنَّها مِلْكُه.
ولَنا، أنَّه عِوَضُ مَنْفَعَتِها، فوَجَبَ لها، كعِوَضِ بَدَنِها، ولأنَّ المُكاتَبَةَ في يَدِ نَفْسِها، ومَنافِعُها لها؛ ولهذا لو وَطِئَها أجْنَبِيٌّ كان المَهْرُ لها، وإنَّما وَجَبَ في حالِ المُطاوَعَةِ؛ لأنَّ الحَدَّ سَقَطَ عنه للشُّبْهَةِ، فوَجَبَ لها المَهْرُ؛ لو وَطِئَ امرأةً بشُبْهَةِ عَقْدٍ مُطاوعَةً.
فإن تَكَرَّرَ وَطْؤُها، وكان قد أدَّى مَهْرَ الوَطْءِ الأوَّلِ، فللثاني مَهْرٌ أيضًا؛ لأنَّ الأداءَ قَطَعَ حُكْمَ الوَطْءِ، وإن لم يكُنْ أدَّى عن الأوَّلِ، لم يَجِبْ إلَّا مَهْر واحدٌ؛ لأنَّ هذا عن وَطءِ الشُّبْهَةِ، فلم يَجِبْ إلَّا مَهْرٌ واحدٌ، كالوَطْءِ في النِّكاحِ الفاسِدِ.

وَمَتَى وَلَدَتْ مِنْهُ، صَارَتْ أُمَّ وَلَدٍ لَهُ، وَوَلَدُهُ حُرٌّ،  فصل: فأمَّا إن وَطِئَها مع الشَّرْطِ، فلا حَدَّ عليه، ولا مَهْرَ، ولا تَعْزِيرَ؛ لأنَّه وَطْءٌ يَمْلِكُه ويُبَاحُ له، فأشْبَهَ وَطْأَها قبلَ كِتابَتِها.
وإذا وَجَبَ لها المَهْرُ بالوَطْءِ؛ فإن كان لم يَحِلَّ عليها نَجْمٌ فلها المُطالبَةُ، وإن كان قد حَلَّ عليها، وكان المَهْرُ مِن غيرِ جِنْسِه، فلها المُطالبَةُ أيضًا به، وإن كان مِن جِنْسِه تَقَاصَّا، وأخذ ذو الفَضْلِ فَضْلَه.

3007 -

مسألة: فإن أوْلَدَها (صارت أُمَّ وَلَدٍ له)

سَواءٌ وَطِئَها بشَرْطٍ أو بغيرِ شَرْطٍ؛ لأنَّه أحْبَلَهَا بحُرٍّ في مِلْكِه، فكانت أُمَّ وَلَدٍ، كغيرِ المُكاتَبةِ، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه وَلَدُه مِن مَمْلُوكَتِه، ويَلْحَقُه نَسَبُه؛ لذلك، ولأنَّه مِن وَطْءٍ سَقَطَ فيه الحَدُّ للشُّبْهَةِ، فأشْبَهَ وَلَدَ المَغْرُورِ 1، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه؛ لأنَّها وَضَعَتْه 2 في مِلْكِه.

..................................  فصل: وليس له وَطْءُ بنْتِ مَكاتَبَتِه، لأنَّها تابِعَةٌ لها مَوْقُوفَةٌ معها، فلمِ يُبَحْ 1 وَطْؤُها، كأُمِّها، ولا يُبَاحُ ذلك بالشَّرْطِ؛ لأنَّ حُكْمَ الكتابَةِ ثَبَتَ فيها تَبَعًا، ولم يكنْ وطؤُها مُباحًا حال العَقْدِ فيَشْتَرِطَه 2. فإن وَطِئَها فلا حَدَّ عليه، ويَأْثَمُ ويُعَزَّرُ؛ لأنَّه وَطِئَ وَطْئًا مُحَرَّمًا، ولها المَهْرُ، حُكْمُه حُكْمُ كَسْبِها، يكونُ لأُمِّها تَسْتعينُ به في كِتابَتِها؛ لأنَّ ذلك سَبَبُ حُرِّيَتِها 3. فإن أحْبَلَها صارت أُمَّ وَلَدٍ له، والوَلَدُ حُرٌّ؛ لأنَّه أحْبَلَها بِحُرٍّ في مِلْكِه، ويَلْحَقُه نَسَبُه، ولا تجِبُ عليه قِيمَتُها؛ لأنَّ أُمَّها لا تَمْلِكُها، ولا قيمَةُ وَلَدِها؛ لأنَّها وَضَعَتْه 4 في مِلْكِه.
فصل: وليس له وَطْءُ جاريَةِ مُكاتَبِه ولا مُكاتَبَتِه اتِّفاقًا.
فإن فَعَلَ، أثِمَ وعُزِّرَ، ولا حَدَّ عليه؛ لشُبْهَةِ المِلْكِ؛ لأنَّه يَمْلِكُ مالِكَها، وعليه مَهْرُها لسيدِها، ووَلَدُه منها حُرٌّ يَلْحَقُه نَسَبُه؛ لأنَّ الحَدَّ سَقَطَ لشُبْهَةِ المِلْكِ، وتَصِيرُ أُمَّ ولدٍ له، وعليه قِيمَتُها لسيدها؛ لأنَّه أخْرَجَها بِوَطْئِه عن مِلْكِه، ولا تَجبُ عليه قِيمَةُ الوَلَدِ؛ لأنَّها وَضَعَتْه في مِلْكِه.
ويَحْتَمِلُ أن تَلْزَمَه قِيمَتُه؛ لأَنَّه أخْرَجَه بوَطْئِه عن أن يكونَ مَمْلُوكًا لسيدِها، فأشْبَهَ

فَإِنْ أَدَّتْ عَتَقَتْ، وَإنْ مَاتَ قَبْلَ أَدَائِهَا عَتَقَتْ، وَسَقَطَ مَا بَقِيَ مِنْ كِتَابَتِهَا، وَمَا فِي يَدِهَا لَهَا، إلا أن يَكُونَ بَعْدَ عَجْزِهَا.
وَقَال  وَلَدَ المَغْرُورِ (1). فصل: ولا يَمْلِكُ السيدُ إجْبارَ مُكاتَبَتِه ولا ابْنَتِها ولا أمَتِها على التَّزْويجِ؛ لأنَّه زال مِلْكُه بعَقْدِ الكِتابَةِ عن نَفْعِها ونَفْعِ بُضعِها (2)، وعن عِوَضِه.
وليس لواحدةٍ منهنَّ التَّزَوُّجُ (3) بغيرِ إذْنِه؛ لأنَّ عليه ضَرَرًا في ذلك، فإنَّه يُثْبتُ حَقًّا للزَّوْجِ فيها، فرُبَّما عَجَزَتْ وعادت إليه على وَجْهٍ لا يَمْلِكُ وَطْأهَا، فإن تَراضَيا بذلك جازَ؛ لأنَّ الحَقَّ لا يَخْرُجُ عنهما، وهو وَلِيُّها (4) ووَلِيُّ ابْنَتِها وجارِيَتِها جميعًا؛ لأنَّ المِلْكَ له، فأشبَهَ الجارِيَةَ القِنَّ.
والمَهْرُ للمُكاتَبَةِ، على ما ذَكَرْنا في مَهْرِهِنَّ إذا وَطِئَهُنَّ السيدُ.

3008 -

مسألة: (فإن أدت عَتَقَتْ، وإن مات)

سيدُها (قبلَ أدائِها عَتَقَتْ، وسَقَطَ ما بَقِيَ مِن كِتابَتِها، وما في يَدِها لها، إلَّا أن يكونَ1234

أَصْحَابُنَا: هُوَ لِوَرَثَةِ سَيِّدِهَا.
بعدَ عَجْزِها.
وقال أصحابُنا: هو لوَرَثَةِ سيدِها.
وكذلك الحُكْمُ فيما إذا أعْتَقَ المُكاتَبَ سيدُه) قد ذَكَرْنا أنَّ السيدَ إذا اسْتَوْلَدَ مكاتَبَتَه صارت أُمَّ وَلَدٍ له، والوَلَدُ حُرٌّ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، ولا تَبْطُلُ كِتابَتُها بذلك؛ لأنَّها عَقْدٌ لازِمٌ مِن جهةِ سيدِها، وقد اجْتَمَعَ لها شبَبانِ يقْتَضِيان العِتْقَ، أيُّهما سَبَقَ صاحِبَه ثَبَتَ حُكْمُه.
هذا قولُ الزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، واللَّيثِ، والثَّوْرِيِّ والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الحَكَمُ 1: تَبْطُلُ كِتابَتُها؛ لأنَّها سَبَبٌ للعِتْقِ، فتَبْطُلُ 2 بالاسْتِيلادِ، كالتَّدْبِيرِ.
ولَنا، أنَّها عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلا تَبْطُلُ بالوَطْءِ، كالبَيعِ، ولأنَّها سَبَبٌ للعِتْقِ لا يَمْلِكُ السيدُ الرُّجُوعَ عنه، فلم تَبْطُلْ بذلك، كالتَّعْلِيقِ بصِفَةٍ، وما ذَكَرَه يَبْطُلُ بالتَّعْلِيقِ بالصِّفَةِ.
وتُفارِقُ الكِتابَةُ التَّدْبِيرَ مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ حُكْمَ التَّدْبِيرِ والاسْتِيلادِ واحدٌ، وهو العِتْقُ عَقِيبَ الموتِ، والاسْتِيلادُ أقْوَى؛ لأنَّه يُعْتَبَرُ مِن رأسِ المالِ، ولا سَبِيلَ إلى إبْطالِه بحالٍ، فاسْتُغْنِيَ به عن التَّدْبِيرِ، والكِتابَةُ سَبَبٌ يُتَعَجَّلُ به 3 العِتْقُ

..................................  بالأداءِ، ويكونُ ما فَضَلَ مِن كَسْبِها لها، وتَمْلِكُ بها منَافِعَها وكَسْبَها، وتَخْرُجُ عن تَصَرُّفِ سيدِها.
وهذا لا يَحْصُلُ بالاسْتِيلادِ، فيَجِبُ أن تَبْقَى لبَقاءِ فائِدَتِها.
الثاني، أنَّ الكتابَةَ أقْوَى مِن التَّدْبِيرِ، للُزومِها، وكَونِها لا تَبْطُلُ بالرُّجُوعِ عنها، ولا بَيعِ المُكاتَبِ ولا هِبَتِه.
الثالثُ، أنَّ التَّدْبِيرَ تَبرُّعٌ، والكِتابَةَ عَقْدُ مُعاوَضَةٍ لازِمٌ.
إذا ثَبَتَ هذا، فإنَّه يَجْتَمِعُ لها سَبَبان، كلُّ واحدٍ منهما يَقْتَضِي الحُرِّيَّةَ، فأيُّهما تَمَّ قبلَ صاحِبِه، ثَبَتَتِ الحُرِّيَّةُ به، كما لو انْفَرَدَ، لأنَّ انْضِمامَ أحَدِهما إلى الآخَرِ مع كَونِه لا يُنافِيه، لا يَمْنَعُ ثُبُوتَ حُكْمِه، فإن أدَّتْ عَتَقَتْ بالكِتابَةِ، وما فَضَلَ مِن كَسْبِها فهو لها، لأنَّ المُعْتَقَ بالكِتابَةِ له ما فَضَلَ مِن نُجُومِه، وإن عَجَزَتْ 1 وَرُدَّتْ في الرِّقِّ بَطَلَ حُكْمُ الكِتابَةِ، وبَقِيَ لها 2 حُكْمُ الاسْتِيلادِ منفَرِدًا، كما لو لم تكُنْ مُكاتَبَةً، وله وَطْؤُها، وتَزْويجُها، وإجارَتُها، وتَعْتِقُ بمَوْتِه، وما في يدِها لوَرَثَةِ سيدِها.
فإن مات سيدُها

وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِيمَا إِذَا أَعْتَقَ الْمُكَاتَبَ سَيِّدُهُ.
قَبلَ عَجْزِها عَتَقَتْ بأنَّها أُمُّ وَلَدٍ، وتَسْقُطُ (1) الكِتابَةُ؛ لأنَّ الحُرِّيَّةَ حَصَلَتْ، فسَقَطَ العِوَضُ المبْذُولُ في تَحْصِيلِها، كما لو باشَرَها سيدُها بالعِتْقِ، وما في يَدِها لوَرَثَةِ سيدِها، في قولِ الخِرَقِيِّ، وأبي الخَطَّابِ؛ لأنَّها عَتَقَتْ بحُكْمِ الاسْتِيلادِ، فبَطَلَ حُكْمُ الكِتابَةِ، فأشْبَهَت غيرَ المُكاتَبَةِ.
وقال القاضي، في «المُجَرَّدِ»، وابنُ عَقِيلٍ، في «الفُصُولِ»: ما فَضَلَ في يَدِها لها.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ العِتْقَ إذا وَقَعَ في الكِتابَةِ لا يُبْطِلُ حُكْمَها، كالإبراءِ مِن مالِ الكِتابَةِ، ولأنَّ مِلْكَها كان ثابتًا على ما في يَدِها، ولم يَحْدُثْ إلَّا ما يُزِيلُ حَقَّ سيدِها عنها، فيَقْتَضِي زَوال حَقِّه عمَّا في يَدِها وتَقْرِيرَ مِلْكِها وخُلُوصَه لها، كما اقْتَضَى ذلك في نَفْسِها، وهذا أصَحُّ.

3009 -

مسألة: (وكذلك الحُكْمُ فيما إذا أعْتَقَ المُكاتَبَ سيدُه)

يكونُ كَسْبُه له.
في قولِ القاضي ومَن وافَقَه.
وعلى قياسِ قولِ الخِرَقِيِّ ومَن وافَقَه يكونُ لسيدِه، كما لو عَتَقَتِ الأمَةُ المُكاتَبَةُ بالاسْتيلادِ 2. ويَحْتَمِلُ أن يكونَ لسيدِها أيضًا، على قولِ الخِرَقِيِّ ومَن وَافَقَه؛ لأنَّ السيدَ1

..................................  أعْتَقَه برِضاه، فيكونُ رِضًا منه بإعْطائِه ماله، بخِلافِ العِتْقِ بالاسْتِيلادِ؛ فإنَّه حَصَلَ بغيرِ رِضَى الوَرَثَةِ واخْتِيارِهم، ولأنَّه لو كان مالُ المُكاتَبِ يَصِيرُ إلى السيدِ بإعْتاقِه، لتَمَكَّنَ السيدُ مِن أخْذِ مالِ المُكاتَبِ متى شاء، فمتى كان له غَرَضٌ في أخْذِ مالِه؛ إمَّا لكَونِه يَفْضُلُ عن نُجُوم كِتابَتِه، وإمَّا لغَرَض له في بعضِ أعيانِ مالِه، أو لكونِه يَتَعَجَّلُه قبلَ أَن [يَحِلَّ نَجْمُ] 1 الكِتابةِ، أَعْتَقَه 2 وأخَذَ ماله.
وهذا ضَرَرٌ على المُكاتَبِ لم يَرِدِ الشَّرْعُ به، ولا يَقْتَضِيه عَقْدُ الكِتابةِ، فوَجَبَ أن لا يُشْرَعَ.
فصل: وإن أتَتِ المُكاتَبَةُ بوَلَدٍ مِن غيرِ سَيدِها بعدَ اسْتيلادِها، فله حُكْمُها [في العِتْقِ] 3 بكلِّ واحدٍ مِن السَّببَين، أيُّهما سَبَقَ 4 عَتَقَ به، كالأُمِّ سَواءً؛ لأنَّه تابعٌ [فله حكمُها] 5، فيَثْبُتُ له ما يَثْبُتُ 6 لها.
وإن ماتَتِ المُكاتبَةُ بَقِيَ للوَلَدِ سَبَبُ الاسْتِيلادِ وحدَه، فإنِ اخْتَلَفا

وَإنْ كَاتَبَ اثْنَانِ جَارِيَتَهُمَا، ثُمَّ وَطِئَاهَا، فَلَهَا الْمَهْرُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا.
في وَلَدِها، فقالت: وَلَدْتُه بعدَ كِتابَتِي، أو بعدَ ولادَتِي.
وقال السيدُ: بل قبلَه.
فقال أبو بكرٍ: القَوْلُ قولُ السيدِ مع يَمينِه.
وهذا قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأصْلَ كَونُ الأمَةِ ووَلَدِها رَقِيقًا لسيدِها، له التَّصَرُّفُ فيهما، وهي تَدَّعِي ما يَمْنَعُ التَّصَرُّفَ 1. وإن زَوَّجَ مُكاتَبَه أمَتَه، ثم باعَها منه، واخْتَلَفا في ولَدِها.
فقال السيدُ: هو لِي؛ لأنَّها وَلَدَتْه قبلَب بَيْعِها لك.
وقال المُكاتَبُ: بل بعدَه.
فالقولُ قولُ المُكاتَبِ؛ لأنَّهما اخْتَلَفا في مِلْكِه، ويَدُ المُكاتَبِ 2 عليه، فكان القولُ قولَ صاحبِ اليدِ مع يَمينِه، كسائِرِ الأمْوالِ، ويُفارِقُ وَلَدَ المُكاتَبَةِ 3؛ لأنَّها لا تَدَّعى مِلْكَه.
فصل: (وإن كاتَبَ اثْنان جارِيَتَهما) ثم وَطِئَها أحَدُهما، أُدِّبَ فوقَ أدَبِ الواطِئِ لمُكاتَبَتِه الخالِصَةِ له؛ لأنَّ الوَطْءَ ههُنا حَرُمَ مِن وَجْهَين؛

..................................  الشَّرِكَةُ والكِتابَةُ، فهو آكَدُ وإثْمُه أعْظَمُ، وعليه لها مَهْرُ مِثْلِها، على ما أسْلَفناه فيما إذا كان السيدُ واحِدًا، فإن لم يَكُنْ حَلَّ نَجْم قَبَضَتِ المَهْرَ، فإذا حَلَّ نَجْمُها سَلَّمَتْه إليهما، وإن حَلَّ نَجْمُها وهو مِن جِنْسِ مالِ الكِتابَةِ 1، وكان في يَدِها بقَدْرِه، دَفَعَتْه إلى الذي لم يَطَأْها، واحْتُسِبَ على الواطِئِ بالمَهْرِ.
وإن لم يكُنْ في يَدِها شيءٌ، وكان بقدْرِ نَجْمِها أو دُونَه، أخَذَتْ مِن الواطئ نِصْفَه، وسَلَّمَتْه إلى الآخرِ، وإن لم يكُنْ مِن جِنْسِ مالِ الكِتابةِ، فاتَّفَقَا على أخْذِه عِوَضًا عن مالِ الكِتابةِ، فالحكمُ فيه كما لو كان مِن جِنْسِها.
وإن لم يَتَّفِقا قَبَضَتْ ودَفَعَت ما عليها 2 مِن مالِ الكِتابَةِ مِن عِوَضِه أو غيرِه.
وإن عَجَزَتْ ففَسَخَا 3 الكِتابَةَ، وكان في يَدِها بقَدْرِ المَهْرِ، أخَذَه الذي لم يَطأْ، وسَقَطَ المَهْرُ مِن ذِمَّةِ الواطئِ، وإن لم يَكُنْ في يَدِها شيءٌ، كان للذي لم يَطأْ أن يَرْجِعَ على الواطئِ بنِصْفِه؛

..................................  لأنَّه وَطِئَ جارِيةً مُشْتَرَكَةً بينَهما، فإن حَبَلَتْ منه صارت أُمَّ وَلَدٍ له، وعليه نِصْفُ قِيمَتِها لشَرِيكِه مع نِصْفِ المَهْرِ الواجبِ لها، مُوسِرًا كان أو مُعْسِرًا، فإن كان مُوسِرًا أدَّاهُ في الحالِ، وإنَّ كان مُعْسِرًا فهو في ذِمَّتِه.
هذا ظاهرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
فعلى هذا، تَصِيرُ أُمَّ وَلَدٍ للواطئِ، ومُكاتَبَةً له كأنَّه اشْتَرَاها، وتكونُ مُبْقاةً على ما بَقِيَ مِن كِتابَتِها، وتُعْتَبَرُ قِيمَتُها مُكاتَبَةً مُبْقاةً على ما بَقِيَ عليها 1 مِن كِتابَتِها.
واختار القاضي أنَّه إن كان مُعْسِرًا لم يَسْرِ الاحْبالُ؛ لأنَّه بمَنْزِلةِ الإِعْتاقِ بالقولِ، يُعْتَبرُ اليَسارُ في سِرايَتِه، ونَصِيبُ الواطئِ قد ثَبَتَ له حكمُ الاسْتِيلادِ وحُكْمُ الكِتابةِ، ونَصِيبُ شَريكِه لم يَثْبُتْ له إلَّا حُكْمُ الكِتابةِ، فإن أدَّتْ إليهما عَتَقَتْ وبَطَلَ حكمُ الاسْتيلادِ، [وإن عَجَزَت وفَسَخا الكِتابةَ، ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتيلادِ] 2، ونِصْفُها قِنٌّ لا يُقَوَّمُ على الوارِثِ وإن كان مُوسِرًا؛ لأنَّه ليس بعِتْقٍ.
وإن مات الواطئُ قبلَ عَجْزِها، عَتَقَ نَصِيبُه، وسَقَطَ حُكْمُ الكِتابةِ فيه، وكان الباقي مُكاتَبًا.
وإن كان الواطئُ مُوسِرًا، فقد ثَبَتَ لنِصْفِها حُكْمُ الاسْتيلادِ، ونِصْفُها الآخَرُ مَوْقُوفٌ، فإن أدَّتَ إليهما عَتَقَتْ كلُّها، وولاوها لهما، وإن عَجَزَتْ وفُسِخَتِ الكِتابَةُ، قَوَّمْناها حينَئِذٍ على الواطئِ، فيَدْفَعُ إلى شَرِيكِه قِيمةَ نَصِيبِه، ويَصِيرُ جَمِيعُها

..................................  أُمَّ ولَدٍ له.
فإن مات عَتَقَتْ عليه، وكان ولاؤُها له.
وهذا مَذهبُ الشافعيِّ، وله قولٌ آخَرُ، أنَّها تُقَوَّمُ على المُوسِرِ، وتَبْطُلُ الكِتابَةُ في نِصْفِ الشَّرِيكِ، ويَصِيرُ جَمِيعُها أمَّ وَلَدٍ، ونِصْفُها مُكاتبًا للواطئَ، فإن أدَّتْ نَصِيبَه إليه عَتَقَتْ وسَرَى إلى الباقِي، لأنَّه مِلْكُه، وعَتَقَ جَمِيعُها، وإن عَجَزَتْ، ففَسَخَ 1 الكِتابةَ، كانت أُمَّ وَلَدٍ له خَاصَّةً، فإذا مات عَتَقَتْ كُلُّها.
ولَنا، أنَّ بَعْضَها أُمُّ وَلَدٍ، فكان جَمِيعُها كذلك، كما لو كان الشَّرِيكُ مُوسِرًا 2، يُحَقِّقُ هذا أنَّ الولَدَ حاصِلٌ مِن جَمِيعِها، وهو كلُّه مِن الواطئِ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، فيَنْبَغِي أن يَثْبُتَ ذلك لجميعِها، ويُفارِقُ الإِعْتاقَ، فإنَّه أضْعَفُ، على ما بَيَّنّا مِن قبلُ.
ولَنا على أنَّ الكِتابةَ لا تَبْطُلُ بالتَّقْويمِ، أنَّها [عَقْدٌ لازمٌ] 3، فلا تَبْطُل مع بَقائِها بفِعْل صَدَرَ منه، كما لو اسْتَوْلَدَها وهي في مِلْكِه، أو كما لو لم تَحْبَلْ منه، وأمَّا الولَدُ، فإنَّه حُرٌّ، لأنَّه مِن وَطْءٍ فيه شُبْهةٌ، ونَسَبُه لاحِقٌ به، لذلك، ولا تَلْزَمُه قِيمَتُه، لأنَّها وضَعَتْه 4 في مِلْكِه.
ورُوِيَ عن أحمدَ في هذا رِوايتان، إحداهما، لا تَجِبُ قِيمَتُه، لأنَّ نَصِيبَ شَرِيكِه انتقلَ إليه مِن حينِ العُلُوقِ، وفي تلك الحالِ لم تكُنْ له قِيمةٌ، فلم يَضْمَنْه.
والثانيةُ، عليه نِصْفُ قِيمَتِه، لأنَّه كان مِن سبيلِ هذا النِّصفِ أن يكونَ مملوكًا لشريكِه، فقد أتْلَفَ رِقَّه عليه،

جارٍ التحميل