يَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّينِ، وَالْجُرْمُوقَينِ، وَالْجَوْرَبَينِ،
فصل: رُوِيَ عن أحمدَ أنَّه قال: المَسْحُ أفْضَلُ مِن الغَسْلِ.
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابَه إنَّما طَلَبُوا الفَضْلَ.
وهذا مذهبُ الشَّعْبِيِّ، والحَكَمِ، وإسحاقَ؛ لأنَّه رُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إنَّ اللهَ يُحِبُّ أنْ يُؤْخَذَ بِرُخَصِهِ» (1). ولأنَّ فيه مُخالفَةَ أهلِ البِدَعِ.
وذَكَر ابنُ عَقِيلٍ فيه رِوايَتَين؛ إحْداهُما، المَسْحُ أفْضَلُ؛ لِما ذَكَرْنا.
والثّانيةُ، الغَسْلُ أفْضَلُ؛ لأنَّه المَفْرُوضُ في كِتابِ اللهِ تعالى، والمَسْحُ رُخْصَةٌ.
وروَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ أنَّه قال: كلُّه جائِزٌ، المَسْحُ والغَسْلُ، ما في قَلْبِي مِن المَسْحِ شيءٌ، ولا مِن الغَسْلِ.
وهذا قول ابنِ المُنْذِرِ.
وروى عن عمر، أنَّه أمَرَهم أن يَمْسَحُوا على أخْفافِهِم، وخَلَع هوْ خُفَّيه، وتَوَضَّأَ، وقال: حُبِّبَ إليَّ الوُضُوءُ.
وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّه قال: إنِّي لَمُولَعٌ بغَسْلِ قَدَمَيَّ، فلا تَقْتَدُوا بي (2).
110 -
مسألة: (يَجُوزُ المَسْحُ على الخُفَّين)
لِما ذكرْنا.
(و) يَجُوز على (الجُرْمُوقَين).
الجُرْمُوقُ مِثالُ الخُفِّ، إلَّا أَنَّه يُلْبَسُ فوقَ الخُفِّ في البلادِ12
..................................
البارِدَةِ، فيَجُوزُ المَسْحُ عليه، قِياسًا على الخُفِّ.
ومِمَّن قال بجَوازِ المَسْحِ عليه إذا كان فوقَ الخُفِّ، الحسنُ بنُ صالحٍ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ في الجَدِيدِ: لا يَمْسَحُ عليه.
وسَنَذْكُرُ ذلك إن شاءَ اللهُ، فيما إذا لَبِس خُفًّا فوقَ خُفٍّ آخَرَ.
واللهُ أعلمُ.
(والجَوْرَبَين) قال ابنُ المُنْذِرِ: يُرْوَى إباحَةُ المَسْحِ على الجَوْرَبَين عن تسعةٍ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؛ عليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، وأنَسٍ، وابنِ عُمَرَ، والبَرَاءِ، وبِلالٍ، وابنِ أبي أوْفَى، وسَهْلِ بنِ سعدٍ.
وهو قولُ عَطاءٍ، والحسنِ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، والثَّوْرِيِّ، وابنِ المُبارَكِ، وإسحاقَ، ويعقوبَ، ومحمدٍ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وغيرُهم: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليهما، إلَّا أن يُنْعَلا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيهما، فهُما كالرَّقِيقَين.
ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على الجَوْرَبَين والنَّعْلَين.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ، وقال: حسنٌ صحيحٌ 1. وهذا يَدُلُّ على أنَّهُما لم يَكُونا مَنْعُولَين؛ لأنَّه لو كان كذلك، لم يَذْكُرِ النَّعْلَين، فإنَّه لا يُقالُ مَسَحْتُ
وَالْعِمَامَةِ، وَالْجَبَائِرِ.
على الخُفِّ ونَعْلِه.
ولأنَّ الصحابةَ، رَضِي اللهُ عنهم، مَسَحُوا على الجَوارِبِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهِم.
والجَوْرَبُ في مَعْنَى الخُفِّ، لأنَّه مَلْبُوسٌ ساتِرٌ لمَحَلِّ الفَرْضِ، يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ الخُفَّ.
وقَوْلُهم: لا يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيهما.
قُلْنا: إنَّما يَجُوزُ المَسْحُ عليهما إذا ثَبَت بنَفْسِه، وأمْكَن مُتابَعَةُ المَشْي فيه، وإلَّا فلا.
فأمّا الرَّقِيقُ فليس بساتِرٍ.
فصل: وسُئل أحمدُ عن جَوْرَبٍ انْخَرَقَ، فكَرِهَ المَسْحَ عليه، ولَعَلَّه إنَّما كَرِهَه؛ لأنَّ الغالِبَ فيه الخِفَّةُ، وأنَّه لا يَثْبُتُ بنَفْسِه.
فإن كان مثلَ جَوْرَبِ الصُّوفِ في الصَّفاقَةِ، فلا فَرْقَ.
فإن كان لا يَثْبُتُ إلَّا بالنَّعْلِ، أُبِيحَ المَسْحُ عليه، ما دامَ النَّعْلُ عليه؛ لحديثِ المُغِيرَةِ بنِ شُعْبَةَ.
فإن خَلَع النَّعْلَ انْتَقَضَتِ الطهارةُ؛ لأنَّ ثُبُوتَ الجَوْرَب أحَدُ شَرْطَيْ جَوازِ المَسْحِ، وإنَّما حَصَل بالنَّعْلِ، فإذا خَلَعَها، زال الشَّرْطُ المُبِيحُ للمَسْحِ، فبَطلَتِ الطهارةُ، كما لو ظَهَر القَدَمُ.
قال القاضي: يَمْسَحُ على الجَوْرَبِ والنَّعْلِ، كما جاءَ في الحديثِ.
والظّاهِرُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، إنَّما مَسَح على سُيُورِ النَّعْلِ التي على ظاهِرِ القَدَمِ، فأمّا أسْفَلُه وعَقِبُه، فلا يُسَنُّ مَسْحُه مِن الخُفِّ، فكذلك مِن النَّعْلِ.
111 -
مسألة؛ قال: (والعِمامَةِ والجَبائِرِ)
ومِمَّن قال بجَوازِ المَسْحِ على العِمامَةِ أبو بكرٍ الصِّدِّيقُ، رضي الله عنه.
وبه قال عُمَرُ بنُ
..................................
الخَطَّابِ، وأنَسٌ، وأبو أُمامَةَ.
ورُوِيَ عن سعدِ 1 بنِ مالكٍ، وأبي الدَّرْداءِ، رَضِي اللهُ عنهم.
وهو قَوْلُ عُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، والحسنِ، وقَتادَةَ، وابنِ المُنْذِرِ، وغَيرِهم.
وقال عُرْوَة، والنَّخَعِيُّ، والشَّعْبِيُّ، والقاسِمُ 2، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأي: لا يَمْسَحُ عليها؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾ 3. ولأنَّه لا تَلْحَقُه المَشَقَّةُ بنَزْعِها، أَشْبَهَتِ الكُمَّين.
ولَنا، ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: تَوَضَّأَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -, ومَسَح على الخُفَّين، والعِمامَةِ 4 قال التِّرمِذِيُّ: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وروَى مسلمٌ 5، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على الخُفَّين والخِمارِ.
وعن عَمْرِو بنِ
..................................
أُمَيَّةَ، قال: رَأَيتُ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح على عِمامَتِه وخُفَّيه.
رَواه البخاريُّ 1. ولأنَّه قولُ مَن سَمَّينا مِن الصّحابةِ، ولم يُعْرَفْ لهم مُخالِفٌ في عَصْرِهِم.
ولأنَّه عُضْوٌ يَسْقُطُ فَرْضُه في التَّيَمُّمِ، فجازَ المَسْحُ علي حائِلِه، كالقَدَمَين.
والآيةُ تَنْفِي ما ذَكَرْناه؛ فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مُبَيِّنٌ لكلام اللهِ، وقد مَسَح على العِمامَةِ، وأمَرَ بالمَسْحِ عليها، وهذا يَدُلُّ على أنَّ المُرادَ بالآية المَسْحُ على الرَّأْسِ وحائِلِه.
ومِمّا يُبَيِّنُ ذلك، أنَّ المَسْحَ في الغالِبِ إنَّما يَكُونُ على الشَّعَرِ، ولا يُصِيبُ الرَّأْسَ وهو حائِلٌ، كذلك العِمامَةُ، فإنَّهُ يقالُ لِمَن لَمَس 2 عِمامَةَ إنسانٍ أو قَبَّلها: قَبَّلَ رَأْسَه.
واللهُ أعلمُ.
فصل: [ويَجُوزُ المَسْحُ] 3 على الجَبائِرِ؛ لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في صاحِبِ الشَّجَّةِ: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ [أو يَعْصِرَ] 4 عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، وَيَمْسَحَ عَلَيهَا، وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ».
رَواه أبو داودَ 5. ولِما روَى عليٌّ، رَضِي اللهُ عنه، قال: انكَسَرَتْ إحْدَى = والنسائي، في: باب مسح العمامة، من كتاب الطهارة.
المجتبى 1/ 64. وابن ماجه، في: باب ما جاء في المسح على العمامة، من كتاب الطهارة.
سنن ابن ماجه 1/ 186. والإمام أحمد، في: المسند 5/ 281، 288، 439، 440، 6/ 12 - 15.
وَفِي الْمَسْحِ عَلَى الْقَلَانِسِ، وَخُمُرِ النِّسَاءِ الْمُدَارَةِ تَحْتَ حُلُوقِهِنَّ رِوَايَتَانِ.
زَنْدَيَّ (1)، فأمَرَني النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن أمْسَحَ على الجَبائِرِ.
رَواه ابنُ ماجه (2). وهذا قولُ الحسنِ، والنَّخَعِيِّ، ومالكٍ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي.
وقال الشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيه: يُعِيدُ كل صلاةٍ صَلّاها؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَمَر بالغَسْلِ، ولم يَأْتِ به.
ووَجْهُ الأوَّلِ ما ذَكَرْنا.
ولأنَّه مَسَح على حائِلٍ أُبِيحَ له المسْحُ عليه، فلم تَجِبْ معه الإِعادَةُ كالخُفِّ.
112 -
مسألة: (وفي المَسْحِ على القَلانِسِ، وخُمُرِ النِّساءِ المُدارَةِ تحتَ حُلُوقِهِنَّ، رِوايَتان)
أرادَ القَلانِسَ المُبَطَّناتِ، كدَنِّيَّاتِ 3 القُضاةِ، والنّومياتِ 4 فأمّا الكَلتةُ 5 فلا يَجُوزُ المَسْحُ عليها، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها لا تَسْتُرُ جميعَ الرَّأسِ عادةً، ولا تَدُومُ عليه، فأمّا القَلانِسُ12
..................................
التي ذَكَرْناها، ففيها رِوايتان؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها.
رَواه عنه إسحاقُ بنُ إبراهيمَ.
وهو قولُ الأوْزاعِيِّ، وسعيدِ بن عبدِ العزيزِ، ومالكٍ، والشافعيِّ، والنُّعْمانِ 1، وإسحاقَ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا نَعْلمُ أحَدًا قال به، إلَّا أنَّه يُرْوَى عن أنَسٍ أنَّه مسَح على قُلَنْسِيَتِه 2. لأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، أَشْبَهَتِ الكَلتةَ، ولأنَّ العِمامَةَ التي ليست مُحَنَّكَةً ولا ذُؤابَةَ لها، لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها، [وهذه أدْنَى منها.
والرِّوايةُ الثّانِيَةُ، يجوزُ المَسْحُ عليها] 3. وهو اختيارُ الخَلّالِ.
قال: لأنَّه قد رُوِيَ عن رَجُلَين مِن أصحاب رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بأسانِيدَ صِحاحٍ، فرَوَى الأثْرَمُ بإسْنادِه عن عُمَرَ، أنَّه قال: إن شاءَ حَسَر عن
..................................
رَأْسِه، وإن شاءَ مَسَح على قُلَنْسِيَتِه وعِمامَتِه.
وروَى بإسْنادِه عن أبي موسى، أنَّه خَرَج مِن الخَلاءِ، فمَسَحَ على القَلَنْسُوَةِ.
ولأنَّه مَلْبُوسٌ مُعْتادٌ يَسْتُرُ الرَّأْسَ، أَشْبَهَ العِمامَةَ المُحَنَّكَةَ، وفارَقَ العِمامَةَ التي قَاسُوا عليها؛ لأنَّها مَنْهِيٌّ عنها.
واللهُ أعلمُ.
وفي مَسْحِ المرأةِ على خِمارِها رِوايَتان، إحْداهُما، يَجُوزُ.
يُرْوَى ذلك عن أُمِّ سَلَمَةَ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
ولأنَّه مَلْبُوسٌ للرَّأْسِ يَشُقُّ نَزْعُه، أشْبَهَ العِمامَةَ.
والثانيةُ، لا يَجُوزُ.
وهو قولُ نافِع، والنَّخَعِيِّ، وحَمّادٍ، والأوْزاعِيِّ، ومالكٍ، والشافعيِّ؛ لأنَّه مَلْبُوسٌ يَخْتَصُّ المرأةَ، أشْبَهَ الوقايَةَ، ولا يُجْزِئٌ 1 المَسْحُ على الوقايَةِ، رِوايَةً واحِدَةً.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّها لا يَشُقُّ نَزْعُها، فهي كطاقِيَّةِ الرَّجُلِ.
وَمِن شَرْطِهِ أَنْ يَلْبَسَ الْجَمِيعَ بَعْدَ كَمَالِ الطَّهَارَةِ،
113 - مسألة؛ قال: (ومِن شَرْطِه أن يَلْبَسَ الجَمِيعَ بعدَ كَمالِ الطهارةِ)
لا نَعْلَمُ في اشْتِراطِ تَقَدُّمِ الطهارة لكُلِّ ما يَجُوزُ المَسْحُ عليه خِلافًا، إلَّا الجَبِيرَةَ، ووَجْهُه ما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: كنتُ مع النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، فأهْوَيتُ لأنْزِعَ خُفَّيه، فقال: «دَعْهُمَا فَإنِّي أَدخَلْتُهُمَا طَاهِرَتَينِ».
فمَسَحَ عليهما.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعنه قال:
..................................
قُلتُ: يا رسولَ اللهِ، أيَمْسَحُ أحَدُنا على خُفَّيه.
فقال: «نَعَمْ، إذَا أَدخَلَهُمَا وَهُمَا طَاهِرَتَانِ».
رَواه الدّارَقطْنِيُّ 1. فأمّا إن غَسَل إحْدَى رِجْلَيه، ثم لَبِس الخُفَّ، ثم غَسَل الأخْرَى وأدْخَلَها الخُفَّ، لم يَجُزِ المَسْحُ أيضًا.
وهو قولُ الشافعيِّ، وإسحاقَ.
ونَحْوُه عن مالكٍ.
وعنه، أنَّه يَجُوزُ، رَواها أبو طالِبٍ عنه.
وهو قولُ أبي ثَوْرٍ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّه أحْدَثَ بعدَ كَمالِ الطهارةِ واللُّبْسِ، فجازَ، كما لو نَزَع الخُفَّ الأوَّلَ ثم لَبِسَه.
وكذلك الحُكْمُ في مَن مَسَح رَأْسَه ولَبِس العِمامَةَ، ثم غَسَل رِجْلَيه، قِياسًا على الخفِّ.
وقد قِيلَ، في مَن غَسَل رِجْلَيه ولَبِس خُفَّيه، ثم غَسَل بَقِيَّةَ أعْضائِه: إذا قُلْنا: إنَّ التَّرْتِيبَ ليس بشَرْطٍ.
جازَ له المَسْحُ.
ووَجْهُ الأولَى، ما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثَين، وهو يَدُلُّ على وُجُودِ الطهارةِ فيهما جَمِيعًا وَقْتَ إدْخالِهِما، ولم يُوجَدْ ذلك وقتَ لُبْسِ الأولَى.
ولأنَّ ما اعْتُبِرَ له الطهارةُ اعْتُبرَ له جَمِيعُها، كالصلاةِ.
وفارَقَ ما إذا نَزَع الخُفَّ الأوَّلَ، ثم لَبِسَه؛ لأَنَّه لَبِسَه بعدَ كَمالِ الطهارةِ.
..................................
فصل: كَرِهِ أحمدُ لُبْسَ الخُفِّ، وهو يُدافِعُ أحَدَ الأخْبَثَين؛ لأنَّ الصلاةَ مَكْرُوهَةٌ بهذه الطهارةِ، فكذلِكَ 1 اللُّبْسُ الذي يُرادُ للصلاةِ.
والأوْلَى، أن لا يُكْرَهَ.
ورُوِيَ عن إبراهيمَ النَّخَعِيِّ، أنَّه كان إذا أرادَ أن يَبُولَ، لَبِس خُفَّيه.
ولأنَّها طهارةٌ كامِلَةٌ، أشْبَهَ ما لو لَبِسَهُما عندَ غَلَبَةِ النُّعاسِ.
والصلاةُ إنَّما كُرِهَتْ للحاقِنِ؛ لأنَّ اشْتِغال قَلْبِه بمُدافَعَةِ الأخْبَثَين، يَذْهَبُ بخُشُوعِ الصلاةِ، ويَمْنَعُ الإِتْيانَ بها على الكَمالِ، ويَحْمِلُه على العَجَلَةِ، ولا يَضُرُّ ذلك في اللبْسِ.
فصل: فإن تَطَهَّر، ثم لَبِس الخُفَّ، فأحْدَثَ قبلَ بُلُوغِ الرِّجْلِ قَدَمَ الخُفِّ، لم يَجُزْ له المَسْحُ؛ لأنَّ الرِّجْلَ حَصَلَتْا في مَقَرِّها وهو مُحْدِثٌ، فصارَ كما لو بَدَأ اللُّبْسَ وهو مُحْدِثٌ.
..................................
فصل: فإن تَيَمَّمَ، ثم لَبِس الخُفَّ، لم يَكُنْ له المَسْحُ؛ لأنَّه لَبِسَه على طهارةٍ غيرِ كامِلَةٍ.
ولأنَّها طهارةُ ضَرُورَةٍ، بَطَلَتْ مِن أصْلِها، فصارَ كاللّابِسِ له على غيرِ طهارةٍ.
ولأنَّ التَّيَمُّمَ لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، فقد لَبِسَه وهو مُحْدِث.
فأمّا إن تَطَهَّرَتِ المُسْتَحاضَةُ، ومَن به سَلَسُ البَوْلِ، وشِبْهُهُما، ولَبسُوا خِفافًا، فلهم المَسْحُ عليها.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ طَهارَتَهُم كامِلَةٌ في حَقِّهم.
قال ابنُ عَقِيل: لأنَّها مُضْطَرَّةٌ إلى التَّرَخُّصِ، وأحَقُّ مَن يَتَرَخَّصُ المُضْطرُّ.
فإنِ انْقَطعَ الدَّمُ، أو زالتِ 1 الضَّرُورَةُ، بَطَلَتِ الطهارةُ مِن أصْلِها، ولم يَكُنْ لهما المَسْحُ، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ.
وإن لَبِسَ الخُفَّ بعدَ طهارةٍ مَسَح فيها على العِمامَةِ، أو العِمامَةَ بعدَ
..................................
طهارةٍ مَسَح فيها على الخُفِّ، فقال بَعْضُ أصحابنا: ظاهِرُ كلام أحمدَ أنَّه لا يَجُوزُ المَسْح؛ لأنَّه لبِس على طهارةٍ مَمْسُوحٍ فيها على بَدَلٍ، فلم يُسْتَبَحِ المَسْحُ باللُّبْسِ فيها، كما لو لَبِس خُفًّا على طهارةٍ مَسَح فيها على خُفٍّ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ جَوازَ المَسْحِ؛ لأنَّها طهارة كامِلَة، وكل واحِدٍ منهما ليس ببَدَلٍ عن الآخَرِ، بخِلَافِ الخُفِّ المَلْبُوسِ على خُفٍّ مَمْسُوحٍ عليه.
فصل: فإن لَبِس الجَبِيرَةَ على طهارةٍ مَسَح فيها على خُفٍّ أو عِمامَةٍ، وقُلْنا: ليس مِن شَرْطِها الطهارةُ.
جاز المَسْحُ عليها.
وإنِ اشْتَرَطْنا الطهارةَ، احْتَمَلَ أن يَكُونَ كالعِمامَةِ المَلْبُوسَةِ على طهارةٍ مَسَح فيها على الخُفِّ، واحْتَمَلَ جَواز المَسْحِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ مَسْحَها عَزِيمَة.
وإن لَبِس الخُفَّ على طهارةٍ مَسَح فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المَسْحُ عليه؛ لأنَّها عَزِيمَة، ولأنَّها إن كانت ناقِصَةً 1، فهو لنَقْصٍ لم يَزَلْ، فلم يَمْنَعْ كطهارةِ 2 المُسْتَحاضَةِ.
وإن لَبِس الجَبِيرَةَ على طهارةٍ مَسَح فيها على الجَبِيرَةِ، جازَ المَسْحُ؛ لِما ذَكَرْنا.
إلَّا الجَبِيرَةَ على إحْدَىْ الرِّوايَتَينِ.
114 - مسألة؛ قال: (إلَّا الجَبِيرَةَ، على إحْدَىْ الرِّوايَتَينِ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أبي عبدِ اللهِ، رَحِمَه اللهُ، في الجَبِيرَةِ، فرُوِي أنَّه لا يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الطهارَةِ لها.
اخْتارَه الخَلّالُ، وذلك لِما ذكَرْنا مِن حديثِ جابِرٍ في الذي أصابَتْه، الشَّجَّةُ، فإَّنه قال: «إِنَّمَا كَانَ يُجْزِئُه أنْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً، ويَمْسَحَ عَليها».
ولم يَذْكُرِ الطهارةَ.
وكذلك حديثُ عليٍّ، لم يَأْمُرْه بالطهارةِ 1. ولأنَّ اشْتِراطَ الطهارةِ لها، يَغْلُظُ على النّاسِ، ويَشُقُّ عليهم.
ولأنَّ المَسْحَ عليها إنَّما جازَ لمَشَقةِ نَزْعِها، وهو مَوْجُودٌ إذا لَبِسَها على غيرِ طهارةٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يُشْتَرَطَ له التَّيمُّمُ عندَ العَجْزِ عن الطهارةِ، فإنَّ في حديثِ جابرٍ: «إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أنْ يَتَيَمَّمَ، وَيَعْصِبَ، أوْ يَعْصِرَ عَلَى جُرْحِهِ، ثُمَّ يَمْسَحَ عَليهَا».
ولأنَّها عِبادَةٌ اشْتُرِطَتْ لها الطهارةُ، فقامَ التَّيَمَّمُ مَقامَها عندَ العَجْزِ عنها 2 كالصلاةِ.
..................................
ورُوِيَ عنه أنَّه يَشْتَرِطُ تَقَدُّمَ الطهارةِ عليها، وهو ظاهِرُ قولِ الخِرَقِيِّ؛ لأنَّه حائِلٌ يُمْسَحُ عليه، فاشْتُرِطَ تَقَدَّمُ الطهارةِ على لُبْسِه، كسائِرِ المَمْسُوحاتِ.
فعلى هذا، إذا لَبِسَها على غيرِ طهارةٍ، ثم خاف مِن نَزْعِها، تَيَمَّمَ لها؛ لأنَّه مَوْضِعٌ يَخافُ الضَّرَرَ باسْتِعْمالِ الماءِ فيه، أشْبَهَ الجُرْحَ.
فصل: ولا يَحْتاجُ مع مَسْحِها إلى تَيَمُّمٍ.
قال شيخُنا: ويَحْتَمِلُ أن يَتَيَمَّمَ مع مَسْحِها فيما إذا تَجاوَزَ بها مَوْضِعَ الحاجَةِ؛ لأنَّ ما على مَوْضِع الحاجَةِ يَقْتَضِي المَسْحَ، والزّائِدُ يَقْتَضِي التَّيَمُّمَ، وكذلك فيما إذا شَدَّها على غيرِ طهارةٍ؛ لأنَّه مُخْتَلَفٌ في جَوازِ المَسْحِ عليها، فإذا جَمَع بينَهما، خَرَج مِن الخِلافِ.
وللشافعيِّ في الجَمْعِ بينَهما قولانِ في الجُمْلَةِ، لحديثِ صاحبِ الشَّجَّةِ.
ولَنا، أنَّه مَحَلٌّ واحِدٌ، فلا يَجْمَعُ فيه بينَ بَدَلَين، كالخُفِّ 1.
..................................
فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الشَّدِّ على كَسْرٍ أو جُرْحٍ، لحديثِ صاحبِ الشَّجَّةِ، فإنَّها جُرْحُ الرَّأسِ، وقِياسًا على الكَسْرِ.
وكذلك إن وَضَع على جُرْحِه دَواءً، وخاف مِن نَزْعِه، مَسَح عليه.
نَصَّ عليه في رِوايةِ الأثرَمِ، وذلك لِما روَى الأثْرَمُ بإسنْادِه، عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه خَرَجَتْ بإبْهامِه قُرْحَةٌ، فألْقَمَها مَرارَةً، وكان يَتَوَضَّأُ، ويَمْسَحُ عليها.
ولو انْقَلَعَ ظُفْرُ إنسانٍ، أو كان بأْصْبُعِه جُرْحٌ يَخافُ إن أصابَه الماءُ أن يَزرَقَّ الجُرْحُ، جازَ المَسْحُ عليه في المَنْصُوصِ.
وقال القاضي، في اللُّصُوقِ على الجُرُوحِ: إن لم يَكُنْ في نَزعِه ضَرَرٌ، نَزَعَه وغَسَل الصَّحِيحَ، وتَيَمَّمَ للجَرِيحِ، ويَمْسَحُ على مَوْضِع الجُرْحِ، وإن كان في نَزْعِه ضَرَر مَسَح عليه، كالجَبِيرَةِ.
فإن كان في رِجْلِه شَقٌّ، فجَعَلَ فيه قِيرًا، فقال أحمدُ: يَنْزِعُه ولا يَمْسَحُ عليه، هذا أهْوَنُ، هذا لا يُخافُ منه.
فقيلَ له: متى يَسَعُ صاحِبَ الجُرْحِ
..................................
أن يَمْسَحَ عليه؟ قال: إذا خَشِيَ أن يَزْدادَ وَجَعًا، أو شِدَّةً.
وتعليلُ أحمدَ في القِيرِ بسُهُولَتِه، يَقْتَضِي أنَّه متى كان يُخافُ منه، جاز المَسْحُ عليه، كالأُصْبُعِ المَجْرُوحَةِ إذا ألْقَمَها مَرارَةً أو عَصَبَها.
قال مالكٌ، في الظُّفْرِ يَسْقطُ: يَكْسُوه مَصْطَكَا 1، ويَمْسَحُ عليه وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي.
وَيَمْسَحُ الْمُقِيمُ يَوْمًا وَلَيلَةً، وَالْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ،
فصل: فإن لم يَكُنْ على الجرْحِ عِصابٌ، غَسَل الصَّحِيحَ، وتَيَمَّمَ للجَرِيحِ، ولم يَمْسحْ (1). وقد روَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ، في المَجْرُوحِ والمَجْدُورِ يُخافُ عليه: يَمْسَحُ مَوْضِعَ الجُرْحِ، ويَغْسِلُ ما حَوْلَه.
يَعْنِي: يَمْسَحُ، إذا لم يَكُنْ عِصابٌ.
واللهُ أعلمُ.
115 -
مسألة؛ قال: (ويَمْسَحُ المُقِيمُ يومًا ولَيلَةً، والمُسافِرُ ثلاثةَ أيامٍ ولَيالِيَهُنَّ)
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المذهبِ.
وهو قولُ عُمَرَ، وعليٍّ،1
..................................
وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ، رَضِي اللهُ عنهم.
وبه قال شُرَيحٌ 1، وعطاءٌ، والثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرَّأي.
وهو ظاهِرُ قولِ الشافعيِّ.
وقال اللَّيثُ: يَمْسَحُ ما بَدا له.
وهو قولُ أكثرِ أصحابِ مالكٍ.
وكذلك قولُ مالكٍ في المُسافرِ.
وعنه في المُقِيمِ رِوايتان، وذلك لِما روَى أُبَيُّ بنُ عِمارَةَ، قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، أنَمْسَحُ 2 على الخُفَّين؟ قال: «نَعَمْ».
قلتُ: يَوْمًا؟ قال: «وَيَوْمَينِ».
قلتُ: وثلاثةً؟ قال: «وَمَا شِئْتَ».
رَواه أبو داودَ 3. ولأنَّه مَسْحٌ في طهارةٍ، فلم يَتَوَقَّتْ، كمَسْحِ الرَّأْسِ والجَبِيرَةِ.
ولَنا، ما روَى عليٌّ قال: جَعَل رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ثلاثةَ أيّامٍ ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا ولَيلَةً للمُقِيم.
رَواه مسلمٌ 4. وعن عَوْفِ بنِ مالكٍ الأشْجَعِي، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمر بالمَسْحِ على الخُفَّينِ في غَزْوَةِ تَبُوكَ، ثلاثةَ أيّام ولَيالِيَهُنَّ للمُسافِرِ، ويومًا
..................................
ولَيلَةً للمُقِيمِ.
رواه الإِمام أحمدُ، والدّارَقُطْنِيُّ 1. قال الإمامُ أحمدُ: هذا أجْوَدُ حديثٍ في المَسْحِ؛ لأنَّه في غَزْوَةِ تَبُوكَ، آخِرِ غَزْوَةٍ غَزاها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -. وحَدِيثُهم ليس بالقَويِّ، وقد اخْتُلِفَ في إسنادِه.
قاله 2 أبو داودَ 3. ويَحْتَمِلُ أنَّه، قال: «وَمَا شِئْتَ» مِنَ الْيَوْمِ واليَوْمَين والثَّلاثَةِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه يَمْسَحُ ما شاءَ، إذا نَزَعَها عندَ انْتِهاء مُدَّتِه، ثم لَبِسَها.
وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بالتَّيَمُّمِ، ومَسْحُ الجَبِيرَةِ عِندَنا مُوَقَّتٌ بإمْكانِ نَزْعِها.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وسَفَرُ المَعْصِيَةِ كالحَضَرِ في مُدَّةِ المَسْحِ؛ لأنَّ ما زادَ على اليومِ واللَّيلَةِ رُخصَةٌ، والرُّخَصُ لا تُسْتَباحُ بِالمَعْصِيَةِ.
واللهُ أعلمُ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يُباحَ له المَسْحُ أصْلًا، لكَوْنِه رُخصَةً.
واللهُ أعلمُ.
إلا الْجَبِيرَةَ، فَإِنَّهُ يَمْسَحُ عَلَيهَا إِلَى حَلِّهَا.
116 - مسألة؛ قال: (إلَّا الجَبِيرَةَ، فإنَّه يَمْسَحُ عليها إلى حَلِّها)
لأنَّ مَسْحَها للضَّرُورَةِ فيُقَدَّرُ بقَدْرِها، والضَّرُورَةُ تَدْعُو إلى مَسْحِها إلى حَلِّها، بخِلافِ غيرِها.
فصل: ويُفارِقُ مَسْحُ الجَبِيرَةِ الخُفَّ مِن خَمْسَةِ أوْجُهٍ: الأوَّلُ والثاني، أنَّه لا يُشْتَرَطُ تَقَدُّمُ الطهارةِ لها، ولا يَتَقَدَّرُ مَسْحُها بمُدَّةٍ.
وقد ذَكَرناهما.
الثالثُ، أنَّه يَجِبُ اسْتِيعابُها بالمَسْحِ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ في تَعْمِيمِها، بخِلافِ الخُفِّ.
الرابعُ، أنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها إلَّا عندَ خَوْفِ الضَّرَرِ بنَزْعِها.
الخامسُ، أنَّه يَمْسَحُ عليها في الطهارةِ الكُبْرَى؛ لأنَّ الضَّرَرَ يَلْحَقُ بنَزْعِها فيها، بخِلافِ الخُفِّ.
وَابْتِدَاءُ الْمُدَّةِ مِنَ الْحَدَثِ بَعْدَ اللُّبْسِ.
وَعَنْهُ، مِنَ الْمَسْحِ بَعْدَهُ.
117 - مسألة: (وابْتداءُ المُدَّةِ مِن الحَدَثِ بعدَ اللُّبْسِ. وعنه، مِن المَسْحِ بعدَه)
يَعْنِي: بعدَ الحَدَثِ.
ظاهِرُ المذهبِ، أنَّ ابْتِداءَ المُدَّةِ مِن الحَدَثِ بعدَ اللُّبْسِ.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ ابْتِداءَها مِن المَسْحِ بعدَ الحَدَثِ.
يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، رَضِي اللهُ عنه.
وهو اخْتِيارُ ابنِ المُنْذِرِ، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَمْسَحُ الْمُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أيَّامٍ وَلَيَالِيَهُنَّ» 1. وقال الشَّعْبِيُّ، وإسحاقُ، وأبو ثَوْرٍ: يَمْسَحُ المُقِيمُ خَمْس صَلَواتٍ، لا يَزِيدُ عليها.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما نَقَلَه القاسِمُ بنُ زَكَرِيّا المُطَرِّزُ 2، في حديثِ صَفْوانَ: «مِنَ الْحَدَثِ إلَى الْحَدَثِ».
ولأنَّها عِبادَة مُؤقَّتَة، فاعْتُبِرَ أوَّلُ
وَمَنْ مَسَحَ مُسَافِرًا، ثُمَّ أَقَامَ، أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ.
وَقْتِها مِن حينِ جَوازِ فِعْلِها، كالصلاةِ.
ويَجُوزُ أن يَكونَ أرادَ بالخَبَرِ اسْتِباحَةَ المَسْحِ، دُونَ فِعْلِه.
وأمّا تَقْدِيرُه بخَمْسِ صَلَواتٍ، فلا يَصِحُّ، لكَوْنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَدَّرَه بالوَقْتِ دُونَ الفِعْلِ، فعلى هذا يُمْكِنُ المُقِيمُ أن يُصَلِّيَ بالمَسْحِ سِتَّ صَلواتٍ، يُؤخِّرُ الصلاةَ، ثم يَمْسَحُ في اليومِ [الأوَّلِ ويُصَلِّيها في اليومِ] (1) الثّاني في أوَّلِ وَقْتِها قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، وإن كان له عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ مِن مَرَضٍ أو غيرِه، أمْكَنَه أن يُصَلِّيَ سَبْعَ صَلَواتٍ، ويمكنُ المُسافِرُ أن يُصَلِّيَ سِتَّ عَشْرَةَ صلاةً، إن لم يَجْمَعْ، وسَبْعَ عَشرةَ صلاةً إن جَمَعَ، على ما فَصَّلْناه.
واللهُ أعلمُ.
118 -
مسألة؛ قال: (ومَن مَسَح مُسافِرًا، ثم أقامَ، أتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ)
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ لأنَّه صارَ مُقِيمًا، فلم يَجُزْ له أن يَمْسَحَ مَسْحَ المُسافِرِ.
ولأنَّها عِبادَة تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا ابْتَدأها في السَّفَرِ، ثم حَضَر في أثْنائِها، غَلَب حُكْمُ1
وَإنْ مَسَحَ مُقِيمًا ثُمَّ سَافَرَ، أوْ شَكَّ فِي ابْتِدَائِهِ، أَتَمَّ مَسْحَ مُقِيمٍ.
وَعَنْهُ، يُتِمُّ مَسْحَ مُسَافِرٍ.
الحَضَرِ، كالصلاةِ.
فإن كان قد مَسَح يومًا ولَيلَةً، ثم أقامَ أو قَدِم، خَلَع.
وإن كان مَسَح أقَلَّ مِن يوم ولَيلَةٍ ثم أقامَ أو قَدِمَ، أتَمَّ يومًا ولَيلَةً، لِما ذَكَرْنا.
ولو مَسَح في السَّفَرِ أكثرَ مِن يوم ولَيلَةٍ، ثم دَخَل في الصلاةِ، فنَوَى الإقامَةَ في أثْنائِها، بَطَلَتْ؛ لأنَّ المَسْحَ بَطَل فبَطَلَتِ الطهارةُ التي هي شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ.
ولو تَلَبَّسَ بالصلاةِ في سَفِينَةٍ، فدَخَلَتِ البَلْدَةَ في أثنائِها، بَطَلَتْ صلاتُه لذلك.
واللهُ أعلمُ.
119 -
مسألة: (وإن مَسَح مُقِيمًا، ثم سافَرَ أوشَكَّ في ابتِدائِه، أتَمَّ مَسْحَ مُقِيم. وعنه، يُتِمُّ مَسْحَ مُسافِرٍ)
اخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، في هذه المسألةِ، فرُوِيَ عنه أنَّه يُتِمُّ مَسْحَ مُقِيمٍ.
اخْتارَه
..................................
الخِرَقِيُّ.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ؛ لأنَّها عِبادةٌ تَخْتَلِفُ بالحَضَرِ والسَّفَرِ، فإذا وُجِدَ أحَدُ طَرَفَيها في الحَضَرِ، غَلَب حُكْمُه، كالصلاةِ.
ورُوِيَ عنه، أنه يُتِمُّ مَسْحَ مُسافِرٍ، سَواءٌ مَسَح في الحَضَرِ لصلاةٍ أو أكثرَ منها بعدَ أن لا تَنْقَضِيَ مُدَّةُ المَسْحِ، وهو حاضِر.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ؛ لقولِه - صلى الله عليه وسلم -: «يَمْسَحُ المُسَافِرُ ثَلَاثَةَ أيَّام وَلَيَالِيَهُنَّ» 1. وهذا مُسافِر، ولأنَّه سافَرَ قبلَ انْقِضاءِ مُدَّةِ المَسْحِ، أشْبَهَ مَن سافَرَ بعدَ الحَدَثِ وقبلَ المَسْحِ.
وهذا اختيارُ الخَلّالِ، وصاحِبِه.
قال الخَلّالُ: رَجَع أحمدُ عن قَوْلِه الأوَّلِ إلى هذا.
وإن شَكَّ، هل ابتَدَأ المَسْحَ في الحَضَرِ أو السَّفَرِ؟ بَنَى على مَسْحِ حاضِرٍ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ المَسْحُ مع الشَّكِّ في إباحَتِه، ولأنَّ الأصلَ الغَسْلُ، والمَسْحُ
وَمَنْ أَحْدَثَ ثُمَّ سَافَرَ قَبْلَ الْمَسْحِ، أَتَمَّ مَسْحَ مُسَافِرٍ.
رُخْصَةٌ، فإذا شَكَكْنا في شَرْطِها، رَجَعْنا إلى الأصلِ.
فإن ذَكَر بعدُ، أنَّه كان قد ابْتَدَأ المَسْحَ في السَّفرِ، جاز البِناءُ على مَسْحِ مُسافِرٍ.
وإن كان قد صَلَّى بعدَ اليَوْمِ واللَّيلَةِ مع الشَّكِّ، ثم تَيَقَّنَ، فعليه إعادَةُ ما صَلَّى مع الشَّكِّ؛ لأنَّه صَلَّى بطهارةٍ لم يَكُنْ له أن يُصَلِّيَ بها، فهو كما لو صَلَّى يَعْتَقِدُ أنَّه مُحْدِثٌ، ثم ذَكَر أنَّه مُتَطَهِّرٌ، فإنَّ وُضُوءَه صَحِيحٌ، ويَلْزَمُه إعادَةُ الصلاةِ.
وهذا التَّفرِيعُ على الرِّوايةِ الأُولَى.
ومتى شَكَّ الماسِحُ في الحَدَثِ، بَنَى على الأحْوَطِ عندَه؛ لأنَّ الأصْلَ غَسْلُ الرِّجْلِ.
فصل: فإن لَبِث وأحْدَثَ، وصَلَّى الظُّهْرَ، ثم شَكَّ هل مَسَحَ قبلَ الظُّهْرِ أو بعدَها، وقُلْنا: ابتِداءُ المُدَّةِ مِن حينِ المَسْحِ.
بَنى الأمْرَ في المَسْحِ على أنَّه قبلَ الظُّهْرِ، وفي الصلاةِ على أنَّه مَسَحَ بعدَها؛ لأنَّ الأصلَ بقاءُ الصلاةِ في ذِمَّتِه، ووُجُوبُ غَسْلِ الرِّجْلِ، فرَدَدْنا كلَّ واحِدٍ منهما إلى أصْلِه.
واللهُ أعلمُ.
120 -
مسألة: (وإن أحْدَثَ، ثم سافَرَ قبلَ المَسْحِ، أتَمَّ مَسْحَ مُسافِرٍ)
لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا في ذلك، لقولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «يَمْسَحُ
وَلَا يَجُوزُ الْمَسْحُ إلا عَلَى مَا يَسْتُرُ محَلَّ الْفَرْضِ،
الْمُسافِرُ ثَلاثَةَ أيَّامِ وَلَيَالِيَهُنَّ».
وهذا حال ابْتِداء المَسْحِ كان مُسافِرًا.
121 -
مسألة؛ قال: (ولا يَجُوزُ المَسْحُ إلَّا على ما يَسْتُرُ مَحَلَّ الفَرْضِ، ويَثْبُتُ بنَفْسِه)
متى كان الخُفُّ ساتِرًا لمَحَلِّ الفَرْضِ، لا يُرَى منه الكَعْبان، لكَوْنِه ضَيِّقًا أو مَشْدُودًا، جاز المَسْحُ عليه.
فأمّا المَقْطُوعُ مِن دونِ الكَعْبَين، فلا يَجُوزُ المَسْحُ عليه، وهذا قولُ الشافعيِّ وأبي ثَوْرٍ، وهو الصَّحِيحُ عن مالكٍ.
وحُكيَ عن الأوْزاعِيِّ ومالكٍ، جَوازُ المَسْحِ عليه؛ لأنَّه خُفٌّ يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ السّاتِرَ.
ولَنا، أنَّه لا يَسْتُرُ مَحَلَّ الفَرْض، أشْبَهَ اللّالكةَ 1 والنَّعْلَين، ولأنَّ حُكْمَ ما ظَهَر الغَسْلُ، وحُكْمَ ما اسْتَتَرَ المَسْحُ، ولا سَبِيلَ إلى الجَمْع مِن غيرِ
ويثبتُ بِنَفْسِهِ،
ضَرُورَةٍ، فغلَب الغَسْلُ، كما لو ظَهَرَتْ إحْدَى الرِّجْلَين، ولو كان للخُفِّ قَدَمٌ، وله شَرَجٌ (1) إذا شَدَّه يَسْتُرُ مَحَل الفَرضِ، جاز المَسْحُ عليه.
وقال أبو الحسنِ الآمِدِي: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليه كاللَّفائِفِ.
ولَنا، أنَّه خُفٌّ ساتِرٌ يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ غيرَ ذي الشَّرَجِ.
فصل: فإن كان الخُفُّ مُحَرمًا، [كالغَصْبِ والحَريرِ] (2)، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه في الصَّحِيحِ مِن المذهبِ؛ لأنَّ المَسْحَ رُخْصَةٌ، فلا تُسْتَباحُ بالمَعْصِيَة، كما لا يَسْتَبِيحُ المُسافِرُ الرُّخَصَ بسَفَرِ المَعْصِيَة.
فصل: ويَجُوزُ المَسْحُ على كلِّ خُفٍّ ساتِر لمَحَلِّ الفَرضِ، سَواءٌ كان مِن جُلُودٍ، أو لُبُودٍ، وما أشْبَهَهما (3) فإن كان خَشَبًا أو حَدِيدًا وما أشْبَهَهُما، جازَ المَسْحُ عليها.
وهذا قولُ أبي الخَطّابِ.
قال القاضي: وهو قِياسُ المذهبِ؛ لأنه خُف يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، ساتِر لمَحَلِّ الفَرض، أشْبَهَ الجُلُودَ.
وقال بَعْضُ أصحابِنا: لا يَجُوزُ المَسْحُ عليها؛ لأنَّ الرُّخصَةَ وَرَدَتْ في الخِفافِ المُتَعارَفَةِ للحاجَةِ، ولا تَدْعُو الحاجَة إلى المَسْحِ على هذه في الغالِبِ.
122 -
مسألة؛ قال: (ويَثْبُتُ بنَفْسِه)
فإن كان لا يَثْبُتُ بنَفْسِه، بحيث يَسْقُطُ مِن القَدَمِ إذا مَشَى فيه، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه؛ لأنَّ الذي123
..................................
تَدْعُو الحاجَةُ إلى لُبْسِه، هو الذي يُمكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه.
فأمّا ما يَسْقُطُ إذا مَشَى فيه، فلا يَشُقُّ نَزْعُه، ولا يَحْتاجُ إلى المَسْحِ عليه.
فَإِنْ كَانَ فِيهِ خَرْقٌ يَبْدُو مِنْهُ بَعْضُ الْقَدَمِ،
123 - مسألة: (فإن كان فيه خَرْقٌ يَبْدُو منه بعضُ القَدَمِ،
أوْ كَانَ وَاسِعًا يُرَى مِنْهُ الْكَعْبُ، أو الْجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ الْقَدَمَ، أوْ يَسْقُطُ مِنْهُ إذَا مَشَى، أوْ شَدَّ لَفَائفَ، لَمْ يَجُزِ الْمَسْحُ عَلَيهِ.
أو كان واسِعًا يُرَى منه الكَعْبُ، أو الجَوْرَبُ خَفِيفًا يَصِفُ القَدَمَ، أو يَسْقُطُ منه [إذا مَشَى] 1 أوْ شَدَّ لَفائِفَ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه) وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه إنَّما يَجُوزُ المَسْحُ على الخُفِّ ونَحْوه، إذا كان ساتِرًا لمَحَلِّ الفرْضِ، لِما ذَكَرْنا.
فإن كان فيه خَرْقٌ يَبْدُو منه بَعْضُ القَدَمِ، أو كان واسِعًا يُرَى منه الكَعْبُ، لم يَجُزِ المَسْحُ، سَواءٌ كان الخَرقُ كَبِيرًا أو صَغِيرًا، مِن مَوْضِع الخَرْزِ أوْ مِن غيرِه.
فأمَّا إن كان الشَّقُّ يَنْضَمُّ، فلا يَبْدُو منه القَدَمُ،
..................................
لم يَمْنَعْ جَوازَ المسْحِ.
نَصَّ عليه.
وهو مذهبُ مَعْمَرٍ 1، وأحَدُ قَوْلَيِ الشافعيِّ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ: يَجُوزُ المَسْحُ على كلِّ خُفٍّ.
وقال الأوْزاعِيُّ: يَمْسَحُ على الخُفِّ المَخرُوقِ، وعلى ما ظَهَر مِن رِجْلِه.
وقال أبو حنيفةَ: إن كان أقَلَّ مِن ثلاثِ أصابعَ، جاز المَسحُ عليه، وإلَّا لم يَجُزْ.
وقال مالكٌ: إن كَثُرَ وتَفاحَشَ، لم يَجُزْ، وإلَّا جازَ.
وتَعَلَّقُوا بعُمُومِ الحديثِ، وبأنَّه خُفٌّ يُمْكِنُ مُتابَعَةُ المَشْي فيه، أشْبَهَ الصَّحِيحَ.
ولأنَّ الغالِبَ علي خِفافِ العَرَبِ، كَوْنُها مُخَرَّقَة، وقد أمَرَ النبي - صلى الله عليه وسلم - بلُبْسِها مِن غيرِ تَفصِيلٍ، فيَنْصَرِفُ إلى الخِفافِ المَلْبُوسَةِ عندَهُم غالِبًا.
ولَنا، أنَّه غيرُ ساتِر للقَدَمِ، فلم يَجُزِ المَسْحُ عليه، كما لو كَثُرَ وتَفاحَشَ.
ولأنَّ حُكمَ ما ظَهَر الغَسْلُ، وحُكمَ ما اسْتَتَرَ المسْحُ، فإذا اجْتَمَعا، غَلَب الغَسْلُ، كما لو ظَهَرَتْ إحْدَى الرِّجْلَين.
وَإنْ لَبِسَ خُفًّا فَلَمْ يُحْدِثْ حَتَّى لَبِسَ عَلَيهِ آخَرَ، جَازَ الْمَسْحُ عَلَيهِ.
فصل: وكذلك إن كان الجَوْرَبُ خَفِيفًا، يَصِفُ القَدَمَ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه؛ لأنَّه غيرُ ساتِرٍ لمَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَهَ النَّعْلَ.
وكذلك إن كان يَسْقط مِن القَدَمِ، ولا يَثْبُتُ فيه؛ لِما ذَكَرْنا.
ولا يَجُوزُ المَسْحُ على اللَّفائِفِ والخِرَقِ.
نَصَّ عليه أحمدٌ؛ لأنَّها لا تَثْبُتُ بنَفْسِها، إنَّما تَثْبُتُ بشَدِّها، ولا نَعْلَم في هذا خِلافًا.
124 -
مسألة: (وإن لَبِس خُفًّا، فلم يُحْدِثْ حتى لَبِس عليه آخَرَ، جاز المَسْحُ عليه)
يَعْنِي على الفَوْقانِي، سَواء كان التَّحْتانِيُّ صَحِيحًا أو مُخرَّقًا.
وهذا قولُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
ومَنَع منه مالك والشافعيُّ، في أحَدِ قَوْلَيهِما؛ لأَن الحاجَةَ لا تَدْعُو إلى لُبْسِه في
..................................
الغالِبِ، فلم تَتَعَلَّقْ به رُخْصَةٌ عامَّةٌ كالجَبِيرَةَ.
ولَنا، أنَّه خُفٌّ ساتِرٌ يَثْبُتُ بنَفْسِه، أشْبَهَ المُنْفَرِدَ.
وقولُه: الحاجَةُ لا تَدْعُو إليه.
مَمْنُوعٌ، فإنَّ البِلادَ البارِدَةَ لا يَكْفِي فيها خُف واحِدٌ غالِبًا، ولو سَلَّمْنا ذلك، لكنَّ الحاجَةَ مُعْتَبَرَة بدَلِيلِها، وهو الإِقْدامُ على اللُّبْسِ، لا بنَفْسِها، فهو كالخُفِّ الواحِدِ.
إذا ثَبَت ذلك، فمتى نَزَع الفَوْقانِيَّ قبلَ مَسْحِه، لم يُؤثِّرْ فيه.
وإن نَزَعَه بعدَ مَسْحِه، بَطَلَتِ الطهارةُ، ووَجَبَ نَزْعُ الخُفَّين وغَسْلُ الرِّجْلَين، لزَوالِ مَحَلِّ المَسْحِ.
ونَزْعُ أحَدِ الخُفَّين، كنَزْعِهما؛ لأنَّ الرُّخْصَةَ تَعَلَّقَتْ بهما، فصارَ كانْكِشافِ القَدَمِ.
ولو أدْخَلَ يَدَه مِن تحتِ الفَوْقانِيِّ، ومَسَح الذي تحتَه، جاز؛ لأن كل واحِدٍ منهما مَحَلٌّ للمَسْحِ، فجازَ المَسْحُ عليه، كما يَجُوزُ غَسْل قَدَمَيه في الخُف، مع جَوازِ المَسْحِ عليه.
ولو لَبِس أحَدَ الجُرْمُوقَين في إحْدَى الرِّجْلَين دونَ الأُخْرَى، جاز المَسْحُ عليه وعلى الخُفِّ الذي في الرِّجْلِ الأُخْرَى؛ [لأنَّ الحُكْمَ تَعَلَّقَ به وبالخُفِّ في الرِّجْلِ الأخْرَى] 1، فهو كما لو لم يَكُنْ تحتَه شيءٌ.
..................................
فصل: وإن لَبِس مُخَرَّقًا فوقَ صَحِيحٍ، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، جَوازُ المَسْحِ عليه.
رَواها عنه حَرْبٌ؛ لأنَّ القَدَمَ مَسْتُورٌ بخُفٍّ صَحِيحٍ، فجازَ المَسْحُ عليه، كما لو كان مَكْشُوفًا.
وقال القاضي وأصحابُه: لا يَجُوزُ المَسْحُ إلَّا على التَّحْتانِيِّ؛ لأنَّ الفَوْقانِيَّ لا يجوزُ المَسْحُ عليه مُنْفَرِدًا، أشْبَهَ ما لو كان تحتَه لِفافَةٌ.
فأمّا إن لَبِسَ مُخَرَّقًا فوقَ لِفافَةٍ، لم يَجُزِ المَسْحُ عليه؛ لأنَّ القَدَمَ غيرُ مَسْتُورٍ بخُفٍّ صَحِيحٍ.
وإن لَبِسَ مُخَرَّقًا فوقَ مُخَرَّقٍ، فاسْتَتَرَ القَدَمُ بهما، احْتَمَلَ أن لا يَجُوزَ المَسْحُ لذلك، واحْتَمَل جَوازَ المَسْحِ؛ لأنَّ القَدَمَ اسْتَتَرَ بهما، أشْبَهَ ما لو كان أحَدُهُما مُخَرَّقًا، والآخَرُ صَحِيحًا.
فصل: فأمّا إن لَبِس الفَوْقانِيَّ بعدَ أن أحْدَثَ، لم يَجُزِ المَسْحُ؛ لأنَّه لَبِسه على غيرِ طهارةٍ، وكذلك إن مَسَح على الأوَّلِ، ثم لَبِس الثّانيَ.
وقال بَعْضُ أصحابِ الشافعيِّ: يَجُوزُ؛ لأنَّ المَسْحَ قام مَقامَ الغَسْلِ.
ولَنا، أنَّ المَسْحَ على الخُفِّ، لم يُزِلِ الحَدَثَ عن الرِّجْلِ، فلم تَكْمُلِ الطهارةُ، أشْبَهَ التَّيَمُّمَ.
ولأنَّ الخُفَّ المَمْسُوحَ عليه بَدَلٌ، والبَدَلُ لا يَكُونُ له بَدَلٌ آخَرُ.
واللهُ أعلمُ.
وَيَمْسَحُ أَعْلَى الْخُفِّ دُونَ أَسْفَلِهِ وَعَقِبِهِ، فَيَضَعُ يَدَيهِ عَلَى الْأَصَابعِ، ثُمَّ يَمْسَحُ إِلَى سَاقِهِ.
125 - مسألة: (ويَمْسَحُ أعْلَى الخُفِّ دونَ أسْفَلِه وعَقِبِه، فيَضَعُ يَدَه على الأصابعِ، ثم يَمْسَحُ إلى ساقِه)
هذه السُّنَّةُ في مَسْحِ الخُفِّ.
فإن عَكَس فمَسَحَ مِن ساقِه إلى أسْفَلَ، جاز، والمَسْنُونُ الأوَّلُ؛ لِما روَى الخَلّالُ بإسنادِهِ عن المُغِيرَةِ، فذَكَرَ وُضُوءَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: ثم تَوَضَّأ ومَسَحَ على الخُفَّين، فوَضَعَ يَدَه اليُمْنَى على خُفِّه الأيمَنِ، ووَضَع يَدَه اليُسْرَى على خُفِّه الأيسَرِ، ثم مَسَح أعْلاهُما مَسْحَةً واحِدَةً، حتى كأنِّي أنْظُرُ إلى أثَرِ أصابِعِه على الخُفَّين.
قال ابنُ عَقِيلٍ: سُنَّةُ المَسْحِ هكذا؛ أن يَمْسَحَ خُفَّيه بيَدَيه؛ باليُمْنَى اليُمْنَى، وباليُسْرَى اليُسْرَى.
وقال أحمدُ: كَيفَما فَعَلْتَ فهو جائِزٌ؛ باليَدِ الواحِدَةِ، أو باليَدَين.
وإن مَسَح بأُصْبُعٍ أو أُصْبُعَين، أجْزأه إذا كَرَّرَ المَسْحَ بها حتى يَصِيرَ مِثْلَ المَسْحِ بأصابِعِه.
ولا يُسَنُّ مَسْحُ أسْفَلِه، ولا عَقِبِه.
وهذا قولُ عُرْوَةَ، وعَطاءٍ، والحسنِ، والثَّوْرِيِّ، وإسحاقَ، وأصحابِ الرَّأْي، وابنِ المُنْذِرِ.
ورُوِيَ مَسْحُ.
..................................
ظاهِرِ الخُفَّين وباطِنِهما عن سعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، وابنِ عُمَرَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزيزِ، وابنِ المُبارَكِ، ومالكٍ، والشافعيِّ؛ لِما روَى المُغِيرَةُ بنُ شُعْبَةَ، قال: وَضَّأْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فمَسَحَ أعْلَى الخُفِّ وأسْفَلَه.
رَواه أبو داودَ، والتِّرْمِذِيُّ 1. ولأنَّه يُحاذِي مَحَلَّ الفَرْضِ، أشْبَهَ ظاهِرَه.
ولَنا، قولُ عليٍّ، رَضِي اللهُ عنه: لو كان الدِّينُ بالرَّأْي، لكان أسْفَلُ الخُفِّ أوْلَى بالمَسْحِ مِن ظاهِرِه، وقد رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَمْسَحُ ظاهِرَ خُفَّيه.
رواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 2. وعن عُمَرَ قال: رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُ بالمَسْحِ على ظاهِرِ الخُفَّين، إذا لَبِسَهُما وهما طاهِرَتان.
رَواه الخَلّالُ 3. ولأنَّ مَسْحَه غيرُ واجِبٍ، ولا يَكادُ يَسْلَمُ مِن مُباشَرَةِ أذًى فيه، تَتَنَجَّسُ به يَدُه، فكان تَرْكُه أوْلَى.
..................................
وحَدِيثُهم مَعْلُولٌ.
قاله التِّرمِذِيُّ.
وقال: وسَألْتُ أبا زُرْعَةَ 1 ومحمدًا 2 عنه، فقال: ليس بصحيحٍ 3. وقال أحمدُ: هذا مِن وَجْهٍ ضَعِيفٍ.
وأسْفَلُ الخُفِّ ليس بمَحَلٍّ لفَرْضِ المَسْحِ، بخِلافِ أعْلاه.
فصل: فإن مَسَح أسْفَلَه أو عَقِبَه دُونَ أعْلاه، لم يُجْزِه، في قولِ أكثرِ العُلَماءِ.
قال شيخُنا: لا نَعْلَمُ أحَدًا قال: يُجْزِئُه مَسْحُ أسْفَلِ الخُفِّ.
إلَّا أشْهَبَ 4 مِن أصحابِ مالكٍ، وبَعْضَ الشّافِعِيَّةِ؛ لأنَّه مَسَحَ بَعْضَ ما يُحاذِي مَحَلَّ الفَرْضِ، فأجْزأه، كما لو مَسَحَ ظاهِرَه 5. ومَنْصُوصُ الشافعيِّ، كمذهبِ الجُمْهُورِ؛ لِما ذَكَرْنا، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما مَسَح ظاهِرَ الخُفِّ، ولا خِلافَ في أنَّه يُجْزِئُ الاقْتِصارُ على مَسْحِ ظاهِرِ الخُفِّ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ.
..................................
فصل: والقَدْرُ المُجْزِئُ في المَسْحِ، أن يَمْسَحَ أكْثَرَ مُقَدَّمِ ظاهِرِه خِطَطًا 1 بالأصابِعِ.
قاله القاضي؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ المُغِيرَةِ.
وقال الشافعيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأبو ثَوْرٍ: يُجْزِئُ القَلِيلُ منه؛ لأنَّه أطْلَقَ لَفْظَ المَسْحِ، ولم يُنْقَلْ فيه تَقْدِيرٌ، فرَجَعَ إلى ما تَناوَلَه الاسمُ.
وقال أبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ: يُجْزِئُه قَدْرُ ثلاثِ أصابِعَ.
وهو قولُ الأوْزاعِيِّ.
وقال إسحاقُ: لا يُجْزِئُ حتى يَمْسَحَ بكَفَّيه.
ولَنا، أنَّ لَفْظَ المَسْحِ وَرَد مُطْلَقًا، وفَسَّرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - بفِعْلِه، كما ذَكَرْنا في حديثِ المُغِيرَةِ، ولا يُسْتَحَبُّ تَكْرارُ مَسْحِه؛ لأنَّ في حديثِ المُغِيرَةِ: «مَسْحَةً وَاحِدَةً».
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ.
وقال عطاءٌ: يَمْسَحُ ثلاثًا.
فصل: فإن مَسَح بخِرْقَةٍ أو خَشَبَةٍ، احْتَمَلَ الإِجْزاءَ؛ لحُصُولِ المَسْحِ، واحْتَمَل المَنْعَ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح بيَدِه.
فإن غَسَل الخُفَّ لم يُجْزِه.
وهذا قولُ مالكٍ، واختيارُ القاضي.
قال ابنُ المُنْذِرِ: وهو
وَيَجُوزُ الْمَسْحُ عَلَى الْعِمَامَةِ الْمُحَنَّكَةِ إِذَا كَانَتْ سَاتِرَةً لِجَمِيعِ الرَّأَسِ، إلا مَا جَرَتِ الْعَادَةُ بِكَشْفِهِ،
أقْيَسُ.
لأنَّه أُمِرَ بالمَسْحِ، فلم يَفْعَلْه، فلم يُجْزِه، كما لو طَرَح التُّرابَ على وَجْهِه ويَدَيه في التَّيَمُّمِ، لكن إن أمَرَّ يَدَيه على الخُفَّين في حالِ الغَسْلِ أو بعدَه، أجْزأه؛ لوُجُودِ المَسْحِ.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُجْزِئُه.
وهو قولُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه أبْلَغُ مِن المَسْحِ، والاقْتِداءُ بالنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أوْلَى.
والمُسْتَحَبُّ أن يَفْرِجَ أصابِعَه إذا مَسَح.
قال الحسنُ: خُطوطًا بالأصابعِ.
ووَضَع الثَّوْرِيُّ أصابِعَه على مُقَدَّم خُفَّيه، وفَرَج بينَهما، ثم مَسَح على أصْلِ السّاقِ.
ورُويَ عن عُمَرَ، أنَّه مَسَح حتى رُئِىَ آثارُ أصابِعِه على خُفَّيه خُطُوطًا.
126 -
مسألة: (ويَجُوزُ المَسْحُ على العِمامَةِ المُحَنَّكَةِ إذا كانت ساتِرَةً لجَمِيعِ الرَّأْسِ، إلَّا ما جَرَتِ العادَةُ بِكَشْفِه)
قد ذَكَرْنا دليلَ جَوازِ المَسْحِ على العِمامَةِ، ومِن شُرُوطِ جَوازِ المَسْحِ عليها، أن تَكُون ساتِرَةً لجَمِيعِ الرَّأْسِ، إلَّا ما جَرَتِ العادَةُ بكَشْفِه، كمُقَدَّمِ الرَّأْسِ والأُذُنَينِ، وجَوانِبِ الرَّأْسِ، فإنَّه يُعْفَى عنه، بخِلافِ خَرْقِ الخُفِّ، فإنَّه لا 1