الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 320-363

كِتَابُ الطَّهارة

صفحات 320-363

..................................  فصل: ولا فَرْقَ بينَ كَوْنِ الدَّمِ مُجْتَمِعًا أو مُتَفَرِّقًا فإذا 1 جُمِع بَلَغ هذا القَدْرَ.
ولو كانتِ النَّجاسَةُ في شيءٍ صَفِيقٍ 2 قد نَفَذَتْ منه 3 مِن الجانِبَينِ، فاتَّصَلَتْ، فهي نَجاسَةٌ واحِدَةٌ، وإن لم تَتَّصِلْ، بل كان بينَهما شيءٌ لم يُصِبْه الدَّمُ فهما نَجاسَتان، إذا بَلَغَا لو جُمِعا قَدْرًا لا يُعْفَى عنه، لم يُعْفَ عنهما 4، كجانِبَيِ الثَّوْبِ.

..................................  فصل: ودَمُ الحَيضِ في العَفْو عنه كغيرِه؛ لحديثِ عائشةَ الذي ذَكَرْناه، وكذلك سائِرُ فِي دِماءِ الحَيَواناتِ الطّاهِراتِ.
فأمّا دَمُ الكلبِ والخِنْزِيرِ، وما تَوَلَّدَ منهما، أو مِنِ أَحَدِهما، فلا يُعْفَى عن يَسِيرِه؛ لأنَّ رُطُوباتِه الطّاهِرَةَ مِن غيرِه، لا يُعْفى عن يَسِيرِها، فدَمُه أوْلَى.
فأمّا دَمُ البَغْلِ، والحِمارِ، وسِباعِ البَهائِمِ، والطَّيرِ، إن قُلْنا بطَهارَتِها، عُفِي عن يَسِيرِ دِمائِها، كسائِرِ الحيواناتِ الطّاهِراتِ، وإن قُلْنا بنَجاسَتِها، وقُلْنا: لا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن رُطُوباتِها، كالرِّيقِ، والعَرَقِ.
فأَوْلَى أن لا يُعْفَى عن دَمِها، كدَمِ الكلبِ والخِنْزِيرِ.
ولأنَّ دَمَها لابُدَّ أن يُصِيبَ جِسْمَها، فلم يُعْفَ عنه، كالماءِ، وهكذا حُكْمُ كلِّ دَم أصاب نَجاسَةً غيرَ مَعْفُوٍّ عنها، لم يُعْفَ عن شيءٍ منه؛ لذلك 1. وإن قُلْنا: يُعْفَى عن يَسِيرِ رِيقِها، وعَرَقِها.
احْتَمَلَ أن يُعْفَى عن يَسِيرِ دَمِها، قِياسًا عليه.
واللهُ أعلمُ.

..................................  فصل: ودَمُ ما لا نَفْسَ له سائِلَةً؛ كالبَقِّ، والبَراغِيثِ، والذُّبابِ، ونَحْوه، طاهِرٌ في ظاهِرِ المذهبِ.
ومِمَّن رَخَّصَ في دَمِ البَراغِيثِ؛ عَطاءٌ، وطاوُسٌ، والحسنُ، والشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، والشافعيُّ، وإسحاقُ؛ لأنَّه لو كان نَجِسًا لنَجَّسَ الماءَ اليَسِيرَ إذا مات فيه، فإنَّه إذا مَكَث في الماءِ، لا يَسْلَمُ مِن خُرُوجِ فَضْلَةٍ منه، ولأنَّه ليس بدَمٍ مَسْفُوحٍ، وإنَّما حَرَّمَ اللهُ سبحانه الدَّمَ المَسْفُوحَ.
ورُوي عن أحمدَ، أنَّه قال في دَمِ البَراغِيثِ: إنِّي لأفْزَعُ منه إذا كَثُر.
وقال النَّخَعِيُّ: اغْسِلْ ما اسْتَطَعْتَ.
وقال مالكٌ، في دَمِ البَراغِيثِ: إذا كَثُر وانْتَشَرَ، فإنِّي أرَى أن يُغْسَلَ.
والأوَّلُ أظْهَرُ.
وقولُ أحمدَ ليس فيه تَصْرِيحٌ بنَجاسَتِه، بل هو دلِيلُ التَّوَقُّفِ، ولأنَّ المَنْسُوبَ إلى دَمِ البَراغِيثِ إنَّما هو بَوْلُها في الظّاهِرِ، وبَوْلُ هذه الحَشَراتِ ليس بنَجِسٍ.

..................................  فصل: فأمّا دَمُ السَّمَكِ، فقال أبو الخَطّابِ: هو طاهِرٌ.
وهذا قَوْلُ الحسنِ 1؛ لأنَّ إباحَتَه لا تَقِفُ على سَفْحِه، ولو كان نَجِسًا، لوَقَفَتِ الإِباحَةُ على إراقَتِه بالذَّبْحِ، كحَيَوانِ البَرِّ، ولأنَّه إذا تُرِك اسْتَحال ماءً.
وقال أبو ثَوْرٍ: هو نَجِسٌ؛ لأنَّه مَسْفُوحٌ، فيَدْخُلُ في عُمُومِ الآيةِ.
والعَلَقَةُ نَجِسَةٌ؛ لأنَّها دَمٌ خارِجٌ مِن الفَرْجِ، أشْبَهَ دَمَ الحَيضِ.
وعنه، أنَّها طاهِرَةٌ؛ لأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أشْبَهَتِ المَنِيَّ.
قال شَيخُنا 2: والصَّحِيحُ نَجاسَتُها؛ لأنَّها دَمٌ، أشْبَهَتْ سائِرَ الدِّماءِ، ولأنَّ الشَّرْعَ لم يَرِدْ فيها بطَهارَةٍ، فتَدْخُلُ في عُمُومِ النَّصِّ.
وما يَبْقَى في اللَّحْمِ مِن الدَّمِ مَعْفُوٌ عنه، ولو عَلَتْ 3 حُمْرَةُ الدَّمِ في القِدْرِ، لم يَكُنْ نَجِسًا؛ لأنَّه لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منه.
وإذا أصابَ الأجْسامَ الصَّقِيلَةَ، كالسَّيفِ والمِرْآةِ، نَجاسَةٌ يُعْفَى عن يَسِيرِها، كالدَّمِ، عُفِى عن كَثِيرِها بالمَسْحِ؛ لأنَّ الباقِي بعدَ المَسْحِ يَسِيرٌ.
وإن كَثُر مَحَلُّه؛ يُعْفَى 4 عنه، كيَسِيرِ غيرِه.

..................................  فصل: وإنَّما يُعْفَى عن يَسِيرِ الدَّمِ في غيرِ المائِعاتِ، فلو وَقَعَتْ قَطْرَةٌ مِن دَمٍ في مائِعٍ يَسِيرٍ تَنَجَّسَ، وصار حُكْمُه حُكْمَ الدَّمِ في العَفْو عن يَسِيرِه؛ لأنَّه فَرْعٌ عليه.

وَعَنْهُ، فِي الْمَذْي، وَالْقَىْءِ، وَرِيقِ الْبَغْلِ، وَالْحِمَارِ، وَسِبَاعِ الْبَهَائِمِ، وَالطَّيرِ، وَعَرَقِهَا، وَبَوْلِ الْخُفَّاشِ، وَالنَّبِيذِ، وَالْمَنِيِّ، أَنَّهُ كَالدَّمِ.
وَعَنْهُ، فِي الْمَذْي، أَنَّهُ يُجْزِئُ فِيهِ النَّضْحُ.
205 - مسألة: (وعنه، في المَذْي، والقَىْءِ، ورِيقِ البَغْلِ، والحِمارِ، وسِباعِ البَهائِمِ، والطَّيرِ، وعَرَقِها، وبَوْلِ الخُفّاشِ، والنَّبِيذِ، والمَنِيِّ؛ أنَّه كالدَّمِ.
وعنه، في المَذْي؛ أنَّه يُجْزِئُ فيه النَّضْحُ) اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ عن أحمدَ، رحَمِه اللهُ، في ذلك، فرُوِي عنه في المَذْي، أنَّه قال:

..................................  يُغْسَلُ ما أصابَ الثَّوْبَ منه، إلَّا أن يكُونَ يَسِيرًا.
وروَى الخَلّالُ بإسْنادِه، قال: سُئِل سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةُ بنُ الزُّبَيرِ، وأبو سَلَمَةَ بنُ عبدِ الرَّحْمنِ، وسُلَيمانُ بنُ يَسارٍ عن المَذْي، فكلُّهم قال: إنَّه بمَنْزِلَةِ القُرْحَةِ؛ فما عَلِمْتَ منه فاغْسِلْه، وما غَلَبَك 1 منه فدَعْه.
ولأنَّه 2 يَخْرُجُ مِن [الشّبابَ كَثِيرًا] 3 فيَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فعُفِيَ عن يَسِيرِه كالدَّمِ.
وعن أحمدَ، أنَّه كالمَنِيِّ؛ لأنَّه خارِجٌ بسَبَبِ الشَّهْوَةِ، أشْبَهَ المَنِيَّ.
وعنه، أنَّه يُجْزىِءُ فيه النَّضْحُ؛ لأنَّ في حديثِ سَهْلِ بنِ حُنَيفٍ، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، فكَيفَ بما أصابَ ثَوْبِي منه؟ قال: «إِنَّمَا يَكْفِيكَ أَنْ تَأْخُذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ، فتَنْضَحَ بِهِ حَيثُ تَرَى أَنَّهُ أَصابَ مِنْهُ» 4. قال التِّرمِذِيُّ: حديثٌ صحيحٌ.
والرِّوايَةُ الأُخْرَى، يَجِبُ غَسْلُه؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر بغَسْلِ الذَّكَرِ منه 5. ولأنَّه نَجاسَةٌ خارِجَةٌ مِن الذَّكَر، أشْبَهَ البَوْلَ.
يُرْوَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ.
وهو مذهَبُ

..................................  الشافعيِّ، وإسحاقَ، وكثيرٍ مِن أهلِ العلمِ.
وكذلك المَنِيُّ إذا قُلْنا بنَجاسَتِه؛ لِما ذَكَرْنا في المَذْي.
فأمّا الوَدْيُ، فهو نَجِسٌ لا يُعْفَى عنه في الصحيح؛ لأنَّه خارِجٌ مِن مَخْرَجِ 1 البَوْلِ، فهو كالبولِ.
وعن أحمدَ أنَّه كالمَذْي.
وأمّا القَيْءُ، فرُوىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: هو عندِي بمَنْزِلَةِ الدَّمِ، لَأنَّه خارِجٌ نَجِسٌ مِن غيرِ السَّبيلِ، أشْبَهَ الدَّمَ.
ورُوي عن أحمدَ في رِيقِ البَغْلِ والحِمارِ، وعَرَقِهما، أنَّه يُعْفَى عنه إذا كان يَسِيرًا، وهو الظّاهِرُ عن أحمدَ.
قال الخَلّالُ: وعليه مذهبُ أبي عبدِ اللهِ، لأنَّه

..................................  يَشُق التَّحَرُّزُ منه.
قال أحمدُ: مَن يَسْلَمُ مِن هذا مِمَّن يَرْكَبُ الحَمِيرَ؟ إلَّا أنِّي أرْجُو أن يكُونَ ما خَفَّ 1 منه أسْهَلَ.
قال القاضي: وكذلك ما كان في مَعْناهما مِن سِباعِ البَهائِمِ، سوى الكلبِ والخِنْزِيرِ.
وكذلك الحُكْمُ في أرْواثِها.
وكذلك الحُكْمُ في سِباعِ الطَّيرِ؛ لأنَّها في مَعْنَى سِباعِ البَهائِمِ، وبَوْلِ الخُفّاشِ.
قال الشَّعْبِيُّ، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، وحَبِيبُ بنُ أبي ثابِتٍ 2: [لا بَأسَ ببَوْلِ الخُفّاشِ] 3، والخُطّافِ؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فإنَّه في المَساجِدِ كَثِيرٌ، فلو لم يُعْفَ عن يَسِيرِه، لم يُقَرَّ في المَساجِدِ.

..................................  وكذلك النَّبيذُ، لوُقُوعِ الخِلافِ في نَجاسَتِه.
وكذلك بَوْلُ ما يُؤْكَلُ لَحْمُه، إذا قُلْنا بنَجاسَتِه؛ لأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، لكَثْرَتِه.
وعن أحمدَ، لا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن ذلك؛ لأنَّ الأصْلَ أن لا يُعْفَى عن شيءٍ مِن النَّجاسَةِ، خُولِفَ في الدَّمَ وما تَوَلَّدَ منه، فيَبْقَى ما عَداه على الأصْلِ.

..................................  فصل: ولا يُعْفَى عن يَسِيرِ شيءٍ مِن النَّجاساتِ غيرَ ما ذَكَرْنا، ومِمَّن قال: لا يُعْفَى عن يَسِيرِ البَوْلِ.
مالكٌ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال أبو

..................................  حنيفةَ: يعْفَى عن يَسِيرِ جَمِيعِ النَّجاساتِ؛ لأنَّها يُكْتَفَى فيها بالمَسْحِ في مَحَلِّ الاسْتِنْجاءِ، فلوْ لم يُعْف عن يَسِيرِها، لم يَكْفِ فيها المَسْحُ، ولأنَّه

..................................  يَشُقُّ التَّحَرُّز منه، أشْبَهَ الدَّمَ.
ولَنا، عُمُومُ قَوْلِه تعالى: ﴿وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ﴾ 1. وقولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلِ، فَإنَّ عَامَّةَ عَذَابِ الْقَبْرِ مِنْهُ» 2. ولأنَّها نَجاسَةٌ لا تَشُقُّ إزالتُها، فوَجَبَتْ كالكَثِيرِ، وأمّا

..................................  الدَّمُ فإنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ منه، فإنَّ الإِنْسانَ لا يكادُ يَخْلُو مِن بَثْرَةٍ، أو حَكَّةٍ، أو دُمَّلٍ، ويَخْرُجُ مِن أنْفِه وغيرِه، فيَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِن يَسِيرِه أكْثَرَ مِن كَثِيرِه، ولهذا فُرِّقَ في الوُضُوءِ بينَ قَلِيلِه وكَثِيرِه.

وَلَا يَنْجُسُ الآدمي بالْمَوْتِ، وَمَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةً؛ كَالذُّبَاب وَغَيرِه

206 - مسألة: (ولا يَنْجُسُ الآدمي بالمَوْتِ، ولا ما لا نَفْسَ له سائِلَةً، كالذُّبابِ وغيرِه)

ظاهِرُ المذهبِ أنَّ الآدَمِيّ طاهِرٌ حَيًّا ومَيتًا؛ لقَوْلِ النبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -: «الْمُؤمِنُ لَا يَنْجُسُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وعن أحمدَ، أنه سُئِل عن بِئْرٍ وَقَع فيها إنْسان، فماتَ، فقال: تُنْزَحُ حتَّى تَغْلِبَهمْ.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ، قال: ينجس، ويَطْهُرُ بالغَسْلِ؛ لأنَّه حَيَوانٌ له نَفسٌ سائِلَة، فنَجُس بالمَوْتِ، كسائِرِ الحيواناتِ.
وللشافعي قَوْلان، كالرِّوايَتَين.
والصحيحُ الأوَّلُ؛ للخَبَرِ، ولأنَّه آدَمِيٌّ، فلم يَنْجُسْ بالمَوْتِ، كالشَّهِيدِ، ولأنَّه لو نَجُسَ بالمَوتِ، لم يَطْهُرْ بالغَسْلِ، كالحيواناتِ التي تَنْجُسُ بالموتِ.

..................................  فصل: ولم يُفَرِّقْ أصحابُنا بينَ المسلمِ والكافرِ؛ لاسْتِوائِهما في حالِ الحياةِ، قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن يَنْجُسَ الكافِرُ بموتِه؛ لأنَّ الخَبَرَ إنَّما وَرَد في المسلم، ولا يُقاسُ الكافرُ عليه؛ لأنَّه لا يُصَلَّى عليه، ولا حُرْمَةَ له كالمسلمَ.
فصل: وحُكْمُ أجزاءِ الآدَمِي وأُبعاضِه حُكْمُ جُمْلَتِه، سَواء انْفَصَلَتْ في حَياتِه أو بعدَ مَوْتِه؛ لأنَّها أجْزاءٌ مِن جُمْلَةٍ 2، فكانَ حُكْمُها [كحُكْمِها، كسائِرِ] 3 الحيواناتِ الطّاهِرَةِ والنَّجِسَةِ.
وذَكَر القاضي أنها نَجِسَة، رِوايَةً واحِدةً؛ لأنَّه لا حُرمَةَ لها، بدَلِيلِ أنها لا يُصَلَّى عليها.
وما ذكره مَمْنُوع؛ لأنَّ 4 لها حُرْمَة؛ فإن كَسْرَ عَظْمِ المَيِّتِ ككَسْرِه وهو حَيٌّ، ولأنَّه يُصَلَّى عليها إذا وُجِدَتْ مِن المَيِّتِ، ثم يَبْطُلُ بشَهِيدِ المَعْرَكَةِ، فإنَّه لا يُصَلَّى عليه، وهو طاهِرٌ.

..................................  فصل: وما لا نَفْسَ له سائِلَةً، لا يَنْجُسُ بالمَوتِ، والمُرادُ بالنَّفْسِ الدَّمُ، فإن العَرَبَ تُسَمِّي الدَّمَ نَفْسًا، قال الشاعر 1: نُبِّئْتُ أنَّ بني سُحَيم أدْخَلُوا … أبياتَهُمْ تامُورَ نَفْس المُنْذِرِ أي دَمِه 2. ومِنه قِيل للمرأةِ: نُفَساءُ؛ لسيلانِ دَمِها عندَ الولادَةِ، ويقال: نَفِسَتِ 3 المرأةُ.
إذا حاضَتْ.
فكلُّ ما ليس له دَمٌ سائِلٌ مِن حَيَوانِ البَرِّ والبَحْرِ، مِن العَلَقِ، والدِّيدانِ، والسَّرَطانِ، ونَحْوها، لا

..................................  يَنْجُسُ بالمَوْتِ، ولا يُنَجِّسُ الماءَ إذا ماتَ فيه، في قَوْلِ عامَّةِ العلماءِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ في ذلك خِلافًا، إلَّا ما كان مِن أحدِ قَوْلَي الشافعيِّ، فإن عندَه في تَنْجِيسِ الماءِ إذا ماتَ فيه قَوْلَين.
فأمّا الحَيَوانُ في نَفسِه، فهو عندَه نَجِسٌ، قولًا واحِدًا؛ لأنَّه حيوانٌ لا يُؤكَلُ، لا لحُرْمَتِه، فنَجُس بالمَوْتِ، كالبَغْلِ والحِمارِ.
ولَنا، قَوْلُ النبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم -: «إِذَا وَقَعَ الذُّبَابُ فِي إنَاءِ أحَدِكُمْ، فَلْيَمْقُلْهُ، فَإِنَّ فِي أحَدِ جَنَاحَيهِ دَاءً، وَفِي الآخَرِ شِفَاءً».
رَواه البُخارِيُّ.
وفي لَفْظٍ: «فَلْيَغْمِسْهُ كُلَّهُ ثُمَّ لْيَطرحْهُ» 1. وقال الشافعي: مَقْلُه ليس بقَتْلِه 2. قُلْنا: اللَّفْظُ عام في كل شَرابٍ بارِدٍ، أو حار، أو دُهْن، مِمّا يَمُوتُ بغَمْسِه فيه، فلو كان يُنَجِّسُ الشَّرابَ كان أمْرًا بإفْسادِه، وقد رُوِيَ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لسَلْمانَ: «يَا سَلْمَانُ،

..................................  أيُّمَا طَعَام أَوْ شَرَابٍ مَاتَتْ فيهِ دَابَّةٌ، لَيسَ لَهَا نَفْسٌ سَائِلَة، فَهُوَ الْحَلَالُ؛ أكْلُهُ، وشُرْبُه، وَوُضُوءُهُ» 1. وهذا صَرِيحٌ.
أخْرَجَه الدّارقُطْنِي 2. قال الترمِذِيُّ: يَرْويه بَقِيَّةُ 3، وهو يُدَلِّسُ، فإذا روَى عن الثِّقاتِ جَوَّدَ.
ولأنَّه لا نَفْس له سائِلَةً، أشْبَهَ دُودَ الخَلِّ إذا مات فيه، فإنَّهم سَلَّمُوا أنَّ ذلك لا يُنَجِّسُ إلَّا أن يُؤخَذَ ويُطرحَ فيه، أو يَشُقَّ الاحْتِرازُ منه، أشْبَهَ ما ذَكَرْنا، وإذا ثَبَت أنه لا يُنَجِّسُ الماءَ، لَزِمَ أن لا يكُونَ نَجِسًا، وإلَّا لنَجَّسَ الماءَ كسائِرِ النَّجاساتِ.
فصل: فأمّا إن كان مُتَوَلِّدًا مِن النَّجاساتِ كدُودِ الحُشِّ 4، وصَراصِرِه، فهو نَجِسٌ حيًّا ومَيتًا.
[إلَّا إذا قُلْنا: إنَّ النَّجاسَةَ تَطْهُرُ بالاسْتِحالةِ] 5؛ لأنَّه مُتَوَلِّدٌ مِن النَّجاسَةِ، فكان نَجِسًا، كالمُتَوَلِّدِ مِن الكلبِ والخِنْزِيرِ.
قال المَرُّوذِيُّ: قال أحمدُ: صَراصِرُ الكَنِيفِ والبالُوعَةِ إذا وَقَعِ في الإِناءِ صُبَّ، وصَراصِرُ البِئْرِ ليس هي بقَذِرَةٍ؛ لأنَّها لا تَأكلُ العَذِرَة.

..................................  فصل: وما له نَفْسٌ سائِلَةٌ مِن الحَيَوانِ غيرَ الآدَمِيِّ، يَنْقَسِمُ قِسْمَين؛ أحَدُهما، [ما مَيتَتُه] 1. طاهِرَةٌ، وهو السَّمَكُ وسائِرُ حيوانِ البَحْرِ الذي لا يَعِيشُ إلَّا في الماءِ، فهو طاهِرٌ حَيًّا ومَيِّتًا، لأنَّه لو كان نَجِسًا لم يُبَح أكلُه.
القِسْمُ الثاني، ما لا تُباحُ مَيتَتُه غيرَ الآدَمِيِّ؛ كحَيَوانِ البَرِّ المَأكُولِ، وغيرِه، وحيوانِ البَحْرِ الذي يَعِيشُ في البَرِّ، كالضُّفْدَعِ، والحَيَّةِ، والتِّمْساحِ، ونَحْوه، فكلُّ ذلك يَنْجُسُ بالمَوْتِ، ويُنَجِّسُ الماءَ القَلِيلَ إذا مات فيه، والكَثِيرَ إذا غَيَّرَه.
وهذا قَوْلُ ابنِ المُبارَكِ، والشافعيِّ، وأبي يوسفَ.
وقال مالكٌ، وأبو حنيفةَ، ومحمدُ بنُ الحسنِ، في الضُّفْدَعِ: لا تُفْسِدُ الماءَ إذا ماتَتْ فيه؛ لأنَّها تَعِيشُ في الماءِ، أشْبَهَتِ السَّمَكَ.
ولَنا، أنَّها تُنَجِّسُ غيرَ الماءِ، فنَجَّسَتِ الماءَ، كحَيَوانِ البَرِّ، ولأنَّه حيوانٌ له نَفْسٌ سائِلَةٌ لا تُباحُ مَيتَتُه 2، أشْبَهَ طَيرَ الماءِ، وبهذا فارَقَ السَّمَكَ.

..................................  فصل: وفي الوَزَغِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَنْجُسُ بالمَوْتِ؛ لأنَّه لا نَفْسَ له سائِلَةً، أشْبَهَ العَقْرَبَ.
والثاني، أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّ عَلِيًّا، رَضِي الله عنه، كان يقولُ: إن ماتَتِ الوَزَغَةُ أو الفَأْرَةُ في الحُبِّ 1 يُصَبُّ ما فيه، وإن ماتَتْ في بِئْرٍ فانْتَزِحْها 2 حتَّى تَغْلِبَكَ.
فصل: [وإذا ماتَ الحَيَوانُ في ماءٍ لا نَعْلَمُ] 3، هل يَنْجُسُ بالمَوْت أم لا؟ فالماءُ طاهِرٌ، لأنَّ الأصْلَ طَهارَتُه، والنَّجاسَةُ مَشْكُوكٌ فيها.
وكذلك إن شَرِب مِنه حَيَوانٌ يُشَكُّ في نَجاسَةِ سُؤرِه وطَهارَتِه، لِما ذَكَرْنا.

وَبَوْلُ مَا يُؤكَلُ لَحْمُهُ، وَرَوْثُهُ، وَمَنِيُّهُ طَاهِرٌ.
وَعَنْهُ، إنَّهُ نَجِسٌ.

207 - مسألة: (وبَوْلُ ما يُؤكَلُ لَحْمُه، ورَوْثُه، ومَنِيُّه طاهِرٌ. وعنه، أنَّه نَجسٌ)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في بَوْلِ ما يُؤكَلُ لَحْمُه، ورَوْثِه، فرُوِي عن أحمدَ، أَنَّه طاهِرٌ.
وهو ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِيِّ.
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والنَّخَعِيِّ، والثَّوْرِيِّ، ومالكٍ.
ورَخَّصَ في أبوال الغَنَمِ الزُّهْرِيُّ، ويَحْيى الأنْصارِيُّ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ مَن نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمٍ على إباحَةِ الصلاةِ في مَرابِض الغَنَمِ، إلَّا الشافعيِّ، فإنَّه اشْتَرَطَ أن تكُون سَلِيمَةً مِن أبعارِها وأبوالِها.
ورَخَّص في ذرْقِ 1 الطّائِرِ الحَكَمُ، وحَمّادٌ، وأبو حنيفةَ.
وعن أحمدَ، أنَّ ذلك نَجِسٌ.
وهو قَوْل الشافعيِّ،

..................................  وأبي ثَوْرٍ.
ونَحْوُه عن الحسنِ؛ لعُمُومِ قَوْلِه - صلى الله عليه وسلم -: «تَنَزَّهُوا مِنَ الْبَوْلَ» 1. ولأنَّه رَجِيعٌ، فأشْبَهَ رَجِيعَ الآدَمِيِّ.
ولَنا؛ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - أمَر العُرَنِيِّينَ أن يَشربُوا مِن أبْوالِ الإِبِلِ 2. والنَّجِسُ لا يُباحُ شُرْبُه، ولو

..................................  أُبِيحَ للضَّرورَة لأمَرَهم بغَسْلِ أثَرِه إذا أرادُوا الصلاةَ.
وكان النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - يُصَلِّي في مَرابِضِ الغَنَمِ، وأمَرَ بالصلاةِ فيها.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وصَلَّى أبو موسى في مَوْضِعٍ فيه أبعارُ الغَنَمِ، فقِيلَ له: لو تَقَدَّمْتَ إلى ههُنا؟ فقال: هذا وذاك واحِدٌ.
ولم يكن للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابِه ما يُصَلُّون عليه مِن الأوْطِئَةِ والمُصَلَّياتِ، وإنَّما كانوا يُصَلُّون على الأرضِ.
ومَرابِضُ الغَنَمِ لا تَخْلُو مِن أبعارِها وأبوالها، فدَلَّ على أنَّهم كانوا يُباشِرُونها في صَلاتِهم، ولأنَّه لو كان نَجِسًا لتَنَجَّسَتِ الحُبُوبُ التي تَدُوسُها البَقَرُ، فإنَّها لا تَسْلَمُ مِن أبوالِها، فيَتَنَجَّسُ بَعْضُها، فيَخْتَلِطُ النَّجسُ بالطّاهِرِ، فيَصِيرُ حُكْمُ الجَمِيع حُكْمَ النَّجِسِ.
وحُكْمُ قَيئِه ومَنِيِّهَ حُكْمُ بَوْلِه، لأنَّه في مَعْناه.

..................................  فصل: في الخارِجِ مِن الحَيَوانِ الذي لا يُؤكَلُ لَحْمُه، وهو أرْبعةُ أقْسامٍ؛ أحَدُها، الآدَمِيُّ، فالخارِجُ منه ثلاثةُ أنواعٍ، أحدُها، رِيقُه وعَرَقُه ودَمْعُه ومُخاطُه ونُخامَتُه، فهو طاهِرٌ، لأنَّه جاءَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في يَوْمِ الحُدَيبِيَةِ، أنَّه ما تَنَخَّمَ نُخامَةً إلَّا وَقَعَتْ في كَفِّ رجلٍ منهم، فدَلَكَ بها وَجْهَه.
رَواه البُخارِيُّ 1. وفي حديثِ أبي هُرَيرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ، فأقْبَلَ على النّاس، فقال: «مَا بَالُ أحَدِكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلَ رَبِّهِ، فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ، أَيُحِبُّ أَنْ يُسْتَقبَلَ فَيُتَنَخَّعَ فِي وَجْهِهِ؟ فَإذَا تَنَخَّعَ أحَدُكُمْ فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ، أوْ تَحْتَ قَدَمِه، فَإنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا».
ووَصَف القاسِمُ، فتَفَلَ في ثَوْبِه، ثم مَسَح بَعْضَه ببَعْضٍ.
رَواه مسلمٌ 2. ولو كانت نَجِسَةً لَما أمَرَ بمَسْحِها في ثَوْبه وهو في الصلاةِ، ولا تحتَ قَدَمِه.
وسَواءٌ في ذلك البَلْغَمُ الخارِجُ مِن الرَّأسِ والصَّدْرِ.
ذَكَره القاضي.
وهو مذهبُ أبي حنيفةَ.
وقال أبو الخَطّابِ: البَلْغَمُ نَجسٌ، لأنَّه اسْتَحال في المَعِدَةِ، أشْبَهَ القَيءَ.
ولَنا، عُمُومُ الخَبَرَين، ولأنَّه أحَدُ نَوْعَي النُّخامَةِ، أشْبَهَ الآخَرَ، ولأنَّه لو كان نَجِسًا، لنَجَّسَ الفَمَ ونَقَضَ الوُضُوءَ، ولم يُنْقَلْ عن الصَّحابَةِ،

..................................  رَضِي اللهُ عنهم، فيما عَلِمْنا، شيءٌ مِن ذلك، مع عُمُومِ البَلْوَى به.
وقَوْلُهم: إنَّه طعامٌ اسْتَحال في المَعِدَةِ.
مَمْنُوعٌ، إنَّما هو مُنْعَقِدٌ مِن الأبخِرَةِ، فهو كالمُخاطِ.
ولأنَّه يَشُقُّ التَّحَرُّزُ مِنه، أشْبَهَ المُخاطَ.
النَّوْعُ الثاني، قَيؤُه ودَمُه، و 1 ما تَوَلَّدَ منه مِن القَيحِ والصَّدِيدِ، فهو نَجِسٌ، وقد ذَكَرْنا حُكْمَه فيما مَضَى.
النَّوْعُ الثالث، الخارِجُ مِن السَّبِيلَين؛ مِن البَوْلِ، والغائِطِ، والمَذْي، والوَدْي، والدَّمِ، وغيرِه، فلا نَعْلَمُ في نَجاسَتِه خِلافًا، إلَّا ما ذَكَرْنا في المَذْي 2، وسيَأتِي حُكْمُ المَنِي، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: القِسْمُ الثاني، البَغْلُ والحِمارُ، وسِباعُ البَهائِم، والطَّيرِ؛ فإن قُلْنا بطَهارَتِها، فحُكْمُها حُكْمُ الآدَمِيِّ، على ما بَيَّنّا، إلَّا في مَنِيِّها، فإن حُكْمَه حُكْمُ بَوْلِها.
وإن قُلْنا بنَجاسَتِها، فجَمِيعُ أجْزائِها وفَضَلاتِها نَجسَةٌ، إلَّا السِّنَّوْرَ وما دُونَها في الخِلْقَةِ، وسيَأتِي بَيانُ حُكْمِها، إن شاءَ اللهُ تعالى.
القِسْمُ الثالثُ، الكلبُ والخِنْزِيرُ وما تَوَلَّدَ مِنهما، أو مِن أحَدِهما، فهو نَجِسٌ بجَمِيِع أجْزائِه وفَضَلاتِه، وما يَنْفَصِلُ عنه.
القِسْمُ الرابعُ، ما لا نَفْسَ له سائِلَةً، فهو طاهِرٌ بجَمِيع أجْزائِه وفَضَلاتِه المُتَّصِلَةِ والمُنْفَصِلَةِ، إلَّا أن يكُونَ مُتَوَلِّدًا مِن النَّجاسَةِ، وقد ذكَرْناه.

وَمَنِيُّ الآدَمِيِّ طَاهِرٌ.
وَعَنْهُ، إنَّهُ نَجِسٌ.
وَيُجْزِئُ فَرْكُ يَابِسِهِ.

208 - مسألة: (ومَنِيُّ الآدَمِيِّ طاهِرٌ. وعنه، أنَّه نَجِسٌ، وَيُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه)

اخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في المَنِيِّ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، فرُوِيَ عنه أنَّه طاهِرٌ، وهو ظاهِرُ المذهبِ.
ورُوي عنه، أنَّه كالدَّمِ نَجسٌ، يُعْفَى عن يسِيرِه.
ورُوي عنه، أنَّه كالبَوْلِ، ويُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه بَكلِّ حالٍ؛ لحديثِ عائشةَ، والرِّوايَةُ الأولَى المَشْهُورَةُ في المَذْهَبِ.
وهو قَوْلُ سعدِ بنِ أبي وَقّاصٍ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ.
ونَحْوُه قَوْلُ سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ.
وهو مذهبُ الشَّافعي، وأبي ثوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال أصْحابُ الرَّأْي: هو نَجِسٌ، ويُجْزِئُ فَرْكُ يابِسِه.
وقال مالكٍ: غَسْلُ الاحْتِلامِ أمْرٌ واجِبٌ.
وهو مذهبُ الثَّوْرِيِّ، والأوْزاعِيِّ؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، أنَّها كانت تَغْسِلُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - 1. وهو

..................................  حديثٌ صحيحٌ.
ولأنَّه خارِجٌ مُعْتادٌ مِن السَّبِيلِ، أشْبَهَ البَوْلَ.
ولَنا، ما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كُنْتُ أفْرُكُ المَنِيَّ مِن ثَوْبِ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فَرْكًا، فيُصَلِّي فيه.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقال ابنُ عباسٍ: امْسَحْه عنك بإذْخِرَة أو خِرْقَةٍ، ولا تَغْسِلْه، إنَّما هو كالبُزاقِ.
رَواه 2 الدّارَقُطْنِيّ مَرْفوعًا 3، [ورَواه الإِمامُ أحمدُ بمَعْناه] 4. ولأنَّه لا يَجبُ غَسْلُه إذا جَفَّ، فأشْبَهَ المُخاطَ، ولأنَّه بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ، أشْبَهَ الطِّينَ.
وبهذا فارَقَ البَوْلَ.
فصل: وإن خَفِيَ مَوْضِعُ المَنِي، فَرَكَ الثَّوْبَ كلَّه، إن قُلْنا بنَجاسَتِه.
وإن قُلنا بطَهارَتِه، اسْتُحِبَّ فرْكُه، وإن صَلَّى مِن غَيرِ فَرْكٍ أجْزأه.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ، ومَن قال بالطهارةِ.
وقال ابنُ عباسِ، وعائِشَةُ، وعَطاءٌ: يَنْضَحُ الثَّوْبَ كلَّه.
وقال ابنُ عُمَرَ، وأبو هُرَيرَةَ، والحسنُ: يَغْسِلُه كلَّه.
ولَنا، أنَّ فَرْكَه يُجْزِيء إذا عُلِم مَكانُه، فكذلك إذا خَفِيَ، وأمّا النَّضْحُ فلا يفِيدُ؛ لأنَّه لا يُطَهِّرُه إذا عُلِم مَكانُه، فكذلك إذا خَفِيَ.
قال أحمد: إنَّما يُفْرَك مَنِيُّ الرجلِ خاصَّةً؛ لأنَّ الذي للرجلِ ثخِينٌ، والذي للمرأةِ.

وَفِي رُطُوبَةِ فَرْجِ الْمَرْأةِ رِوَايَتَانِ.
رَقِيقٌ.
والمعنى في هذا أنَّ الفَرْكَ يُرادُ للتَّخْفِيفِ، والرقيقُ لا يَبْقَى له جِسْمٌ بعدَ جَفافِه، فلا يفيدُ (1) فيه الفَرْكُ.
فعلى هذا، إن قُلْنا بنَجاسَتِه، فلا بُدَّ مِن غَسْلِه رَطْبًا كان أو يابِسًا، كالبَوْلِ.
وإن قُلنا بطَهارَتِه، اسْتُحِبَّ غَسْلُه، كما يُسْتَحَبُّ فَرْكُ مَنِيِّ الرجلِ.
فأمَّا الطهارةُ والنَّجاسَةُ فلا يَفْتَرِقان فيه؛ لأنَّه مَنِيٌّ خارجٌ مِن السَّبِيلِ بَدْءُ خَلْقِ آدَمِيٍّ.
فصل: ومَن أمْنَى وعلي فَرْجِه نَجاسَةٌ، نَجُسَ مَنِيُّه؛ لإِصابَتِه النَّجاسَةَ.
وذَكَر القاضي في المَنِيِّ مِن الجِماعِ أنَّه نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن المَذْي.
وهذا فاسِدٌ، فإن مَنِيَّ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - إنَّما كان مِن جِماعٍ؛ لأنَّ الأنْبِياءَ لا يَحْتَلِمُون.
وهو الذي وَرَدَتِ الأخْبارُ بفَرْكِه، والطهارةُ لغيرِه فَرْعٌ عليه.
واللهُ أعلمُ.

209 -

مسألة: (وفي رُطُوبَةِ فَرْجَ المرأةِ رِوايَتان)

إحْداهما، نَجاسَتُه؛ لأنَّه بلَلٌ في الفَرْجِ لا يُخْلَقُ منه الوَلَدُ، أشْبَهَ المَذْيَ.
والثانيةُ،1

..................................  طَهارَتُه؛ لأنَّ المَنِيَّ طاهِرٌ؛ لِما بَيَّنّا، وإذا كان مِن جِماعٍ، فلابُدَّ أن يُصِيبَ رُطُوبَةَ الفَرْجِ، ولأنَّنا لو حَكَمْنا بنَجاسَتِه لحَكَمْنا بنَجاسَةِ مَنِيِّها؛ لأنَّه يَتَنَجَّسُ برُطُوبَةِ فَرْجِها؛ لخُرُوجِه منه.
وقال القاضي: ما أصابَ منه في حالِ الجِماعِ، فهو نَجِسٌ؛ لأنَّه لا يَسْلَمُ مِن المَذْي.
وهذا مَمْنُوعٌ؛ فإن الشهْوَةَ إذا اشْتَدَّتْ، خَرَج المَنِيُّ دُونَ المَذْي، كحالةِ الاحتِلامَ.

وَسِبَاعُ الْبَهَائِمِ وَالطَّيرِ، وَالْبَغْلُ وَالْحِمَارُ الأهْلِي نَجسَةٌ.
وَعَنْهُ، أنَّهَا طَاهِرَةٌ.

210 - مسألة: (وسِباعُ البَهائِمِ والطَّيرِ، والبَغْلُ، والحِمارُ الأهْلِيّ، نَجِسَةٌ. وعنه، أنَّها طاهِرَةٌ)

رُوِيَ عن أحمدَ، رَحِمَة اللهُ، في سِباعِ البهائمِ وجَوارِحِ الطَّيرِ، ما خَلا الكَلْبَ، والخِنْزِيرَ، والسِّنَّوْرَ، وما دُونَها في الخِلْقَةِ، رِوايَتان؛ إحْداهُما، أنَّ سُورَها وعَرَقَها نَجِسٌ.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لِما رُوِيَ عن النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنه سُئِل عن الماءِ وما يَنُوبُه مِن السِّباعِ؛ فقال: «إِذَا بَلَغَ الْمَاءُ قُلَّتَينِ، لَمْ يَنْجُس» 1. ولو كانت طاهِرَةً لم يُحَدَّ بالقُلَّتَين، ولأنَّه حَيَوانٌ حَرُمَ أكلُه، لا لحُرْمَتِه، يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ عنه غالِبًا، أشْبَهَ الكلبَ، ولأنَّ الغالِبَ عليها أكْلُ المَيتاتِ

..................................  والنَّجاساتِ، فيَنْبَغِي أن يُقْضَى بنَجاسَتِها، كالكلابِ.
والرِّوايَةُ الثانيةُ، أنَّها طاهِرَة.
رَواها عنه إسماعيلُ بنُ سعيدٍ.
يُرْوَى ذلك عن الحسنِ، وعَطاءٍ، والزُّهْرِيِّ، ومالكٍ، والشافعي، وابنِ المُنْذِرِ؛ لمِا روَى أبو سعيدٍ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - سُئِل عن الحِياضِ التي بينَ مَكَّةَ والمدينةِ، تَرِدُها السِّباعُ والكِلابُ والحُمُرُ، وعن الطهارةِ بها؟ فقال: «لَهَا مَا أخذَتْ في أفْوَاهِهَا، وَلَنا مَا غَبَرَ طَهُورٌ».
رَواه ابنُ ماجَه 1. ومَرَّ عُمَرُ وعَمْرُو بنُ العاص بحَوْض، فقال عَمْرُو: يا صاحِبَ الحَوْضِ، تَرِدُ على حَوْضِكَ السِّباعُ؟ فقأل عُمَرُ: يا صاحِبَ الحَوْضِ، لا تُخْبِرْنا، فإنّا نَرِدُ عليها وتَرِدُ علينا.
رَواه مالكٌ 2 في «المُوَطَّأ».
ولأنَّه حيوانٌ يَجُوزُ بَيعُه، فكان طاهِرًا، كبَهِيمَةِ الأنْعامِ.

..................................  فصل: وفي البَغْلِ والحِمارِ ثلاثُ رِواياتٍ؛ إحْداها، أنَّها نَجِسَةٌ.
تروَى كَراهَتُها عن ابنِ عُمَرَ.
وهو قَوْلُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ، والشَّعْبِيِّ، والأوْزاعِيِّ، وإسحاقَ؛ لِما ذَكَرْنا في السِّباعِ، ولقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّها رِجْسٌ» 1. والثانية، أنَّه مَشْكُوك فيها؛ لأنَّ أحمدَ قال في البَغْلِ والحِمارِ: إذا لم يَجِدْ غيرَ سُورِهما، تَيَمَّمَ معه.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِي؛ لأنَّه تَرَدَّدَ بينَ أمارَةِ تَنْجِيسِه وأمارَةِ تَطْهِيرِه.
فأمارَةُ تَنْجِيسِه، إنّه محرّمٌ، أشبهَ الكلب.
وأمارَةُ تَطْهيره، أنَّه ذُو حافِر يَجُوزُ بيعُه، أشْبهَ الفَرَسَ.
والثالثةُ، أنَّه طاهِرٌ، وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعيِّ، وابنِ المُنْذِرِ.

..................................  وهذا اخْتِيارُ شَيخِنا 1؛ لِما ذَكَرْنا، ولأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يَرْكَبُهما وتُرْكَبُ في زَمَنِه، ولو كان نَجِسًا لبَيَّنَ النبيّ - صلى الله عليه وسلم - لهم ذلك، ولأنَّهما لا يُمْكِنُ التَّحَرُّزُ منهما لمُقتنيهِما، فأشْبَها السنوْرَ، فأمّا قَوْلُه - صلى الله عليه وسلم - «إنَّهَا رِجْس».
أراد به التَّحْرِيمَ، كقَوْلِ اللهِ تعالى في الأنْصابِ والأزْلامِ إنَّها ﴿رِجْسٌ﴾ 2. ويَحْتَمِلُ أنَّه أراد لَحْمَها الذي كان في قُدُورِهم، فإنَّه نَجِس؛ لأنَّ ذَبْحَ ما لا يُباحُ أكْلُه لا يُطَهِّرُه.
فصل: وفي الجَلّالةِ رِوايَتان؛ إحْداهما، نَجاسَتُها؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن رُكُوبِ الجَلّالةِ وألْبانِها.
رواه أبو داودَ 3. ولأنَّها تَنَجَّسَتْ بالنَّجاسَةِ، والرِّيقُ لا يَطْهُرُ.
والثانيةُ، أنَّها طاهِرَة؛ لأنَّ الهِرَّ والضبعَ يَأكلان النَّجاسَةَ، وهما طاهِران، وحُكْمُ أجْزاء الحيوانِ؛ مِن شَعَرِه ورِيشِه وجِلْدِه ودَمْعِه وعَرَقه، حُكْمُ سورِه؛ لأَنَّه 4 مِن أجْزائِه، فأشْبَهَ السُّؤرَ 5 في الطهارةِ والنَّجاسَةِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
واللهُ أعلمُ.

وَسُؤرُ الْهِرَّةِ وَمَا دُونَهَا فِي الْخِلْقَةِ طَاهِرٌ.

211 - مسألة: (وسُؤرُ الهِرَّةِ وما دُونَها في الخِلْقَةِ طاهِرٌ)

سُؤرُ الهِرَّةِ وما دُونَها في الخِلْقَةِ؛ كابنِ عِرْس 1 والفَأرَةِ، ونَحْو ذلك مِن حَشَراتِ الأرضِ طاهِرٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المَذْهَبِ، أنَّه يَجُوزُ شُرْبُه والوُضُوءُ به، ولا يُكْرَهُ.
هذا قَوْلُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ مِن الصَّحابَةِ، والتَّابِعِين، ومَن بعدَهم، إلَّا أبا حنيفةَ، فإنَّه كَرِه الوُضُوءَ بسُؤرِ الهِرِّ، فإن فَعَل أجْزأه، ورُويَتْ كَراهَتُه عن ابنِ عُمَرَ، ويَحْيَى الأنْصارِيِّ، وابنِ أبي لَيلَى.
وقال أبو هُرَيرَةَ: يُغْسَلُ مَرَّةً أو مَرَّتَين.
وهو قولُ ابنِ المُسَيَّبِ.

..................................  ونَحْوُه قَوْلُ الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لِما روَى أبو داودَ 1، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «إِذَا وَلَغَتْ فِيهِ الْهِرُّ 2 يُغْسَلُ مَرَّةً».
وقال طاوُسٌ: يُغْسَلُ سَبْعًا، كالكَلْبِ.
ولَنا، ما رُوِيَ عن كَبْشَةَ بنتِ كَعْبِ بنِ مالكٍ، أنَّ أبا قَتادةَ دَخَل عليها، فسَكَبَتْ له وَضُوءًا، قالت: فجاءَتْ هِرَّةٌ فأصغَى لها الإِناءَ 3 حتَّى شَرِبَتْ، قالت كَبْشَةُ: فرآنِي أنظرٌ إليه، قال: أتعْجَبِين يا ابْنَةَ أخِي؟ فقُلتُ: نعم.
فقال: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّها لَيسَتْ بِنَجَس، إِنَّهَا مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُمْ وَالطَّوَّافَاتِ».

..................................  أخْرَجَه أبو داودَ، والنَّسائِيّ، والترمِذِيّ 1، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
دَلَّ بلَفْظِه علي نَفْىِ الكَراهَةِ عن سُؤرِ الهِرِّ، وبتَعْلِيله علي نَفْي الكراهةِ عَمّا دُونَها مِمّا يَطُوفُ علينا.
وعن عائشةَ، أنها قالت: إنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّها لَيسَتْ بِنَجَس، إنَّمَا هِيَ مِنَ الطَّوَّافِينَ عَلَيكُمْ».
وقد رَأيتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَتَوَضَّأ بفَضْلِها.
رَواه أبو داودَ 2. وحَدِيثُهم ليس فيه تَصْرِيحٌ بنَجاسَتِها مع صِحَّةِ حَدِيثنا واشْتِهارِه.

..................................  فصل: وإذا أكَلَتِ الهِرَّةُ نَجاسَةً، ثم شَرِبَتْ مِن مائِعِ بعدَ الغَيبَةِ، فهو طاهِرٌ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - نَفَى عنها النَّجاسَةَ، وتَوَضَّأ بفَضْلِها، مع عِلْمه بأكْلِها النَّجاساتِ.
وإن شَرِبَتْ قبلَ الغَيبَةِ، فقال القاضي، وابنُ عَقِيلٍ: يَنْجُسُ؛ لأنَّه مائِعٌ وَرَدَتْ عليه نَجاسَةٌ مُتَيَقَّنَةٌ.
وقال أبو الحسنِ الآمِدِيُّ: ظاهِرُ قَوْلِ أصحابِنا طَهارَتُه؛ لأنَّ الخَبَرَ دَلَّ على العَفْو عنها مُطْلَقًا، وعَلَّل بعَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ عنها، ولأنَّنا حَكَمْنا بطَهارَتِها بعدَ الغَيبَةِ في مَكانٍ لا يَحْتَمِلُ وُرُودَها على ماءٍ كَثِيرٍ يُطَهِّرُ فاها، ولو احْتَمَل ذلك فهو شَكّ لا يُزِيلُ يَقِينَ النَّجاسَةِ، فوجَبَ إحالةُ الطهارةِ على العَفْو عنها، وهو شامِلٌ لِما قبلَ الغَيبَةِ.

..................................  فصل: والخَمْرُ نَجسٌ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيسِرُ﴾.
إلى قولِه: ﴿رِجْسٌ﴾ 1. ولأنَّه يَحْرُمُ تَناوُلُه مِن غيرِ ضَرَرٍ، أشْبَهَ الدَّمَ.
وكذلك النَّبِيذُ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ، وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَام».
رَواه مسلمٌ 2. ولأنَّه شَراب فيه شِدَّةٌ مُطْرِبَةٌ، أشْبَهَ الخَمْرَ.
واللهُ تعالى أعلمُ.

باب الحيض

وهو دمُ طبيعةٍ وجِبِلَّةٍ،  باب الحيض

212 -

مسألة؛ قال: (وهو دَمُ طَبِيعَةٍ وجِبِلَّةٍ)

الحَيضُ: دَمٌ يُرْخِيه الرَّحِمُ إذا بَلَغَتِ المرأةُ، في أوقاتٍ مُعْتادَةٍ.
وهو دَمٌ طَبَع اللهُ النساءِ وجَبَلَهُنَّ عليه، وليس بدَمِ فسادٍ، بل خَلقَه الله تعالى لحِكْمَةِ تَرْبِيَةِ الوَلَدِ، فإذا حَمَلَتِ المرأةُ، انْصَرَفَ ذلك بإذنِ اللهِ تعالى إلى غِذائِه؛ ولذلك لا تَحِيضُ الحامِلُ، فإذا وَضَعَتِ الوَلَدَ قَلَبَه اللهُ بحِكْمَتِه لَبَنًا، ولذلك قَلَّما تَحِيضُ المُرْضِعُ، فإذا خَلَتِ المرأةُ مِن الحَمْلِ والرَّضاعِ، بَقِى الدَّمُ لا مَصْرِفَ له، فيَسْتَقِرُّ في مكانٍ، ثم يَخْرُجُ في الغالِبِ في كلِّ شَهْرٍ سِتَّةَ

جارٍ التحميل