الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 298-337

كِتَابُ الطَّهارة

صفحات 298-337

وَتَرتِيبُهُ، عَلَى مَا ذَكَرَ اللهُ تَعَالى،  بالغَسْلِ، لا بالمَسْحِ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ بالمَسْحِ الغَسْلَ الخَفِيفَ.
قال أبُو عَليٍّ الفارِسِيُّ (1): العَرَبُ تُسَمِّي خَفِيفَ الغَسْلِ مَسْحًا، فيَقُولُون: تَمَسَّحْتُ للصَّلاةِ.
أي تَوَضَّأْتُ.
فإن قِيل: فعَطْفُه على الرَّأْسِ يَدُلُّ على أنَّه أرادَ حَقِيقَةَ المَسْحِ.
قُلْنا: قد افْتَرَقا مِن وُجُوهٍ؛ أحَدُها، أنَّ المَمْسُوحَ في الرَّأْسِ شَعَرٌ يَشُقُّ غَسْلُه، والرِّجْلان بخِلافِ ذلك، فَهُما أشْبَهُ بالمَغْسُولاتِ.
الثاني، أنَّهما مَحْدُودانِ بحَدٍّ يَنْتَهِي إليه، أَشْبَها اليَدَين.
الثالثُ، أنَّهما مُعَرَّضَتان للخَبَثِ، لكَوْنِهما يُوطَأ بِهما على الأرضِ.
وأمّا حَدِيثُ أوْسِ بنِ أوس فيُحْمَلُ على أنّه أرادَ الغَسْلَ الخَفِيفَ، وكذلك حديثُ ابنِ عباسٍ، وكذلك قال: أخَذَ مِلْءَ كَفٍّ مِنْ ماءٍ، فرَشَّ على قَدَمَيه.
والمَسْحُ يكونُ بالبَلَلِ لا برشِّ الماءِ.
واللهُ أعلمُ.

85 -

مسألة؛ قال: (والتَّرْتِيبُ على ما ذَكَرَ اللهُ تعالى)

وهو الفرضُ الخامسُ، وجملةُ ذلك أنَّ التَّرْتِيبَ في الوُضُوءِ، كما ذكر اللهُ تعالى، واجبٌ1

..................................  في قولِ أحمدَ.
قال شيخُنا: لم أَرَ عنه فيه اخْتِلافًا.
وهو مَذْهبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ، وأبي عُبَيدٍ، وإسحاقَ 1. وحَكَى أبو الخَطَّابِ، عن أحمدَ روايةً أُخْرَى، أنَّه غيرُ واجبٍ.
وهو مذهَبُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي.
واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنّ الله تعالى أمَرَ بغَسْلِ الأعْضاءِ، وعَطَف بَعْضَها على بعضٍ بواو الجَمْعِ، وهي لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ، فكَيفَما غَسَل كان مُمْتَثِلًا، ورُوي عن عليٍّ، أنَّه قال: ما أُبَالِي إذا أَتْمَمْتُ وُضُوئِي بأَيِّ أَعْضائِي بَدأْتُ 2. وعن ابنِ مسعودٍ: لا بَأْسَ أنْ تَبْدَأَ برِجْلَيكَ قَبْلَ يَدَيك في الوُضُوءِ (2). ووجْهُ الأوَّلِ أنَّ في الآيةِ قَرِينَةً تَدُلُّ على التَّرْتِيبِ، فإنَّه أدْخَلَ مَمْسُوحًا بينَ مَغْسُولَين، وقَطَع النَّظِيرَ عن نَظِيرِه، والعربُ لا تَفْعلُ ذلك إلَّا لفائِدَةٍ، والفائِدَةُ هي التَّرْتِيبُ.
فإن قِيل: فائِدَتُه اسْتِحْبابُ التَّرْتِيبِ.
قُلْنا: الآيةُ ما سِيقَتْ إلَّا لبَيان الواجِبِ،

..................................  ولهذا لم تُذْكَرِ السُّنَنُ فيها، ولأنّه متى اقْتَضَى اللَّفْظُ التَّرتِيبَ، كان مَأمُورًا به.
ولأنَّ كلَّ من حَكَى وُضُوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - حَكاه مُرَتَّبًا، وهو مُفَسِّرٌ لِما في كتابِ الله تِعالى، وتَوَضَّأَ مُرَتِّبًا، وقال: «هذا وُضُوءٌ، لا يَقْبَلُ اللهُ الصَّلاةَ إلَّا بِهِ» 1. أي: بمِثْلِه.
وقولُهم: إنَّ الواو لا تَقْتَضِي التَّرْتِيبَ.
مَمْنُوعٌ، فقد اقْتَضَتِ التَّرْتِيبَ في قولِه تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا﴾ 2. وما رُوِيَ عن عليٍّ، قال أحمدُ: إنَّما عَنَى به اليُسْرَى قبلَ اليُمْنَى؛ لأنَّ مَخْرَجَهُما في الكتابِ واحِدٌ.
ورَوَى الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه، أنَّ عليًّا سُئِلَ، فقِيل له: أحدُنا يَسْتعجِلُ، فيَغْسِلُ شيئًا قبلَ شيءٍ؟ فقال: لا.
حَتى يكونَ كما أمَرَ اللهُ تعالى.
وروايَتُه 3 عن ابن مسعودٍ لا نَعْرِفُ لها أصلًا، فأمَّا تَرْتِيبُ اليُمْنَى على اليُسْرَى، فلا يَجِبُ بِالإِجماع.
حكناه ابنُ الْمُنْذِرِ، لأنَّ اللهَ تعالى ذَكرَ مَخْرَجَهُما 4 واحدًا، فقال: ﴿وَأيدِيَكُمْ﴾، ﴿وَأرْجُلَكُمْ﴾، وكذلك التَّرْتِيبُ بينَ المَضْمَضَةِ، والاسْتِنْشاقِ، والفُقهَاءُ يَعُدُّون اليَدَينِ عُضْوًا، والرِّجْلَينِ عُضوًا، ولا يجبُ التَّرْتِيبُ بينَ العُضْو الواحِدِ.
واللهُ أعلمُ.

..................................  فصل: فإن نَكَّسَ وُضُوءَه، فَبَدأ بشيءٍ مِنْ أَعْضائِه قبلَ وَجْهِه، لم يُحْتَسَبْ بما غَسَلَه قبلَه.
وإن بَدَأ برِجْلَيه، وخَتَم بوَجْهِه، لم يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِه.
وإن تَوَضَّأ مُنَكِّسًا أربعَ مَرّاتٍ، صَحَّ وُضُوؤه إذا كان مُتَقارِبًا، يَحْصُلُ له مِنْ كلِّ مَرَّةٍ غَسْلُ عُضْوٍ.
ومذهبُ الشافعيِّ يُجَوِّزُ 1 هَذا.
ولو غَسَل أعْضاءَه دَفْعَةً واحِدَةً، لم يَصِحَّ إلَّا غَسْلُ وَجْهِه.
وإنِ انْغَمَس في ماءٍ جارٍ، فلم يَمُرَّ على أعْضائِه إلَّا جَرْيَةٌ واحدةٌ، فكذلِك.
وإن مَرَّ عليه أرْبعُ جَرَيَاتٍ، وقلنا: الغَسْلُ يُجْزِئُ عن المَسْحِ.
أجْزأه، كما لو توَضَّأ أربعَ مَرَّاتٍ.
وإنْ كان الماءُ راكِدًا، فقال بَعْضُ أصحابِنا: إذا أخْرَجِ وَجْهَه ثم يَدَيهِ، ثم مَسَح رَأسَه، ثم خَرَج مِن الماءِ، أجْزأه؛ لأنَّ الحَدَثَ إنَّما يَرْتَفِعُ بانْفِصالِ الماءِ عن العُضْو.
ونَصَّ أحمدُ، في رجلٍ أرادَ الوُضُوءَ فاغْتَمَس في الماءِ، ثم خرجَ مِن الماءِ، فعليه مَسْحُ رَأْسِه وغَسْلُ رِجْلَيهِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ الماءَ إذا كان جَاريًا، فمَرَّتْ عليه جَرْيَةٌ واحدةٌ، أنَّه يُجْزِئُه مَسْحُ رَأْسِه، ثم يَغْسِلُ رِجْلَيه.
وإنِ اجْتَمَع الحَدَثانِ، سَقَطَ التَّرْتِيبُ والمُوالاةُ، على ما سَنَذْكُرُه [في مَوْضِعِه] 2، إنْ شاءَ اللهُ تعالى.

وَالْمُوَالاةُ عَلَى إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ،

86 - مسألة؛ قال: (والمُوالاةُ على إحْدَى الرِّوايَتَين)

المُوالاةُ هي الشرطُ السادسُ، وفيها رِوايتان؛ إحْداهما، هي واجِبَةٌ.
نَصَّ عليها أحمدُ في مَواضِعَ.
وهو قَوْلُ الأوْزاعِيِّ، وقَتَادَةَ، وأحَدُ قَوْلَي الشافعيِّ.
قال القاضي: وفيها رِوايَةٌ أُخْرَى؛ أنَّها غيرُ واجِبَةٍ.
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، والحسنِ، والثَّوْريِّ، وأصحابِ الرَّأْي، والقولُ الثاني للشافعيِّ، واخْتارَه ابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ المَأْمُورَ به غَسْلُ الأعْضاءِ، فكَيفَما غَسَل فقد أتَى بِالمَأَمُورِ به، وقد ثَبَت أنَّ ابنَ عُمَرَ تَوَضَّأَ بالسُّوقِ فغَسَلَ وَجْهَه ويَدَيه، ومَسَح رَأْسَه، ثم دُعِيَ لجِنازَةٍ، فمَسَح على خُفَّيه، ثم صَلَّى

..................................  عليها 1. ولأنَّها إحْدَى الطَّهارَتَين، فلم تَجِبْ فيها المُوالاةُ كالكُبْرَى.
وقال مالكٌ: إن تَعَمَّد التَّفْرِيقَ بَطَل، وإلَّا فلا.
ووَجْهُ الأُولى ما رَوَى عُمَرُ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى رجُلًا يُصَلِّي، وفي ظَهْرِ قَدَمِه لُمْعَةٌ لم يُصِبْها

وَهِيَ أَنْ لَا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حَتَّى يَنْشَفَ الَّذِى قَبْلَهُ،  الماءُ، فأمَرَه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - أن يُعِيدَ الوُضُوءَ والصلاةَ.
رواه أبو داودَ (1). ولو لم تَجِبِ المُوالاةُ لأجْزأَه غَسْلُ اللُّمْعَةِ حَسْبُ.
ولأنَّها عِبادَةٌ يُفْسِدُها الحَدَثُ، فاشْتُرِطَتْ لها المُوالاةُ كالصلاةِ، والآيةُ دَلَّتْ على وُجُوبِ الغَسْلِ، وبَيَّن النَبيُّ - صلى الله عليه وسلم - كَيفيَّتَه بفِعْلِه، فإنَّه لم يُنْقَلْ عنه أنَّه تَوَضَّأَ إلَّا مُتَوالِيًا، وغُسْلُ الجَنابَةِ بمَنْزِلَةِ الْغُضْو الواحدِ.
وحَكَى بعضُ أصحابِنا فيه مَنْعًا.
ذَكَره الشيخُ أبو الفَرَجِ.
وفِعْلُ ابنِ عُمَرَ ليس فيه دَلِيلٌ على أنّه أخَلَّ بالمُوالاةِ المُشْتَرَطَةِ.

87 -

مسألة؛ قال: (وهو أَن لا يُؤَخِّرَ غَسْلَ عُضْوٍ حتى يَنْشَفَ الذي قبلَه)

في الزَّمانِ المُعْتَدِلِ، ولا اعْتِبارَ بالزَّمَنِ الحارِّ الذي يُسْرِعُ فيه النِّشافُ، ولا بالزَّمَنِ البارِدِ الذي يُبْطِئُ فيه، ولا يُعْتَبَرُ ذلك فيما بينَ طَرَفَي الطهارةِ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: التَّفْرِيقُ المُبْطِلُ في إحْدَى الرِّوايَتَين ما يَفْحُشُ في العادةِ؛ لأنَّه لم يُحَدَّ في الشَّرْعِ، فرُجِعَ فيه إلى العادةِ، كالإحْرازِ والتَّفَرُّقِ في البَيعِ.1

..................................  فصل: فإن نَشِفَتْ أَعْضاؤه؛ لاشْتِغَالِه بفَرْضٍ في الطهارةِ أو سُنَّةٍ، لم يَبْطُلْ، كما لو طَوَّل أرْكانَ الصلاةِ.
وإن كان لوَسْوَسَةٍ تَلْحَقُه فكذلك، ويَحْتَمِل أنَّ يَبْطُلَ الوُضوءُ؛ لأنّه غيرُ مَفْرُوضٍ ولا مَسْنُونٍ، وإن كان ذلك لعَبَثٍ أو شيءٍ زائِدٍ على المسنونِ وأشْباهِه، عُدَّ تَفْرِيقًا.

وَالنِّيَّةُ شَرْطٌ لِطَهَارَةِ الْحَدَثِ كُلِّهَا؛

88 - مسألة؛ قال: (والنِّيَّةُ شَرْطٌ لطهارةِ الحَدَثِ كلِّها)

الغُسْلِ، والوُضوءِ، والتَّيَمُّمِ.
والنِّيَّةُ هي القَصْدُ.
يُقال: نَواك اللهُ بِخَيرٍ.
أي

..................................  قَصَدَك.
ومَحَلُّها القَلْبُ؛ لأنَّ مَحَلَّ القَصْدِ القلبُ، فمتى اعْتَقَد بقلبِه أجْزَأ، وإنْ لم يَلْفِظْ بلِسانِه.
وإن لَفَظ بلِسانِه ولم يَقْصِدْ بقلبِه، لم يُجْزِئْه.
ولو سَبَق لِسانُه إلى غيرِ ما اعْتَقَده، لم يَمْنَعْ صِحَّةَ ما قَصَدَه بقَلْبِه.
ولا خِلافَ في المذهبِ في اشْتِراطِ النِّيَّةِكما لِما ذَكَرْنا.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ - رضي الله عنه -. وهو قولُ مالكٍ، ورَبِيعَةَ، واللَّيثِ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي عُبَيدٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ: تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ في التَّيَمُّمِ دُونَ طهارةِ الماءِ؛ لأنَّ الله تَعالى قال: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ 1. الآيةُ، ولم يَذْكُرِ النِّيَّةَ، ولو كانَتْ شَرْطًا لَذَكَرَها.
ولأنَّ مُقْتَضَى الأمْرِ حُصُولُ الإجْزاءِ بفِعْلِ المَأمُورِ به

..................................  فتَقْتَضِي الآيةُ حُصُولَ الإِجْزاءِ بما تَضَمَّنَتْه.
ولأنَّها طهارةٌ بالماءِ، فلم تَفْتَقِرْ إلى النِّيَّةِ كغَسْلِ النَّجاسَةِ.
ولَنا، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّمَا الْأَعْمَالُ بالنِّيَّاتِ، وإِنَّمَا لكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى».
مُتَّفَق عليه 1. فنَفَى أن يكونَ له عَمَلٌ شَرْعِيٌّ بدونِ النَّيِّةِ.
ولأنَّها طهارةٌ مِن الحَدَثِ، فلم تَصِحَّ بغيرِ نِيَّةٍ كالتَّيَمُّمِ، فأمّا الآيةُ فهي حُجَّةٌ لَنَا؛ فإن قولَه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾.
أي: للصلاةِ، كما يُقالُ: إذا لَقِيت الأمِيرَ فتَرَجَّلْ.
أي له.
وقولُهم: لو كانتِ النِّيَّةُ شَرْطًا لَذكَرَها.
قُلنا: إنَّما ذَكَر الأرْكانَ، ولم يَذْكُرِ الشَّرائِطَ كآيةِ التَّيَمُّمِ.
وقولُهم: مُقْتَضَى الأمْرِ حُصُولُ الإِجْزاء به.
قُلْنا: بلْ مُقْتَضاه وُجوبُ الفِعْلِ، ولا يَمْنَعُ أنَّ يُشْتَرَطَ له شرطٌ آخَرُ كآية التَّيَمُّمِ.
وقَوْلُهم: إنَّها طهارةٌ.
قُلنا: إلَّا أنَّها عِبادَةٌ،

وَهِيَ أَنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ، أَو الطَّهَارَةَ لِمَا لا يُبَاحُ إلا بِهَا.
والعبادةُ لا تكونُ إلَّا مَنْويَّةً، كالصلاةِ؛ لأنَّها قُرْبَةٌ إلى الله تِعالى، وطاعةٌ، وامْتِثالُ أمْرٍ، ولا يَحْصُلُ ذلك بغيرِ نيَّةٍ.

89 -

مسألة؛ قال: (وهي أنْ يَقْصِدَ رَفْعَ الْحَدَثِ أو الطهارةَ لِما لا يُباحُ إلَّا بها)

متى قَصَد بطهارتِه رَفْعَ الحَدَثِ، وهو إزالةُ المانِعِ مِمّا يَفْتَقِرُ إلى الطَّهارةِ، أو قَصَد بطَهارتِه الصلاةَ، والطَّوافَ، ومَسَّ المصحفِ، أو قصَد الجُنُبُ بالغُسْلِ اللُّبْثَ في المسجدِ، صَحَّتْ طهارتُه عندَ القائلِين باشْتِراطِ النِّيَّةِ، لا نَعْلَمُ بينَهم فيه اخْتِلافًا.
فإنْ نَوَى التَّبَرُّدَ وما لا تُشْرَعُ الطهارةُ له؛ كالأكْلِ والبَيعِ، ولم يَنْو الطهارةَ الشَّرْعِيَّةَ 1

..................................  لم يَرْتَفِعْ حَدَثُه؛ لأنَّه لم يَنْو الطَّهارةَ، ولا ما يَتَضَمَّنُ نِيَتَّهَا، فأشْبَهَ مَن لم يَقْصِدْ شيئًا.
وإن نَوَى الطهارةَ مع ذلك، صَحَّتِ الطهارةُ؛ لأنّه نَوَى الطهارةَ، وضَمَّ إليها ما لا يُنافِيه، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو نَوَى بالصلاةِ الطّاعَةَ والخَلاصَ مِن خَصْمِه.

فإِنْ نَوَى مَا تُسَنُّ لَهُ الطَّهَارَةُ أَو التَّجْدِيدَ، فَهَلْ يَرْتَفِعُ حَدَثُهُ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

90 - مسألة؛ قال: (فإنْ نَوَى ما تُسَنُّ لَهُ الطهارَةٌ، أو التَّجْدِيدَ، فهل يَرْتَفِعُ حَدَثُه؟ على رِوايَتَينِ)

وجملتُه أنَّه نَوَى ما تُشْرَعُ له الطهارَةُ ولا تُشْتَرَطُ؛ كقِراءَةِ القرآنِ والأذانِ والنَّوْمِ، أو نَوَى التَّجْدِيدَ ثم بانَ أنَّه كان مُحْدِثًا، ففيه رِوايتانِ؛ إحْداهما، لا تَصِحُّ طَهارتُه؛ لأنَّه لم يَنْو رَفْعَ الحَدَثِ، ولا ما يَتَضَمَّنُه، أشْبَهَ ما لو نَوَى التَّبَرُّدَ.
والثَانيةُ، تَصِحُّ

..................................  طهارتُهْ، وهي أصَحُّ؛ لأنَّه نَوَى طهْارةً شَرْعِيَّةً، فيَنْبَغِي أن تَحْصُلَ له؛ للخبَرِ، ولأنَّه يُشْرَعُ له فِعْلُ هذا وهو غيرُ مُحْدِثٍ، وقد نَوَى ذلك، فيَنْبَغِي أنَّ يَحْصُلَ.
ولأنَّه نَوَى شَيئًا مِن ضَرُورَتِه صِحَّةُ الطهارةِ، وهو الفضيلةُ الحاصِلَةُ لِمَن فَعَل ذلك على طهارةٍ.
فإن قيلَ: يَبْطُلُ بما إذا نَوَى بطهارتِه ما لا تُشْرَعُ له الطهارةُ.
قُلنا: إنْ نَوَى طهارةً شَرْعِيَّةٍ، مِثْلَ مَن قَصَد الأكْلَ، وهو على طهارةٍ شَرْعِيَّةٍ، أو قَصَد، أن لا يَزال على وُضوءٍ، فهي كَمسْألتِنا، تَصِحُّ طهارتُه.
وإن قَصَد نَظافَةَ أَعْضائِه مِن

..................................  وَسَخٍ أو غيرِه، لم تَصِحَّ طهارتُه؛ لأنَّه لم يَقْصِدْها وإنْ نَوَى وُضُوءًا مُطْلَقًا أو طهارةً مُطْلَقَةً، ففيه وَجْهَان، أحدُهما، يَصِحُّ؛ لأنَّ الوُضُوءَ والطهارةَ، عندَ الإطْلاقِ، يَنْصَرِفانِ إلى المَشْرُوعِ، فيكونُ ناويًا لطهارةٍ شَرْعِيَّةٍ.
والوَجْهُ الثاني، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه قَصَد ما يُباحُ [بغيرِ الطهارةِ] 1،

..................................  أشْبَهَ قَصْدَ الأكْلِ، ولأنَّ الطهارةَ تَنْقَسِمُ إلى مَشْرُوعٍ وغيرِه، فلم تَصِحَّ مع التَّرَدُّدِ، والطهارةُ المُطْلَقَةُ مِنها ما لا يَرْفَعُ الحَدَثَ، كالطهارةِ مِن النَّجاسَةِ.

وَإِنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا، فَهَلْ يُجْزِئُ عَنِ الْوَاجِبِ؟ عَلَى وَجْهَينِ.

91 - مسألة: (وإنْ نَوَى غُسْلًا مَسْنُونًا، فهل يُجْزِئُ عن الواجِبِ؟ على وَجْهَينِ)

مَضَى تَوْجِيهُهُما 1.

وَإِنِ اجْتَمَعَتْ أَحْدَاثٌ تُوجِبُ الْوُضُوءَ أَو الْغُسْلَ، فَنَوَى بِطَهَارَتِهِ أَحَدَهَا، فَهَلْ ترْتَفِعُ سَائِرُهَا؟ عَلَى وَجْهَينِ.

92 - مسألة: (وإنِ اجْتَمَعَتْ أَحْداثٌ تُوجِبُ الوُضُوءَ أو الغُسْلَ، فنَوَى بِطهارتِهِ أحَدَها، فهل يَرْتَفِعُ سائِرُها؟ على وَجْهَينِ)

أحدُهما، لا يَرْتَفِعُ إلَّا ما نَواه.
قاله أبو بكرٍ؛ لأنَّه لم يَنْوه، أشْبَهَ إذا لِم يَنْو شيئًا.
وقال القاضي: يَرْتَفِعُ؛ لأن الأحْداثَ تَتَداخَلُ؛ فإذا ارْتَفَع بعضُها ارْتَفَع

..................................  جَمِيعُها، كما لو نَوَى رَفْعَ الحَدَثِ.
وإنْ نَوَى صلاةً واحدةً نَفْلًا أو فَرْضًا لا يُصَلِّي غيرَها، ارْتَفَع حَدَثُه، ويُصَلِّي ما شاء؛ لأنَّ الحَدَثَ إذا ارْتَفَع لم يَعُدْ إلَّا بسَبَبٍ جَدِيدٍ، ونِيَّةُ الصلاةِ تَضَمَّنَتْ رَفْعَ الحَدَثِ.

وَيَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ عَلَى أَوَّلِ وَاجِبَاتِ الطَّهَارَةِ.

93 - مسألة: (ويَجِبُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على أوَّلِ واجِباتِ الطَّهارَةِ)

لأنَّها شَرْطٌ لها، فيُعْتَبَرُ وُجُودُها في جميعِها، وأوَّلُ واجِباتِها، المَضْمَضَةُ أو

وَيُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُهَا عَلَى مَسْنُونَاتِهَا، وَاسْتِصْحَابُ ذِكْرِهَا فِي جَمِيعِهَا، وَإِنِ اسْتَصحَبَ حُكْمَهَا أجْزأهُ.
التَّسْمِيَةُ، على ما ذَكَرْنا مِن الخِلافِ.
فإن وُجِدَ شيءٌ مِن واجِباتِ الطهارةِ قبلَ النِّيَّةِ لم يُعْتَدَّ به.
فإن غَسَل الكَفَّينِ بغيرِ نِيَّةٍ فهو كمَن لم يَغْسِلْهُما.
(ويُسْتَحَبُّ تَقْدِيمُها على مَسْنُوناتِها) فيُقَدِّمُها على غَسْلِ الكَفَّين، لتَشْمَلَ مَفْرُوضَ الوُضُوءِ ومَسْنُونَه، فإن غَسَل الكَفَّينِ بغيرِ نِيَّةٍ، فهو كمَن لم يَغْسِلْهُما.

94 -

مسألة: (واسْتِصْحابُ ذِكرِها في جَمِيعِها، وإنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَها أجْزأه)

وجُمْلَتُه، أنَّه يُسْتَحَبُّ اسْتِصْحابُ ذِكْرِ النِّيَّةِ إلى آخِرِ طهارتِه؛ لتكونَ أَفْعالُه مُقْتَرِنَةً بالنِّيَّةِ، فإنِ اسْتَصْحَبَ حُكْمَها أجْزأَه.
ومَعْنَى اسْتِصْحابِ حُكْمِها: أنْ لا يَنْوىَ قَطْعَها.
فإنْ عَزَبَتْ عن خاطِرِه، لم يُؤثِّرْ في قَطْعِها، كالصلاةِ والصيامِ.
ويَجُوزُ تَقْدِيمُ النِّيَّةِ على الطهارةِ بالزَّمَنِ الْيَسِيرِ، قِياسًا على الصلاةِ.
فإن قَطَع النِّيَّةَ في أثْناءِ طهارتِه وفَسَخَها، مِثْل أنْ يَنْويَ أن لا يُتِمَّ طهارتَه، فقال ابنُ عَقِيل: تَبْطُلُ

..................................  طهارتُه 1 مِن أصْلِها؛ لأنَّها تَبْطُلُ بالمُبْطِلاتِ، أشْبَهتِ الصلاةَ.
وقال شَيخُنا: لا يَبْطُلُ ما مَضَى مِن طهارتِه؛ لأنَّه وَقَع صَحِيحًا، أشْبَهَ ما لو نَوَى قَطْعَها بعدَ الفَراغِ مِنَ الوُضُوءِ، وما غَسَلَه مِن أعْضائِه بعدَ قَطْعِ النِّيَّةِ لا يُعْتَدُّ به.
فإن أعادَ غَسْلَه بنِيَّةٍ أُخْرَى قبلَ طُولِ الفَصْلِ، صَحَّتْ طهارتُه.
وإنْ طال الفَصْلُ، انْبَنَى على وُجُوبِ المُوالاةِ.
فأمّا إنْ غَسَل بَعْضَ أعْضائِهِ بنِيَّةِ الوُضُوءِ، وبَعْضَها بنِيَّةِ التَّبَرُّدِ، ثم أعاد غَسْلَ ما نَوَى به التَّبَرُّدَ بنِيَّةِ الوُضوءِ قبلَ طُولِ الفَصْلِ، أَجزأه، وإلَّا انْبَنَى على وُجُوبِ الموالاةِ، وَجْهًا واحدًا 2. فإنْ فَسَخَ النِّيَّةَ بعدَ الفَراغِ منها، لم تَبْطُلْ كالصلاةِ.
ويَحْتَمِلُ أنْ تَبْطُل؛ لأنَّ الطهارةَ تَبْطُلُ بالحَدَثِ بعدَ فَراغِها، بِخلافِ الصلاةِ.

..................................  فصل: إذا شَكَّ في النِّيَّةِ في أثْناءِ الطهارةِ لَزِمَه اسْتِئْنافُها، كما لو شَكَّ في نِيَّةِ الصلاةِ وهو فيها؛ لأنّ النِّيَّةَ هي القَصْدُ، فمتى عَلِمَ أنَّه جاء ليَتَوَضَّأ، أو أرادَ فِعْلَ الوُضوءِ مُقارِنًا له، أو سابقًا عليه قَرِيبًا مِنه، فقد وُجِدَتِ النِّيَّةُ، ومَن شَكَّ في وُجُودِ ذلك في أثْناءِ طهارتِه، لم يَصِحَّ ما مضي منها.
وهكذا إنْ شَكَّ في غَسْلِ عُضْوٍ، أو مَسْحِ رَأْسِه، حُكْمُه حُكْمُ مَن لم يَأْتِ به، لأنَّ الأصْلَ عَدَمُه، إلَّا أنَّ يكون وَهْمًا كالوَسْواسِ، فلا يَلْتَفِتُ إليه.
وإن شَكَّ في شَيءٍ مِن ذلك بعدَ فَراغِه مِن الطَّهارةِ، لم يَلْتَفِتْ إليهِ؛ لأَنه شَكَّ في العِبادَةِ بعدَ فَراغِه منها، أشْبَهَ الشَّكَّ في شَرْطِ الصلاةِ، ويَحْتَمِلُ أنْ تَبْطُل؛ لأنَّ حُكْمَها باقٍ، بدَلِيلِ أنَّها تَبْطُلُ بمُبْطِلاتِها بخِلافِ الصلاةِ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّها كانتْ مَحْكُومًا بصِحَّتِها، فلا يَزُولُ ذلك بالشَّكِّ، كما لو شَكَّ في وُجُودِ الحَدَثِ.
واللهُ أعلمُ.

فَصْلُ: وَصِفَةُ الْوُضُوءِ، أنْ يَنْويَ، ثُمَّ يُسَمِّيَ، وَيَغْسِلَ يَدَيهِ ثَلَاثًا، ثُمَّ يَتَمَضْمَضَ وَيَسْتَنْشِقَ ثَلَاثًا مِنْ غَرْفَةٍ، وَإِنْ شَاءَ مِنْ ثَلَاثٍ، وَإنْ شَاءَ مِنْ سِتٍّ،  فصل: فإنْ وَضَّأَه غيرُه أو يَمَّمَه اعْتُبِرَتِ النِّيَّةُ مِن المُتَوَضِّئ، دُونَ المُوَضِّئ؛ لأنَّه المُخاطَبُ بالوُضوءِ، والمُوَضِّئ آلةٌ له، فهو كحامِلِ الماءِ إليه.
وإن تَوَضَّأ وصَلَّى صلاةً، ثم أَحْدَث وتَوضَّأ وصَلَّى أُخْرَى، ثم عَلِمَ أنَّه تَرَك واجِبًا في أحَدِ الوُضوءَينِ، لزِمَه إعادَةُ الوُضوءِ والصلاتينِ.
فصل: (وصِفَةُ الوُضُوءِ أنْ يَنْوىَ، ثم يُسَمِّيَ، ثم يَغْسِلَ يَدَيه ثَلاثًا).
هذه صِفَةُ الوُضوءِ الكامِلِ، ووَجْهُه ما ذَكَرْنا.
(ثم يَتَمَضْمضَ ويَسْتَنْشِقَ ثلاثًا مِنْ غَرْفَةٍ، وإنْ شاءَ مِن ثلاثٍ، وَإن شاءَ مِن سِتٍّ).
المَضْمَضَةُ: إدارَةُ الماءِ في الفَمِ.
والاسْتِنْشاقُ: اجْتِذابُ الماءِ بالنَّفَسِ إلى باطِن الأنْفِ.
والاسْتِنْثارُ مسْتَحَبٌّ، وهو: إخْراجُ الماءِ مِن الأنْفِ وقد يُعَبَّرُ بالاسْتِنْثارِ عن الاسْتِنْشاقِ؛ لكَوْنِه مِن لَوازِمِه.
ولا تَجِبُ إدارةُ الماءِ في جَمِيعِ الفَمِ، ولا إيصالُ الماءِ إلى جميعِ باطِنِ الأنْفِ، وإنَّما ذلك مُبالغَةٌ مُسْتَحَبَّةٌ، وقد

..................................  ذَكَرْناها.
فإن جَعَلَ الماءَ في فِيه يَنْوى رَفْعَ الحَدَثِ الأصْغَرِ، ثم ذَكَرَ أنَّه جُنُبٌ، فنَوَى رَفْعَ الحَدَثَين، ارْتَفَعا؛ لأنَّ الماءَ إنَّما يَثْبُتُ له حُكْمُ الاسْتِعْمالِ بعدَ الانْفِصالِ.
ولو لَبِثَ الماءُ في فِيه حتى تَغَيَّرَ بما يَتَحَلَّلُ مِن رِيقِه، لم يَمْنَعْ؛ لأنَّ التَّغَيُّرَ في مَحَلِّ الإزالةِ لا يَمْنَعُ، كما لو تَغَيَّرَ الماءُ على عُضْوه بعَجِينٍ عليه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْشِقَ بيَمِينِه، ثم يَسْتَنْثِرَ بيَسارِه؛ لما رُوِيَ عن عثمانَ، أنَّه تَوَضَّأ، فدَعا بماءٍ فغَسَلَ يَدَيه، ثم غَرَف بيَمِينِه، ثم رَفَعَها إلى فِيه، فتَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ بكَفٍّ واحدةٍ، واسْتَنْثرَ بيَسارٍ، فَعَلَ ذلك ثلاثًا، ثم ذَكَرَ سائِرَ الوُضُوءِ، ثم قال: إنّ النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم - تَوَضَّأ لَنا كما تَوَضَّأْت لكم.
رواه سعيدٌ 1. وهو مُخَيَّرٌ بينَ أن

..................................  يَتَمَضْمَضَ ويَسْتَنْشِقَ بغَرْفةٍ،، أو بثلاثٍ، أو بست؛ لما ذَكَرْنا مِن حديثِ عثمان.
وقال الأثْرَمُ: سمعتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْأل: أيُّما أحَبُّ إليك، المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشاقُ بغَرْفَةٍ واحدةٍ، أو كلُّ واحِدَةٍ منهما على حِدَةٍ؟ قال: بغَرفَةٍ واحدةٍ.
وفي حديثِ عبدِ الله بِن زيدٍ: تَمَضْمَضَ واسْتَنْثَرَ ثلاثا مِنْ غَرْفَةٍ واحِدَةٍ.
رَواه البُخارِيُّ 1. وعن عليٍّ رضي اللهُ عنه، أنَّه تَوَضَّأ فمَضْمَضَ 2 ثلاثًا، واسْتَنْشَقَ ثلاثًا مِن كَفّ واحدةٍ، وقال: هذا وُضُوءُ نَبِيِّكم - صلى الله عليه وسلم -. مِنَ «المُسْنَدِ» 3. وفي لفظٍ: أنَّه تَمَضْمَضَ 4 واسْتَنْشَقَ واسْتَنْثَرَ ثلًاثًا، بثلاثِ غَرَفاتٍ.
مُتَّفق عليه 5. وفي حديثِ طَلْحَةَ بنِ مُصَرِّفٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، [عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -] 6 أنَّه فَصَل بينَ المَضْمَضَةِ

وَهُمَا وَاجِبَانِ فِي الطَّهَارَتَينِ.
وَعَنْهُ، أَنَّ الاسْتِنْشَاقَ وَحْدهُ وَاجِبٌ فِيهِمَا.
وَعَنْهُ، أَنَّهُمَا وَاجِبَانِ فِي الْكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى.
والاسْتِنْشاقِ.
رَواه أبو داودَ (1). ولأنَّ الكَيفيَّةَ في الغَسْلِ غيُر واجبةٍ.
ولا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بينَ المَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ، وبينَ الوَجْهِ؛ لأَنَّهما مِن جُمْلَتِه، لكنْ يُسْتَحَبُّ أن يَبْدأ بهما؛ لأنَّ الذين وَصَفُوا وُضوءَ النبيٍّ - صلى الله عليه وسلم -، ذَكَرُوا أَنَّه بَدأَ بهما إلَّا شيئًا نادِرًا.
وهل يَجِبُ التَّرْتِيبُ بينَهما وبينَ سائرِ الأعْضاء؟ على رِوايَتَين؛ إِحْداهُما، يَجِبُ؛ لأنَّهما مِن الوَجْهِ، فوَجَبَ غَسْلُهما قبلَ اليَدَينِ، كسائِرِه.
والثانيةُ، لا يَجِبُ، بل لو تَرَكَهما وصَلَّى، تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ وأعادَ الصلاةَ، ولم يُعِدِ الوُضُوءَ؛ لما رَوَى المِقْدامُ بنُ مَعْدِ يكَرِبَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بوَضُوءٍ، فغَسَلَ كَفَّيه ثلاثًا، ثم غَسَل وَجهه ثلاثًا، ثم غَسَل ذِراعَيه ثلاثًا، ثم تَمَضْمَضَ واسْتَنْشَقَ.
رَواه أبو داودَ (2). قال أصحابُنا: وهل يُسَمَّيانِ فَرْضًا، إذا قُلنا بوُجُوبِهما؟ على رِوايَتَينِ.
وهو مَبْنيٌّ على اخْتِلافِ الرِّوايَتَينِ في الواجِبِ، هل يُسَمَّى فَرْضًا أم لا؟ والصحيحُ: تَسْمِيَتُه فَرْضًا، فيُسَمَّيانِ فرضًا.
واللهُ أعلمُ.

95 -

مسألة؛ قال: (وهما واجِبانِ في الطهارَتَينِ. وعنه: أنَّ

12

..................................  الاسْتِنْشاقَ وَحدَه واجبٌ.
وعنه: أنَّهُما واجِبانِ في الكُبْرَى دُونَ الصُّغْرَى) وجُمْلَة ذلك أن المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشاقَ واجبانِ في الطَّهارَتَينِ، الغُسْلِ والوُضُوءِ جميعًا؛ لأنَّ غَسْلَ الوَجْهِ فيهما وَاجِبٌ، وهما مِن الوَجْهِ.
هذا المشهورُ في المذهب، وهو قول ابن المُبارَكِ، وابن أبي لَيلَى، وإسحاقَ.
ورُوِيَ عن أحمدَ أن الاسْتِنْشاقَ وَحده واجِبٌ في الطَّهارَتَينِ.
ذَكَر القاضي ذلك في «المُجَرَّدِ»، رِوايةً واحِدةً.
وبه قال أبو عُبَيدٍ، وأبو ثَوْرٍ، وابن المُنذِرِ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا تَوَضَّأَ أحَدُكُمْ

..................................  فَلْيَجْعَلْ في أنْفِهِ 1 ثُمَّ لْيَنْثُرْ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. ولمسلم: «مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْشِق» 3. أمْرٌ، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ، ولأنَّ الأنْفَ لا يَزالُ مفتوحًا، وليس له غِطاءٌ يَسْتُرُه، بخِلاف الفَمِ.
وقال غيرُ القاضي مِن أصحابِنا، عن أحمد رِوايَةً أُخْرَى: أنَّهما واجِبانِ في الكُبْرَى، دُونَ الصُّغْرَى.
وهذا مذهبُ الثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّ الكُبْرَى يَجِبُ فيها غَسْلُ ما تحتَ الشُّعُورِ الكَثِيفَةِ، ولا يَمْسَحُ فيها على الخُفَّينِ، فوَجَبا

..................................  فيها، بخِلافِ الصُّغْرَى.
وقال مالكٌ، والشافعيٌّ: هما مَسْنُونانِ في الطَّهارَتَينَ.
ورُوِيَ ذلك عن الحسن، في الحَكَمِ 1، ورَبِيعَةَ، واللَّيثِ، والأوْزاعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرةِ».
وذَكَرَ مِنها المَضْمَضَةَ والاسْتِنْشاقَ 2. والفِطْرةُ: السُّنَّةُ.
وذِكْرُه لَهُما مِنَ الفطرة يَدُلُّ على مُخالفَتِهما لسائِرِ 3 الوُضُوءِ.
ولأنَّهما عُضْوانِ باطِنانِ، فلم يَجِبْ غَسْلُهما، كباطِنِ اللِّحَيِة وداخِلِ العَينَينِ.
ولأنَّ الوَجْهَ ما تَحصُلُ به المُواجَهةُ، ولا تَحْصُلُ المُواجهَةُ بِهِما.
ولَنا، ما رَوَتْ عائِشةُ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «المَضْمَضَةُ والاسْتِنْشاقُ مِنَ الوُضُوء الَّذِى لَابُدَّ مِنْهُ».
رَواه أبو بكرٍ فِي «الشّافِي».
وعن أبي هُرَيرَةَ، قال: أَمَرَنا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بالمَضْمَضَةِ والاسْتِنْشاقِ.
وفي حديثِ لَقِيطِ بنِ صَبِرة 4: «إذَا تَوَضَّأَتَ فَتَمَضْمَضْ».
رَواه أبو داود 5، وأخْرَجَهما الدَّارَقُطْنِي 6. ولأنَّ كل مَن وَصَف وُضوءَ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتَقْصًى، ذَكَر أنَّه تَمَضْمَض

ثُمَّ يَغْسِلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا مِنْ مَنَابِتِ شَعَرِ الرّأْسِ إِلَى مَا انْحَدَرَ مِنَ اللّحْيَينِ وَالذَّقَنِ طُولًا، مَعَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنَ اللّحْيَةِ، وَمِنَ الْأُذُنِ إِلَى الأذُنِ عَرْضًا.
واسْتَنْشَقَ، ومُداوَمَتُه عليهما تَدُلُّ على وُجوبِهما؛ لأنَّ فِعْلَه يَصْلُحُ أن يكونَ بَيانًا لأمْرِ الله تِعالى.
ولأنَّهما عُضْوان مِن الوَجْهِ في حُكْمِ الظّاهِرِ، لا يَشُقُّ غَسْلُهما فوَجَبَ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ (1). والدليلُ.
على أنَّهما في حُكْمِ الظّاهِرِ، أنَّ الصّائِمَ لا يُفْطِرُ بوَضْعِ الطعامِ فيهما، ويُفْطِرُ بوُصُولِ القَيْء إليهما، ولا يَجِبُ الحَدُّ بتَرْكِ الخَمْرِ فيهما، ويَجِبُ غَسْلُ النَّجاسَةِ فيهما.
فأمّا كَوْنُهما مِن الفِطْرَةِ فلا يَنْفِي وُجُوبَهما؛ لأنَّه ذَكَر الخِتانَ في الفِطْرَةِ وهو واجِبٌ.
فأمّا غَسْلُ داخِلِ العَينَين، فلنا فيه مَنْعٌ، وباطِنُ اللِّحْيَةِ يَشُقُّ غَسْلُه؛ فلذلك لم يَجِبْ في الوُضُوءِ، ويَجِبُ في الطهارةِ الكُبْرَى.
والله أعلمُ.

96 -

مسألة؛ قال: (ويَغْسِلُ وَجْهَه ثَلَاثًا 2، مِن مَنابِتِ شَعَرِ الرَّأَسِ إلى ما انْحَدَرَ مِن اللَّحْيَينِ والذَّقَنِ طُولًا، مع ما اسْتَرْسَلَ مِن اللّحْيَةِ ومِنْ الأذُنِ إلى الأذُنِ عَرْضًا) غَسْلُ الوَجْهِ ثلاثًا مُسْتَحَبٌّ؛ لِما1

..................................  ذَكرنا مِن حديثِ عليٍّ 1 وغيرِه، وغَسْلُه مَرَّةً واجِبٌ بالنَّصِّ والإجماعِ، وقد ذَكرْناه.
وقولُه في حَدِّه: مِنْ مَنابِتِ شَعَرِ الرَّأْسِ.
يَعْنَى في غالِبَ النّاسِ، ولا اعْتِبارَ بالأصْلَعِ الذي يَنْحَسِرُ شَعَرُه عن مُقدَّمِ رَأَسِه، ولا بالأفْرعِ 2 الذي يَنْزِلُ شَعَرُه إلى وَجْههِ، بل بغالِبِ الناسِ، فالأصْلَعُ يَغْسِلُ إلى حَدِّ مَنابِتِ الشَّعَرِ فِي غالِبِ النّاسِ، والأفْرَعُ 3 يَغْسِلُ الشَّعَرَ الذيِ يَنْزِلُ عن حَدِّ 4 الوَجْهِ فِي الغالِبِ.
وقال الزُّهْرِيُّ: الأُذُنُ مِن الوَجْهِ؛ لقَولِه - صلى الله عليه وسلم -: «سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ، وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرهُ».
رَواه مسلمٌ 5. أضافَ السَّمْعَ إلى الوَجْهِ،، كما أضافَ البَصَرَ.
وقال مالكٍ: ما بينَ اللِّحْيَةِ [إلى الأُذُنِ] 6 ليس مِن الوَجْهِ، ولا يَجِبُ غَسْلُه؛ لأنَّ الوَجْهَ ما تحْصُلُ به المُواجَهَةُ، وهذا لا يُواجَهُ به.

..................................  قال ابنُ عبدِ الْبَرِّ: لا أعْلَمُ أحدًا مِن فُقَهاءِ الأمْصارِ قال بقَوْلِ مالكٍ هذا.
ولَنا على الزُّهْرِيِّ، قولُ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «الأذُنَانِ مِنَ الرَّأَسِ».
رَواه ابنُ ماجه 1. ولم يحْكِ أحَدٌ أنَّه غَسَلَهما مع الوَجْهِ، وإنَّما أضافَهُما إلى الوَجْهِ للمُجاوَرَةِ.
وعلى مالكٍ، أنَّ هذا مِن الوَجْهِ في حَقِّ مَن لا لِحْيَةَ له، فكذلك مَن له لِحْيَةٌ كسائِرِ الوَجْهِ.
وهذا تَحْصُلُ به المُواجَهَةُ مِن الغُلامِ.
ويُسْتْحَبُّ تَّعاهُدُ المَفْصِلِ بالغَسْلِ؛ وهو ما بينَ اللِّحْيَةِ والأذُنِ.
نَصَّ عليه الإمامُ أحمدُ.
ويَدْخُلُ فِي الوَجْهِ العِذارُ، وهو الشَّعَرُ الذيِ على العَظْمِ النّاتِئ، سَمْتَ صِماخِ الأذُنِ.
والعارِضُ الذي تحتَ العِذارِ، وهو الشَّعَرُ النّابتُ على الخَدِّ واللَّحْيَين.
قال الأصمَعِيُّ: ما جاوَرَ وَتِدَ الُأذُنِ عارِضٌ، والذَّقَنُ: الشَّعَرُ الذي على مَجْمَعِ اللَّحْيَين.
فهذه الشُّعُورُ الثلاثةُ مِن الوَجْهِ يَجِبُ غَسْلُها معه.
وكذلك الحاجِبان، وأهْدابُ العَينَين،

..................................  والشّارِبُ، والعَنْفَقَةُ.
فأمّا الصُّدْغُ، وهو الذي فوقَ العِذارِ، وهو يُحاذِي رَأْسَ الُأذُنِ، ويَنْزِلُ عن رَأْسِها قليلًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُهما، هو مِن الوَجْهِ.
اخْتاره ابنُ عَقِيلٍ؛ لحُصُولِ المُواجَهَةِ به واتِّصالِه بالعِذارِ.
والثاني، أنَّه مِن الرَّأْسِ، وهو الصحيحُ؛ لأنَّ في حديثِ الرُّبَيِّعِ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - مَسَح برَأسِه، وصُدْغَيه، وأُذُنَيه، مَرَّةً واحدةً.
رَواه أبو داودَ 1. ولم يَنْقُلْ أحدٌ أنَّه غَسَلَه مع الوَجْهِ.
ولأنَّه شَعَرٌ يَتَّصِلُ بشَعَرِ الرَّأُس، ويَنْبُتُ معه في حَقِّ الصَّغِيرِ، بخِلافِ العِذارِ.
فأمّا التَّحْذِيف، وهو الشَّعَرُ الدّاخِلُ في الوَجْهِ ما بينَ انْتِهاءِ العِذارِ والنزعَةِ، فقال ابنُ حامدٍ: هو مِن الوَجْهِ؛ لأنَّه شَعَرٌ بينَ بَياضِ الوَجْهِ، أشْبَه العِذارَ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أنَّه مِن الرَّأْسِ؛ لأنَّه شَعَرٌ مُتَّصِلٌ به، لم يَخْرُجْ عن حَدِّه، أشْبَهَ الصُّدْغَ.
قال شيخُنا: والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنّ مَحَلَّه لوْ لم يَكُنْ عليه شَعَرٌ، كان مِن الوَجْهِ، فكذلك إذا كان عليه شَعَرٌ، كسائِرِ الوَجْهِ 2. وأمّا النَّزعَتان؛ وهما ما انْحَسَرَ عنه الشَّعَرُ مِن الرّأْسِ مُتَصاعِدًا في جانِبَي الرَّأْسِ، فقال ابنُ عَقِيل: هما مِن الوَجْهِ؛ لقولِ الشّاعرِ 3: فلا تَنْكِحي إن فَرَّقَ الله بَينَنا … أغَمَّ القَفا والوَجْهٍ ليس بأنْزَعا

..................................  وقال القاضِي، وشيخُنا: هما مِن الرأْسِ 1. وهو الصحيحُ، لأنَّه لا تحْصُلُ بهما المُواجَهَةُ، ولدُخولِهما في حَدِّ الرأْس، لِأنّه ما تَرَأَسِ وعَلا.
وذكر ابنُ عَقِيلٍ في الشَّعَرِ المُسامِتِ للنَّزَعتَين هل هو مِن الوَجْهِ أم لا؟ على وَجْهَين.
ويَجِبُ غَسْلُ ما اسْتَرْسَل مِن اللِّحيَةِ، في ظاهِر

..................................  المذهبِ.
وكذلك ما خَرَج عن حَدِّ الوَجْهِ عَرْضًا.
وهذا ظاهرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لأنَّها مِن الوَجْهِ، بدليلِ ما رُوِيَ، أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - رأى رجلًا قد غَطَّى لِحْيَتَه في الصلاةِ، فقال: «اكْشِفْ لِحْيَتَكَ، فَإنَّ اللِّحْيَةَ مِنَ الْوَجْهِ» 1. ولأَنّه نابِتٌ في مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه اليَدَ الزّائِدَةَ، ولأنَّها تحْصُلُ بها المُواجَهَةُ، أَشْبَهَتْ سائِرَ الوَجْهِ.
وقال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ في أحَدِ قَوْلَيه: لا يَجِبُ غَسْلُ ما نَزَل مِنها عَنْ حَدِّ الوَجْهِ طُولًا، ولا ما خَرَج عَرْضًا؛ لأنه شَعَرٌ خارِجٌ عن مَحَلِّ الفَرْضِ، أشْبَه ما نَزَل مِن شَعَرِ الرّأْسِ.
ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه لا يَجِبُ غَسْلُ اللّحْيَةِ الكَثِيفَةِ، وما تحتَها مِن بَشَرَةِ الوَجْهِ؛ لأنَّ الوَجْه اسْمٌ للبَشَرَةِ التي تحْصُلُ بها المُواجَهَةُ،

..................................  ولم يُوجد ذلك في واحدةٍ مِنْهما.
وقال الخَلّالُ: الذي ثَبَت عن أبي عبدِ اللهِ في اللِّحْيَةِ، أنَّه لا يَغْسِلُها، وليستْ مِن الوَجْهِ.
وظاهِرُ هذا كمذهبِ أبي حنيفةَ، فيما ذُكِرَ عنه آخِرًا، والمشهورُ عن أبي حنيفةَ وُجوبُ غَسْلِ رُبْع اللِّحْيَةِ، كقَوْلِه فِي مَسْحِ الرَّأْسِ.
والقولُ الأوَّلُ هو المشهورُ في المذهبِ.
وما رُوِيَ عن أحمدَ، يحْتَمِلُ أنَّه أرادَ ما خَرَج عن الوَجْهِ منها، كما ذَكَرْنا عن الشافعيِّ، وأبي حنيفةَ، فعلى هذا يَصِيرُ فيه رِوايَتان.
ويحْتَمِلُ أنَّه أرادَ غَسْلَ باطِنِها، فيَكُونُ مُوافِقًا للقولِ الأوَّلِ، وهو الصحيحُ، إن شاءَ اللهُ.
وقِياسُهم على النّازلِ مِن شَعَرِ الرَّأسِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه لا يَدخُلُ.
في اسْمِ الرّأْس، وهذا يَدْخُلُ في اسمِ الوَجْهِ؛ لِما ذَكَرنا مِن الحديثِ، [ولحُصولِ المُواجَهَةِ به.
واللهُ أعلمُ] 1.

فَإِنْ كَانَ فِيهِ شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ الْبَشَرةَ وَجَبَ غَسْلُهَا مَعَهُ، وَإنْ كَانَ يَسْتُرُهَا أَجْزأَهُ غَسْلُ ظَاهِرِهِ.
وَيُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُهُ.

97 - مسألة: (فإن كان فيه شَعَرٌ خَفِيفٌ يَصِفُ البَشَرَةَ، وَجَبَ غَسْلُها معه. وإن كان يَسْتُرُها، أَجزأَه غَسْلُ ظاهِرِه. ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُه)

أمّا إذا كانت الشُّعُورُ التي 1 في الوَجْهِ تَصِفُ البَشَرَةَ، وَجَب غَسْلُ البَشَرَةِ والشَّعَرِ؛ لأنَّ البَشَرَةَ ظاهِرَةٌ تَحْصُلُ بها المُواجَهَةُ، فوَجَبَ غَسْلُها كالتي لا شَعَرَ عليها، ويَجِبُ غَسْلُ الشَّعَرِ؛ لأنَّه نابِتٌ في مَحَلَ الفَرْضِ، تَبَعٌ له.
وإن كان كثِيفًا يَسْتُرُ البَشَرَةَ، أجْزأَه غَسْلُ ظاهِرِه،

..................................  لحُصولِ المُواجَهةِ به، ولم يَجِبْ غَسْلُ ما تحتَه؛ لأنَّه مَسْتور، أَشْبَه باطِنَ الأنْفِ.
ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيلُه، وقد ذَكَرْنا ذلك في سُنَّةِ الوُضُوء، ولا يَجِبُ التَّخْلِيلُ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا في المذهبِ، وهو مذهبُ أكْثَرِ أَهلِ العلمِ؛ لأنّ الله تعالى أَمر بالغَسْلِ ولم يَذْكُرِ التَّخْلِيلَ.
ولأنَّ أَكثرَ مَن حَكَى وُضُوءَ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - لم يَحْكِه، ولو كان واجبًا لَما أخَلَّ به، ولو فَعَلَه لنَقَلَه الذين نَقَلُوا وُضوءَه أو أكْثَرُهم.
وتركُه لذلك يَدُلُّ على أنَّ غَسْلَ ما تحتَ الشَّعَرِ الكَثِيفِ ليس بواجِبٍ؛ لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان كَثِيفَ اللِّحْيَةِ، فلا يَبْلُغُ الماءُ إلى ما تحتَ شَعَرِها إلا بالتَّخْلِيلِ، وفعْلُه للتَّخْلِيلِ في بعض أَحْيانِه يَدُلُّ على اسْتِحبابِه.
وقال إسحاقُ: إذا تَرَك تَخلِيلَ لِحْيَتِه عامِدًا، أعادَ الوُضوءَ؛ لِما رَوَى أنَسٌ، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان إذا تَوَضَّأ أَخذ كَفَّا مِن ماء، فأدْخَلَه تحتَ حَنَكِه، وخَلَّلَ به لِحْيَتَه، وقال: «هكَذَا أَمرَنِي رَبِّي عَزَّ وَجَلَّ».
رَواه أبو داودَ 1. ولِما ذَكرْنا مِن حديثِ ابنِ عُمَرَ.
وقال عَطاءٌ، وأبو ثَوْرٍ: يَجِبُ غَسْلُ ما تحتَ الشُّعورِ الكَثِيفَةِ في الوُضوءِ، قِياسًا على الجَنابَةِ.
ونَحوه قولُ سعيدِ بنِ جُبَيرٍ.
وقولُ الجمهورِ أوْلَى.
والفَرْقُ بينَ الوُضوءِ والغُسْلِ، أنَّ غَسْلَ باطِنِ الشَّعَرِ الكَثِيفِ، يَشُقُّ في الوُضُوءِ؛ لتَكَرُّرِه، بخِلافِ الغُسْلِ.
فإن كان بعضُ الشَّعَرِ كَثِيفًا، وبَعْضُه خَفِيفًا، وَجَب غَسْلُ بَشَرَةِ الخَفِيفِ معه، وظاهِرِ الكَثِيفِ.
وجميعُ شُعُورِ الوَجْه

جارٍ التحميل