الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 578-36

كِتَابُ الطَّلَاقِ

صفحات 578-36

وإنْ قَال: مَنْ أخْبَرَتْنِي بِقُدُومِهِ فَهِيَ طَالِق.
فَكَذَلِكَ عِنْدَ الْقَاضِي.
وَعِنْدَ أبِي الْخَطَّابِ تَطْلُقَانِ.
فإن كانتِ الثانيةُ هي الصادقةَ، طَلقَتْ وحدَها؛ لأن السُّرورَ إنَّما حصَل بخَبَرِها، هذا إذا أخْبَرَتْه إحْدَاهما بعدَ الأخْرَى، وإن بَشرَه بذلك اثْنَتانِ، أو ثلاث، أو أرْبعٌ دَفْعةً واحدةً، طَلُقْنِ كُلهنَّ؛ لأنَّ «مَنْ» تَقَعَ على الواحدَةِ (1) فما زادَ، قال الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ خَيرًا يَرَهُ (7) وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَال ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ (8)﴾ (2). وقال: ﴿وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَينِ﴾ (3).

3615 -

مسألة: (وإنْ قَال: مَنْ أخْبَرَتْنِي بِقُدُومِه فَهِيَ طالق. فكذلك عندَ القاضي)

تَطْلُقُ المُخْبرَةُ الأولَى إن كانتِ صادِقةً، وإن كانت كاذبةً، احْتَمَلَ أن 4 تَطْلُقَ؛ [لأَن الخبرَ ما يدخلُه الصدْقُ والكَذِبُ.
اخْتَاره أبو الخَطابِ.
ويَحْتَملُ أن لا تَطْلُقَ] 5. وهو ظاهرُ كلامِ123

..................................  القاضي، لأنَّ الظَّاهِرَ مِن حالِه أنَّه أرادَ: مَن أعْلَمَتْنِي.
ولا يحْصُلُ إلَّا بالصِّدْق، ولذلك لو قال: مَن بَشَّرَتْنِي بقُدومِه فهي طالق.
لم تَطْلُقِ الكاذِبَةُ، وإن كان السُّرورُ يحْصُلُ [به عندَه] 1 إذا جَهِل كَذِبهَا.
وإن أخْبَرَتْه أخْرَى، طَلُقَتْ في قولِ أبي الخَطَّابِ؛ لأنها مُخْبِرَة، ولم تَطْلُقْ عندَ القاضي الثاثيةُ ولا الكاذبةُ، كالبِشارةِ سواءً.
فصل: إذا قال: أولُ مَن يَقومُ مِنكُنَّ فهي طالق.
أو قال لِعَبيدِه: أوَّلُ مَن قَامَ مِنْكم فهو حُر.
فقامَ الكُلُّ دَفْعةً واحدةً، لم يَقَعْ طلاق ولا عِتْق، لأنَّه لا أولَ فيهم.
وإن قامَ واحد أو واحدة، ولم يَقُمْ بعدَه أحدٌ، احْتَمَلَ وَجْهَينِ، أحدُهما، يقَعُ الطَّلاق أو العِتْقُ؛ لأن الأوَّلَ [ما لم يَسْبقْه شيء، وهذا كذلك.
والثاني، لا يَقَعُ طلاق ولا عِتْق؛ لأنَّ الأوَّل] 2 ما كان بعدَه شيء، ولم يُوجَدْ.
فعلى هذا، لا يُحْكَم بوُقوعِ ذلك ولا انْتفائِه، حتى يَيئَسَ مِن قيامِ أحدٍ منهم بعدَه، فَتَنْحَل يَمِينُه.
وإن قامَ اثْنانِ أو ثلاثة دَفْعَةً واحدةً، وقامَ بعدَهم آخَرُ، وَقَعَ الطَّلاقُ والعِتْقُ بمَنْ قامَ في الأوَّلِ؛ لوُقُوعِه على القَليلِ والكثيرِ، قال اللهُ

..................................  تعالى: ﴿وَلَا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ﴾ 1. وحُكِيَ عن القاضي في مَن قال: أوَّل مَنْ يَدْخُلُ مِن عَبيدِي فهو حُر.
فدخلَ اثْنانِ دَفْعةً واحدةً، ثم دخلَ بعدَهم آخَرُ، لم يَعْتِقْ واحد منهم.
وهذا بعيدٌ؛ فإنَّه قد دخلَ بعضُهم بعدَ بعض، ولا أوَّلَ فيهم، وهذا لا يَسْتقيمُ إلَّا أن يَكونَ قال: أوَّلُ مَن يَدخلُ منكم وَحْدَه.
ولم يَدخلْ بعدَ الثَّالثِ أحدٌ، فإنَّه لو دخل بعدَ الثَّالثِ أحدٌ، عَتَقَ الثالثُ 2، لكَوْنِه أوَّلَ مَنْ دخَلَ وحدَه، وإذا لم يَقُلْ: وحدَه.
فإنَّ لفظَةَ الأوَّلِ تَتَناولُ الجماعةَ كما ذَكَرْنا، وقد قال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «أوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فُقَرَاءُ المُهَاجِرِينَ» 3. ولو قال: آخِرُ مَن يدْخلُ مِنكُنَّ الدَّارَ فهي طالق.
فدخلَ بعضُهُنَّ، لم يُحْكَمْ بطلاقِ

..................................  واحدةٍ مِنْهُنَّ حتى يُيئَسَ مِن دُخولِ غيرِها بمَوْتِه، أو مَوْتِهنَّ، أو غيرِ ذلك، فيَتَبَيَّنُ وُقوعُ الطلاقِ بآخرِهنَّ دُخولًا مِن حينَ دخلتْ، وكذلك الحُكْمُ في العِتْقِ.
فصل: إذا قال: إنْ دخلَ دارِي أحد فامْرَأتِي طالق.
فدَخَلَها هو.
أو قال لإنسانٍ: إن دخَلَ دَارَك أحد فعَبْدِي حُر.
فدَخَلَها صاحِبُها، فقال القاضِي: لا يَحْنَثُ؛ لأن قرِينَةَ حالِ المُتَكَلِّمِ تدُلُّ على أنَّه إنَّما حَلَفَ على غيرِه، وتَمْنَعُ مَنْ سِوَاهُ، فيخْرُجُ هو مِن العُمُوم بالقَرينةِ، ويَخْرُجُ المُخاطَبُ مِن اليمينِ بها 1 أيضًا.
ويَحْتَمِلُ الحِنْثَ أخَذًا بعُمُومِ اللَّفْظِ، وإعْراضًا عن السَّبَبِ.

وَإن حَلَفَ لَا يفعَلُ شَيئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا، حَنِثَ فِي الطَّلَاقِ وَالْعَتَاقِ، وَلَمْ يَحْنَثْ فِي الْيَمِينِ الْمُكَفَّرَةِ، فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ.

3616 - مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لا يَفْعَلُ شَيئًا، فَفَعَلَهُ نَاسِيًا، حَنِثَ فِي الطلاقِ والْعَتَاقِ، ولم يَحْنَثْ فِي اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ، فِي ظَاهِرِ المَذْهَبِ)

نَقَلَ ذلك عن أحمدَ جماعة.
واخْتارَه الخَلَّالُ وصاحِبُه.
وهو قولُ أبي عُبَيدٍ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أخْرَى، أنه لا يَحْنَثُ في الطَّلاقٍ والْعَتاقِ أيضًا.
وهذا قولُ عطاءٍ، وعَمْرِو بنِ دِينار، وابنِ أبي نجِيحٍ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وهو ظاهِرُ مذهبِ الشافعيِّ؛ لقولِ الله تعالى: ﴿وَلَيسَ عَلَيكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ 1. وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ تَجَاوَزَ لأمَّتِي عنِ الخَطَأَ وَالنِّسْيَانِ وَمَا اسْتُكْرِهُوا عَلَيهِ» 2. ولأنه غيرُ قاصدٍ للمُخالفَةِ، فلم يَحْنَثْ، كالنائمِ والمجْنونِ.
ولأنه أحَدُ طَرَفَيِ اليَمِين، فاعْتُبِرَ فيه القَصْدُ، كحالةِ الابتداءِ بها (وعن أحمدَ) رِوايَة ثالثة، أَنَّه (يَحْنَثُ في

وَعَنْهُ، لَا يَحْنَثُ فِي الْجَمِيعِ.
الجميعِ) وتَلْزَمه الكَفَّارَةُ في اليَمِينِ المُكَفَّرَةِ.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَير، ومُجاهِدٍ، والزُّهْرِيِّ، وقَتادَةَ، ورَبِيعَةَ، ومالكٍ، [وأصحابِ الرَّأي] 1، والقولُ الثَّانِي للشافعيِّ؛ لأنَّه فَعَلَ ما حَلَفَ عليه قاصِدًا لِفعْلِه، فَلَزِمَه الحِنْثُ، كالذَّاكِرِ، وكما لو كانت اليَمِينُ بالطَّلاقِ والْعَتاقِ.
ووَجْهُ الأولَى، أنَّ الكَفَّارَةَ إنَّمَا تجبُ لرَفْعِ الإِثْمِ، ولا إثْمَ على النّاسِي، ولِما ذَكَرْنا مِن الآيةِ والخَبَرِ.
وأما الطَّلاقُ والعَتاقُ، فهو مُعَلَّق بشَرْطٍ، فيَقَعُ بوُجودِ شَرْطِه مِن غيرِ قَصْدٍ، كما لو قال: أنت طالق إن طَلَعَت الشَّمسُ، أو قَدِمَ الحاجُّ.
ولأنَّ هذا يَتَعَلقُ به حَقُّ آدَمِي، فتَعَلَّقَ الحُكْمُ به مع النِّسْيانِ، كالإتْلافِ.

وَإنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ عَلَى فُلَانٍ بَيتًا، أوْ لَا يُكَلِّمُهُ، أوْ لَا يُسَلِّمُ عَلَيهِ، أَوْ لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقْضِيَهُ حَقَّهُ، فَدَخَلَ بَيتًا هُوَ فِيهِ وَلَمْ يَعْلَمْ، أوْ سَلَّمَ عَلَى قَوْمٍ هُوَ فِيهِمْ وَلَمْ يَعْلَمْ، أوْ قَضَاهُ حَقَّهُ فَفَارَقَهُ، فَخَرجَ رَدِيًّا، أوْ أحَالهُ بِحَقِّهِ فَفَارَقَهُ، ظَنًّا مِنْهُ أنَّهُ قَدْ بَرَّ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ فِي النَّاسِي وَالْجَاهِلِ.

3617 - مسألة: (وإنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ على فُلَانٍ بَيتًا، أو لا يُكَلِّمُهُ، أو لَا يُسَلِّمُ عليه، أو لَا يُفَارِقُهُ حَتَّى يَقضِيَهُ حَقَّهُ، فَدَخَلَ بَيتًا هو فِيهِ ولم يَعْلَمْ، أو سَلَّمَ عَلَى قَوْم هو فِيهم ولم يَعْلَمْ، أو قَضَاهُ حَقَّهُ فَفَارَقَهُ، فَخَرَجَ رَدِيًّا، أو أحَالهُ به فَفَارَقَهُ ظَنًّا مِنْهُ أنَّهُ قَدْ بَرَّ 1، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ فِي النَّاسِي والجَاهِلِ) فَإنَّ فِي النَّاسي رِوَايَتَينِ، وَالجَاهِلُ مَقِيس عليهِ؛ لأنَّه غيرُ قاصدٍ للمُخالفُةِ، وقد سَبَقَ دليلُ ذلك.
وكذلك إن حَلَفَ لا يُكَلِّمُ فُلانًا، فسَلَّمَ عليه يحْسَبُه أجْنَبِيًّا، أو حَلَفَ لا يَبِيع 2

..................................  لزيدٍ ثَوْبًا، فوَكَّلَ زيد مَن يدْفَعُه إلى مَنْ يَبِيعُه، فدَفَعَه إلى الحالِفِ، فباعَه

..................................  مِن غيرِ عِلْمِه، فهو كالناسِي؛ لأنَّه غيرُ قاصدٍ للمُخالفَةِ، أشْبَهَ النَّاسِيَ.

وَإن حَلَفَ لَا يَفْعَلُ شَيئًا، فَفَعَلَ بَعْضَهُ، لَمْ يَحْنَثْ.
وَعَنْهُ، يَحْنَثُ، إِلا أنْ يَنْويَ جَمِيعَهُ.

3618 - مسألة: (وإن حَلَفَ لا يَفْعَلُ شَيئًا، ففَعَلَ بَعْضَه، لم يحْنَثْ. وعنه، يَحْنَثُ، إلَّا أنْ يَنْويَ جَمِيعَهُ)

هذه الرِّوايةُ ظاهِر المذهب.
نصَّ أحمدُ على ذلك، في رِوايةِ حَنْبَلٍ، وصالحٍ، في مَن حَلَفَ على امْرأتِه لا تدْخُلُ بَيتَ أخْتِها: لم تَطْلُقْ حتى تَدْخُلَ كلها، ألَا تَرَى أنَّ عَوْفَ بنَ مالك، قال: كُلِّي أو بَعْضِي 1؛ لأن الكُلَّ لا يكونُ بعْضًا، والبعضَ لا يكونُ كُلا.
وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ، ومذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعي؛ لأنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يُخْرِجُ رأسَه وهو مُعْتَكِف إلى عائشةَ،

..................................  فتُرَجِّلُه وهي حائِض 1. والمُعْتَكِفُ مَمْنوع مِن الخُروج مِن المسْجِدِ، والحائِضُ مَمْنُوعَة مِن اللُّبْثِ فيه.
ورُوِيَ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنه قال لأبَيِّ بنِ كَعْبٍ: «إنِّي لَا أخْرُجُ مِنَ المَسْجِدِ حَتي أعَلِّمَكَ سُورَة» 2. فلَمَّا أخْرَجَ رِجْلَه مِن المسْجِدِ عَلَّمَه إيَّاها.
ولأن يَمِينَه تعَلَّقَتْ بالجميعِ، فلم تَنْحَلَّ بالبَعْضِ، كالإثْباتِ.
وعنه، أنه يَحْنَثُ، إلَّا أنْ يَنْويَ جَمِيعَه.
حُكِيَ ذلك عن مالك.
وهو اخْتِيارُ الخِرَقِيِّ؛ لأن اليَمِينَ تَقْتَضِي المَنْعَ مِن 3 فِعْلِ المحْلُوفِ عليه، فاقْتَضَتِ المنْعَ مِن فِعْلِ شيءٍ منه، كالنَّهْي، ونظيرُ الحَلِفِ على تَرْكِ الشيءِ قولُه سبحانه: ﴿لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيرَ بُيُوتِكُمْ﴾ 4. وقولُه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ 5. لا يكونُ المَنْهِيُّ 6 مُمْتَثِلًا إلا بتَرْكِ الدُّخولِ كلِّه، فمتى أدْخلَ بعضَه، لم يَكنْ تاركًا لِما حَلَفَ عليه، فكان مُخالِفًا، كالنَّهْيِ عن الدُّخولِ.

وَإنْ حَلَفَ لَيَفْعَلَنَّهُ، لَمْ يَبَرَّ حَتَّى يَفْعَلَ جَمِيعَهُ.
وَإذَا حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارًا، فَأدخَلَهَا بَعْض جَسَدِهِ، أو دَخَلَ طَاقَ  والخِلافُ إنَّما هو في اليَمِينِ المُطْلَقَةِ، فأمَّا إن نَوَى الجميعَ أو البَعْضَ، فَيمِينُه على ما نَوَى.
وكذلك إنِ اقْتَرَنَتْ به قَرِينَة تَقْتَضِي أحدَ الأمْرَينِ، تَعَلَّقَتْ يَمِينُه به، كمَنْ حَلَفَ لا شَرِبْتُ هذا النَّهْرَ، أو هذه البِرْكَةَ.
تَعَلَّقَتْ يَمِينُه ببَعْضِه، وَجْهًا واحدًا.
وفيه خِلاف نذْكُرُه في موْضِعِه بعدُ.

3619 -

مسألة: وإنْ حَلَف لَيَفْعَلَنَّ شَيئًا، أوْ ليَدْخُلَنَّ الدَّارَ، لم يَبْرأ إلَّا بفِعْلِ جَميعِهِ، والدخُولِ إلَى الدَّارِ بجُمْلَتِهِ.

لا يخْتَلِفُ المذهبُ في ذلك، ولا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه اخْتِلافًا؛ لأنَّ اليَمِينَ تَناوَلَتْ فِعْلَ الجميعِ، فلم يَبْرأ إلَّا بفِعْلِه، كما لو أمَرَه اللهُ تعالى بفِعْلِ شيءٍ، لم يَخْرُجْ مِن عُهْدَةِ الأمْرِ إلّا بفِعْلِ الجميعِ؛ لأنَّ اليَمِينَ عَلَى فعلِ شيءٍ إخْبار بفِعْلِه في المُسْتَقْبَلِ مُؤَكَّدٌ بالقَسَمِ، والخبَرُ بفِعْلِ شيءٍ يَقْتَضي فِعْلَه كُلَّه.
3620 -

مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لا يَدْخُلُ دَارًا، فَأدْخَلَهَا بَعْضَ

الْبَابِ، أو لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا مِنْ غَزْلِهَا، فَلَبِسَ ثَوْبًا فِيهِ مِنْهُ، أوْ لَا يَضْرَبُ مَاءَ هَذَا الإنَاءِ، فَضَرِبَ بَعْضَهُ، خُرِّجَ عَلَى الرِّوَايَتَينِ.
جَسَدِهِ، أو دَخَلَ طاقَ الْبَابِ، أو لا يَلْبَسُ ثَوبًا مِن غَزْلِها، فلبس ثَوْبًا فيه منه، أو لا يَضْرَبُ ماءَ هذا الكُوزِ، فضرِبَ بعْضَه، خُرِّج على الرِّوايَتَينِ) في 1 فِعْلِ بعضِ المحْلوفِ عليه، وقد ذَكَرْناه قبلَ هذه المسألةِ.

وَإِنْ حَلَفَ لَا يَشْرَبُ ماءَ هَذَا النَّهْرِ، فَضَرِبَ مِنْهُ، حَنِث.

3621 - مسألة: (وإن حَلَفَ لا يَشْرَبُ مَاءَ هذا النَّهْرِ، فَشَرِبَ مِنه، حَنِثَ)

وَجْهًا وَاحِدًا؛ لأنَّ فِعْلَ الجميعِ مُمْتَنِعٌ، فلا تَنْصرِفُ يَمِينه إليه، وكذلك إن قال: واللهِ لا آكُلُ الخُبْزَ، ولا أشْرَث الماءَ.
وما أشْبَهَهُ ممّا علَّقَ على اسْمِ جِنْس، أو عَلَّقَه على اسمِ جَمْعٍ؛ كالمُسْلِمِين، والمشْرِكين، والفُقَراءِ، والمساكينِ، فإنَّه يَحْنَثُ بالبَعْضِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، وسَلَّمَه أصحاب الشافعيِّ في اسْمِ الجِنْسِ دُونَ الجَمْعِ.
وسواءٌ عَلقه على اسْمِ جِنْس مُضافٍ، كقولِه: واللهِ لا شَرِبْتُ ماءَ هذا النَّهْرِ.
أو قال: والله لِا شَرِبْتُ الماءَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، وأحدُ الوَجْهَينِ لأصْحابِ الشافعيِّ.
والوَجْه الآخر، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ لَفْظَه يَقْتَضِي جَمِيعَه، فلم يَحْنَثْ بفِعْلِ بَعْضِه، كالإدَاوَةِ.
ولَنا، أنَّه لا 1 يمْكِن شُرْبُ جَمِيعِه، فتَعلَّقَتْ يَمِينه ببَعْضِه، كما لو حَلَفَ لا يكَلِّمُ النَّاسَ، فكَلَّمَ بعْضَهم، وبهذا فارَقَ ماءَ الإدَاوَةِ.
فإن نَوَى بيَمِينه فِعْلَ الجميعِ، أو 2 كان في لَفْظِه ما يَقْتَضِي ذلك، لم يَحْنَثْ إلَّا بفِعْلِ الجميعِ، بلا خِلافٍ، فلو قال: لا صُمْت يومًا.
أو: لا صَلَّيتُ صلاةً.
أو: لا أَكَلْتُ رَغِيفًا.
أو قال لزَوْجَتِه: إن حِضْتِ حَيضَةً.
فهذا وشِبْهُه ممَّا يدل على إرادَةِ

..................................  الجميعِ، فوجبَ تَعَلُّقُ اليَمِينِ به.
فصل: إذا حَلَف: لا شَرِبْتُ مِن ماءِ الفُراتِ.
فشَرِبَ مِن مائِه، حَنِثَ، سواءٌ كَرَعَ 1 فيه، أو اغْتَرَفَ منه ثم شَرِبَه.
وبه قال الشافعيُّ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَحْنَثُ حتى يَكْرَعَ فيه؛ لأنَّ حَقِيقة ذلك الكَرْعُ، فلم يَحْنَث بغَيرِه، كما لو حَلَفَ لا يَشْرَبُ مِن هذا الإِنَاءِ، فصَبّ منه في غيرِه وشَرِبَ.
ولَنا، أنَّ مَعْنى يَمِينه أن لا يَشْرَبَ مِن ماءِ الفُراتِ؛ لأنَّ الشرْبَ يكونُ مِن مائِها لا منها في العُرفِ 2، فحُمِلَتِ اليَمِينُ عليه، كما لو حَلَفَ: لا شَرِبْتُ مِن هذا البِئْرِ، ولا أكَلْتُ مِن هذه الشَّجرَةِ، ولا شَرِبْتُ مِن هذه الشَّاةِ.
ويُفارِقُ الكُوزَ؛ فإنَّ الشُّرْبَ في العُرْفِ (2) منه؛ لأَنه آلة للشرْب، بخلافِ النَّهْرِ، وما ذَكَرُوه يَبْطُلُ بالبِئْرِ والشاةِ والشجَرةِ، وقد سَلَّمُوا أَنه لو اسْتَقَى 3 مِن البِئْرِ، أو حَلَبَ لبنَ الشَّاةِ، أو الْتَقَطَ مِن الشَّجَرَةِ، فشَرِبَ وأكَلَ، أَنه يَحْنَثُ، فكذا في مسْألتِنا.
فصل: وإن حَلَفَ لا يَشْرَبُ مِن ماءِ الفُراتِ، فشَرِبَ مِن نَهْر يَأخُذُ منه، حَنثَ؛ لأنه مِن ماءِ الفُراتِ.
وإن حَلَفَ لا يَشْرَبُ مِن الفُراتِ، فشَرِبَ مِن نَهْر يأخُذُ منه، ففيه وَجْهانِ؛ أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأن مَعْنَى

وَإنْ حَلَفَ لَا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيد أو نَسَجَهُ، أوْ لَا يَأكلُ طَعَامًا طَبَخَهُ زَيد، فَلَبِس ثَوبًا نَسَجَهُ هُوَ وَغَيرُهُ، أو اشْتَرَيَاهُ، أوْ أكَلَ مِنْ طَعَام طَبَخَاهُ، فَعَلَى رِوَايَتَينِ.
الشُّرْب منه الشُّرْبُ مِن مائِه، فحَنِثَ، كما لو حَلَفَ: لا شَرِبْتُ مِن مائِه.
وهذا أحدُ الاحْتِمالينِ لأصْحابِ الشافعيِّ.
والثاني، لا يَحْنَثُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ وأصْحابِه، إلَّا أبا يوسفَ، فإنَّ عنه رِوايَةً، أنَّه يَحْنَثُ.
وإنَّما قُلْنا: إنَّه لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ ما أخَذَه النَّهْرُ يُضافُ إلى ذلك النَّهْرِ، لا إلى الفُراتِ، ويَزُولُ بإضافَتِه إِليه عن إضافَتِه إلى الفُراتِ، فلا يَحْنَثُ به، كغيرِ الفُراتِ.

3622 -

مسألة: (وإنْ حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَرَاهُ زَيدٌ أو نَسَجَه، أو لا يَأكلُ طَعَامًا طَبَخَهُ، فَلَبِسَ ثَوْبَّا نَسَجَهُ هُوَ وَغَيرُه، أو اشْتَرَيَاهُ، أو أكَلَ طَعَامًا طَبَخَاه، فَعَلَى رِوَايَتَينِ)

إحْدَاهما، يَحْنَثُ، كما لو حَلَفَ لا يَلْبَسُ مِن غَزْلِ فُلانَةَ، فلَبِسَ ثَوْبَّا مِن غَزْلِها [وغَزْلِ غيرِها.
والثَّانيةُ، لا يَحْنَثُ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّه لم يَلْبَسْ ثوبًا كامِلًا] 1. وكذلك إن حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبَّا نَسَجَه زيدٌ، ولا يَأكُلُ من قِدْر طَبَخَها، ولا يَدْخُلُ دارًا اشْتَرَاها، ولا يَلْبَسُ ثوبًا خَاطَه زيد، فَفَعَلَ ذلك هو وغيرُه،

..................................  فلَبِسَ الثوْبَ، أو دَخَلَ الدَّارَ، أو أكَلَ مِن الطَّعامِ، ففي هذا كلِّه من الخِلافِ ما ذَكَرْنا في مَن حَلَفَ لا يفْعَلُ شيئًا فَفَعَلَ بعْضَه.
فأمَّا إن حَلَفَ أن لا يَلْبَسَ ممَّا خاطَه زيدٌ، فإنَّه يَحْنَثُ بلُبْسِ ثَوْبٍ خَاطَاه جميعًا؛ لأنَّه لبِسَ ممَّا خاطَه زيدٌ، بخلافِ ما إذا قال: ثَوْبًا خَاطَه زيد.
وإن حَلَفَ لا يَدْخُلُ دارًا لزيدٍ، فدَخَلَ دارًا له ولغيرِه، خُرِّجَ فيه وَجْهان؛ بِناءً على ما ذَكَرنا.
فصل: وإنْ حَلَفَ لا يَأكلُ طَعَامًا اشْتَرَاهُ زَيدٌ، فَأكَلَ طَعَامًا اشْتَرَاه هو وغيرُهُ، حَنِثَ، إلَّا أنْ يَكُونَ أرَادَ أنْ لا يَنْفَرِدَ أحَدُهما بِالشِّرَاءِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، ومالك.
وقال الشافعيُّ: لا يَحْنَثُ.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ فيه احْتِمالًا 1؛ لأنَّ كُلَّ جُزْءٍ لم يَنْفَرِدْ أحَدُهما بشرائِه، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَفَ لا يَلْبَسُ ثَوْبًا اشْتَراه زيدٌ، فلبِسَ ثوبًا اشْتَراه هو وغَيرُه.
ولَنا، أنَّ زيدًا اشْتَرَى نِصْفَه، وهو طَعام، وقد أكَلَه، فأشْبَهَ

وَإنِ اشْتَرَى غَيرُهُ شَيئًا فَخَلَطَهُ بِمَا اشْتَرَاهُ، فَأكلَ أكثَرَ مِمَّا اشْتَرَاهُ شَرِيكُهُ، حَنِثَ، وَإنْ أكلَ مِثْلَهُ، فَعَلَى وَجْهَينِ.
ما لو اشْتَرَاه زيدٌ وخَلَطَه بما اشْتَراه عَمْرٌو، فأكَلَ الجميعَ، فأمَّا الثَّوْبُ، فلا نُسَلِّمُه، وإنْ سَلَّمْناه، فالفَرْقُ بينَهما أنَّ نِصْفَ الثَّوْبِ ليس بثَوْبٍ، ونِصْفَ الطَّعامِ طعامٌ، وقد أكَلَه بعدَ أنِ اشْتَراه زيدٌ.
وإنِ اشْتَرَى زيدٌ نِصْفَه مُشاعًا، أو اشْتَرَى نِصْفَه، ثم اشْتَرَى آخَرُ باقِيَه، فأكَلَ منه، حَنِثَ.
والخِلافُ فيه على ما تَقَدَّمَ.
فأمَّا إنِ اشْتَرَى زيدٌ نِصْفَه مُعَينا، ثم خَلَطَه بالنِّصْفِ الآخَرِ، ثم أكلَ أكثَرَ مِن النِّصْفِ، حَنِثَ، وَجْهًا واحدًا، بغيرِ خلافٍ؛ لأنَّه أكلَ ممَّا اشْتَرَاه زيد يَقِينًا.
وإن أكلَ نِصْفَه، أو أقَلَّ مِن نِصْفِه، ففيه وَجْهانِ.
أحدُهما، يَحْنَثُ؛ لأنَّه يَسْتَحِيلُ في العادَةِ انْفِرادُ 1 ما اشْتَرَاه زيد مِن غيرِه، فيَكونُ الحِنْثُ ظاهِرًا.
والثاني، لا يَحْنَثُ؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الحِنْثِ، ولم يُتَيَقَّنْ.
وإن أكَلَ مِن طَعام اشْتَرَاه زيد، ثم باعَه، أو اشْتَرَاه لغيرِه، حَنِثَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَحْنَثَ.
وكلُّ مَوْضِع لا يَحْنَثُ، فحُكْمُه حُكْمُ ما لو حَلَفَ لا يَأكلُ تَمْرَةً، فوَقَعَتْ في تَمْر، فأكَلَ منه واحدةً، على ما سَنَذْكُرُه، إن شاءَ الله تَعالى.

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1416 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ التَّأويلَ فِي الْحَلِفِ

وَمَعْنَى التَّأويلِ أنْ يُرِيدَ بِلَفْظِهِ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرَهُ، فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ ظَالِمًا، لَمْ يَنْفَعْهُ تَأويلُهُ؛ لِقَوْلِ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ»، وإنْ لَمْ يَكُنْ ظَالِمًا فَلَهُ تَأويلُهُ.
بابُ التَّأويلَ في الحَلِفِ (ومَعْنَى التَّأويلِ أنْ يُرِيدَ بلَفْظِه ما يُخالِفُ ظاهِرَه، فإن كان الحالِفُ ظالِمًا، لم يَنْفعْه تَأويلُه؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بهِ صَاحِبُكَ» 1. وإن لم يَكُنْ ظالِمًا، فله تَأويلُه) نحوَ أنْ يَحْلِفَ أنه أَخِي، يُرِيدُ بذلك أخُوة في الإسْلام، أو يَعْنِي بالسقْفِ والبِناءِ السماءَ، وبالبِساطِ والفِرَاشِ الأرْضَ، وبالأَوْتادِ الجبال، وباللِّباسِ اللَّيلَ، أو يقولَ: ما رَأيتُ فُلانًا.
أي ما ضَرَبْتُ رِئَتَه 2. ولا ذَكَرْتُه.
أي ما

..................................  قَطَعْتُ ذَكَرَه.
أو يقولَ: جَوارِيَّ أحْرار.
يعني سُفُنَه 1. ونِسائِي طَوالِقُ.
يعني النساءَ الأقارِبَ منه، أو يقولَ: ما كَتَبْتُ فُلانًا، ولا عَرَفْتُه، ولا أعْلَمْتُه، ولا سَألتُه حاجَةً، ولا أكَلتُ له دَجاجَةً، ولا فَرُّوجةً، ولا شَرِبْتُ له ماءً، ولا في بَيتي فَرشٌ ولا حَصِير، ولا بارِية.
ويَعْني بالمكاتَبَةِ مكاتَبَةَ الرقِيقِ، وبالتَّعْريفِ جَعْلَه عَرِيفًا، وبالإعْلامِ جعْلَه أعْلَمَ الشفَةِ،

..................................  والحاجَةِ شَجَرَةً صَغِيرَةً، والدَّجاجةِ الكُبَّةَ من الغَزْلِ، والفَرُّوجةِ الدُّرَّاعَةَ 1، والفَرْشِ صِغارَ الابلِ، والحَصِيرِ الحَبسَ، والبارِيةِ السِّكِّينَ التي يُبرَى بها، أو يقولَ: واللهِ مَا أكَلْتُ من هذا شيئًا، ولا أخَذْتُ منه.
يعني الباقِيَ بعدَ أخْذِهِ وأكْلِه.
فهذا وأشْباهُه ممَّا يَسْبِقُ إلى فَهْمِ السَّامِعِ خِلافُه، إذا عَناه بيَمِينه، فهو تَأويل؛ لأنه خِلاف الظاهِرِ.
فصل: ولا يَخْلُو حالُ الحالِفِ المُتَأوِّلِ من ثلاثةِ أحْوال؛ أحدُها، أن يكونَ مَظْلُومًا، مثلَ أنْ يَسْتَحْلِفَه ظالم على شيءٍ، لو صَدَقَه لَظَلَمَه، أو ظَلَمَ غيرَه، أو نال مُسْلِمًا منه ضَرَر، فهذا له تَأويلُه.
قال مُهَنَّا: سألتُ أحمدَ عن رَجُلٍ له امْرَأتانِ، اسْمُ كلِّ واحدةٍ منهما فاطِمَةُ، فماتَتْ واحدةْ منهما، فحَلَفَ بطَلاقِ فاطِمَةَ، ونوَى التي ماتَت.
قال: إن كان المُسْتَحْلِفُ له ظالِمًا، فالنيةُ نِيَّةُ صاحب الطَّلاقِ، وإن كان المُطَلِّقُ هو الظالِمَ، فالنيةُ نِيَّةُ الذي اسْتَحْلَفَه.
ورَوَى أبو داودَ 2، بإسْنادِه، عن سوَيدِ بنِ حَنْظَلَةَ، قال: خَرَجْنَا نُرِيدُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ومَعَنا وائِلُ بنُ

..................................  حُجْر، فأخَذَه عَدُوٌّ له، فتَحَرَّجَ القومُ أن يَحْلِفُوا، فَحَلَفْتُ أنَّه أخِي، فخلَّى سَبِيلَه، فأتَينا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فذَكَرْنا ذلك له، فقال: «أنْتَ 1 كنتَ أصْدَقَهُمْ وَأبَرَّهُمْ، الْمُسْلِمُ أخُو الْمُسْلِمِ».
وقال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ فِي الْمَعَارِيضِ لَمَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ» 2 يعني سَعَةَ المَعارِيضِ التي يُوهِمُ بها السَّامعَ غيرَ ما عَناهُ.
قال محمدُ بنُ سِيرِينَ: الكلامُ أوْسَعُ مِن أنْ يَكْذِبَ ظَرِيفٌ.
يعني لا يَحْتاجُ أن يَكْذِبَ؛ لكَثْرَةِ الْمَعَارِيضِ، وخَصَّ الظرِيفَ بذلك، يعني به الكَيِّسَ الفَطِنَ، فإنَّه يَفْطِنُ للتَّأويلِ، فلا حاجَةَ به إلى الكذِبِ.
الوَجْهُ الثانِي، أن يكونَ الحالِفُ ظالِمًا، كالذي يَسْتَحْلِفُه الحاكِمُ على حَق عندَه، فهذا تَنْصَرِفُ يَمِينُه إلى ظاهِرِ الذي عَناهُ المُسْتَحْلِفُ، ولا يَنْفَعُ الحالِفَ تَأويلُه.
وبهذا قال الشافعي.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالفًا؛ فإنَّ أبا هُرَيرَةَ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -:

..................................  «يَمِينُكَ عَلَى مَا يُصَدِّقُكَ بِهِ صَاحِبُكَ».
روَاه مُسْلِم، [وأبو داودَ.
وعن أبي هريرةَ قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «الْيَمِينُ عَلَى نِيةِ الْمُسْتَحْلِفِ».
رَواه مسلم] 1. ولأنَّه لو ساغَ التَّأويلُ، لَبطلَ المعْنَى المُبْتَغَى باليَمِينِ، إذْ مقْصُودُها تَخْويفُ الحالِفِ ليَرْتَدِعَ عن الجُحود خَوْفا مِن عاقِبةِ اليَمِينِ الكاذِبَةِ، فمتى ساغَ التَّأويلُ له، انتَفَى ذلك، وصار التَّأويلُ وَسِيلَةً إلى جَحْدِ الحُقوقِ.
قال إبراهيمُ، في رجلٍ اسْتَحْلَفَه السُّلْطانُ على شيءٍ بالطَّلاقِ، فَوَرَّكَ 2 في يَمِينه إلى شيءٍ: أجْزَأ عنه، وإن كان ظالما، لم يُجْزِ عنه التأويلُ.
الحالُ الثَّالثُ، أن لا يكونَ ظالما ولا مَظْلومًا، فظاهِرُ كلامِ أحمدَ، أنَّ له تَأويلَه، فإنَّه رُوِيَ أنَّ مُهَنَّا كان عندَه، هو والمَرُّوذِي وجماعَةٌ، فجاءَ رجل يطْلُبُ المَرُّوذِيَّ، ولم يُرِدِ المَرُّوذِيُّ أن يُكَلِّمَه، فوَضَعَ مُهَنَّا إِصْبَعَه في كَفِّه، وقال: ليس المَرُّوذِي ههُنا، وما يَصْنَعُ المَرُّوذِيُّ ههُنا! يُريدُ: ليس المَرُّوذِيُّ في كَفه.
فلم يُنْكِرْه أبو عبدِ اللهِ.
ورُوِيَ أنَّ 3 مُهَنَّا قال: إنِّي أريدُ الخُروجَ -يعني السَّفَرَ إلى بلدِه- وأحِبُّ أن تُسْمِعَني الجُزْءَ الفُلانِي.

..................................  فأسْمَعَه إياه، ثم رآهُ بعدَ ذلك، فقال: ألم تَقُلْ إنك تُرِيدُ، الخُروجَ؟ فقال له مُهَنَّا: قلتُ لَكَ: إنِّي أريدُ الخُروجَ الآن! فلم يُنْكِرْ عليه.
وهو مذهبُ الشافعيِّ.
ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا أيضًا.
ورَوَى سعيد، عن جَرِير، عن المُغِيرَةِ، قال: كان إذا طَلَبَ إنْسان إبراهيمَ، ولم يُرِدْ إبْراهِيمُ أنْ يَلْقاهُ، خَرَجَتْ إليه الخادِمُ، فقالت: اطْلُبوه في المسْجدِ.
وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَمْزَحُ، ولا يقولُ إلا حَقًّا.
ومُزاحُه أنْ يُوهِمَ السًّامِعَ بكلامِه غيرَ ما عَناهُ، فقال لعَجُوزٍ: «لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَجُوز» 1. يعني أن الله يُنْشِئُهُنَّ أبْكَارًا 2 عرُبًا أتْرَابًا.
وقال أنس: إن رَجُلًا جاءَ إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسولَ اللهِ، احْمِلْنِي.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّا حَامِلُوكَ عَلَى وَلَدِ نَاقَةٍ».
فقال: وما أصْنَعُ بوَلَدِ النَّاقَةِ؟ قال: «وَهَلْ تَلِدُ الإبِلَ إلا النوقُ».
روَاه أبو داودَ 3. وقال لامْرأةٍ وقد ذَكَرَتْ له زَوْجَها: «أهُوَ الَّذِي في عَينه بَيَاض؟».
فقالتْ: يا رسولَ اللهِ، إنه لصَحِيحُ

..................................  العَينِ 1. وأرادَ النبي - صلى الله عليه وسلم - البَياض الذي حَوْلَ الحَدَقةِ.
وقال لرَجُل احْتَضَنَه مِن وَرائِه: «مَنْ يَشْتَرِي الْعَبْدَ؟» فقال: يا رسولَ اللهِ، تَجدُنِي إذا كاسِدًا.
قال: «لَكِنَّكَ عِنْدَ 2 اللهِ لَسْتَ بكَاسِدٍ» 3. وهذا كلُّه من التَّأويلِ والمَعاريضِ، وقد سَمَّاه النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حَقا، فقال: «لَا أقولُ إلا حَقا» 4. ورُوِيَ عن شُرَيح، أنه خرَجَ من عندِ زياب 5، وقد حَضَرَه الموتُ، فقيلَ له: كيف تَرَكْتَ الأمِيرَ؟ فقال: تَرَكْتُه يَأمُرُ وَيَنْهَى.
فلما مات قيلَ له: كيف قُلْتَ ذلك؟ فقال: تَرَكْتُه يَأمُرُ بالصبْرِ، ويَنْهَى عن البُكاءِ والجَزَعِ.
ويُرْوَى عن شَقِيق أنَّ رَجُلًا خَطَبَ امْرأةً، وتحيه أخْرَى، فقالوا: لا نُزَوِّجُك حتى تُطَلِّقَ امْرَأتَك.
فقال: اشْهَدُوا أنِّي قد طَلَّقْتُ ثلاثًا.
فَزَوَّجُوه.
فأقامَ 6 على امْرأتِه، فقالوا: قد طَلقْتَ ثلاثا.
قال: ألَمْ تَعْلَمُوا أنَّه كان لي ثلاثُ نِسْوةٍ فطَلَّقْتُهُنَّ؟ قالوا: بَلَى.
قال: قد طَلَّقْتُ ثلاثًا 7. قالوا: ما هذا أرَدْنا.
فذكَرَ ذلك شَقِيق لعُثْمانَ، فجعَلَها

فَإذَا أكَلَا تَمْرًا، فَحَلَفَ لتخْبِرِنِّي بِعَدَدِ ما أكَلْتُ.
أوْ: لتمَيِّزِنَّ نَوَى مَا أكَلْتُ  نِيَّتَه (1). ويُرْوَى عن الشَّعْبِيِّ أنه كان في مَجْلِس، فنَظَرَ إليه رَجُلٌ ظَن أنه طَلَبَ منه التعْرِيفَ به، والثناءَ عليه، فقال الشعْبِي: إن له بَيتا وشَرَفًا.
فقيلَ للشعْبِيِّ بعدَ ما ذَهَبَ الرَّجُلُ: أتَعْرفُه؟ قال: لا، ولكِنه نَظَرَ إلي.
قيلَ: فكيف أثْنَيتَ عليه؟ قال: شَرَفُه أذُناهُ، وبَيتُه الذي يَسْكُنُه.
ورُوِيَ أن رجُلًا أخِذَ علي شَرابٍ، فقيلَ له: مَنْ أنْتَ؟ فقال (2): أنا ابنُ الذي لا يَنْزِلُ الدَّهْرَ قِدْرُهُ … وإنْ نَزَلَتْ يومًا فسَوْفَ تَعُودُ تَرَى الناس أفْواجًا على بابِ دارِه … فمِنْهُم قِيامٌ حَوْلَها وقُعُودُ فظَنُّوه شَرِيفًا، فَخَلَّوْا سَبِيلَه، ثم سألوا عنه، فإذا هو ابنُ البَاقلاني.
وأخَذَ الخوارِجُ رافِضيًّا، فقالُوا له: تَبَرا من عثمانَ وعلي.
فقال: أنا مِن علي ومن عثمان برئٌ.
فهذا وشِبْهُه هو التأويلُ الذي لا يُعْذَرُ به الظالِمُ، ويَسُوغُ لغيرِه مَظْلومًا كان أو غيرَ مَظْلوم؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقولُ ذلك في المُزَاح من غيرِ حاجَةٍ إليه.

3623 -

مسألة: (فَإذَا أكَلَ تَمْرًا

3، فَحَلَفَ: لتُخْبِرِنِّي بعَدَدِ مَا12

فَإنَّهَا تُفْرِدُ كُلَّ نَوَاةٍ وَحْدَهَا، وَتَعُدُّ مِنْ وَاحِدٍ إِلَى عَدَدٍ يَتَحَقَّقُ دُخُولُ مَا أكَلَ فِيهِ.
أكَلت أو: لتمَيِّزِن نَوَى مَا أكلْتُ) ولَمْ تَعْلَمْ ذلك 1، فَإنَّها تَعُدُّ لَهُ عَدَدًا يُعْلَمُ أنَّه قَدْ 2 أتَى عَلَى عَدَدِ ذَلِكَ، مثلَ أن يُعْلَمَ أن عَددَ ذلك ما بينَ مائةٍ إلى ألفٍ، فتَعُدُّ ذلك كله، وكذلك إن قال: إنْ لم تُخبِريني بعَدَدِ حبِّ هذه الرُّمَّانةِ.
ولا يَحْنَثُ إذا كانت نِيته ذلك، وإنْ نَوَى الإخْبارَ بكِمِّيَّته مِن غيرِ نَقْص ولا زِيَادَةٍ، لم يَبْرأ إلا بذلك.
وإنْ أطْلَقَ، فقِياسُ المذهبِ أنَّه لا يَبْرأ إلا بذلك أيضًا؛ لأن ظاهِرَ حالِ الحالِفِ إرَادَتُهُ، فتَنْصَرِفُ يَمِينُه إليه، كالأسْماءِ العُرْفِيَّةِ التي تَنْصَرِفُ اليَمِينُ عليها إلى مُسَمَّاها [عُرْفًا، دُون مُسَماها] 3 حقيقةً (ولو أكَلَا تَمْرًا، فحَلَفَ لتُمَيِّزنَّ نَوَى ما أكلْتُ.
فأفْرَدَتْ كُلَّ نَواةٍ وَحْدَها) فالحُكْمُ فيها كالتي قبلَها.

وَإنْ حَلَفَ لَيَقْعُدَنَّ عَلَى بَارِيَّةٍ فِي بَيتهِ، وَلَا يُدْخِلُهُ بَارِيَّةً، فَإنَّهُ يُدْخِلُ قَصَبًا فَيَنْسِجُهُ فِيهِ.
وَإنْ حَلَفَ لَيَطْبُخَن قِدْرًا بِرَطْلِ مِلْح، وَيَأكُلُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ طَعْمَ الْمِلْحِ، فَإِنَّهُ يَسْلُقُ بِهِ بَيضًا.
وَإن حَلَفَ لَا يَأكُلُ بَيضًا وَلَا تُفَّاحًا، وَلَيَأكُلَنَّ مِمَّا فِي هَذَا الْوعَاءِ،

3624 - مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لَيَقْعُدَنَّ عَلَى بَارِيةٍ في بَيته، ولا يُدْخِلُه بَارِيَّةً، فإنَّه يُدْخِلُ قَصَبًا فَيَنْسِجُهُ فِيهِ)

فيَجْلِس عَليهَا فِي الْبَيتِ، فَلَا يَحْنَثُ؛ لأنه قد قعَد على بَارِيَّةٍ في بَيته، ولم يُدْخِلْه بَارِيَّةً، إنَّما أدْخَلَه قَصَبًا، وليس هو بَاريةً.
3625 -

مسألة: (وَانْ حَلَفَ لَيَطْبُخَنَّ قِدْرًا بِرَطْلِ مِلْحٍ، ويَأكلُ مِنْهُ فَلَا يَجِدُ طَعْمَ المِلْحِ، فَإنه يَسْلُقُ بِهِ بَيضًا)

وَيَأكُلُ مِنْهُ، ولا يَحْنَثُ؛ لأنَّ الصِّفَةَ وُجِدَتْ.
3626 -

مسألة: (وَإنْ حَلَفَ لا يَأكُلُ بَيضًا ولَا تُفَّاحًا، ولَيَأكُلَنُّ

فَوَجَدَهُ بَيضًا وَتُفَّاحًا، فَإنهُ يَعْمَلُ مِنَ الْبَيضِ نَاطِفًا، وَمِنَ التُّفَّاحِ شَرَابًا.
وَإنْ كَانَ عَلَى سُلَّمٍ، فَحَلَفَ لَا صَعِدْتُ إلَيكِ، وَلَا نَزَلْتُ إلَى هَذِهِ، وَلَا أقَمْتُ مَكَانِي سَاعَةً.
فَلْتَنْزِلِ الْعُلْيَا وَتَصْعَدِ السُّفْلَى، فَتَنْحَلُّ يَمِينُهُ.
مِمَّا في هذَا الوعَاء، فَوَجَدَ) فِيهِ (بَيضًا وَتُفَّاحًا، فَإَّنه يَعْمَلُ مِنَ البَيض نَاطِفًا (1)، ومِنَ التُّفاحِ شَرَابًا) ويَأكلُ مِنْهُ، وَلَا يَحْنَثُ؛ لأنَّ ذلك ليس ببَيض ولا تُفاح.

3627 -

مسألة: (وَإنْ كَانَ عَلَى سُلَّم، فَحَلَفَ)

لا نَزَلْتُ إلَيكِ، ولا صَعِدْتُ إلَى هذِهِ (وَلَا أقَمْتُ مَكَانِي سَاعَةً) يُريدُ إذا كان له امْرأتانِ؛ إحْدَاهُما في الغُرْفَةِ، والأخْرَى أسْفَل (فَلْتَنْزِلِ الْعُلْيَا، ولْتَصْعَدِ السُّفْلَى) ثُمَّ يَنْزِلُ إنْ شَاءَ أوْ يَصْعَدُ (فَتَنْحَل يَمِينُه) لأنَّ الصِّفَةَ لم توجَدْ.1

وإنْ حَلَفَ لَا أقَمْتُ عَلَيهِ، وَلَا نَزَلْتُ مِنْهُ، وَلَا صَعِدْتُ فِيهِ.
فَإنهُ يَنْتَقِلُ إلَى سُلم آخَرَ.
وإنْ حَلَفَ لَا أقمْتُ فِي هَذَا الْمَاءِ، وَلَا خَرَجْتُ مِنْهُ، فَإن كَانَ جَارِيًا لَمْ يَحْنَثْ، إذَا نَوَى ذَلِكَ المَاءَ بِعَينهِ.

3628 - مسألة: (وإنْ حَلَفَ لا أقَمْتُ عليهِ، ولا نَزَلْتُ مِنه، ولا صَعِدْتُ فِيهِ. فإنَّه يَنتقِلُ)

منه (إلى سُلم آخَرَ) وتَنْحَلُّ يَمِينُه؛ لأنه لم يَقُمْ عليه، ولا صَعِدَ فيه، ولا نَزَلَ منه، إنَّما نَزَلَ أو صَعِدَ من غيرِه.
3629 -

مسألة: (وإنْ حَلَفَ لا أقَمْتُ في هذا الماءِ، ولا خَرَجْتُ مِنه. وكَانَ المَاءُ جَارِيًا، لَمْ يَحْنَثْ)

لأن الماءَ المحْلُوفَ عليه جَرَى، وصارَ في غيرِه، فلم يَحْنَثْ، سواء أقامَ أو خَرَجَ؛ لأنَّه إنَّما يَقِفُ في غيرِه أو يَخْرُجُ منه، وهذا الذي ذكَرَه القاضي في «المُجَردِ».
وهو مذهبُ

وَإنْ كَانَ وَاقِفًا، حُمِلَ مِنْهُ مُكْرَهًا.
وإنِ استَحْلَفَهُ ظَالِم: مَا لِفُلَانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَة؟ وَكانَتْ لَهُ عِنْدَهُ وَدِيعَة، فَإِنَّهُ يَعْنِي بـ «مَا»: الَّذِي، وَيَبَرُّ فِي يَمِينهِ.
الشافعيِّ؛ لأنَّ الأيمانَ عندَهم تُبْنَى على اللّفْظِ، لا على القَصْدِ، وكذلك قالوا: لا يَحْنَثُ في هذه الأيمانِ السَّابقةِ كلها.
وقال القاضي في كتابٍ آخرَ: قِياسُ المذهبِ أنَّه يَحْنَثُ إلَّا أن يَنْويَ عَينَ الماءِ الذي هي فيه؛ لأن إطْلاقَ يَمِينه يَقْتَضِي خُروجَها من النَّهْرِ أو إقامَتَها فيه.

3630 -

مسألة: (وإن كان)

الماءُ (واقِفًا، حُمِلَ منه مُكْرَهًا) لِئلَّا يُنْسَبَ إليه فِعْل.
3631 -

مسألة: (وَإنِ اسْتَحْلَفَهُ ظَالِم: مَا لِفُلانٍ عِنْدَكَ وَدِيعَة؟ وكانتْ له عِنْدَهُ وَدِيعَة، فَإنَّهُ يَعْنِي بـ «ما»: الذي، وَيبرُّ فِي يَمِينه)

لأنَّه صَادِق.

وَإنْ حَلَفَ لَهُ مَا فُلَان ههنَا.
وَعَنَى مَوْضِعًا مُعَينًا بَرَّ فِي يَمِينهِ.

3632 - مسألة: (وَإنْ حَلَفَ ما فلان ههُنَا. وعَنَى مَوْضِعًا مُعَينًا، بَرَّ فِي يَمِينه)

لصِدْقِه في ذلك.
وقد ذَكرْنا ما روَاه مُهَنَّا، أنَّه كان هو والمَرُّوذِيُّ عندَ أحمدَ، فجاءَ رجل يطْلُبُ المَرُّوذِيَّ، ولم يُرِدِ المَرُّوذِيُّ أن يُكَلِّمَه، فوضَعَ مُهَنَّا إصْبَعَه في كَفِّه، وقال: ليس المَرُّوذِيُّ ههُنا.
يُرِيدُ ليس هو في كَفِّه، فلم يُنْكِرْه أبو عبدِ اللهِ.
3633 -

مسألة: ولو سَرَقتْ مِنه امْرَأتُهُ شَيئًا، فَحَلَفَ بالطَّلاقِ: لَتَصْدُقِنِّي أسَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا أمْ لا؟ وخَافَتْ أنْ تَصْدُقهُ، فإنَّها تَقُولُ: سَرَقتُ مِنْكَ ما سَرَقتُ منكَ.
[وتعنى بـ «ما»: الذي سرقت مِنك]

1. ولو اسْتَحْلَفَه ظالم: هَلْ رَأْيتَ فُلانًا أو لا؟ وكان قد رَآهُ، فإَّنه يَعْني بـ «رَأيتُ»: ما ضَرَبْت رِئَتَه 2.

وَإنْ حَلَفَ عَلَى امْرأتِهِ: لَا سَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا.
فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ، إلَّا أنْ يَنْويَ.

3634 - مسألة: (ولو حَلَفَ على امْرَأتِهِ: لا سَرَقْتِ مِنِّي شَيئًا. فَخَانَتْهُ فِي وَدِيعَتِهِ، لَمْ يَحْنَثْ)

لأنَّ الخِيانةَ لَيستْ بسرِقَة (إلَّا أن يَنْويَ) ذلك، فيَحْنَثُ.

..................................  فصل: ولو قال: إنْ كانتِ امرَأتِي في السُّوقِ فعَبْدِي حُر، وإن كان عَبْدِي في السُّوق فامْرَأتِي طالق.
وكانَا جَميعًا في السوق، فقِيلَ: يَعْتِقُ العَبْدُ ولا تَطْلُقُ المرْأةُ؛ لأَنه لمَّا حَنِثَ في اليَمِينِ الأولَى، عَتَقَ العَبْدُ، فلم يَبقَ له في السوق عَبْد.
ويَحْتَمِلُ أن يَحْنَثَ، بِناءً على قَوْلِنا في مَن حَلَفَ على مُعَين: تَعَلَّقَتِ اليَمِينُ بعَينه دُونَ صِفَتِه.
كما لو قال: إن كَلَّمْتِ عَبْدِي سعدًا فأنْتِ طالق.
ثم أعْتَقَه وكَلمَتْه، طَلُقَتْ، فكذلك ههُنا؛ لأنَّ يَمِينَه تَعَلقَتْ بعَبْدٍ مُعَيَّن.
وإن لم يُرِدْ عَبْدًا بعَينه، لم تَطْلُقِ المرأةُ؛ لأنه لم يَبْقَ له عَبْد في السوق.
ولو كان في فِيهَا تَمْرَة، فقال: أنتِ طَالق إن أكَلْتِها أو ألْقَيتهَا أو أمْسَكْتِهَا.
فأكلَتْ بعْضَها وألْقَتْ بعْضَها، لم يَحْنَثْ، إلَّا على قَوْلِ مَن قال: إنَّه يَحْنَثُ بفِعْلِ بعْضِ المحْلُوفِ عليه.
وإن نَوَى الجميعَ، لم يَحْنَثْ بحالٍ.

..................................  فصل: قال عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سَألتُ أبي عن رَجُل قال لامْرَأته: أنْتِ طالق إنْ لم أجَامِعْكِ اليومَ، وأنْتِ طالق إنِ اغْتَسَلْتُ منكِ اليومَ.
قال: يُصَلِّي العَصْرَ، ثم يُجامِعُها، فإذا غابَتِ الشَّمْسُ اغْتَسَلَ، إنْ لم يَكُنْ أرادَ بقَوْلِه: اغْتَسَلْتُ.
قبل 1 المُجَامَعَةِ.
وقال في رجل قال لامْرَأتِه: أنتِ طالق، إن لم أطَأكِ في رَمضانَ.
فسافَرَ مَسِيرةَ أرْبَعَةِ أيام أو ثَلاثةٍ، ثم وَطِئَها.
فقال: لا يُعْجِبُنِي؛ لأنَّها حِيلَة، ولا تُعْجِبُنِي الحِيلَةُ في هذا ولا

..................................  في غيرِه.
قال القاضي: إنَّما كَرِهَ أحمدُ هذا، لأنَّ السفَرَ الذي يُبيحُ الفِطْرَ السَّفَرُ المُبَاح المقْصُودُ، وهذا لا يُقْصَدُ به غيرُ حَلِّ اليَمِينِ.
والصَّحِيحُ أنَّ هذا تَنْحَل به اليَمِينُ، ويُبَاحُ به الفِطْرُ، لأنه سَفَر بَعِيد مُبَاح لِقَصْدٍ صَحِيح، فإن إرادةَ حَلِّ يَمِينه مِن المَقاصدِ الصحِيحةِ، وقد أبحْنا لمَن له طريقان، قصيرة لا يقْصُرُ فيها وبَعيدَة، أن يَسْلُكَ البَعِيدَةَ ليقْصُرَ فيها الصَّلاةَ ويُفْطِرَ، مع أنَّه لا قَصْدَ له سِوَى التَّرَخصِ، فههُنا أوْلَى.

بَابُ الشَّكِّ فِي الطَّلَاقِ

إِذَا شَكَّ هَلْ طَلَّقَ أوْ لَا، لَمْ تَطْلُقْ.
بابُ الشَّكِّ في الطلاقِ (إذا شَكَّ هل طَلَّقَ أو لا، لم تَطْلُقْ) وجملَةُ ذلك، أنَّ مَن شَكَّ في طَلاقِه، لم يَلْزَمْه حُكْمُه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي؛ لأنَّ النِّكاحَ ثابِتٌ بيَقِينٍ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ.
والأصلُ في هذا حديثُ عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه سُئِلَ عن الرَّجُلِ يُخَيَّلُ إليه أنَّه يَجِدُ الشَّيءَ في الصَّلاةِ، فقال: «لَا يَنْصَرِف حتى يَسْمَعَ صَوْتًا أو يَجِدَ رِيحًا».
مُتَّفَقٌ عليه 1. فأمَرَه بالبِناءِ على اليَقِينِ واطِّراحِ

..................................  الشَّكِّ.
ولأنَّه شَكٌ طَرَأ على يَقِينٍ، فوَجَبَ اطِّرَاحُه، كما لو شَكَّ المُتَطَهِّرُ في الحَدَثِ.
قال شيخُنا 1: والوَرَعُ الْتِزامُ الطَّلاقِ، فإن كان المَشْكُوكُ فيه طلاقًا رَجْعِيًّا، راجَعَ امْرأتَه إن كانت مَدْخُولًا بها، أو جَدَّدَ نِكاحَها إن كانت غيرَ مَدْخولٍ بها، أو 2 قد انْقَضَتْ عِدَّتُها.
وإن شكَّ في طَلاقِ ثلاثٍ، طَلَّقَها واحدةً، وتَرَكَها؛ لأنَّه إذا لم يُطَلِّقْها فيَقِينُ نِكاحِه باقٍ، فلا تَحِلّ لغيرِه.
وحُكِيَ عن شَرِيكٍ، أنَّه إذا شكَّ في طلاقِه، طلَّقَها واحدةً، ثم راجَعَها؟ لتَكُونَ الرَّجْعَةُ عن طَلْقَةٍ، فتكونَ صَحِيحَةً في الحُكْمِ.
وليس بشيءٍ؛ لأنَّ التَّلَفُّظَ بالرَّجْعَةِ مُمْكِنٌ مع الشَّكِّ في الطَّلاقِ، ولا يَفْتَقِرُ إلى ما تَفْتَقِرُ إليه العِباداتُ مِن النيةِ، ولأنَّه لو شَكَّ في طَلْقَتَينِ، فطَلَّقَ واحدةً، لصار شاكًّا في تَحْرِيمِها عليه، فلا تُفِيدُه الرَّجْعَة.

جارٍ التحميل