وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا اثْنَتَيْنِ إِلَّا وَاحِدَةً.
فَهَلْ تَطْلُقُ ثَلَاثًا أَوِ اثْنَتَيْنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ،
الاسْتِثْناءُ ويقَعُ طَلْقتانِ.
وعلى قولِ القاضى، يَنْبَغِى أن لا يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ، ويقَعُ ثلاثٌ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ يَرْجِعُ إلى الثَّلاثِ، فيكونُ اسْتِثْناءَ الأكثرِ.
3506 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا اثْنَتَيْنِ إلَّا واحدةً. فهل تَطْلُقُ ثلاثًا أو اثْنَتَيْن؟ على وَجْهَيْنِ)
وجملةُ ذلك، أنَّ الاسْتِثْناءَ مِن الاسْتِثْناءِ لا يَصِحُّ منه في الطَّلاقِ إلَّا هذه المسألةُ، فإنَّه يَصِحُّ إذا أجَزْنا اسْتِثْناءَ النِّصْفِ، فيقَعُ به طَلْقتانِ.
فإن قِيلَ: فكيف أجَزْتُم اسْتِثْناءَ الثِّنْتَيْنِ مِن الثَّلاثِ، وهى أكْثَرُها 1؟ قُلْنا: لأنَّه لم يَسْكُتْ
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ ثَلَاثًا إِلَّا ثَلاثًا إِلَّا وَاحِدَةً.
عَليْها، بل وصَلَها بأنِ اسْتَثْنَى منها (1) طَلْقةً، فصارتا (2) عبارةً عن واحدةٍ (3). وإن قُلْنا: لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ النِّصْفِ.
وقعَ الثَّلاثُ.
3507 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ طَالقٌ ثلاثًا إلَّا ثَلاثًا إلَّا واحدةً)
لم يَصِحَّ، ووَقَع ثلاثٌ؛ لأنَّه إذا اسْتَثْنَى واحدةً مِن ثلاثٍ، بَقِىَ اثْنَتانِ، لا يَصِحُّ اسْتِثْناؤُهما مِن الثَّلاثِ الأُولَى، فيَقَعُ الثَّلاثُ.
وذكرَ أبو الخَطَّابِ فيها وَجْهًا آخَرَ، أنَّه يَصِحُّ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ الأوَّلَ يَلْغُو، لكَوْنِه اسْتَثْنَى الجميعَ، فيَرْجِعُ قولُه: إلَّا واحدةً.
إلى الثَّلاثِ المُثْبَتَةِ، فيَقَعُ منها طَلْقتانِ.
والأَوَّلُ أوْلَى؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ من الإِثْباتِ نَفْىٌ، ومِن النَّفْى إثْباتٌ 4، فإذا اسْتَثْنَى مِن الثَّلاثِ المَنْفِيَّةِ طَلْقةً، كان مُثْبِتًا لها، فلا يَجوزُ جَعْلُها مِنَ الثَّلاثِ المثْبَتَةِ؛ لأنَّه يكونُ إثْباتًا مِن إثْباتٍ.123
أَوْ: طَالِقٌ وَطَالِقٌ وَطَالِقٌ إِلَّا وَاحِدَةً.
أَوْ: طَلْقَتَيْنِ وَوَاحِدَةً إِلَّا وَاحِدَةً.
أَوْ: طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إِلَّا وَاحِدَةً.
طَلُقَتْ ثَلَاثًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَتَانِ.
3508 - مسألة: (وإن قَالَ: أنْتِ طالقٌ وطَالقٌ وطَالقٌ إلَّا واحدةً.
أو: طَلْقَتَيْنِ وَوَاحدةً إلّا وَاحدةً.
أو: طَلْقَتَيْنِ وَنِصْفًا إلَّا واحدةً.
طَلُقَتْ ثلاثًا.
ويَحْتَمِلُ أَنْ تَقَعَ طَلْقَتَانِ)
في هذه المسائِلِ الثَّلاثِ وجْهان؛ أحدُهما، لا يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ الاسْتِثْناءَ يَرْفَعُ الجُمْلَةَ الأخيرةَ بكَمالِها، مِن غيرِ زِيادةٍ عليها، فيَصِيرُ [ذِكْرُها واسْتِثْناؤُها] 1 لَغوًا، وكلُّ اسْتِثْناءٍ أفْضَى تَصْحِيحُه إلى إِلْغائِه وإلْغاءِ المُسْتَثْنَى منه بَطَلَ، كاسْتِثْناءِ الجميعِ، ولأَنَّ إلْغاءَه وحدَه أوْلَى مِن إلْغائِه وإلْغاءِ غيرِه، ولأَنَّ الاسْتِثْناءَ يعودُ إلى الجُمْلةِ الأخيرةِ في أحَدِ الوَجْهَيْنِ، فيكونُ اسْتِثْناءً للجميعِ.
الوجْهُ الثَّانى، يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ، ويقَعُ طَلْقَتانِ؛ لأَنَّ العَطْفَ بالواوِ يَجْعلُ
.................................. الجُمْلَتَيْنِ كالجُمْلَةِ الواحدةِ، فيَصِير مُسْتَثْنِيًا واحدةً مِن ثلاثٍ،
..................................
ولذلك 1 لو قال: له علىَّ مِائةٌ وعِشرونَ إلَّا خَمْسِينَ.
صَحَّ.
والأَوَّلُ مذهبُ أبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
فصل: وَإن قال: أنتِ طَالقٌ واحدةً واثْنَتَيْنِ إلَّا وَاحدةً.
فعلى الوَجْهِ الثَّانِى، يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ، وعلى الوَجْهِ الأَوَّلِ يُخرَّجُ في صحَّتِه وَجْهانِ، بِناءً على اسْتِثْناءِ النِّصْفِ.
فإن كان العطفُ بغيرِ واوٍ كقولِه: أنتِ طالقٌ فطالقٌ فطالقٌ 2 -أو- طالقٌ ثم طالقٌ ثم طالقٌ 3، إلَّا طَلْقةً.
لم يَصِحَّ الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ هذا حرفٌ يَقْتَضِى التَّرْتِيبَ، وكَوْنَ الطَّلْقَةِ 4 الأخيرةِ مُفْرَدَةً عمَّا قبلَها، فيَعودُ الاسْتِثْناءُ إليها وحدَها، فلا يَصِحُّ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ اثْنَتَيْنِ واثْنَتَيْن إلَّا اثْنَتَيْنِ.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه إن عادَ إلى الجُمْلَةِ الأخيرةِ فهو 5 رَفْعٌ لجميعِها، وإن عادَ إلى الثَّلاثِ التى يَمْلِكُها، فهو رَفْعٌ لأكثَرِها، وكلاهما لا يَصِحُّ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ؛ بِناءً
..................................
على أنَّ العَطفَ بالواوِ يجْعلُ الجُمْلَتَيْن جملةً واحدةً، وأنَّ اسْتِثْناءَ النِّصْفِ يَصِحُّ، فكأنَّه قال: أربعًا إلَّا اثْنَتيْنِ.
فإن قال: أنتِ طالقٌ اثْنَتَيْن واثْنَتَيْن إلَّا واحدةً.
احْتَمَلَ أن يَصِحَّ؛ لأنَّه اسْتَثْنَى واحدةً مِن ثلاثٍ.
واحْتَمَلَ أن لا يَصِحَّ؛ لأنَّه إنْ 1 عاد إلى الرَّابعةِ، فقد بَقِىَ بعدَها ثلاثٌ، وإن عادَ إلى الواحدةِ الباقِيَةِ مِنَ الاثْنَتَيْنِ، فهو استثناءُ الجميعِ.
فصل: وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا طَلْقةً وطلقةً وطلقةً.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَلْغُو الاسْتِثْناءُ، وَيَقعُ ثلاثٌ؛ لأَنَّ العطفَ يُوجِبُ اشْتراكَ المعطوفِ مع المعْطوفِ عليه، فيَصِيرُ مُسْتَثْنِيًا ثلاثًا مِن ثلاثٍ.
وهذا وَجْه لأصْحابِ الشافعىِّ، [وقولُ أبى حنيفةَ.
والثانى] 2، يَصِحُّ الاسْتِثْناءُ في طَلْقةٍ؛ لأَنَّ اسْتِثْناءَ الأقَلِّ جائزٌ، وإنَّما لا يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الثَّانيةِ والثَّالثةِ، فَيَلْغُو وحدَه.
وقال أبو يُوسفَ، ومحمدٌ: يَصِحُّ اسْتِثْناءُ الثِّنْتَيْنِ، ويَلْغُو في (1) الثَّالثةِ.
بِناءً على أصْلِهم في أنَّ اسْتِثْناءَ الأكثرِ جائزٌ.
وهو الوَجْهُ الثَّانى لأصْحابِ الشافعىِّ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ طَلْقَتَيْنِ إلَّا طلقةً وطلقةً.
وَإِنْ قَالَ: أَنْتِ طَالِق ثَلاثًا.
وَاسْتَثْنَى بِقَلْبِهِ: إِلَّا وَاحِدَةً.
وَقَعَتِ
ففيه الوَجْهانِ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا طلقةً ونِصْفًا.
احْتَمَلَ وَجْهَيْن أيضًا؛ أحدُهما، يَلْغُو الاسْتِثْناءُ؛ لأَنَّ النِّصْفَ يُكَمَّلُ، فيَكُونُ مُسْتَثْنِيًا للأكْثرِ، فيَلْغُو.
والثانى، يَصِحُّ في طلقةٍ، فتَقعُ طَلْقتانِ؛ لِما ذَكَرْنا في التى قبلَها.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدةً وإلَّا واحدةً.
كان عاطِفًا لاسْتِثْناء على اسْتِثْناء، فيَصِحُّ الأَوَّلُ، ويَلْغُو الثَّانى؛ لأنَّنا لو صَحَّحْناه لَكان مُسْتَثْنِيًا للأكثرِ، فيَقَعُ به طَلْقتانِ.
ويَجِئُ على قولِ مَن أجازَ اسْتِثْناءَ الأكْثرِ أنَّه يَصِحُّ فيهما (1)، فيَقَعُ طلقةٌ واحدةٌ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا واحدْةً إلَّا واحدةً.
كان مُسْتَثْنِيًا مِنَ الواحدةِ المُسْتَثْناةِ واحدةً، فيَحْتَمِلُ أن يَلْغُوَ الاسْتثناءُ الثَّانِى، ويَصِحَّ الأَوَّلُ، فيَقَعَ به طَلْقتانِ.
ويَحْتَمِلُ أن يَقَعَ به الثَّلاثُ؛ لأَنَّ الاسْتثْناءَ الثَّانِى معْناه إثْباتُ طلقةٍ في حَقِّها، لكَوْنِ الاستثْناءِ مِنَ النَّفْى إثْباتًا، فيُقْبلُ (2) ذلك في إيقاعِ طلاقِه وإن لم يُقْبَلْ في نَفْيِه, كما لو قال (3): طَلْقَتَيْنِ ونِصْفًا.
وقَعَ به ثلاثٌ.
3509 -
مسألة: (وإن قال: أنْتِ طالقٌ ثلاثًا. واسْتَثْنَى بقَلْبِه:
123
الثَّلَاثُ، وَإِنْ قَالَ: نِسَائِى طَوَالِقُ.
واسْتَثْنَى وَاحِدَةً بِقَلْبِهِ لَمْ تَطْلُقْ.
إلَّا واحدةً.
وَقَعَتِ الثَّلاثُ.
وإن قال: نِسَائِى طَوَالِقُ.
واسْتَثْنَى واحدةً بقَلْبِه لم تَطْلُقْ) وجملةُ ذلك، أنَّ ما يتَّصِلُ باللَّفْظِ مِنٍ قَرِينةٍ أو اسْتِثْناءٍ، على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ أحدُها، ما لا يَصِحُّ نُطْقًا ولا نِيَّة، وذلك نَوْعانِ؛ أحدُهما، ما يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كلَّه، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا إلَّا ثلاثًا.
أو: أنتِ طالقٌ طلقةً لا تَلْزَمُكِ -أو- لا تَقَعُ عليك.
فهذا لا يَصِحُّ بلَفْظِه [ولا] 1 نِيَّتِه؛ لأنَّه يَرْفَعُ حُكْمَ اللَّفْظِ كلَّه، فيَصِيرُ الجميعُ لَغْوًا، فلا يَصِحُّ هذا في اللُّغَةِ بالاتِّفاقِ، وإذا كان كذلك سَقَطَ الاسْتِثْناءُ والصِّفَةُ، وَوقعَ الطَّلاقُ.
الضَّرْبُ الثَّانِى، ما يُقْبَلُ لَفْظًا ولا يُقْبَلُ نِيَّةً، لا في الحُكْمِ ولا فيما ينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وهو اسْتِثْناءُ الأقَلِّ، فهذا يَصِحُّ لَفْظًا؛ لأنَّه مِن لسانِ العربِ، ولا يَصِحُّ بالنِّيَّةِ، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ ثلاثًا.
ويَسْتَثْنِىَ بقَلْبِه: إلَّا واحدةً.
أو أكثرَ.
فهذا لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ العَدَدَ نَصٌّ فيما يَتناوَلُه، لا يَحْتَمِلُ غيرَه، فلا يَرْتَفِعُ بالنِّيَّةِ ما ثبَتَ بنَصِّ اللَّفْظِ، فإنَّ اللَّفْظَ أقْوَى مِن النِّيَّةِ، ولو نَوَى بالثَّلاثِ اثْنَتَيْن، كان مُسْتَعْمِلًا لِلَّفْظِ في غيرِ ما يَصْلُحُ له، فوقعَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ، وَلَغَتْ نِيَّتُه.
وحُكِى
..................................
عن بعضِ الشافعيَّةِ، أنَّه يُقْبَلُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، كما لو قال: نِسائِى طَوَالِقُ.
واسْتَثْنَى بقَلْبِه: إلَّا فُلانَة.
والفرقُ بينَهما أنَّ نِسائِى اسمٌ عامٌّ يَجوزُ التَّعْبِيرُ به عن بعضِ ما وُضِعَ له، وقد اسْتُعْمِلَ العُمومُ بإزاءِ الخُصوصِ كثيرًا، فإذا أرادَ به البَعْضَ صَحَّ.
وقولُه: ثلاثًا.
اسمُ عدَدٍ للثَّلاثِ، لا يَجوزُ التَّعْبيرُ به عن عَدَدِ غيرِها، ولا يَحْتَمِلُ سِوَاها بوَجْهٍ، فإذا أرادَ بذلك اثْنَتَيْن، فقد أرادَ باللَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُه، وإنَّما تَعْمَلُ النِّيَّةُ في صَرْفِ اللَّفْظِ المُحْتَمِلِ إلى أحدِ مُحْتَمِلاِته، فأمَّا ما لا يَحْتَمِلُ فلا، فإنَّه لو عَمِلْنا به 1 فيما لا يَحْتَمِلُ، كان عملًا بمُجَرَّدِ النِّيَّةِ، ومُجَرَّدُ النِّيَّةِ لا تَعْمَلُ في نِكاحٍ،
..................................
ولا طَلاقٍ، ولا بَيْعٍ.
ولو قال: نِسائِى الأرْبَعُ طَوالِقُ.
أو قال لهنَّ: أرْبَعَتُكُنَّ طَوالقُ.
واسْتَثْنَى بَعْضَهنَّ بالنِّيَّةِ.
لم يُقْبَلْ، على قياسِ ما ذَكَرْناه، ولا يُدَيَّنُ فيه؛ لأنَّه عَنَى باللَّفْظِ ما لا يَحْتَمِلُه.
الضَّربُ الثَّالثُ،
..................................
ما يَصِحُّ نُطْقًا، وإذا نَوَاه دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وذلك مثلُ تَخْصيصِ اللَّفظِ 1 العامِّ، أَوْ اسْتِعْمالِ اللَّفْظِ في مَجازِه، مثلَ قولِه: نِسائِى طَوالقُ.
يُرِيدُ بعْضَهُنَّ، أو يَنْوِى بقَوْلِه: طالقٌ.
أى مِن وَثَاقى 2، فهذا يُقْبَل إذا كان لَفْظًا.
[وَجْهًا] 3 واحدًا؛ لأنَّه وَصَلَ كلامَه بما بَيَّنَ به مُرادَه، وإن كان بنِيَّتِه 4، قُبِلَ منه فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى؛ لأنَّه أرادَ تَخْصيصَ اللَّفْظِ العامِّ، واسْتِعْمالَه في الخصوصِ، وهذا سائغٌ في الكلام، فلا يُمْنَعُ مِن اسْتِعْمالِه والتَّكَلُّمِ به، ويكونُ اللَّفْظ بنِيَّتِه مُنْصرِفًا إلى ما أرَادَه، دُون ما لم يُرِدْه.
وهل يُقْبَلُ ذلك في الحُكْمَ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَيْنِ؛ إحداهما، يُقْبَلُ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه 5، فصَحَّ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ أنتِ طالقٌ.
وأرادَ بالثَّانِيةِ إفْهامَها.
والثَّانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنَّه خلافُ الظَّاهِرِ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
والأَوَّلُ أوْلَى، إن شاءَ اللَّه تعالى؛ لأَنَّ 6 أكْثرَ نُصوصِ القُرآنِ العامَّةِ أُرِيدَ بها الخُصوصُ.
ومِن
..................................
شَرْطِ هذا أَنْ تكونَ النِّيَّةُ مُقارِنةً للَّفْظِ، وهو أن يقولَ: نِسائِى طَوالِقُ.
يَقْصِدُ بهذا اللَّفْظِ بعْضَهُنَّ، فأمَّا إن كانتْ مُتَأَخِّرَةً عن اللَّفْظِ، مثلَ أن قال: نِساِئى طَوالِقُ.
ثم بعدَ فَراغِه نَوَى بقَلْبِه 1 بعْضَهِنَّ، لم تَنْفعْه النِّيَّةُ، وَوقَعَ الطَّلاقُ بجمِيعِهنَّ.
وكذلك لو طلَّقَ نِساءَه، ونوَى بعدَ طَلاقِهِنَّ، أىْ مِن وَثاقِى، لَزِمَه الطَّلاقُ؛ لأنَّه مُقْتَضَى اللَّفْظِ، والنِّيَّةُ الأخيرةُ 2 نِيَّةٌ مُجرَّدةٌ 3، لا لَفْظَ معها، فلا تَعْمَلُ.
ومِن هذا الضَّرْبِ تَخْصِيصُ حالٍ دُونَ حالٍ، مثلَ أن يقولَ: أنتِ طالقٌ.
ثم يَصِلَه بشَرْطٍ أو صِفَةٍ، مثلَ قوْلِه: إن دَخَلْتِ الدَّارَ.
أو: بعدَ شَهْرٍ.
أو قال: إن دخلْتِ الدَّارَ بعدَ شَهْرٍ.
فهذا يَصِحُّ إذا كان نُطْقًا، بغيرِ خلافٍ.
وإن نَوَاه، ولم يَلْفِظْ به، دُيِّنَ.
وهل يُقْبَلُ في الحُكْمِ؟ على رِوايَتَيْن.
قال أحمدُ، في روايةِ إسْحاقَ بنِ إبْراهيمَ، في مَن حَلَفَ لا تدْخُلُ الدَّارَ، وقال: نَوَيْتُ شهرًا: يُقْبَلُ منه.
أو قال: إذا دَخَلْتِ دارَ فُلانٍ فأنتِ طالقٌ.
ونَوَى تلك السَّاعةَ، وذلك اليومَ: قُبِلَتْ نِيَّتُه.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، لا يُقْبَلُ؛ فإنَّه قال: إذا قال لامرأتِه: أنتِ طالقٌ.
ونوى في قلبِه إلى سَنَةٍ، تَطْلُقُ، ليس يُنْظَرُ إلى نِيَّتِه.
وقال: إذا قال: أنتِ طالق.
وقال: نَوَيْتُ إن دَخَلَتِ الدَّارَ.
لا يُصدَّقُ.
ويُمْكِنُ الجَمْعُ بين هاتَيْنِ الرِّوايَتَيْن، بأن يُحْمَلَ قولُه
..................................
في [القَبُولِ على أنَّه يُدَيَّنُ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى، وقولُه في] 1 عَدَمِ القَبُولِ، على الحُكْمِ، فلا يكونُ بينَهما اخْتِلافٌ، والفَرْقُ بين هذه الصُّورةِ والتى قبلَها، أنَّ إرادَةَ الخاصِّ بالعامِّ شائعٌ 2 كثيرٌ، وإرادةَ الشَّرْطِ مِن غيرِ ذِكْرِه غيرُ سائِغٍ 3، فهو قريبٌ مِن الاسْتِثْناءِ.
ويُمْكِنُ أن يُقالَ: هذا كلُّه مِن جُمْلَةِ التَّخْصِيصِ.
فصل: إذا قالتْ له امرأةٌ من نِسائِه: طَلِّقْنِى.
فقال: نِسائِى طَوالِقُ.
ولا نِيَّةَ له، طَلُقْنَ كلُّهنَّ.
بغيرِ خلافٍ؛ لأَنَّ لَفْظَه عامُّ.
وإن قالتْ له: طَلِّقْ نِساءَكَ.
فقال: نِسائِى طَوالِقُ.
فكذلك.
وحُكِىَ عن مالكٍ، أنَّ السَّائِلَةَ لا تَطْلُقُ في هذه الصُّورةِ؛ لأَنَّ الخِطابَ العامَّ 4 يُقْصَرُ على سَبَبِه الخاصِّ، وسَبَبُه سؤالُ طَلاقِ مَنْ سِوَاها.
ولَنا، أنَّ اللَّفْظَ عامٌّ فيها، ولم يُرِدْ به غيرَ مُقْتَضاهُ، فوَجَبَ العَمَلُ بعُمومِه، كالصُّورةِ الأُولَى، والعَملُ بعُمومِ اللَّفْظِ أوْلَى مِن خُصوصِ السَّبَبِ؛ لأَنَّ دليلَ 5 الحُكْمِ هو اللَّفظُ 6، فيَجِبُ اتِّباعُه والعملُ بمُقْتَضاهُ في خُصوصِه وعُمومِه، ولِذلك 7 لو كان أخَصَّ مِن السَّببِ، لَوجَبَ قَصْرُه على خُصوصِه،
..................................
واتِّباعُ صِفَةِ اللَّفْظِ دُونَ صِفَةِ السَّببِ، فأمَّا إن أخرجَ السَّائلةَ بنِيَّتِه، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللَّهِ تعالى في الصُّورَتَيْنِ، [وقُبِلَ] 1 في الحُكْم 2 في الصُّورةِ الثَّانيةِ؛ لأَنَّ خُصوصَ السَّبَبِ دليلٌ على نِيَّتِه، ولم يُقْبَلْ في الصُّورةِ الأَولَى.
قاله ابنُ حامدٍ؛ لأَنَّ طَلاقَه جوابٌ لسُؤالِها الطَّلاقَ لنَفْسِها، فلا يُصَدَّقُ في صَرْفِه عنها؛ لأنَّه يُخالفُ الظَّاهِرَ من وَجْهَيْن، ولأنَّها سَبَبُ الطَّلاقِ، وسَبَبُ الحُكْمِ لا يَجوزُ إخْراجُه من العُمومِ بالتَّخْصيصِ.
وقال القاضى: يَحْتَمِلُ أن لا تَطْلُقَ؛ لأَنَّ لفْظَه عامٌّ، والعامُّ يَحْتَمِلُ التَّخْصيصَ 3.
بَابُ الطَّلَاقِ فِى الْمَاضِى وَالْمُسْتَقْبَلِ
إِذَا قَالَ لِامْرأَتِهِ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.
أَوْ: قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ.
يَنْوِى الْإِيقَاعَ، وَقَعَ.
(1) بابُ الطَّلاقِ في الماضِى والمُسْتَقْبَلِ
3510 -
مسألة: (إذَا قال لِزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ أمْسِ. أو: قبلَ أن أَنْكِحَكِ. يَنْوِى الإيقَاعَ، وَقَعَ)
في الحالِ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفْسِه بما هو أغْلَظُ.1
وَإِنْ لَمْ يَنْوِ، لَمْ يَقَعْ فِى ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَقَالَ الْقَاضِى: يَقَعُ.
3511 - مسألة: (وإن لم يَنْوِ، لم يَقَعْ في ظَاهِرِ كَلامِه)
فرُوِىَ عنه، في مَن قال لزَوْجَتِه: أنتِ طالقٌ أمسِ.
وإنَّما تزَوَّجَها اليومَ: ليس بشئٍ.
وهذا قولُ أبى بكرٍ (وقال القاضى) في بعضِ كُتُبِه: (يقَعُ) الطَّلاقُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه وَصَفَ الطَّلْقَةَ 1 بما لا تَتَّصِفُ به، فَلغَتِ الصِّفَةُ وَوقَعَ الطَّلاقُ، كما لو قال لمنْ لا سُنَّةَ لَها ولا بِدْعَةَ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ.
أو قال: أنتِ طالقٌ طَلْقةً لا تَلْزَمُكِ.
ووَجْهُ الأَوَّلِ أنَّ الطَّلاقَ رَفْعٌ للاسْتِباحةِ، ولا يُمْكِنُ رَفْعُها في الزَّمنِ الماضى، فلم يَقَعْ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ قبلَ قُدومِ زيدٍ بيَومَيْنِ.
فَقدِمَ اليومَ، فإنَّ أصحابَنا لم يَخْتَلِفُوا في أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ، وهو قولُ أكثَرِ 2 أصحابِ الشافعىِّ، وهذا طلاقٌ في زمنٍ ماضٍ، ولأنَّه عَلَّقَ الطَّلاقَ بمُسْتَحيلٍ، فَلغَا، كما لو قال: أنتِ طالقٌ إن قَلَبْتِ الحَجَرَ ذَهبًا.
والحُكْمُ في قولِه: أنتِ طالقٌ قبلَ أَنْ أتَزَوَّجَك.
كما إذا قال: أنتِ طالقٌ أمسِ.
وَحُكِىَ عَنْ أَبِى بَكْرٍ، لَا يَقَعُ إِذَا قَالَ: أَنْتِ طَالِقٌ أَمْسِ.
وَيَقَعُ إِذَا قَالَ: قَبْلَ أَنْ أَنْكِحَكِ.
فَإِنْ قَالَ: أَرَدْتُ أنَّ زَوْجًا قَبْلِى طَلَّقَهَا.
أَوْ: طَلَّقْتُهَا أَنَا فِى نِكَاحٍ
3512 - مسألة: (وحُكِىَ عن أبى بَكْرٍ)
أنَّه (يَقَعُ إذا قال: قبلَ أن أتَزَوَّجَكِ، ولا يَقَعُ إذَا قَالَ: أنْتِ طَالِقٌ أمْسِ) قال القاضى: ورأيْتُ بخَطِّ أبى بكرٍ في جُزْءٍ مفردٍ، أنَّه قال: إذا قال: أنتِ طالقٌ قبلَ أَنْ أتَزَوَّجَكِ.
طَلُقتْ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ أمسِ.
لم يَقَعْ؛ لأَنَّ أمسِ لا يُمْكِنُ وُقوعُ الطَّلاقِ فيه، وقبلَ تَزَوُّجِها مُتَصَوَّرُ الوُجُودِ؛ فإنَّه يُمْكِنُ أن يتَزَوَّجَها ثانيًا، وهذا الوقتُ قبلَه، فوقعَ في الحالِ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ قبلَ قُدومِ زيدٍ.
3513 -
مسألة: (فإن قال: أردْتُ أنَّ زَوْجًا قَبْلِى طَلَّقَها. أو:
قَبْلَ هذَا.
قُبِلَ مِنْهُ إِذَا احْتَمَلَ الصِّدْقَ، فِى ظَاهِرِ كَلَامِ أَحْمَدَ.
طَلَّقْتُها أنَا في نِكاحٍ قبل هذا.
قُبِلَ منه إذا احْتَمَلَ الصِّدْقَ، في ظاهِرِ كَلامِ أحمدَ) إذا أرادَ الإخْبارَ 1 أنَّه كان طَلَّقَها هو، أو زَوْجٌ قبلَه، في ذلك
فَإنْ مَاتَ أَوْ جُنَّ أَوْ خَرِسَ قَبْلَ الْعِلْمِ بِمُرَادِهِ، فَهَلْ تَطْلُقُ؟ عَلَى
الزَّمانِ الذي ذكَرَه، وكان قد وُجِدَ ذلك، قُبِلَ منه.
ذَكَرَه أبو الخَطَّابِ.
وقال القاضِي: يُقبَل على ظاهِرِ كلامِ أحمدَ؛ لأنَّه فَسَّرَه بما يَحْتَملُه، وإن أرادَ أنِّي كنت طَلَّقْتُك أمسِ.
فكَذَّبَتْه، لَزِمَتْه (1) الطَّلْقَة، وعليها العِدَّةُ مِن يَوْمِها؛ لأنَّها اعْتَرفَتْ أنَّ أمسِ لم يَكُنْ مِن عِدَّتِها.
3514 -
مسألة: (فَإن مات أو جُنَّ أو خَرِسَ قَبْلَ العِلْمِ بمُرَادِه،
1
وَجْهَينِ.
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ قُدُومِ زَيدٍ بِشَهْرٍ.
فَقَدِمَ قَبْلَ مُضِيِّ الشَّهْرِ، لَمْ تَطْلُقْ.
فَهَل تَطْلُقُ؟ على وَجْهَين) بِناءً على اخْتلافِ القَوْلَينِ في المُطَلقِ؛ إنْ قُلْنا: لا يَقَعُ به شيءٌ.
لم يَلْزَمْه ها هنا شيءٌ.
وإن قُلْنا بوُقوعِه ثَمَّ، وقَعَ ههُنا.
3515 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِق قبلَ قُدُومِ زَيدٍ بِشَهْرٍ. فَقَدِمَ قبلَ مُضِيِّ شَهْرٍ، لم تَطْلُقْ)
بِغَيرِ خِلافٍ مِن أصحَابِنَا، وهو قولُ أكثرِ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّه تعْليقٌ للطَّلاقِ على صِفَةٍ كان وُجُودُها
وَإنْ قَدِمَ بَعدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ يَقَعُ الطَّلاقُ فِيهِ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ فِيهِ.
مُمْكِنًا، فَوَجَبَ اعْتِبارُها.
وإن قَدِمَ زيدٌ مع مُضِيِّ الشهرِ، لم تَطْلُقْ؛ لأَنه لا بُدَّ مِن جُزْءٍ يقَعُ الطَّلاقُ فيه.
3516 -
مسألة: (وإن قَدِمَ بعدَ شَهْرٍ وَجُزْءٍ يَقَعُ الطَّلاقُ فِيهِ، تَبَيَّنَّا وُقُوعَهُ فيه)
لأنَّه إيقَاعٌ للطَّلاقِ بَعْدَ عَقْدِهِ.
وبهذا قال الشافعيُّ، وزُفَرُ.
وقال أبو حنيفةَ وصاحِبَاه: يقَعُ عندَ [قُدومِ زيد] 1؛ لأنَّه جَعَلَ الشَّهْرَ شَرْطًا لوُقوعِ الطَّلاقِ، فلا يَسْبِقُ الطَّلاقُ شَرْطَه.
ولَنا، أنَّه أوْقَعَ الطَّلاقَ في زمنٍ على صِفَةٍ، فإذا حَصَلَتِ الصِّفَةُ وقَعَ فيه، كما لو قال: أنتِ طالقٌ قبلَ شهرِ رمضانَ بشَهْرٍ -أو- قبلَ مَوْتِك بشهرٍ.
فإنَّ أبا حنيفةَ خاصَّةً يُسَلِّمُ ذلك، ولا نُسَلِّمُ أنَّه جَعَلَ الشَّهرَ شَرْطًا، وليس فيه حرفُ الشَّرْطِ.
وَإنْ خَالعَهَا بَعْدَ الْيَمِينِ بِيَوْمٍ، وَكَانَ الطَّلَاقُ بَائِنًا، ثُمَّ قَدِمَ زَيدٌ بَعْدَ الشَّهْرِ بِيَوْمَينِ، صَحَّ الْخُلْعُ وَبَطَلَ الطَّلَاقُ.
وَإنْ قَدِمَ بَعْدَ شَهْرٍ وَسَاعَةٍ، وَقَعَ الطَّلَاقُ دُونَ الْخُلْعِ.
3517 - مسألة: (وإن خَالعَها بعدَ اليَمِينِ بِيَوْم، وكانَ الطَّلاقُ بَائِنًا، ثم قَدِمَ بَعْدَ الشَّهْرِ بِيَوْمَينِ، صَحَّ الخُلْعُ وَبَطَلَ الطَّلاقُ)
لأنَّه صادَفَها بائنًا (وإن قَدِمَ بعدَ شهرٍ وساعةٍ، وَقَعَ الطَّلاقُ دُونَ الخُلْعِ) ولها الرُّجوعُ بالعِوَضِ، إلَّا أن يكونَ الطَّلاقُ رَجْعيًّا؛ لأنَّ الرَّجْعِيَّةَ يَصِحُّ خُلْعُها.
فصل: فإن ماتَ أحدُهما بعدَ عَقْدِ الصِّفَةِ بيومَينِ، ثم قَدِمَ زيدٌ بعدَ شهر وساعةٍ من حينِ 1 عَقْدِ الصِّفَةِ، لم يَرِثْ أحدُهما الآخرَ؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنَّ الطَّلاقَ قد كان وَقَعَ قبلَ موْتِ المَيِّتِ منهما، فلم يَرِثْه صاحِبُه، إلَّا أن يكونَ الطَّلاقُ رَجْعيًّا، فإنَّه لا يقْطَعُ التَّوارُثَ ما دامتْ في العِدَّةِ.
فإن
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ قَبْلَ مَوْتِي.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
قَدِمَ بعدَ الموتِ بشَهْرٍ وساعةٍ، تَبَيَّنَّا أنَّ الفُرْقَةَ وَقَعَتْ بالموْتِ، ولم [يقَعِ الطَّلاقُ] (1). فإن قال: أنتِ طالقٌ قبلَ مَوْتِي بشهرٍ.
فمات أحدُهما قبلَ مُضِيِّ شهرٍ، لم يقَعْ طلاقٌ؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ في الماضِي.
وإن ماتَ بعدَ عَقْدِ اليَمِينِ بشهرٍ وساعةٍ، تَبيَّنَّا وُقُوعَ الطَّلاقِ في تلك السَّاعةِ، ولم يتَوَارَثا، إلَّا أن يكونَ الطَّلاقُ رَجْعِيًّا، ويموتَ (2) في عِدَّتِها.
3518 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالقٌ قبلَ مَوْتِي. طَلُقَتْ في الحالِ)
لأنَّ ما قبلَ موْتِه مِن حين عِقْدِ الصِّفَةِ مَحَلٌّ للطَّلاقِ، فوَقعَ في أوَّلِه.
وإن قال: قبلَ مَوْتِك.
أو: موتِ زيدٍ.
فكذلك.
وإن قال: أنتِ طالقٌ قُبَيلَ مَوْتِي.
أو: قُبَيلَ قُدومِ زيدٍ.
لم يقَعْ في الحالِ، وإنَّما يَقَعُ ذلك في الجُزْءِ الذي يَلِيه الموتُ؛ لأنَّ ذلك تَصْغيرٌ يَقْتَضِي الجزءَ الصغيرَ الذي يَبْقَى.
وإن قال: أنتِ طالقٌ قبلَ قُدومِ زيدٍ.
أو: قبلَ12
وَإنْ قَال: بَعْدَ مَوْتِي.
أَوْ: مَعَ مَوْتِي.
لَمْ تَطْلُقْ.
دُخولِك الدَّارَ.
فقال القاضي: تَطْلُقُ في الحالِ، سَواءٌ قَدِمَ زيدٌ أو لم يَقْدَمْ؛ بدليلِ قولِ الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا﴾ (1). ولم يُوجَدِ الطَّمْسُ في المأْمُورينَ، ولو قال لغُلامِه: اسْقِني قبلَ أنْ أضْرِبَكَ.
فسَقاه في الحالِ عُدَّ مُمْتَثِلًا وإن لم يَضْرِ بْه.
وإن قال: أنتِ طالقٌ قبلَ موتِ زيدٍ وعمرو بشهرٍ.
فقال القاضي: تتَعلَّقُ الصِّفَةُ بأوَّلِهما مَوْتًا؛ لأنَّ اعْتِبارَه بالثَّانِي يُفْضِي إلى وُقُوعِه بعدَ مَوْتِ الأوَّلِ، واعتبارُه بالأوَّلِ لا يُفْضِي إلى ذلك، فكان أوْلَى.
3519 -
مسألة: (وإن قال):
أنتِ طالق (بعدَ مَوْتِي.
أو: معَ مَوْتِي.
لم تَطْلُقْ) نَصَّ عليه أحمدُ.
وكذلك إن قال: بعدَ مَوْتِكِ.
أو: مع مَوْتِك.
وبه قال الشافعيُّ.
ولا نعلمُ فيه مُخالِفًا؛ لأنَّها تَبِينُ بموْتِ أحدِهما، فلا يُصادِفُ الطَّلاقُ نِكاحًا يُزِيلُه.1
وَإذَا تَزَوَّجَ أَمَةَ أَبِيهِ، ثُمَّ قَال: إِذَا مَاتَ أَبِي أَو اشْتَرَيتُكِ فَأَنْتِ طَالِقٌ.
فَمَاتَ أَبُوهُ أَو اشْتَرَاها لَمْ تَطْلُقْ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَطْلُقَ.
3520 - مسألة: (وإن تَزَوّجَ أمَةَ أبِيهِ، ثم قال: إذا مات أبِي أو اشْتَرَيتُكِ فَأنْتِ طالِقٌ. فَمَات أبوه أو اشْتَرِاها، لم يَقَعِ الطَّلاقُ)
اخْتارَه القاضي؛ لأنَّه بالموْتِ والشِّرَاءِ يَمْلِكُها، فيَنْفَسِخُ نِكاحُها بالمِلْكِ، وهو زَمنُ الطَّلاقِ، فلم يَقَعْ، كما لو قال: أنتِ طالقٌ مع مَوْتِي (ويَحْتَمِلُ أن تَطْلُقَ) اخْتارَه أبو الخَطَّابِ؛ لأنَّ المَوْتَ سَبَبُ مِلْكِها وطلاقِها، وفسْخُ النِّكاحِ يَتَرتَّبُ على المِلْكِ، فيُوجَدُ الطلاقُ في زَمَنِ المِلْكِ السَّابِقِ على الفَسْخِ، فيَثْبُتُ حُكْمُه.
وهذا أظْهرُ، إن شاء الله تَعالى.
فَإِنْ كَانَتْ مُدَبَّرَةً، فَمَاتَ أَبُوهُ، وَقَعَ الطَّلَاقُ وَالْعِتْقُ مَعًا.
فصل: وإن قال الأبُ: إذا مِتُّ فأنتِ حُرَّةٌ.
وقال الابنُ: إذا ماتَ أبِي فأنْتِ طالقٌ.
وكانت تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ، [ثم مات الأبُ، وقعِ العتقُ والطَّلاقُ معًا.
وكذلك إن كانت مُدَبَّرةً؛ لأنَّه لا تَنافىَ بينهما، وإن لم تخْرُجْ مِن الثُّلُثِ] 1، فكذلك؛ لأنَّ بعْضَها يَنْتَقِلُ إلى الوَرَثَةِ، فيَمْلِكُ الابْنُ جُزْءًا
فَصْلٌ: وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ لَأَشْرَبَنَّ الْمَاءَ الَّذِي في الْكُوزِ.
مِنها، فيَنْفَسِخُ به النِّكاحُ، فيكونُ كَمِلْكِ 1 جميعِها في فَسْخِ النِّكاحِ ومَنْعِ وُقُوعِ الطَّلاقِ.
فإن أجازَ الوَرَثَةُ عِتْقَها، فذَكَرَ بعضُ أهلِ العلمِ أنَّ هذا 2 يَنْبَنِي على الإِجازَةِ، هل هي تَنْفِيذٌ أو عَطيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ؟ فإنْ قُلْنا: هي عَطيَّةٌ مُبْتَدَأَةٌ.
فقد انْفَسَخَ النِّكاحُ قبلَها، فلم يَقَعِ الطَّلاقُ.
وإن قُلْنا: هي تَنفيذٌ لِما فعلَ السَّيِّدُ.
وقَعَ الطَّلاقُ.
وكذلك إن أجازَ الزَّوجُ وحْدَه عِتْقَ أبيه 3، فإن كان على الأبِ دَينٌ يَسْتَغْرِقُ تَرِكَتَه، لم تَعْتِقْ.
قال شيخُنا: والصَّحيحُ أنَّ ذلك لا يَمْنَعُ نَقْلَ التَّرِكَةِ إلى الوَرَثَةِ، فهو كما لو لم يَكُنْ عليه دَينٌ في فَسْخِ النّكاحِ.
فإن كان الدَّينُ لا يَسْتَغْرِقُ التَّرِكَةَ، وكانتْ تَخْرُجُ مِن الثُّلُثِ بعدَ أداءِ الدَّينِ، عَتَقَتْ وطَلُقَتْ، وإن لم تَخْرُجْ مِن الثُّلُثِ، لم تَعْتِقْ كلُّها، فيكونُ حُكْمُها في فَسْخِ النِّكاحِ ومَنْعِ الطلاقِ 4، كما لو اسْتَغْرَقَ الدَّينُ التَّرِكَةَ، وإن أسْقَطَ الغَرِيمُ الدَّينَ بعدَ المَوْتِ، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ النِّكاحَ انْفَسَخَ قَبلَ إسْقاطِه.
فصل: قال الشَّيخُ، رَضِيَ الله عَنه: (وإن قال: أنتِ طالقٌ لأشْرَبَنَّ
وَلَا مَاءَ فِيهِ.
أَوْ: لَأَقْتُلَنَّ فُلَانًا الْمَيِّتَ.
أَوْ: لأَصْعَدَنَّ السَّمَاءَ.
أَوْ: لَأطِيرَنَّ.
أَوْ: إِنْ لَمْ أَصْعَدِ السَّمَاءَ.
وَنَحْوَهُ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
وَقَال أَبُو الْخَطَّابِ فِي مَوْضِعٍ: لَا تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ.
الماءَ الذي في الكُوزِ.
ولا ماءَ فيه.
أو: لأقْتُلَنَّ فُلانًا المَيِّتَ.
أو: لأصْعدَنَّ السَّماءَ.
أو: لأطِيرَنَّ.
أو: إنْ لم أصْعَدِ السَّماءَ.
ونحوَه.
طَلُقَتْ في الحالِ.
وقال أبو الخَطَّابِ في موْضعٍ: لا تَنْعَقِدُ يَمِينُه) وجملةُ ذلك، أنَّه قد اسْتَعْملَ الطَّلاقَ والعَتاقَ اسْتِعْمال القَسَمِ، وجَعلَ جَوابَ القَسَمِ جَوابًا له، فإذا قال: أنْتِ طالقٌ لأقُومَنَّ.
وقامَ، لم تَطْلُقِ امرأتُه، فإن لم يَقمْ في الوقتِ الذي عَيَّنَه، حَنِثَ.
هذا قولُ أكْثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم سعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحَسَنُ، وعَطاءٌ، والزُّهْرِيُّ، وسعيدُ بنُ جُبَيرٍ، والشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال شُرَيحٌ: يَقَعُ طَلاقُه وإن قامَ؛ لأنَّه طَلَّقَ طلاقًا غيرَ مُعَلَّقٍ بشَرْطٍ، فَوَقَعَ، كما لو لم يَقُمْ.
ولَنا، أنَّه حَلِفٌ بَرَّ فيه، فلم يَحْنَثْ، كما لو حَلَفَ باللهِ تعالى.
وإن قال: أنتِ طالقٌ
..................................
إنَّ أخاكِ لعاقلٌ.
وكان أخوها عاقلًا، لم يَحْنَثْ، وإن لم يَكُنْ عاقلًا حَنِثَ، كما لو قال: واللهِ إنَّ أخاك لعاقلٌ.
وإنْ شكَّ في عَقْلِه، لم يَقَعِ الطَّلاقُ؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ لا أكلتُ هذا الرَّغيفَ.
فأكلَه، حَنِثَ، وإلَّا فلا.
وإن قال: أنتِ طالقٌ ما أكلْتُه.
لم يَحْنَثْ إن كان صادِقًا، ويَحْنَثُ إن كان كاذِبًا، كما لو قال: واللهِ ما أكلْتُه.
وإن قال: أنتِ طالقٌ لولا أبوك لَطَلَّقْتُكِ.
وكان صادِقًا، لم تَطْلُقْ، وإنْ كان كاذِبًا طَلُقَتْ 1. ولو قال: إن حَلَفْتُ بطلاقِك فأنتِ طالقٌ.
ثم قال: أنتِ طالقٌ لأُكْرِمَنَّكِ.
طَلُقَتْ في الحالِ.
ولو قال: إن حَلَفْتُ بعِتْقِ عبدي فأنتِ طالقٌ.
ثم قال: عَبْدِي حُرٌّ لأقُومَنَّ.
طَلُقَتِ المرأةُ.
وإن قال: إن حَلَفْتُ [بطلاقِ امرأتي فعبدي حُرٌّ.
ثم قال: أنتِ طالقٌ لقد صمتُ أمسِ] 2. عَتَق العبدُ.
رجَعْنا إلى مسائِلِ الكتابِ، وهو ما إذا علَّقَه على مُسْتَحِيل، كقولِه: أنتِ طالقٌ لأشْرَبَنَّ الماءَ الذي في الكُوزِ.
ولا ماءَ فيه.
أو: لأقْتُلَنَّ فلانًا المَيِّتَ.
وقعَ الطَّلاقُ في الحالِ، كما لو قال:
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ إِذَا شَرِبْتِ مَاءَ الْكُوزِ.
وَلَا مَاءَ فِيهِ.
أَوْ: صَعِدْتِ السَّمَاءَ.
أَوْ: شَاءَ الْمَيِّتُ أَو الْبَهِيمَةُ.
لَمْ تَطْلُقْ فِي أَحَدِ الْوَجْهَينِ، وَتَطْلُقُ فِي الْآخَرِ.
أنتِ طالقٌ (1) لم أبعْ عَبْدِي.
فماتَ العبدُ، ولأنَّه علَّقَ الطَّلاقَ على نَفْي فِعْلِ المُسْتَحِيلِ، وعدَمُه مَعْلومٌ في الحالِ وفي الثَّانِي، فوقعَ (2) الطَّلاقُ؛ لما ذَكرْناه.
وكذلك قولُه: أنتِ طالقٌ لأصْعَدنَّ السماءَ.
أو: لأطِيرَنَّ.
أو: إن لم أصْعَدِ السَّماءَ (3). وذكَرَ أبو الخَطَّابِ عن القاضي، أنَّه لا تَنْعَقِدُ يَمِينُه.
والصَّحيحُ أنَّه يَحْنَثُ؛ فإنَّ الحالِفَ على فِعْلِ المُمْتَنِعِ كاذِبٌ حانِثٌ، قال الله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ﴾ إلى قولِه: ﴿وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كَانُوا كَاذِبِينَ﴾ (4). ولأنَّه لو حَلَفَ على فِعْلٍ مُتَصَوَّرٍ، فصارَ مُمْتَنِعًا، حَنِثَ بذلك، فَلأنْ يَحْنَثَ بكَوْنِه مُمْتَنِعًا حال يمينه أوْلَى.
3521 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طالقٌ إن شَرِبْتِ ماءَ الكُوزِ. ولا ماءَ فِيهِ. أو: إنْ صَعِدْتِ السَّماءَ. أو)
إنْ (شاءَ المَيِّتُ أو البَهِيمَةُ.
لم تَطْلُقْ في أحَدِ الوَجْهَين، وَتَطْلُقُ في الآخرِ) إذا عَلَّقَ الطَّلاقَ على فعلٍ1234
..................................
مُسْتحيلٍ، كالذي ذَكَرْناه ونحوه، كقولِه: إن جَمعْتِ بين الضِّدَّينِ.
أو: إن 1 كان الواحدُ أكثرَ مِن اثْنَين.
وسواءٌ كان مُسْتَحِيلًا عَقْلًا أو عادةً، كقولِه: إن طِرْتِ.
أو: صَعِدْتِ السَّماءَ.
أو: قَلَبْتِ الحَجَرَ ذَهبًا.
أو: شَرِبْتِ ماءَ هذا 2 النَّهَرِ كلَّه.
أو: حَمَلْتِ الجَبَلَ.
ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، يَقَعُ الطّلاقُ في الحالِ؛ لأنَّه أرْدفَ الطَّلاقَ بما يَرْفَعُ جُمْلَتَه، ويَمْنَعُ وُقوعَه في الحالِ وفي الثاني، فلم يَصِحَّ، كاسْتِثناءِ الكُلِّ، وكما لو قال: أنتِ طالقٌ طلقةً لا تَقَعُ عليكِ.
والثاني، لا يَقَعُ.
وهو الصَّحيحُ؛ لأنَّه عَلَّقَ الطَّلاقَ بصِفَةٍ لم تُوجَدْ، ولأنَّ ما يُقْصَدُ تبْعِيدُه يُعَلَّقُ على المُحَالِ، قال الله تَعالى في حَقِّ الكُفّارِ: ﴿وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ﴾ 3. وقال الشَّاعرُ 4:
إذا شابَ الغرابُ أتَيتُ أهْلِي … وصارَ القَارُ كاللَّبَنِ الحليبِ
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ اليَوْمَ إِذَا جَاءَ غَدٌ.
فَعَلَى وَجْهَينِ.
وَقَال
أي لا آتِيهم (1) أبدًا.
وقيلَ: إن علَّقَه على ما يَسْتحِيلُ عَقْلًا، وقَعَ في الحالِ؛ لأنَّه لا وُجودَ له، فلم تَتَعلَّقْ به الصِّفَةُ، وبَقِيَ مُجَرَّدُ الطَّلاقِ، فَوقَعَ، وإن عَلَّقَه على المُسْتَحِيلِ عادةً، كالطَّيرَانِ وصُعودِ السَّماءِ، لم يَقَعْ؛ لأنَّ له وُجُودًا، وقد وُجِدَ جنسُ ذلك في مُعْجِزاتِ الأنْبياءِ، وكراماتِ الأوْلياءِ، فجازَ تَعلُّقُ الطَّلاقِ به، ولم يَقَعْ قبلَ وُجودِه.
3522 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالِقٌ اليومَ إذا جاء غدٌ. فعلى
1
الْقَاضِي: لَا تَطْلُقُ.
وَجْهَينِ.
وقال القاضي: لا تَطْلُقُ) وقال القاضي 1: يَقَع في الحالِ؛ لأنَّه عَلَّقَه بشّرْطٍ مُحَالٍ، فَلَغَا الشَّرْطُ، وَوقَعَ الطَّلاقُ، كما لو قال لمَنْ لا سُنَّةَ لطَلاقِها ولا بدْعَةَ: أنتِ طالقٌ للسُّنَّةِ -أو- للبِدْعَةِ.
وقال في «المُجَرَّدِ»: لا يقَعُ؛ لأنَّ شَرْطَه لم يتَحَقَّقْ؛ لأنَّ مُقْتَضاه وُقوعُ الطَّلاقِ إذا جاءَ غدٌ في اليومِ، ولا يَأْتِي غَدٌ إلَّا بعدَ ذَهابِ اليومِ وذَهابِ مَحَلِّ الطَّلاقِ.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ.
فَصْلٌ فِي الطَّلَاقِ فِي زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ
إِذَا قَال: أَنْتِ طَالِقٌ غَدًا.
أَوْ: يَوْمَ السَّبْتِ.
أَوْ: فِي رَجَبٍ.
طَلُقَتْ بِأَوَّلِ ذَلِكَ.
فصل فِي الطَّلاقِ في زَمَنٍ مُسْتَقْبَلٍ
3523 -
مسألة: (إذا قال: أنتِ طَالِقٌ غَدًا. أو: يَوْمَ السَّبْتِ. أو: في رَجَبٍ. طَلُقَتْ بأَوَّلِ ذلك)
إذا قال: أنتِ طالقٌ.
في شَهْرٍ عَيَّنَه، كشَهْرِ رجبٍ، وقعَ الطَّلاقُ في أوَّلِ جُزْءٍ من اللَّيلةِ الأُولَى منه، وذلك حين تَغْرُبُ الشَّمسُ من آخِرِ الشَّهرِ الذي قبلَه، وهو شهرُ جُمادَى.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال أبو ثَوْرٍ: يقَعُ الطَّلاقُ في آخرِ رجبٍ؛ لأنَّ ذلك يَحْتَمِلُ وُقُوعَه في أوَّلِهِ وآخِرِه، فلا يقَعُ إلَّا بعدَ زَوالِ الاحْتِمالِ.
ولنا، أنَّه جَعَل الشَّهْرَ ظَرْفًا للطَّلاقِ، فإذا وُجِدَ ما يكونُ ظَرْفًا له طَلُقَتْ، كما لو قال: إذا دَخَلْتِ الدَّارَ فأنتِ طالقٌ.
فإذا دَخَلَتْ أوَّلَ جُزْءٍ منها طَلُقَتْ.
فأمَّا إن قال: إن لم أقْضِكَ حَقَّكَ في شهرِ رمضانَ، فامْرأتِي طالقٌ.
لم تَطْلُقْ حتى يَخْرُجَ رمضانُ قبلَ قَضائِه؛ لأنَّه إذا قَضاهُ في آخِرِه لم تُوجَدِ الصِّفَةُ.
وفي الموْضِعَينِ لا يُمْنَعُ [مِن وَطْءِ زَوْجتِه قبلَ الحِنْثِ.
وقال مالكٌ: يُمْنَعُ، وكذلك كُلُّ يَمِين على فِعْلٍ يَفْعَلُه، يُمْنَعُ] 1 من الوَطْءِ قبلَ فِعْلِه؛ لأنَّ الظَّاهِرَ أنَّه على حِنْثٍ، لأنَّ الحِنْثَ بتَرْكِ الفِعْلِ وليس
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ.
أَوْ: فِي هذَا الشَّهْرِ.
طَلُقَتْ فِي الْحَالِ.
وَإنْ قَال: أَرَدْتُ فِي آخِرِ هَذِهِ الأَوْقَاتِ.
دُيِّنَ.
بفاعلٍ.
ولَنا، أنَّ طَلاقَه لم يَقَعْ، فلا يُمْنَعُ مِنَ الوَطءِ لأجْلِ اليَمِينِ، كما لو حَلَفَ: لا فعلتُ كذا.
ولو صَحَّ ما ذكَرَه لَوجَبَ إيقاعُ الطَّلاقِ.
ولو قال: أنتِ طالقٌ غدًا.
أو: يومَ السَّبْتِ.
وقَعَ الطَّلاقُ في أوَّلِ جُزْءٍ منه؛ لِما ذَكَرْنا.
3524 -
مسألة: (ولو قال: أنتِ طَالِقٌ اليومَ. أو: في هذا الشَّهْرِ)
فكذلك؛ لِما ذَكَرْنا (وإن قال: أرَدْتُ في آخِرِه) أو أوسَطِه، أوْ يَوْمِ كذا مِنَ الشَّهْرِ، أو في النَّهارِ دونَ اللَّيلِ.
قُبِلَ فيما بينَه وبينَ اللهِ
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
تَعَالى (وَهَلْ يُقْبَلُ في الحُكْم؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَين) إحْداهما، يُقْبَلُ.
وهو الصَّحِيحُ؛ لأنَّ آخِرَ الشَّهْرِ منه، فإرادَتُه لا تُخالِفُ ظاهِرَ لَفْظِه، وكذلك أوسَطُه، إذ ليس أوَّلُه بأوْلَى في ذلك مِن وَسَطِه وآخِرِه، بل رُبَّما كان آخِرُه أوْلَى؛ لأنَّه مُتَيَقَّنٌ، وما قبلَه مَشْكُوكٌ فيه.
والثانيةُ، لا يُقْبَلُ؛ لأنه لو أطْلَقَ لَتَناوَلَ أوَّلَه.
فأمَّا إن قال: أنتِ طالقٌ في أوَّلِ رمضانَ.
أو: غُرَّةِ رمضانَ.
أو: في رأْسِ شهرِ رمضانَ.
أو: اسْتِقْبالِ شهرِ رمضانَ.
أو: مَجِئ شهرِ رمضانَ.
طَلُقَتْ بأوَّلِ جُزْءٍ منه، ولم يُقْبَلْ قَوْلُه: أردتُ أوْسَطَه.
أَو: آخِرَه.
ظاهِرًا [ولا] 1 باطنًا؛ لأنَّ لَفْظَه لا يَحْتَمِلُه.
وإن قال: بانْقِضاءِ رمضانَ.
أو: انْسِلاخِه.
أو: نَفادِه.
أو: مُضِيِّه.
طَلُقَتْ
..................................
في آخِرِ جُزْءٍ منه.
وإن قال: أنتِ طالقٌ أوَّلَ نهارٍ مِن شهرِ رمضانَ.
أو: في أوَّلِ يومٍ منه.
طَلُقَتْ بطُلوعِ فَجْرِ أوَّلِ يوم مِنه؛ لأنَّ ذلك أولُ النهارِ واليومِ.
ولهذا لو نَذَرَ اعتِكاف يومٍ، أو صيامَ يومٍ، لَزِمَه مِن طُلُوعِ الفَجْرِ.
وإن قال: أنتِ طالقٌ إذا كان رمضانُ.
أو: إلى رمضانَ.
أو: إلى هلالِ رمضانَ.
أو: في هلالِ رمضانَ.
طَلُقَتْ ساعةَ يَسْتَهِلُّ، إلَّا أن يقولَ 1: مِن السَّاعةِ إلى الهلالِ.
فتَطْلُقُ في الحالِ.
وإنْ قال: أنتِ طالقٌ
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ وَغَدًا وَبَعْدَ غَدٍ.
أَوْ: فِي الْيَوْمِ وَفِي
في مَجِئِ ثلاثةِ أيَّامٍ.
طَلُقَتْ في أوَّلِ اليومِ الثَّالثِ.
3525 -
مسألة: (وإن قال: أنتِ طَالقٌ اليومَ وَغَدًا وبعدَ
غَدٍ وَفِي بَعْدِهِ.
فَهَلْ تَطْلُقُ ثَلَاثًا أَوْ وَاحِدَةً؟ عَلَى وَجْهَينِ.
وَقِيلَ: تَطْلُقُ فِي الْأُولَى وَاحِدَةً، وَفِي الثَّانِيَةِ ثَلَاثًا.
غَدٍ.
أو: في اليَوْمِ وفي غَدٍ وفِي بَعْدِه.
فهل تَطْلُقُ ثَلاثًا أو واحِدَةً؟ عَلَى وَجْهَين) أحدُهما، تَطْلُقُ واحدةً؛ لأنَّها إذا طَلُقَتِ اليومَ، فهي طالقٌ في غدٍ وفي بعدِه.
والثاني، تَطْلُقُ ثلاثًا؛ لأنَّ ذِكْرَه لأوْقاتِ الطَّلاقِ يدُلُّ على تَعْدادِه، لعدَمِ الفَائِدةِ في 1 ذِكْرِ أوْقاتِه بدونِ تَعْدادِه (وقيل: تَطْلُقُ في الأولَى واحدةً) لِما ذَكَرْنا للوَجْهِ الأوَّلِ (وفي الثانيةِ ثلاثًا) لأنَّ ذِكْرَه «في» وتكرارَه يدُلُّ على تَكْرارِ الطَّلاقِ.
وَإنْ قَال: أَنْتِ طَالِقٌ الْيَوْمَ إِنْ لَمْ أُطَلِّقْكِ الْيَوْمَ، طَلُقَتْ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْهُ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: لَا تَطْلُقُ.
3526 - مسألة: (وإن قال: أنتِ طالقٌ اليومَ إن لم أُطَلِّقْكِ اليومَ. طَلُقَتْ في آخِرِ جُزْءٍ منه)
إذا بَقِيَ مِن اليومِ مَا لا يَتَّسِعُ لِتَطْلِيقِها فيه.
وهذا اخْتِيارُ أبي الخَطَّابِ، وقولُ أصحابِ الشافعيِّ.
وحَكَى القاضي فيها وَجْهين؛ هذا، ووَجْهًا آخرَ، أنَّ الطَّلاقَ لا يقَعُ.
وحُكِيَ ذلك عن أبي بكرٍ، وابنِ سُرَيجٍ 1؛ لأنَّ محَلَّ الطَّلاقِ اليوم، ولا يُوجَدُ شَرْطُ طَلاقِها إلَّا بخُروجِه، فلا يَبْقَى مِن مَحَلٍّ طلاقِها ما يَقَعُ الطَّلاقُ فيه.
ولَنا، أنَّ خُروجَ اليومِ يفوتُ به طلاقُها، فوَجَبَ وُقوعُه قبلَه في آخِرِ وقتِ الإِمكانِ، كموتِ أحَدِهما في اليومِ، وذلك لأنَّ معنى يَمِيِنه: إنْ فاتَنِي