وَإنْ شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّلاقِ، بَنَى عَلَى الْيَقِينِ.
وَقَال الْخِرَقيُّ: إِذَا طَلَّقَ، فَلَمْ يَدْرِ أواحِدَةً طَلَّقَ أم ثَلَاثًا، لَمْ يَحِلَّ لَهُ وَطْؤهَا حَتَّى يَتَيَقَّنَ.
3635 - مسألة: (وإن شَكَّ فِي عَدَدِ الطَّلاقِ، بَنَى على اليَقِينِ)
لِما ذَكَرْنَا (وقال الخِرَقِيُّ: إذا طَلَّقَ، فلم يَدْرِ واحدِةً طَلَّقَ أم ثَلاثًا) اعْتَزَلها، وعليه نَفَقَتُها ما دامَتْ في العِدَّةِ، فإن راجَعَها في العِدَّةِ لَزِمَتْهُ النَّفَقَةُ، ولمْ يَطَأها حتى يَتَيَقَّنَ كَمِ الطَّلاقُ؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للتَّحْرِيمِ، شَاكٌّ
..................................
في التَّحْلِيلِ 1. وجملةُ ذلك، أنَّ مَن طلَّقَ وشكَّ في عَدَدِ الطَّلَقاتِ، بَنَى على اليَقِينِ.
نَصَّ عليه أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ، في رجُل لَفَظَ بطَلاقِ امْرَأتِه، لا يَدْرِي واحدَةً أم ثلاثًا؟ فقال: أمَّا الواحِدَةُ فقد وَجَبَتْ عليه، وهي عندَه حتى يَسْتَيقِنَ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعيُّ، لأنَّ ما زاد على القَدْرِ الذي تَيَقَّنَه طلاقٌ مَشْكُوكٌ فيه، فلم يَلْزَمْه، كما لو شكَّ في أصْلِ الطَّلاقِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه تَبْقَى أحْكامُه أحْكامَ المُطَلِّقِ دُونَ الثَّلاثِ من إباحةِ الرَّجْعةِ.
وإذا ارْتَجَعَ 2 عادت إلى ما كانت عليه قبلَ الطَّلاقِ.
وقال الخِرَقِيُّ: يَحْرُمُ وَطْؤُها.
ونحوُه قولُ مالكٍ، إلَّا أنَّه حُكِيَ عنه، أنَّه يَلْزمُه الأكثرُ مِن الطَّلاقِ المشْكُوكِ فيه.
وقولُهما: مُتَيَقنٌ للتَّحْرِيمِ؛ لأنَّه تَيَقَّنَ وُجودَه بالطَّلاقِ، وشَكَّ في رَفْعِه بالرَّجْعَةِ، فلا يَرْتَفِعُ بالشَّكِّ، كما لو أصابَ ثَوْبَه نجَاسَةٌ، وشَكَّ في مَوْضِعِها، فإنَّه لا
..................................
يَزُول حُكْمُ النَّجاسَةِ بغَسْلِ مَوْضعٍ مِن الثَّوْبِ، ولا يَزُولُ حتى يَغْسِلَه جَمِيعَه.
وفارَقَ لُزُومَ النَّفَقَةِ، فإنَّها لا تَزُولُ بالطَّلْقَةِ الواحدةِ، فهي باقيةٌ؛ لأنَّها كانت باقِيَةً، وقد شَكَكْنا في زَوالِها.
وظاهرُ قولِ سائرِ أصحابِنا، أنَّه إذا راجَعَها حَلَّتْ له.
وهو قولُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
وهو ظاهرُ كلامِ أحمدَ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ؛ لأنَّ التَّحْرِيمَ المُتَعَلِّقَ بما تَيَقَّنَه يَزُولُ بالرَّجْعَةِ يَقِينًا، فإنَّ التَّحْريمَ أنْواعٌ؛ تحريمٌ تُزِيلُه الرَّجْعَةُ، وتحْريمٌ يُزِيلُه نِكاحٌ جديدٌ، وتحريم يُزِيلُه نِكاحٌ بعد زَوْجٍ وإصابةٍ، ومَن تَيَقَّنَ الأدْنَى لا يثْبُتُ فيه حُكْمُ الأعْلَى، كَمَن تَيَقَّنَ الحَدَثَ الأصْغَرَ، لا يَثْبُت فيه حُكْمُ الأكْبرِ، ويَزُولُ تحْريمُ الصَّلاةِ بالطَّهارةِ الصُّغْرى، ويُخالِفُ الثَّوْبَ، فإنَّ غَسْلَ بعْضِه لا يَرْفعُ ما تَيَقَّنَه مِن النَّجاسَةِ، فنَظِيرُ مَسألتِنا أن يَتَيقَّنَ
وَكَذَلِكَ قَال فِي مَنْ حَلَف بِالطَّلَاقِ لَا يَأكُلُ تَمْرَةً، فَوَقَعَتْ فِي تَمْرٍ، فَأكَلَ مِنْهُ وَاحِدَةً، مُنِعَ مِنْ وَطْءِ امْرَأَتِهِ حَتَّى يَتَيَقَّنَ أنَّهَا لَيسَتِ الَّتِي وَقَعَتِ الْيَمِينُ عَلَيهَا، وَلَا يَتَحَقَّقُ حِنْثُهُ حَتَّى يَأكُلَ التَّمْرَ كُلَّهُ.
نجاسةَ كُمِّ الثَّوبِ ويَشُكَّ في نجاسةِ سائرِه، فإنَّ حُكْمَ النَّجاسةِ فيه يَزُولُ بغَسْلِ الكمِّ وحْدَه، كذا هاهُنا، ويُمْكِنُ مَنْعُ حُصولِ التَّحْريم هاهُنا ومَنْعُ تَيَقُّنِه، فإنَّ الرَّجْعِيَّةَ مُباحَة لزَوْجِها، في ظاهرِ المذهبِ، فما هو إذًا مُتَيَقِّنٌ للتَّحْريمِ، بل هو مُتَيَقِّنٌ للإِباحَةِ، شاكٌّ في التَّحْريم (وكذلك قال في مَن حَلَفَ لا يَأكُلُ تَمْرَةً، فوَقَعَتْ في تَمْرٍ، فأكلَ منه واحدةً، مُنِعَ مِن وَطْءِ امْرأتِه حتى يتَحَقَّقَ 1 أنَّها ليستِ التي وَقَعَتِ اليَمِينُ عليها، ولا يتَحَقَّقُ حِنْثُه حتى يَأكُلَ التَّمْرَ كُلَّه) وهذه المسألةُ لا تَخْلُو مِن أحْوالٍ ثلاثٍ؛ أحدُها، أنَّ يَتَحَقَّقَ أكلَ التَّمرةِ المحْلوفِ عليها؛ إمَّا بأن
..................................
يَعْرِفَها بعَينها أو صِفَتِها، أو يأكُلَ التَّمْرَ كُلَّه، أو الجانبَ الذي وَقَعَتْ فيه كلَّه، فيَحْنَثُ بلا خلافٍ بينَ أهلِ العِلْمِ؛ لأنَّه أكلَ التَّمرةَ المحْلُوفَ عليها.
الثَّاني، أنَّ يتَحَقَّقَ أنَّه لم يَأكُلْها، إمَّا بأن لا يأكُلَ مِنَ التَّمْرِ شيئًا، أو يأكُلَ شيئًا يَعْلَمُ أنَّه غيرُها، فلا يَحْنَثُ أيضًا بلا خلافٍ، ولا يَلْزَمُه اجْتِنابُ زَوْجَتِه.
الثَّالثُ، أكلَ مِن التمرِ شيئًا، واحدةً أو أكثَرَ، إلى أن لا تَبْقَى منه إلَّا واحدة، ولم يَدْرِ أكَلَها أو لا؟ فهذه مسْألَةُ الخِرَقِيِّ، ولا يتَحَقَّقُ حِنْثُه؛ لأنَّ الباقِيَةَ يَحْتَمِلُ أنَّها المحْلوفُ عليها، ويَقِينُ النِّكاحِ ثابِتٌ، فلا يَزُولُ بالشكِّ.
وهذا قولُ الشافعيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
فعلى هذا، يكونُ حُكْمُ الزُّوْجِيَّةِ باقِيًا في لُزُومِ نَفَقَتِها، وكُسْوَتِها، ومَسْكَنِها، وسائِرِ أحْكامِها، إلَّا في الوَطْءِ؛ فإنَّ الخِرَقِيَّ قال.
يُمْنَعُ مِن وَطْئِهَا، لأنَّه شاكٌّ في حِلِّها، فحَرُمَتْ عليه، كما لو اشْتَبَهَتْ عليه امْرأتُه بأجْنَبيَّةٍ.
وذَكَرَ أبو الخَطَّابِ أنَّها باقِيَةٌ على الحِلِّ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ الأَصْلَ الحِلُّ، فلا يَزُولُ بالشَّكِّ، كسائرِ أحْكام النِّكاحِ، ولأنَّ النِّكاحَ باقٍ حُكْمًا 1، فأثْبَتَ الحِلَّ، كما لو شَكَّ هل طَلَّقَ أو لا؟ وإن كانت يَمِينُه: ليَأكُلَنَّ هذه التَّمرةَ.
فلا يتَحَقَّقُ بِرُّه حتى يَعْلَمَ أنَّه أكَلَها.
وَإنْ قَال لِامْرَأتيهِ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ.
يَنْوي وَاحِدَةً مُعَينَّةً، طَلُقَتْ وَحْدَهَا، وَإنْ لَمْ يَنْو، أُخْرِجَتِ الْمُطَلَّقَةُ بِالْقُرْعَةِ.
3636 - مسألة: (وإن قال لامْرأتَيه: إحْداكما طالِقٌ. يَنْوي واحِدَةً بعَينها، طَلُقَتْ وَحْدَهَا، فإن لم يَنْو، أُخْرِجَتِ المُطَلَّقَةُ بالقُرْعَةِ)
أمَّا إذا نَوَى واحدةً بعَينها، فإنَّها تَطْلُقُ وحدَها؛ لأَنه عَيَّنهَا بنِيَّته، فأشْبَهَ ما لو عَيَّنهَا بلَفْظِه، فإن قال: إنَّما أرَدْتُ فُلانَةَ.
قُبِلَ منه؛ لأنَّ ما قاله مُحْتَمِلٌ، ولا يُعْرَفُ إلَّا مِن جِهَتِه.
وأمَّا إن لم يَنْو واحدةً بعَينها، فإنَّها تُخْرَجُ بالقُرْعَةِ.
نَصَّ عليه في روايةِ جماعةٍ.
وبه قال الحسنُ، وأبو ثَوْرٍ.
وقال قَتَادَةُ، ومالكٌ: يَطْلُقْنَ جميعًا.
وقال حَمَّادُ بنُ أبي سليمانَ، والثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ: له أن يَخْتارَ أيَّتَهُنَّ شاءَ، فَيُوقِعَ عليها الطَّلاقَ؛ لأَنه يُمْكِنُ 1 إيقاعُه ابْتِداءً وتَعْيينُه، فإذأ أوْقَعَه ولم يُعَينه، مَلَكَ تَعْيِينَه؛ لأنَّه اسْتِيفَاءُ ما مَلَكَه.
ولَنا، أنَّ ما ذَكَرْناه مَرْويٌّ
..................................
عن عليٍّ، وابنِ عباس، رَضِيَ الله عنهما، ولا مُخالِفَ لهما في الصَّحابةِ، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ بُنِيَ على التَّغْليب والسِّرايَةِ 1، فتَدْخُلُه القُرْعَةُ كالعِتْقِ، وقد ثَبَتَ الأصْلُ بكَوْنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أقْرَعَ بينَ العَبيدِ السِّتَّةِ 2. ولأنَّ الحَقَّ لواحِدٍ غيرِ مُعَيَّن، فوَجَبَ تَعْيِينُه بالقُرْعَةِ، كالحُرِّيَّةِ في العَبِيدِ إذا أعْتَقَهُم في مَرَضِه ولم يَخْرُجْ جمِيعُهم مِن الثُّلُثِ، وكالسَّفَرِ بإحْدَى نِسائِه، والبِدايَةِ بإحْداهُنَّ في القَسْمِ، وكالشَّرِيكَينِ إذا اقْتَسَما، ولأنَّه طَلَّقَ واحدةً مِن نِسائِه، لا يُعْلَمُ عَينُها، فلم يَمْلِكْ تَعْيِينَها باخْتِيارِه، كالمَنْسِيَّةِ.
وأمَّا الدَّليلُ على أنَّهُنَّ لا يَطْلُقْنَ جميعًا، أنَّه أضافَ الطَّلاقَ إلى واحدةٍ، فلم يَطْلُقِ الجميعُ، كما لو عَيَّنهَا.
قولُهم: إنَّه كان يَمْلِكُ الإِيقاعَ والتَّعْيِينَ.
قُلْنا: مِلْكُه للتَّعْيِينِ بالإِيقاعِ لا يَلْزَمُ أن يَمْلِكَه بعدَه، كما لو طَلَّقَ واحدةً بعَينها وأُنْسِيَها.
فإن مات قبلَ القُرْعَةِ والتَّعْيينِ، أَقرَعَ الوَرَثَةُ بَينَهُنَّ، فمَن وقَعَتْ عليها قُرْعَةُ الطَّلاقِ، فحُكْمُها في المِيراثِ حُكْمُ ما لو عَيَّنهَا
..................................
بالتَّطْليقِ.
[نَصَّ أحمدُ على هذا.
وقال أبو حنيفةَ: يُقْسَمُ الميراثُ بينَ الكلِّ، لتَسَاويهنَّ في احتمالِ الاستحقاقِ، ولا يَخْرُجُ الحَقُّ] 1 عنهُنَّ 2. وقال الشافعيُّ: يُوقَفُ المِيراثُ المُختَصُّ بهنَّ حتى يَصْطَلِحْنَ عليه؛ لأنه لا يُعْلَمُ المُسْتَحِقُّ منْهُنَّ.
ووَجْهُ قولِ الخِرَقِيِّ، قولُ عليٍّ 3، رَضِيَ الله عنه، ولأنَّهُنَّ قد تَساوَينَ، ولا سَبِيلَ إلى التَّعْيينِ، فوَجَبَ المصِيرُ إلى القُرْعَةِ، كمَنْ أعْتَقَ عَبِيدًا في مَرَضِه لا مال له سِوَاهم، وقد ثَبَتَ الحُكْمُ فيهم بالنَّصِّ؛ لأنَّ في تَوْرِيثِ الجميعِ تَوْرِيثَ مَن لا يَسْتَحِقُّ يَقِينًا، والوَقفُ لا إلى غايَةٍ حِرْمانٌ للمُسْتَحِقِّ يَقِينًا، والقُرْعَةُ يُسْلَمُ بها 4 مِن هذين المحْذُورَين، ولها نَظيرٌ في الشَّرْعِ.
..................................
فصل: فإن قال لنِسائِه: إحْداكُنَّ طالقٌ غدًا.
طَلُقَتْ وَاحدَةٌ مِنْهُنَّ إذا جاء الغدُ، وَأُخْرِجَت بِالقُرْعَةِ.
فإن مات قبلَ الغَدِ، وَرِثْنَه كُلُّهُنَّ.
وإن ماتَتْ إحْداهُنَّ وَرِثَها؛ لأنَّها ماتَتْ قبلَ وُقوعِ الطَّلاقِ، فإذا جاء غدٌ، أُقْرِعَ بينَ المَيِّتةِ والأحْياءِ، فإن وَقَعَتِ القُرْعَةُ على المَيتةِ، لم يَطْلُقْ شيءٌ مِن الأحْياءِ، وصارَتْ كالمُعَينَّةَ بقولِه: أنت طالق غدًا.
وقال القاضي: قياس المذهبِ أن يَتَعَيَّنَ الطَّلاقُ في الأحْياءِ، فلو كانتا اثْنَتَينِ، فماتَتْ إحْداهما، طَلُقَتِ الأخْرَى 1، كما لو قال لامْرأتِه وأجْنَبِيَّةٍ: إحْداكُما طالق.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
والفَرْقُ بينَهما ظاهِرٌ؛ فإنَّ الأجْنَبِيَّةَ ليست مَحَلًّا للطَّلاقِ وَقْتَ قوْلِه، فلا يَنْصَرِفُ قولُه إليها، وهذه قد كانت مَحَلا للطَّلاقِ، فإرادَتُها بالطَّلاقِ مُمْكِنَة، وإرادَتُها بالطَّلاقِ كإرادَةِ الأخْرَى، وحُدُوثُ الموتِ بها لا يَقْتَضِي في حَقِّ الأخْرَى
..................................
طلاقًا، فتَبْقَى على ما كانت عليه.
والقولُ في تَعْليقِ العِتْقِ، كالقَوْلِ في تَعْليقِ الطَّلاقِ، فإذا جاء غدٌ وقد باع بعْضَ العَبْدِ، أقْرَعَ بينَه وبينَ العَبْدِ الآخَرِ، فإن وقَعَتْ على المَبِيعِ، لم يَعْتِقْ منه شيءٌ.
وعلى قولِ القاضي، يَنْبَغِي أن يَتَعَيَّنَ العِتْقُ في الباقِينَ، وكذلك يَنْبَغِي أن يكونَ مذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ له تَعْيِينَ العِتْقِ عندَهم بقولِه، فبَيعُ أحَدِهم صَرْفٌ للعِتْقِ عنه، فَيَتَعَيَّنُ في الباقِينَ.
فإن باعَ نِصْفَ العبدِ، أقْرَعَ بينَه وبينَ الباقِينَ، فإن وَقَعَت قُرْعَةُ العِتْقِ عليه، عَتَقَ نِصْفُه، وسَرَى إلى باقِيه إن كان المُعْتِقُ مُوسِرًا، وإن كان مُعْسِرًا، لم يَعْتِقْ إلّا نِصْفُه.
فصل: وإذا قال: امرأتيِ طالق، وأمَتى حُرَّةٌ.
وله نِساءٌ وإماءٌ، ونَوَى مُعَينةً، انْصَرَفَ إليها، وإن نوَى واحدةً مُبْهَمَة، فهي مُبْهَمَة فيهِنَّ، وإن لم يَنْو شيئًا، فقال أبو الخَطَّاب: يَطْلُقُ نِساؤه كُلُّهُنَّ، ويَعْتِقُ إماؤه، لأنَّ الواحِدَ المُضافَ يُرادُ به الكُلُّ، كقولِه تعالى: ﴿وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾ 1. و: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيلَةَ الصِّيَامِ﴾ 2. ولأنَّ ذلك
وَإن طَلَّقَ وَاحِدَةً بِعَينهَا وَأُنْسِيَهَا، فَكَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا.
يُرْوَى عن ابنِ عباس.
وقال الجماعَةُ: يقَعُ على واحدةٍ مُبْهَمَةٍ، وحُكْمُه حُكْمُ ما لو قال: إحْداكُنَّ طالقٌ، وإحْداكُنَّ حُرَّةٌ.
لأنَّ لَفْظَ الواحدِ لا يُسْتَعْمَلُ في الجمعِ إلَّا مَجازًا، والكلامُ يُحْمَلُ على حقيقَتِه ما لم يَصْرِفْه عنها دليلٌ، ولو تَساوَى الاحْتمالان، لوجَبَ قَصْرُه على الواحدةِ؛ لأنَّها اليَقِينُ، فلا يَثْبُتُ الحُكْمُ فيما زادَ عليها بأمْرٍ مَشْكوكٍ فيه.
وهذا أصَحُّ.
واللهُ أعلمُ.
3637 -
مسألة: (وإن طَلَّقَ واحِدَةً وَأُنْسِيَها، فكذلك عندَ أصحابِنا)
أكثرُ أصحابِنا على أنَّه إذا طَلَّقَ امرأةً مِن نِسائِه وأُنْسِيَها، أنَّها تُخْرَجُ بالقُرْعَةِ، فيَثْبُتُ حُكْمُ الطَّلاقِ فيها، وتَحِل له الباقِيات.
وقد روَى
..................................
إسْماعيلُ بنُ سعيدٍ عن أحمدَ ما يدُلُّ على أنَّ القُرْعَةَ لا تُسْتَعْملُ هاهُنا لمعْرفةِ الحِلِّ، وإنَّما تُسْتَعْملُ لمعْرفَةِ المِيراثِ، فإنَّه قال: سألْتُ أحمدَ عن الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرأةً مِن نِسائِه، ولا يَعْلَمُ أيَّتهُنَّ طلَّقَ؟ قال: أكْرَهُ أن أقولَ في الطَّلاقِ بالقُرْعَةِ.
قلتُ: أرَايتَ إن ماتَ هذا؟ قال: أقولُ بالقُرْعَةِ.
وذلك لأنَّ القُرْعَةَ تَصِيرُ على المالِ.
وجَماعَةُ مَن رَوَى عنه القُرْعَةَ في المُطَلَّقَةِ المَنْسِيَّةِ إنَّما هو في التَّوْرِيثِ، فأمَّا في الحِلِّ فلا يَنْبَغِي أن يَثْبُتَ بالقُرْعَةِ.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ، فالكلامُ إذًا في المسْألةِ في شَيئَينِ؛ أحدُهما، في استعْمالِ القُرْعَةِ في المَنْسِيَّةِ في التَّوْريثِ.
والثَّاني، في اسْتِعْمالِها فيها للحِلِّ.
أمَّا الأوَّلُ فوَجْهُه ما روَى عبدُ اللهِ بنُ حُمَيدٍ 1، قال: سألْتُ أبا جَعْفَرٍ، عن رَجُل قَدِمَ مِن خُراسَانَ، وله أرْبَعُ نِسْوَةٍ، [قَدِمَ البَصْرَةَ] 2 فَطَلَّقَ إحْداهُنَّ، ونَكَح، ثم مات لا يَدْرِي الشهودُ أيَّتهُنَّ طَلَّقَ؟ فقال: قال عليٌّ، رَضِيَ اللهُ عنه: أقْرِعْ بينَ الأرْبَعِ، وأنْدِرْ 3 مِنْهُنَّ واحِدَةً،
..................................
واقْسِمْ بينَهنَّ المِيراثَ.
ولأنَّ الحُقوقَ إذا تَساوَتْ على وَجْهٍ لا يُمْكِنُ التَّمْييزُ إلَّا بالقُرْعَةِ، صَحَّ اسْتِعْمالُها، [كالشركاءِ في القِسْمَةِ، والعبيدِ في الحريةِ.
فأمَّا القُرْعةُ في الحلِّ في المَنْسِيَّةِ، فلا يَصِحُّ اسْتِعْمالُها] 1؛ لأنَّها اشْتَبَهَتْ عليه زَوْجَتُه بأجْنَبِيَّةٍ، فلم تَحِلَّ له إحْداهُما بالقُرْعَةِ، كما لو اشْتَبَهَتْ بأجْنَبِيَّةٍ لم يَكُنْ له عليها عَقْدٌ، ولأنَّ القُرْعَةَ لا تُزِيلُ التَّحْريمَ عن المُطَلَّقةِ، ولا تَرْفَعُ الطلاقَ عمَّن وقعَ عليها 2، ولاحْتِمالِ كونِ المُطَلَّقةِ غيرَ مَن وقَعَتْ عليها القُرْعَةُ، ولهذا لو ذَكَرَ أنَّ المُطَلَّقَةَ غيرُها، حَرُمَتْ عليه، ولو ارْتَفَعَ التَّحْريمُ أو زال الطَّلاقُ، لَمَا عادَ بالذِّكْرِ، فيَجِبُ بقَاءُ التَّحْريمِ بعدَ القُرْعَةِ، كما كان قبلَهَا.
وقد قال الخِرَقِي، في مَن طَلَّقَ امْرأتَه، فلمِ يَدْرِ واحدةً طَلَّقَ أم ثلاثًا؟ ومَن حَلَفَ بالطَّلاقِ لا يَأكُلُ تَمْرَةً، فوَقَعَتْ في تمْرٍ، فأكَلَ منه واحدةً: لا تَحِلُّ له امْرأتُه، حتى يَعْلَمَ أنَّها ليستِ التي وقَعَتِ اليَمِينُ عليها.
فحَرَّمَهَا مع أنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، ولم يُعارِضْه يَقِينُ التَّحْريمِ، فهاهنا أوْلَى.
وكذلك الحُكْمُ [في كل مَوضعٍ وقَعَ] 3 الطَّلاقُ على امْرأةٍ بعَينها، ثم اشْتَبَهَتْ بغيرِها؛ مثلَ أن يَرَى امْرَأةً
وَالصَّحِيحُ أنَّ الْقُرْعَةَ لَا مَدْخَلَ لَهَا هاهنَا، وَتَحْرُمَانِ عَلَيهِ جَمِيعًا، كَمَا لَو اشْتَبَهَتِ امْرَأتهُ بِأجْنَبِيَّةٍ.
مُوَلِّيَةً، فيقولُ: أنتِ طالقٌ.
ولا يَعْلَمُ عَينَها مِن نِسائِه، فإنَّ جميعَ نِسائِه يَحْرُمْنَ عليه، حتى يَعْلَمَ المُطَلَّقَةَ، ويُؤْخَذُ بنَفَقَةِ الجميعِ؛ لأنَّهُنَّ مَحْبُوسات عليه.
وإن أقْرَعَ بينَهُنَّ، لم تُفِدِ القُرْعَةُ شيئًا، ولا يَحِلُّ لمَن وقَعَتْ عليها القُرْعَةُ التَّزَوُّجُ 1؛ لأنَّها يَجوزُ أن تكونَ غيرَ المُطَلّقَةِ.
وقال أصحابُنا: إذا أقْرَعَ بَينَهُنَّ، فخَرَجَتِ القُرْعَةُ على إحداهُنَّ، ثَبَتَ حُكْمُ الطَّلاقِ فيها، فحَلَّ لها النِّكاحُ بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها، وأُبِيحَ للزَّوْجِ مَن سِواها، كما لو طَلَّقَ واحدةً غيرَ مُعَينَّةَ.
واحْتَجُّوا بما ذَكَرْنا مِن حديثِ عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، ولأنَّها مُطَلَّقَة لم تُعْلَمْ بِعَينها، فأشْبَهَ ما لو قال: إحْداكُنَّ طالق.
ولم يُرِدْ واحدةً بعَينها.
ولأنَّه إزَالةُ أحَدِ المِلْكَين المَبْنِيَّين على التَّغْلِيبِ والسِّرايَة، أشْبَهَ العِتْقَ.
قال شيخُنا: (والصَّحِيحُ أنَّ القُرْعَةَ لا مَدْخَلَ لها هاهُنا) لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ (وتَحْرُمان عليه، كما لو اشْتَبَهَتِ امْرأتُه بأجْنَبِيَّةٍ) وفارَقَ ما قاسُوا عليه، فإنَّ الحَقَّ لم يَثْبُت لواحدٍ بعَينه، فجعَلَ الشَّرْعُ القُرْعَةَ مُعَيَّنةً، فإنَّها تَصْلُحُ للتَّعْيِينِ، وفي مسألتِنا، الطَّلاقُ واقعٌ على مُعَينَّةٍ لا مَحَالةَ، والقُرْعَةُ لا تَرْفَعُه عنها، ولا تُوقِعُه على غيرِها، ولا يُؤْمَنُ وُقُوعُ القُرْعَةِ على غيرِها، واحْتِمالُ وُقوعِ القُرْعَةِ على غيرِها كاحْتِمالِ وُقوعِها عليها، بل هو أظْهَرُ مِن غيرِها، فإنَّهُنَّ إذا كُنَّ
وَإنْ تَبَيَّنَ أنَّ الْمُطَلَّقَةَ غَيرُ الّتِي خَرَجَتْ عَلَيهَا الْقُرْعَةُ، رُدَّتْ إِلَيهِ فِي ظَاهِرِ كَلَامِهِ، إلا أن تَكُونَ قَدْ تَزَوَّجَتْ، أو تَكُونَ بِحُكْمِ حَاكِمٍ،
أرْبَعًا، فاحْتِمالُ وُقُوعِه في واحدةٍ مِنهنَّ بعَينها أنْدَرُ مِن احْتِمال وُقُوعِه في واحدةٍ مِن ثلاثٍ، وكذلك لو اشْتَبَهَتْ أُخْتُه بأجْنَبِيَّةٍ، أو مَيتَةٌ بمُذَكَّاةٍ، أو زَوْجَتُه بأجْنَبِيَّةٍ، أو حَلَفَ بالطَّلاقِ لا يأكُلُ تَمْرَةً، فَوقَعَتْ في تَمْر، وأشْباهُ ذلك ممَّا يطُولُ ذِكْرُه، لا تَدْخُلُه قُرْعَة، فكذا هاهُنا.
وأمَّا حديثُ عليٍّ، فهو في المِيراثِ، لا في الحِلِّ، وما نَعْلَمُ بالقَوْلِ بها في الحِلِّ مِنَ الصَّحابةِ قائِلًا.
3638 -
مسألة: فَعلى قولِ أصحابِنا (إن تَبَيَّنَ أنَّ المُطَلَّقَةَ غَيرُ التي وَقَعَت عليها القُرْعَةُ)
بأن يَذْكُرَ ذلك، تَبَيَّنَ أنَّها كَانَتْ مُحَرَّمَةً عليهِ، ويَكُونُ وُقُوعُ الطَّلاقِ مِن حينَ طَلَّقَ، لا مِنِ حِينَ ذَكَرَ.
وقَوْلُه في هذا مَقْبُولٌ؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه، وتُرَدُّ إليه التي خرَجَتْ عليها القُرْعَةُ؛ لأننا ظَهَرَ لَنا أنَّها غيرُ مُطَلَّقَةٍ، والقُرْعَةُ ليستْ بطَلاقٍ صَريح ولا كِنايَةٍ، فإن لم تَكُنْ تَزَوَّجَتْ (رُدَّتْ إليه) وقُبِلَ قوْلُه في هذا؛ لأنَّه أمْرٌ مِن جِهَتِه، لا يُعْرَفُ إلا مِن قِبَلِه.
3639 -
مسألة: (إلَّا أن تَكُونَ قد تَزَوَّجَتْ، أو تَكُونَ بحُكْمِ
وَقَال أبو بَكْرٍ وَابْنُ حَامِدٍ: تَطْلُقُ الْمَرْأتَانِ.
حاكِمٍ) لأنها إذا تَزَوَّجَتْ، فقد تَعَلَّقَ بها حَقُّ الزَّوْجِ الثاني، فلا يُقْبَلُ قَوْلُه فِي فسْخِ نِكَاحِه، والقرْعَةُ مِن جِهَةِ الحاكِمِ بالفرْقَةِ لا يُمْكِنُ الزَّوْجَ رَفْعُها، فَتَقَعُ الفُرْقَةُ بِالزَّوْجَينِ.
قال أحمدُ في رِوايةِ المَيمونِيِّ: إذا كان له أرْبَعُ نِسْوةٍ، فطَلَّقَ واحدَةً مِنْهُنَّ، ولم يَدْرِ أيتهُن طَلَّقَ؟ يُقْرَعُ بَينَهنَّ.
فإن وقعتِ القُرْعَة على واحدةٍ، ثم ذَكَرَ، فقال: هذه تَرْجِعُ إليه، والتي ذَكَرَ أنَّها التي طَلَّقَ يَقَعُ الطَّلاقُ عليها، فإن تَزَوَّجَتْ، فهذا شيءٌ قد مَرَّ، فإن كان الحاكِم أقْرَعَ بينَهُنَّ، فلا أُحِبُّ أنْ تَرْجِعَ إليه؛ لأنَّ الحاكمَ في ذلك أكثر منه (وقال أبو بكر وابن حامدٍ: تَطْلُقُ المرْأتان) ولا تَرْجِعُ إليه واحدةٌ منهما؛ لأنَّ الثَّانيةَ حَرُمَتْ بقَوْلِه، وتَرِثُه إن مات، ولا يَرِثُها، ويَجِئُ على قِياسِ قوْلِهما، أن تَلْزَمَه نَفَقَتُها، ولا يَحِلَّ وَطْؤُها.
والأولَى بالقُرْعَةِ.
فصل: إذا قال: هذه المُطَلَّقَةُ.
قبِلَ منه؛ لِما ذَكَرْنا.
وإن قال: هذه المُطَلَّقَةُ، بل هذه.
طَلُقَتا؛ لأنَّه أقَرَّ بطَلاقِ الأولَى، فقُبِلَ إقْرارُه، [ثُم قُبِلَ إقْراره] 1 بطَلاقِ الثَّانيةِ، ولم يُقْبَلْ إضْرابه عن إقْرارِه بطلاقِ الأولَى.
وكذلك لو كُنَّ ثلاثًا، فقال: هذه بل هذه، بل هذه.
..................................
طَلُقْنَ كلهُنَّ.
وإن قال: هذه أو هذه، بل هذه.
طَلُقَتِ الثَّالثةُ، وإحْدَى الأولَيَين.
وإن قال: طَلَّقْتُ هذه، بل هذه أو هذه.
طَلُقَتِ الأولَى، وإحْدَى الأخْرَيَين.
وإن قال: أنتِ طالق، وهذه أو هذه.
فقال القاضي: هي كذلك.
وذكَرَ أنَّه قَوْلُ الكِسائِي 1. وقال محمدُ بنُ الحسنِ: تَطْلُقُ الثانيةُ، ويَبْقَى الشَّكُّ في الأولَى والثَّالثةِ.
ووَجه الأوَّلِ أنَّه عَطفَ الأولَى على الثَّانيةِ، بغيرِ شَك، ثم فَصَلَ بينَ الثَّانيةِ والثَّالثةِ بحرفِ الشّك، فيَكُونُ الشكُّ فيهما.
ولو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه، [وهذه] 2. طَلُقَتِ الثَّالثَةُ، وكان الشَّكُّ في الأولَيَين.
ويَحْتَمِلُ في هاتَينِ المَسْألَتَين أن يَكونَ الشَّكُّ في الجميعِ؛ لأنَّه في الأولَى أتَى بحَرْفِ الشَّكِّ بعدَهما، فيعودُ إليهما، وفي المسْألَةِ الثَّانيةِ عَطف الثَّالثةَ على الشَّكِّ.
فعلى هذا، إذا قال: طَلَّقْتُ هذه [وهذه، أو] 3 هذه.
طُولِبَ بالبَيانِ، فإن قال: هي الثَّالثةُ.
طَلُقَتْ وحدَها.
وإن قال: لم أطَلِّقْها.
طَلُقَتِ الأولَيانِ.
وإن لم يُبيِّنْ، أُقْرِعَ بينَ الأولَيَينِ والثَّالثَةِ.
قال القاضي في
..................................
«المُجَرَّدِ»: وهذا أصَحُّ.
[فإن قال: طَلَّقْتُ هذه أو هذه وهذه.
أُخِذَ بالبيانِ، فإن قال: هي الأولَى.
طَلُقَتْ وحدَها] 1. وإن قال: ليستِ الأولَى.
طَلُقَتِ الأخِيرَتانِ، كما لو قال: طَلَّقْتُ هذه أو هاتَين.
وليس له الوَطْءُ قبلَ التَّعْيِينِ، فإن فَعَلَ، لم يَكُنْ تَعْيِينًا.
وإن ماتَت إحْداهما، لم يَتَعَيَّنِ الطَّلاقُ في الأخْرَى.
وقال أبو حنيفةَ: يتَعَيَّنُ الطَّلاقُ في الأخْرَى؛ لأنَّها ماتَتْ قبلَ ثُبُوتِ طلاقِها.
ولَنا، أنَّ مَوْتَ إحْداهُما أو وَطْأها، لا يَنْفِي احْتِمال كَوْنِها مُطَلَّقَةً، فلم يَكُنْ تَعْيِينًا لغيرِها، كمرَضِها.
وإن قال: طَلَّقْتُ هذه وهذه، [أو هذه] (1) وهذه.
فالظَّاهِرُ أنَّه طَلَّقَ اثْنَتَين، لا يَدْرِي أيَّهما، الأولَيانِ أم الآخِرَتان؟ كما لو قال: طَلَّقْتُ هاتَين أو هاتَين.
فإن قال: هما الأولَيَان.
تَعَيَّنَ الطلاق فيهما.
وإن قال 2: لم أُطَلِّقِ 3 الأولَيَين.
تَعَيَّن الآخِرَتان.
وإن قال: إنَّما أشُكُّ في طَلاقِ الثَّانيةِ والآخِرَتَينِ 4. طَلُقَتِ الأولَى، وبَقِيَ الشَّكُّ في الثّلاثِ.
ومتى فَسَّرَ كلامَه بشيءٍ مُحْتَمِل، قُبِلَ منه.
فصل: فإن مات بعْضُهُنَّ أو جَمِيعُهُنَّ، أقْرَعْنا بينَ الجميعِ، فمَن خَرَجَتِ القُرْعَةُ لها، لم يُوَرَّثْها 5. وإن مات بعْضُهُن قبلَه وبعْضهُنَّ بعدَه، فَخَرَجَتِ القُرْعَةُ لِميِّتةٍ قَبْلَه، حَرَمْناه مِيراثَها، وإن خَرَجَتْ لمَيِّتةٍ
..................................
بعدَه، حَرَمْناها مِيراثَه، والباقياتُ يَرِثُهُنَّ ويَرِثْنَه.
فإن قال الزَّوجُ بعدَ مَوْتِها: هذه التي طَلَّقْتُها.
أو قال في غيرِ المُعَيَّنة: هذه التي أرَدْتُها.
حُرِمَ مِيرَاثَها؛ لأنَّه يُقِرُّ على نَفْسِه، ويَرِثُ الباقياتِ، سَواءٌ صَدَّقَه ورَثتهُنَّ أو كَذَّبُوه؛ لأنَّ عِلْمَ ذلك إنَّما يُعْرَفُ مِن جِهَتِه، ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ بينَهما، وهم يَدَّعُونَ طلاقَه إيَّاها، والأصْلُ عدَمُه.
وهل يُسْتَحْلَفُ في ذلك؟ فيه رِوايَتان، فإن قُلْنا: يُسْتَحْلَفُ.
فنَكَلَ، حَرَمْناه مِيراثَها؛ لنُكُولِه، ولم يَرِثِ الأخْرَى؛ لإِقْرارِه بطلاقِها.
فإن مات فقال وَرَثته لإحْداهُنّ: هذه المُطَلَّقَةُ.
فأقَرَّتْ، أو أقَرَّ ورَثتها بعدَ مَوْتِها، حَرَمْناها مِيراثَه، وإنْ أنْكَرَتْ، أو أنكَرَ ورَثَتُها، فقِياسُ ما ذَكَرْناه أن القولَ قولُها؛ لأنَّها تَدَّعِي بَقاءَ نِكاحِها، وهم يَدَّعُونَ زَواله، والأصْلُ معها، فلا يُقْبَلُ قولُهم عليها إلَّا بِبَينةٍ.
وإن شَهِدَ اثْنان مِن وَرَثَتِه أنّه طَلّقَها، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، إذا لم يَكُونا ممَّن يَتَوَفَّرُ عليهما مِيراثُها، ولا على مَن لا تُقْبَلُ شَهادَتُهُما له، [كأمِّهِما وجَدَّتِهما] 1؛ لأنَّ مِيراثَ إحْدَى الزَّوْجاتِ لا يَرْجِعُ إلى وَرَثَةِ الزَّوجِ، وإنَّما يتَوَفّرُ على ضَرائرِها.
وإنِ ادَّعَتْ إحْدَى الزَّوجاتِ أنَّه طَلَّقَها طلاقًا تَبِينُ به، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه، وإن مات لم تَرِثْه؛ لإقْرارِها بأنَّها لا تَسْتَحِقُّ ميراثَه، فقَبِلْنا قولَها فيما عليها، دُونَ ما لها، وعليها العِدَّةُ؟ لأنَّا لم نَقْبَلْ قوْلَها فيما عليها، وهذا التَّفْريعُ فيما إذا كان الطلاقُ يُبينُها، فإن كان رَجْعِيًّا، ومات في عِدَّتِها، أو ماتت،
..................................
وَرِثَ كلُّ واحدٍ منهما صاحِبَه.
فصل: إذا كان له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فطَلَّقَ إحْداهُنَّ، ثم نَكَحَ أُخْرَى بعدَ قَضاءِ عِدَّتِها، ثم مات، ولم يُعْلَمْ أيَّتهُنَّ طَلَّقَ، فَلِلَّتي تَزَوَّجَها رُبْعُ ميراثِ النِّسْوَةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولا خِلافَ فيه بينَ أهلِ العلمِ.
ثم يُقْرَعُ بينَ الأرْبَعِ, فأيَّتهُنَّ خَرَجَتْ قُرْعَتُها، حُرِمَتْ، ووَرِثَتِ الباقياتُ نَصَّ عليه أحمدُ أيضًا.
وذهَبَ الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، وعَطاءٌ الخُرَاسَانِي، وأبو حنيفةَ، إلى أنَّ البَاقِيَ بينَ الأرْبَعِ.
وزَعَمَ أبو عُبَيدٍ أنَّه قولُ أهلِ الحجازِ وأهلِ العراقِ جميعًا.
وقال الشافعيُّ: يُوقَفُ البَاقِي بينَهُنَّ حتى يَصْطَلِحْنَ.
ووَجْهُ الأقوالِ 1 ما تَقَدَّمَ.
وقد قال أحمدُ، في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ، في رجُلٍ له أرْبَعُ نِسْوَةٍ، فَطَلقَ واحدةً منْهُنَّ ثلاثًا، ووَاحِدَةً اثْنَتَين، وواحدةً واحدةً، ومات على أثَرِ ذلك، ولا يُدْرَى أيَّتهُنَّ طَلَّقَ ثلاثًا، وأيَّتهُنَّ طَلَّقَ اثْنَتَين، وأيَّتهُنَّ 2 واحدةً: يُقْرَعُ بينَهُنَّ، فالتي أبانَها تَخْرُجُ، ولا مِيراثَ لها.
هذا فيما 3 إذا مات في عِدَّتِهِنَّ، وكان طلاقه في صِحَّتِه، فإنه لا يُحْرَمُ الميراثَ إلَّا المُطَلَّقَةُ ثلاثًا، [والباقيتان رَجْعِيَّتان] 4، يَرِثْنَه في العِدَّةِ، ويَرِثُهُنَّ 5. ومَن انْقضَتْ عِدَّتُها مِنهُنَّ، لم
..................................
تَرِثْه ولم يَرِثْها، ولو كان طَلاقُه في مَرَضِه الذي مات فيه، لوَرِثَه الجميعُ في العِدَّةِ، وفيما بعدَها قبلَ التَّزْويجِ رِوايَتان.
فصل: إذا طَلَّقَ واحدةً لا بِعَينها، [أو بِعَينها] 1 فأُنْسِيَها 2، فأنْقَضَتْ عِدَّةُ الجميعِ، فله نِكاحُ خامِسَةٍ قبلَ القُرْعَةِ.
وخَرَّجَ ابنُ حامدٍ وَجْهًا، في أنَّه لا يَصِحُّ نِكاحُ الخامِسَةِ؛ لأنَّ المُطَلَّقَةَ في حُكْمِ نِسائِه، بالنِّسْبَةِ إلى وُجُوبِ الإنْفاقِ عليها، وحُرْمَةِ النِّكاحِ في حَقِّها.
ولا يَصِحُّ ما قاله؛ لأنَّنا عَلِمْنا أنَّ مِنْهُنَّ واحدةً بائنًا منه، ليستْ في نِكاحِه، ولا في عِدَّةٍ مِن نِكاحِه، فكيفَ تكونُ زَوْجَتَه! وإنَّما الإِنْفاقُ عليها لأجْلِ حَبْسِها ومَنْعِها مِن التَّزوُّجِ بغيرِه؛ لأجْلِ اشْتباهها.
ومتى عَلِمْناها بعَينها، إمَّا بتَعْيينه، أو بقُرْعَةٍ، فعِدَّتُها مِن حِينَ طَلَّقَها، لا مِن حِينَ عَيَّنهَا.
وذَكَرَ أبو حنيفةَ، وبعضُ أصْحابِ الشافعيِّ، أنَّ عِدَّتَها مِن حينِ التَّعْيِينِ.
وهذا فاسِدٌ؛ فإنَّ الطَّلاقَ وَقَعَ حينَ إيقاعِه، وثَبَتَ حُكْمُه في تَحْرِيمِ الوَطْءِ، وحِرْمانِ الميراثِ مِن الزَّوجِ، وحِرْمانِه منها قَبْلَ التَّعْيينِ، فكذلك العِدَّةُ، وإنَّما التعْيينُ تَبْيِينٌ لِمَا كان واقعًا.
فإن مات الزَّوْجُ قبلَ التَّعْيِينِ، فعلى الجميعِ عِدَّةُ الوَفاةِ، في قولِ الشَّعْبِيِّ، والنَّخَعِيِّ، وعطاء الخُراسَانِيِّ.
قال أبو عُبَيدٍ: وهو قولُ أهلِ الحجازِ والعراقِ؛ لأنَّ كلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أنَّها باقية على النِّكاحِ، والأصْلُ بَقاؤه، فتَلْزَمُها عِدَّتُه.
والصَّحِيحُ أنَّه يَلْزَمُ
..................................
كُلَّ واحدةٍ أطوَلُ الأجَلَينِ، مِن عِدَّةِ الوَفاةِ وعِدَّةِ الطَّلاقِ، لَكِنَّ عِدَّةَ الطلاق مِن حِينَ طَلَّقَ، وعِدَّةَ الوَفاةِ مِن حِينِ مَوْتِه؛ لأنَّ كُلَّ واحدةٍ مِنْهُنَّ يَحْتَمِلُ أن تكونَ عليها عِدَّةُ الوَفاةِ، ويَحْتَمِلُ أنَّها المُطَلَّقَةُ، فعليها عِدَّةُ الطَّلاقِ، فلا تَبْرأُ يَقِينًا إلَّا بأطْولِهما.
وهذا في الطَّلاقِ البائِنِ، فأمَّا الرَّجْعِيَّةُ، فعليها عِدَّةُ الوفاةِ بكُلِّ حالٍ؛ لأنَّها زَوْجَةٌ.
فصل: إذا ادَّعَتِ المرأةُ أنَّ زوْجَها طَلَّقَها، فأنْكَرَها، فالقولُ قولُه؛ لأنَّه مُنْكِر، ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ النِّكاحِ، فإن كان لها بما ادَّعَتْه بَيِّنة، قُبلَتْ، ولا يُقْبَلُ فيه إلَّا عَدْلان.
ونَقَلَ ابنُ مَنْصُورٍ عن أحمدَ، أنَّه سُئِلَ: أَتَجُوزُ شَهادةُ رَجُلٍ وامْرأتَين في الطَّلاقِ؟ قال: لا 1 واللهِ.
إنَّما كان كذلك؛ لأنَّ الطَّلاقَ ليس بمالٍ، ولا المقصودُ منه المالُ، ويَطّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، فلم يُقْبَلْ فيه إلَّا عَدْلان، كالحدودِ والقِصَاصِ.
فإن عُدِمَتِ البَيِّنةُ، استُحْلِفَ، في أصَحِّ الرِّوايَتَين.
نَقَلَها أبو طالبٍ عن أحمدَ؛ لقَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «وَلَكِنَّ اليَمينَ عَلَى المُدَّعَى عَلَيهِ» 2. وقولُه: «اليَمِينُ عَلَى مَنْ أنْكَرَ» 3. ولأنَّه يَصِحُّ من الزَّوْجِ بَذْلُه، فيُسْتَحْلَفُ فيه، كالمَهْرِ.
ونَقَل ابنُ مَنْصُورٍ عنه: لا يُسْتَحْلَفُ في الطَّلاقِ [والنِّكاحِ] 4؛ لأنَّه لا يُقْضَى فيه بالنُّكُولِ، فلا يُسْتَحْلَفُ فيه، كالنِّكاحِ
..................................
إذا ادَّعَى زَوْجيَّتها فأنْكَرَتْه.
فإنِ اخْتَلَفا في عَدَدِ الطَّلاقِ، فالقولُ قولُه، لِما ذَكَرْناه.
فعلى هذا، إذا طَلّقَ ثلاثًا، وسَمِعَتْ ذلك، فأنْكَرَ، أو ثَبَتَ ذلك عندَها بقولِ عَدْلَينِ، لم يَحِلَّ لها تَمْكِينُه مِن نَفْسِها، وعليها أن تَفِرَّ منه ما اسْتطاعَتْ، وتَمْتَنِعَ منه إذا أرادَها، وتَفْتَدِيَ منه إن قَدَرَت، ولا تَزَيَّنَ له، ولا تَقْرَبَه، وتَهْرُبَ إن قَدَرَتْ، ولا تُقِيمَ معه.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلم.
قال 1 جابرُ بنُ زيدٍ، وحمادُ بنُ أبي سليمانَ، وابنُ سِيرِينَ: تفِرُّ منه ما اسْتطاعَتْ، وتَفْتَدِي منه بكُلِّ ما يُمْكِنُ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسفَ: تَفِرُّ منه.
وقال مالكٌ: لا تَتَزَيَّنُ له، ولا تُبْدِي له شيئًا مِن شَعَرِها، ولا يُصِيبُها إلَّا مُكْرَهَةً.
ورُوِيَ عن الحسنِ، والزُّهْرِيِّ، والنَّخَعِيِّ: يُسْتَحْلَفُ، ثم يَكونُ الإِثمُ عليه.
والصَّحِيحُ ما قاله الأوَّلُونَ، لأنَّ هذه تَعْلَمُ أنَّها أجْنَبِيّةٌ منه، مُحَرّمَة عليه، فوجب عليها الامْتِناعُ والفِرارُ منه، كسائِرِ الأجانبِ.
وهكذا لو ادَّعَى نِكاحَ امْرأةٍ كَذِبًا، وأقامَ بذلك شاهِدَىْ زُورٍ، فحَكَمَ له الحاكِمُ بالزَّوْجِيَّةِ، أو لو تَزَوَّجَها تَزْويجًا باطلًا، فسُلِّمَتْ إليه بذلك، فالحُكمُ في هذا كالحُكْمِ في المُطَلَّقَةِ ثلاثًا.
فصل: ولو طَلَّقَها ثلاثًا، ثم جحَدَ طَلاقَها، لم تَرِثْه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال قَتادَةُ، وأبو حنيفةَ، وأبو يُوسفَ، والشافعي، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال الحسنُ: تَرِثُه؛ لأنَّها في حُكْمِ الزَّوْجاتِ ظاهِرًا.
ولَنا، أنَّها تَعْلَمُ
..................................
أنَّها أجْنَبِيّةٌ، فلم تَرِثْه، كسائِرِ الأجْنَبِيَّاتِ.
وقال أحمدُ في رِوايةِ أبي طالبٍ: تَهْرُبُ منه، ولا تَتَزَوَّجُ حتى يُظْهِرَ طلاقَها، وتَعْلَمَ ذلك، يَجِئُ فيَدَّعِيها، فتُرَدُّ عليه وتُعَاقَبُ، وإن مات ولم يُقِرَّ بِطَلاقِها، لا تَرِثُه، لا تأخُذُ ما ليس لها، تَفِرُّ منه، ولا تَخْرُجُ مِن البَلَدِ، ولكن تَخْتَفِي في بَلَدِها.
قيل له: فإنَّ بعضَ النَّاسِ قال: تَقْتُلُه، هي بمَنْزِلَةِ مَن يَدْفَعُ عن نَفْسِه.
فلم يُعْجِبْه ذلك.
فَمَنَعَها مِن التَّزَوُّجِ قبلَ ثُبُوتِ طَلاقِها؛ لأنها في ظاهِرِ الحُكْمِ زَوْجَةُ هذا المُطَلِّقِ، فإذا تَزَوَّجَتْ غيرَه، وَجَبَ عليها في ظاهِرِ الشرْعِ 1 العُقُوبَةُ، والرّدُّ إلى الأوَّلِ، ويَجْتَمِعُ عليها زَوْجان، هذا بظاهرِ الأمْرِ، وذلك بباطِنِه، ولم يَأذَنْ لها في الخُرُوجِ مِن البَلَدِ؛ لأنَّ ذلك يُقَوِّي التُّهْمَةَ في نُشُوزِها، ولا في قَتْلِه قَصْدًا؛ لأنَّ الدّافِعَ عن نَفْسِه لا يَقْتُلُ قَصْدًا، فأمَّا إن قَصَدَتِ الدَّفْعَ عن نَفْسِها فآلَ إلى نَفْسِه، فلا إثْمَ عليها، ولا ضَمانَ في الباطِنِ، فأمَّا في الظَّاهِرِ، فإنَّها تُؤْخَذُ بحُكْمِ القَتْلِ، ما لم يَثْبُتْ صِدْقُها.
فصل: قال أحمدُ: إذا طَلَّقَها ثلاثًا، فشَهِدَ أرْبَعَة أنَّه وَطِئَها، أُقِيمَ عليه الحَدُّ.
إنَّما أوْجَبَه، لأنَّها صارَت بالطَّلاقِ أجْنَبِيَّةً، فهي كسائرِ الأجْنَبِيَّاتِ، بل هي أشَدُّ تَحْريمًا؛ لأنَّها مُحَرّمَةٌ وَطْأً ونِكاحًا.
فإن جَحَدَ طَلاقَها وَوَطِئَها، ثم قامَتِ البَيِّنةُ بطلاقِه، فلا حَدَّ عليه.
وبهذا قال الشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، وأهلُ الحجازِ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، ورَبِيعةُ،
وَإنْ طَارَ طَائِرٌ، فَقَال: إنْ كَانَ هَذَا غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِقٌ، وَإنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَفُلَانَةُ طَالِق.
وَلَمْ يَعْلَمْ حَالهُ، فَهِيَ كَالْمَنْسِيَّةِ.
والشافعي، وَأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ جَحْدَه لطَلاقِه يُوهِمُنا أنَّه نَسِيَه، وذلك شُبْهَةٌ في دَرْءِ الحَدِّ عنه، ولا سَبِيلَ لنا إلى عِلْم مَعْرِفَتِه بالطَّلاقِ حالةَ وَطْئِه إلَّا بإقْرارِه بذلك.
فإن قال: وَطِئْتُها عالِمًا بأننِي كنتُ طَلَّقْتُها ثلاثًا.
كان إقْرارًا منه بالزِّنَى، فيُعْتَبَرُ فيه ما يُعْتَبَرُ في الإِقْرارِ بالزَّنَى.
3640 -
مسألة: (وإن طار طائِرٌ، فقال: إن كان هذا غُرابًا ففُلانَةُ طالقٌ، وإن لم يَكُنْ غُرابًا ففُلانَةُ طالقٌ. ولم يَعْلَمْ حاله، فهي كالمنْسِيَّةِ)
والحُكْمُ فيها على ما ذَكَرْنا فيها؛ لأنَّها في مَعْناها، والخِلافُ فيها على ما ذَكَرنا.
وإنْ قَال: إِنْ كَانَ غرَابًا فَفلَانَةُ طَالِقٌ، وَإنْ كَان حَمَامًا فَفُلَانَة طَالِق.
لَمْ تَطْلُقْ وَاحِدَةٌ مِنْهُمَا إِذَا لَمْ يَعْلَمْ.
3641 - مسألة: (وإن قال: إن كان غُرابًا ففُلانَةُ طالق، وإن كان حَمامًا ففُلانَةُ طالق)
لَمْ يُحْكَمْ بحِنْثِه في واحِدَةٍ منهما؛ لأنَّه مُتَيَقِّنٌ للنِّكاحِ، شاكٌّ في الحِنْثِ، فلا يَزُولُ عن يَقِينِ النِّكاحِ بالشكِّ؛ لأنه يَحْتَمِلُ أنَّه غيرُهما.
فصل: إذا رَأى رجُلان طائِرًا، فحَلَفَ أحَدُهما بالطلاقِ أنَّه غُراب، وحَلَفَ الآخَرُ أنَّه حَمَامٌ.
فطارَ، ولم يَعْلَما حاله، لم يُحْكَمْ بحِنْثِ واحدٍ منهما؛ لأنَّ يقينَ النِّكاحِ ثابِتٌ، ووُقوعَ الطَّلاقِ مَشْكوكٌ فيه.
فإنِ ادَّعَتِ
..................................
امرأةُ أحَدِهما حِنْثَه فيها، فالقَوْلُ قولُه؛ لأنَّ الأصْلَ معه 1، واليَقِينَ في جانِبِه.
فصل: فإن قال أحَدُ الرَّجُلَينِ: إن كان غُرَابًا فامْرَأتُه طالق ثلاثًا.
وقال الآخَرُ: إن لم يَكُنْ غُرابًا فامْرأتُه طالقٌ ثلاثًا.
فطار، ولم يَعْلَما حاله، فقد حَنِثَ أحَدُهما، لا بعَينه، ولا يُحْكَمُ به في حَقِّ واحدٍ منهما بعَينه، بل تَبْقَى في حَقِّه أحْكامُ النِّكاحِ، مِنَ النَّفَقَةِ والكُسْوَةِ والسَّكَنِ؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يَقِينُ نِكاحِه باقٍ، ووُقوعُ طلاقِه مَشْكوكٌ فيه، فأمَّا الوَطْءُ، فذَكَر القاضي، أنَّه يَحْرُمُ عليهما؛ لأنَّ أحَدَهما حانِثٌ يَقِينًا، فامْرأتُه مُحَرَّمَة عليه، وقد أشْكَلَ، فَحَرُمَ عليهما جميعًا، كما لو حَنِثَ في إحْدَى امْرأتَيه لا بعَينها.
وقال أصحابُ الرَّأي، والشافعيُّ: لا يَحْرُمُ على واحدٍ منهما وَطْءُ امْرأتِه؛ لأنَّه مَحْكُومٌ ببقاءِ نِكاحِه، [ولم يُحْكَمْ بوقُوعِ الطَّلاقِ عليه، وفارَق الحانثَ في إحْدَى امْرأتَيه، فإنَّه معلومٌ زوالُ نِكاحِه] 2 عن إحْدَى زَوْجَتَيه.
قُلْنا: إنَّما تَحَقَّقَ حِنْثُه في واحدةٍ غيرِ مُعَينةٍ، وبالنَّظَرِ إلى كلِّ واحدةٍ مُفْرَدَةٍ، فَيَقِينُ نِكاحِها باقٍ، وطَلاقُها مَشْكوكٌ فيه، لَكِنْ لمَّا تَحَقَّقْنا أنَّ إحْداهما حَرامٌ، ولم يُمْكِنْ تَمْييزُها، حَرُمَتا عليه جميعًا، وكذلك هاهنا قد عَلِمْنا أنّ أحَدَ هذَين الرجُلَينِ قد طَلُقَتِ امْرأتُه، وحَرُمَتْ عليه، وتَعَذَّرَ التمْيِيزُ، فيَحْرُمُ الوَطْءُ
وَإنْ قَال: إِنْ كَانَ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ.
فَقَال آخَرُ: إِنْ لَمْ يَكُنْ غُرَابًا فَعَبْدِي حُرٌّ.
وَلَمْ يَعْلَمَاهُ، لَمْ يَعْتِقْ عَبْدُ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، فَإِنِ اشْتَرَى
عليهما، ويَصِيرُ كما لو تَنَجَّسَ أحَدُ الإناءَين لا بعَينه، فإنَّه يَحْرُمُ اسْتِعْمالُ كلِّ واحدٍ منهما، سواءٌ كانا لرَجُلَين أو لرَجُل واحدٍ.
وقال مَكْحُولٌ: يُحْمَلُ الطَّلاقُ عليهما جميعًا.
ومال إليه أبو عُبَيدٍ.
فإنِ ادَّعَى كلُّ واحدٍ منهما أنَّه عَلِمَ الحال، وأنَّه لم يَحْنَثْ، دُيِّنَ فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى.
ونحوَ هذا قال عَطاءٌ، والشَّعْبِي، والزُّهْرِيُّ، والحارِثُ العُكْلِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعي؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما يُمْكِنُ صِدْقُه فيما ادَّعاه.
وإن أقَرَّ كلُّ واحدٍ منهما أنَّه الحانِثُ، طَلُقَتْ زَوْجتاهُما بإقْرارِهما على أنْفُسِهما.
وإن أقَرَّ أحَدُهما، حَنِثَ وحدَه.
فإنِ ادّعَتِ امرأةُ أحَدِهما عليه الحِنْثَ، فأنْكَرَ، فالقولُ قولُه.
وهل يَحْلِفُ؟ على رِوايَتَين.
3642 -
مسألة: (فإن قال)
أحَدُهما: (إن كان غُرابًا فعَبْدِي حُر.
وقال الآخَرُ: إن لم يَكُنْ غُرَابًا فعَبْدِي حُر.
فطار، ولم يَعْلَما) حاله (لم يُحْكَمْ بعِتْقِ واحدٍ مِن العَبْدَين) لأنّ الأصْلَ بَقاءُ الرِّقِّ (فإنِ
أحَدُهُمَا عَبْدَ الْآخَرِ، أُقْرِعَ بَينَهُمَا حِينَئِذٍ.
وَقَال الْقَاضِي: يَعْتِقُ الَّذِي اشْتَرَاهُ.
اشْتَرَى أحَدُهما عبدَ الآخَرِ) بعدَ أن أنْكَرَ حِنْثَ نَفْسِه، عَتَقَ الذي اشْتَرَاه؛ لأنَّ إنْكارَه حِنْثَ نَفْسِه 1 اعْتِرَافٌ منه بحِنْثِ صاحِبِه، وإقْرارٌ منه بعِتْقِ الذي اشْتَراه.
وإنِ اشْتَرَى مَن أقرَّ بحُرِّيته، عَتَقَ عليه.
وإن لم يَكُنْ منه إنْكارٌ ولا اعْتِرافٌ، فقد صارَ العَبْدان في يَدِه؛ أحَدُهما حُر، لا يُعْلَمُ عَينُه، فيُرْجَعُ في تَعْيِينه إلى القُرْعَةِ.
وهو قولُ أبي الخَطَّابِ (وقال القاضي: يَعْتِقُ الذي اشْتَراه) في الموْضِعَينِ؛ لأنَّ تَمَسُّكَهُ بعَبْدِه اعْتِرافٌ منه بِرقِّه وحُرِّيَّةِ صاحِبِه.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ.
ولَنا، أنَّه لم يَعْتَرِفْ لَفْظًا، ولا فَعَلَ ما يَلْزَمُ منه الاعْتِرافُ، فإنَّ الشَّرْعَ سَوَّغَ له إمْساكَ عبْدِه مع الجَهْلِ، اسْتِنادًا إلى الأصْلِ، فكيف يكونُ مُعْتَرِفًا مع تَصْريحِه بأنَّني لا أعْلَم الحُرَّ منهما! وإنَّما اكْتَفَينا في إبْقاءِ رِقِّ عبدِه باحْتِمالِ الحِنْثِ في حَقِّ صاحِبِه.
..................................
فإذا صار العَبْدان له، وأحَدُهما حُرٌّ لا بعَينه، صار كأنهما كانا له، فأعْتَقَ أحَدَهما وحدَه، فيُقرَعُ بينَهما حِينَئذٍ.
فإن كان الحالِفُ واحدًا، فقال: إن كان غرابًا فعَبْدِي حُرٌّ، وإن لم يَكنْ غرابًا فأمَتِي حرَّة.
ولم يَعْلَمْ حاله، فإنه يُقْرَعُ بينَهما، فيَعْتِقُ أحَدُهما، فإنِ ادَّعَى أحَدُهما أنَّه الذي أُعْتِقَ، أو ادَّعَى كل واحدٍ منهما ذلك، فالقولُ قولُ السَّيِّدِ مع يَمِينه.
فصل: فإن قال: إن كان غُرابًا فنِساؤه طوالِقُ، وإن لم يَكُنْ غُرابًا فعَبِيدُه أحْرارٌ.
ولم يَعْلَمْ حاله، مُنِعَ مِن التَّصرُّفِ في المِلْكَين حتى يبينَ، وعليه نَفَقَةُ الجميعِ.
فإن كان غُرابًا، طَلَّقَ نِساؤه، ورَقَّ عَبِيدُه.
فإنِ ادَّعَى العَبِيدُ أنَّه لم يَكنْ غُرابًا لِيَعْتِقوا، فالقول قولُ السَّيِّدِ.
وهل يَحلِفُ؟ يُخَرَّجُ على رِوايَتَين.
وإن قال 1: لم يكُنْ غُرابًا.
عَتَقَ عَبِيدُه، ولم تَطْلُقِ النِّساءُ.
فإنِ ادَّعَين أنَّه كان غرابًا لِيَطْلَّقْنَ، فالقولُ قولُه.
وفي تَحْليفِه وَجْهان.
وكل مَوْضع قلْنا: يُسْتَحْلَفُ.
فنَكَلَ، قُضِيَ عليه بنُكولِه.
..................................
وإن قال: لا أعْلَمُ ما الطَّائِرُ.
فقياسُ المذهبِ أن يُقْرَعَ بينَهما، فإن وَقَعَتِ القُرْعَةُ على الغُرابِ، طَلُقَ النِّساءُ، ورَقَّ العَبيدُ، وإن وَقَعَتْ على العَبِيدِ، عَتقُوا، ولم تَطلُقِ النِّساءُ.
وهذا قولُ أبي ثَوْرٍ.
[وقال] 1 أصحابُ الشافعيِّ: إن 2 وقَعَتِ القُرْعَةُ على العَبيدِ، عتَقُوا، وإن وَقَعَتْ على النِّساءِ، لم يَطْلُقْنَ، ولم يَعْتِقِ العَبِيدُ؛ لأَنَّ القُرْعَةَ لها مَدْخَلٌ في العِتْقِ، لكَوْنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أقْرَعَ بينَ العَبِيدِ السِّتَّةِ 3، ولا مدْخَلَ لها في الطَّلاقِ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ مثلُ ذلك فيه، ولا يُمْكِنُ قِياسُه على العِتْقِ؛ لأنَّ الطَّلاقَ حَلُّ قَيدِ النِّكاحِ، والقُرْعَةُ لا تَدْخُلُ في النِّكاحِ، [والعِتْقَ] 4 حَلُّ المِلْكِ، والقُرْعَةُ تَدْخُلُ في تَمْييزِ الأمْلاكِ.
قالوا: ولا يُقْرَعُ بينَهم إلَّا بعدَ مَوْتِه.
قال شيخُنا 5: ويُمْكِنُ أن يُقال على هذا: إنَّ ما لا يَصْلُحُ للتَّعْيِينِ في حَقِّ الموْروثِ، لا يَصْلُحُ في حَقِّ الوارثِ، كما لو كانتِ اليَمِينُ في زَوْجَتَين، ولأنَّ الإماءَ مُحرَّماتٌ على الموروثِ تَحْريمًا لا تُزِيلُه القُرْعَةُ، فلم يُبَحْنَ
وَإنْ قَال لِامْرأتِهِ وَأجْنَبِيَّةٍ: إِحْدَاكُمَا طَالِقٌ.
أوْ قَال: سَلْمَى طَالِقٌ.
وَاسْمُ امْرَأتِهِ سَلْمَى، طَلُقَت امْرَأتُهُ، فَإِنْ أرَادَ الْأجْنَبِيَّةَ، لَمْ تَطْلُقِ امْرَأتُهُ، وَإنِ ادَّعَى ذَلِكَ دُيِّنَ.
وَهَلْ يُقْبَلُ فِي الْحُكْمِ؟ يُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَينِ.
للوارثِ بها، كما لو تَعَيَّنَ العِتْقُ فِيهنَّ.
3643 -
مسألة: (إذا قال لامْرَأتِه وأجْنَبِيَّةٍ: إحْداكُما طالقٌ)
أو قال لحَماتِه: ابْنَتُكِ طَالقٌ (أو قال: سَلْمَى طالقٌ.
واسْمُ امْرَأتِه سَلْمَى، طَلُقَتِ امْرَأتُه) لأنَّه لا يَمْلِكُ طلاقَ غيرِها، ولأنَّه إزالةُ مِلْكٍ، أشْبَهَ ما لو باعَ ماله ومال غيرِه، صَحَّ في مالِه دُونَ غيرِه.
فإن قال: أرَدْتُ الأجْنَبِيَّةَ.
لم يُصَدَّقْ.
قال أحمدُ في رجُلٍ تَزَوَّجَ امرأةً، فقال لحَماتِه: ابْنَتُكِ طالقٌ.
وقال: أردْتُ ابْنَتَكِ الأخْرَى التي ليستْ بزَوْجَتِي: فلا يُقْبَلُ منه.
وقال في رِوايةِ أبي داودَ، في رجلٍ له امْرأتانِ، اسْماهُما فاطِمَةُ، ماتتْ إحْدَاهما، فقال: فاطمةُ طالقٌ.
يَنْوي المَيِّتةَ، فقال: المَيِّتةُ تَطْلُقُ! قال أبو داودَ: كأنَّه أراد في الروايةِ الأولَى أن لا يُصَدِّقَه في الحُكْمِ، وفي الثَّانيةِ يُدَيَّنُ.
وقال القاضي، فيما إذا نَظَرَ إلى امْرأتِه وأجْنَبِيَّةٍ، فقال: إحْداكما طالقٌ 1. وقال: أرَدْتُ الأجْنَبِيَّةَ.
فهل يُقْبَلُ؟ على رِوايَتَين.
وقال الشافعيُّ: يُقْبَلُ هاهُنا، ولا يُقْبَلُ فيما إذا قال: سَلْمَى
..................................
طالقٌ.
وقال: أرَدْتُ أجْنَبِيَّةً اسْمُها سَلْمَى؛ لأنَّ سَلْمَى لا يتَناولُ الأجْنَبِيَّةَ بصَرِيحِه، بل مِن جِهَةِ الدَّليلِ، وقد عارَضَه دليلٌ آخَرُ، وهو أنَّه لا تَطْلُقُ غيرُ زَوْجَتِه، فصارَ اللفْظُ في زَوْجَتِه أظْهَرَ، فلم يُقْبَلْ خِلافُه، أمَّا إذا قال: إحْداكُما.
فإنَّه يَتَناوَلُ الأجْنَبِيَّةِ بصَرِيحِه.
وقال أصحابُ الرَّأي، وأبو ثَوْرٍ: يُقْبَلُ في الجميعِ؛ لأنَّه فَسَّرَ كلامَه بما يَحْتَمِلُه.
ولَنا، أنَّه لا يَحْتَمِلُ غيرَ امْرأتِه على وجهٍ صَحِيح، فلم يُقْبَل تَفْسِيرُه به، كما لو فَسَّرَ كلامَه بما لا يَحتَمِلُه، وكما لو قال: سَلْمَى طالق.
عندَ الشافعيِّ، ولا يَصِحُّ ما ذَكَرُوه مِن الفَرقِ، فإنَّ قولَه 1: إحْداكما.
ليس بصَريح في واحدةٍ منهما بعَينها، وسَلمَى يتَناوَلُ واحدةً لا بعَينها، ثم تَعَينَّتِ الزَّوْجَةُ لكَوْنِها مَحَلًّا للطَّلاقِ، وخِطابُ غيرِها به عَبَثٌ، كما إذا قال: إحْداكما طالقٌ.
ثم لو تَناوَلَها بصَريحِه لكِن صَرَفَه عنها دَليل، فصار ظاهِرًا في غيرِها، فإنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - لمَّا قال للمُتَلاعِنَين: «أحَدُكُما 2 كَاذِبٌ» 3. لم يَنْصرِفْ
..................................
إلَّا إلى الكاذِبِ منهما وحدَه، ولمَّا قال حَسَّانُ 1، يعني النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - وأبا سفيانَ:
فشَرُّكما لخيرِكما الفِداءُ
لم ينْصَرِفْ شَرُّهما إلَّا إلى أبي سفيانَ، وخيرُهما إلى النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وحدَه.
وهذا في الحُكْمِ، وأمَّا فيما بينَه وبينَ اللهِ تعالى فَيُدَيَّنُ فيه، فمتى عَلِمَ مِن نَفْسِه أنَّه أراد الأجْنَبِيَّةَ، لم تَطْلُقْ زَوْجَتُه، لأنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ له وإن كان غيرَ مُقَيَّدٍ.
ولو كانت ثَم قَرِينَة دالَّة على إرادَتِه الأجْنَبيَّةَ، مثلَ أن يَدْفَعَ بيَمِينه ظُلْمًا، أو يتَخلّصَ بها مِن مَكْروهٍ، قُبِلَ قولُه في الحُكْمِ، لوُجودِ الدَّليلِ الصَّارفِ إليها.
وإن لم يَنْو زَوْجتَه، ولا الأجْنَبِيَّةَ، طَلُقَتْ زَوْجتُه، لأنّها محَل الطَّلاقِ، واللَّفْظُ يحْتمِلُها ويَصْلُح لها 2، ولم يَصْرِفه عنها، فوقَعَ بها، كما لو نَوَاها.
وَإنْ نَادَى امْرأتَهُ، فَأجَابَتْهُ امْرأةٌ لَهُ أُخْرَى، فَقَال: أنْتِ طَالِقٌ.
يَظُنُّهَا الْمُنَادَاةَ، طَلُقَتَا فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَينِ، وَالأُخْرَى، تَطْلُقُ الَّتِي نَادَاهَا.
3644 - مسألة: (فإن نادَى امْرأتَه، فأجابَتْه امْرأةٌ له أُخْرَى، فقال: أنْتِ طالقٌ. يَظُنُّها المُنَاداةَ، طَلُقَتا في إحْدَى الرِّوايَتَين)
وهو قولُ النَّخَعِيِّ، وقَتادَةَ، والأوْزاعِيِّ، وأصحابِ الرَّأي.
واخْتارَه ابنُ حامدٍ؛ لأنَّه خاطَبَها بالطَّلاقِ، وهي مَحَلٌّ له، فطَلُقَتْ، كما لو قَصَدَها (والثَّانيةُ، تَطْلُقُ التي ناداها) وحدَها.
وهو قولُ الحسَنِ، والزُّهْرِيِّ، وأبي عُبَيدٍ.
قال أحمدُ في رِوايةِ مُهَنَّا، في رجل له امْرأتانِ فقال: فُلانَةُ، أنْتِ طالق.
فالْتَفَتَ، فإذا هي غيرُ التي حَلَفَ عليها، قال: قال إبراهيمُ: يَطْلُقان.
والحسَنُ يقولُ: تَطْلُقُ التي نَوَى.
قيل له: ما تقولُ أنتَ؟ قال: تَطْلُقُ التي نَوَى؛ وذلك لأنَّه لم يَقْصِدْها بالطَّلاق، فلم تَطْلُقْ، كما لو أراد أن يقولَ: أنتِ طاهرٌ.
فسَبَقَ لسانُه، فقال: أنتِ طالق.
وقال أبو بكرٍ: لا يَخْتَلِفُ كلامُ أحمدَ أنَّها لا تَطْلُقُ.
وقال الشافعيُّ: تَطْلُقُ
وَإنْ قَال: عَلِمْتُ أنَّهَا غَيرُهَا، وَأرَدْتُ طَلَاقَ الْمُنَادَاةِ.
طَلُقَتَا مَعًا، وَإنْ قَال: أردْتُ طَلَاقَ الثَّانِيَةِ.
طَلُقَتْ وَحْدَهَا.
المُجِيبَةُ وحدَها؛ لأنَّها مُخاطَبَةٌ بالطَّلاقِ، فطَلُقَتْ، كما لو لم يَنْو غيرَها، ولا تَطْلُقُ المَنْويَّةُ؛ لأنَّه لم يُخاطِبْها بالطَّلاقِ، ولم يَعْتَرِفْ بطَلاقِها 1. وهذا يَبْطُلُ بما لو عَلِمَ أنَّ المُجِيبَةَ غيرُها، فإنَّ المَنْويَّةَ تَطْلُقُ بإرادَتِها بالطَّلاقِ، ولولا ذلك لم تَطلُقْ بالاعْتِرافِ به، لأنَّ الاعْتِرافَ بما لا يُوجِبُ لا يُوجِبُ، ولأنَّ التي لم تُجِبْ مقْصودَةٌ بلَفْظِ الطَّلاقِ، فطلُقَتْ، كما لو عَلِمَ الحال (فإن قال: عَلِمْتُ أنَّها غيرُها، وأرَدْتُ طَلاقَ المُنادَاةِ.
طَلُقَتا معًا) في قوْلِهم جميعًا (وإن قال: أرَدْتُ طلاقَ الثَّانيةِ) وحدَها (طَلُقَتْ وحدَها) لقَصْدِه لها وخِطابِه.
وَإنْ لَقِيَ أجْنَبِيَّةً ظَنَّهَا امْرأتَهُ، فَقَال: فُلَانَةُ، أنْتِ طَالِقٌ.
طَلُقَتِ أمْرَأتهُ.
3645 - مسألة: (وإن لَقِيَ أجْنَبِيَّةً ظَنَّهَا زَوجَتَه، فقال: فُلانَةُ، أنْتِ طالق)
فإذا هي أجْنَبِيَّة (طَلُقَتْ زَوْجَتُه) نصَّ عليه أحمدُ.
وقال الشافعيُّ: لا تَطْلُقُ؛ لأنَّه خاطبَ بالطَّلاقِ غيرَها، فلم يَقَعْ، كما لو عَلِمَ أنها أجْنَبِيَّةٌ، فقال: أنتِ طالق.
ولَنا، أَنه قَصَدَ زَوْجتَه بلَفْظِ الطَّلاقِ، [فطَلُقَتْ، كما لو قال: عَلِمْتُ أنَّها أجْنَبِيَّة، وأرَدْتُ طلاقَ زوجتي.
فإن قال لها: أنتِ طالق.
ولم يَذْكُرِ اسمَ زوجتِه، احْتَمَل ذلك أيضًا؛ لأنَّه قَصَدَ زوجتَه بلفظِ الطلاقِ] 1، واحْتَمَلَ أن لا تَطْلُقَ؛ لأنَّه لم يُخاطِبْها بالطَّلاقِ، ولا ذكَرَ اسْمَها معه، وإن عَلِمَها أجْنَبِيَّةً، وأرادَ بالطَّلاقِ زَوْجَتَه، طَلُقَتْ.
وإن لم يُرِدها بالطَّلاقِ، لم تَطلُقْ.
فصل: وإن لَقِيَ امْرأتَه، فظنَّها أجْنَبِيَّةً، فقال: أنتِ طالق.
أو: تَنَحَّيْ يا مُطَلَّقَةُ.
أو لَقِيَ أمَتَه، فظَنَّها أجْنَبِيَّةً، فقال: أنتِ حُرَّة.
أو:
..................................
تُنَحَّيْ يا حُرَّةُ.
فقال أبو بكر في مَن لَقِيَ امْرأةً، فقال: تَنَحَّيْ يا مُطَلَّقَةُ.
أو: يا حُرَّةُ.
وهو لا يَعْرِفُها، فإذا هي زَوْجَتُه أو أمتُه: لا يَقعُ بهما طَلاقٌ
..................................
ولا حُرِّيَّةٌ؛ لأنه لم يُرِدْهُما بذلك، فلم يَقَعْ بهما شيءٌ، كسَبْقِ اللِّسانِ إلى ما لم يُرِدْه.
ويَحْتَمِلُ أن لا تَعْتِقَ الأمَةُ؛ لأنَّ عادةَ النَّاسِ مُخاطَبَةُ مَن لا يَعْرِفُها بقولِه: يا حُرَّةُ.
وتَطْلُقُ الزَّوْجةُ؛ لعَدَمِ العادةِ في المُخاطَبَةِ بقولِه: يا مُطَلَّقةُ.
والله أعلمُ.