وَأَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ.
عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «ما مِنْ أيَّامٍ أحَبُّ إلَى اللهِ بِأَنْ يُتَعَبَّدَ لَهُ فيها مِنْ عَشْرِ ذِى الحِجَّةِ، يَعْدِلُ صِيَامُ كُلِّ يَوْمٍ مِنْهَا بِصِيَامِ سَنَةٍ، وَقِيَامُ كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْهَا بِقِيَامِ لَيْلَةِ القَدْرِ».
أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ (1). وقال: غريبٌ.
وروَى أبو داودَ (2) عن بَعْضِ أزْواجِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قالت: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَصُومُ تِسْعَ ذِى الحِجَّةِ، ويومَ عاشُوراءَ.
1098 -
مسألة: (وأفْضَلُ الصِّيامِ بعدَ شَهْرِ رمضانَ شهرُ اللهِ المُحَرَّمُ)
وذلك لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَفْضَلُ الصِّيَامِ بَعْدَ شَهْرِ رَمَضَانَ شَهْرُ اللهِ الْمُحَرَّمُ».
رَواه أبو داودَ،12
وَيُكْرَهُ إِفْرَادُ رَجَبٍ بِالصَّوْمِ، والتِّرْمِذِىُّ (1). وقال: حديثٌ حسنٌ.
1099 -
مسألة: (ويُكْرَهُ إفْرادُ رَجَبٍ بالصومِ)
قال أحمدُ: إن1
..................................
صام رجلٌ أفْطَرَ فيه يَوْمًا أو أيّامًا، بقَدْرِ ما لا يَصُومُه كلَّه.
وذلك لِما روَى أحمدُ، بإسْنادِه عن خَرَشَةَ بنِ الحُرِّ، قال: رَأَيْتُ عُمَرَ يَضْرِبُ أكُفَّ المُتَرَجِّبِين، حتى يَضَعُوها في الطَّعامِ، ويقولُ: كُلُوا، فإنَّما هو شَهْرٌ كانت تُعَظِّمُه الجاهِلِيَّةُ 1. وبإسْنادِه عن ابنِ عُمَرَ، أنَّه كان إذا رَأَى النّاسَ، وما يُعِدُّونَه لرَجَبٍ، كَرِهَه، وقال: صُومُوا منه، وأفْطِرُوا 2. وعن ابنِ عباسٍ نحوُه، وبإسْنادِه عن أبي بَكْرَةَ، أنَّه دَخَل على أَهْلِهِ وعندَهم سِلالٌ جُدُدٌ وكِيزانٌ، فقالَ: ما هذا؟ فقالُوا: رَجَبٌ نَصُومُه.
فقالَ: أجَعَلْتُمْ رَجَبًا رمضانَ، فأكْفَأَ السِّلالَ، وكَسَر الكِيزانَ.
قال أحمدُ: مَن كان يَصُومُ السَّنَةَ صامَه، وإلَّا فلا يَصُومُه مُتَوالِيًا، بل يُفْطِرُ فيه، ولا يُشَبِّهُه برمضانَ.
وَإِفْرَادُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ، وَيَوْمِ السَّبْتِ، وَيَوْمِ الشَّكِّ، وَيَوْمِ النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ، إِلَّا أَنْ يُوافِقَ عَادَةً.
1100 - مسألة: (و)
يُكْرَهُ (إفْرادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ، ويَوْمِ السَّبْتِ، ويَوْمِ الشَّكِّ، ويَوْمِ النَّيْرُوزِ 1، والمِهْرَجانِ 2، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً) وجُمْلَتُه أنَّه يُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ الجُمُعَةِ بالصومِ، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً، مثلَ مَن يَصومُ يومًا ويُفْطِرُ يومًا، فيوافِقُ صومُه يومَ الجُمُعَةِ، أو مَن عادَتُه صَوْمُ أوَّلِ يومٍ مِن 3 الشَّهْرِ أو آخِرِه، أو يومِ نِصْفِه 4 ونحوِ ذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ في رِوايَةِ الأَثْرَمِ، قال: قيل لأبى عبدِ اللهِ: صِيامُ يَوْمِ الجُمُعَةِ؟ فذَكَرَ حديثَ النَّهْىِ أن يُفْرَدَ، ثمَّ قال: إلَّا أن يَكُونَ في صِيامٍ كان يَصُومُه، أمَّا أن يُفْرَدَ فَلَا.
قال: قُلْتُ: رَجُلٌ كان يَصُومُ يومًا ويُفْطِرُ يَوْمًا، فوَقَعَ
..................................
فِطْرُه يومَ الخَمِيسِ، وصَوْمُه يومَ الجُمُعَةِ، وفِطْرُه يومَ السَّبْتِ، فصامَ الجُمُعَةَ مُفْرَدًا، فقالَ: هذا الآنَ لم يَتَعَمَّدْ صَوْمَه خاصَّةً، إنّما كُرِهَ أن يَتَعَمَّدَ الجُمُعَةَ.
وقال أبو حنيفةَ، ومالكٌ: لا يُكْرَهُ إفْرادُ الجُمُعَةِ؛ لأنَّه يومٌ، فأَشْبَهَ سائِرَ الأَيَّامِ.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، يَقُولُ: «لا يَصُومّنَّ أحَدُكُمْ يَوْمَ الجُمُعَةِ، إلَّا أنْ يَصُومَ يَوْمًا قَبْلَهُ أو يَوْمًا بَعْدَهُ».
وقال محمدُ بنُ عَبَّادٍ: سَأَلْتُ جابِرًا: أنَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن صومِ يومِ الجُمُعَةِ؟ قال: نَعَمْ.
مُتَّفَقٌ عليهما 1. وعن جُوَيْرِيَةَ بنتِ الحارِثِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - دَخَل عليها يومَ الجُمُعَةِ، وهي صائِمَةٌ فقالَ: «أصُمْتِ أمْسِ؟».
قالت: لا.
قال: «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَصُومِى غَدًا؟».
قالت: لا.
قال: «فَأَفْطِرِى».
رَواه البخارىُّ 2. وسُنَّةُ
..................................
رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحَقُّ أن تُتَّبَعَ.
وهذا الحديثُ يَدُلُّ على أنَّ المَكْرُوهَ إفْرادُه؛ لأنَّ نَهْيَه مُعَلَّلٌ بكَوْنِها لم تَصُمْ أمْسِ ولا غَدًا.
فصل: ويُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ السَّبْتِ بالصومِ.
ذَكَرَه أَصحابُنا؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ بُسْرٍ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ» 1. قال التِّرْمِذِىُّ: هذا حديثٌ حسنٌ.
ورُوِىَ أيضًا عن عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ، عن أُخْتِه الصَّمَّاءِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا تَصُومُوا يَوْمَ السَّبْتِ، إلَّا فِيمَا افْتُرِضَ عَلَيْكُمْ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَحَدُكُمْ إلَّا لِحاءَ عِنَبٍ، أوْ عُودَ شَجَرَةٍ، فَلْيَمْضُغْهُ».
رَواه أبو داودَ 2. قال: اسمُ أخْتِ عبدِ اللهِ بنِ بُسْرٍ هُجَيْمَةُ 3 أو جُهَيْمَةُ.
قال الأثْرَمُ: قال أبو عبدِ اللهِ: أمّا صِيامُ يومِ السَّبْتِ يَنْفَرِدُ به، فقد جاء فيه
..................................
حديثُ الصَّمّاءِ.
والمَكْرُوهُ إفْرادُه، فإن صام معه غيرَه لم يُكْرَهْ؛ لحديثِ أبى هُرَيْرَةَ، وجُوَيْرِيَةَ.
وإن وافَقَ صَوْمًا لإِنْسانٍ لم يُكْرَهْ؛ لِما قَدَّمْناه.
فصل: ويُكْرَهُ صِيامُ يَوْمِ الشَّكِّ، وهو يَوْمُ الثَّلاثِينَ مِن شَعْبانَ إذا كانت السَّماءُ مُصْحِيَةً ولم يَرَوُا الهِلالَ، إلَّا أن يُوافِقَ صَوْمًا كان يَصُومُه،
..................................
كمَن عادَتُه صومُ يَوْمٍ وفِطْرُ يومٍ، أو صومُ يَوْمِ الخَمِيسِ، أو صومُ آخِرِ يومٍ مِن الشَّهْرِ، وشِبْهُ ذلك، أو مَن صام قبلَ ذلك بأيّامٍ، فلا بَأْسَ بصومِه، لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أحَدُكُمْ رمضانَ بِصِيَامِ يَوْمٍ أوْ يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ويَحْتَمِلُ أن يَحْرُمَ؛ لقَوْلِ عَمّارٍ: مَن صام اليومَ الذي يُشَكُّ فيه فقد عَصَى أبا القاسِمِ - صلى الله عليه وسلم - 2. حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
..................................
فصل: ويُكْرَهُ إفْرادُ يَوْمِ النَّيْرُوزِ، والمِهْرَجانِ بالصومِ.
ذَكَرَه أصحابُنا؛ لأنَّهُما يَوْمان يُعَظِّمُهُما الكُفّارُ، فيَكُونُ تَخْصِيصُهما بالصِّيامِ دونَ غيرِهما مُوافَقَةً لهم في تَعْظِيمِهما، فكُرِهَ، كيومِ السَّبْتِ.
وعلى قِياسِ هذا، كلُّ عِيدٍ للكُفّارِ، أو يومٍ يُفْرِدُونَه بالتَّعْظِيمِ، يُكْرَهُ إفْرادُه بالصومِ، لِما ذَكَرْنا، إلَّا أن يُوافِقَ عادَةً، فلا يُكْرَهُ؛ لما ذَكَرْنا في الفُصُولِ المُتَقَدِّمَةِ.
..................................
فصل في الوِصالِ: وهو أن لا يُفْطِرَ بينَ اليَوْمَيْن أو الأَيّامِ بأكْلٍ وشُرْبٍ.
وهو مَكْرُوهٌ في قولِ أكْثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن ابنِ الزُّبَيْرِ أنَّه كان يُواصِلُ اقْتِداءً برسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. ولَنا، ما رَوَى ابنُ عمرَ، قال: واصَلَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في رمضانَ، فواصَلَ الناسُ، فنَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصالِ، فقالُوا: إنَّكَ تُواصِلُ.
فقالَ: «إنِّي لَسْتُ مِثْلَكُمْ، إنِّي أُطْعَمُ وأُسْقَى».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وهذا يَقْتَضِى اخْتِصاصَه بذلك، ومَنْعَ إلْحاقِ غيرِه به، وقولُه: «إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى» يَحْتَمِلُ أنَّه أَرادَ: إنِّي أُعانُ على الصيامِ، ويُغْنِيه اللهُ تعالى عن الشَّرابِ والطَّعامِ، بمَنْزِلَةِ مَن طَعِمَ وشَرِبَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ: إنِّي أُطْعَمُ حَقِيقَةً، وأُسْقَي حَقِيقَةً، حَمْلاً
..................................
للَّفْظِ على حَقِيقَتِه، والأوَّلُ أَظْهَرُ، لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه لو طَعمَ وشَرِب حقِيقَةً لم يَكُنْ مُواصِلاً، وقد أقَرَّهُم على قَوْلِهم: إنَّكَ تُواصِلُ.
والثانى، أنَّه قد رُوِىَ أنَّه قال: «إنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّى وَيَسْقِينِى» 1. وهذا يَقْتَضِى أنَّه في النَّهارِ، ولا يَجُوزُ الأَكْلُ في النَّهارِ له ولا لغيرِه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الوِصالَ غيرُ مُحَرَّمٍ.
وظاهِرُ قَوْلِ الشافعىِّ أنَّه حَرامٌ؛ لظاهِرِ النَّهْىِ.
ولَنا، أنَّه تَرَك الأَكْلَ والشُّرْبَ المُباحَ، فلم يَكُنْ مُحَرَّمًا، كما لو تَرَكَه في حالِ الفِطْرِ، فإن قِيلَ: فصومُ يومِ العِيدِ مُحَرَّمٌ مع كَوْنِه تَرْكًا للأَكْلِ والشُّرْبِ المُباحِ.
قُلْنا: ما حُرِّمَ تَرْكُ الأَكْلِ والشُّرْبِ بنَفْسِه، وإنّما حُرِّمَ بنِيَّةِ الصومِ، ولهذا لو تَرَكَه مِن غيرِ نِيَّةِ الصومِ لم يَكُنْ مُحَرَّمًا.
وأمَّا النَّهْىُ، فإنَّما أتَى به رَحْمَةً لهم، ورِفْقًا بهم؛ لِما فيه مِن المَشَقَّةِ عليهم.
كما نَهَى عبدَ اللهِ بنَ عَمْروٍ عن صِيامِ النَّهارِ وقِيامِ اللَّيْلِ، وعن
..................................
قِراءَةِ القُرآنِ في أقَلَّ مِن ثَلاثٍ.
وقالت عائشةُ: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصالِ رَحْمَةً لهم 1. وهذه قَرِينَةٌ صارِفَةٌ عن التَّحْرِيمِ، ولهذا لم يَفْهَمْ منه أصحابُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - التَّحْرِيمَ؛ بدَلِيلِ أنَّهُم واصَلُوا بَعْدَه، ولو فَهِمُوا منه التَّحْرِيمَ لَما فَعَلُوه.
قال أبو هُرَيْرَةَ: نَهَى رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن الوِصالِ، فلمّا أبَوْا أن يَنْتَهُوا، واصَلَ بهم يومًا ويَوْمًا، ثمَّ رَأَوُا الهِلالَ، فقالَ: «لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ»، كالمُنَكِّلِ لهم حينَ أَبَوْا أن يَنْتَهُوا.
مُتَّفَقٌ عليه 2. فإن واصَلَ إلى السَّحَرِ جازَ؛ لِما روَى أبو سَعِيدٍ، أنَّه سَمِع رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا تُوَاصِلُوا، فَأَيُّكُمْ أرَادَ أنْ يُواصِلَ فَلْيُواصِلْ إلَى السَّحَرِ».
أَخْرَجَه البخاريُّ 3. وتَعْجِيلُ الفِطْرِ أَفْضَلُ لِما قَدَّمْناه.
..................................
فصل في صومِ الدَّهْرِ: روَى أبو قَتادَةَ، قال: قِيلَ يا رسولَ اللهِ، فكيف بمَن صام الدَّهْرَ؟ قال: «لَا صَامَ، وَلَا أفْطَرَ، أوْ لَمْ يَصُمْ، وَلَمْ يُفْطِرْ».
قال التِّرْمِذِىُّ 1: هذا حديثٌ حسنٌ.
وعن أبي موسى، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ» 2. قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبِى عبدِ اللهِ: فَسَّرَ مُسَدَّدٌ حَدِيثَ أبى موسى: «مَنْ صَامَ الدَّهْرَ ضُيِّقَتْ عَلَيْهِ جَهَنَّمُ» فلا يَدْخُلُها، فضَحِكَ، وقال: مَن قال هذا؟ وأين حديثُ عبدِ اللهِ بنِ عَمْروٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كَرِه ذلك، وما فيه مِن الأحادِيثِ؟ قال أبو الخَطّابِ: إنَّما يُكْرَهُ إذا أدْخَلَ فيه يَوْمَىِ العِيدَيْن، وأيّامَ التَّشْرِيقِ؛ لأنَّ أحمدَ قال: إذا أفْطَرَ يَوْمَىِ العِيدَيْن، وأيّامَ التَّشْرِيقِ رَجَوْتُ أن لا يَكُونَ بذلك بَأْسٌ.
وَرُوِىَ نَحْوُ هذا عن مالكٍ، وهو قَوْلُ الشافعىِّ؛ لأَنَّ جَماعَةً مِن الصحابَةِ كانُوا يَسْرُدُون الصومَ،
..................................
منهم أبو طَلْحَةَ، قِيلَ: إنَّه صام بعدَ مَوْتِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أرْبَعِين سَنَةً.
قال شيخُنا 1: ويَقْوَى عِنْدِى أنَّ صومَ الدَّهْرِ مَكْرُوهٌ، وإن لم يَصُمْ هذه الأيّامَ، فإن صامَها فقد فَعَل مُحَرَّمًا، وإنّما كُرهَ صومُ الدَّهْرِ؛ لما فيه مِن المَشَقَّةِ والضَّعْفِ وشِبْهِ التَّبَتُّلِ المَنْهِىِّ عنه؛ لأَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال لعبدِ اللهِ ابنِ عَمْروٍ: «إنَّكَ لَتَصُومُ الدَّهْرَ، وَتَقُومُ اللَّيْلَ!» قُلْتُ: نعم.
قال: «إِنَّكَ إِذَا فَعَلْتَ ذلِكَ هَجَمَتْ 2 لَهُ عَيْنُكَ، وَنَفِهَتْ 3 لَهُ النَّفْسُ، لَا صَامَ مَنْ صَامَ الدَّهْرَ، صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ صَوْمُ الدَّهْرِ كُلِّهِ».
وذَكَر الحَدِيثَ.
رَواه البخارىُّ 4.
وَلَا يَجُوزُ صَوْمُ يَوْمَىِ الْعِيدَيْنِ عَنْ فَرْضٍ وَلَا تَطَوُّعٍ،
فصل: ويُكْرَهُ اسْتِقْبالُ رمضانَ باليومِ واليَوْمَيْن؛ لقَوْلِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَتَقَدَّمَنَّ أَحَدُكُمْ رَمَضَانَ بِصَوْمِ يَوْمٍ، وَلَا يَوْمَيْنِ، إلَّا أَنْ يَكُونَ رَجُلٌ كَانَ يَصُومُ صِيَامًا فَلْيَصُمْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه (1). وما وافَقَ مِن هذا كُلِّه عادَةً فلا بَأْسَ؛ لهذا الحَدِيثِ، وقد دَلَّ هذا الحَدِيثُ بمَفْهُومِه على جَوازِ التَّقَدُّمِ بأكْثَرَ مِن يَوْمَيْن.
ورُوِىَ عن أبي هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إِذَا كَانَ النِّصْفُ مِنْ شَعْبَانَ، فأمْسِكُوا عَنِ الصِّيَامِ حَتَّى يَكُونَ رَمَضَانُ» (2). وهذا حديثٌ حسنٌ.
فيُحْمَلُ الأَوَّلُ على الجَوازِ، وهذا على نَفْىِ الفَضِيلَةِ، جَمْعًا بينَهما.
1101 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ صومُ العِيدَيْن عن فَرْضٍ ولا
12
وَإِنْ قَصَدَ صِيَامَهُمَا كَانَ عَاصِيًا، وَلَمْ يُجْزِئْهُ عَنْ فَرْضٍ.
تَطَوُّعٍ، وإن قَصَد صِيامَهما.
كان عاصِيًا، ولم يُجْزِئْه عن الفَرْضِ) اتَّفَقَ أهْلُ العِلْمِ على أنَّ صومَ يَوْمَىِ العِيدَيْنِ مُحَرَّمٌ في التَّطَوُّعِ، والنَّذْرِ المُطْلَقِ، والقَضاءِ، والكَفّارَةِ.
وذلك لما روَى أبو عُبَيْدٍ مَوْلَى ابنِ أَزْهَرَ، قال: شَهِدْتُ العِيدَ مع عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، فجاءَ فصَلَّى، ثمَّ انْصَرَفَ فخَطَبَ الناسَ، فقالَ: إنَّ هذَيْن يَوْمَان نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن صِيامِهما، يَوْمُ فِطْرِكُم مِن صِيامِكُم، والآخَرُ يَوْمٌ تَأْكُلُون فيه مِن نُسُكِكُمْ.
وعن أبي هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - نَهَى عن صِيامِ يَوْمَيْن؛ يومِ فِطْرٍ، ويومِ أضْحَى.
مُتَّفَقٌ عليهما 1. والنَّهْىُ يَقْتَضِى فَسَادَ المَنْهِىِّ
وَلَا يَجُوزُ صِيَامُ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ تَطَوُّعًا، وَفِي صِيَامِهَا عَنِ الفَرْضِ رِوَايَتَانِ.
عنه وتَحْرِيمَه، أمَّا صَوْمُهما عن النَّذْرِ المُعَيَّنِ، ففيه خِلافٌ نَذْكُرُه في بابِ النَّذْرِ، إن شاء اللهُ تعالى.
1102 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ صِيامُ أيّامِ التَّشْرِيقِ تَطَوُّعًا، وفي صِيامِها عن الفَرْضِ رِوايَتان)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ أَيّامَ التَّشْرِيقِ مَنْهِىٌّ عن صيامِها؛ لِما روَى نُبَيْشَةُ الهُذَلِىُّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أيَّامُ التَّشْرِيقِ أَيّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ وَذِكْرٍ للهِ عَزَّ وَجَلَّ».
رَواه مسلمٌ 1. وعن عَمْرِو بنِ العَاصِ، أنَّه قال: هذه الأيّامُ التي كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَأْمُرُنا بإفْطارِها، ويَنْهَى عن صيامِها.
قال مالكٌ: وهي أَيّامُ التَّشْرِيقِ.
رَواه أبو داودَ 2. ولا يَحِلُّ صِيامُها تَطَوُّعًا في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
وعن
..................................
ابنِ الزُّبَيْرِ، أنَّه كان يَصُومُها.
ورُوِىَ نَحْوُ ذلك عن ابنِ عُمَرَ، والأسْوَدِ ابنِ يَزِيدَ.
وعن أبي طَلْحَةَ، أنَّه كان لا يُفْطِرُ إلَّا يَوْمَىِ العِيدَيْن.
والظّاهِرُ أنَّ هؤلاء لم يَبْلُغْهم نَهْىُ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن صيامِها، ولو بَلَغَهم لم يَعْدُوه إلى غيرِه.
وأمَّا صَوْمُها عن الفَرْضِ، ففيه رِوايَتان؛ إحْداهُما، لا يَجُوزُ؛ لأنَّه مَنْهِىٌّ عن صِيامِها، فأَشْبَهَتْ يَوْمَىِ العِيدَيْن.
والثّانِيَةُ، يَجُوزُ؛ لِما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وعائِشَةَ، أنَّهما قالا: لم يُرَخَّصْ في أَيّامِ التَّشْرِيقِ إلَّا لمَن لم يَجِدِ الهَدْىَ، أنْ يُصمْنَ 1. وهو حَدِيثٌ صحيحٌ.
ويُقاسُ عليه سائِرُ المَفْرُوضِ.
وَمَنْ دَخَلَ فِي صَوْمٍ أَوْ صَلَاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ لَهُ إِتْمَامُهُ، وَلَمْ يَجِبْ، فَإِنْ أَفْسَدَهُ، فَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ.
1103 - مسألة: (ومَن شَرَع في صومٍ أو صلاةٍ تَطَوُّعًا، اسْتُحِبَّ له إتْمامُه، ولا يَلْزَمُه، فإن أفْسَدَه فلا قَضاءَ عليه)
لِما رُوِىَ عن ابنِ عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، أنَّهما أَصْبَحا صائِمَيْن، ثمَّ أفْطَرا.
وقال ابنُ عُمَرَ: لا بَأْسَ به، ما لم يَكُنْ نَذْرًا، أو قَضاءَ رمضانَ.
وقال ابنُ عباسٍ: إذا صام الرجلُ تَطَوُّعًا، ثمَّ شاء أن يَقْطَعَه، قَطَعَه، وإذا دَخَل في صلاةٍ تَطَوُّعًا، ثمَّ شاء أن يَقْطَعَها، قَطَعَهَا 1. وقال ابنُ مسعودٍ: متى أَصْبَحْتَ تُرِيدُ الصومَ، فأَنت على خَيْرِ النَّظَرَيْن، إن شِئْتَ صُمْتَ، وإن شِئْتَ أَفْطَرْتَ 2. هذا
..................................
قَوْلُ أحمدَ، والثَّوْرِىِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ.
وقد روَى حَنْبَلٌ، عن أحمدَ، إذا أجْمَعَ على الصِّيامِ، فأوْجَبَه على نَفْسِه، فأَفْطَرَ مِن غيرِ عُذْرٍ، أعادَ ذلك اليَوْمَ.
وهذا مَحْمُولٌ على أنَّه اسْتَحَبَّ ذلك، أو نَذَرَه؛ ليَكُونَ موافِقًا لسائِرِ الرِّواياتِ عنه.
وقال النَّخَعِىُّ، وأبو حنيفةَ، ومالكٌ: يَلْزَمُ بالشُّرُوعِ فيه، ولا يَخْرُجُ منه إلَّا بعُذْرٍ، فإن خَرَج قَضَى.
وعن مالكٍ، لا قَضاءَ عليه.
واحْتَجَّ مَن أوْجَبَ القَضاءَ بما رُوِىَ عن عائِشَةَ، أنَّها قالت:
..................................
أَصْبَحْتُ أنا وحَفْصَةُ صائِمَتَيْن مُتَطَوِّعَتَيْن، فأُهْدِىَ لنا حَيْسٌ 1، فأفْطَرْنا، ثمَّ سَأَلْنا رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقالَ: «اقْضِيَا يَوْمًا مَكَانَهُ» 2. ولأنَّها عِبادَةٌ تَلْزَمُ بالنَّذْرِ، فلَزِمَتْ بالشُّرُوعِ فيها، كالحَجِّ والعُمْرَةِ.
ولَنا، ما روَى مسلمٌ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ 3، عن عِائِشَةَ، قالت: دَخَل علىَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَوْمًا، فقالَ: «هَلْ عِنْدَكُمْ شَىْءٌ».
فقُلْتُ: لا.
قال: «فَإِنِّى صَائِمٌ».
ثمَّ مَرَّ بى بعدَ ذلك اليومِ وقد أُهْدِىَ لنا حَيْسٌ، فخَبَأْتُ له منه، وكان يُحِبُّ الحَيْسَ.
قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، إنَّه أُهْدِىَ لنا حَيْسٌ، فخَبَأْتُ لك منه، قال: «أَدْنِيهِ، أَمَا إنِّي قَدْ أَصْبَحْتُ وَأَنَا صَائِمٌ».
فأَكَلَ منه.
ثمَّ قال: «إنَّمَا مَثَلُ صَوْمِ التَّطَوُّعِ مَثَلُ الرَّجُلِ يُخْرِجُ مِنْ مَالِهِ الصَّدَقَةَ؛ فَإنْ شَاءَ أَمْضَاهَا، وَإنْ شَاءَ حَبَسَهَا».
هذا
..................................
لَفْظُ رِوايَةِ النَّسَائِىِّ، وهو أَتَمُّ مِن غَيْرِه.
ورَوَتْ أمُّ هانِئٍ، قالت: دَخَلْتُ على رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأُتِىَ بشَرابٍ، فناوَلَنِيه فشَرِبْتُ منه، ثم قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ لقد أفْطَرْتُ وكُنْتُ صائِمَةً.
فقالَ لها: «أَكُنْتِ تَقْضِينَ شَيْئًا؟».
قالت: لا.
قال: «فَلَا يَضُرُّكِ إنْ كَانَ تَطَوُّعًا».
رَواه سعيدٌ، وأبو داودَ 1، والأثْرَمُ.
وفى لَفْظٍ، قالت: قُلْتُ: إنِّى صائِمَةٌ.
فقالَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ المُتَطَوِّعَ أمِيرُ نَفْسِهِ، فَإنْ شِئْتِ فَصُومِى، وَإنْ شِئْتِ فَأَفْطِرِى» 2. ولأَنَّ كلَّ صَوْمٍ لو أَتَمَّه كان تَطَوُّعًا، إذا خَرَج منه لم يَجِبْ قَضاؤُه، كما لو اعْتَقَدَ أنّه مِن رمضانَ، فبانَ مِن شعبانَ.
فأمّا خَبَرُهم، فقالَ أبو داودَ: لا يَثْبُتُ.
وقال التِّرْمِذِىُّ: فيه مَقالٌ.
وضَعَّفَه الجُوزْجانِىُّ وغيرُه، ثم هو مَحْمُولٌ على الاسْتِحْبابِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ له إتمامُه، وإن خَرَج منه اسْتُحِبَّ قَضاؤُه؛ للخُرُوجِ مِن الخِلافِ، وعَمَلًا بالخَبَرِ الذى رَوَوْه.
..................................
فصل: وسائِرُ النَّوافِلِ مِن الأعْمالِ حُكْمُها حُكْمُ الصِّيامِ، في أنَّها لا تَلْزَمُ بالشُّرُوعِ، ولا يَجِبُ قَضاؤُها إذا أَفْسَدَها، إلَّا الحَجَّ والعُمْرَةَ، فإنَّهُما يُخالِفان سائِرَ العِباداتِ في هذا؛ لتَأكُّدِ إحْرامِهما، ولا يَخْرُجُ منهما بإفْسادِهِما، ولو اعْتَقَدَ أنَّهُما واجِبان، ولم يَكُونا واجِبَيْن، لم يَكُنْ له الخُرُوجُ منهما.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ في الصلاةِ ما يَدُلُّ على أنَّها تَلْزَمُ بالشُّروعِ.
قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبِى عبدِ اللهِ: الرَّجُلُ يُصْبِحُ صائِمًا مُتَطَوِّعًا، أَيَكُونُ بالخيارِ؟ والرجلُ يَدْخُلُ في الصلاةِ أله أن يَقْطَعَها؟ قال: الصلاةُ أشَدُّ، أمَّا الصلاةُ فلا يَقْطَعُها.
قِيلَ له: فإن قَطَعَها قَضاها؟ قال: إن قَضَاهَا فليس فيه اخْتِلافٌ.
ومالَ أبو إسحاقَ الجُوزْجانِيُّ إلى هذا القولِ، وقال: الصلاةُ ذاتُ إِحْرامٍ وإحْلالٍ، فلَزِمَتْ بالشُّرُوعِ فيها، كالحَجِّ.
وأكثرُ أصحابِنا على أنَّها لا تَلْزَمُ أيْضًا.
وهو قولُ ابنِ عباسٍ؛ لأنَّ ما جاز تَرْكُ جَمِيعِه جاز تَرْكُ بعضِه، كالصَّدَقَةِ.
والحَجُّ والعُمْرَةُ يُخالِفان غيرَهما بما ذَكَرْنا.
فصل: فإن دَخَل في صومٍ واجِبٍ؛ كقَضاءِ رمضانَ، أو نَذْرٍ
وَتُطْلَبُ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ، وَلَيَالِى الْوِتْرِ آكَدُهَا.
مُعَيَّنٍ، أو مُطْلَقٍ، أو صِيامِ كَفّارَةٍ، لمِ يَجُزْ له الخُروجُ منه؛ لأنَّ المُتَعَيِّنَ وَجَب الدُّخُولُ فيه، وغيرَ المُتَعَيِّنِ تَعَيَّنَ بدُخُولِه فيه، فصارَ بمَنْزِلَةِ المُتَعَيِّنِ.
وهذا لا خِلافَ فيه بحَمْدِ اللهِ.
1104 -
مسألة: (وتُطْلَبُ لَيْلَةُ القَدْرِ في العَشْرِ الأواخِرِ مِن رمضانَ، ولَيالِى الوِتْرِ آكَدُها)
لَيْلَةُ القَدْرِ لَيْلَةٌ شَرِيفَةٌ مُبارَكَةٌ مُعَظَّمَةٌ مُفَضَّلَةٌ، قال اللهُ تعالى: ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ﴾ 1. قِيلَ: مَعْناه، العَمَلُ فيها خَيْرٌ مِن العَمَلِ في أَلْفِ شَهْرٍ ليس فيها لَيْلَةُ القَدْرِ.
وقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إِيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ».
..................................
مُتَّفَقٌ عليه 1. قِيلَ: إنَّما سُمِّيَتْ لَيْلَةَ القَدْرِ؛ لأَنَّه يُقَدَّرُ فيها ما يَكُونُ في تلك السَّنَةِ مِن خَيْرٍ ومُصِيبَةٍ، ورِزْقٍ وبَرَكَةٍ.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عباسٍ.
قال اللهُ تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ﴾ 2. وسَمّاها مُبارَكَةً، فقال تعالى: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ﴾ 3. وهي لَيْلَةُ القَدْرِ؛ بدَلِيلِ قَوْلِه سبحانه: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ﴾ 4. وقال تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ 5. يُرْوَى أنَّ جِبْرِيلَ نَزَل به مِن بَيْتِ العِزّةِ إلى سَماءِ الدُّنْيَا في لَيْلَةِ القَدْرِ، ثمَّ نَزَل به على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - نُجُومًا في ثَلاثٍ وعِشْرِينَ سَنَةً 6. وهي باقِيَةٌ لم تُرْفَعْ؛ لِما روَى أبو ذَرٍّ، قال: قُلْتُ: يا رسولَ اللهِ، لَيْلَةُ القَدْرِ رُفِعَتْ مع الأَنْبِياءِ، أو هى باقيَةٌ إلى يَوْمِ القِيامَةِ؟ فقالَ: «بَاقِيَةٌ إلى يَوْمِ الْقِيَامَةِ».
قُلْتُ: في رمضانَ أو في غيرِه؟ قال: «في رَمَضَانَ».
فقُلْتُ: في العَشْرِ الأوَّلِ، أو الثانِي، أو الآخِرِ؟
..................................
فقالَ: «فِي العَشْرِ الآخِرِ» 1. وأكْثَرُ أَهْلِ العِلْمِ على أَنَّها في رمضانَ، وكان ابنُ مسعودٍ يَقُولُ: مَنْ يَقُمِ الحَوْلَ يُصِبْها.
يُشِيرُ إلى أنَّها في السَّنَةِ كُلِّها.
وفي كتابِ اللهِ تعالى ما يُبَيِّنُ أنَّها في رمضانَ؛ لأنَّ اللهَ تعالى أَخْبَرَ أنَّه أَنْزَلَ القُرْآنَ في لَيْلَةِ القَدْرِ، وأَنَّه أَنْزَلَه في رمضانَ، فيَجبُ أن تَكُونَ في رمضانَ، لئَلَّا يَتَناقَضَ الخَبَران، ولأَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - ذَكَر أَنَّها في رمضانَ في حَدِيثِ أبى ذَرٍّ، وقال: «الْتَمِسُوهَا فِي العَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي كُلِّ وِتْرٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وقال أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ: واللهِ لقد عَلِم ابنُ مسعودٍ أنَّها في رمضانَ، ولكِنَّه كَرِهَ أن يُخْبِرَكُم، فَتَتَّكِلُوا.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُسْتَحَبُّ طَلَبُها في جَمِيعِ لَيالِى رمضانَ، وفي العَشْرِ الأَواخِرِ آكَدُ، وفي لَيالِى الوِتْرِ آكَدُ.
قال أحمدُ: في العَشْرِ الأواخِرِ، في وِتْرٍ مِن اللَّيالِى، لا يُخْطِئُ إن شاء اللهُ.
كذا رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «اطْلُبُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي ثَلَاثٍ بَقِينَ، أَوْ سَبْعٍ بَقِينَ، أَوْ تِسْعٍ بَقِينَ» 3. وروَى سالِمٌ عن أبيه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ
وَأَرْجَاهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ،
تَوَاطَأَتْ عَلَى أنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَواخِرِ، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي الوِتْرِ مِنْهَا».
مُتَّفَقٌ عليه (1). وقالت عائِشَةُ: كان رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُجاوِرُ في الْعَشْرِ الأَواخِرِ مِن رمضانَ (2). وفي لَفْظٍ للبُخارِىِّ: «تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْوِتْرِ، فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ» (3). والأَحادِيثُ في ذلك كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ.
1105 -
مسألة: (وأرْجاها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين)
اخْتَلَفَ أهلُ العِلْمِ في أرْجَى هذه اللَّيالِى، فقالَ أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ، وعبدُ اللهِ ابنُ عباسٍ: هى لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين.
قال زِرُّ بنُ حُبَيْشٍ: قُلْتُ لأُبَىِّ ابنِ كَعْبٍ: أما عَلِمْتَ أبا المُنْذِرِ، أَنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ؟ قال: أخْبَرَنَا123
..................................
رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أَنَّها لَيْلَةٌ صَبِيحَتَها تَطْلُعُ الشمسُ ليس لها شُعاعٌ.
فعَدَدْنا، وحَفِظْنا، واللهِ لقد عَلِم ابنُ مسعودٍ أنَّها في رمضانَ، وأنَّها لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين، ولَكنَّه كَرِهَ أن يُخْبِرَكُم، فَتَتَّكِلُوا.
قال التِّرْمِذِىُّ 1: هذا حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وروَى أبو ذَرٍّ في حَدِيثٍ أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَقُمْ بهم في رمضانَ حتىِ بَقِىَ سَبْعٌ، فقامَ بهم حتى مَضَى نَحْوٌ مِن ثُلُثِ اللَّيْلِ، ثمَّ قام بهم في لَيْلَةِ خَمْسٍ وعِشْرِينَ حتى مَضَى نحوٌ مِن شَطْرِ اللَّيْلِ، حتى كانت لَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِينَ، فجَمَعَ نِساءَه وأَهْلَه، واجْتَمَعَ الناسُ، قال: فقامَ بهم حتى خَشِينَا أن يَفُوتَنا الفَلاحُ.
يَعْنِي السَّحُورَ.
مُتَّفَقٌ عليه 2.
..................................
وحُكِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: سُورَةُ القَدْرِ ثَلاثُون كَلِمَةً، السّابِعَةُ والعِشْرُون منها ﴿هِيَ﴾ 1. وروَى أبو دَاوُدَ 2 بإسْنادِه، عن مُعاوِيَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، في لَيْلَةِ القَدْرِ، قال: «لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ».
وقِيلَ: آكَدُها لَيْلَةُ ثَلاثٍ وعِشْرِين؛ لأنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّ عبدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ سَأَلَه، فقالَ: يا رسولَ اللهِ، إنِّي أكُونُ ببادِيَةٍ يُقالُ لها الوَطَاةُ 3، وإنِّى بحَمْدِ اللهِ أُصَلِّى بهم، فمُرْنِي بلَيْلَةٍ مِن هذا الشَّهْرِ أنْزِلُها في المَسْجِدِ، فأُصَلِّيها فيه.
فقال: «انْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلِّهَا فِيهِ، وإنْ أحْبَبْتَ أنْ تَسْتَتِمَّ آخِرَ هذا الشَّهْرِ فَافْعَلْ، وَإنْ أَحْبَبْتَ فَكُفَّ».
فكانَ إذا صَلَّى العَصْرَ دَخَل المَسْجِدَ، فلم يَخْرُجْ إلَّا في حاجَةٍ، حتى يُصَلِّىَ الصُّبْحَ،
..................................
فإذا صَلَّى الصُّبْحَ كانت دابَّتُه ببابِ المَسْجدِ.
رَواه أبو داودَ مُخْتَصَرًا 1. وقِيلَ: آكَدُها لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وعِشْرِين؛ لأَنَّه رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَيْلَةُ الْقَدْرِ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِن السَّبْعِ الأوَاخِرِ» 2. ورُوِىَ عن بعضِ الصحابَةِ أنَّه قال: لم نَكُنْ نَعُدُّ عَدَدَكُم هذا، وإنَّما نَعُدُّ مِن آخِرِ الشَّهْرِ.
يَعْنِي أنَّ السابِعَةَ والعِشْرِينَ هى أوَّلُ لَيْلَةٍ مِن السَّبْعِ الأواخِرِ.
وقيل: آكَدُها لَيْلَةُ إحْدَى وعِشْرِين؛ لِما روَى أبو سَعِيدٍ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «أُرِيتُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثمَّ أُنْسِيتُهَا، فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ، فِي الْوِتْرِ، وَإنِّى رَأَيْتُ أنِّى أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ».
قال:
..................................
فجاءَتْ سَحَابَةٌ، فمَطَرَتْ حتى سال سَقْفُ المَسْجِدِ، وكان مِن جَرِيدِ النَّخْلِ، فأُقِيمَتِ الصلاةُ، فرَأَيْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَسْجُدُ في الماءِ والطِّينِ، حتى رَأَيْتُ أثَرَ الماءِ والطِّينِ في جَبْهَتِه.
وفي حَدِيثٍ: «فِي صَبِيحَةِ إِحْدَى وَعِشْرِينَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. قال التِّرْمِذِىُّ 2: قد رُوِىَ أنَّها لَيْلَةُ إِحْدَى وعِشْرِينَ، وليلةُ ثَلاثٍ وعِشْرِينَ، وليلةُ خَمْسٍ وعِشْرِين، ولَيْلَةُ سَبْعٍ وعِشْرِين، وليلةُ تِسْعٍ وعِشْرِين، وآخِرُ ليلةٍ.
وقال أبو قِلابَةَ: إنَّها تَنْتَقِلُ في لَيالِى العَشْرِ.
قال الشافعىُّ: كان هذا عِنْدِى، واللهُ أعْلَمُ، أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - كان يُجِيبُ على نَحْوِ ما يُسْأَلُ.
فعلى هذا كانَتْ في السَّنَةِ التي رَأَى أبو سعيدٍ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْجُدُ في الماءِ والطِّينِ ليلةَ إحْدَى وعِشْرِين، وفي السَّنَةِ التي أمَر عبدَ اللهِ بنَ أُنَيْسٍ ليلةَ ثَلاثٍ وعِشْرِين، وفي السَّنَةِ التي رَأَى
..................................
أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ عَلامَتَها، ليلةَ سَبْعٍ وعِشْرِين، وقد تُرى عَلامَتُها في غيرِ هذه اللَّيالِى.
قال بعضُ أهْلِ العِلْمِ: أبْهَمَ اللهُ هَذه الليلةَ على الأُمَّةِ؛ ليَجْتَهِدُوا في طَلَبِها، ويَجِدُّوا في العِبادَةِ في الشَّهْرِ كُلِّه، طَمَعًا في إدْراكِها، كما أَخْفَى ساعَةَ الإِجابَةِ في يَوْمِ الجُمُعَةِ؛ ليُكْثِرُوا مِن الدُّعاءِ في اليَوْمِ كُلِّه، وأخْفَى اسْمَه الأعْظَمَ في الأسْماءِ، ورِضاه في الطّاعاتِ؛ ليَجْتَهِدُوا في جَمِيعِها، وأخْفَى الأَجَلَ وقِيامَ السّاعَةِ، ليَجِدَّ الناسُ في العَمَلِ، حَذَرًا منها.
..................................
فصل: والمَشْهُورُ مِن عَلامَتِها ما ذَكَرَه أُبَىُّ بنُ كعبٍ عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ الشَّمْسَ تَطْلُعُ مِن صَبِيحَتِهَا بَيْضَاءَ لا شُعَاعَ لها.
وفي بَعْضِ الأحادِيثِ: «بَيْضَاءَ مِثْلَ الطَّسْتِ» 1. ورُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّها لَيْلَةٌ بَلْجَةٌ 2 سَمْحَةٌ، لا حَارَّةٌ وَلَا بَارِدَةٌ، تَطْلُعُ الشَّمْسُ مِنْ صَبِيحَتِهَا لَا شُعَاعَ لَهَا 3.
وَيَدْعُو فِيهَا بِمَا رُوِىَ عَنْ عَائِشَةَ، رَضِىَ اللهُ عَنْهَا، [59 ظ] أَنَّهَا قَالَتْ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنْ وَافَقْتُهَا فَبِمَ أَدْعُو؟ قَالَ: «قُولِى: اللَّهُمَّ إِنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّى».
1106 - مسألة: ويُسْتَحَبُّ أن يَجْتَهِدَ فيها في الدُّعاءِ (ويَدْعُوَ فيها بما رُوِىَ عن عائِشةَ، أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، إن وافَقْتُها بِمَ أَدْعُو؟ قال: «قُولِى: اللَّهُمَّ إنَّكَ عَفُوٌّ تُحِبُّ الْعَفْوَ، فَاعْفُ عَنِّي»)
1.
كِتَابُ الاِعْتِكَافِ
وَهُوَ لُزُومُ الْمَسْجِدِ لِطَاعَةِ اللهِ تَعَالَى.
كِتابُ الاعْتِكافِ
(وهو لُزُومُ المَسْجِدِ لطاعَةِ اللهِ تَعالَى) الاعْتِكافُ في اللُّغَةِ: لُزُومُ الشئِ، وحَبْسُ النَّفْسِ عليه، بِرًّا كان أو غيرَه، ومنه قَوْلُه تَعالَى: ﴿يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ﴾ 1. قال الخَلِيلُ: عَكَف يَعْكُفُ ويَعْكِفُ.
وهو في الشَّرْعِ: الإِقامَةُ في المَسْجِدِ لطاعَةِ اللهِ تَعالَى على صِفَةٍ نَذْكُرُها، وهو قُرْبَةٌ وطاعَةٌ.
قال اللهُ تَعالَى: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ 2، وقالت عائِشَةُ: كان النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - يَعْتَكِفُ العَشْرَ الأَواخِرَ.
مُتَّفَقٌ عليه (3). وروَى ابنُ ماجه، في «سُنَنِه» 3 عن ابنِ4