الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 323-362

كِتَابُ الصِّيَامِ

صفحات 323-362

كتابُ الصِّيَامِ الصِّيامُ في اللُّغَةِ عِبارَةٌ عن الإِمْساكِ، يُقالُ: صام النَّهارُ.
إذا وَقَف سَيْرُ الشَّمْسِ.
وقال سبحانه وتعالى حِكايةً عن مَرْيَمَ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ 1. أى: إمْساكًا عن الكَلامِ، وقال الشاعرُ 2: خَيْلٌ صِيَامٌ وخيلٌ غيرُ صَائِمَةٍ تَحْتَ العَجَاجِ وأُخْرَى تَعْلُكُ اللُّجُمَا يَعْنِى بالصَّائِمَةِ: المُمْسِكَةَ عن الصَّهِيلِ.
وهو في الشَّرعِ: عِبارَةٌ عن الإِمْساكِ عن أشْياءَ مَخْصُوصَةٍ، في وَقْتٍ مَخْصُوصٍ يَأْتِى بَيانُه إن شاء اللَّهُ.
وصومُ رمضانَ واجِبٌ، الأصْلُ في وُجُوبِه الكِتابُ، والسُّنَّةُ،

..................................  والإِجْماعُ، أمّا الكِتابُ فقَوْلُ اللَّهِ تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ﴾.
إلى قَوْلِه: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 1. وأمّا السُّنَّةُ، فقَوْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «بُنِىَ الْإسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ».
ذَكَرَ منها صَومَ رمضانَ.
وعن طَلْحَةَ بنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، أنَّ أعْرابِيًّا جاء إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثائِرَ الرَّأْسِ، فقالَ: يا رسولَ اللَّه 2، أخْبِرْنِى ماذا فَرَض اللَّهُ عَلَىَّ مِن الصِّيامِ؟ فقالَ: «شَهْرَ رَمَضَانَ».
فقالَ: هل عَلَىَّ غيرُه؛ قال: «لَا، إلَّا أنْ تَتَطَوَّعَ شَيْئًا».
قال: فأخْبِرْنِى ماذا فَرَضَ اللَّهُ (2) عَلَىَّ مِن الزَّكاةِ؟ فأخبَرَه رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بشَرائِعِ الإِسْلامِ.
فقالَ: والذى أَكْرَمَكَ لا أتَطَوَّعُ شَيْئًا، ولا أَنْقُصُ مِمّا فَرَض اللَّه عَلَىَّ شَيْئًا.
فقالَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أفلَحَ إنْ صَدَقَ».
أو: «دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ».
مُتَّفَقٌ عليهما 3. وأجْمَعَ المسلمون على وُجُوبِ صومِ شَهْرِ رمضانَ.
فصل: رُوِى عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا جَاءَ رمضانُ فُتِحَتْ أبْوَابُ الجَنَّةِ».
مُتَّفَقٌ عليه 4. ورُوِىَ عن أبى هُرَيْرَةَ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه

..................................  قال: «لَا تَقُولُوا جَاءَ رَمَضَانُ، فَإِنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أسْمَاء اللَّهِ تَعَالَى» 1. فيَتَعَيَّنُ حَمْلُ هذا على أنَّه لا يُقالُ ذلك غيرَ مُقْتَرِنٍ بما يَدُلُّ على إرادَةِ الشَّهْرِ، لئَلَّا يُخالِفَ الأحادِيثَ الصَّحيحةَ.
والمُسْتَحَبُّ مع ذلك أن يَقولَ: شَهْرُ رمضانَ، كما قال اللَّهُ تعالى: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ﴾ 2. واخْتُلِفَ في المَعْنَى الذى سُمِّىَ لأجْلِه رمضانَ، فروَى أنَسٌ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «إنَّمَا سُمِّىَ رمضانَ؛ لأنَّه يَحْرِقُ الذُّنُوبَ» 3. فيَحْتَمِلُ أنَّه أرادَ أنَّه شُرِع صَوْمُه دونَ غيرِه، ليُوافِقَ اسْمُه مَعْناه.
وقِيلَ: هو اسْمٌ مَوْضُوعٌ لغَيْرِ مَعْنًى، كسائِرِ الشُّهُورِ.
وقِيلَ غيرُ ذلك.
فصل: والصومُ المَشْروعُ هو الإِمْساكُ عن المُفْطِراتِ، مِن طُلُوعِ الفَجْرِ الثّانِى إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
رُوِى مَعْنَى ذلك عن عُمَرَ، وابنِ عباسٍ، وبه قال عَطاءٌ، وعَوامُّ أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن علىٍّ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه لمّا صَلَّى الفَجْرَ قال: الآنَ حينَ يَتَبَيَّنُ الخَيْطُ = الصيام.
المجتبى 4/ 101 - 103. والدارمى، في: باب في فضل شهر رمضان، من كتاب الصوم.
سنن الدارمى 2/ 26. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 357.

يَجبُ صَوْمُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ، فَإِنْ لَمْ يُرَ مَعَ الصَّحْوِ، أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا، ثمَّ صَامُوا.
وَإن حَالَ دُونَ مَنْظرِهِ غَيْمٌ أوْ قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ، وَجَبَ صِيَامُهُ بِنِيَّةِ رَمَضَانَ  الأَبْيَضُ مِن الخَيْطِ الأسْوَدِ.
وعن ابنِ مسعودٍ نَحْوُه 1. وقال مَسْرُوقٌ: لم يَكُونُوا يَعُدُّون الفَجْرَ فَجْرَكم، إنَّما كانُوا يَعُدُّون الفَجْرَ الذى يَمْلَأُ البُيوتَ والطُّرُقَ.
وهذا قَوْلُ الأَعْمَش.
ولنا، قَوْلُ اللَّه تِعالى: ﴿حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ﴾ 2. يَعْنِى بَياضَ النَّهارِ مِن سَوادِ اللَّيْلِ.
وهذا يَحْصُلُ 3 بطُلوعِ الفَجْرِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُوذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ» 4. دلِيل على أنَّ الخَيْطَ الأبْيَضَ هو الصَّباحُ، وأنَّ السُّحُورَ لا يَكُونُ إلَّا قبلَ الفَجْرِ.
وهذا إجْماعٌ لم يُخالِفْ فيه إلَّا الأعْمَشُ وَحْدَه، فشَذَّ ولم يُعَرِّجْ أحَدٌ على قَوْلِه.
والنَّهارُ الذى يَجِبُ صِيامُه مِن طُلُوعِ الفَجْرِ إلى غُرُوبِ الشَّمْسِ.
قال: هذا قولُ جَماعَةِ عُلَماءِ المسلمين.

1031 -

مسألة؛ قال: (ويَجِبُ صومُ رمضانَ برُؤْيَةِ الهِلالِ، فإِن لم يُرَ مع الصَّحْوِ، أَكْمَلُوا عِدَّةَ شَعْبانَ ثَلاِثين يَوْمًا، ثم صامُوا.
فإن حال دُونَ مَنْظَرِه غَيْمٌ أو قَتَرٌ لَيْلَةَ الثَّلاثِين، وَجَب صِيامُه بنِيَّةِ رمضانَ في

فِى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ.
وَعَنْهُ، لَا يَجِبُ.
وَعَنْهُ، النَّاسُ تَبَعٌ لِلْإِمَام، فَإِنْ صَامَ صَامُوا.
ظاهِرِ المَذْهَبِ.
وعنه، لا يَجِبُ.
وعنه، النّاسُ تَبَعٌ للإِمامِ، فإِن صام صامُوا) وجُمْلَةُ ذلك أنَّ صومَ شَهْرِ رمضانَ يَجِبُ بأحَدِ ثَلاثَةِ أَشْياءَ؛ أحَدُها، رُؤْيَةُ هِلال رمضانَ، يَجِبُ به الصومُ إِجْماعًا؛ لقَوْلِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. الثَّانِى،

..................................  كَمالُ شَعبانَ ثَلاِثينَ يَوْمًا، يَجِبُ به الصومُ؛ لأنَّه يُتَيَقَّنُ به دُخُولُ شَهْرِ رمضانَ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويُسْتَحَبُّ للنّاسِ تَرائِى الهِلالِ لَيْلَةَ الثَّلاثِين مِن شعبانَ؛ ليَحْتاطُوا لصيامِهم، ويَسْلَمُوا مِن الاخْتِلافِ.
وقد روَى

..................................  التِّرْمِذِىُّ 1 عن أبى هُرَيْرَةَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أحْصُوا هِلَالَ شَعْبانَ لِرَمَضَانَ».

..................................  فصل: ويُسْتَحَبُّ لمن رَأَى الهِلالَ أن يَقُولَ ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا رَأَى الهِلالَ قال: «اللَّهُ أكبَرُ، اللَّهُمَّ أهِلَّهُ عَلَيْنَا بالأمْنِ والإِيمَانِ، والسَّلامَةِ والإِسْلَامِ، والتَّوْفِيقِ لِمَا تُحِبُّ وَتَرْضَى، رَبِّى وَرَبُّكَ اللَّهُ».
رَواه الأثْرَمُ 1. الثالِثُ، أنْ يَحُولَ دُونَ مَنْظَرِه لَيْلَةَ

..................................  الثَّلاِثِين مِن شعبانَ غَيْمٌ أو قَتَرٌ، فيَجِبُ صِيامُه في ظاهِرِ المَذْهَبِ، ويُجْزِئُه إن كان مِن شَهْرِ رمضانَ.
اخْتارَها الخِرَقِىُّ، وأكْثَرُ شُيوخِ أصْحابِنا.
وهو مَذْهَبُ عُمَرَ، وابْنِه، وعَمْرِو بنِ العاصِ، وأبِى هُرَيْرَةَ، وأنَسٍ، ومُعاوِيةَ، وعائشةَ وأسماءَ ابْنَتَىْ أبى بكْرٍ.
وبه قال بَكْرُ بنُ عبدِ اللَّهِ المُزَنِىُّ، وأبو عثمانَ النَّهْدِىُّ 1، وابنُ أبى مَرْيَمَ 2، ومُطَرِّفٌ، ومَيْمُونُ ابنُ مِهْرانَ، وطاوُسٌ، ومُجاهِدٌ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ ثانِيَةٌ، لا يَجِبُ صَوْمُه، ولا يُجْزِئُه عن رمضانَ إن صامَه.
وهو قولُ أبى حَنِيفَةَ، ومالكٍ، والشافعىِّ، وكَثِيرٍ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رَسُولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، فَإِنْ غُمِّىَ عَلَيْكُمْ فَأكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ».
رَواه البخارِىُّ 3. وعن ابنِ عُمَرَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقدُرُوا لَهُ ثَلاثِينَ».
رَواه مسلمٌ 4. وقد صَحَّ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- نَهَى عن صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ 5.

..................................  وهَذا يومُ شَكٍّ.
ولأنَّ الأصْلَ بَقاءُ شعبانَ، فلا يُنْتَقَلُ عنه بالشَّكِّ.
وعنه رِوايةٌ ثالِثَةٌ، أنَّ النَّاسَ تَبَعٌ لِلإمام، فإن صام صامُوا، وِإن أفْطَرَ أفْطَرُوا.
وهو قَوْلُ الحَسَنِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لقولِ النَّبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «الصَّوْمُ يَوْمَ تَصُومُونَ، وَالْفِطْرُ يَوْمَ تُفْطِرُونَ، وَالأضْحَى يَوْمَ تُضَحُّونَ» 1. قيل: مَعْناه أنَّ الصَّوْمَ والفِطْرَ مع الجَماعَةِ وعُظْمِ 2 النَّاسِ.
قال التِّرْمِذِىُّ: حديثٌ حسنٌ غريبٌ.
ووَجْهُ الرِّوايَةِ الأُولَى ما رَوَى نافِعٌ عن ابنَ عُمَرَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّمَا الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ، فلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الهِلالَ، ولا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ، فإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدُرُوا لَهُ».
قال نافِعٌ: كان عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ إذا مَضَى من شعبانَ تِسْعَةٌ وعِشْرُونَ يَوْمًا، يَبْعَثُ مَن يَنْظُرُ له الهِلالَ، فإن رَأَى فَذاك، وإن لم يَرَ ولم يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِه سحابٌ ولا قَتَرٌ أصْبَحَ مُفْطِرًا، وإن حالَ دُونَ مَنْظَرِه سَحابٌ أو قَتَرٌ أصْبَحَ صائِمًا 3. ومَعْنَى اقْدِرُوا له: أى ضَيِّقُوا له، مِن قَوْلِه تَعالَى: {وَمِنَ = البخارى 3/ 34. وأبو داود، في: باب كراهية صوم يوم الشك، من كتاب الصيام.
سنن أبى داود 1/ 545. والترمذى، في: باب ما جاء في كراهية صوم يوم الشك، من أبواب الصوم.
عارضة الأحوذى 3/ 202. والنسائى، في: باب صيام ويوم الشك، من كتاب الصيام.
المجتبى 4/ 126. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صيام يوم الشك، من كتاب الصيام.
سنن ابن ماجه 1/ 527.

..................................  قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ} 1. أى ضُيِّقَ عليه.
وقَوْلِه: ﴿يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ 2. والتَّضْيِيقُ له أن يُجْعَلَ شعبانُ تِسْعَةً وعِشْرِين يَوْمًا، وقد فَسَّرَه ابنُ عُمَرَ بفِعْلِه، وهو راوِيه واعلَمُ بمَعْناه، فيَجِبُ الرُّجُوعُ إلى تَفْسِيرِه، كما رُجِعَ إليه في تَفْسِيرِ التَّفَرُّقِ في خِيارِ المُتَبايِعَيْن.
ولأنَّه شَكٌّ في أحَدِ طَرَفَىِ الشَّهْرِ لم يَظْهَرْ فيه أنَّه مِن غيرِ رمضانَ، فوَجَبَ الصَّومُ، كالطَّرَفِ الآخرِ.
قال علىٌّ، وأبو هُرَيْرَةَ، وعائشةُ: لأنْ أصُومَ يَوْمًا مِن شعبانَ، أحَبُّ إلىَّ مِن أن أُفْطِرَ يَوْمًا مِن رمضانَ 3. ولأنَّ الصومَ يُحْتاطُ له، ولذلك وَجَب الصومُ بخَبَرِ واحِدٍ، ولم يُفْطِرُوا إلَّا بشَهادَةِ اثْنَيْن.
فأمَّا خَبَرُ أبى هُرَيْرَةَ الذى احْتَجُّوا به، فإنَّه يَرْوِيه محمدُ بنُ زِيادٍ، وقد خالَفَه سَعِيدُ بنُ المُسَيَّبِ، فرَواه عن أبى هُرَيْرَةَ: «فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَصُومُوا ثَلَاثِينَ» 4. ورِوايَتُه أَولَى؛ لإِمامَتِه واشْتِهارِ ثِقَتِه وعَدالَتِه ومُوافَقَتِه لرَأْىِ أبى هريرةَ ومَذْهبِه، ولخَبَرِ ابنِ عُمَرَ الذى رَوَيْناه.
ويُمْكِنُ حَمْلُه على ما إذا غُمَّ في طَرَفَىِ الشَّهْرِ.
ورِوايَةُ ابنِ عُمَرَ: «فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاِثِينَ».
= كما أخرجه دون ذكر فعل ابن عمر البخارى، في: باب قول النبى -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا رأيتم الهلال فصوموا...، من كتاب الصوم.
صحيح البخارى 3/ 34. ومسلم، في: باب وجوب صوم رمضان لرؤية الهلال...، من كتاب الصيام.
صحيح مسلم 2/ 760. والنسائى، في: باب إكمال شعبان ثلاثين إذا كان غيم، من كتاب الصيام.
المجتبى 4/ 108. وابن ماجه، في: باب ما جاء في صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، من كتاب الصيام.
سنن ابن ماجه 1/ 529. والإمام أحمد، في: المسند 2/ 63، 145.

وَإذَا رُئِىَ الْهِلَالُ نَهَارًا، قَبْلَ الزَّوَالِ أوْ بَعْدَهُ، فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُقْبِلَةِ.
مُخالِفَة للرِّوايَةِ الصَّحِيحَةِ المُتَّفَقِ عليها، ولِمَذْهَبِ ابنِ عُمَرَ.
ورِوايَةُ النَّهْى عن صومِ يَوْمِ الشَّكِّ مَحْمُولٌ على حالِ الصَّحْوِ، جَمْعًا بَيْنَه وبَيْنَ ما ذَكَرْنا.

1032 -

مسألة: (وِإذا رُئِىَ الهِلالُ نَهارًا، قبلَ الزَّوالِ أو بعدَه، فهو للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ)

المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّ الهِلالَ إذا رُئِىَ نَهارًا قَبْلَ الزَّوالِ أو بعدَه، وكانَ ذلك في آخِرِ رمضانَ، لم يُفْطِرُوا برُؤْيَتِه.
وهذا قولُ عُمَرَ، وابنِ مسعودٍ، وابنِ عُمَرَ، وأنسٍ، والأوزاعِىِّ، ومالكٍ، واللَّيْثِ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
وحُكِىَ عن أحمدَ، أنَّه إن رُئِىَ قَبْلَ الزَّوالِ فهو للماضِيَةِ، وإن كان بعدَه فهو للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ.
ورُوِىَ ذلك عنِ عُمَرَ، رضى اللَّهُ عنه، رَواه عنه سعيدٌ 1. وبه قال الثَّوْرِىُّ، وأبو يُوسُفَ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ».
وقد رَأَوْه، فيَجِبُ الصومُ والفِطْرُ، ولأنَّ ما قَبْلَ الزَّوالِ أقْرَبُ إلى الماضِيَةِ.
ولنا، ما روَى

وَإذَا رَأى الْهِلَالَ أهْلُ بَلَدٍ، لَزِمَ النَّاسَ كُلَّهُمُ الصَّوْمُ.
أبو وائِلٍ، قال: جاءَنا كِتابُ عُمَرَ، ونحن بخانِقِينَ (1)، أنَّ الأَهِلَّةَ بَعْضُها أقْرَبُ مِن بَعْضٍ، فإذا رَأَيتُم الهِلالَ نَهارًا فلا تُفْطِرُوا حتى تُمْسُوا، أو يَشْهَدَ رَجُلان أنَّهما رَأَياه بالأمْسِ عَشِيَّةً (2). ولأنَّه قولُ مَن سَمَّيْنا مِن الصحابَةِ.
وخَبَرُهم مَحْمُولٌ على ما إذا رُئِىَ عَشِيَّةً، بدَلِيلِ ما لو رُئِىَ بعدَ الزَّوالِ، ثم إنَّ الخَبَرَ إنَّما يَقْتَضِى الصَّومَ والفِطْرَ مِن الغَدِ، بدَلِيلِ ما لو رآه عَشِيَّةً.
فأمّا إن كانَتِ الرُّؤْيَةُ في أوَّلِ رمضانَ فالصَّحِيحُ أيضًا أنَّها للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى حنيفةَ، والشافعىِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه للماضِيَةِ.
فعلى هذا يَلْزَمُ قَضاءُ ذلك اليَوْمِ، وإمْساكُ بَقِيَّتِه احْتِياطًا للعِبادَةِ؛ لأنَّ ما كان للَّيْلَةِ المُقْبِلَةِ في آخِرِه، فهو لها في أوَّلِه، كما لو رُئِىَ بعدَ العَصْرِ.

1033 -

مسألة: (وإذا رَأى الهِلالَ أهْلُ بَلَدٍ؛ لَزِم النَّاسَ كلَّهم الصومُ)

هذا قولُ اللَّيْثِ، وبَعْضِ أصحاب الشافعىِّ.
وقال بَعْضهم:12

..................................  إن كان بينَ البَلَدَيْن مسافَةٌ قَرِيبَةٌ، لا تَخْتَلِفُ المَطالِعُ لأجْلِها، كبَغْدادَ والبَصْرَةِ، لَزِم أهْلَهما الصومُ برُؤْيَةِ الهِلالِ في أحَدِهما، وإن كان بينَهما بُعْدٌ، كالحِجازِ والعِراقِ والشّامِ، فلكلِّ أهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهم.
ورُوِىَ عن عِكْرِمَةَ، أنَّه قال: لكلِّ أهلِ بَلَدٍ رُؤْيَتُهم.
وهو مَذْهَبُ القاسِمِ، وسالِمٍ، وإسحاقَ، لِما روَى كُرَيْبٌ، قال: قَدِمْتُ الشّامَ، واسْتَهَلَّ علىَّ هِلالُ رمضانَ وأنا بالشّامِ، فرَأْيْنا الهِلالَ لَيْلَةَ الجُمُعَةِ، ثم قَدِمْتُ المدينةَ في آخِرِ الشَّهْرِ، فسَألَنِى ابنُ عباس، ثم ذَكَر الهِلالَ، فقال: متى رَأَيْتُمُ الهِلالَ؟ فقُلْتُ: رَأْيناه لَيْلَةَ الجُمُعَةِ.
فقال: أنت رَأَيْتَه لَيْلَةَ الجُمُعَةِ؟ فقُلْتُ: نعم، ورَآه النّاسُ، وصامُوا، وصام مُعاوِيَةُ.
فقال: لكنْ رَأْيناه لَيْلَةَ السَّبْتِ، فلا نَزالُ نَصُومُ حتى نُكْمِلَ ثَلاثِين أو نَراه.
فقُلْتُ: ألا تكتَفِى برُؤْيَةِ مُعاوِيَةَ وصِيامِه؟ فقال: لا، هكذا

..................................  أمَرَنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
رَواه مسلمٌ 1. ولَنا، قولُ اللَّهِ تعالى: ﴿فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾ 2. وقولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأعْرابِىِّ لَمّا قال له: آللَّه أمَرَك أن تَصُومَ هذا الشَّهْرَ مِن السَّنَةِ؟ قال: «نعَمْ» 3. وأجْمَعَ المسلمون على وُجُوب صومِ شَهْرِ رمضانَ، وقد ثَبَت أنَّ هذا اليَوْمَ مِن شَهْرِ رمضانَ، بشَهادَةِ الثِّقاتِ، فوَجَبَ صَوْمُه على جَمِيعِ المسلمين، ولأنَّ شَهْرَ رمضانَ ما بينَ الهِلالَيْن، وقد ثَبَت أنَّ هذا اليَوْمَ منه في سائِرِ الأحْكامِ؛ مِن حُلُولِ الدَّيْنِ، ووُقُوعِ الطَّلاقِ والعَتاقِ، ووُجُوب النَّذْرِ، وغيرِ ذلك مِن الأحْكامِ، فيَجِبُ صِيامُه بالنَّصِّ والإِجْماعِ، ولأنَّ

وَيُقْبَلُ في هِلَالِ رَمَضَانَ قَوْلُ عَدْلٍ وَاحِدٍ، وَلَا يُقْبَلُ في سَائِرِ الشُّهُورِ إِلَّا عَدْلَانِ.
البَيِّنَةَ العادِلَةَ شَهِدَتْ برُؤْيَةِ الهِلالِ، فيجبُ الصَّوْمُ, كما لو تَقارَبَتِ البُلْدانُ.
فأمّا حديثُ كُرَيْبٍ فإنَّما دَلَّ على أنَّهم لا يُفْطِرُون بقولِ كُرَيْبٍ وحْدَه، ونحن نقولُ به، وإنَّما مَحَلُّ الخِلافِ وُجُوبُ قَضاءِ اليَوْمِ الأوَّلِ، وليس هو في الحديثِ.
فإن قِيلَ: فقد قُلْتُم: إنَّ النّاسَ إذا صامُوا بشَهادَةِ واحِدٍ ثَلاثِين يَوْمًا، أفْطَرُوا في أحَدِ الوَجْهَيْن.
قُلْنا: الجَوابُ عنه مِن وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّنا إنَّما قُلْنا يُفْطِرُون إذا صامُوا بشَهادَتِه، فيَكُونُ فِطْرُهم مَبْنِيًّا على صَوْمِهم بشَهادَتِه، وههُنا لم يَصُومُوا بقَوْلِه، فلم يُوجَدْ ما يَجُوزُ بِناءُ الفِطْرِ عليه.
الثَّانِى، أنَّ الحديثَ دَلَّ على صِحَّةِ الوَجْهِ الآخَرِ.

1034 -

مسألة (ويُقْبَلُ في هِلالِ رمضانَ قولُ عَدْلٍ واحِدٍ، ولا يُقْبَلُ في سائِرِ الشُّهُورِ إلَّا عَدْلان)

المَشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّه يُقْبَلُ في هِلالِ رمضانَ قولُ عَدْلٍ واحِدٍ، ويَلْزَمُ النّاسَ الصَّوْمُ بقَوْلِه.
وهو قولُ عُمَرَ،

..................................  وعلىٍّ، وابنِ عُمَرَ، وابنِ المُبارَكِ، والشافعىِّ في الصَّحِيحِ عنه.
ورُوِىَ عن أحمدَ، أنَّه قال: اثْنَيْن أعْجَبُ إلىَّ.
وقال أبو بكرٍ، إن رَآه وَحْدَه، ثم قَدِم المِصْرَ، صام النّاسُ بقَوْلِه، على ما رُوِى في الحديثِ 1. وإن كان الواحِدُ في جَماعَةِ النّاسِ فذَكَرَ أنَّه رَآه دُونهم، لم يُقْبَلْ إلَّا قولُ اثْنَيْن؛ لأنَّهم يُعايِنُون ما عايَنَ.
ورُوِىَ عن عُثمانَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه: لا يُقْبَلُ إلَّا شَهادَةُ اثْنَيْن.
وهو قولُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والأوْزاعِىِّ، وإسحاقَ؛ لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ الخَطّابِ، أنَّه خَطَب النّاسَ في اليَوْمِ الذى يشكُّ فيه، فقال: إنِّى جالَسْتُ أصحابَ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وسَأَلْتُهَم، وإنَّهم حَدَّثُونِى أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ، وَانْسُكُوا لَهَا، فَإنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا ثَلَاثِين، وَإنْ شَهِدَ شَاهِدَانِ ذَوَا عَدْلٍ، فَصُومُوا وَأَفْطِرُوا».
رَواه النَّسائِىُّ 2. ولأنَّ هذه شَهادَةٌ على

..................................  رُؤْيَةِ الهِلالِ، أشْبَهَتِ الشَّهادَةَ على هِلالِ شَوّالٍ.
وقال أبو حنيفةَ في الغَيْمِ كقَوْلِنا، وفى الصَّحْوِ: لا يُقْبَلُ إلَّا الاسْتِفاضَةُ؛ لأنَّه لا يَجُوزُ أن يَنْظرَ الجَماعَةُ إلى مَطْلَعِ الهِلالِ، وأبْصارُهم صَحِيحَةٌ 1، والمَوانِعُ مُنْتَفِيَةٌ، فيرَاه واحِدٌ دُونَ الباقِين.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، قال: جاء أعْرابِىٌّ إلى النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فقال: رَأيْتُ الهِلالَ.
قال: «أتَشْهَدُ أن لا إِلهَ إلَّا اللَّهُ وَأنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ؟» قال: نعم.
قال: «يا بِلَالُ أذِّنْ في النَّاسِ، فَلْيَصُومُوا غَدًا».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 2.

..................................  وروَى ابنُ عُمَرَ، قال: تَراءَى النّاسُ الهِلالَ، فَأخْبَرْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنِّى رَأيْتُه.
فصام، وأمَرَ النّاسَ بصِيامِه.
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّه خبَرٌ عن وَقْتِ الفَرِيضَةِ فيما طَرِيقُه المُشاهَدَةُ، فقُبِلَ فيه قولُ واحِدٍ، كالخَبَرِ بدُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ، ولأنَّه خَبَرٌ دِينىٌّ يَشْتَرِكُ فيه المُخْبِرُ والمُخْبَرُ، فقُبِلَ مِنِ عَدْلٍ واحِدٍ كالرِّوايَةِ.
وخبَرُهم إنَّما يَدُلُّ بمَفْهُومِه، وخبَرُنا يَدُلُّ بمَنطُوقِه، وهو أشْهَرُ منه، فيَجِبُ تَقْدِيمُه، ويُفارِقُ الخَبَرَ عن هِلالِ شَوّالٍ، فإنَّه خُرُوجٌ مِن العِبادَةِ، وهذا دُخُولٌ فيها، ويُتَّهَمُ في هِلالِ شَوّالٍ، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
وما ذَكَرَه أبو بكرٍ وأبو حنيفةَ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه يَجُوزُ انْفِرادُ الواحِدِ به مع لَطافَةِ المَرْئِىِّ وبُعْدِه، ويَجُوزُ أن تَخْتَلِفَ مَعْرِفَتُهم بالمَطْلَعِ، ومَواضِعُ قَصْدِهم، وحِدَّةُ نَظرِهم، ولهذا لو حَكَم حاكِمٌ بشَهادَةِ واحِدٍ، جاز، ولو شَهِدَ شاهِدان، وَجَب قَبُولُ شهادَتِهما عندَ أبى بكرٍ، ولو كان مُمْتَنِعًا على ما قالُوه لم يَصِحَّ فيه حُكْمُ حاكِمٍ،

..................................  ولا يَثْبُتُ بشهادَةِ اثْنَيْن.
ومَن مَنَع ثُبُوتَه بشَهادَةِ اثْنَيْن، رَدَّ عليه الخَبَرُ الأوَّلُ، وقِياسُه على سائِرِ الحُقُوقِ، وسائِرِ الشُّهُورِ، ولو أنَّ جَماعَةً في مَحْفِلٍ، وشَهِد منهم اثْنان على رجلٍ أنَّه طَلَّقَ زَوْجَتَه، أو أعْتَقَ عَبْدَه، قُبِلَت شَهادَتُهما، ولو أنَّ اثْنَيْن مِن أهْلِ الجُمُعَةِ شَهِدا على الخَطِيبِ أنَّه قال على المِنْبَرِ في الخُطْبَةِ شيئًا، لم يَشْهَدْ به غيرُهما، لقُبِلَت شَهادَتُهما، وكذلك لو شَهِدَا عليه بفِعْلٍ، وإن كان 1 غيرُهما يُشارِكُهما في سَلامَةِ السَّمْعِ، وصِحَّةِ البَصَرِ، كذا ههُنا.
فصل: وإن أخْبَرَه برُؤْيَةِ الِهِلالِ مَن يَثِقُ بقَوْلِه، لَزِمَه الصومُ، وإن لم يَثْبُتْ ذلك عندَ الحاكِمِ؛ لأنَّه خَبَرٌ بوَقْتِ العِبادَةِ، يَشْتَرِكُ فيه المُخْبِرُ والمُخْبَرُ، أشْبَهَ الخَبَرَ عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والخَبَرَ عن دُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ.
ذَكَرَه ابنُ عَقِيلٍ.
ومُقْتَضَى هذا أنَّه يَلْزَمُه قَبُولُ خَبَرِه وإن رَدَّه الحاكِمُ؛ لأنَّ رَدَّ الحاكِمِ يَجُوزُ أن يكونَ لعَدَمِ عِلْمِه بحالِ المُخْبِرِ، ولا يَتَعَيَّنُ ذلك في عَدَمِ العَدالَةِ، وقد يَجْهَلُ الحَاكِمُ عَدالَةَ مَن يَعْلَمُ غيرُه عَدَالَتَه.

..................................  فصل: فإن كان المُخْبِرُ امرأةً فقِياسُ المَذْهَبِ قَبُولُ قَوْلِها.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، وأحَدُ الوَجْهَيْن لأصحابِ الشافعىِّ؛ لأنَّه خبَرٌ دِينِىٌّ، أشْبَهَ الرِّوايَةَ، والخَبَرَ عن القِبْلَةِ، ودُخُولِ وَقْتِ الصَّلاةِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُقْبَلَ فيه قولُ امرأةٍ، كهِلالِ شَوّالٍ.
فصل: فأمّا هِلالُ شَوّالٍ وغيرِه مِن الشُّهُورِ فلا يُقْبَلُ فيه إلَّا شَهادَةُ عَدْلَيْن في قولِ الجَمِيعِ، إلَّا أبا ثَوْرٍ، فإنَّه قال: يُقْبَلُ في هِلالِ شَوّالٍ قولُ واحِدٍ؛ لأنَّه أحَدُ طَرَفىْ شَهْرِ رمضانَ، أشْبَهَ الأوَّلَ، ولأنَّه خَبَرٌ يَسْتَوِى فيه المُخْبَرُ، أشْبَهَ الرِّوايَةَ وأخْبارَ الدِّياناتِ.
ولَنا، خَبَرُ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخَطّاب.
وعن ابنِ عُمَرَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه أجاز شَهادَةَ رجل واحِدٍ على رُويَةِ الهِلالِ، وكان لا يُجِيزُ على شَهادَةِ الإِفْطارِ إلَّا شَهادَةَ رَجُلَيْن 1. ولأنَّها شَهادَةٌ على هِلالٍ لا يُدْخَلُ بها في العِبادَةِ، أشْبَهَ سائِرَ الشُّهُورِ، وهذا يُفارِقُ الخَبَر؛ لأنَّ الخَبَرَ يُقْبَلُ فيه قولُ المُخْبِرِ مع وُجُودِ المُخْبَرِ عنه، وفُلانٌ عن فُلانٍ، وهذا لا يُقْبَلُ فيه ذلك، فافْتَرَقا.

وَإذَا صَامُوا بِشَهَادَةِ.
اثْنَيْنِ ثَلَاِثينَ يَوْمًا فَلَمْ يَرَوُا الْهِلَالَ، أَفْطَرُوا.
وَإنْ صَامُوا بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ، فَعَلَى وَجْهَيْنِ.
فصل: ولا يُقْبَلُ فيه شَهادَةُ رجل وامْرَأتَيْن، ولا شَهادَةُ النِّساءِ المُنْفَرِداتِ وإن كَثُرْنَ، وكذلك سائِرُ الشُّهُورِ؛ لأنَّه ممّا يَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، وليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، أشْبَهَ القِصاصَ، وكان القِياسُ يَقْتَضِى مِثْلَ ذلك في رمضانَ، لكنْ تَرَكْناه احْتِياطًا للعِبادَةِ.
واللَّهُ أعلمُ.

1035 -

مسألة: (وإذا صامُوا بشَهادَةِ اثْنَيْن ثَلاثِيِن يَوْمًا فلم يَرَوُا الهِلالَ، أفْطَرُوا)

وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الشَّهْرَ لا يَزِيدُ على ثَلاِثِين، ولحديثِ عبدِ الرحمنِ بنِ زيدِ بنِ الخَطّابِ.
1036 -

مسألة: (وإن صامُوا بشَهادَةِ واحِدٍ)

فلم يَرَوُا الهِلالَ،

..................................  (فعلىِ وَجْهَيْن) أحَدُهما، لا يُفطِرُون؛ لقَوْلِه عليه السَّلامُ: «وَإِنْ شَهِدَ اثْنَانِ فصُومُوا وَأفْطِرُوا» 1. ولأنَّه فِطْرٌ، فلم يَجُزْ أن يَسْتَنِدَ إلى شَهادَةِ واحِدٍ، كما لو شَهِد بهِلالِ شَوّالٍ.
والثانى، يُفْطِرُون.
وهو مَنْصُوصُ الشافعىِّ.
وحُكِىَ عن أبى حنيفةَ؛ لأنَّ الصومَ إذا وَجَب وَجَب الفِطْرُ لاسْتِكْمالِ العِدَّةِ، لا بالشَّهادَةِ، وقد يَثْبُتُ تَبَعًا ما لا يَثْبُتُ أصْلًا، بدَلِيلِ أنَّ النَّسَبَ لا يَثْبُتُ بشَهادَةِ النِّساءِ، وتَثْبُتُ بها الوِلادَةُ، ويَثْبُتُ النَّسَبُ تَبَعًا لها، كذا ههُنا.

وَإنْ صَامُوا لأَجْلِ الْغَيْمِ، لَمْ يُفْطِرُوا.
وَمَنْ رَأَى هِلَالَ رَمَضَانَ وَحْدَهُ وَرُدَّتْ شَهَادَتُهُ، لَزِمَهُ الصَّوْمُ،

1037 - مسألة: (فإن صامُوا لأجْلِ الغيْمِ، لم يُفْطِرُوا)

وَجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ الصومَ إنَّما كان على وَجْهِ الاحْتِياطِ، فلا يَجُوزُ الخُرُوجُ منه للاحْتِياطِ أيضًا.
1038 -

مسألة: (ومَن رَأى هِلالَ رمضانَ وَحْدَه ورُدَّت

..................................  شَهادَتُه، لَزِمَه الصومُ) هذا المَشْهُورُ في المَذْهَبِ، وسَواءٌ كان عَدْلًا أو فاسِقًا، شَهِد عندَ الحاكِمِ أو لم يَشْهَدْ، قُبِلَت شَهادَتُه أو رُدَّت.
وهذا قولُ مالكٍ، واللَّيْثِ، والشافعىِّ، وأصحابِ الرَّأْى، وابنِ المُنْذِرِ.
وقال إسحاقُ، وعطاءٌ: لا يَصُومُ.
وروَى حَنْبَلٌ عن أحمدَ: لا يَصُوِمُ إلَّا في جَماعَةِ النّاسِ.
ورُوِىَ نَحْوُه عن الحسنِ، وابنِ سِيرِينَ؛ لأنَّه يَوْمٌ مَحْكُومٌ به مِنَ شعبانَ فأشْبَهَ التّاسِعَ والعِشْرِين.
ولَنا، أنَّه تَيَقَّنَ أنَّه مِن رمضانَ فلَزِمَه صَوْمُه, لو حَكَم به الحاكِمُ.
وكَوْنُه مَحْكُومًا به مِن شعبانَ ظاهِرٌ في حَقِّ غيرِه، وأمّا في الباطِنِ، فهو يَعْلَمُ أنَّه مِن رمضانَ، فلَزِمَه صِيامُه كالعدْلِ.

وَإنْ رَأى هِلَالَ شَوَّالٍ وَحْدَهُ، لَمْ يُفْطِرْ.

1039 - مسألة: (وإن رأى هِلالَ شَوّالٍ وَحْدَه، لم يفْطِرْ).

رُوِى ذلك عن مالكٍ، واللَّيْثِ.
وقال الشافعىُّ: يَحِلُّ له أن يَأْكُلَ بحيثُ لا يَراه أحَدٌ؛ لأنَّه تَيَقَّنَه مِن شَوّالٍ، فجازَ له الأكْلُ, كما لو قامتْ به بَيِّنَةٌ.
ولَنا، ما روَى أبو رَجاءَ عن أبى قِلابَةَ، أنَّ رَجُلَيْن قَدِما المَدِينَةَ وقد رَأَيا الهِلالَ، وقد أصْبَحَ النّاسُ صِيامًا، فأتَيا عُمَرَ، فذَكَرا ذلك له، فقال لأحَدِهما: أصائِمٌ أنت؟ قال: بل مُفْطِرٌ.
قال: ما حَمَلَك على هذا؟ قال: لم أكُنْ لأصُومَ وقد رأيْتُ الهِلالَ.
وقال للآخَرِ، قال: أنا صائِمٌ.

..................................  قال: ما حَمَلَك على هذا؟ قال: لم أكُنْ لأُفْطِرَ والنّاسُ صِيامٌ.
فقال للذى أفْطَرَ: لولا مَكانُ هذا لأوْجَعْتُ رَأْسَك.
ثم نُودِىَ في النّاسِ: أنِ اخْرُجُوا.
أَخْرَجَه سَعِيدٌ، عن ابن عُلَيَّةَ 1 عن أيُّوبَ، عن أبى رَجاءَ 2. وإنَّما أرادَ ضَرْبَه لإِفْطارِه برُؤْيَتِه وَحْدَه، ودَفَع عنه الضَّرْبَ لكَمالِ الشَّهادَةِ به وبصاحِبه، ولو جاز له الفِطْرُ لَما أنْكَرَ عليه, ولا تَوَعَّدَه.
وقالتْ عائشةُ: إنَّما يُفْطِرُ يومَ الفِطْرِ الإِمامُ وجَماعَةُ المسلمين.
ولم يُعْرَف لهما مُخالِفٌ في عَصْرِهما، فكان إجْماعًا، ولأنَّه محْكُومٌ به مِن رمضانَ، أشْبَهَ اليومَ الذى قبلَه، وفارَقَ ما إذا ثَبَت ببَيِّنَةٍ؛ لأنَّه مَحْكُومٌ به مِن شَوّالٍ، بخِلافِ هذا.
قَوْلُهم: إنَّه يَتَيَقَّنُ أنَّه مِن شَوّالٍ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّه يَحْتَمِلُ أن يَكُونَ خُيِّلَ إليه ذلك فرَأى شيئًا، أو شَعَرَةً مِن حاجبه ظَنَّها هِلالًا ولم تَكُنْ.
فصل: فإن رآه اثْنان، فلم يَشْهَدا عندَ الحاكِمِ، جاز لمَن سَمِع

وَإِذَا اشْتَبَهَتِ الْأَشْهُرُ عَلَى الْأَسِيرِ، تَحَرَّى وَصَامَ، فَإِنْ وَافَقَ الشَّهْرَ،  شَهادَتَهما الفِطْرُ، إذا عَرَف عَدالَتَهما، ولكلِّ واحِدٍ منهما أن يُفْطِرَ بقَوْلِهما إذا عَرَف عَدالَةَ الآخَرِ؛ لقولِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إِذَا شَهِدَ اثْنَان فَصُومُوا وَأفْطِروا» (1). وإن شَهِدا عندَ الحاكِمِ، فرَدَّ شَهادَتَهما؛ لجَهْلِه بحالِهما، فلمَن عَلِم عَدالَتَهما الفِطْرُ؛ لأنَّ رَدَّ الحاكِم ههُنا ليس بحُكْمٍ منه، وإنَّما هو تَوَقُّفٌ لعَدَمِ عِلْمِه، فهو كالوُقُوفِ عن الحُكْمِ انْتِظارًا للبَيِّنةِ، ولهذا لو ثَبَتَتْ عَدالَتُهما بعدَ ذلك حُكِم بها، وإن لم يَعْرِفْ أحَدُهما عَدالَةَ صاحِبِه، لم يَجُزْ له الفِطْر، إلَّا أن يَحْكُمَ بذلك الحاكِمُ؛ لأنَّه يَكُونُ مُفْطِرًا برُؤْيَتِه وَحْدَه.

1040 -

مسألة: (وإنِ اشْتَبَهَتِ الأشْهُرُ على الأسِيرِ، تَحَرَّى

1

أَو ما بَعْدَهُ أَجْزَأَهُ، وَإِنْ وَافَقَ قَبْلَهُ، لَمْ يُجْزِئْهُ.
وصام، فإن وافَقَ الشَّهْرَ، أو ما بعدَه، أجْزَأه، وإن وافَقَ قبلَه، لم يُجْزِئه).
إذا كان الأسِيرُ مَحْبوسًا، أو مَطْمُورًا 1، أو في بَعْضِ النَّواحِى النّائِيَةِ عن الأَمْصارِ، لا يُمكِنُه تَعَرُّفُ الأشْهُرِ بالخَبَرِ، فاشْتَبَهَتْ عليه الأشْهُرُ، فإنَّه يَتَحَرَّى ويَجْتَهِدُ، فإذا غَلَب على ظَنِّه عن أمارَةٍ تَقُومُ في نَفْسِه دُخُولُ شَهْرِ رمضانَ، صامَه، ولا يَخْلُو مِن أرْبَعَةِ أحْوالٍ؛ أحَدُها، أن لا يَنْكَشِفَ له الحالُ، فيَصِحَّ صَوْمُه، ويُجْزِئَه، لأنَّه أدَّى فَرْضَه باجْتِهادِه، فأجْزَأه, كما لو صَلَّى في يَوْمِ الغَيْمِ بالاجْتِهادِ.
الثانى، أن يَنْكَشِفَ أنَّه وافَقَ الشَّهْرَ, أو ما بعدَه، فيُجْزِئَه في قولِ عامَّةِ العُلماءِ.
وحُكِىَ عن الحسنِ بنِ صالِحٍ، أنَّه لا يُجْزِئُه في الحالَتَيْن؛ لأنَّه صامه على الشَّكِّ، فلم يُجْزِئْه, كما لو صامَ يومَ الشَّكِّ، فبان مِن رمضانَ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لأنَّه أدَّى فَرْضَه بالاجْتِهادِ في مَحَلِّه، فإذا أصاب أو لم يَعْلَمِ الحالَ أجْزَأه، كالقِبْلَةِ إذا اشْتَبَهَت، أو الصَّلاةِ في يَوْمِ الغَيْمِ إذا اشْتَبَهَ

..................................  وَقْتُها، وفارَقَ يومَ الشَّكِّ، فإنَّه ليس بمَحَلٍّ للاجْتِهادِ، فإنَّ الشَّرْعَ أمَرَ بصومِه عندَ أمارَةٍ عَيَّنَها، فما لم تُوجَدْ لم يَجُزِ الصومُ.
الحالُ الثّالِثُ، وافَقَ قبلَ الشَّهْرِ، فلا يُجْزِئُه، في قولِ عامَّةِ الفُقَهاءِ.
وقال بعضُ الشافعيةِ: يُجْزِئُه في أحَدِ القَوْلَيْن، كما لو اشْتَبَهَ يومُ عَرَفَةَ فوَقَفُوا قبلَه.
ولَنا، أنَّه أتَى بالعِبادَةِ قبلَ وَقْتِها، فلم يُجْزِئْه، كالصلاةِ في يومِ الغَيْمِ.
وأمّا الحَجُّ فلا نُسَلِّمُه إلَّا فيما إذا أخْطَأَ النّاسُ كُلُّهم، لعِظَم المَشَقَّةِ عليهم 1، وإن وَقَع ذلك لبَعْضِهم لم يُجْزِئْهم؛ ولأنَّ ذلك لا يُؤْمَنُ مِثْلُه في القَضاءِ، بخِلافِ الصوم.
الحالُ الرّابعُ، أن يُوافِقَ بعضُه رمضانَ دُونَ بَعْضٍ، فما وافَقَ رمضانَ أَو بعدَه أجْزَأه، وما وافَقَ قبلَه لم يُجْزِئْه.
فصل: وإذا وافَقَ صومُه بعدَ الشَّهْرِ، اعْتُبِرَ أن يَكُونَ ما صامَه بعَدَدِ أيّامِ شَهْرِه الذى فاتَه، سَواءٌ وافَقَ ما بينَ الهِلالَيْن، أو لم يوافِقْ، وسَواءٌ كان الشَّهْران تامَّيْنِ أو ناقِصَيْن، ولا يُجْزِئُه أقَلُّ مِن ذلك.
وقال القاضى: ظاهِرُ كلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه إذا وافَقَ شَهْرًا بينَ هِلالَيْن أجْزَأه، سَواءٌ كان الشَّهْران تامَّيْن أو ناقِصَيْن، أو أحَدُهما تامًّا والآخرُ ناقِصًا.
وليس بصَحِيحٍ؛ فإنَّ

..................................  اللَّهَ تعالى قال: ﴿فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 1. ولأنَّه فاتَه شَهْرُ رمضانَ، فوَجَبَ أن يَكُونَ صِيامُه بعَدَدِ ما فاتَه، كالمَرِيضِ والمُسافِرِ.
وليس في كَلامِ الخِرَقِىِّ تَعَرُّضٌ لهذا التَّفْصِيلِ، فلا يَجُوزُ حَمْلُ كَلامِه على ما يُخالِفُ الكِتابَ والصَّوابَ.
فإن قِيلَ: أليس إذا نَذَر صومَ شَهْرٍ يُجْزِئُه ما بينَ الهِلالَيْن؟ قُلْنا: الإِطْلاقُ يُحْمَلُ على ما تَناوَلَه الاسْمُ، والاسْمُ يَتَناوَلُ ما بينَ الهِلالَيْن، وههُنا يَجِبُ قَضاءُ ما تَرَك، فيَجِبُ أن يُراعَى فيه عِدَّةُ المَتْرُوكِ, كما أنَّ مَن نَذَر صلاةً أجْزَأه رَكْعَتان، ولو تَرَك صلاةً وَجَب قَضاؤُها بعَدَدِ رَكَعاتِها، كذلك ههُنا الواجِبُ بعَدَدِ ما فاتَه مِن الأَيَّامِ، سَواءٌ كان ما صامه بينَ هِلالَيْن أو مِن 2 شَهْرَيْن، فإن دَخَل في صيامِه يومُ عِيدٍ لم يُعْتَدَّ به، وإن وافَقَ أيَّامٍ التَّشْرِيقِ، فهل يُعْتَدُّ بها؟ على رِوايَتَيْن، بِناءً على صِحَّةِ صَومِها عن الفَرْضِ.
فصل: فإن لم يَغْلِبْ على ظَنِّ الأسِيرِ دُخُولُ رمضانَ فصامَ، لم يُجْزِئْه وإن وافَقَ الشَّهْرَ؛ لأنَّه صامَه على الشَّكِّ، فلم يُجْزِئْه, كما لو نَوَى لَيْلَةَ

وَلَا يَجِبُ الصَّوْمُ إِلَّا عَلَى الْمُسْلِمِ الْبَالِغِ الْعَاقِلِ الْقَادِرِ عَلَى الصَّوْمِ، وَلَا يَجِبُ عَلَى كَافِرٍ وَلَا مَجْنُونٍ وَلَا صَبِىٍّ،  الشَّكِّ، إن كان غَدًا مِن رمضانَ فهو فَرْضِى.
وإن غَلَب على ظَنِّه مِن غيرِ أمارَةٍ، فقال القاضى: عليه الصيامُ، ويَقْضِى إذا عَرَف الشَّهْرَ، كالذى خَفِيَتْ عليه دَلائِلُ القِبْلَةِ فصلَّى على حَسَبِ حالِه، فإنَّه يُعِيدُ.
وذَكَرِ أبو بكرٍ في مَن خَفِيَتْ عليه دَلائِلُ القِبْلَةِ هل يُعِيدُ؟ على وَجْهَيْن.
كذلك يُخَرَّجُ على قَوْلِه ههُنا.
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أنَّه يَتَحَرَّى، فمتى غَلَب على ظَنِّه دُخُولُ الشَّهْرِ صَحَّ صَوْمُه وإن لم يَبْنِ على دَلِيلٍ؛ لأنَّه ليس في وُسْعِه مَعْرِفَةُ الدَّلِيلِ، ولا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَها.
فصل: وإذا صام تَطَوعًا، فوافَقَ شَهْرَ رمضانَ، لم يُجْزِئْه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال الشافعىُّ.
وقال أصحابُ الرَّأْى: يُجْزِئُه.
وهو مَبْنِىٌّ على وُجُوبِ تَعْيِينِ النِّيَّةِ لرمضانَ، وسنَذْكُرُه، إن شاء اللَّه تعالى.

1041 -

مسألة: (ولا يَجِبُ الصومُ إلَّا على المُسْلِمِ البالِغِ العاقِل القادرِ على الصومِ، ولا يَجِبُ على كافِر ولا مَجْنُونٍ ولا

..................................  صَبِىٍّ) يَجِبُ الصومُ على مَن وُجِدَتْ فيه هذه الشُّرُوطُ بغيرِ خِلافٍ؛ لِما ذَكَرْنا مِن الأدِلَّةِ، ولا يَجِبُ على كافِرٍ، أصْلِيًّا كان أو مُرتدًّا، في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَب؛ لأنَّه عِبادَةٌ لا تَصِحُّ منه في حالِ كُفْرِه، ولا يَجبُ عليه قَضاؤُها إذا أَسْلَمَ؛ لقَوْلِه تعالى: ﴿قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ﴾ 1. وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ القَضاءَ يَجِبُ على المُرْتَدِّ إذا أَسْلَمَ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لأنَّه قد اعْتَقَدَ وُجُوبَها عليه، بخِلافِ الكافِرِ الأصْلِىِّ.
فعلى هذا يَجِبُ عليه في حالِ رِدَّتِه؛ لعُمُومِ الأدِلَّةِ.
وسنَذْكُرُ ذلك في بابِ المُرْتَدِّ، إن شاء اللَّه تعالى.
ولا يَجِبُ على مَجْنونٍ؛ لقَوْلِه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «رُفِعَ الْقلَمُ عَنْ ثَلَاثَةٍ؛ عَنِ الصَّبِىِّ حَتَّى يَبْلُغَ، وَعَنِ الْمَجْنُونِ حَتَّى يُفِيقَ» 2. ولا يَصِحُّ منه؛ لأنَّه غيرُ عاقِلٍ، أشْبَهَ الطِّفْلَ.

..................................  فصل: فأمَّا الصَّبِىُّ العاقِلُ الذى يُطِيقُ الصَّوْمَ، فيَصِحُّ منه، ولا يَجبُ عليه حتى يَبلُغَ، وكذلك الجارِيَةُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهذا قولُ أكثرِ أهَل العِلْمِ.
وذهَب بَعْضُ أصحابِه إلى أنَّه يَجِبُ على الغُلامِ الذى يُطِيقُه إذا بَلَغ عَشْرًا؛ لِما روَى ابنُ جُرَيج عن محمدِ بنِ عبدِ الرحمنِ بنِ أبى لَبِيبَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا أطَاقَ الغُلَامُ صِيامَ ثلاثةِ أيَّامٍ، وَجَبَ عَلَيْهِ صِيَامُ شَهْرِ رمضِانَ» 1. ولأنَّها عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ، أشْبَهَتِ الصلاةَ.
والمَذْهَبُ الأوَّلُ.
قال القاضى: المَذْهَبُ عندِى، رِوايَةً واحِدَةً، أنَّ الصلاةَ والصومَ لا تَجِبُ حتى يَبْلُغَ، وما قالَه أحمدُ في مَن تَرَك الصلاةَ يَقْضِيها، نَحْمِلُه على الاسْتِحْباب؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولأنَّها عِبادَةٌ، فلم تَجِبْ على الصَّبِىِّ، كالحَجِّ.
وحديثُهم مُرْسَلٌ، ويُمْكِنُ حَمْلُه على الاسْتِحْبابِ، وسَمّاه واجِبًا تأكيدًا، كقَوْلِه عليه السلامُ: «غُسْلُ الجُمُعَةِ 2 وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحتَلِمٍ» 3. وفى ذلك جَمْعٌ بينَ الحَدِيثَيْن، فكان أوْلَى، وما قاسُوا عليه مَمْنُوعٌ.

وَلَكِنْ يُؤْمَرُ بِهِ إِذَا أَطَاقَهُ، وَيُضْرَبُ عَلَيْهِ لِيَعْتَادَهُ.

1042 - مسألة: (ويُؤْمَرُ به إذا أطاقَه، ويُضْرَبُ عليه ليَعْتادَه)

يَجِبُ على الوَلِىِّ أمْرُ الصَّبِىِّ بالصِّيامِ إذا أطاقَه، ويَضْرِبُه عليه؛ ليَتَمَرَّنَ عليه ويَعْتادَه؛ لِما ذَكَرْنا في الصَّلاةِ 1. ومِمَّن ذَهَب إلى أنَّه يُؤْمَرُ بالصيامِ إذا أطاقَه عَطاءٌ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، والزُّهْرِىُّ، وقَتادَةُ، والشافعىُّ.
وقال الأوْزاعِىُّ: إذا أطاقَ صيامَ ثَلَاثةِ أيّامِ تِباعًا، لا يَخُورُ فيهِنَّ ولا يَضْعُفُ، حُمِّلَ صومَ شَهْر رمضانَ.
وقال الخِرَقِىُّ: إذا كان للغُلامِ عَشْرُ سِنِين، وأطاقَ الصِّيامَ، أُخِذَ به.
وقال إسحاقُ: إذا بَلَغ ثِنْتَىْ عَشَرَةَ أُحِبُّ أن يُكَلَّفَ الصومَ للعادَةِ.
قال شيخُنا 2، رَحِمَه اللَّهُ:

وَإذَا قَامَتِ الْبَيِّنَةُ بِالرُّؤْيَةِ في أَثْنَاءِ النَّهَارِ، لَزِمَهُمُ الإِمْسَاكُ وَالْقَضَاءُ.
واعْتِبارُه بالعَشْرِ أوْلَى؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ بالضَّرْبِ على الصَّلاةِ عندَها (1). واعْتِبارُ الصومِ بالصلاةِ أحْسَنُ؛ لقُرْبِ إحْداهما مِن الأخْرَى في كَوْنِهما عِبادَتَيْن بَدَنِيَتّيْن مِن أرْكانِ الإِسْلامِ، إلَّا أنَّ الصومَ أشَقُّ، فاعْتُبِرَتْ له الطّاقَةُ؛ لأنَّه قد يُطِيقُ الصلاةَ مَنْ لا يُطِيقُ الصيامَ.

1043 -

مسألة: (وإذا قامَتِ البَيِّنَةُ بالرُّؤْيَةِ في أثْناءِ النَّهارِ، لَزِمَهم الإِمْساكُ والقَضاءُ)

وهذا قولُ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ.
ورُوِىَ عن عَطاءٍ، أنَّه لا يَجِبُ عليه الإِمْساكُ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: لا نَعْلَمُ أحَدًا قالَه غيرَ عَطاءٍ.
وذَكَر أبو الخَطَّابِ ذلك رِوايَةً عن أحمدَ، قِياسًا على المُسافِرِ إذا قَدِم.
قال شيخُنا 2، رَحِمَه اللَّهُ: ولم نَعْلَمْ أحَدًا ذَكَرَها غيرَه، وأظُنُّ هذا غَلَطًا؛ فإنَّ أحمدَ نصَّ على إيجابِ الكَفّارَةِ على مَن وَطِئَ ثم كَفَّرَ ثم عاد فوَطِئَ في يَوْمِه؛ لأنَّ حُرْمَةَ الصوم لم تَذْهَبْ، فإذا أوْجَبَ الكَفّارَةَ على غيرِ الصائمِ لحُرْمَةِ اليومِ، فكيَف يُبِيحُ الأكْلَ، ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على1

وَإنْ أَسْلَمَ كَافِرٌ، أَوْ أَفَاقَ مَجْنُونٌ، أَوْ بَلَغَ صَبِىٌّ، فَكَذَلِكَ.
وَعَنْهُ، لَا يَلْزَمُهُمْ شَىْءٌ.
المُسافِرِ إذا قَدِم وهو مُفْطِرٌ وأشباهِه؛ لأنَّه كان له الفِطْرُ ظاهِرًا وباطِنًا، وهذا لم يَكُنْ له الفِطْرُ في الباطِنِ مُباحًا، أشْبَهَ مَن أكَلَ يَظُنُّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ، وكان قد طَلَع.
فصل: وكلُّ مَن أفْطَرَ والصومُ يَجِبُ عليه، كالمُفْطِرِ لغيرِ عُذْرٍ، ومَن ظَنَّ أنَّ الفَجْرَ لم يَطْلُعْ وقد طَلَع، أو أنَّ الشَّمْسَ قد غابَتْ ولم تَغِبْ، والنّاسِى للنِّيَّةِ، ونحْوِهم، يَلْزَمُهم الإِمْساكُ بغيرِ خِلافٍ بينَهم إلَّا أنَّه يُخَرَّجُ على قولِ عَطاءٍ في المَعْذُورِ في الفِطْرِ إباحَةُ فِطْرِ بَقِيَّةِ يومِه، كالمسألةِ قبلَها، وهو قولٌ شاذٌّ، لم يُعَرِّجْ عليه العُلماءُ.

1044 -

مسألة: (وإن بَلَغ صَبِىٌّ، أو أسْلَمَ كافِرٌ، أو أفاقَ مَجْنُونٌ، فكذلك. وعنه، لا يَلْزَمُهم شئٌ)

إذا بَلَغ الصَّبِىُّ في أثْناءِ النَّهارِ وهو مُفْطِرٌ، أو أفاقَ المَجْنونُ، أو أسْلَمَ الكافِرُ، لَزِمَهم الإِمْساكُ في إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، والثَّوْرِىِّ، والأوْزاعِىِّ، والحسنِ بن صالِحٍ، والعَنْبَرِىِّ؛ لأنَّه مَعْنًى لو وُجِدَ قبلَ الفَجْرِ أوْجَبَ الصيامَ، فإذا

..................................  طَرَأ أوْجَبَ الإِمْساكَ، كقِيامِ البَيِّنَةِ بالرُّؤْيَةِ.
والثّانِيَةُ، لا يَلْزَمُهم الإِمْساكُ.
وإليه ذَهَب مالكٌ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ عن ابنِ مسعودٍ، أنَّه قال: مَن أَكَل أوَّلَ النَّهارِ فلْيَأْكُلْ آخِرَه؛ لأنَّه أُبِيحَ له الفِطْرُ أوَّلَ النَّهارِ ظاهِرًا وباطِنًا، فإذا أفْطَرَ كان له اسْتِدامَةُ الفِطْرِ، كما لو دامَ العُذْرُ.
وهل يَجِبُ عليهم القَضاءُ؟ فيه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجِبُ؛ لأنَّهم أدْرَكُوا بعضَ وَقْتِ العِبادَةِ، فلَزِمَهم القَضاءُ, كما لو أدْرَكُوا بعضَ وقتِ الصَّلاةِ.
وهذا قولُ إسحاقَ في الكافِرِ إذا أسْلَمَ.
والثانيةُ، لا يَلْزَمُهم.
وهو قولُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ في الكافِرِ إذا أسْلَمَ.
والأوَّلُ ظاهِرُ المَذْهَبِ؛ لأنَّهم لم يُدْرِكُوا وَقْتًا يُمْكِنُهم التَّلَبُّسُ بالعِبادَةِ فيه، أشْبَهَ ما لو زالَ عُذْرُهم بعدَ خُروجِ الوَقْتِ.
فصل: ويَجِبُ على الكافِرِ صومُ ما يَسْتَقْبِلُ مِن الشَّهْرِ بغيرِ خِلافٍ، ولا يَجِبُ قَضاءُ ما مَضَى في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ.
وقال عَطَاءٌ: عليه القَضاءُ.
وعن الحسنِ كالمَذْهَبَيْن.
ولَنا، أنَّها عِبادَةٌ انْقَضَت في حالِ

وَإنْ بَلَغَ الصِّبِىُّ صَائِمًا أَتَمِّ، وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ عِنْدَ الْقَاضِى.
وَعِنْدَ أَبِى الْخَطِّابِ، عَلَيْهِ الْقَضَاءُ.
كُفْرِه، فلم يَجِبْ قَضاؤُها، كالرمضانِ الماضِى.

1045 -

مسألة: (وإن بَلَغ الصَّبِىُّ صائِمًا أتَمَّ، ولا قَضاءَ عليه عندَ القاضى. وعندَ أبى الخَطّابِ، عليه القَضاءُ)

إذا نَوَى الصَّبِىُّ الصومَ مِن اللَّيْلِ، فبَلَغ في أثْناءِ النَّهارِ بالاحْتِلامِ أو السِّنِّ، أتَمَّ صومَه، ولا قَضاءَ عليه.
قالَه القاضى؛ لأنَّه نَوَى الصومَ مِن اللَّيْلِ، فأجْزَأتْه، كالبالِغِ، ولا يَمْتَنِعُ أن يَكُونَ أوَّلُ الصومِ نَفْلًا وباقِيه فَرْضًا, كما لو شَرَع في صومٍ تَطَوُّعًا، ثم نَذَر إتْمامَه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ وُجُوبَ القَضاءِ عليه؛ لأنَّها عِبادَةٌ بَدَنِيَّةٌ بَلَغ في أثْنائِها بعدَ مُضِىِّ بعض أرْكانِها، فَلزِمَتْه إعادَتُها، كالصلاةِ، والحَجِّ إذا بَلَغ بعدَ الوُقُوفِ، يُحَقِّقُ ذلك أنَّه ببُلُوغِه يَلْزَمُه صَوْمُ جَمِيعِه، والماضِى قبل بُلُوغِه نَفْلٌ، فلم يُجْزِئُ عن الفَرْضِ، ولهذا لو نَذَر صومَ يومِ يَقْدَمُ فُلانٌ، فقَدِمَ والنّاذِرُ صائِمٌ، لَزِمَه القَضاءُ.

وَإِنْ طَهُرَتْ حَائِضٌ، أَوْ نُفَسَاءُ، أَوْ قَدِمَ الْمُسَافِرُ مُفْطِرًا، فَعَلَيْهِمُ الْقَضَاءُ.
وَفِى الْإِمْسَاكِ رِوَايَتَانِ.
فصل: فأمّا ما مَضَى مِن الشَّهْرِ قبلَ بُلُوغِه، فلا يَجِبُ عليه قَضاؤُه، سَواءٌ كان صامَه أوْ لا، في قولِ عامَّةِ أهلِ العِلْمِ.
وقال الأوْزاعِىُّ: يَقْضِيه إن كان أفْطَرَه وهو مُطِيقٌ لصِيامِه.
ولَنا، أنَّه زَمَنٌ مَضَى في حالِ صِباه، فلم يَلْزَمْه قَضاءُ الصومِ فيه, كما لو بَلَغ بعدَ انْسِلاخِ رمضانَ.

1046 -

مسألة: (وإن طَهُرَت حائِضٌ، أو نُفَساءُ، أو قَدِم المُسافِرُ مُفْطِرًا، فعليهم القَضاءُ. وفى الإِمْساكِ رِوايَتان)

أمّا وُجُوبُ القَضاءِ عليهم فلا خِلافَ فيه؛ لقولِ اللَّه تِعالى: ﴿فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ﴾ 1. والتَّقْدِيرُ فأفْطَرَ.
ولقول عائشةَ:

جارٍ التحميل