الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 90-131

..................................  يُؤذِّنَ ابْنُ أمِّ مَكتُومٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وهذا يَدُلُّ على دَوامِ ذلك منه، وقد أقَره النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه، ولم يَنْهه، فدَلَّ على جَوازِه.
وروَى زيادُ بنُ الحارِثِ الصُّدائِىُّ، قال: لَما كان أذانُ الصبحِ أمَرَنِى النبي - صلى الله عليه وسلم - فأذنْتُ، فجَعلْتُ أقولُ: أُقِيمُ، أُقِيمُ يا رسولَ الله؟ فجَعَلَ يَنْظُرُ إلى ناحِيَةِ المَشْرِقِ، فيقولُ: «لَا».
حتى إذا طَلَع الفَجْرُ نَزَل، فبَرَزَ، ثم انْصَرَف إليَّ وقد تَلاحَقَ أصحابُه، فتَوَضأ، فأراد بِلال أن يقيمُ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إن أخَا صُدَاءَ قَدْ أذَّنَ، وَمَنْ أذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ».
قال: فأقمتُ.
رَواه أبو داودَ،

..................................  والترمِذِى 1. وهذا قد أمَرَه النبي - صلى الله عليه وسلم - بالأذانِ قبلَ طُلُوعِ الفَجْرِ، وهو حُجَّة على مَن قال: إنَّما يَجُوزُ ذلك إذا كانَ معه مُؤذِّنان.
فإن زِيادًا أذَّنَ وَحدَه، و 2 حديثُ ابنِ عُمَرَ الذى احتَجُّوا به، لم يَروه كذلك إلّا [حمادُ بنُ سلمة.
رَواه حمادُ بنُ زيدٍ] 3 والدَّراوَردِيُّ 4، فقالا: كان مُؤذِّنٌ لعُمَرَ، يُقالُ له: مسعود.
وقال 5: هذا أصَح.
وقال الترمِذِى 6 في هذا الحديثِ: إنَّه غيرُ مَحفُوظٍ.
وكذلك قال على 7 ابنُ المَدِيني.
والحديثُ الآخَرُ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ 8: لا تَقُومُ بمِثْلِهِ حجّة؛ لضَعفِه وانْقِطاعِه.
وإنما اخْتَصَّتِ الفَجْرُ بذلك دُونَ سائِرِ الصَّلَواتِ؛ لأنه وَقْتُ النوْمِ، ليَتَأهَّبَ النّاسُ للخُرُوجِ إلى الصلاةِ، ويَنْتَبِهُوا، ولا يُوجَدُ ذلك في غيرِها، وقد رُوِىَ في بعض الأحاديِث: «إنَّ بِلَالًا يؤذنُ بِلَيْل؛ لِيَنْتَبِهَ نائِمُكم وَيرجِعَ قَائِمُكُم».
رَواه أبو داود 9. ولا يَنْبَغِى أن يَتَقَدَّمَ على

..................................  الوَقْتِ كثيرًا، إذا كان المَعْنَى فيه ما ذَكَرنا.
وقد رُوِى أن بِلالًا كان بينَ أذانِه وأذانِ ابنِ أم مَكتُوم أن ينْزِلَ بهذا ويَصعَدَ هذا 1. وقال بَعضُ أصحابِنا: ويَجُوزُ أن يُؤذن لها بعدَ نِصفِ اللَّيْلِ.
وهو مذهبُ الشافعى؛ لأنَّ بذلك يَخْرُجُ وَقْتُ العِشاءِ المُخْتارُ، ويدخُلُ وقتُ الدَّفْع مِن مُزْدَلِفَةَ، ورَمىِ جَمرَةِ العَقَبَةِ، وطَوافِ الزِّيارَةِ.
وروَى الأثْرَمُ، قال: كان مُؤذِّنُ دِمَشْقَ يُؤذن لصلاةِ الصبحِ في السَّحَرِ بقَدرِ ما يَسِيرُ الرّاكِبُ سِتَّةَ أمْيالٍ، فلا يُنْكِرُ ذلك مَكْحُولْ ولا يقولُ شيئًا.
فصل: ويُستحَبُّ أن لا يُؤذِّنَ قبلَ الفَجْرِ، إلَّا أن يكُونَ معه مُؤذن آخَرُ يُؤذنُ إذا أصبَحَ، كِبلالٍ وابنِ أمِّ مَكْتُومٍ، ولأنَّه إذا لم يَكُنْ كذلك، لم يَحصُلِ الإِعلامُ بالوَقْتِ المَقْصُودِ بالأذانِ.
ويَنْبَغِى لمَن يُؤذنُ قبلَ الوقتِ أن يَجْعَلَ أذانَه في وَقْت واحِدٍ في الليالِى كلِّها؛ ليَعرِفَ الناسُ ذلك مِن عادَتِه، فلا يَغْتَرُّوا بأذانِه، ولا يُؤذِّنُ في الوَقْتِ تارةً وقبلَه أُخْرَى، فيَلْتَبِس على النّاس، ويَغْتَرون به، فربما صَلى بعضُ مَن سَمِعَه الصُّبحَ قبلَ وَقْتِها، ويَمْتَنِعُ مِن سَحُورِه، والمُتَنَفِّلُ مِن تَنَفلِه إذا لم يَعلم حالَه، ومَن عَلِم حالَه لا يَسْتَفِيدُ بأذانِه، لتَرَدُّدِه بينَ الاحتِمالَيْن.
فصل: نَصَّ أحمدُ على أنه يكْرهُ الأذانُ للفَجْرِ في رمضانَ قبلَ وَقْتِها؛ لئلَّا يَغْتَرَّ النّاسُ به، فيَتْرُكُوا سَحُورَهُم.
والصَّحِيحُ أنَّه لا يُكْرهُ في حَقِّ مَن عُرِفَتْ عادَتُه في الأَذانِ بالليْلِ؛ لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ بلال، ولقَوْلِه

وَيُسْتَحَبُّ أنْ يَجْلِسَ بَعدَ أذَانِ الْمَغْرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً، ثُمَّ يقيمَ.
- صلى الله عليه وسلم -: «لَا يَمنَعنكُم مِنْ سَحُورِكُم أذَانُ بِلَالٍ؛ فَإنَّهُ يُؤذِّنُ بِلَيْلٍ، لِيَنْتَبِهَ نَائِمُكُم وَيَرجِعَ قَائِمُكُم».
رَواه أبو داودَ (1). ويُسْتَحَبُّ أن يُؤذنَ في أوَّلِ الوَقتِ؛ ليَتَأهَبَ النّاسُ للصلاةِ، وقد روَى جابِرُ بنُ سَمُرَةَ، قال: كان بِلالٌ لا يُؤخِّرُ (2) الأذانَ عن الوَقتِ، ورُبَّما أخَّرَ الإقامَةَ شيئًا.
رَواه ابن ماجه (3). وفى رِواية: كان بِلال يُؤذِّنُ إذا مالَتِ الشمسُ، لا يَخْرِمُ (4).

275 -

مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَجْلِسَ بعدَ أَذانِ المَغرِبِ جَلْسَةً خَفِيفَةً، ثم يُقيمَ)

لِما روَى تَمّامٌ 5 في فَوائِده، بإسْنادِه، عن أبى1234

..................................  هُرَيْرَةَ، عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «جُلُوِسُ الْمُؤذِّنِ بَيْنَ الأذَانِ وَالْإقَامَةِ في الْمَغْرِبِ سُنَّةٌ» 1. وحُكِى عن أبى حنيفةَ والشافعىِّ، أنَّه لا يُسَنُّ.
ولَنا، ما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، وقد روَى عبدُ اللهِ بنُ أحمدَ 2، بإسْنادِه، عن أبَىٍّ بنِ كَعْبٍ، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «يَا بِلَالُ، اجْعَلْ بَيْنَ أَذانِكَ وَإقَامَتِكَ نَفَسًا، يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ طَعَامِهِ فِى مَهَلٍ، وَيَقضِى الْمُتَوَضِّئُ 3 حاجَتَهُ فِى مَهَلٍ».
ولأنَّ الأذانَ شُرِع للإعْلامِ، فيُسَنُّ تَأْخِيرُ الإقامَةِ؛ ليُدْرِكَ النّاسُ الصلاةَ في المَغْربِ كسائِرِ الصَّلَواتِ.

..................................  فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَفْصِلَ بينَ الأذانِ والإقامَةِ بقَدْر الوُضُوءِ وصلاةِ رَكْعَتَيْن؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ، ولِما روَى جابرٌ، أنَّ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال لبِلالٍ: «اجْعَلْ بَيْنَ أذَانِكَ وَإقَامَتِكَ قَدْرَ مَا يَفْرُغُ الْآكِلُ مِنْ أكْلِهِ، وَالشَّارِبُ مِنْ شُرْبِهِ، وَالْمُعْتَصِرُ 1 إذَا دَخَلَ لِقَضَاءِ حَاجَتِهِ».
رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ 2. فصل: قال إسحاقُ بنُ مَنْصُورٍ: رَأيْتُ أحمدَ خَرَج عندَ المَغْرِبِ، فحِينَ انْتَهَى إلى مَوْضِعِ الصَّفِّ أخَذَ المُؤَذِّنُ في الإِقامَةِ، فجَلَسَ.
قال أحمدُ: يَقْعُدُ الرجلُ مِقْدارَ الرَّكْعَتَيْن إذا أذَّنَ المَغْرِبُ.
قِيل: مِن أين؟ قال: مِن حديثِ أنَسٍ وغيرِه: كان أصحابُ رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - إذا أذَّنَ المُؤَذِّنُ ابْتَدَرُوا السَّوارِىَ وَصَلَّوْا رَكْعَتَيْن 3. وروَى الخَلّالُ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ أبى لَيْلَى، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جاءَ وبِلالٌ في الإقامةِ، فقَعَدُ.

وَمَنْ جَمَعَ بَيْنَ صَلَاتَيْنِ، أوْ قَضَى فَوَائِتَ، أَذَّنَ وَأقَامَ لِلْأُولَى، ثُمَّ أقَامَ لِكُلِّ صَلَاةٍ بَعْدَهَا.

276 - مسألة: (ومَن جَمَع بينَ صَلاَتَيْن، أو قَضَى فَوائِتَ، أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثُمُّ أقَامَ لكلِّ صلاةٍ بعدَها)

متى جَمَع بينَ صَلاتَيْن، أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثُمَّ أقَامَ للثانِيَةِ، سَواءٌ كان الجَمْعُ في وَقْتِ الأُولَى أو الثانيةِ؛ لما روَى جابِرٌ، أن النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - جَمَع بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ بعَرَفَةَ، وبينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بمُزْدَلِفَةَ، بأذانٍ وإقامَتَيْن.
رَواه مسلمٌ 1. وعن ابنِ عُمَرَ، قال: جَمَع رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - بينَ المَغْرِبِ والعِشاء بجَمْعٍ، كلُّ واحِدَةٍ

..................................  منهما بإقامَةٍ.
رَواه البُخارىُّ 1. إلاَّ أنَّه إذا جَمَع في وَقتِ الأُولَى، كان الأذانُ لها آكَدَ؛ لأنَّها مَفْعُولَةٌ في وَقْتِها، أشْبَهَ ما لو لم يَجْمَعْ، وإن كان في وَقْتِ الثانيةِ، فلم يُؤَذِّنْ، أو جَمَع بَيْنَهما بإقامَةٍ واحِدَةٍ، فلا بَأْسَ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: جَمَع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ بجَمْعٍ، صَلَّى المَغْرِبَ ثلاثًا والعِشاءَ رَكْعَتَيْن، بإقامَةٍ واحِدَةٍ.
رَواه مسلمٌ 2. ولأنَّ الأُولَى مَفْعُولَةٌ في غيرِ وَقْتِها، فهى كالفَائِتَةِ، والثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ بصلاةٍ، فلم يُشْرَعْ لها الأذان، كالثانيةِ مِن الفَوائِتِ.
وقال مالِكٌ: يُؤذِّنُ للأُولَى والثّانِيَةِ، ويُقِيمُ؛ لأنَّ الثانيةَ منهما صلاةٌ يُشْرَعُ لها الأذانُ لو لم تُجْمَعْ، فكذلك إذا جُمِعَتْ 3، وهو مُخالِفٌ لِما ذَكَرْنا مِن الأحاديثِ الصَّحِيحَةِ.

..................................  فصل: فأمّا قَضاءُ الفَوائِتِ، فإن كانتِ الفائِتَةُ واحِدَةً أذَّنَ لها وأقام؛ لِما روَى عَمْرُو بنُ أمَيَّةَ الضَّمْرِىُّ، قال: كُنَّا مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - في بعضِ أسْفارِه، فنام عن الصُّبْحِ حتى طَلَعَتِ الشَّمْسُ, فاستَيْقَظَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «تَنَحُّوا عَنْ هَذَا الْمَكَانِ».
قال: ثم أمَرَ بِلالًا، فأذَّنَ، ثم تَوَضَّئُوا وصَلَّوْا رَكْعَتَىِ الفَجْرِ، ثم أمر بِلالًا فأقام الصلاةَ، فصَلَّى بهم صلاةَ الصُّبْحِ.
رَواه أبو داودَ 1. وإن كَثُرَتِ الفَوائِتُ أذَّنَ وأقام للأُولَى، ثم أقام لكلِّ صلاةٍ بعدَها؛ لِما روَى أبو عُبَيْدَةَ، عن أبيه عبدِ الله بِنِ مسعودٍ، أنَّ المُشْيركِين شَغَلُوا رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - عن أرْبَعِ صَلَواتٍ يَوْمَ الخَنْدَقِ، حتى ذَهَب مِن اللَّيْلِ ما شاء الله، فأمَرَ بِلَالًا، فأذَّنَ ثم أقام، فصَلَّى الظهْرَ، ثم أقام، فَصَلَّى العَصْر، ثم أقام، فصَلَّى المَغْرِبَ، ثم أقام، فصَلَّى العِشاءَ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 2، وقال: حديثُ عبدِ اللهِ ليس بإسْنادِه بَأْسٍ، إلَّا أنَّ أبا عُبَيْدَةَ لم يَسْمَع مِن عبيد اللهِ.
وإن لم يُؤذِّنْ فلا بَأْسَ، وهذا في الجماعةِ.
فإن كان وَحْدَه، كان اسْتِحْبابُ ذلك أدْنَى في حَقِّه؛ لأنَّ الأذانَ والإقامَةَ للإعْلامِ، ولا حاجَةَ إلى الإعْلامِ

..................................  هاهُنا، وقد رُوِىَ عن أحمدَ في مَن فاتَتْه صَلَواتٌ فقَضاها، فأذَّن وأقام مَرَّةً واحِدَةً، فسَهلَ في ذلك، ورَآه حَسَنًا.
ورُوِىَ ذلك عن الشافعىِّ، وله قَوْلان آخَران؛ أحَدُهما، أنَّه يُقِيمُ ولا يُؤَذِّنُ.
وهو قولُ مالكٍ؛ لِما روَى، أبو سعيدٍ، قال: حُبِسْنا يَوْمَ الخَنْدَقِ عن الصلاةِ، حتى كان بعدَ المَغْرِبِ بهَوىٍّ 1 مِن اللَّيْلِ.
قال: فدَعا رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - بِلالًا، فأمَرَه فأقام الظهْرَ، فصَلّاها، ثم أمَرَه فأقام العَصْرَ، فصَلّاها 2. ولأنَّ الأذانَ للإعْلام بالوَقْتِ، وقد فات.
والقَوْل الثانى للشافعىِّ: إن رُجِىَ اجْتِماعُ النّاسِ أذَّنَ، وإلَّا فلا؛ لأنَّه لا حاجَةَ إليه.
وقال أبو حَنِيفَةَ: يُؤذِّنُ لكلِّ صلاةٍ ويُقِيمُ؛ لأنَّ ما سُنَّ للصلاةِ في أدائِها سُنَّ في قَضائِها، كسائِرِ المَسْنُوناتِ.
والأوَّلُ أوْلَى؛ لحديثِ ابنِ مسعودٍ، وهو مُتَضَمِّنٌ للزِّيادَةِ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ، وما قال أبو حنيفةَ مُخالِفٌ لحديثِ ابنِ مسعودٍ وأبى سعيدٍ، ولأنَّ الثّانِيَةَ مِن الفَوائِتِ صلاةٌ قد أُذِّنَ لِما قبلَها، أشْبَهَتِ الثّانِيَةَ مِن المَجْمُوعَتَيْن، وقِياسُهم يَنْتَقِضُ بهذا.
والله أعلمُ.
فصل: ومَن دَخَل مسجدًا قد صُلِّىَ فيه، فإن شاء أذَّنَ وأقام.
نَصَّ عليه؛ لأنَّه رُوِى عن أنَسٍ، أنَّه دَخَل مسجدًا قد صَلَّوْا فيه، فأمَرَ رجلًا

وَهَلْ يُجْزِئُ أَذَانُ الْمُمَيِّزِ لِلْبَالِغِينَ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
فأذَّنَ وأقام، فصَلَّى بهم في جَماعَةٍ.
رَواه الأثْرَمُ (1). وإن شاء صَلَّى مِن غيرِ أذانٍ ولا إقامَةٍ، قال عُرْوَةُ: إذا انْتَهَيْتَ إلى مَسْجِدٍ قد صَلَّى فيه ناسٌ أذَّنُوا وأقامُوا، فإنَّ أذانَهم وإقامَتَهم تُجْزِىُّ عَمَّن جاء بعدَهم.
وهذا قولُ الحسنِ، والشَّعْبِىِّ، والنَّخَعِىِّ، إلّا أنَّ الحسنَ قال: كان أحَبَّ إليهم أن يُقِيمَ.
وإن أذَّنَ أخْفَى ذلك؛ لئلًا يَغُرَّ النّاسَ.
فصل: وإن أذَّنَ المُؤَذِّنُ وأقام، لم يُسْتَحَبَّ لسائِرِ النّاسِ أن يُؤَذِّنَ كلُّ إنْسانٍ في نَفْسِه ويُقيمَ، بعدَ فَراغِ المُؤَذِّنِ، لكنْ يقُولُ كما يقولُ المُؤَذِّنُ؛ لأنَّ السُّنَّةَ إنَّما وَرَدَتْ بِهذا.

277 -

مسألة: (وهل يُجْزِئُ أذانُ المُمَيِّزِ للبالِغِين؟ على رِوايَتَيْن)

وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ الأذانَ لا يَصِحُّ إلَّا من مُسْلِمٍ عاقِلٍ ذَكَرٍ، فأمَّا الكافِرُ والمَجْنُونُ والطِّفْل، فلا يَصِحُّ أذانُهُم؛ لأنَّهم لَيْسُوا مِن أهلِ العِباداتِ.
ولا يُعْتَدُّ بأذانِ المرأةِ؛ لأنَّه لا يُشْرَعُ لها الأذانُ، أشْبَهَتِ المَجْنُونَ، ولأنَّ رَفْعَ صَوْتِها مَنْهِىٌّ عنه، وإذا كان كذلك خَرَج عن كَوْنِه قُرْبَةً، فلم يَصِحَّ،1

..................................  كالحِكايَةِ، ولا أذانِ الخُنْثَى المُشْكِلِ؛ لأنَّه لا يُعْلَمُ كَوْنُه رجلًا.
وهذا كلُّه مذهبُ الشافعىِّ، ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
ويَصِحُّ أذانُ العَبْدِ؛ لأنَّ إمامَتَه تَصِحُّ، فأذانُه أوْلَى.
وهل يصِحُّ أذانُ الصَّبِىِّ؟ فيه رِوايَتان؛ أولاهُما، صِحَّةُ أذانِه.
وهذا قَوْلُ عَطاءٍ، والشَّعْبِىِّ، والشافعىِّ، وابنِ المُنْذِرِ.
وذَكَر القاضى أنَّ المُراهِقَ يَصِحُّ أذانُهْ، رِوايَةً واحِدَةً.
وقد روَى ابنُ المُنْذِرِ

وَهَلْ يُعْتَدُّ بِأذَانِ الْفَاسِق، وَالأذَانِ الْمُلَحَّنِ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
بإسْنادِه عن عبدِ اللهِ بنِ أبى بكرِ بنِ أنسٍ، قال: كان عُمُومَتِى يَأْمُرُونَنِى أن أُؤذِّنَ لهم وأنا غُلامٌ لم أحْتَلِمْ، وأنَسُ بنُ مالكٍ شاهِدٌ لم يُنْكرْ ذلك.
وهذا مِمّا يَظْهَرُ ولا يَخْفَى، ولم يُنْكَرْ، فكان إجْماعًا، ولأنَّه ذَكَرٌ تَصِحُّ صَلاتُه، فصَحَّ أذانُهُ، كالبالِغَ.
والثانيةُ، لا يَصِحُّ؛ لأن الأذانَ شُرِع للإعْلامِ، ولا يَحْصُلُ الإعْلامُ بقَوْلِه؛ لأنَّه لا يُقْبَلُ خَبَرُه ولا رِوايَتُه.

278 -

مسألة: (وهل [يُعْتَدُّ بأذانِ] 1 الفاسِقِ، والأذانِ المُلَحَّنِ؟ على وَجْهَيْن) ذَكَر أصحابُنا في صِحَّةِ أذانِ الفاسِقِ وَجْهَيْن؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لِما ذَكَرْنا في الصَّبِىِّ، ولأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - وَصَفَهُم

..................................  بالأمانَةِ، والفاسِقُ غيرُ أمِين.
والثانى، يَصِحُّ؛ لأنَّه ذَكرٌ تَصِحُّ صَلاتُه، فصَحَّ أذانُه، كالعَدْلِ.
وهذا قوْلُ الشافعىِّ.
وهذا الخِلافُ في مَنْ هو ظاهِرُ الفِسْقِ، فأمّا مَسْتُورُ الحالِ، فيَصِحُّ أذانُه بخيِر خِلافٍ عَلِمْناه.
وفى الأذان المُلَحَّنِ وَجْهان؛ أحَدُهما، لا يَصِحُّ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، قال: كان للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - مُؤَذِّنٌ يُطَرِّبُ 1، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْأَذَانَ سَمْحٌ سَهْلٌ، فَإِنْ كَانَ أذَانُكَ سَمْحًا سَهْلًا، وإِلَّا فَلَا تُؤَذِّنْ».
رواه الدَارَقطْنِىَ 2. والثانى، يَصِحُّ.
وهو أصَحُّ؛ لأنَّ المَقْصُودَ يَحْصُلُ به، فهو كغيرِ المُلَحَّنِ، والحديث ذَكرَه ابنُ الجَوْزِىِّ في المَوْضُوعاتِ 3. فصل: ويُكرَهُ اللَّحْنُ في الأذانِ؛ فإنَّه رُبَّما غَيَّر المَعْنَى، فإنَّ مَن نَصَب لامَ «رَسُولُ» أخْرَجَه عن كَوْنِه خبَرًا، ولا يَمُدُّ لَفْظَة «أكْبَرُ»؛ لأنَّه يَجْعَلُ فيها ألِفًا، فيَصِيرُ جَمْعَ «كَبَرٍ» وهو الطَّبْلُ، ولا يُسْقطُ الهاءَ مِن اسْمَ «الله» واسمِ «الصلاةِ»، والحاءَ مِن «الفَلاحِ»؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا يُؤَذِّنْ لَكُمْ مَنْ يُدْغِمُ الْهَاءَ».

..................................  قُلْنَا: وكيف يَقُولُ؟ قال: «يَقُولُ: أشْهَدُ أَن لَا إلَهَ إلَّا اللَّا 1، أشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّا».
أخْرَجَه الدَارَقُطْنِىُّ في الأفْرادِ.
فأمّا إن كان ألْثَغَ لُثْغَةً فاحِشَةً، كُرِهَ أذانُه، وإن كانت لا تَتَفاحَشُ، فلا بَأْسَ، فقد رُوِىَ أنَّ بِلالًا كان يَجْعَلُ الشِّينَ سِينًا.
والفَصِيحُ أحْسَنُ وأكْمَلُ.
واللهُ أعلمُ.

وَيُسْتَحَبُّ لِمَنْ سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ أنْ يَقُولَ كَمَا يَقُولُ، إلَّا فِى الْحَيْعَلَةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ الْعَلِىِّ الْعَظِيمِ.

279 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ لمَن سَمِع المُؤَذِّنَ أن يقُولَ كما يقولُ، إلَّا في الحَيْعَلَةِ، فإنَّه يقولُ: لا حَوْلَ ولا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ [العَلِىِّ العَظِيمِ])

1 وهذا مُسْتَحَبٌّ، لا نَعْلَمُ في اسْتِحْبابِه خِلافًا؛ لِما روَى عُمَرُ بنُ الخَطّابِ، رَضِى اللهُ عنه، أنَّ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِذَا قَالَ المُؤَذِّنُ: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ.
فَقَالَ أحَدُكُمْ: اللهُ أكْبَرُ، اللهُ أكْبَرُ.
ثُمَّ قَالَ: أشْهَدُ أن لَا إلَهَ إلَّا اللهُ.
قَالَ: أَشْهَدُ أَن لَا إلهَ إلَّا اللهُ.
ثُمَّ قَالَ: أَشْهَدُ أن مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
قَالَ: أَشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللهِ.
ثُمَّ قَال: حَىَّ عَلَى الصَّلَاةِ.
قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلا بِاللهِ.
ثُمَّ قَالَ: حَىَّ عَلَى الفَلَاحِ.
قَالَ: لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ.
ثُمَّ قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ.
قَالَ: اللهُ أَكْبَرُ، اللهُ أَكْبَرُ.
قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ.
قَالَ: لَا إلَهَ إلَّا اللهُ.
مِنْ قَلْبهِ، دَخَلَ

..................................  الْجَنَّةَ».
رَواه مسلمٌ 1. قال الأثْرَمُ: هذا مِن الأحادِيثِ الجيادِ.
وعن أبى رافِعٍ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان إذا سَمِع النِّداءَ، قال مثلَ ما يقُولُ المُؤذِّنُ، فإذا بَلَغ حَىَّ على الصلاةِ، قالَ: «لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاللهِ».
رَواه الأثْرَمُ 2. ويسْتَحَبُّ لمَن سَمِع الإقامَةَ أن يقولَ مِثْلَ ما يقولُ، ويقولَ عندَ كلمةِ الإقامَةِ: أقامَها اللهُ وأدامَها.
لِما روَى أبو داودَ 3 بإسْنادِه، عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ بلالًا أخَذَ في الإقامَةِ، فلَمّا أن قال: قد قامَتِ الصلاةُ.
قال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أقَامَهَا اللهُ وَأدَامَهَا».
وقال في سائِرِ الإقامَةِ كنَحْوِ حديثِ عُمَرَ في الأذانِ.

..................................  فصل: روَى سعدُ بنُ أبى وَقّاصٍ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقولُ: «مَنْ قَالَ حِينَ يسْمَعُ النِّدَاءَ: وأنَا أَشْهَدُ أن لَا إِلَهَ إلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدَّا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، رَضِيتُ بِاللهِ رَبًّا، وَبِالْإسْلَامِ دِينًا، وَبِمُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - رَسُولًا.
غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ».
رَواه مسلمٌ 1. وعن أُمِّ سَلَمَةَ، قالت: عَلَّمَنِى النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - أن أقُولَ عندَ أذانِ المَغْرِبِ: «اللَّهُمَّ إنَّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ، وَإدْبَارُ نَهَارِكَ، وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ، فَاغْفِرْ لِى».
رَواه أبو داودَ 2.

وَيَقولَ بَعْدَ فَرَاغِهِ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ، وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ، وَالدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ، وَابْعَثْهُ الْمَقَامَ الْمَحْمُودَ الَّذِى وَعَدْتَهُ، إِنَّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ.

280 - مسألة: (ثم يقُولَ بَعْدَ فَراغِه: اللَّهُمَّ رَبَّ هذه الدَّعْوَةِ التّامَّةِ والصلاةِ القائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الوَسِيلَةَ والفَضِيلَةَ [والدَّرَجَةَ الرَّفِيعَةَ] 1، وابْعَثْه [مَقامًا مَحْمُودًا] 2 الذى وَعَدْتَه، إنَّك لا تُخْلِفُ المِيعادَ) لِما روَى جابِرٌ قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ قَالَ حِينَ يَسْمَعُ النِّدَاءَ: اللَّهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ وَالصَّلَاةِ الْقَائِمَةِ، آتِ مُحَمَّدًا الْوَسِيلَةَ والْفَضِيلَةَ، وابْعَثْهُ مَقامًا مَحْمُودًا الَّذِى وَعَدْتَهُ. حَلَّتْ لَهُ شَفَاعَتِى» رَواه البخارىُّ 3.

..................................  فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يُصَلِّىَ على النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - ويَدْعُوَ؛ لِما روَى جابِرُ ابنُ عبدِ اللهِ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ قَالَ حِين يُنَادِى المُنَادِى: اللهُمَّ رَبَّ هَذِهِ الدَّعْوَةِ التَّامَّةِ 1 والصَّلَاةِ النَّافِعَةِ، صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ، وَارْضَ عَنْهُ رِضًا لَا سَخَطَ بَعْدَهُ.
اسْتَجَابَ اللهُ لَهُ دَعْوَتَهُ».
رَواه الإمامُ أحمدُ 2. وروَى أنَسٌ، قال: قال رسولُ اللهَ - صلى الله عليه وسلم -: «الدعَاءُ لَا يُرَدُّ بيْنَ الأذَانِ وَالْإقَامَةِ».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتَّرْمِذِىُّ 3، وقال: حديث حسنٌ.
وعن عبدِ اللهِ بنِ عَمْرٍو، أنَّه سَمع النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إذَا سَمِعْتُمُ الْمُؤذِّنَ، فَقُولُوا مِثْلَ مَا يَقُولُ، ثُمَّ صَلُّوا عَلّىَّ؛ فَإنَّه مَنْ صَلَّى عَلَىَّ صَلَاةً، صَلَى اللهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا، ثُمَّ سَلُوا اللهَ لِىَ الْوَسِيلَةَ، فَإنَّهَا مَنْزِلَةٌ فِى الْجَنَّةِ لا تَنْبَغِى إلَّا لِعَبْدٍ مِنْ عِبَادِ اللهِ، وأرْجُو أنْ أكُونَ أَنَا هُوَ، فَمَنْ سَألَ لِىَ الْوَسِيلَةَ، حَلَّتْ لَهُ 4 الشَّفَاعَةُ».
رَواه مسلمٌ 5.

..................................  فصل: فإن سَمِع الأذانَ وهو يَقْرأُ، قَطَع القِراءَةَ ليَقُولَ مِثْلَه؛ لأنَّه يَفُوتُ، والقِراءَة لا تَفُوتُ.
فإن سَمِعَه وهو يُصَلِّى، لم يَقُلْ كقَوْلِه؛ لِئَلّا يَشْتَغِلَ عن الصلاةِ بما ليس مِنها.
وإن قالَها ما عدَا الحَيْعَلَةَ 1 لم تَبْطُلِ الصلاةُ؛ لأنه ذِكْرٌ، وإن قال الدُّعاءَ فِيها، بَطَلَتْ؛ لأنَّه خِطابٌ لآدَمِىٍّ.
فصل: ورُوِى عن أحمدَ، أنَّه كان إذا أذَّن، فقال كَلِمَةً مِن الأذانِ، قال مِثْلَها سِرًّا.
فظاهِرُه أنَّه رَأى ذلك مُسْتَحَبًّا، ليَكونَ ما يُظْهِره أذانًا، وما يُسِرُّه ذِكْرًا للهِ تِعالى، فيَكُونَ بمَنْزِلَةِ مَن سَمِع الأذانَ.
وقد رَواه القاضى عن أحمدَ، أنه قال: اسْتُحِبَّ للمُؤَذِّنِ أيضًا أن يقُولَ مِثْلَ ما يقولُ في خُفْيَةٍ.
فصل: قال الأثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللهِ يُسْألُ عن الرجلِ يقُومُ حينَ يَسْمَعُ المُؤَذِّنَ مُبادِرًا، يَرْكَعُ؟ فقال: يُسْتَحَبُّ أن يَكُونَ رُكُوعُه بعدَ ما يَفْرُغُ الُمؤذِّنُ، أو يَقْرُبُ مِن الفَراغِ؛ لأنَّه يُقالُ: إنَّ الشَّيْطانَ يَنْفِرُ حينَ يسْمَعُ الأذان، فلا يَنْبَغِى أن يُبادِرَ للقِيام.
وإن دَخَل المسجدَ فسَمِعَ المُؤذِّنَ، اسْتُحِبَّ له انْتِظارُه ليَفْرُغَ، ويقُولُ مثلَ ما يقولُ، ليَجْمَعَ بينَ الفَضِيلَتَيْن.
وإن لم يَقُلْ كقَوْلِه وافْتَتَحَ الصلاةَ، فلا بَأسَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.

[وَالْأذَانُ أَفْضَلُ مِنَ الْإقَامَةِ.
وَعَنْهُ، هِىَ أفْضَلُ] 1.  فصل: ولا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَةُ على مُؤذِّنَيْن، كما رُوِىَ أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - كان له بِلالٌ، وابنُ أُمِّ مَكْتُومٍ، إلَّا أن تَدْعُوَ الحاجَةُ، فيَجُوزَ، فإنَّه قد رُوِىَ عن عثمانَ، رَضىَ اللهُ عَنه، أنَّه اتَّخَذَ أرْبَعَةَ مُؤذِّنِين، وإذا كانُوا أكْثَرَ من واحِدٍ، [وكان الواحِدُ] 2 يُسْمِعُ النَّاسَ، فالْمُسْتَحَبُّ أن يُؤذِّنَ واحِدٌ بعدَ واحِدٍ؛ كما رُوِىَ عن مُؤذِّنِى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. وإن كان الإعْلامُ لا يَحْصُلُ بواحِدٍ، أذَّنُوا على حَسَبِ الحاجَةِ؛ إما أن يُؤَذِّنَ كلُّ واحِدٍ في ناحِيَةٍ، أو دَفعَةً واحِدَةً في مَوْضِعٍ.
واحِدٍ.
فصل: ولا يُؤذَّنُ قبلَ المُؤذنِ الرَّاتِبِ، إلّا أن يَتَأخَّرَ، أو يُخافَ فَواتُ وَقْتِ التَّأذِينِ، فيُؤذِّنَ غيرُه، كما رُوِى أنَّ زِيادَ بنَ الحارِثِ أذَّنَ للنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حينَ غاب بِلالٌ 3، فأمّا مع حُضُورِه فلا؛ فإنَّ مُؤذنِى النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - لم يَكنْ غيرُهم يَسْبِقُهم بالأذانِ.

..................................  فصل: وإذا أذَّنَ في الوَقَّتِ كُرِه له أن يَخْرُجَ مِن المسجدِ إلاَّ لحاجَةٍ، ثم يَعُودَ؛ لأنَّه رُبَّما احْتِيجَ إلى الإقامَةِ فلا يُوجَدُ.
وإن أذَّن قبلَ الوقتِ للفَجْرِ، فلا بَأسَ بذَهابِه؛ لأنَّه لا يُحْتاجُ إلى حُضُورِه قبلَ الوَقتِ: قال أحمدُ، في الرجلِ يُؤذِّنُ في اللَّيْلِ، على غيرِ وُضُوءٍ، فيَدْخُلُ المَنْزِلَ، وَيَدَعُ المَسْجدَ: أرْجُو أن يكُونَ مُوَسَّعًا عليه، ولكن إذا أذَّن وهو مُتَوَضِّئٌ في وَقْتِ الصلاةِ، فلا أرَى له أن يَخْرُجَ مِن المسجدِ حتى يُصَلِّىَ، إلاّ أن يكُونَ لحاجَةٍ.
فصل: إذا أذَّن في بَيْتِه، وكان قَريِبًا مِن المسجدِ، فلا بَأْسَ، وإن كان بَعِيدًا كُرِه له ذلك؛ لأنَّ القَرِيبَ مِن المَسجدِ يُسْمَعُ أذانُه عندَ المَسجِدِ، فيَأْتُون إلى المسجدِ، والبَعِيدَ قد يَسْمَعُه مَن لا يَعْرِفُ المسجدَ، فيَغْتَرُّ به

..................................  ويَقْصِدُه، فيَضِيعُ عن المسجدِ، فإنَّه قد رُوِىَ عن أحمدَ، في الذى يُؤَذِّنُ في بَيْتِه، وبينَه وبينَ المسجدِ طَرِيقٌ يسْمِعُ 1 النَّاسَ: أرْجُو أن لا يَكُونُ به بَأْسٌ.
وقال، في رِوايَةِ إبراهيمَ الحَرْبِىِّ، في مَن يُؤَذِّنُ في بَيْتِه على سَطْحٍ: معاذَ اللهِ، ما سَمِعْنا أن أحدًا يَفْعَلُ هذا.
فحُمِلَ الأوَّلُ على القَرِيبِ، والثانى على البَعِيدِ، وقد رُوِىَ أنَّ بِلالًا كان يُؤَذِّنُ على سَطْحِ امرأةٍ مِن الأنْصارِ.
واللهُ أعلمُ.
فصولٌ في المَساجِدِ فَصلٌ في فَضْلِ المَساجِدِ وبِنائِها، وغيرِ ذلك: عن عثمانَ بنِ عَفَّانَ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: سَمِعْتُ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَنَى مَسْجِدًا» قال بُكَيْرٌ: حَسِبْتُ أنَّه قال: «يَبْتَغِى بِهِ وَجْهَ اللهِ، بَنَى الله له بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وعن جابِرِ بين عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ بَنَى للهِ [مَسْجِدًا، وَلَوْ] 3 كَمَفحَصِ قَطَاةٍ، أوْ أصْغَرَ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى

..................................  الْجَنَّةِ».
رَواه ابنُ ماجَه 1. وعن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أحَبُّ الْبِلَادِ إِلَى اللهِ مَسَاجِدُها، وَأَبغَضُ الْبِلادِ إِلى اللهِ أسْوَاقُهَا».
رَواه مسلمٌ 2. ويُسْتَحَبُّ اتِّخاذُ المَساجِدِ في الدُّورِ، وتَنْظِيفُها [وتَطْيِيبُها؛ لِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: أمَرَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - ببِاءِ المَساجِدِ في الدُّورِ] 3، وأن تُنَظَّفَ وتُطَيَّبَ.
رواه الإِمامُ أحمدُ 4. وعن أنَسِ بنِ مالكٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «عُرِضَتْ عَلَىَّ أْجُورُ أُمَّتِى، حَتَّى القَذَاةُ يُخْرِجُهَا الرَّجُلُ مِنَ الْمَسْجِدِ».
رواه أبو داودَ 5. وعن أبى سعيدٍ الخُدْرِىِّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ أخْرَجَ أذًى مِنَ الْمَسْجِدِ، بَنَى اللهُ لَهُ بَيْتًا فِى الْجَنَّةِ» 6. فصل: ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُ 7 المسجدِ، وأن يُسْرَجَ فيه؛ لِما رُوِىَ

..................................  عن أنسِ بنِ مالكٍ، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَأَى نُخامَةً في قِبْلَةِ المسجدِ، فغَضِبَ حتى احْمَرَّ وَجْهُه، فجاءَتْه امرأةٌ مِن الأنْصارِ، فحَكَّتْها وجَعَلَتْ مَكانَها خَلُوقًا، فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أحْسَنَ هَذَا».
رَواه النَّسائِىُّ، وابنُ ماجَه 1، وعن مَيْمُونَةَ مَوْلاةِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أنَّها قالت: يا رسولَ اللهِ، أفْتِنا في بَيْتِ المَقْدِسِ.
فقال: «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ».
وكانتِ البِلادُ إذ ذاك حَرْبًا 2، قال: «فإنْ لَمْ تَأْتُوهُ وَتُصَلُّوا فِيهِ، فَابعَثُوا بِزَيْتٍ يُسْرَجُ فِى قَنَادِيِلِهِ».
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، وابنُ ماجَه 3. وفى رِوايةِ الإِمام أحمدَ «ائْتُوهُ فَصَلُّوا فِيهِ، فإنَّ [صلَاةً فِيهِ كَأَلْفِ] 4 صلَاةٍ».
قالت: أرأيْتَ مَن لم يُطِقْ أن يَتَحَمَّلَ إليه، أو يَأْتِيَه؟ قال: «فَلْيُهْدِ إلَيْهِ زَيْتًا يُسْرجُ فِيهِ، فإن مَنْ أهْدَى لَهُ، كَانَ كَمَنْ صَلَّى فِيهِ».
فصلٌ فيما يُباحُ في المَسْجدِ: يُباحُ النَّوْمُ فيه؛ لِما روَى عبدُ اللهِ بنُ عُمَرَ أنَّه كان يَنامُ، وهو شابٌّ عَزَبٌ لا أهْلَ له في مسجدِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -. مُتفَقٌ عليه 5. وكان أهلُ الصُّفَّةِ يَنامُون في المسجدِ.
ويُباحُ للمَرِيضِ أن

..................................  يكُونَ في المسجدِ، وأن تكُونَ فيه خَيْمَةٌ.
قالت عائشةُ: أُصِيب سعدٌ 1 يومَ الخَنْدَقِ في الأكْحَلِ، فضَرَبَ عليه رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - خَيْمَةً في المسجِدِ؛ يَعُودُه مِن قرِيبٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ويُباحُ دُخُولُ البَعِيرِ المسجدَ؛ لأنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - طاف في حَجَّةِ الوَداعِ على بَعِيرٍ، يَسْتَلِمُ الرُّكْنَ بمِحْجَنٍ 3. مُتَّفَقٌ عليه 4. ولا بَأْسَ بالاجْتِماعِ في المسجدِ، والأكْلِ فيه، والاسْتِلْقاءِ فيه؛ لِما روَى أبو واقِدٍ اللَّيْثِيُّ، قال: بَيْنَما رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في المَسْجِدِ إذ أقْبَلَ ثَلاثَةُ نَفَرٍ، فأقْبَلَ اثْنانِ إلى رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وذَهَب واحِدٌ، فأمَّا أحَدُهما فرَأى فُرْجَةً، فجَلَسَ، وأمّا الآخَرُ فجَلَسَ خَلْفَهُم، فلمّا فَرَغ رسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألَا أُخْبِرُكُمْ عَنِ الثَّلَاثَةِ؛ أمَّا أحَدُهُمْ فَأَوَى إِلَى اللهِ فَآوَاهُ اللهُ، وَأَمَّا الْآخَرُ

..................................  فَاسْتحْيَا، فَاسْتَحْيَا اللهُ مِنْهُ، وَأمَّا الْآخَرُ فَأَعْرَضَ، فَأَعْرَض اللهُ عَنْهُ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. عن عبدِ اللهِ بنِ الحارِثِ، قال: كُنَّا نَأْكُلُ على عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في المسجدِ الخُبْزَ واللَّحْمَ.
رَواه ابنُ ماجَه 2. وعن عَبَادِ بنِ تَمِيمٍ، عن عَمِّه عبدِ اللهِ بنِ زيدٍ، أنَّه رَأى رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - مُسْتلْقِيًا في المسجدِ، واضِعًا إحْدَى رِجْلَيْه على الأْخرَى.
مُتَّفَقٌ عليه 3. ويَجُوزُ السُّؤالُ في المسجدِ؛ لِما روَى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى بَكْرٍ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «هَلْ مِنْكُمْ أحَدٌ أطْعَمَ الْيَوْمَ مِسْكِينًا؟».
وذَكَر الحديثَ.
رَواه أبو داودَ 4. ويَجُوز إنْشادُ الشِّعْرِ، واللِّعانُ في المسجدِ؛ لِما رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ عُمَرَ مَرَّ بحَسَّانَ، وهو يُنْشِدُ الشِّعْرَ في المسجدِ، فلَحَظَ.
إليه، فقال: قد كنْتُ أُنْشِدُ فيه، وفيه [مَنْ هُو] 5 خَيْرٌ

..................................  منك.
ثم الْتفَتَ إلى أبى هُرَيْرةَ، فقال: أنْشُدُكَ اللهَ، أسَمِعْتَ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «أَجِبْ عَنِّى، اللَّهُمَّ أيِّدهُ بِرُوحِ الْقدُسِ»؟ قال: نعم.
مُتَّفَقٌ عليه 1 -. وعن جابِرِ بنِ سَمُرَة، قال: شَهِدْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أكْثَرَ مِن مِائةِ مَرَّةٍ في المسجدِ، وأصحابُه يَتَذاكرُون الشِّعْرَ وأشْياءَ مِن أمْرِ الجاهِلِيَّةِ، فرُبَّما تَبَسَّم معهم.
رَواه الإمامُ أحمدُ 2. وفى حديثِ سَهْلِ ابنِ سعدٍ ذَكر حديثَ اللِّعانِ، قال: فتَلاعَنا في المسجدِ، وأنا شاهِدٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 3. فصلٌ فيما يُكْرَه في المَسْجِدِ: يُكْرَهُ إنْشادُ الضّالَّةِ في المسجدِ؛ لما روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ سَمِعَ رَجُلًا يَنْشُدُ ضَالَّةً فِى الْمَسْجِدِ، فَلْيَقُلْ: لَا رَدَّهَا اللهُ عَلَيْكَ 4. إنَّ الْمَسَاجِدَ لَمْ تُبْنَ

..................................  لِهَذَا».
رَواه مسلمٌ 1. عن عَمْرِو بنِ شُعَيْبٍ، عن أبيه، عن جَدِّه، قال: نَهَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - عن البَيْعِ والابْتِياعِ، وعن تَناشُدِ الأشْعارِ في المَساجِدِ.
رواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِىُّ، والتِّرْمِذِىُّ 2، وقال: حديثٌ حسنٌ.
ويُكْرَهُ تَجْصِيصُ المَساجِدِ وزَخْرَفَتُها؛ لِما رُوِىَ عن عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ قَطُّ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجدَهُمْ».
رَواه ابن مْاجه 3. وعن ابنِ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أُمِرْت بِتَشْيِيدِ الْمَسَاجِدِ».
قال ابنُ عباسٍ: لَتُزَخْرِفُنَّها كما زَخْرَفَتِ اليَهُودُ والنَّصارَى.
رَواه أبو داودَ 4. وعن واثِلَةَ بنِ الأسْقَعِ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «جَنِّبُوا مَسَاجِدَنَا صِبْيَانَكُمْ وَمَجَانِينكُمْ، وَشِراكمْ وبَيْعَكُمْ وَخُصُومَاتِكُمْ، وَرَفْعَ أصْوَاتِكمْ، وَإقَامَةَ حُدُودِكُمْ، وَسَلَّ سُيُوفِكُمْ، وَاتَّخِذُوا عَلَى أَبوَابِهَا

..................................  الْمَطَاهِرَ، وَجَمِّرُوهَا فِى الجُمَعِ».
رَواه ابنُ ماجَه 1 مِن رِوايَةِ الحارِثِ ابنِ نَبْهانَ، قال فيه يحيى بنُ مَعِينٍ: لا يُكْتَبُ حَدِيثُه، ليس بشئٍ.
ويُكْرَهُ أن يَكتُبَ على حِيطانِ المسجدِ قُرآنًا أو غيرَه؛ لأنَّه يُلْهِى المُصَلِّىَ ويَشْغَلُه، وهو يُشْبِهُ الزَّخْرَفَةَ وقد نُهِىَ عنها.
والبُصاقُ في المسجدِ خَطِيئَةٌ، ويُسْتَحَبُّ تَخْلِيقُها؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحديثِ.
وهل يُكْرَهُ الوُضُوءُ في المسجدِ؟ على رِوايَتيْن، ذكَرَهما ابنُ عَقِيلٍ، إلَّا ابنَ عَقِيلٍ قال: إن قُلْنا بنَجاسَةِ الماءِ الْمُسْتَعْمَلِ في رَفْعِ الحَدَثِ، حَرُم ذلك في المسجدِ.
واللهُ أعلمُ.

بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ

وَهِىَ مَا يَجِبُ لَهَا قَبْلَهَا، وَهِىَ سِتٌّ؛ أَوَّلُهَا، دُخُولُ الْوَقْتِ.
وَالثَّانِى، الطَّهَارَةُ مِنَ الْحَدَثِ.
بابُ شُرُوطِ الصَّلاةِ

281 -

مسألة؛ قال: (وهى ما يَجِبُ لها قبلها، وهى سِتٌّ؛ أوَّلُها دُخُولُ الوَقْتِ، والثانى، الطهارةُ مِن الحَدَثِ)

أمّا الطهارةُ مِن الحَدَثِ، فقد مَضَى ذِكْرُها، وهى شَرْطٌ لصِحَّةِ الصلاةِ؛ لقولِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لا 1 يَقْبَلُ اللهُ صَلَاةَ أحَدِكُمْ إذَا أَحدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ».
مُتَّفَقٌ عليه 2. وعن عبدِ اللهِ بنِ عُمَرَ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقول:

وَالصَّلَوَاتُ المَفْرُوضَاتُ خَمْسٌ؛  «لَا يقْبَلُ اللهُ صَلَاةً (1) بغَيْرِ طُهُورٍ، وَلَا صَدَقةً مِنْ غُلُولٍ».
رَواه مسلمٌ (2).

282 -

مسألة؛ قال: (والصَّلَواتُ المَفْروضاتُ خَمْسٌ)

أجْمِعَ المُسْلِمُون على أن الصلَواتِ الخَمْس في اليَوْمِ واللَّيْلَةِ مَفْرُوضاتٌ، لا خِلاف بينَ المُسْلِمِين في ذلك، وأن غيرَها لا يَجبُ إلَّا لعارِضٍ مِن نَذْرٍ أو نَحْوِه، إلَّا أَنَّهم اخْتَلَفُوا في وُجُوبِ الوِتْرِ، وسنَذْكُرُه في مَوْضِعِه، إن شاء الله تعالى.12

..................................  والأصْلُ في ذلك ما روَى عُبادَةُ بنُ الصَّامِتِ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «خَمْسُ صلَوَاتٍ كَتَبَهُن اللهُ عَلَى الْعَبْدِ فِى الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ، فَمَنْ حَافَظَ عَلَيْهِن كَانَ لَهُ عَهدٌ عِنْدَ اللهِ أن يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عليهنَّ لَمْ يَكُنْ لَهُ عِنْدَ اللهِ عَهْدٌ، إنْ شَاءَ عَذبَهُ، وَإنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ» 1. ورُوِىَ أن أعْرابِيًّا أتَى النَّبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: يا رسولَ اللهِ، ماذا فَرَض اللهُ 2 عَليَّ مِن الصلاةِ؟ قال: «خَمسُ صلوات».
قال: فهل عليَّ غيرُها؟ قال: «لَا، إلَّا أن تَطَوَّعَ شَيْئًا».
فقال الرجلُ: والذى بَعَثَك بالحَقِّ لا أزيدُ عليها، ولا أنْقصُ منها.
فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أفْلَحَ الرجُلُ 3

الظُّهْرُ، وَهِىَ الأولَى، وَوَقْتُهَا مِنْ زَوَالِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَصِيرَ ظِلُّ كُلِّ شَيْءٍ مِثْلَهُ، بَعْدَ الَّذِى زَالَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ.
إنْ صَدَقَ».
مُتَّفقٌ عليه (1). وأجْمَعُوا على أنَّ الصَّلوات الخَمْس مُؤقَّتات بمَواقِيتَ مَعْلُومَةٍ محْدُودَةٍ، وقد ورَد ذلك في أحادِيثَ صِحاح يأتي أكثرها، إن شاء اللهُ تعالى.

283 -

مسألة؛ قال: (الظُّهْرُ، وهى الأولَى، ووَقْتُها مِن زَوالِ الشَّمْسِ إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْله، بعدَ الذي زالَتْ عليه الشَّمْسُ)

أجمعَ أهلُ العلمِ على أن أوَّلَ وَقْتِ الظهرِ، إذا زالَتِ الشَّمْسُ.
حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، وابنُ عبدِ البَرِّ.
وتُسَمَّى الهَجيرَ، والأولَى، والظُّهْرَ؛ لأنَّ في حديث أبي برْزَةَ، قال: كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يُصلِّى الهَجيرَ التى1

..................................  تَدْعُونَها الأُولَى حينَ تَدْحَضُ الشَّمسُ.
مُتفَّقٌ عليه 1. وإنَّما بَدَأ بذكْرِها، لأنَّ جِبْريل بَدَأ بها حينِ أمَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - في حديثِ ابنِ عباسٍ، وجابِرٍ، وبَدَأ بها النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - حين عَلَمَ أصحابَه مَواقِيتَ الصلاةِ، في حديثِ بُرَيْدَةَ وغيرِه، فرَوَى ابنُ عباسٍ، عن النَّبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، قال: «أمَّنِى جِبْرِيلُ، عَليْهِ السَّلَامُ، عِندَ الْبَيْتِ مَرَّتَيْنِ، فَصَلَّى بِىَ الظُّهْرَ فِى الأولَى مِنْهُما، حين كَان الْفَىْءُ مِثْلَ الشِّراكِ 2، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ كاد ظِلُّ كُل شَئٍ مِثْلَهُ، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ حِينَ وَجَبَتِ الشَّمس 3 وَأَفطر الصَّائِمُ، ثمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ حِينَ غَابَ الشَّفَقُ، ثُمَّ صَلَّى الْفَجْرَ حِينَ بَرَقَ الْفَجْرُ وَحَرُمَ الطَّعَامُ علَى الصَّائِمِ.
وصَلَّى الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ الظُّهْرَ حِينَ كَانَ ظِلُّ كُلِّ شَىْءٍ مِثْلَهُ لوقْتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ، ثُمَّ صَلَّى الْعَصْرَ حِينَ صَارَ 4 ظِلُّ كل شَىْءٍ

..................................  مِثْلَيْهِ 1، ثُمَّ صَلَّى الْمَغْرِبَ لِوَقتهِ الْأوَّلِ، ثُمَّ صَلَّى الْعِشاء الْآخِرَةَ 2 حينَ ذَهب ثلُث اللَّيْلِ، ثُمَّ صَلَّى الصُّبْحَ حين أسْفَرَتِ الْأرْضُ، ثُمَّ الْتفتَ جِبْريلُ فقَالَ: يا محمَّد، هَذَا وَقْتُ الأنْبِيَاءِ قَبلَكَ، وَالْوَقْتُ فِيمَا بَيْنَ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْن».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِىُّ 3، وقال: حديثٌ حسنٌ 4. وروَى جابِرٌ نَحْوَه ولم يَذْكُرْ فيه: «لِوَقتِ الْعَصْرِ بِالأمْسِ» 5. قال البُخاريُّ: أصَحُّ حديثٍ في المَواقِيتِ حديث جابر.
وروَى بريْدَةُ، عن النَّبيِّ - صَلَّى الله عليه وسلم - أنَّ رجلًا سألَه عن وَقتِ الصلاةِ، فقال: «صلِّ مَعَنَا هَذيْنِ الْيوْمَيْنِ» 6. فلَمّا زالَتِ الشَّمْسُ أمَر بِلالًا فأذَّنَ، ثم أمَرَه فَأقام الظُّهْرَ، ثم أمَرَه فأقامَ العَصْرَ، والشَّمْسُ مُرْتَفِعَة بَيْضاءُ نقِيَّةٌ، لم يُخالِطْها صُفْرَةٌ، ثم أمَرَه فأقامَ المَغْرِبَ حينَ غابَتِ الشَّمْسُ، ثم أمرَه فأقامَ العِشاءَ حينَ غاب الشَّفَقُ، ثم أمَرَه فَأقامَ الفَجْرَ حينَ طَلَع الفَجْرُ، فلَمَّا كان اليَوْمُ الثاني أمَرَه فأبْرَدَ بالظُّهرِ، فأنْعَمَ أن يُبْرِدَ بها، وصَلى العصر والشَّمسُ بَيْضاءُ مُرْتَفعَة، آخِرُها فوق الذي كان، وصَلَّى الْمَغْرِبَ حينَ غاب

..................................  الشَّفَقُ، وصَلَّى العِشاءَ حيَنَ 1 ذَهَب ثُلثُ اللَّيلِ، وصَلَّى الفَجْرَ فأسْفرَ بها، ثم قال: «أينَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ؟» فقال الرجلُ: أنا يا رسولَ الله.
فقال: «وَقْتُ صَلَاِتِكُمْ بَيْنَ ما رَأيتُمْ».
رَواه مسلمٌ 2. ومَعْنَى زوالِ الشَّمس، مَيْلُها في وَسَطِ السَّماء، وإنَّما يُعرَفُ ذلك بطُولِ الظِّلِّ بعدَ تَناهِى قِصَره؛ لأنَّ الشَّمْسَ حين تَطلُعُ يكونُ الظِّلُّ طَويلًا، وكلَّما ارْتَفَعَتْ قَصُرَ، فإذا مالَتْ عن كَبِدِ السَّماءِ، شَرَع في الطولِ، فذلك زَوالُ الشَّمس، فمَن أرادَ معرِفَةَ ذلك فلْيُقَدِّرْ ظِلَّ شيءٍ، ثم يَصْبِرْ قَلِيلاً، ثم يُقدِّره ثانيًا، فإن نَقَص لم يَتَحَقَّقِ الزَّوالُ، وإن زاد فقد زالتْ، وكذلك إن لم يَنْقص؛ لأنَّ الظل لا يَقِفُ فيَكُونُ قد نَقص ثم زاد.
وأمّا مَعْرِفَةُ قدْر ما تَزُولُ عليه الشَّمْسُ بالأقدامِ فيَخْتَلِفُ باخْتلافِ الشُّهُورِ والبلْدانِ، فكلما طال النَّهارُ، قَصر الظِّلُّ، وإذا قَصر طال الظِّل.
وقد ذَكَر أبو العَبّاس السِّنجىُّ 3، رحِمه اللهُ، ذلك تَقْرِيبًا، قال: إن الشَّمسَ تزُولُ في نِصْفِ حَزِيران على قدَمٍ وثلثٍ، وهو أقل ما تَزُولُ عليه الشَّمْسُ، وفي نِصْفِ تمُّوزَ وأيارَ على قدم ونِصْفٍ وثُلُثٍ، ونصف آبَ ونَيْسانَ على ثلاثة أقدام، وفي نصفِ آذارَ وأيلولَ على أربَعَةِ أقدام ونصفٍ، وفى

..................................  نصفِ شُباطٍ وتَشرِينَ الأوَّلِ على سِتةِ أقدامِ، وفي نِصْفِ كانُونَ الثانى وتَشرِينَ الثانى على تِسْعَةِ أقدام، وفي نصفِ كانُونَ الأوَّلِ على عَشْرَةِ أقْدامٍ وسُدْسٍ، وهو أكْثَرُ ما تَزُولُ عليه [الشَّمْسُ في] 1 إقلِيمِ الشَّامِ والعِراقِ وما سامَتَهُما، فإذا أرَدْتَ مَعْرفةَ ذلك، فقِفْ على مُسْتَوٍ مِن الأرضِ، وعَلِّمِ المَوْضِعَ الذي انتهَى إليه ظِلُّك، ثم ضَعْ قدَمك اليُمنَى بينَ يَدَي قدَمِك اليُسْرَى، وألْصِقْ عَقِبَك بإبْهامِك، فإذا بَلَغَتْ مِساحَتُه هذا القدْرَ بعدَ انْتِهاءِ النَّقْصِ فهو وَقْتُ زَوالِ الشَّمس، وتجِبُ به الظُّهْرُ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: وتَجِبُ الصلاةُ بدُخُولِ أوَّلِ وَقْتِها في حَقّ مَن هو مِن أهْلِ الوُجُوبِ.
وهو قَوْلُ الشافعيِّ.
وقال أبو حَنِيفَةَ: تَجِبُ بآخِرِ وَقْتِها إذا بَقِىَ منه ما لا يَتّسِعُ لأكْثَرَ منها؛ لأَنَّه في أوَّلِ الوَقْتِ يَتَخَيَّر بينَ فِعْلِها وتركِها، فلم تَكُنْ واجبَة كالنَّافلَةِ.
ولَنا، أنَّه مَأمُورٌ بها في أوَّلِ وَقْتِها بقَوْلِه تعالى: ﴿أَقِمِ الصَّلَاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ﴾ 2. والأمْرُ [يَقْتَضِى الوُجُوبَ] 3 على الفَوْرِ، ولأنَّ دُخُولَ الوَقْتِ سَبَبٌ للوجُوبِ 4 فتَرَتَّبَ عليه حُكْمُه عندَ وُجُودِه، ولأنَّها تشترَطُ لها نِيَّةُ 5 الفَرْض، ولو كانت نَفْلًا لأجزأتْ بنيَّةِ النَّفْلِ، كالنَّافِلَةِ، وتُفارِقُ النَّافِلَةَ مِن حيثُ إن النافِلَةَ يَجُوزُ تركُها لا إلى بَدَلٍ، وهذه إنَّما يَجُوزُ تَرْكُها مع العَزْمِ على فِعْلِها، كما تُؤخَّرُ صلاةُ المَغْرِبِ

..................................  لَيْلَةَ المُزْدَلفَةِ عن وَقْتِها، وكما تُؤخَّرُ سائر الصَّلَواتِ عن وَقْتها لمن هو مشتغل بشَرْطِها.
فصل: وآخِرُ وقْتِها إذا زاد على القَدْرِ الذي زالَتْ عليه الشَّمسُ قَدْرَ طُولِ الشَّخْصِ.
قال الأثْرَمُ: قيل لأبي عبدِ الله: وأى شيء آخِرُ وَقْتِ الظهْرِ؟ قال: أن يَصِيرَ الظل مِثْلَه.
قيل له: فمتى يكُونُ الظل مِثْلَه؟ قال: إذا زالتِ الشَّمس فكان الظل بعدَ الزَّوالِ مِثْله.
ومَعْرِفَة ذلك أن يَضْبُطَ ما زالتْ عليه الشمسُ، ثم يَنظرَ 1 الزيادَة عليه، فإن بَلَغَتْ قَدْر الشَّخْصِ، فقد انْتَهَى وَقْتُ الظُّهْرِ، وقدْرُ شَخْص الإنْسانِ سِتَّةُ أقْدام ونِصْف وسُدْس بقَدَمِه، تقْرِيبًا، فإذا أرَدْتَ اعْتِبار الزيادَةِ بقَدَمك مَسَحْتَها على ما ذَكَرْناه في الزَّوالَ، ثم أسْقَطْتَ منه القَدْرَ الذي زالَتْ عليه الشمس فإذا بَلَغ الباقى سِتَّةَ أقدام وثُلُثَيْن، فهو آخِر وَقْتِ الظهْرِ وأولُ وقْتِ العَصْر، فيَكُونُ ظِلُّ الإنْسانِ في نِصْفِ حَزيرانَ، على ما ذَكَرْنا في آخِرِ وَقْتِ الظهْرِ وأوَلِ 2 وَقْتِ العَصْرِ، ثَمانِيَةَ أقدام بقَدَمِه، وفى بَقِيَّةِ الشُّهُورِ كما بَيَّنَّا.
وهذا مَذْهَبُ مالكٍ والثَّوْرِىّ والشْافعىِّ والأوْزاعِى.
ونَحْوه قول أبي يُوسفَ ومحمدٍ، وغيرِهم.
وقال عَطاء: لا تَفْرِيطَ للظهر حتَّى تَدْخُلَ الشمَّس صُفْرَة.
وقال طاوُس: وَقْتُ الظهْر والعَصْرِ إلى اللَّيْلِ.
وحُكِىَ عن مالكٍ: وَقْت الاخْتِيار إلى أن يَصِيرَ ظِلُّ كلِّ شئٍ مِثْلَهُ 3، ووَقْتُ

جارٍ التحميل