..................................
أسْفَارِه تِسْعَةَ عَشَرَ يُصَلِّى رَكْعَتَيْن.
رَواه البُخارِىُّ 1. وقال جابِرٌ: أقامَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبْوكَ عِشْرِين يَوْمًا يَقْصُرُ الصلاةَ.
[رَواه الإِمامُ أحمدُ في «المُسْنَدِ»] 2. وروَى سعيدٌ بإسناده عن المِسْوَرِ بنِ مَخْرَمَةَ، قال: أقَمنا مع سعدٍ ببعض قُرَى الشَّامِ أرْبَعِين لَيْلَةً يَقْصُرُها سعدٌ ونُتِمُّها 3. وقال نافِعٌ: أقامَ ابنُ عمرَ بأذْرَبِيجَانَ 4 سِتَّةَ أشْهُرٍ، يُصَلِّى رَكْعَتَيْن، حَبَسَه الثَّلْجُ 5. وقال أنسٌ: أقامَ أصْحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- برامَهُرْمُزَ 6 سَبْعَةَ أشْهُر يَقْصُرُون الصلاةَ 7. وعن الحسنِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ
.................................. سَمُرَةَ، قال: أقَمْتُ معه بكابُلَ 1 سَنَتَيْن نَقْصُرُ الصلاةَ، ولا نُجَمِّعُ 2. فصل: وإن عَزَم على إقامَةٍ طَوِيلَة في رُسْتَاقَ 3 يَنْتَقِلُ فيه مِن قَرْيةٍ إلى قَرْيةٍ، لا يُجْمِعُ على الإِقامَةِ بواحِدَةٍ منها مُدَّةً تُبْطُل حُكْمَ السَّفَرِ قَصَر؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أقامَ بمَكَّةَ ومِنًى وعَرَفَةَ عَشْرًا، فكان يَقْصُرُ الأيامَ كلَّها 4. وروَى الأثْرَمُ، بإسْنادِه عن مُوَرِّقٍ، قال: سَأَلْتُ ابنَ عمرَ،
..................................
قُلْتُ: إنِّى رَجُلٌ آتِى الأهْوازَ 1، فأنْتَقِلُ في قُراها قَرْيَةً قَرْيَةً، فأُقِيمُ الشَّهْرَ أو أكْثَرَ.
قال: تَنْوِى الإِقامَةَ؛ قُلتُ: لا.
قال: ما أراكَ إلَّا مُسافِرًا، صَلِّ صلاةَ المُسافِرِين.
ولأنَّه لم يَنْوِ الإِقامَةَ في مَكانٍ بعَيْنه، أشْبَهَ المُتَنَقِّلَ [في سَفَرِه] 2 مِن مَنْزلٍ إلى مَنْزلٍ.
وإذا دَخَلِ بَلَدًا، فقالَ: إن لَقِيتُ فُلانًا أقَمْتُ، وإلَّا لم أقِمْ.
لم يَبْطُلْ حُكْمُ سَفرِه؛ لأنَّه لم يَجْزِمْ بالإِقامَةِ، [ولأنَّ المُبْطِلَ للسَّفَرِ هو العَزْمُ على الإِقامَةِ، ولم يُوجَدْ] (2)، وإنَّما عَلَّقَه على شَرْطٍ لم يُوجَدْ، وذلك ليس بجَزْمٍ.
فصل: ولا بَأْسَ بالتَّطَوُّعِ في السَّفَر نازِلًا وسائِرًا على الرّاحِلَةِ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُسَبِّحُ على ظَهْرِ راحِلَتِه حيثُ كان وَجْهُه، يُومِئُ برَأْسِه.
وروَى نَحْوَ ذلك جابِرٌ وأُنَسٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 3.
..................................
وعن علىٍّ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يَتَطوُّعُ في السَّفَرِ.
رَواه سعيدٌ 1. وفى حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ [أنَّ النبىَّ صَلَّى في بَيْتها يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ ثَمانِىَ رَكَعاتٍ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. إذا ثَبَت ذلك، فإنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَى الفَجْرِ والوِتْرَ؛ لِما روَى ابنُ عمرَ] 3، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُوتِرُ على بَعِيرِه.
ولَمّا فاتَتِ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلاةُ الصُّبْحِ صَلَّى رَكْعَتَى الفَجْرِ قَبْلَها.
مُتَّفَق عليهما 4. فأمّا سائِرُ التَّطَوُّعَاتِ والسُّنَنِ قبلَ الفَرائِضِ وبعدَها.
فقالَ أحمدُ: أرْجُو أن لا يكونَ بالتَّطَوُّعِ في السَّفَرِ بَأسٌ.
رُوِىَ ذلك عن عمرَ 5 وعلىٍّ، وابنِ مسعودٍ، وجابِرٍ، وابنِ عباسٍ، وأبى ذَرٍّ، وجَماعَةٍ مِن التَّابِعِين.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ.
وكان ابنُ عمرَ لا يَتَطوَّعُ مع الفَرِيضَةِ قبلَها ولا بعدَها، إلَّا مِن جَوْفِ اللَّيْلِ.
= وحديث جابر لم يخرجه مسلم.
انظر تحفة الأشراف 2/ 168. وأخرجه البخارى، في: باب التوجه نحو القبلة، من كتاب الصلاة، وفى: باب ينزل للمكتوبة، من كتاب التقصر.
صحيح البخارى 1/ 110، 2/ 56.كما أخرجه أبو داود، في: باب التطوع على الراحلة والوتر، من كتاب الصلاة.
سنن أبى داود 1/ 279. وأما حديث أنس فقد أخرجه البخارى، في: باب صلاة التطوع على الحمار، من كتاب التقصر.
صحيح البخارى 2/ 56. ومسلم، في: باب جواز صلاة النافلة على الدابة في السفر حيث توجهت، من كتاب صلاة المسافرين.
صحيح مسلم 1/ 488.كما أخرجه أبو داود، في: باب التطوع على الراحلة والوتر، من كتاب الصلاة.
سنن أبى داود 1/ 279. والدارقطنى، في: باب صفة صلاة التطوع...، من كتاب الصلاة.
سنن الدارقطنى 1/ 396.
..................................
رُوِىَ ذلك عن سعيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وعلىِّ بنِ الحسينِ؛ لِما رُوِىَ أنَّ ابنَ عمرَ رَأى قَوْمًا يُسَبِّحون بعدَ الصَّلاةِ، فقالَ لو كُنْتُ مُسَبِّحًا لأتمَمْتُ فَرْضِى، يا ابْنَ أخى، صَحِبتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبْضَه اللَّهُ، وصَحِبْتُ [أبا بكرٍ فلم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن حتى قَبَضَه اللَّهُ، وذَكر] 1 عمرَ، وعثمانَ، وقال: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ 2. مُتَّفَقٌ عليه 3. ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، قال: فَرَض رسولُ اللَّهِ أنْ صلاةَ الحَضَرِ، فكُنَّا نُصَلِّى قبلَها وبعدَها، [وكُنَّا نُصَلِّى في السَّفَرِ قَبْلَها وبعدَها] 4. رَواه ابنُ ماجه 5. وقال الحسنُ: كان أصحابُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُسافِرُون فيَتَطَوَّعون قبلَ المَكْتُوبَةِ وبعدَها.
وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قال: صَحِبْتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَفَرًا، فما رَأيْتُه تَرَك رَكْعَتَيْن إذا زاغَتِ الشَّمس قبلَ الظُّهْرِ.
رَواه أبو داودَ 6. فهذا يَدُلُّ على أنَّه لا بأسَ بفِعْلِها، وحديثُ ابنِ عمرَ يَدُلّ على أنه لا بَأْسَ بتَرْكِها فيُجْمَعُ بين الأحادِيثِ.
واللَّهُ أعلمُ.
وَالْمَلَّاحُ الَّذِى مَعَهُ أَهْلُهُ، وَلَيْسَ لَهُ نِيَّةُ الإِقَامَةِ بِبَلَدٍ، لَيْسَ لَهُ التَّرَخُّصُ.
607 - مسألة: (والمَلّاحُ الذى معه أَهْلُه، وليس له نِيَّةُ الإِقامَةِ ببَلَدٍ، ليس له التَّرَخُّصُ)
قال الأَثْرَمُ: سَمِعْتُ أبا عبدِ اللَّهِ يُسْأَلُ عن المَلَّاحِ، أيَقْصُرُ، ويُفْطِرُ 1 في السَّفِينَةِ؟ قال: أمّا إذا كانتِ السَّفِينَةُ = في: المسند 4/ 292.
..................................
بَيْتَه فإنَّه يُتِمُّ ويَصُومُ.
قِيلَ له: وكيف تَكُونُ بَيْتَه؟ قال: لا يَكُونُ له بَيْتٌ غيرَها، معه فيها أهْلُه وهو فيها مُقِيمٌ.
وهذا قولُ عطاءٍ.
وقال الشافعى: يَقْصُرُ ويُفْطِرُ؛ لعُمُوم النُّصُوصِ، ولأنَّ كَوْنَ أهْلِه معه لا يَمْنَعُ التَّرَخُّصَ، كالجَمّالِ.
ولَنا، أنَّه غيرُ ظاعِنٍ عن مَنْزِلِه، فلم يُبَحْ له التَّرَخُّصُ، كالمُقِيمِ في المُدُنِ، [فأمّا النُّصُوصُ] 1، فالمُرادُ بها الظّاعِنُ عن مَنْزِلِه، وليس هذا كذلك.
وأمَّا الجَمّالُ والمُكارِى فلهم التَّرَخُّصُ وإن سافَرُوا بأهْلِهم.
قال أبو داودَ: سَمِعْتُ أحمدَ يَقُولُ في المُكارِى الذى هو دَهْرَه في السَّفَرِ 2: لابُدَّ أن يُقِيمَ إذا قَدِم اليَوْمَيْن
فَصْلٌ فِى الْجَمْعِ: وَيَجُوزُ الجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ والْعَصْرِ، والْعِشَاءَيْنِ فِى وَقْتِ إِحْدَاهُمَا لِثَلاثَةِ أُمُورٍ؛ السَّفَرِ الطَّوِيلِ،
والثَّلَاثةَ.
قال: هذا يَقْصُرُ.
وذَكَر القاضى، وأبو الخَطّابِ، أنَّه بمَنْزِلَةِ المَلّاحِ.
وليس بصَحِيح؛ لأنَّه مُسافِرٌ مَشْقُوقٌ عليه فكانَ له القَصْرُ كغيرِه، ولا يَصِحُّ قِياسُه على المَلّاحِ؛ فإنَّ المَلّاحَ في مَنْزِلِة سَفَرًا وحَضَرًا معه مَصالِحُه وتَنُّورُه وأهْلُه، لا يَتَكَلَّفُ لحَمْلِه، وهذا لا يُوجَدُ في غيره.
وإن سافَرَ هذا بأهْله كان أشَقَّ عليه وأبلغ في اسْتِحْقاقِ التَّرَخُّص، فأُبِيحَ له؛ لعُمُومِ النُّصُوصِ، وليس هو في مَعْنَى المَخْصُوصِ، فوَجَبَ القَوْلُ بثُبُوت حُكْمِ النَّصِّ فيه.
فَصْلٌ في الجَمْعِ
608 -
مسألة: (يَجُوزُ الجَمْعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والعِشاءَيْن في
..................................
وَقْتِ إحْداهُما لثَلَاثةِ أُمُورٍ؛ السَّفَرِ الطَّوِيلِ) الجَمْعُ بينَ الصلَاتيْن في السَّفَرِ في وَقْتِ إحْداهُما جائِزٌ في قَوْلِ أكثَرِ أهْلِ العِلْمِ.
رُوِىَ ذلك عن سَعْدٍ، وسعيدِ بنِ زَيْدٍ، وأسامَةَ، ومُعاذِ بنِ جَبَل، وأبى موسى، وابنِ عباسٍ، وابنِ عمرَ.
وبه قال عِكْرِمَةُ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعىُّ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ، وجماعَةٌ غيرُهم.
وقال الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وأصَحابُ الرَّأْى: لا يَجُوزُ الجَمْعُ إلَّا في يَوْمِ عَرَفَةَ بعَرَفَةَ 1، ولَيْلَةِ مُزْدَلِفَةَ بها.
وهو رِوايَة عن ابنِ القاسِمِ عن مالكٍ واختِيارُه.
واحْتَجُّوا بأن المَواقِيتَ ثَبَتَتْ بالتَّواتُرِ، فلا يَجْوزُ تَرْكُها بخَبَرِ الواحِدِ.
ولَنا، ما رُوِىَ عن ابنِ عمرَ، أنه كان إذا جَدَّ به السيرُ جَمَع بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ، ويَقُولُ: إنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا جَدَّ به السَّيْرُ جَمَع بينَهما.
وعن أنَسٍ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا ارْتَحَلَ قبلَ أن تَزِيغ الشَّمْسُ أخَّرَ الظُّهْرَ إلى وَقْتِ العَصْرِ، ثم نَزَل فجَمَعَ بينَهما، وإن زاغَتِ الشَّمْسُ قبلَ أن يَرْتَحِلَ،
..................................
صَلَّى الظهْرَ ثم رَكِب.
مُتَّفَقٌ عليهما 1. ولمسلمٍ، كان إذا عَجِل عليه السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلى وَقْتِ العَصْرِ، فيَجْمَعُ بينَهما، ويُؤَخرُ المَغْرِبَ حتى يَجْمَعَ بينَها وبينَ العِشاءِ حينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ 2. وروَى الجَمْعَ مُعاذٌ، وابنُ عباسٍ.
وقَوْلُهم: لا نَتْرُكُ الأخْبارَ المُتَواتِرَةَ لأخْبارِ الآحادِ.
قُلْنا: لا نَتْرُكُها، وإنَّما نُخصِّصُها وتَخْصِيصُ المُتَواتِرِ بالخَبَرِ الصَّحِيح جائِزٌ
..................................
بالإِجْماعِ، وهذا ظاهِرٌ جِدًّا.
فإن قِيلَ: مَعْنَى الجَمْعِ في الأخْبارِ أن يُصَلِّىَ الأُولَى في آخِرِ وَقْتِها، والأُخْرَى في أوَّلِ وَقْتِها.
قُلْنا: هذا فاسِدٌ لوَجْهَيْن؛ أحَدُهما، أنَّه قد جاء الخَبَرُ صَرِيحًا في أنَّه كان يَجْمَعُهما في وَقْتِ الثّانِيَةِ على ما ذَكَرْنا في خَبَرِ أنَسٍ.
الثّانِى، أنَّ الجَمْعَ رُخْصَةٌ، فلو كان على ما ذَكَرُوه لكان أشَدَّ ضَيْقًا، وأعْظَمَ حَرَجًا مِن الإِتْيانِ بكلِّ صلاةٍ في وَقْتِها؛ لأنَّ ذلك أوْسَعُ مِن مُراعاةِ طَرَفَى الوَقتَيْنِ، بحيث لا يَبْقَى مِن وَقتِ الأُولَى إلَّا قَدْرُ فِعْلِها، ومَن تَدَبَّرَ هذا وَجَدَه كما وَصفْنا, ولو [كان الجَمْعُ هكذا] 1، لجازَ الجَمْعُ بينَ 2 العَصْرِ والمَغْرِبِ، والعِشاءِ والصُّبْحِ، وهو مُحَرَّمٌ بالإِجْماعِ، فإذا حُمِلَ خَبَرُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- على الأمْرِ السّابِقِ إلى الفَهْمِ منه، كان 3 أوْلَى مِن هذا التَّكَلُّفِ الذى يُصانُ عنه كَلامُ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
وَالْمَرَضِ الَّذِى يَلْحَقُهُ [بِتَرْكِ الْجَمْعِ] (1) فِيهِ مَشَقَّةٌ وَضَعْفٌ،
فصل: وإنَّما يَجُوزُ الجَمْعُ في السَّفَرِ الذى يُبِيحُ القَصْرَ.
وقال مالكٌ، والشافعىُّ، في أحَدِ قَولَيْه: يَجُوزُ في السَّفَرِ القَصِيرِ؛ لأنَّ أهْلَ مَكَّةَ يَجْمَعُون بعَرَفَةَ ومُزْدَلِفَةَ، وهو سَفَرٌ قَصِيرٌ.
ولَنا، أنَّه رُخْصَةٌ ثَبَتَتْ لدَفْعِ المَشَقَّةِ في السَّفَرِ، فاخْتَصَّتْ بالطَّوِيلِ، كالقَصْرِ والمَسْحِ ثَلاثًا؛ ولأنَّ دَلِيلَ الجَمْعِ فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، والفِعْلُ لا صِيغَةَ له، وإنَّما هو قَضِيَّةٌ في عَيْنٍ، فلا يَثْبُت حُكْمُها إلَّا في مِثْلِها, ولم يُنْقَلْ أنه جَمَع إلَّا في سَفَرٍ طَوِيلٍ.
609 -
مسألة: (والمَرَضِ الذى يَلْحَقُه بتَرْكِ الجَمْعِ فيه مَشَقَّةٌ
1
..................................
وضَعْفٌ) نَصَّ أحمدُ على جَوازِ الجَمْعِ للمَرِيض، ورُوِىَ عنه التَّوَقُّفُ فيه، وقال: أهابُ ذلك.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
وهذا قولُ عطاءٍ، ومالكٍ.
وقال أصحابُ الرأىِ، والشافعىُّ: لا يَجُوزُ؛ لأنَّ أخْبارَ التَّوْقِيتِ 1 ثابتَةٌ، فلا تُتْرَكُ بأمْرٍ مُحْتَمِلٍ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: جَمَع رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ الظّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ، مِن غيرِ خَوْفٍ ولا مَطرٍ.
وفى رِوايَةٍ: مِن غيرِ خَوْفٍ ولا سَفَرٍ.
رَواهما مسلمٌ 2. وقد أجْمَعْنا على أنَّ الجَمْعَ لا يَجُوزُ لغيرِ عُذْرٍ، ثَبَت أنَّه كان لمَرَضٍ.
وقد رُوِىَ عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّه قال في هذا الحَدِيثِ: هذا عندِى رُخْصَةٌ للمَرِيضِ والمُرْضِع.
وقد ثَبَت أن النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أمَرَ سَهْلَةَ بنتَ سهَيْلٍ، وحَمْنَةَ بنتَ جَحْشٍ، لَمّا كانَتا مُسْتَحاضَتَيْن بتَأخِيرِ الظُّهْرِ وتَعْجِيلِ العَصْرِ، والجَمْعِ بينَهما 3.
..................................
فأباحَ الجَمْعَ لأجْلِ الاسْتِحاضَةِ.
وأخْبارُ المَواقِيتِ مَخْصُوصَةٌ بالصُّوَرِ المُجْمَع على جَوازِ الجَمْعِ فيها، فنَخُصُّ مَحَلَّ النِّزاعِ بما ذَكَرْنا.
فصل: والمَرَضُ المُبِيحُ للجَمْع هو ما يَلْحَقُه بتَرْكِه مَشَقَّةٌ وضَعْفٌ.
قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: المَرِيضُ يَجْمَعُ بينَ الصَّلَاتيْن؟ قال: إنِّى لأرْجُو ذلك إذا ضَعُف.
وكذلك الجَمْعُ، للمُسْتَحاضَةِ، ولمَن به سَلَسُ البَوْلِ، ومَن في مَعناهما 1؛ لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
وَالْمَطرَ الَّذِى يَبُل الثيابَ، إِلَّا أنَّ جَمْعَ الْمَطَرِ يَخْتَصُّ الْعِشَاءَيْنِ، في أصَحِّ الْوَجْهَيْنِ.
610 - مسألة: (والمَطَرِ الذى يَبُلُّ الثِّيابَ، إلَّا أنَّ جَمْعَ المَطَرِ يَخْتَصُّ بالعِشاءَيْن، في أصَحِّ الوَجْهَيْن)
يَجُوزُ 1 الجَمْعُ في المَطَرِ بينَ العِشاءَيْن.
يُرْوَى ذلك عن ابنِ عمرَ.
وفَعَلَه أبانُ بنُ عُثمانَ في أهْلِ المَدِينَةِ.
وهو قولُ الفُقَهاءِ السَّبعَةِ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ، وإسْحاقَ.
..................................
ويُرْوَى عن مَرْوانَ، وعمرَ بنِ عبدِ العزيزِ.
ولم يُجَوِّزْه أصحابُ الرَّأْى.
والدَّلِيلُ على جَوازِه، أنَّ أَبا سَلَمَةَ بنَ عبدِ الرحمنِ قال: إنَّ مِن السُّنَّةِ إذا كان يَوْمٌ مَطِيرٌ أن يُجْمَعَ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ.
رَواه الأثْرَمُ.
وهذا يَنْصَرِفُ إلى سُنَّةِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- وقال نافِعٌ: إنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ كان يَجْمَعُ إذا جَمَع الأمَراءُ بينَ المَغْرِبِ والعِشاءِ 1. وفَعَلَه أبانُ بنُ عثمانَ في أهْلِ المَدِينَةِ وفيهم عُرْوَةُ بنُ الزُّبَيْرِ، وأبو سَلَمَةَ وأبو بكرِ بنُ عبدِ الرحمنِ.
ولا يُعْرَفُ لهم مُخالفٌ، فكان إجْماعًا.
رَواه الأثْرَمُ 2.
فصل: والمَطَرُ المُبيحُ للجَمْعِ هو ما يَبُلُّ الثِّيابَ، وتَلْحَقُ المَشَقَّةُ بالخُرُوجِ فيه.
فأمّا الطَّلُّ، والمَطر الخَفِيفُ [الذى لا يَبُلُّ الثِّيابَ] 3 فلا يُبِيحُ؛ لعَدَمِ المَشَقَّةِ، والثَّلْجُ والبَرَدُ في ذلك كالمَطَرِ؛ لأنَّه في مَعْناه.
..................................
فصل: فأمّا الجَمْعُ بينَ الظّهْرِ والعَصْرِ، لأجْلِ المطر فالصَّحِيحُ أنَّه لا يَجُوزُ.
قال الأثْرَمُ: قِيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: الجَمْعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في المَطرَ؟ قال: لا، ما سَمِعْتُه.
وهذا اخْتِيارُ أبى بكرٍ، وابنِ حامِدٍ.
وقولُ مالكٍ.
وقال أبو الحسنِ التَّمِيمِىُّ: فيه قَوْلان؛ أحَدُهما، يَجُوزُ.
اخْتارَه القاضى، وأبو الخَطَّابِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعىِّ؛ لِما روَى يحيى بنُ واضِحٍ، عن موسى بنِ عُقْبَةَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع في المَدِينَةِ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ في المَطرَ 1. ولأنَّه مَعْنًى أباحَ الجَمْعَ، فأباحَه بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، كالسَّفَرِ.
ولَنا، أنَّ مُسْتَنَدَ الجَمْع ما ذَكَرْنا مِن قولِ أبى سَلَمَةَ، والإِجْماعِ، ولم يَرِدْ إلَّا في المَغْرِبِ والعِشَاءِ، وحَدِيثُهم لا يَصِحُّ، فإنَّه غيرُ مَذْكُورٍ في الصِّحاحِ والسُّنَنَ.
وقولُ أحمدَ: ما سَمِعْتُ.
يَدُلُّ على أنَّه ليس بشئٍ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على المَغْرِبِ والعِشاء؛ لِما بينَهما مِن المَشَقَّةِ لأجْلِ الظُّلْمَةِ، ولا القِيَاسُ على السَّفَرِ؛ لأنَّ مَشَقَّتَه لأجْلِ السَّيْرِ وفَواتِ الرُّفْقَةِ، وهو غيرُ مَوْجُودٍ ههُنا.
وَهَلْ يَجُوزُ لأجْلِ الْوَحْلِ، أَو الرِّيِحِ الشَّدِيدَةِ الْبَارِدَةِ، أَوْ لِمَنْ يُصَلِّى في بَيْتِهِ، أَو فِى مَسْجِدٍ طَرِيقُهُ تحْتَ سَابَاطٍ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
611 - مسألة: (وهل يَجُوزُ ذلك لأجْلِ الوَحْلِ، أو الرِّيحِ الشَّدِيدَةِ الباردَةِ، أو لمَن يُصَلِّى في بَيْتِه، أو في مَسْجِدٍ طَرِيقه تَحْتَ سَابَاطٍ 1؟ على وَجْهَيْن) اخْتَلَفَ أصْحابُنا في الوَحْلِ بمُجَرَّدِه، فقال القاضى: قال أصحابُنا: هو عُذْرٌ يُبِيحُ الجَمْعَ؛ لأنَّ المَشَقَّةَ تَلْحَقُ بذلك في الثِّيابِ والنِّعَالِ، كما تَلْحَقُ بالمَطرَ. وهو قولُ مالكٍ. وذَكَر أبو الخَطَّابِ فيه وَجْهًا
..................................
ثانِيًا، أنَّه لا يُبِيحُ.
وهو قولُ الشافعىِّ؛ لأنَّ مَشَقَّتَه 1 دُونَ مَشَقَّةِ المطَرِ، فلا يَصِحُّ قِياسُه عليه.
قال شيخُنا 2: والأوَّلُ أَصَحُّ؛ لأنَّ الوَحْلَ يُلَوِّثُ الثِّيابَ والنِّعالَ، ويُعَرضُ الإِنْسانَ للزَّلَقِ 3، فيَتَأذَّى نَفْسُه وثِيابُه، وذلك أعْظَمُ ضَرَرًا مِن البَلَلِ، وقد سَاوَى المَطرَ في العُذْرِ في تَرْكِ الجُمُعَةِ والجَماعَةِ، فدَلَّ على تَسَاوِيهما في المَشَقَّةِ المَرْعِيَّةِ في الحُكْمِ.
فصل 4: فأمَّا الرِّيحُ الشَّدِيدَةُ، في اللَّيْلَةِ البارِدَةِ، ففيها وَجْهان؛
..................................
أحَدُهما، يُبِيحُ الجَمْعَ.
قال الآمِدِىُّ: وهو أَصَحُّ.
يُرْوَى عن عمرَ بن عبدِ العزِيزِ؛ لأنَّ ذلك عُذْرٌ في تَرْكِ الجُمُعَةِ والجمَاعَةِ، بدَلِيلِ ما روَى محمدُ ابنُ الصَّبّاحِ، حدَّثنا سُفْيانُ، عن أيُّوبَ، عن نافِعٍ، عن ابنِ عمرَ: قال: كان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يُنَادِى مُنادِيه في اللَّيْلَةِ المَطِيرَةِ، واللَّيْلَةِ البارِدَةِ ذاتِ الرِّيِحِ: «صَلُّوا في رِحَالِكُمْ» رَواه ابنُ ماجه 1. والثَّانِى، لا يُبِيحُه؛ لأنَّ مَشَقَّتَه دُونَ مَشَقَّةِ المَطرَ، فلا يَصِحُّ القِياسُ، ولأنَّ مَشَقَّتَها مِن غيرِ جِنْسِ مَشَقَّةِ المَطرَ، ولا ضابِطَ لذلك يَجْتَمِعان فيه، فلم يَصِحَّ الإِلحاقُ.
فصل: وهل يَجُوزُ الجَمْعُ لمُنْفَرِدٍ، أو لمَن طرِيقُه تحتَ سَابَاطٍ يَمْنَعُ وُصُولَ المطرَ إليه، أو مَن كان مُقامُه في المَسْجِدِ، أو لمَن يُصَلِّى في بَيْتِه؟ على وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، الجَوازُ.
قال القاضى: وهو ظاهِرُ كَلامِ أحمدَ؛
..................................
لأنَّ الرُّخْصَةَ العامَّةَ يَسْتَوِى فيها حالُ وُجُودِ المَشَقَّةِ وعَدَمِها، كالسَّفَرِ، وكإباحَةِ السَّلَمِ في حَقِّ مَن ليس له إليه حاجَةٌ، [وإِباحَةِ اقْتِناءِ] 1 الكَلْبِ للصَّيْدِ والماشِيَةِ لمَن لا يَحْتاجُ إليها.
وقد رُوِيَ أنَّه عليه السَّلامُ جَمَع في مَطرَ وليس بينَ حُجْرَتِه ومَسْجِدِه شئٌ.
والثَّانِى، المَنْعُ.
اخْتارَه ابنُ عَقِيل؛ لأنَّ الجَمْع لأجْلِ المَشَقَّةِ, فاخْتَصَّ بمَن تَلْحَقُه المَشَقَّةُ، [كالرُّخْصَة في التَّخَلُّفِ عن الجُمُعَةِ والجَماعَةِ] 2، دُونَ مَن لا تَلْحَقُه، كمَن في الجامِعِ والقَرِيبِ منه.
وَيَفْعَلُ الْأَرْفَقَ بِهِ؛ مِنْ تَأْخِيرِ الأُولَى إِلَى وَقْتِ الثَّانِيَةِ، أوْ تَقْدِيم الثَّانِيَةِ إِلَيْهَا.
612 - مسألة: (ويَفْعَلُ الأرْفَقَ به؛ مِن تَأْخِيرِ الأُولَى إلى وَقْتِ الثّانِيَةِ، أو تَقْدِيمِ الثّانِيَةِ إليها)
هذا هو الصَّحِيحُ مِن المذْهَبِ، وعليه أكثرُ الأصْحابِ، وهو أنَّ المُسافِرَ مُخَيَّرٌ في الجَمْعِ بينَ التَّقْدِيمِ والتَّأْخِير.
وظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ أَنَّه لا يَجُوزُ الجَمْع إلَّا إذا كان سائِرًا في وَقْتِ الأُولَى، فيُؤَخِّرُها إلى وَقْتِ الثَّانِيَةِ.
وهي رِوايَةٌ عن أحمدَ.
ويُرْوَى ذلك عن سعدٍ، وابنِ عمرَ، وعِكْرِمَةَ، أخْذًا بحَدِيثَى ابنِ عمرَ وأنَسٍ الصَّحِيحَيْن.
وقال القاضى: هذه الرِّوايَةُ هى الفَضِيلَةُ والاسْتِحْبابُ، وإن جَمَع بينَهما في وَقْتِ الأُولَى، جاز، نازِلًا كان أو سائِرًا، أوْ مُقِيمًا في بَلَدٍ إقامَةً لا تَمْنَعُ القَصْرَ.
وهذا قَوْلُ عطاءٍ، وأكثرِ عُلماءِ المَدِينَةِ،
..................................
والشافعىِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لِما روَى مُعاذٌ، قال: خَرَجْنا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فكان إذا ارْتَحَلَ قبلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أخَّرَ الظُّهْرَ حتَّى يَجْمَعَها إلى العَصْرِ، فيُصَلِّيَهما جَمِيعًا، وإذا ارْتحَلَ بعدَ زَيْغ الشَّمْسِ، صَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثم سار، وإذا ارْتَحَلَ قبلَ المَغْرِبِ أخَّرَ المَغْرِبَ حتَّى يُصَلِّيَها مع العِشاءِ، وإذا ارْتَحَلَ بعدَ المَغْرِبِ عَجَّلَ العِشَاءَ، فَصَلَّاهَا مع المَغْرِبِ.
رَواه أبو داودَ، والتِّرمِذِىُّ 1، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ.
وروَى مالكٌ في «المُوَطَّأِ» 2، عن أبى الزُّبَيْرِ، عن
..................................
أبى الطُّفَيْلِ، أنَّ مُعاذًا أخْبَرَهُ، أنَّهم خَرَجُوا مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- في غَزْوَةِ تَبُوكَ، فكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَجْمَعُ بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاءِ.
قال: فأخَّرَ الصلاةَ يَوْمًا، ثم خَرَج فَصَلَّى الظُّهْرَ والعَصْرَ جَمِيعًا ثم دَخَل، ثمَّ خَرَج فصَلَّى المَغْرِبَ والعِشاءَ جَمِيعًا.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: هذا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثابِتُ الإِسْنادِ.
وفى هذا الدَّليلِ أوْضَحُ الدَّلائلِ في الرَّدِّ على مَن قال: لا يَجْمَعُ بينَ الصَّلَاتيْن إلَّا إذا جَدَّ به السَّيْرُ؛ لأنَّه كان يَجْمَعُ وهو نازِلٌ غيرُ سائِرٍ، ماكِثٌ في خِبائِه، يَخْرُجُ فيُصَلِّي الصَّلَاتيْن جَمِيعًا، فتَعَيَّنَ الأَخْذُ بهذا الحديثِ، لثُبُوتِه وكَوْنِه صَرِيحًا في الحُكْمِ مِن غيرِ مُعارِضٍ له، ولأنَّ الجَمْعَ رُخْصَةٌ مِن رُخَصِ السَّفَرِ، فلم يَخْتَصَّ بحالَةِ السَّيْرِ، كالقَصْرِ والمَسْحِ ثَلاثًا، لكنَّ الأفْضَلَ التَّأْخِيرُ؛ لأنَّه أحْوَطُ، وفيه خُرُوجٌ مِن الخِلافِ عندَ القائِلِينَ بالجَمْعِ، وعَمَلٌ بالأحادِيثِ كُلِّها.
..................................
فصل: والمَرِيضُ مُخيَّرٌ في التَّقْدِيمِ والتَّأْخِيرِ، كالمُسافِرِ.
فإنِ اسْتَوَى عندَه الأمْرانِ، فالتَّأْخِيرُ أفْضَلُ؛ لِما ذَكَرْنا في المُسافِرِ.
فأمَّا الجَمْعُ للمَطرِ فإنَّما يُفْعَلُ في وَقْتِ الأُولَى؛ لأنَّ السَّلَفَ إنَّما كانوا يَجْمَعُونَ في وَقْتِ الأُولَى، ولأنَّ تأْخِيرَ الأُولَى إلى وَقْتِ الثَّانيةِ يُفْضِى إلى المَشَقَّةِ بالانْتِظارِ، والخُرُوجِ في الظُّلْمَةِ، ولأنَّ العادَةَ اجْتِماعُ النَّاسِ للمَغْرِبِ، فإذا حَبَسَهم في المَسْجِدِ ليَجْمَعَ بينَ الصلاتَيْنِ في وَقْتِ الثَّانِيَةِ، كان أشَقَّ مِن أنْ يُصَلِّىَ كلَّ صلاةٍ في وَقْتِها.
وإنِ اخْتارَ تَأْخيرَ الجَمْعِ، جاز.
والمُسْتَحَبُّ أن يُؤَخِّرَ الأُولَى عن أوَّلِ وَقْتِها شيئًا.
قال أحمدُ: يَجْمَعُ بينَهما، إذاْ اخْتَلَطَ الظَّلامُ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، كذا 1 فَعَلَ ابنُ عمرَ.
قيلَ لأبى عبدِ اللَّه: فكَأنَّ سُنَّةَ الجَمْعِ بينَ الصَّلاتَيْن في المَطرِ عندَك أن يَجْمَعَ قبلَ أن يَغِيبَ الشَّفَقُ، وفى السَّفَرِ 2 أن يُؤخِّرَ حتَّى يَغِيبَ الشَّفَقُ؟ قال: نعم.
فصل: ولا يَجُوزُ الجَمْعُ لغيرِ مَن ذَكَرْنا.
وقال ابنُ شُبْرُمَة: يَجُوزُ
وَلِلْجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى ثَلَاثَةُ شُرُوطٍ؛ نِيَّةُ الْجَمْعِ عِنْدَ إِحْرَامِهَا،
إذا كانت حاجةٌ أو شئٌ، ما لم يَتَّخذْه عادَةً؛ لحديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جَمَع بينَ الظُّهْرِ والعَصْرِ، والمَغْرِبِ والعِشاء مِن غيرِ خَوْفٍ ولا مَطرٍ.
فقِيلَ لابنِ عباسٍ: لم فَعَل ذلك؟ قال: أَرادَ أَن لا يُحْرِجَ أُمَّتَه (1). ولَنا، عُمُومُ أخْبارِ المَواقِيتِ، وحَدِيثُ ابنِ عباسٍ مَحْمُولٌ على حالَةِ المَرَضِ، ويَجُوزُ أن يكونَ صَلَّى الأُولَى في آخِرِ وَقْتِها، والثَّانِيَةَ في أوَّلِ وَقْتِها، فإنَّ عمرَو بنَ دِينارٍ روَى هذا الحدِيثَ عن جابرِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ عَباسٍ، قال عمرو: قلتُ لجابِرٍ (2): يَا أبَا الشَّعْثَاءِ، أَظُنُّه أخَّرَ الظُّهْرَ وعَجَّلَ العَصْرَ، وأخَّرَ المَغْرِبَ وعَجَّلَ العِشاءَ.
قال: وأنا أظُنُّ ذلك (3).
613 -
مسألة: (وللجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى ثَلاثَةُ شُرُوطٍ؛ نِيَّةُ
123
وَيَحْتَمِلُ أنْ تُجْزِئَهُ النِّيَّةُ قَبْلَ سَلَامِهَا، وَأنْ لَا يُفَرِّقَ بَيْنَهُمَا إِلَّا بِقَدْرِ.
الإِقَامَةِ وَالْوُضُوءِ، فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهُمَا، بَطَلَ الْجَمْعُ، في إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ، وَأنْ يَكُونَ الْعُذْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاتيْنِ وَسَلَامَ الأُولَى
الجَمْعِ عندَ إحْرامِها، وَيحْتَمِلُ أن تُجْزِئَه النِّيَّةُ قبلَ سلامِها.
وأن لا يُفَرِّقَ بَيْنَهما إلَّا بقَدْرِ الإِقامَةِ والوُضُوءِ، فَإِنْ صَلَّى السُّنَّةَ بَيْنَهما، بَطَل الجَمْعُ، في إحْدَى الرِّوايتَيْن.
وأن يَكُونَ العُذْرُ مَوْجُودًا عِنْدَ افْتِتاحِ الصَّلاتَيْنِ وسَلامِ الأُولَى) نِيَّةُ الجَمْعِ شَرْطٌ لجَوازِه في المَشْهُورِ مِن المَذْهَبِ.
وقال أبو بكرٍ: لا يُشْتَرَطُ نِيَّةُ الجَمْعِ.
كقولِه في القَصْرِ، وقد ذَكَرْناه 1. والتَّفْرِيعُ على الأوَّلِ.
ومَوْضِعُ النِّيَّةِ إذا جَمَع في وَقْتِ الأُولَى عندَ الإِحْرامِ بها؛ لأنَّها نِيَّةٌ تَفْتَقِرُ إليها الصلاةُ، فاعْتُبِرَتْ عندَ الإحْرامِ، كنِيَّةِ القَصْرِ.
وفيه وَجْهٌ ثانٍ، أنَّ مَوْضِعَها [مِن أوَّلِ الصَّلاةِ الأُولَى] 2 إلى
..................................
سَلامِها، فمتى نَوَى قبلَ سَلامِ الأُولَى أجْزَأَه؛ لأنَّ مَوْضِعَ الجَمْعِ عندَ الفَراغِ مِن الأُولَى إلى الشُّرُوعِ في الثَّانِيَةِ، فإذا لم تَتَأَخَّرِ النِّيَّةُ عنه، أجْزَأَه ذلك.
ويُعْتَبَرُ أن لا يُفَرِّقَ بينَهما إلَّا تَفْرِيقًا يَسِيرًا.
والمَرْجِعُ في اليَسِيرِ إلى العُرْفِ والعادَةِ، وقَدَّرَه بعضُ أَصْحابِنا بقَدْرِ الوُضُوءِ والإِقامَةِ.
والصَّحِيحُ، أنَّه لا حَدَّ له؛ لأنَّ التَّقْدِيرَ بابُه التَّوقِيفُ، فما لم يَرِدْ فيه تَوْقِيفٌ فيُرْجَعُ فيه إلى العادَةِ، كالقَبْضِ والإِحْرازِ.
فإن فَرَّقَ بينَهما تَفْرِيقًا كَثِيرًا بَطَل الجَمْعُ، سَواءٌ فَعَلَه عَمْدًا أو لنَوْمٍ أو شُغْلٍ أو سَهْوٍ أو غيرِ ذلك؛ لأنَّ الشَّرْطَ لا يَثْبُتُ المَشْرُوطُ بدُونِه.
والمَرْجِعُ في الكَثِيرِ إلى العُرْفِ والعادَةِ كما قُلْنا في اليَسِيرِ.
ومتى احْتاجَ إلى الوُضُوءِ والتيَّمُّمِ فَعَلَه إذا لم
.................................. يَطُلْ.
..................................
وإن تَكَلَّمَ بكَلامٍ يَسِيرٍ لمِ يَبْطُلِ الجَمْعُ.
وإن صَلَّى بينَهما السُّنَّةَ بَطِل الجَمْعُ في الظَّاهرِ؛ لأنَّه فرَّقَ بَيْنَهما بصلاةٍ، فبَطَلَ الجَمْعُ، كما لو صَلّى بينَهما غيرَها.
وعنه، لا تَبْطُلُ؛ لأنَّه تَفْرِيقٌ يَسِيرٌ، أشْبَهَ الوُضُوءَ.
..................................
فصل: ويُعْتَبَرُ للجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى وُجُودُ العُذْرِ حالَ افْتِتاحِ الصَّلَاتيْن والفَراغِ مِن الأُولَى؛ لأنَّ افْتِتاحَ الأُولَى مَوْضِعُ النِّيَّةِ، وبافْتِتاحِ الثَّانِيَةِ يَحْصُلُ الجَمْعُ، فاعْتُبِرَ العُذْرُ في هَذَيْن الوَقتَيْن، فمتى زال العُذْرُ في أحَدِ هذه الثَّلاثَةِ لم يُبَحِ الجَمْعُ.
وإن زال المَطرُ في أثْناءِ الأُولَى، ثم عاد قبلَ تَمامِها، أو انْقَطَعَ بعدَ الإِحْرامِ بالثّانِيَةِ، جاز الجَمْعُ، ولم يُؤثِّرِ انْقِطاعُه؛ لأنَّ العُذْرَ وُجِدَ في وَقْتِ اشْتِراطِه، فلم يَضُرَّ عَدَمُه في غيرِه.
فأمَّا المُسافِرُ إذا نَوَى الإِقامَةَ في أثْناءِ الصَّلاةِ الأُولَى انْقَطَعَ الجَمْعُ والقَصْرُ، ولَزِمَهُ الإِتْمامُ.
فلو عاد فنَوَى السَّفَرَ، لم يُبَحْ له التَّرَخُّصُ حتَّى يُفارِقَ البَلَدَ الذى هو فيه.
وإن نَوَى الإِقامَةَ بعدَ الإِحْرامِ بالثَّانِيَةِ، أو دَخَلَتْ به السَّفِينَةُ البَلَدَ في أثْنائِها، احْتَمَلَ أنَ يُتِمَّها، ويَصِحُّ قِياسًا على انْقِطاعِ المَطرَ.
قال بعضُ أصحابِ الشَّافعىّ: هذا الذى يَقْتَضِيه مَذْهَبُ
..................................
الشافعىِّ.
واحْتَمَلَ أن تَنْقَلِبَ نَفْلًا، ويَبْطُل الجَمْعُ؛ لأنَّه أحَدُ رُخَصِ السَّفَرِ، فبَطَلَ بذلك، كالقَصْرِ والمَسْحِ، ولأنَّه زال شَرْطها في أثْنائِها، أشْبَهَ سائِرَ شُرُوطِها.
ويُفارِقُ انْقِطاعَ المَطرَ مِن وَجْهَيْنِ؛ أحَدُهما، أنَّه لا يَتَحَقَّقُ انْقِطاعُه، لاحْتِمالِ عَوْدِه في أثْناءِ الصَّلاةِ.
والثَّانِى، أنَّه يَخْلُفُه عُذْرٌ مُبِيحٌ، وهو الوَحْلُ، بخِلافِ مَسْأَلتِنا.
وهكذا الحُكْمُ في المَرِيضِ يَزُولُ عُذْرُه في أثْناءِ الصَّلاةِ الثَّانِيَةِ.
فأمَّا إن لم يَزُلَ العُذْرُ إلَّا بعدَ الفَراغِ مِن الثَّانِيَةِ قبلَ دُخُولِ وَقْتِها، صَحَّ الجَمْعُ، ولم يَلْزَمْه إعادَةُ الثَّانِيَةِ في وَقْتِها؛ لأنَّ الصلاةَ وَقَعَت صَحِيحَةً مُجْزِئَةً مُبْرِئَةً للذِّمَّةِ، فلم تَشْتَغِلِ الذِّمَّةُ بها بعدَ ذلك، كالمُتَيَمِّمِ إذا وَجَد الماءَ في الوَقْتِ بعدَ فَراغِه مِن الصَّلاةِ.
فصل: وإذا جَمَع في وَقْتِ الأُولَى، فله أن يُصَلِّى سُنَّةَ الثَّانِيَةِ منهما،
وَإنْ جَمَعَ في وَقْتِ الثَّانِيَةِ كَفَاهُ نِيَّةُ الْجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، مَا لَمْ يَضِقْ عَنْ فِعْلِهَا، واسْتِمْرَارُ الْعُذْرِ إِلَى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا، ويُوتِرَ قبلَ دُخُولِ الثَّانِيَةِ؛ لأنَّ سُنَّتَهَا تابِعَةٌ لها، فَتَتْبَعُها في فِعْلِها ووَقْتِها، ولأنَّ الوِتْرَ وَقْتُه ما بينَ صلاةِ العِشاءِ والصُّبْحِ، وقد صَلَّى العِشاءَ، فدَخَلَ وَقْتُه.
614 -
مسألة: (وإن جَمَع في وَقْتِ الثَّانيةِ كَفَاهُ نِيَّةُ الجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، ما لم يَضِقْ عن فِعْلِها، واسْتِمْرارُ العُذْرِ إلى دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ
وَلَا يُشْتَرَطُ غَيْرُ ذَلِكَ.
منهما, ولا يُشْتَرَطُ غيرُ ذلك) متى جَمَع في وَقْتِ الثَّانيةِ، فلا بُدَّ من نِيَّةِ الجَمْعِ في وَقْتِ الأُولَى، فمَوْضِعُ النِّيَّةِ في وَقْتِ الأُولَى من أوَّلِه إلى أن يَبْقَى منه قَدْرُ ما يُصَلِّيها، هكذا ذَكَرَه أصحابُنا؛ لأنَّه متى أخَّرَها عن ذلك بغيرِ نِيَّةٍ صارَتْ قَضاءً لا جَمْعًا, ولأنَّ تأْخِيرَها عن القَدْرِ الذى يَضِيقُ عن فِعْلِها حَرامٌ.
قال شيخُنا 1: ويَحْتَمِلُ أن يكونَ وَقْتُ النِّيَّةِ أن يَبْقَى منه قَدْرُ ما يُدْرِكُها به، وهو رَكْعَةٌ، أو تَكْبِيرَةٌ، على ما ذَكَرْنا مُتَقَدِّمًا.
ويُعْتَبَرُ بَقاءُ العُذْرِ إلى حينِ دُخُولِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ، فإن زال في وَقْتِ الأُولَى،
.................................. كالمَرِيضِ يَبْرَأُ، والمُسافِرِ يَقْدَمُ، والمَطرَ يَنْقَطِعُ، لم يُبَح الجَمْعُ لزَوالِ سَبَبِه، وإنِ اسْتَمَرَّ إلى وَقْتِ الثَّانِيَةِ جَمَع وإن زال العُذْرُ؛ لأنَّهما صارَتا واجِبَتَيْن في ذِمَّتِه، فلا بُدَّ له مِن فِعْلِهما 1. فصل: ولا تُشْتَرَطُ المُواصَلَةُ بينَهما إذا جَمَع في وَقْتِ الثَّانِيَةِ؛ لأنَّه متى صلَّى الأُولَى، فالثّانِيَةُ في وَقْتِها لا يَخرُجُ بتَأْخِيرِها عن كَوْنِها مُؤَدّاةً.
..................................
وفيه وَجْهٌ، أنَّ المُواصَلَةَ مُشْتَرَطَةٌ؛ لأنَّ حَقِيقَةَ الجَمْعِ ضَمُّ الشَّىْءِ إلى الشئِ، ولا يَحْصُلُ مع التَّفْرِيقِ.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّ الأُولَى بعدَ وُقُوعِها صَحِيحَةً لا تَبْطُلُ بشئٍ يُوجَدُ بعدَها، والثَّانِيَةُ لا تَقَعُ إلَّا في وَقْتِها.
فصل: وإذا صَلَّى إحْدَى صَلاتَى الجَمْعَ مع الإِمامَ، والثّانِيَةَ مع إمامٍ آخَرَ، أو صَلَّى معه مَأْمُومٌ في إحْدَى الصلاتَيْن، وصَلَّى معه في الثّانِيَةِ مَأْمُومٌ آخَرُ، صَحَّ.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: لا يَصِحُّ؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ مِن الإِمام والمَأْمُومِ أحدُ مَن يَتِمُّ به الجَمْعُ، فاشْتُرِطَ دَوامُه 1، كالعُذْرِ.
ولَنا، أنَّ لكلِّ صلاةٍ حُكْمَ نَفْسِها، وهي مُنْفَرِدَةٌ بنِيَّتِها، فلم يُشْتَرَطِ اتَّحادُ الإِمامِ والمَأْمُومِ، كغيرِ المَجْمُوعَتَيْن.
وقولُه: إنَّ الإمامَ والمَأْمُومَ أحَدُ مَن يَتِمُّ به الجَمْعُ.
لا يَصِحُّ في المُسافِرِ والمَرِيضِ؛ لجَوازِ الجَمْعِ لكلِّ واحِدٍ منهما مُنْفَرِدًا، وفى المَطَرِ في أَحَد الوَجْهَيْن.
وإن قُلْنا: إنَّ الجَمْعَ في المَطرَ لا يَجُوزُ للمُنْفَرِدِ.
فالذي يَتِمُّ به الجَمْعُ الجَماعَةُ، لا عَيْنُ الإِمامِ والمَأْمُومِ، ولم تَخْتَلَّ الجماعةُ.
وعلى ما قُلْنا، لو ائْتَمَّ المَأْمُومُ بإمامٍ 2 لا يَنْوِي الجَمْعَ ونَواهُ المَأْمُومُ 3، فلَمَّاْ سَلَّمَ الإِمَامُ صَلَّى المأْمُومُ الثّانِيَةَ،
..................................
جازَ؛ لأنَّنا أبَحْنا له مُفارَقَةَ إمامِه في الصَّلاةِ الواحِدَةِ لعُذْرٍ، ففي الصَّلاتَيْنِ أَولَى، وإنَّما نَوَى أن يَفْعَلَ في غيرِها، فلم يُؤَثِّرْ، كما لو نَوَى المُسافِرُ في الأُولَى إتْمامَ الثانِيَةِ، فلم تَخْتَلِفْ نِيَّتهما في الصّلاةِ الأُولَى.
وهكذا لو صَلَّى المُسافِرُ بِمُقِيمِينَ، ونَوَى الجمْعَ، فلَمَّا صَلَّى بهم الأُولَى قام فصَلَّى الثانِيَةَ، جازَ.
وهكذا لو صَلَّى إحْدَى صَلاتَى الجَمْع مُنْفَرِدًا، ثم حَضَرَتْ جماعَةٌ يُصَلُّونَ الثانيةَ، فأمَّهُم فيها، أو صَلَّى 1 معهم مَأْمُومًا، جاز.
وقولُ ابنِ عَقِيلٍ يَقْتَضِى أن لا يَجُوزَ شئ مِن ذلك.
واللَّهُ أعلمُ.
فَصْلٌ في صَلَاةِ الْخَوْفِ قال المُصَنِّفُ رَحِمَه اللَّه
ُ: (فصلٌ في صلاةِ الخَوْفِ)
وهي جائِزَةٌ بالكِتابِ والسُّنَّةِ؛ أمَّا الكِتابُ، فقولُه تعالى: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ﴾ 1 الآية.
وأمّا السُّنَّةُ، فثَبَتَ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصَلِّى صلاةَ الخَوْفِ، وحُكْمُها باقٍ في قَوْلِ جُمْهورِ أهْلِ العِلْمِ.
وقال أبو يُوسُف: إنَّما كانت مُخْتَصَّةً بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، بدَلِيلِ قولِه سُبْحانَه: ﴿وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ﴾.
وما قاله غيرُ صَحِيحٍ؛ لأنَّ ما ثَبَت في حَقِّ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- ثَبَت في حَقِّنا ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ؛ لأنَّ اللَّه تعالى أمَرَنا باتِّباعِه، ولمّا سُئِل -صلى اللَّه عليه وسلم- عن القُبْلَةِ للصّائِمِ؟ أجاب بـ: «إنِّى أفْعَلُ ذلك».
فقال السّائِلُ: لَسْتَ مِثْلَنا، فغَضِبَ وقال: «إنِّى لَأرْجُو أنْ أكُونَ أخْشَاكُمْ لِلَّهِ، وَأعْلَمَكُمْ بِمَا أتَّقِى» 2. ولو اخْتَصَّ بفِعْلِه لَما حَصَل جَوابُ السّائِلِ بالإِخْبارِ بفِعْلِه، ولا غضِبَ مِن قَوْلِ السّائِلِ: لَسْتَ مِثْلَنا؛ لأنَّ قَوْلَه إذًا كان صَوابًا.
وقد كان أصْحابُ النَّبِىّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَحْتَجُّون بأفْعالِه، ويَرَوْنَها مُعارِضَةً لقَوْلِه وناسِخَةً له، ولذلك لمّا أخْبَرَتْ عائشةُ وأُمُّ سَلَمَةَ، بأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان يُصْبِحُ جُنُبًا مِن غيرِ احْتِلام، ثم يَغْتَسِلُ
..................................
ويَصُومُ ذلك اليَوْمَ 1. تَرَكُوا به خَبَرَ أبى هُرَيْرَةَ: «مَنْ أصْبَحَ جُنُبًا فَلَا صَوْمَ له» 2 ولمَّا ذَكَرُوا ذلك لأبى هُرَيْرَةَ، قال: هُنَّ أعْلَمُ، إنَّما حَدَّثَنِى به الفَضْلُ بنُ عباسٍ، ورَجَع عن قَوْلِه.
وأيضًا فإنَّ الصَّحابَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، أجْمَعُوا على صلاةِ الخَوْفِ، فصَلَّاها علىٌّ لَيْلَةَ الهَرِيرِ 3 بصِفِّينَ، وصَلّاها أبو مُوسى الأشْعَرِىُّ بأصْحابِه 4، ورُوِىَ أنَّ سَعيدَ 5 بنَ العاصِ كان أمِيرًا على الجَيْشِ بِطَبَرِستْانَ، فقالَ: أيُّكُم صَلَّى مع رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-
..................................
صلاةَ الخَوْفِ؟ فقال حُذَيْفَةُ: أنا.
فَقَدَّمَه، فصَلَّى بهم 1. فأمّا تَخْصِيصُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بالخِطابِ، فلا يُوجِبُ تَخْصِيصَه بالحُكْمِ؛ لِما ذَكَرْنا, ولأنَّ الصَّحابةَ أنْكَرُوا على مانِعِى الزَّكاةِ قَوْلَهم 2: إنَّ اللَّه تَعالَى خَصَّ نَبِيَّه يأخْذِ الزَّكاةِ.
بقَوْلِه: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً﴾ 3. فإن قِيلَ: فالنبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أخَّرَ الصلاةَ يَوْمَ الخَنْدَقِ, ولم يُصَلِّ.
قُلْنا: هذا 4 الاعْتِراضُ باطِلٌ في نَفْسِه؛ إذْ لا خِلافَ في أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان له أن يُصَلِّىَ صلاةَ الخَوْفِ، وقد أمَرَه اللَّهُ بها في كِتابِه، فلا يَجُوزُ الاحْتِجاجُ بما يُخالِفُ الكِتابَ والإِجْماعَ، وإنَّما كان ذلك قبلَ نُزُولِ صلاةِ الخَوْفِ، وإنَّما يُوخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ مِن أمْرِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
ويَحْتَمِلُ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-[أَخَّرَ الصلاةَ نِسْيانًا، فإنَّه رُوِىَ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- سَألَهُم عن صلاِتِهم، قالوا: ما صَلَّيْنا.
ورُوِىَ أنَّ عُمرَ، قال: ما صَلَّيْتُ العَصْرَ.
فقال النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «وَاللَّهِ مَا صَلَّيْتُهَا» 5. أو: كما جاءَ] 6. ومِمّا يَدُلُّ على ذلك أنَّه