ثُمَّ يَتَشَهَّدُ فَيَقُولُ: التَّحِياتُ لِلهِ والصَلَواتُ والطيباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النّبيُّ وَرَحمَةُ اللَهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبادِ اللهِ الصالِحِينَ، أَشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ.
- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُشِيرُ بإصبَعِه ولا يُحَرِّكُها.
رَواه أبو داودَ (1). وفي لَفْظٍ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قَعَد يَدعُو، وَضَع يَدَه اليُمْنَى على فَخِذِه اليُمْنَى، ويَدَه اليُسرى على فَخِذِه اليُسْرَى، وأشارَ بإصبَعِه (2). وعنه، أنَّه يَبْسُطُ الخِنْصِرَ والبنْصِرَ [كذلك.
والأولُ] (3) أوْلَى؛ لِما ذَكرنا مِن الأحادِيثِ.
وتكُونُ إشارَتُه بالسبابَةِ عندَ ذِكْر اللهِ تعالى.
422 -
مسألة: (ثمَّ يَتَشَهَّدُ فيَقُولُ: التَّحِياتُ للهِ، والصَلَواتُ
123
..................................
والطيباتُ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبِيّ ورَحمَةُ الله وِبَرَكاتُه، السلامُ علينا وعلى عِبادِ الله الصالِحِين، أشْهَدُ أن لا إلهَ إلَّا اللهُ، وأشْهَدُ أنَّ محمدًا عَبْدُه ورَسُولُه) هذا التشهُّدُ هو المُختارُ عندَ إمامِنا، رَحِمَه اللهَ، وعليه أكثَرُ أهلِ العلمِ مِن أصحابِ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- ومَن بَعْدَهم مِن التابِعِين.
[حَكاه الترمِذِي] 1. منهم الثَّوْرِيُّ، وإسحاقُ، وأصحابُ الرأيِ، وكثِيرٌ مِن أهلِ المَشْرِقِ.
وقال مالكٌ: أفْضَلُ التَّشَهُّدِ تَشَهُّدُ عُمَرَ بنِ الخَطّابِ، رَضِيَ اللهُ عنه: التحِيّاتُ للهِ، الزّاكِياتُ للهِ، [الصلَواتُ الطيباتُ لله] 2، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبِيّ ورَحمَةُ اللهِ وبَرَكاتُه 3. وسائِرُه كتَشَهُّدِ ابنِ مسعودٍ؛ لأنَّ عُمَرَ قاله على المِنْبَرِ بمَحضَر مِن الصحابَةِ وغيرِهم، فلم يُنْكَر، فكان إجْماعًا.
وقال الشافعيُّ: أفْضَلُه ما روَى [ابنُ عباس] 4، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعلّمُنا التشَهُّدَ كما يُعَلِّمُنا السُّورَةَ مِن القُرآنِ، فكان يقُولُ: «التحِيّاتُ الْمُبارَكاتُ، الصَّلَواتُ الطيباتُ لِلهِ، السَّلامُ عَليْكَ أيُّها النَّبِيُّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبادِ الله الصَّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا اللهُ، وَأشْهَدُ أنَّ مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
..................................
رَواه مسلمٌ 1. وفي لَفْظٍ: «سَلامْ عَلَيْك»، «سَلام علَيْنا».
رَواه الترمِذِي 2، وفيه: «وَأشْهَدُ أن مُحَمدًا رَسولُ الله».
ولَنا، ما روَى عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ، قال: عَلمَنِي رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- التشَهدَ، كَفِّي بينَ كَفَّيْه، كما يُعَلمُنِي السُّورَةَ مِن القُرآنِ: «التحِياتُ لِلهِ، والصلَوات والطَّيباتُ، السَّلامُ عَلَيْكَ أيُّها النَّبِيّ وَرَحمَةُ اللهِ وَبَرَكاتُهُ، السَّلامُ عَلَيْنا وَعَلَى عِبادِ الله الصّالِحِينَ، أشْهَدُ أنْ لا إلَهَ إلَّا الله، وأشْهَدُ أنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
وفي لَفْظٍ: «فَإذا صَلَّى أحَدُكُمْ، فَلْيَقُلِ: التَّحِياتُ لِله».
وفيه 3: «فَإذا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ، فَقَدْ سَلمْتُمْ عَلَى كُلِّ عَبْدٍ لِلهِ صالحٍ في السماءِ والأرضِ».
وفيه: «فَلْيَتَخَيَّر مِنَ الْمَسْألَةِ ما شاءَ».
مُتفَق عليه 4
..................................
قال الترمِذِيُّ 1: حديثُ ابنِ مسعودٍ قد رُوِي مِن غيرِ وَجْهٍ، وهو أصَحُّ حَدِيثٍ رُوىَ عن النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في التشَهُّدِ، وعليه أكْثَرُ أهلِ العلمِ.
فكان الأخْذُ به أوْلَى.
وقد رواه غيرُ 2 ابن مسعودٍ، ابنُ عُمَرَ 3، وجابِرٌ، وأبو هُرَيرةَ، وعائشة.
فأمّا حديثُ عُمَرَ، فإنَّما هو مِن قَوْلِه، وأكْثَرُ أهلِ العلمِ مِن الصَحابَةِ وغيرِهم على خِلافِه، فكيف يكُون إجْماعًا.
على أنَّ الخِلافَ هاهُنا ليس في الإجزاِءِ، إنما الخِلافُ في الأفْضَلِ والأحسَنِ، وتَشَهُّدُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الذي عَلْمَه أصحابَه أوْلَى وأحسَنُ.
وحَدِيثُ ابنِ عباس تَفَرُّدَ به، واخْتَلَفَ عنه 4 في بَعضِ ألْفاظِه، وحديثُ ابن مسعود أَصَحُّ وأكْثَرُ رُواةً، فكان أوْلَى.
فصل: وبأيِّ تشَهُّدٍ تَشَهَّدَ به مِما صَح عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، جاز.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا عَلَّمَه الصَّحابَةَ مُخْتَلِفًا، دَلَّ على جَوازِ الجَمِيع، كالقِراءاتِ المُخْتلِفَةِ التي اشْتَمَلَ عليها المصحَفُ.
قال القاضي: وهذا يَدُلُّ على أنَّه إذا أسْقَطَ لَفْظَة، هي ساقِطَةٌ في بَعض التشَهُّداتِ المَرويَّةِ، صَح تَشهدُه، فعلى هذا، أقَل ما يُجْزِئُ مِن التشَهدِ: = على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، من كتاب السهو.
المجتبى 2/ 189، 193، 3/ 34، 35، 43. وابن ماجه، في: باب ما جاء في التشهد، من كتاب إقامة الصلاة، وفي: باب خطبة النكاح، سنن كتاب النكاح.
سنن ابن ماجه 1/ 290، 609 - والإمام أَحْمد، في: المسند 1/ 376، 382، 413، 414، 422، 423، 428، 431، 437، 439، 440، 450، 459، 464.
هَذا التَّشَهُّدُ الْأَوَّلُ،
التَّحِيَّاتُ للهِ، السَّلامُ عليك أيُّها النَّبِيّ ورَحمَة اللهِ، السَّلامُ علينا وعلى عِبادِ الله الصالِحِين، أشْهَدُ أن لا إلَهَ إلَّا إلله، [وأشْهدُ أن] (1) محمدًا عَبْدُه وَرسُولُه، أو: أن محمدًا رسولُ اللهِ.
قُلْتُ (2): وفي هذا القَوْلِ نَظرٌ؛ فإنَّه (3) يَجُوزُ أن يُجْزِئُ بَعْضُها عن بعض على سبِيلِ البَدَلِ، كقَوْلِنا في القِراءاتِ، ولا يَجُوزُ أن يُسْقِطَ ما في بَعْض الأحادِيثِ، إلَّا أن يأتِيَ بما في غيرِه مِن الأحاديثِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ، في رِوايَةِ أبي داودَ: إذا قال: «وأن مُحَمدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ».
ولم يَذْكُر «أشْهَدُ»، أرجُو أن يُجْزِئُهُ.
وقال ابنُ حامِدٍ: رأيتُ بَعْضَ أصحابِنا يقُولُ: لو تَرَك واوًا أو حَرفًا، أعادَ الصلاةَ قال شيخُنا (4): والأوَّلُ أصحُّ؛ لِما ذَكَرنا.
وهو مذهبُ الشَّافعىِّ.
423 -
مسألة؛ قال: (هذا التَّشهُّدُ الأوَّلُ)
فلا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَة على ما ذَكَرنا، ولا تَطْوِيلُه.
وهو قولُ النّخَعِي والثَّوْرِي وإسحاقَ.
وقال1234
..................................
الشَّافعيُّ: لا بأسَ أن يُصلّىَ على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيه.
وعن عُمَرَ 1: بِسْمِ الله خيْرِ الأسماء 2. وقال ابنُ عُمَرَ: زِدتُ فيه: وَحدَه لا شَرِيكَ له.
وقد روَى جابِرٌ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يعَلمُنا التشَهد كما يُعَلمُنا السُّورَةَ مِن القُرْآن: «بِسْمِ الله وَباللهِ، التحِياتُ لِلهِ».
وباقِيه كتَشَهُّدِ ابنِ مسعود، وبعدَه: «أسْأَل اللهَ الْجَنةَ، وَأعُوذُ بِالله مِنَ النَّار».
رَواه النَّسائِيُّ، وابنُ ماجه 3. وسَمع ابنُ عباس رجلًا يقُولُ: بسمِ اللهِ.
فانتهَرَه 4. وهو قَوْلُ مالك، وأهلِ المَدِينَةِ، وابنِ المُنْذِر، والشافعي.
وهو الصَّحِيحُ؛ لِما رُوِي، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَجْلِسُ في الركْعَتَيْن الأولَيَيْن، كأَنَّه على الرَّضْفِ حتَّى يَقُومَ.
رَواه أبو داودَ 5.
ثُمَّ يَقُولُ: اللهُم صَلِّ عَلَى مُحمدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَدٍ،
والرَّضْفُ: الحِجارَةُ المُحماةُ.
يَعْنِي لِما يُخَففُه.
ولأنَّ الصحِيحَ في التشهداتِ (1) ليس فيه التسميِةُ ولا شيء من هذه الزياداتِ، فيَقتَصِر عليها، ولم تَصِح التسْمِيَةُ عندَ أصحابِ الحديثِ، ولا غيرها مِما وَقَع الخِلافُ فيه، وإن فَعَلَه، جاز؛ لأنَّه ذِكْرٌ.
فصل: وإذا أدْرَكَ بعضَ الصلاةِ مع الإمامِ، فجَلَسَ الإمامُ في آخِر صَلاِته، ولم يزدِ المأمُومُ على التّشَهدِ الأولِ، بل يكَرِّرُه.
نَصَّ عليه أحمدُ في مَن أدرَكَ مع الإمام رَكْعَتَيْن، قال: يُكَرِّرُ التشهُدَ الأوَّلَ (2)، ولا يُصَلِّي على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا يَدعو بشئٍ مما يُدْعَى (3) به في التشهُّدِ الأخِيرِ؛ لأنَّ ذلك إنما يكُونُ في التَّشَهدِ الذي يُسَلّمُ عَلِيَه، وليس هذا كذلك.
424 -
مسألة: (ثمَّ يقُولُ: اللهُم صَل على مُحَمَّد وعلى آلِ محمدٍ،
123
كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيد مَجِيدٌ، وَبارِكْ عَلَى مُحَمَّد وَعَلَى آلِ مُحَمَّد، كَما بارَكْتَ عَلَى آلِ إبراهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وَإنْ شاءَ قَالَ: كَما صَلَيْتَ عَلَى إبْراهِيمَ وَآلِ إبْراهِيمَ، و: كَما بارَكْتَ عَلَى إبْراهِيمَ وآلِ إبْراهِيمَ.
كما صَلُّيْتَ على آلِ 1 إبراهيمَ، إنّك حَمِيد مَجِيدٌ، وبارِكْ على مُحَمَّد وعلى آل محمدٍ، كما بارَكْتَ على آلِ إبراهيمَ، إنَّك حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
وإن شاء قال: كما صَليْتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ.
و: كما بارَكْتَ على إبراهيمَ وآلِ إبراهيمَ) يَعْنِي إذا جَلَس في آخِرِ صَلاِته، تَشَهدَ بالتَّشَهُّدِ الأولِ (1) الذي ذَكرناه.
ثمَّ يُصَلى على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كما ذَكَرنا.
وفي وجوبِ الصلاةِ على النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رِوايَتان؛ أصَحُّهما وُجُوبُها.
وهو قول الشَّافعيّ وإسحاقَ.
..................................
والثانيةُ، أنَّها سُنَّةٌ.
قال المَرُّوذِيُّ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إن 1 ابنَ راهُويَه يقُولُ: لو أنَّ رجلًا تَرَك الصلاةَ على النبيِّ - صلى الله عليه وسلم- في التَّشَهُّد, بَطَلَتْ صَلَاتُه.
فقال: ما أجْتَرِئُ أن أقُولَ هذا.
وقال في مَوْضِعٍ: هذا شُذُوذٌ.
وهو قَوْلُ مالكٍ، والثَّوْرِيِّ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: هو قولُ جُمُلِ 2 أهلِ العلم إلَّا الشافعيَّ.
وبه قال ابنُ المُنْذِرِ، قال: لأنِّي لا أجِدُ دَلِيلًا بوُجُوب 3 الإِعادَة على مَن تَرَكَها.
واحْتَجُّوا بحديثِ ابنِ مسعودٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- عَلَّمَهُ التَّشَهُّدَ، ثم قال: «إذَا قُلْتَ هَذَا أَوْ قَضَيْتَ هَذَا، فَقَدْ تَمَّتْ صَلَاُتكَ».
وفي لَفْظٍ: «فَقَدْ قَضَيْتَ صَلَاتَكَ، فَإنْ شِئْتَ أنْ تَقُومَ فَقُمْ».
رَواه أبو داودَ 4. وقال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا
..................................
تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذِ بِاللهِ مِنْ أرْبَعٍ».
رَواه مسلمٌ 1. أمَرَ بالاسْتِعاذَةِ عَقِيبَ التَّشَهُّدِ مِن غيرِ فَصْلٍ.
ولأن الوُجُوبَ مِن الشَّرعِ، ولم يَرِدْ به.
ولنا، ما روَى كَعْبُ بن عُجْرَةَ.
قال: إنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج علينا, فقُلْنا: يَا رسولَ اللهِ، قد عَلِمْنا كيف نُسَلِّمُ عليك، فكيف نُصَلِّي عليك؛ قال: «قُولُوا: اللَّهُم صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ إنكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وعن فَضالَةَ
..................................
ابنِ عُبَيْدٍ، قال: سَمِع رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- رجلًا يَدْعُو في صَلاِته لم يَحْمَدِ 1 اللهَ، ولم يُصَلِّ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «عَجِلَ هَذَا».
ثم دَعاه، فقال له [أو لغيرِه] 2 «إذَا صَلَّى أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بتَحْمِيدِ 3 رَبِّهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ، ثُمَّ يُصَلِّي عَلَى النَّبِيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ثمَّ يَدْعُو بَعْدُ 4 بِمَا شَاءَ».
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والنَّسائِيُّ، والتِّرْمِذِيُّ 5. وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وعن ابنِ مسعودٍ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، قال: «إذَا تَشَهَّدَ أحَدُكُمْ فِي الصَّلاةِ فَلْيَقلِ: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَارْحَمْ مُحَمَّدًا وَآل مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ وَبَارَكْتَ وَتَرَحَّمْت عَلَى إبْراهِيمَ وَعَلَى آلَ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
رَواه البَيْهَقِيُّ 6. فأمّا حديثُ ابنِ مسعودٍ، فقال الدّارَقُطْنِيُّ 7: الزِّيادَةُ فيه مِن كلامِ ابنِ مسعودٍ.
..................................
فصل: وصِفَة الصلاةِ كما ذَكَرْنا؛ لحديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ، وقد رَواه النَّسائِيُّ كذلك، وفيه: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ».
[و: «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَآلِ إبْرَاهِيمَ».
وفي رِوايةٍ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
و: «كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إبْرَاهِيمَ] 1، إنكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
قال التِّرمِذِيُّ 2: هو حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وفي حديثِ أبي حُمَيْدٍ: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى أزْوَاجِهِ وَذُرِّيَتِهِ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إبْرَاهِيمَ، إنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. واللَّفْظُ لمسلمٍ.
والأوْلَى الإِتْيانُ بالصلاةِ كما في حديثِ كَعْبِ بنِ عُجْرَةَ المُتَّفَقِ عليه، فإنَّه أَصَحُّ شئٍ رُوِيَ فيها، وعلى أيّ صِفَةٍ أتَى بالصلاةِ عليه مِمّا وَرَد 4 في الأخْبارِ، جاز، كقَوْلِنا في التشَهُّدِ،
..................................
وظاهِرُه أنَّه إذا أخَلَّ بلَفْظٍ ساقِطٍ في بعضِ الأخْبارِ، جاز؛ لأنَّه لو كان واجِبًا لَما أغْفَلَه النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
قال القاضي: ظاهِرُ كلام أحمدَ، أنَّ الصلاةَ واجِبَةٌ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَسْبُ؛ لأنَّ أَبا زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيَّ حَكَى عن أحمدَ، أنَّه قال: كُنْتُ أتَهَيَّبُ ذلك، يَعْنِي القَوْلَ بوُجُوبِ الصلاةِ، ثم تَبَيَّنْتُ، فإذا الصلاةُ واجِبَةٌ.
فذَكَرَ الصلاةَ حَسْبُ.
وهذا مذهبُ الشافعيِّ، ولهم 1 في وُجُوبِ الصلاةِ على آلِه وَجْهان.
وقال بعضُ أصحابِنا: تَجِبُ الصلاةُ على ما في خَبَرِ كَعْبٍ؛ لأنَّه أمَرَ به، والأمْرُ يَقْتَضِي الوُجُوبَ.
وقد ذَكَرْنا ما يَدُلُّ على خِلافِ قَوْلِهم، والنبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إنَّما أمَرَهم بهذا حينَ سَألُوه، ولم يَبْتَدِئهم به.
..................................
فصل: آلُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أتْباعُه على دِينِه, كما قال تعالى: ﴿آلُ فِرْعَوْنَ﴾ 1. يَعْنِي أتْباعَه مِن اُهلِ دِينهِ.
وقد جاء عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه سُئِل: مَن آلُ محمدٍ؛ قال: «كُلُّ تَقِيٍّ».
أخْرَجَه تَمامٌ في «فَوائِدِه» 2. وقِيل: آلُه أهْلُه، الهاءُ مُنْقَلِبَةٌ عن الهَمْزَةِ, كما يُقالُ: أرَقْتُ الماءَ وهَرَقْتُه.
فلو قال: على أهْلِ محمدٍ.
مَكانَ: آلِ محمدٍ 3 أجْزَأهْ عندَ القاضي، وقال: مَعْناهما واحِدٌ، ولذلك لو صُغِّرَ، قِيل: أُهَيْلٌ.
قال: ومَعْناهما جَمِيعًا: أهلُ دينهِ.
وقال ابنُ حامِدٍ وأبو حَفْصٍ: لا يُجْزِئُ؛ لِما فيه مِن مُخالَفَةِ الأثَرِ، وتَغْيِيرِ المَعْنَى؛ فإنَّ الأهْلَ يُعَبَّرُ به عن القَرابَةِ، والآل عن الأتْباعِ في الدِّينِ.
واللهُ أعلمُ.
..................................
فصل: في تَفْسِيرِ التَّحِيّاتِ: التَّحِيَّة العَظَمَةُ.
قاله ابنُ عباسٍ.
والصَّلَواتُ: الصلواتُ الخَمْسُ.
والطَّيِّباتُ: الأعْمالُ الصَّالِحَةُ.
وقال
أبو عَمْرٍو: التَّحِيّاتُ المُلْكُ.
وأنْشَدُوا 1:
ولَكُلُّ ما نال الفَتَى … قد نِلْتُه إلَّا التَّحِيَّهْ
وقِيل: التَّحِيّاتُ البَقاءُ.
وقال ابنُ الأنْبارِيُّ: التَّحِيّاتُ السَّلامُ، والصَّلَواتُ الرَّحْمَةُ، والطَّيِّباتُ مِن الكَلامِ.
فصل: والسُّنَّةُ إخْفاءُ التَّشَهُّدِ، لا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
قال عبدُ اللهِ
ابنُ مسعودٍ: مِن السُّنَّةِ إخْفاءُ التَّشَهُّدِ.
رَواه أبو داودَ 2. ولأنَّه ذِكْرٌ غيرُ القِراءَةِ لا يَنْتَقِلُ به مِن رُكْنٍ إلى ركنٍ، فاسْتُحِبَّ إخْفاؤُه كالتَّسْبِيحَ.
..................................
فصل: ومَن قَدَر على التَّشَهُّدِ بالعَرَبِيَّةِ والصلاةِ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَجُزْ بغيرِها، كالتَّكْبِيرِ.
فإن عَجَز عن العَرَبِيَّةِ تَشَهَّدَ بلِسانِه، كقَوْلِنا في التَّكْبِيرِ، ويَجِيءُ على قَوْلِ القاضي، أن لا تشَهَّدَ، وحُكمُه حُكْمُ الأخْرَسِ.
فإن قَدَر على تَعَلُّمِ التشَهُّدِ والصلاةِ لَزِمَه ذلك، كالقِراءَةِ.
فإن صَلَّى قبلَ تَعَلُّمِه مع إمْكانِه، لم تَصِحَّ.
فإن خاف فَواتَ الوَقْتِ، أو عَجَز عن تَعلُّمِه، أتَى بما يُمْكِنُه منه، وأجْزَأه للضَّرورَةِ.
وإن لم يُحْسِنْ شيئًا منه، سَقَط.
وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَتَعَوَّذُ فَيَقُولَ: أعُوذُ باللهِ مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ.
فصل: السُّنَّةُ تَرْتِيبُ التَّشَهُّدِ وتَقْدِيمُه على الصلاةِ على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فإن نَكَّسَه مِن غير تَغْيِيرِ شئٍ مِن مَعانِيه، ولا إخْلالٍ بشئٍ مِن الواجِبِ فيه، فعلى وَجْهين؛ أحَدُهما، يُجْزِئُه.
ذَكَرَه القاضي.
وهو قولُ الشافعيِّ، لأنَّ المَقْصُودَ المَعْنَى، وقد حَصَل، أشْبَهَ ما لو رَتَّبَه.
والثاني، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أخَلَّ بالتَّرتِيبِ في ذِكْرٍ وَرَد الشَّرْعُ به، فلم يَصِحُّ، كالأذانِ (1).
425 -
مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَتَعَوَّذَ، فيَقُولَ: أعُوذُ باللهِ مِن عَذابِ جَهَنَّمَ، ومِن عَذابِ القَبْرِ، ومِن فِتْنَةِ المَحْيا والمَماتِ، ومِن فِتْنَةِ المَسِيحِ الدّجّالِ)
لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَدْعُو:1
وَإِنْ دَعَا بِمَا وَرَدَ فِي الْأَخبَارِ فَلَا بَأْسَ.
«اللَّهُمَّ إنِّي أعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ، وَمِنْ عَذَابِ النَّارِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا والْمَمَاتِ، وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ».
مُتَّفَقٌ عليه (1). ولمسلمٍ: «إذَا تَشَهدَ أحَدُكُمْ، فَلْيَسْتَعِذْ بِاللهِ مِنْ أرْبَعٍ».
وذَكَرَه.
426 -
مسألة: (وإن دَعا بما ورَد في الأَخْبارِ، فلا بَأْسَ [الدُّعاءُ في الصلاةِ بما وَرَدَتْ به الأخْبارُ جائِزٌ]
2. قال الأثْرَمُ: قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إنَّ هؤلاء يَقولُون: لا يَدْعو في المَكْتُوبَةِ إلَّا بما في القُرْآنِ.
فنَفَضَ يدَه كالمُغْضَبِ، وقال: من يَقِفُ على هذا! وقد تَواتَرَتِ الأحادِيثُ عن1
..................................
رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- بخِلافِ ما قالوا.
قُلْتُ لأبي عبدِ اللهِ: إذا جَلَس في الرّابعَةِ، يَدْعُو بعدَ التَّشَهُّدِ بما شاء؟ قال: بما شاء لا أدْرِي، ولكنْ يَدْعُو بما يَعْرِفُ وبما جاء.
قُلْتُ: على حديثِ عمرِو بنِ سعدٍ، قال: سمِعْتُ عبدَ اللهِ 1 يقُولُ: إذا جَلَس أَحَدُكم في صَلاتِه، ذَكَر التَّشَهُّدَ، ثُم ليَقُلْ: اللَّهُم إنِّي أسْأْلُك مِن الخَيْرِ كلِّه، ما عَلِمْتُ منه وما لم أعْلَمْ، وأعُوذُ بك مِن الشَّرِّ كلَّه، ما عَلِمْتُ منه وما لم أعْلَمْ، اللَّهُمَّ إنِّي أسْألُك مِن خَيْرِ ما سَأَلك عِبادُك الصّالِحُون، وأعُوذُ بك مِن شَرِّ ما عاذ منه عِبادُك الصّالِحُون، رَبَّنا آتِنا في الدُّنْيا حَسَنَةً وفي الآخِرَةِ حَسَنَةً، وقِنا عَذابَ النَّارِ، رَبَّنا اغْفِرْ لنا ذُنُوبَنا، وكَفِّرْ عَنّا سَيِّئاتِنا، وتَوَفَّنا مع الأبرارِ، رَبَّنا وآتِنا ما وَعَدْتَنا على رُسُلِك، ولا تُخْزِنا يَوْمَ القِيامَةِ، إنَّك لا تُخْلِفُ المِيعادَ.
رَواه الأثْرَمُ.
واخْتارَه أحمدُ.
ذَكَرَه القاضي، وقال: لا يُستَحَبُّ للإِمام الزِّيادَةُ على هذا؛ لِئَلَّا يُطِيلَ على المَأْمُومِين.
فإن كان مُنْفرِدًا، فلا بَأْسَ بكَثْرةِ الدُّعاءِ،
..................................
ما لم يُخرِجْه إلى السَّهْوِ، فقد روَى أبو داودَ 1، عن عبدِ اللهِ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُعَلِّمُنا التَّشَهُّدَ كما يُعَلِّمُنا السُّورَةَ مِن القُرْآنِ.
قال: وعَلَّمَنا أن نقُولَ: «اللَّهُمَّ.
أصْلِحْ ذَاتَ بَيْننَا، وَاهْدِنَا سُبُلَ السَّلَامِ، وَأخْرِجْنَا مِنَ الظُّلُمَاتِ إلَى النُّورِ، وَاصْرِفْ عَنَّا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ، وَبَارِكْ لَنَا فِي أسْمَاعِنَا وَأبْصَارِنَا 2 وَقُلُوبِنَا وَأزْوَاجِنَا وَذُرَّيَّاتِنَا، وَتُبْ عَلَيْنَا، إنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ، وَاجْعَلْنَا شَاكِرِينَ لِنِعْمَتِكَ، مُثْنِينَ بِهَا عَلَيْكَ, قَابِليهَا، وَأتِمَّهَا عَلَيْنَا».
وعن أبي بكرٍ الصِّدِّقِ، أنَّه قال للنبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: عَلِّمْنِي دُعاءً أدْعُو به في صَلاِتى.
قال: «قُلِ: اللَّهُمَّ إنِّي ظَلَمْت نَفْسِي ظُلْمًا كَثِيرًا، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إلَّا أَنْتَ، فَاغْفِر لِي مَغْفِرَةً مِنْ عِنْدِكَ، وَارْحَمْنِي، إنَّكَ أَنْتَ الْغفُورُ الرَّحِيمُ».
مُتَّفَقٌ عليه 3. وعن أبي
..................................
هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لرجلٍ: «مَا تَقُولُ فِي الصَّلَاةِ»؟ قال: أتَشَهَّدُ، ثم أسْألُ اللهَ الجَنَّةَ، وأعُوذُ به مِن النّارِ، أما واللهِ ما أُحْسِنُ دَنْدَنَتَكَ 1 ولا دَنْدَنَةَ مُعاذٍ.
فقال: «حَوْلَهَا نُدَنْدِن».
رَواه أبو داودَ 2. وقَوْلُه: (بما وَرَد في الأخْبارِ) يَعْنِي أخْبارَ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وأصحابِه والسَّلَفِ، رَحِمَهم اللهُ، فقد ذَهَب أحمدُ إلى حديثِ ابنِ مسعودٍ في الدُّعاءِ، وهو مَوْقُوفٌ عليه، قال عدُ اللهِ بنُ أحمدَ: سَمِعْتُ أبي يقُولُ في سُجُودِه: اللَّهُمَّ كما صُنْتَ وَجْهِي عن السُّجُودِ لغيرِك، فصُنْ وَجْهِي عن المَسْألَةِ لغيرِك.
وقال: كان عبدُ الرحمنِ يقُولُه في سُجُودِه.
وقال: سَمِعْتُ الثوْرِيَّ يقُولُه في سُجُودِه.
..................................
فصل: فأمّا ما يَقْصِدُ به مَلاذَّ الدُّنْيا وشَهَواتِها، كقَوْلِه: اللَّهُمَّ ارْزُقْنِي جارِيَةً حَسْناءَ، وطَعامًا طَيِّبًا، ودارًا قَوْراءَ 1، وبُسْتانًا أنِيقًا.
ونَحْوَه، فلا يَجُوزُ الدُّعاءُ به في الصلاةِ.
وقال الشافعيُّ: يَدْعُو بما أحَبَّ؛ لقَوْلِه، عليه السَّلامُ، في حديثِ ابنِ مسعودٍ: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّر مِنَ الدُّعَاءِ أعْجَبَهُ إلَيْهِ».
مُتفَقٌ عليه 2. ولمسلم-: «ثُمَّ لْيَتَخَيَّر بَعْدُ مِنَ الْمَسْألَةِ مَا شَاءَ».
ولَنا قولُه عليه السَّلامُ: «إن صَلَاتَنَا هَذِهِ لَا يَصْلُحُ 3 فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَام النَّاس، إنَّمَا هِيَ التَّسْبِيحُ وَالتَّكْبيرُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ».
رَواه مسلمٌ 4. وهَذا مِن كلامِ الآدَمِيِّين، ولأنَّه كلامُ آدَمِيٍّ يَتَخاطَبُ بمِثْلِه، أشْبَهَ رَدَّ السَّلامِ، وتَشْمِيتَ العاطسِ، والخَبَرُ مَحْمُولٌ على اُنه يَتَخَيَّرُ مِن الدُّعاءِ المَأْثُورَ.
فصل: فأمّا الدُّعاءُ بما يَتَقَّربُ به إلى الله عِزَّ وجَلَّ، مِمّا ليس بمَأْثُورٍ ولا يقْصِدُ به مَلاذَّ الدُّنْيا، فقال جَماعَةٌ مِن أصحابِنا: لا يَجُوزُ.
ويَحْتَمِلُه كلامُ أحمدَ؛ لقَوْله: يَدْعُو بما جاء وبما يَعْرِفُ.
وحَكَى عنه ابنُ المُنْذِرِ، أنَّه قال: لا بَأْسَ أن يَدْعُوَ الرجلُ بجَمِيع حَوائِجِه؛ مِن حَوائِجِ دُنْياه
..................................
وآخِرَتِه.
وهذا هو الصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ تعالى، اخْتارَه شيخُنا 1؛ لظواهِرِ الأخْبارِ، فإنَّ في حديثِ أبي هُرَيرةَ: «ثُم يَدْعُو لِنَفْسِهِ بِمَا بَدَا لَهُ» 2. وعن أُنَسٍ، قال: جاءتْ أمُّ سُلَيْمٍ إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقالت: يَا رسولَ اللهِ، عَلِّمْنِي شَيْئًا أدْعُو به في صَلاتِي.
فقال: «احْمَدِي اللهَ عَشْرًا، وَسَبِّحِي اللهَ عشْرًا، ثُمَّ سَلِي الله 3 مَا شِئْتِ، يَقُولُ: نَعَمْ نَعَمْ نَعَمْ».
رَواه الأثْرَمُ.
وقد قال النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أمَّا السُّجُودُ فَأكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعَاء» 4. ولم يُعَيِّنْ لهم ما يَدْعُون به، فيَدُلُّ على أنَّه أباح لهم جَمِيعَ الدُّعاءِ, إلَّا ما خَرَج منه بالدَّلِيلِ في الفَصلِ الذى قَبْلَه، ولأنَّه دُعاءٌ يَتَقَرَّبُ به إلى اللهِ عَزَّ وجَلَّ، أشْبَهَ الدُّعاءَ المَأْثُورَ.
فصل: فأمّا الدُّعاءُ لإِنْسانٍ بعَيْنِه في صَلاِته، ففي جَوازِه رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجُوزُ.
قال المَيْمُونِيُّ: سَمِعْتُ أَبا عبدِ الله يِقُولُ لابنِ الشافعيِّ 5: أنا أدْعُو لقَوْمٍ مُنْذُ سِنِين في صَلاتِي، أبُوك أحَدُهم.
ورُوِيَ ذلك عن عليٍّ، وأبي الدَّرْداءِ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في قُنُوتِه: «اللَّهُمَّ أنْجِ الْوَلِيدَ
..................................
ابْنَ الْوَلِيدِ، وَسَلَمَةَ بْن هِشَامٍ، وَعَيَّاشَ بْنَ أبِي رَبِيعَةَ» 1. ولأنَّه دُعاءٌ لبَعْضِ المُؤمِنِين، أشْبَهَ ما لو قال: ربِّ اغْفِرْ لِي ولوالِدَيَّ.
والأُخْرَى، لا يَجُوزُ.
كَرِهَه عَطاءٌ والنَّخَعِيُّ؛ لشَبَهِه بكَلامِ الآدَمِيِّين، ولأنَّه دُعاءٌ لمُعَيَّنٍ، أشْبَهَ تَشْمِيتَ العاطِسِ، وقد دَلَّ على المَنْعِ منه حديثُ مُعاوِيَةَ ابنِ الحَكَمِ السُّلَمِيِّ 2. ويَحْتَمِلُ التَّفْرِيقَ بينَ الدُّعاءِ وتَشْمِيتِ العاطِسِ؛ لأنَّه مُخاطَبَةٌ لإنْسانٍ، لدُخُولِ كاف المُخاطَبِ فيه.
واللهُ أعلمُ.
..................................
فصلِ: ويُسْتَحَبُّ للإِمامِ تَرْتِيلُ القِراءَةِ والتَّسْبيحِ والتَّشَهُّدِ بقَدْرِ ما يَرَى أنَّ مَن خَلْفَه، مِمَّن يَثْقُلُ على 1 لِسانِه، قد أتَى عليه، والتَّمَكنُ في الركُوعِ والسُّجُودِ، حتَّى يَرَى أنَّ الكبيرَ والصَّغِيرَ والثَّقِيلَ قد أتَى عليه.
فإن خالَفَ وأتَى بقدْرِ ما عليه، كُرِهَ وأَجْزَأه.
ويُكْرَهُ له التَّطْوِيلُ كَثِيرًا؛ لِئَلَّا يَشُقَّ على مَن خَلْفَه.
وأمّا المُنْفَرِدُ فله الإِطالَةُ 2 في ذلك كلِّه، ما لم يُخْرِجْه إلى حالٍ يَخافُ السهو، وقد رُوِيَ عن عَمّارٍ [رَضىَ الله عنه] 3، أنَّه صَلَّى صلاةً أوْجَزَ فيها، فقِيلَ له في ذلك، فقال: إنِّي أُبادِرُ الوَسْواسَ.
ويُسْتَحَبُّ للإمامِ إِذا عَرَض في الصلاةِ عارضٌ لبَعْضِ المَأْمُومِين، يَقْتَضِي خُرُوجَه، أن يُخَفِّفَ؛ لِما رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه قال: «إنِّي لَأقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنا أُرِيدُ أنْ أُطَوِّلَ فِيهَا 4، فأسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ، فَأتَجَوَّزُ فِيهَا، مَخَافَةَ أنْ أشُقَّ عَلَى أُمِّهِ».
رَواه أبو داودَ 5.
ثُمَّ يُسَلِّمُ عَنْ يَمِينِهِ: السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ الله.
وَعَنْ يَسَارِهِ كَذَلِكَ.
427 - مسألة: (ثم يُسَلِّمُ عن يَمِينهِ: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ. وعن يَسارِه كذلك)
التَّسْلِيمُ واجِبٌ في الصلاةِ، لا يَقُومُ غيرُه مَقامَه.
وبه قال مالكٌ والشافعيُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يَتَعَيَّنُ السَّلامُ للخُرُوجِ مِن الصلاةِ، بل إذا خَرَج بما يُنافِي الصلاةَ؛ مِن عَمَلٍ، أو حَدَثٍ، أو غيرِ ذلك، جاز.
فالسَّلامُ عندَهم مَسْنُونٌ غيرُ واجِبٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يُعَلّمْه المُسْيِءَ في صَلاتِه، ولو وَجَب لأمَرَه به؛ لأنَّه لا يَجُوزُ تَأْخِيرُ البَيانِ عن وَقْتِ الحاجَةِ، ولأنَّ إحْدَى التَّسْلِيمَتَيْن غيرُ واجِبَةٍ، كذلك الأخْرَى.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «مِفْتَاحُ الصَّلَاةِ الطَّهُورُ، وَتَحْرِيمُهَا التَّكْبِيرُ، وَتَحْلِيلُهَا التّسْلِيمُ».
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّه أحَدُ طَرَفيِ الصلاةِ، فكان فيه [نُطْقٌ واجِبٌ] 2، كالأوَّلِ، ولأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَلَه وداوَم عليه، [وقد قال] 3: «صَلُّوا كَمَا رَأيْتُمُونِي أُصَلِّي» 4. وحَدِيثُ الأعْرابِيِّ 5 أجَبْنا عنه.
والتَّسْلِيمَةُ الثّانِيَة عندَنا واجِبَةٌ، على إحْدَى الرِّوايَتَيْن.
..................................
فصل: والمَشْرُوعُ أن يُسَلِّمَ تَسْلِيمَتَيْن عن يَمِينِه ويَسارِه.
رُوِيَ ذلك عن أبي بكرٍ الصِّدِّيقِ، وعليٍّ، وعَمّارٍ، وابنِ مسعودٍ، رَضِيَ اللهُ عنهم.
وهو مذهبُ الثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ، وإسحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ، وأصحابِ الرَّأْيِ.
وقال [ابنُ عُمَرَ] 1، وأنَسٌ، وسَلَمَةُ بنُ الأكْوَعِ 2، وعائشةُ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وعُمَرُ بن عبدِ العزيزِ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ: يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً.
وقال عَمّارُ بنُ أبِي عَمّارٍ 3: كان مَسْجِدُ الأنْصارِ يُسَلِّمُون فيه تَسْلِيمَتَيْن، وكان مَسْجِدُ المُهاجِرِين يُسلِّمون فيه تَسْلِيمَةً واحِدَةً.
ولِما رَوَتْ عائشةُ، قالت: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً تِلْقاءَ وَجْهِه.
وعن سَلَمةَ بنِ الأكْوَعِ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى فسَلَّمَ مَرةً 4 واحِدَةً.
رَواهما ابنُ ماجه 5. ولأنَّ التسْلِيمَةَ
..................................
الأُولَى قد خَرَج بها مِن الصلاةِ، فلم يُشْرَعْ ما بعدَها، كالثّالِثَةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ مسعودٍ، قال: رَأيْتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُسَلِّمُ حتَّى يُرَى بَياضُ خدِّه، عن يمِيِنِه ويسارِه.
وعن جابِرِ بنِ سَمُرَة، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إنَّمَا يَكْفِي أحَدَكمْ أنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وشِمَالِهِ».
رَواهما مسلمٌ 1. وفي لفظٍ لحديثِ ابنِ مسعودٍ: أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَلِّمُ عن يَميِنِه: «السَّلَامُ عَلَيْكمْ وَرَحْمَةُ اللهِ».
وعن يَسارِه: «السَّلامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ».
قال التِّرمِذِيُّ 2: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
وحديثُ عائشةَ يَرْوِيه زُهَيْرُ ابنُ محمدٍ 3: [قال البُخارِيُّ] 4: يَرْوِي مَناكِيرَ 5. وقال أبو حاتِمٍ الرّازِيُّ: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ.
ويُمْكِنُ حَمْلُ حديثِ عائشةَ، على
..................................
أنَّه كان يُسْمِعُهم تَسْلِيمَةً واحِدَةً، جَمْعًا بينَ الأحادِيثِ.
على أنَّ أحادِيثَنا تَتَضَمَّن الزِّيادَةَ، والزِّيادَةُ مِن الثِّقَةِ مَقْبُولَة.
ويَجُوزُ أن يكونَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فَعَل الأمْرَيْن؛ ليُبَيِّنَ الجائِزَ والمَسْنُونَ، ولأنَّ الصلاةَ عِبادَة ذاتُ إحْرامٍ، فشُرِعَ لها تَحَلُّلان، كالحَجِّ.
فصل: والتَّسْلِيمَةُ الأُولَى هي الواجِبَةُ، وهي رُكْنٌ مِن أرْكانِ الصلاةِ، والثّانِيَةُ سُنَّةٌ في الصَّحيحِ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعَ كلُّ من نَحْفَظُ عنه مِن أهلِ العلمِ، أنَّ صلاةَ مَن اقْتَصَرَ على تَسْلِيمَةٍ واحِدَةٍ جائِزَةٌ.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرى، أنَّها واجِبَةٌ.
ذَكَرَها القاضي، وأبو الخَطّابِ، قال القاضي: وهي أَصَحُّ، لحديثِ جابِرِ بنِ سَمُرةَ، ولأنَّها عِبادَةٌ لها تَحَلُّلان، فكانا واجِبَيْن، كتَحَلُّلَيِ الحَجِّ، ولأنَّها إحْدَى التَّسْلِيمتَيْن، أشْبَهَتِ الأُولَى.
وعَدَّها أبو الخَطّابِ مِن أرْكانِ الصلاةِ؛ لِما ذَكَرْنا.
والصَّحِيحُ الأوَّلُ.
اخْتارَه شيخُنا 1؛ فإنَّه لا يَصِحُّ عن أحمدَ تَصْرِيحٌ بوُجُوبِ التَّسْلِيمَتَيْن، إنَّما قال: التَّسْلِيمَتان أَصَحُّ عن رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-.
فيَجُوزُ أن يَذْهَبَ 2
..................................
إليه في المَشْرُوعِيَّةِ لا الإيجابِ كغيرِه، وقد دَلَّ عليه قولُه، في رِوايَةِ مُهَنّا.
أعْجَبُ إليَّ التَّسْلِيمَتان.
لأنَّ عائشةَ، وسَلَمَةَ بنَ الأكْوَعِ، وسَهْلَ بنَ سعدٍ 1، قد رَوَوْا، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً.
وكان المُهاجِرُون يُسَلِّمُون تَسْلِيمَةً واحِدَةً.
ففيما ذَكَرْناه جَمْعٌ بينَ الأخْبارِ وأقْوالِ الصَّحَابَةِ، رَضِيَ اللهُ عنهم، في كَوْنِ المَشْروعِ تَسْلِيمَتَيْن، والوْاجِبِ واحِدَةً، وقد دَلِّ على صِحَّةِ ذلك الإجْماعُ الذى حَكاه ابنُ المُنْذِرِ، وحديث جابِرِ بنِ سَمُرَةَ، يَعْنِي في إصابَةِ السُّنَّةِ، بدَلِيلِ أنَّ فيه: «يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ».
وليس هو واجِبًا بالاتِّفاقِ، ولأنَّها صلاةٌ، فتُجْزِئُ فيها تَسْلِيمَةٌ واحِدَةٌ، كصلاةِ الجِنازَةِ، والنَّافِلَةِ، فإنَّ الخِلافَ إنَّما هو في المَفْرُوضَةِ، أمَا صلاةُ النّافِلَةِ، والجِنازَةِ، وسُجُودُ التِّلاوَةِ، فلا خِلافَ أَنَّه يَخْرُجُ منها بتَسْلِيمَةٍ واحِدَةٍ.
قاله القاضي، ونَصَّ عليه أحمدُ في صلاةِ 2 الجِنازَةِ، وسُجُودِ التِّلاوَةِ.
فَإِنْ لَمْ يَقُلْ: وَرَحْمَةُ اللهِ.
لَمْ يُجْزِئْهُ، وَقَالَ الْقَاضِي: يُجْزِئُهُ.
وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحمَدُ فِي صَلَاةِ الجِنَازَةِ.
428 - مسألة: (فإن لم يَقلْ: ورَحْمَةُ اللهِ. لم يُجْزِئْه. وقال القاضي: يُجْزِئُه. ونَصَّ عليه أحمدُ في صلاةِ الجِنازَةِ)
وجُمْلَةُ ذلك، أن الأفْضَلَ أن يقولَ: السَّلامُ عليكم ورَحْمَةُ اللهِ.
لِما ذَكَرْنا مِن حديثِ ابنِ مسعودٍ.
وقد روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: صَلَّيْتُ مع النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فكانَ يُسَلِّمُ عن يَمِينِه: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وَبَرَكَاتُهُ».
وعن
..................................
شِمالِه: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ وبَرَكَاتُهُ».
رَواه أبو داودَ 1. فإن قال كذلك، فحَسَنٌ، والأوَّلُ أحْسَنُ؛ لكَثْرَةِ رُواتِه، وصِحَّةِ طُرُقِه.
فإن قال: السَّلامُ عليكم.
حَسْبُ، فقال القاضي: يُجْزِئُه في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، ونَصَّ عليه في صلاةِ الجِنازَةِ.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «وَتَحْلِيلُهَا التَّسْلِيمُ» 2. وهذا تَسْلِيمٌ 3. وعن عليٍّ، رَضِيَ اللهُ عنه، أنَّه كان يُسَلِّمُ عن يَمِينِه، وعن يَسارِه: السَّلامُ عليكم، السَّلامُ عليكم.
رَواه سعيدٌ 4. ولأنَّ ذِكْرَ الرَّحْمَةِ تَكْرِير للثَّناءِ، فلم يَجِبْ، كقولِه: «وبَرَكَاتُه».
وقال ابنُ عَقِيلٍ: الأصَحُّ أنَّه لا يُجْزِئُه؛ لأنَّ الصَّحيحَ عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان يقول: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللهِ».
ولأنَّه سَلامٌ في الصلاةِ وَرَد مَقْرُونًا بالرَّحْمَةِ، فلم يَجُزْ بدُونِها، كالسَّلامِ 5 على النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في التَّشَهُّدِ.
..................................
فصل: فإن نَكَّسَ السَّلامَ، فقال: عليكمُ السَّلامُ.
لم يُجْزِئْه.
وقال القاضي: يُجْزِئُه في وَجْهٍ.
وهو مذهبُ الشافعيِّ؛ لحُصُولِ المَعْنَى منه، وليس هو قُرْآنًا فيُعْتَبَرَ له النَّظْمُ.
ولَنا، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قالَه مُرَتَبًا، وأمَرَ به كذلك، ولأنَّه ذِكْرٌ يُؤْتَى به في أحَدِ طَرَفيِ الصلاةِ، فلم يَجُزْ مُنَكَّسًا، كالتِّكْبِيرِ.
فصل: فإن قال: سَلامٌ عليكم.
مُنَكَرًا مُنَوَّنًا، ففيه وَجْهان؛ أحَدُّهما، يُجْزِئُه.
وهو مذهبُ 1 الشافعيِّ؛ لأن السَّلامَ الذى وَرَد في القُرْآنِ أكْثَرُه بغيرِ ألِفٍ ولامٍ، كقَوْلِه: ﴿سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ﴾ 2. ولأنَّا أجَزْنا التشَهُّدَ بتَشَهُّدِ ابنِ عباسٍ 3 وأبي موسى 4، وفيهما: «سَلامٌ عَلَيْكَ» 5. والتَّسْلِيمَتان واحِدٌ.
والآخَرُ، لا يُجْزِئُه، لأنَّه يُغَيِّرُ صِيغَةَ السَّلامِ الوارِدِ، ويُخِلُّ بحَرْفٍ يَقْتَضِي الاسْتغْراقَ، فلم يَجُزْ, لو أثْبَتَ اللَّامَ في التَّكْبِيرِ.
وقال الآمِدِيُّ: لا فَرْقَ بينَ أن يُنَوِّنَ التَّسْلِيمَ أولا يُنَوِّنَه؛ لأنَّ حَذْفَ التَّنْوِينِ لا يُخِل بالمَعْنَى؛ بدَلِيلِ ما لو وَقَف عليه.
..................................
فصل: ويُسَنُّ أن يَلْتَفِتَ عن يَمِيِنه في التَّسْلِيمَةِ الأُولَى، وعن يَسارِه في الثانيةِ, كما وَرَدَتِ السُّنَّةُ في حديثِ ابنِ مسعودٍ، وجابرٍ 1، وغيرِهما.
قال الإمامُ أحمدُ: ثَبَت عندَنا مِن غيرِ وَجْهٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُسَلِّمُ عن يَمِيِنه وعن يَسارِه حتَّى يُرَى بَياضُ خَدَّيْه.
ويكُونُ.
التِفاتُه في الثانيةِ أكْثَرَ؛ لِما رُوِيَ عن عَمّارٍ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنَّه كان يُسَلِّمُ عن يَمِينِه حتَّى يُرَى بَياضُ خدِّه الأيْمَنِ، وإذا سَلَّمَ عن يَسارِه حتَّى 2 يُرَى بَياضُ خَدِّه الأيْمَنِ والأيْسَرِ.
رَواه يَحْيَى بنُ محمدٍ بنِ صاعِدٍ بإسْنادِه.
وقال ابنُ عَقِيلٍ: يَبْتَدِئُ بقَوْلِه: السَّلامُ عليكم.
إلى القِبْلَةِ، ثم يَلْتَفِتُ في يَمِينِه ويَسارِه في قَوْلِه: ورَحْمَةُ اللهِ.
لقَوْلِ عائشةَ: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُسَلِّمُ تِلْقاءَ وَجْهِه 3. مَعْناه: ابْتِداؤُه بالتَّسْلِيمِ.
جَمْعًا بينَ الأحاِديثِ.
..................................
فصل: رُوِيَ عن أبي عبدِ اللهِ، أنَّ التَّسْلِيمَةَ الأُولَى أرْفَعُ مِن الثانيةِ، اخْتارَ هذا أبو بكرٍ الخَلّالُ، وأبو حَفْصٍ العُكبَرِيُّ.
وحَمَل أحمدُ حديثَ عائشةَ، أنَّه كان يُسَلِّمُ تَسْلِيمَةً واحِدَةً، على أنَّه كان يَجْهَرُ بواحِدَةٍ، فتُسْمَعُ منه.
ذلك؛ لأنَّ الجَهْرَ في غيرِ القِراءَةِ إنَّما كان للإِعْلامِ بالاْنتِقالِ مِن رُكْنٍ إلى غيرِه، وقد حَصَل بالجَهْر بالأُولَى.
واخْتارَ ابنُ حامِدٍ الجَهْرَ بالثّانِيةِ وإخْفاءَ الأُولَى؛ لِئَلَّا يُسابِقَه المَأْمُومُ في السَّلام.
ويُسْتَحَبُّ حَذْف السّلامِ، لقَوْلِ أبي هُرَيْرَةَ: حَذْفُ السَّلامِ سُنَّةٌ.
ورُوِي مَرْفُوعًا.
رَواه التِّرمِذِيُّ 1، وقال: حديثٌ صحِيحٌ.
قال أبو عبدِ اللهِ: هو أن لا يُطَوِّلَ به صَوْتَه.
وقال ابنُ المُبارَكِ: مَعْناه: لا يَمُدُّ مَدًّا.
قال إبْراهِيمُ النَّخَعِيُّ: التَّكْبِيرُ جَزْمٌ، والسَّلامُ جَزْمٌ.
وَيَنْوِي بِسَلَامِهِ الْخُرُوجَ مِنَ الصَّلَاةِ، فَإِن لَمْ يَنْوِ، جَازَ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: تَبْطُلُ صَلَاتُهُ.
429 - مسألة: (ويَنْوِي بسَلامِه الخُرُوجَ مِن الصلاةِ، فإن لم يَنْوِ، جاز. وقال ابنُ حامِدٍ: تَبْطُلُ صَلاتُه)
الأوْلَى أن يَنْوِيَ بسَلامِه الخُرُوجَ مِن الصلاةِ، وإن نَوَى مع ذلك السَّلامَ 1 على المَلَكَيْن، وعلي مَن خَلْقه، إن كان إمامًا، أو الرَّدَّ على مَن معه إن كان مَأْمُومًا، فلا بَأْسَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: يَنْوِي بسَلامِه الرَّدَّ على الإمامِ.
وقال أَيضًا: يَنْوِي بسَلامِه الخُرُوجَ مِن الصلاةِ، فإن نَوَى المَلكين، ومَن خلْفَه فلا بَأْسَ،
..................................
والخُرُوجَ مِن الصلاةِ نَخْتارُ.
وقال ابنُ حامِدٍ: إن نَوَى في السلامِ الرَّدَّ على المَلَائِكَةِ، أو غيرِهم مِن النّاس مع نِيَّةِ الخُرُوجِ، فهل تَبْطُلُ صَلاتُه؛ على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، تَبْطُلُ؛ لأنَّه نَوَى السَّلامَ على آدَمِيٍّ، أشْبَهَ ما لو سَلَّمَ على مَن لم يُصَلِّ معه.
وقال أبو حَفْصٍ بنُ المُسْلِمِ 1: يَنْوِي بالتَّسْلِيمَةِ الأُولَى الخُرُوجَ، وبالثّانِيَةِ السَّلامَ على الحَفَظَةِ والمَأَمُومِين، إن كان إمامًا، والرَّدَّ على الإِمام والحَفَظَةِ، إن كان مَأْمُومًا.
ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- في حديثِ جابِرِ بنِ سَمُرَةَ: «إنَّمَا يَكْفِي أحَدَكُمْ أنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى فَخِذِهِ، ثُمَّ يُسَلِّمُ عَلَى أخِيهِ مِنْ عَلَى يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ».
رَواه مسلمٌ 2. وفي لفظٍ: أمَرَنا رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن نَرُدَّ على الإمامِ، وأنْ يُسَلِّمَ بَعْضُنا على بعضٍ.
رَواه أبو داودَ 3. وهذا يَدُلُّ على أنَّه يُسَنُّ التَّسْلِيمُ على مَن
..................................
معه، وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، والشافعيِّ.
فإن لم يَنْوِ الخُرُوجَ [مِن الصلاةِ] 1 ولا شَيْئًا غيرَه، صَحَّ.
وقال ابنُ حامِدٍ: لا يَصِحُّ.
وهو ظاهِرُ مَذْهَبِ الشافعيِّ، لأنَّه ذِكْرٌ في أحَدِ طَرَفَيِ الصلاةِ، فافْتَقَرَ إلى النِّيَّةِ, كالتَّكْبِيرِ.
ولَنا، أنَّه جُزْءٌ مِن أجْزاءِ الصلاةِ، فلم يَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ تَخُصُّه، كسائِرِ أجْزائِها، ولأن الصلاةَ عِبادَةٌ، فلم تَحْتَجْ إلى نِيَّةٍ للخُرُوجِ 2 منها، كالصومِ، وذلك لأنَّ النِّيَّةَ إذا وُجِدَتْ في أوَّلِ العِبادَةِ انْسَحَبَتْ على سائِرِ 3 أجْزائِها، واسْتُغْنِيَ عن ذِكْرِها، وقِياسُ الجُزْءِ الآخِرِ على الأوَّلِ [لا يَصِحُّ] 4؛ لذلك.
..................................
فصل: ويُسْتَحَبُّ ذِكْرُ اللهِ تعالى، والدُّعاءُ عَقِيبَ الصلاةِ، والاسْتِغْفارُ, كما وَرَد في الأخْبارِ؛ فروَى المُغِيرَةُ، قال: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقولُ في دُبُرِ كل صلاةٍ مَكتُوبَةٍ: «لَا إلَهَ إلَّا اللهُ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ المُلْكُ وَلَهُ الحَمْدُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، اللَّهُمَّ لَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَيْتَ، وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعْتَ، وَلَا يَنْفَعُ ذَا الجَدِّ مِنْكَ الجَدُّ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. وقال ثَوْبانُ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا انْصَرَفَ مِن صَلاِته اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا.
وقال: «اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ، وَمِنْكَ السَّلَامُ، تَبَارَكْتَ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكرَامِ».
قال الأوْزاعِيُّ: يقُولُ: أَسْتَغْفِرُ اللهَ، أسْتَغْفِرُ اللهَ.
رَواه مسلمٌ 2. وقال أبو هُرَيْرَةَ: جاء الفُقَراءُ 3 إلى النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-
..................................
فقالُوا: ذَهَب أهلُ الدُّثُورِ مِن الأمْوالِ بالدَّرَجات العُلَى والنَّعِيمِ المُقِيمِ، يُصَلُّون كما نُصَلِّي، ويَصُومُون كما نَصُومُ، ولهم فَضْلٌ مِن أمْوالٍ، يَحُجُّون بها ويَعْتَمِرُون، ويُجاهِدُون، وَيَتَصَدَّقُون.
فقال: «أَلَا أُحَدِّثُكُمْ بِحَدِيثٍ إنْ أَخَذْتُمْ بِهِ أدْرَكْتُمْ مَنْ سَبَقَكُمْ، وَلَمْ يُدْرِكْكُمْ أحَدٌ بَعْدَكُمْ، وَكُنْتُمْ خَيْرَ مَنْ أنْتُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهمْ، إلَّا مَنْ عَمِلَ مِثْلَهُ؛ تُسَبِّحُونَ وَتَحْمَدُون وَتُكَبِّرُونَ خَلْفَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلاثًا وَثلَاثِينَ» [قال سُمَيٌّ] 1 فاخْتَلَفْنا بَيْنَنا.
فقال بعضُنا: نُسَبِّحُ ثَلاثًا وثَلاِثين، ونَحْمَدُ ثَلاثًا وثَلاِثِين، ونُكَبِّرُ أرْبعًا وثَلَاثِين.
[فرَجَعْتُ إليه، يَعْنِي إلى أبي صالِحٍ] (1)، فقال: يقول: سُبْحانَ اللهِ والحَمْدُ للهِ واللهُ أكْبَرُ حتَّى يَكُونَ مِنْهُنَّ كُلَّهِنَّ [ثَلاثٌ وثَلاثُون] 2. مُتَّفَقٌ عليه 3. واللَّفْظُ للبُخارِيِّ.
قال أحمدُ، في رِوايَةِ أبي داودَ: يقُولُ 4 هكذا، ولا يَقْطَعُه: سُبْحانَ اللهِ، والحَمْدُ لله، [ولا إلهَ إلَّا الله] 5، واللهُ أكْبَرُ.
وكان ابنُ الزُّبَيْر يقُولُ في دُبُر كل صلاةٍ: «لَا