..................................
طَهِّرْنِي مِنَ الذُّنُوبِ وَالْخَطايَا كَمَا يُنقَّى الثُّوْبُ الأبيَضُ مِنَ الدَّنَسِ» 1. رَواهُنَّ مسلمٌ 2. وقد كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يُطِيلُ القِيامَ بينَ الرُّكُوعِ والسُّجُودِ، قال أَنَسٌ: كان النبيُّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لِمَنْ حَمِدَهُ».
قام حتَّى نقُولَ: قد أوْهَمَ 3. ثم يَسْجُدُ ويَقْعُدُ بينَ السَّجْدَتَيْن حتَّى نقُولَ: قد أوْهَمَ.
رَواه مسلمٌ 4. وليست حالَةَ سُكوتٍ، فنَعْلَمَ 5 أَنَّه عليه السَّلامُ كان يَزِيدُ على هذه الكلِماتِ، لكَوْنِها لا تَسْتَغْرِقُ هذا القِيامَ
كلَه.
..................................
فصل: وإذا رَفَع رَأسَه مِن الرُّكوعِ، فعَطسَ، فقال: رَبَّنا ولك الحَمْدُ.
يَنْوِي بذلك للعَطْسَةِ والرفْعِ، فرُوِيَ عنه: لا يُجْزِئُه.
لأنَّه لم يُخْلِصْه للرَّفعِ.
قال شيخُنا 1: والصَّحِيحُ أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه ذِكْرٌ لا تُعْتَبَرُ له النيةُ، وقد أتَى به فأجْزَأه، كما لو قاله ذاهِلًا، ويُحْمَلُ قولُ أحمدَ على الاسْتِحْباب، لا على نَفْيِ الإجْزاءِ حَقِيقَةً.
فصل: وإذا أتَى بقَدْرِ الإجْزاءِ من الرُّكُوعِ، فاعْتَرَضَتْه عِلَّةٌ مَنَعَتْه القِيامَ، سَقَط عنه الرَّفْعُ؛ لتَعَذرِه، ويَسْجُدُ عن الرُّكُوعِ.
فإن زالَتِ العِلَّةُ قبلَ سُجُودِه، فعليه القِيامُ.
وإن زالَتْ بعدَ سُجُودِه إلى الأرضِ، سَقَط القِيامُ؛ لأن السُّجُودَ قد صَحَّ وأجْزَأ، فسَقطَ 2 ما قبلَه.
فإن قام مِن سُجُودِه عالِمًا بتَحْرِيمِ ذلك، بَطَلَتْ صَلَاتُه؛ لأنَّه زاد في الصلاةِ فِعْلًا.
وإن كان جاهِلًا أو ناسِيًا، لم تَبْطُلْ، ويَعُودُ إلى جَلْسَةِ الفَصْلِ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ.
فصل: وإن أراد الرُّكُوعَ، فوَقَعَ إلى الأرضِ، فإنَّه يَقومُ فيَرْكعُ.
وكذلك إن رَكَع فسَقَطَ قبلَ [طمَأْنِينَتِه، بَطَل الرُّكُوعُ] 3؛ لأنَّه لم يَأتِ بما يُسْقِطُ الفَرْضَ.
فإن رَكَع فاطْمَأنَّ، ثُمْ سَقط، فإنَّه يقُومُ مُنْتَصِبًا، ولا يُعيدُ الرُّكوعَ؛ لأنَّ 4 فَرْضَه قد سَقَط، والاعْتدالُ عنه قد سَقَط بقِيامِه.
ثُمَّ يُكَبِّر وَيَخِرُّ سَاجِدًا، وَلَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ،
فصل: إذا رَفَع رَأسَه مِن الركُوعِ، فذَكَرَ أنَّه لم يُسَبِّحْ في ركُوعِه، لم يَعُدْ إلى الرُّكُوعِ، سَواءً ذَكَرَه بعدَ اعْتِدالِه قائِمًا أو قبلَه؛ لأن التَّسْبِيحَ قد سَقَط برَفْعِه، والركُوعَ (1) قد وَقَع صَحِيحًا مُجْزِئًا، فلو عاد إليه، زاد رُكُوعًا في الصلاةِ غيرَ مَشْرُوع، فإن فَعَلَه عَمْدًا، أبْطَلَ الصلاةَ، وإن فَعَلَه ناسِيًا أو جاهِلًا، لم تَبْطُلِ الصلاةُ، كما لو ظَنَّ أنَّه لم يَرْكَعْ، ويَسْجُدُ للسَّهْوِ.
فإن أدْرَكَ المَأمُومُ الإمامَ في هذا الركُوعِ، لم يُدْركِ الركْعَةَ؛ لأنَّه ليس بمَشْرُوعٍ في حَقِّه، ولأنَّه لم يُدْرِكْ رُكوعَ الرَّكْعَةِ، فأشْبَهَ ما لو لم يُدْرِكْه راكِعًا.
ذَكَرَه شيخُنا (2). وقال القاضي في «المُجَردِ»: إن رَجَع الإمامُ، لم تَبْطُلْ صَلاُتَه، فَإن أدْرَكَه المَأمُومُ، فقِياسُ المَذْهَبِ أنَّه يُعْتَدُّ بها رَكْعَةً؛ لأنَّه رَجَع إلى واجِبٍ، غيرَ أنَّه سَقَط عنه بالنِّسْيانِ.
408 -
مسألة: (ثم يُكَبِّرُ وَيَخِرُّ ساجِدًا، ولا يَرْفَعُ يَدَيْه)
السُّجُودُ واجِبُ في الصلاةِ بالنَّصِّ والإجْماعِ، والطمَأنِينَةُ واجِبَة فيه؛ لقَوْلِ النبيِّ12
..................................
- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاتِه: «ثُمَّ اسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِن سَاجِدًا» 1. والخِلافُ فيها كالخِلافِ في طُمَأنِينَةِ الرُّكُوعِ.
ويَنْحَط إلى السُّجُودِ مُكَبِّرًا، لِما ذكرْنا من الأخْبارِ، ويكُونُ ابْتِداءُ تَكْبِيرِه مع ابْتِداءِ انْحِطاطِه، وانْتِهاؤه مع انْتِهائِه.
ولا يُسْتَحَبُّ رَفْعُ يَدَيْه فيه 2، في المَشْهُورِ مِن المَذْهَبِ: ونَقَل عنه 3 المَيْمُونِيُّ، أنَّه يَرْفَعُ يَدَيْه.
وسُئِل عن رَفْع اليَدَيْن في الصلاةِ، فقال: يَرْفَعُ في كل خَفْضٍ ورَفْعٍ.
وقال: فيه عن ابنِ عُمَرَ وأبي حُمَيْدٍ أحادِيثُ صِحاحٌ.
ووَجْهُ الأوَّلِ حديثُ ابنِ عُمَرَ، قال: وكان لا يَفْعَلُ ذلك في السُّجُودِ.
مُتفَق عليه 4. ولَمَّا وَصَف أبو حُمَيْدٍ صلاةَ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لم يَذْكُرْ رَفْعَ الَيَدَيْن في السُّجُودِ 5. والأحادِيثُ العامَّةُ مُفَسَّرَةٌ بالأحادِيثِ المُفَصَّلَةِ التى رَوَيْناها، فلا يَبْقَى فيها اختِلافٌ.
فَيَضَعُ رُكْبَتَيْهِ، ثُمَّ يَدَيْهِ، ثُمَّ جَبْهَتَهُ وَأنْفَهُ، وَيَكُونُ عَلَى أطْرَافِ أصَابِعِهِ.
409 - مسألة: (فيَضَعُ رُكْبَتَيْه، ثم يَدَيْه، ثم جَبْهَتَه وَأَنفَه، ويكونُ على أطْرافِ أصابِعِه)
هذا المَشْهُورُ مِن المَذْهَبِ، رُوِيَ ذلك عن عُمَرَ 1، -رَضِيَ اللهُ عنه-.
وهو قَوْلُ أبي حنيفةَ، والثَّوْرِيِّ، والشافعيِّ.
وعن أحمدَ رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّه يَضَعُ يَدَيْه قَبْل رُكْبَتَيْه.
وهو مذهبُ مالكٍ؛ لِما رُوِيَ عن أبي هُرَيْرَةَ، قَال: قَال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلَا يَبْرُكْ كَمَا يَبْرُكُ الْبَعِيرُ، وَلْيَضَعْ يَدَيْهِ قَبْل رُكْبَتَيْهِ».
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ 2. وعن ابنِ عُمَرَ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا سَجَد يَضَعُ يَدَيْه قَبلَ رُكْبَتَيْه.
رَواه الدَّارَقُطْنِيُّ 3. ووَجْهُ الأولى ما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيتُ رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد وَضَع رُكْبَتَيْه
..................................
قبلَ يَدَيْه، وإذا نَهَض رَفَع يَدَيْه قبلَ رُكْبَتَيْه.
رَواه أبو داودَ، والنَّسائِيُّ، وابنُ ماجه، والترمِذِيُّ 1، وقال: حسنٌ غريبٌ.
قال الخَطَابِيُّ: هذا أَصَحُّ مِن حديثِ أبي هُرَيْرَةَ 2. وقد روَى الأثْرَمُ حَدِيثَ أبي هُرَيْرَةَ: «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأ بِرُكْبَتَيْهِ قَبْلَ يَدَيْهِ، وَلَا يَبْرُكْ بُرُوكَ الْبَعِيرِ» 3. وعن سعدٍ، قال: كُنَّا نَضَعُ اليَدَيْن قبل الركْبَتَيْن، فأُمْرِنا بوَضْعِ الركْبَتَين
..................................
قبلَ اليَدَيْن 1. وهذا 2 يَدُلُّ على أنَّه مَنْسُوخٌ.
رَواه ابنُ خُزَيْمَةَ 3، إلَّا أنَّه مِن رِوايَةِ يَحْيَى بنِ سَلَمَةَ بنِ كُهَيْل، وقد تَكلمَ فيه البُخارِيُّ، وقال ابنُ مَعِين: ليس بشئٍ، لا يُكْتَبُ حَدِيثُه.
وقال الدّارَقُطْنِيُّ 4 في حديثِ وائِلِ بنِ حُجْر: تَفَرَّدَ به شَرِيكٌ، عن عاصِمِ بن كُلَيْب، وشَرِيكٌ ليس بالقَوِيِّ فيما تَفَرّدَ به.
ويُسْتَحَبُّ أن يكُونَ على أطْرافِ أصابِعِه، ويَثْنِيَها 5 إلى القِبْلَةِ؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أُمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظمٍ» 6. ذَكَر منها أطْرافَ القَدَمَيْن.
وروَى البخارِيُّ، أن النبيَّ
وَالسُّجُودُ عَلَى هَذِهِ الْأَعْضَاءِ وَاجِبٌ، إلَّا الْأَنْفَ عَلَى إحْدَى الرَّوَايَتَيْنِ.
- صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد غيرَ مُفْتَرِشٍ ولا قابضِهما، واسْتَقْبَلَ بأطْرافِ رِجْلَيْه القِبْلَةَ.
وفي رِوايَةٍ: وفَتَح أصابعَ رِجْلَيْه (1). وهذا مَعْناه.
410 -
مَسألة: (والسُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ واجِبٌ، إلَّا الأنفَ، على إحْدَى الروايتين)
السُّجُودُ على الأعْضاءِ السَّبْعَةِ واجِبٌ، في قَوْلِ طاوُسٍ، وإسحاقَ، والشافعيِّ في أحَدِ قَوْلَيْه.
وقال مالكٌ،1
..................................
وأبو حنيفةَ، والشافعيُّ الآخَرِ: لا يَجِبُ السُّجُودُ على غيرِ الجَبْهَةِ.
ورَواه الآمِدِيُّ، عن أحمدَ.
وقال القاضي في «الجامِع»: هو ظاهِرُ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قد نصَّ في المَرِيضِ يَرْفَعُ شيئًا يَسْجُدُ عليه، أنَّه يُجْزِئُه.
ومَعْلُوم أنَّه قد أخَلَّ بالسُّجُودِ على يَدَيْه؛ لقَوْلِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- «سَجَدَ وَجْهِي» 1. وهذا يَدُل على أنَّ السُّجُودَ على الوَجْهِ، ولأنَّ السَّاجِدَ على الوَجْهِ يُسَمى ساجدًا، ووَضْعَ غيرِه على الأرْضِ لا يُسَمى به ساجِدًا، فالأمْرُ بالسُّجُودِ يَنْصَرِفُ إلى ما يُسَمِّي به ساجِدًا دُونَ غيرِه، ولأنَّه لو وَجَب السُّجُودُ على هذه الأعْضاءِ، لوَجَبَ كَشْفُها، كالجَبْهَةِ.
ولَنا، ما روَى ابنُ عباس، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُم؛ الْيَدَيْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ، وَالْجَبْهَةِ».
مُتَّفَق
..................................
عليه.
وعن البَراءِ بنِ عازِبٍ، قال: قال رسول اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدْتَ فَضَعْ كفَّيْكَ وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ».
رَواه مسلمٌ 1. وسُجُودُ الوَجْهِ لا يَنْفِي سُجُودَ ما عَداه، وسُقُوطُ الكَشْفِ لا يَمْنَعُ وُجُوبَ السُّجُودِ، [فإنَّا نَمْنَعُ] 2 في الجَبْهَةِ على رِوايَةٍ، ولو سُلِّمَ فالجَبْهَةُ هي الأصْلُ في السُّجُودِ، وهي مَكشُوفَةٌ 3 عادَةً، بخِلافِ غيرِها، فإن أخَلُّ بالسُّجُودِ على عُضْوٍ مِن هذه الأعْضاءِ، لم تَصِح صَلاُتَه عندَ مَن أوْجَبَه، وإن قَدَر على السُّجُودِ على الجَبْهَةِ، وعَجَز عن السُّجُودِ على بَعْضِ هذه الأعضاء، سَجَد على بَقِيَّتِها، وقَرَّبَ العُضْوَ المَرِيضَ مِن الأرْضِ غايَةَ ما يُمْكِنُه، ولا يَجِبُ عليه أن يَرْفَعَ إليه شيئًا؛ لأَنَّ السُّجُودِ هو الهُبُوطُ، ولا يَحْصُلُ بالرفْعِ، وإن سَقَط السُّجُودُ على 4 الجَبْهَةِ؛ لعارِضٍ مِن مَرَض أو غيرِه، سَقَط عنه السُّجُودُ على غيرِه، لأنَّه الأصْلُ، وغيرَه تَبَعٌ له، فإذا سَقَط الأصْلُ سَقَط التبعُ، ولهذا قال أحمدُ في المَرِيضِ يَرْفَعُ إلى جَبْهَتِه شيئًا يَسْجُدُ عليه: أنَّه يُجْزِئُه.
..................................
فصل: وفي الأنْفِ رِوايَتان؛ إحْداهما، يَجبُ السُّجودُ عليه.
وهو قولُ سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، وإسحاقَ؛ لِما روَى ابنُ عباسٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعةِ أعْظُمٍ، عَلَى 1 الْجَبْهَةِ».
وأشار بيَدِه إلى أنفِه.
«وَالْيَدَيْنِ، وَالركْبَتَيْنِ، وأطْرافِ الْقَدَمَيْن».
مُتَّفَق عليه 2. وإشارَتُه إلى أنْفِه تَدُل على إرادَتِه.
وللنَّسائِيِّ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أنْ أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُمٍ عَلَى (1) الجَبْهَةِ، وَالأنْفِ، وَالْيَديْنِ، وَالرُّكْبَتَيْنِ، وَالْقَدَمَيْنِ» 3. والرِّوِايَةُ الثَّانِيَةُ، لا يَجبُ.
وهو قولُ عَطاء، والحسنِ، والشافعيِّ، وأبي يُوسُف، ومحمدٍ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «أمِرْتُ أن أسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أعْظُم».
ولم يَذْكُرِ الأنفَ فيها، ورُوِيَ أنَّ جابِرًا قال: رَأيتُ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد بأعْلى جَبْهَتِه على قُصاصِ الشَّعَرِ 4. رَواه تَمَّامٌ في «فَوائِدِ»، وغيرُه.
وإذا سَجَد بأعْلَى الجَبْهَةِ لم يَسْجُدْ على الأنْفِ.
ورُوِيَ عن أبي حنيفةَ: إن سَجَد على [أنْفِهِ دُونَ جَبْهَتِهْ] 5، أجْزَأه (1). ولَعَلَّه ذَهَب إلى أنَّ الجَبْهَةَ والأَنْفَ عُضْو واحِدٌ؛
وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ مُبَاشَرَةُ المُصَلَّى بِشَيْء مِنْهَا، إلَّا الْجَبهَةَ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
لإشارَةِ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إليه حينَ ذَكرَ الجَبْهَةَ.
والسُّجُودُ على بعضِ العُضْوِ يُجْزِئُ.
وهذا قَوْل يُخالِفُ الحديثَ الصَّحِيحَ والعُلَماءَ قبلَه.
قال ابنُ المُنْذِرِ: لا أعْلَمُ أحدًا سَبَقَه إلى هذا القَوْلِ.
واللهُ أعلمُ.
411 -
مسألة: (ولا تَجِبُ عليه مُباشَرَةُ المُصَلَى بشئٍ منها، إلَّا الجَبْهَةَ على إحْدَى الروايَتَيْن)
لا تَجِبُ مُباشَرَةُ المُصَلَى بشئٍ مِن أعْضاءِ السُّجُودِ في الصَّحِيحِ مِن المَذْهَبِ.
قال القاضي في «المُجَرَّدِ»: إذا
..................................
سَجَد على كَوْرِ العِمامَةِ أو كُمِّه أو ذَيْلِه، فالصلاةُ صَحِيحَة رِوايَةً واحِدَةً.
وهل يُكْرَهُ؟ على رِوايَتَيْن.
وممَّن رَخَّصَ في السُّجُودِ على الثَّوْب في الحَرِّ والبَرْدِ عَطاءٌ، وطاوسٌ والشَّعْبِيُّ، ومالكٌ، وإسحاقُ، وَأصحابُ الرَّأْيِ.
وسَجَد شُرَيْحٌ على بُرْنُسِه 1. وفيه 2 رِوايَة أخْرَى، أنَّه يَجِبُ عليه 3 مُباشَرَةُ المُصَلَّى بالجَبْهَةِ.
ذكَرَها أبو الخطَّابِ.
وروَى الأثْرَمُ، قال: سَألْتُ أَبا عبدِ اللهِ عن السُّجُودِ على كوْرِ العِمامَةِ؟ فقال: لا تَسْجُدْ على كُورِها، ولكنْ تَحْسُرُ 4 العِمَامَةَ.
وهو مذهبُ الشَّافعيّ؛ لِما روَى خَبّابٌ، قال: شَكوْنا إلى رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- حَر الرَّمْضاءِ في جِباهِنا وأكُفِّنا، فلم يُشْكنا 5. رَواه البَيْهَقِي 6، ورَواه مسلم 7. وليس فيه، جِباهُنا وأكُفُّنا.
وعن عليٌّ، -رَضِيَ الله عَنْهُ-، قال: إذا كان أَحَدُكم يُصَلَّى فليَحْسُرِ العِمامَةَ عن جَبْهَتِه.
رَواه البَيْهَقِيُّ 8. ولأنَّه سَجَد على
..................................
ما هو حامِلٌ له، أشْبَهَ ما إذا سَجَد 1 على يَدَيْه.
ولَنا، ما روَى أنسٌ، قال: كُنّا نُصَلى مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فيَضَعُ أحَدُنا طَرَفَ الثَّوْبِ مِن شِدَّةِ الحَرِّ في مَكانِ السُّجُودِ.
متَّفَق عليه 2. وعن ثابِتِ بنِ صامِتٍ، أن رسولَ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- صَلَّى في بَنِي عَبْدِ 3 الأشْهَلِ، وعليه كِساءٌ مُلْتَفٌ به، يَضَعُ يَدَيْه عليه، يَقِيه بَرْدَ الحَصَى.
رَواه ابنُ ماجه 4. وقال الحسن: كان أصْحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَسْجُدون وأيْدِيهم في ثِيابِهم، ويَسْجُدُ
..................................
الرجلُ على عِمامَتِه.
رَواه البَيْهَقِيُّ 1. ولأَنَّه عُضْوٌ مِن أعْضاءِ السُّجُودِ، فجاز السُّجُودُ على حائِلِه، كالقَدَمَيْن.
فأمَّا حَدِيثُ خَبّابٍ، فالظّاهِرُ أنَّهم طَلَبُوا منه تَأخِيرَ الصلاةِ، أو تَسْقِيفَ المَسْجِدِ، أو نَحْوَ ذلك، مِمّا يُزِيلُ عنهم الضَّرَرَ الحاصِلَ مِن الحَر، أمَّا الرُّخْصَةُ في السُّجُودِ على العِمامَةِ والأكْمامِ، فالظّاهِرُ أنَّهم لم يَطْلُبُوه؛ لأنَّ ذلك إنَّما طَلَبَه الفُقَرَاءُ، ولم يَكُنْ لهم عَمائِمُ ولا أكمامْ طِوال يَتقُون بها، وإنِ احْتَمَلَ ذلك، لكنَّه لا يَتَعَين؛ لجَوازِ ما ذَكَرْنا، ولذلك لم يَعْمَلُوا به في الأكُفِّ.
قال أبو إسحاقَ: المَنْصُوصُ عن الشافعيِّ، أنَّه لا يَجِبُ كَشْفُهُما.
وقد قِيلَ فيه قَوْلٌ: إنه يَجِبُ.
أمَّا إذا سَجَد على يَدَيْه قائِمًا، لم يَصِحَّ؛ لأنَّ السُّجُودَ عليهما يُفْضِي إلى تَداخُلِ أعْضاءِ السُّجُودِ، بخِلافِ مَسْألتِنا.
وقال القاضي
..................................
في «الجامِع»: لم أجِدْ نَصًّا في هذه المسألةِ، ويَجِبُ أن تكُونَ مَبْنِيةً على السُّجُودِ على غيرِ الجَبْهَةِ؛ إن قُلْنا: لا يَجِبُ.
جاز، كما لو سَجَد على العِمامَةِ.
وإن قُلْنا: يَجبُ.
لم يَجُزْ؛ لِيْلا يَتَداخَلَ مَحَلُّ السُّجُودِ بَعْضُه في بعض.
والأوْلى مُباشَرَةُ المُصَلِّي بالجَبْهَةِ واليَدَيْنِ، ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ويَأْخُذَ بالعَزِيمَةِ.
وذَكَرَ القاضي في كَراهِةِ سَتْرِ اليَدَيْن رِوايَتَيْن.
قال أحمدُ، وإسحاق: لا يُعْجِبُنِي إلَّا في الحَر والبَرْدِ.
وكان ابنُ عُمَرَ يَكْرهُ السُّجُودَ على كوْرِ العِمامَةِ 1.
وَيُجَافِي عَضُدَيْهِ عَنْ جَنْبَيْهِ، وَبَطْنَهُ عَنْ فَخِدَيْهِ، وَيَضَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكبَيْهِ، وَيُفَرِّقُ بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ،
412 - مسألة: (ويُجافِي عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه، وبَطْنَه عن فَخِذيْه، ويَضَعُ يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه، ويُفَرقُ بينَ رُكْبَتَيْه)
التجافِي في السُّجُودِ للرجلِ مُسْتَحَبٌّ؛ لأنَّ في حَدِيثِ أبي حُمَيْدٍ 1، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان إذا سَجَد جافَى عَضُدَيْه عن جَنْبَيْه.
وفيه: إذا سَجَد فَرَّجَ بينَ فَخذَيْه غيرَ حامِلٍ بَطنه على شيء مِن فَخِذيْه.
ولأبى داودَ: ثم سَجَد فأمْكَنَ أنفَه وجَبْهَتَه، ونَحَّى يَدَيْه عن جَنْبَيْه، ووَضَع يَدَيْه حَذْوَ مَنْكِبَيْه.
وعن مَيْمُونَةَ، قالَتْ: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد، لو شاءَتَ بَهْمَةٌ 2 أنْ تَمُر بينَ يَدَيْه لمَرَّتْ.
رَواه مسلم 3. وعنِ جابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد جافى حتَّى يُرَى بَياضُ إبْطَيْه.
رَواه الإمام أحمدُ 4.
..................................
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يَضَعَ راحَتَيْه على الأرْضِ مَبْسُوطَتَيْن مَضْمُومَتَى الأصابع، مُسْتَقْبِلًا بهما القِبْلَةَ، ويَضَعَهما حَذْوَ مَنْكِبَيْه؛ لِما ذَكَرْنا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ ولِما روَى وائِلُ بنُ حُجْر، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد ضمَّ أصابِعَه.
رَواه البَيْهَقِي 1. وروَى الأثْرَمُ، قال: [رَأيتُ أَبا عبدِ اللهِ] 2 سَجَد ويداه بحِذاءِ 3 أُذُنَيْه.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ عُمَرَ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد فجَعَلَ كَفَّيْه بحِذاءِ أُذُنَيْه.
رَواه الأثْرَمُ، وأبو داودَ 4 بمَعْناه.
والجَمِيعُ حسنٌ.
فصل: والكَمالُ في السُّجُودِ أن يَضَعَ جَمِيعَ بَطْن كَفِّه وأصابِعِه على الأرْضِ، ويَرْفَعَ مِرْفَقَيْه؛ لِما روَى البَراءُ بنُ عازِبٍ، قال: قال رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا سَجَدْتَ، فَضَعْ كَفَّيْكَ، وَارْفَعْ مِرْفَقَيْكَ» 5. فإنِ اقْتَصَرَ
..................................
على [بَعْضِ باطِنها أجْزَأه.
قال أحمدُ: إن وَضَع مِن اليَدَيْن بقَدْرِ الجَبْهَةِ أجْزَأه.
وإن جَعَل ظُهُورَ كَفيْه إلى الأرض، أو سَجَد على] 1 [أَطْرافِ أصَابع يَدَيْه، فظاهِرُ الخَبَرِ أنَّه يُجْزِئُه؛ لأنَّه قد سَجد على يدَيْه، وهكذا لو سَجَد على ظهُورِ قَدَمَيْه، ولأنّه لا يَخْلُو مِن إصَابَةِ بَعْض] 2 أطرافِ قَدَمَيْه الأرْضَ، فيَكونَ ساجِدًا على أطْرافِ القَدَمَيْن، إلَّا أنّه يكُونُ تارِكًا للأفْضَلِ.
فصل: وإذا أراد السّجُودَ، فسَقطَ على وَجْهِه، فماسَّتْ جَبْهَته 3 الأرْضَ، أجْزَأه ذلك، إلَّا أن يَقْطَعَ نِيَّةَ السجُودِ، [وإن سَقَط على جَنْبه، ثم انْقَلَبَ] 4 فماسَّتْ جَبْهَتُه الأرْضَ، لم يُجْزِئْه ذلك، إلَّا أن يَنْوِيَ السُّجودَ.
والفَرْقُ بينَ المَسْألتَيْن، أنَّه هاهُنا خَرَج عن سننِ الصلاةِ وهَيّأتِها، ثم كان انْقِلابُه الثاني عائدًا إلى الصلاةِ، فافْتَقَرَ إلى تجْدِيد النيةِ، وفي التى قَبْلَها هو على هَيْئَةِ الصلاةِ وسَنَنِها، فاكتفِيَ باسْتِدامَةِ النية.
وَيَقُولُ: سبحانَ رَبىَ الْأَعْلَى.
ثَلاثًا،
413 - مسألة: (ويَقُولُ: سُبْحانَ رَبىَ الأعْلَى. ثَلاثًا)
الحُكمُ في هذا التَّسْبيحِ كالحُكمِ في تَسْبِيحِ الرُّكُوعِ، على ما شَرَحناه، والأصْلُ فيه حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامِرٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا نَزَل: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾ 1، قال: «اجْعَلُوها في سُجُودِكُمْ».
وروَى ابنُ مسعودٍ، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «إذَا سَجَدَ أحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ: سُبْحانَ رَبىَ الأعلَى.
ثَلاثًا، وَذَلِكَ أَدْنَاهُ».
وعن حُذَيْفَةَ، أنَّه سَمِع رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم- إذا سَجَد قال: «سُبْحان رَبىَ الأعلَى.
ثَلاثَ مَرّاتٍ».
رَواهُنَّ ابنُ
..................................
ماجه، وأبو داودَ 1، ولم يَقُلْ: «ثَلاثَ مَراتٍ».
والحُكْمُ في عَدَدِه وتَطْوِيلِ السُّجُودِ، كما ذكرنا في الرُّكوعِ.
فصل: وإن زاد دُعاءً مأثورًا، أو ذِكْرًا، مِثْلَ ما رُوى عن عائشةَ، رَضِيَ اللهُ عنها، قالت: كان رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- يقُولُ في رُكُوعِه، وسُجُودِه: «سُبْحانَكَ اللَّهُمَّ وَبحَمْدِكَ، اللهُمَّ اغْفِر لِي».
مُتفقٌ عليه 2. وعن أبي سعيدٍ 3، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «يَا مُعاذُ، إذَا وَضَعْتَ وَجْهَكَ سَاجِدًا، فقُلْ: اللهُمُّ أعِنى عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْركَ وَحُسْنِ عِبادَتِكَ» 4. وقال
..................................
عليٌّ 1، عليه السَّلامُ: أَحَبُّ الكَلامِ إلى الله أن يقُولَ العَبْدُ وهو ساجِدٌ: رَبِّ إنّى ظَلَمتُ نَفْسِي، فاغْفِر لِي 2. رَواهما سعيدٌ في «سُنَنِه».
وعن أبي هُرَيْرَة، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يقُولُ في سُجُودِه: «اللهُمَّ اغْفِر لِي ذَنْبِي كُلهُ؛ دِقهُ وَجِلَّهُ، وَأوّلَهُ وآخِرَهُ، وسِرهُ وَعَلانِيَتَهُ».
رَواه مسلم 3. فهو حَسَنٌ؛ لِما ذَكَرنا.
وقد قال عليه الصلاةُ والسلامُ: «وَأمَّا السُّجُود فَأكْثِرُوا فِيهِ مِنَ الدُّعاءِ فَقَمِنٌ 4 أنْ يُستجابَ لَكمْ» 5. حديثٌ صحيحٌ.
وقال القاضي: لا تُسْتَحَبُّ الزِّيادَة على «سُبْحانَ رَبِّيَ الأعْلَى» في الفَرْضِ، وفي التطوُّعِ رِوايَتان.
قال شيخُنا 6: وقد ذَكَرنا هذه الأخْبارَ الصَّحيحَةَ، وسُنةُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أحَقُّ أن تُتبعَ، والأمْرُ بالتَّسْبِيحِ لا ينفى الأمْرَ بغيرِه، كما أنَّ الأمْرَ بالدُّعاءِ لم يَنْفِ الأُمْرَ بالتسْبِيحَ 7.
..................................
فصل: ولا بأسَ بتَطْويلِ السُّجُودِ للعُذْرِ؛ لِما رُوى أنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج وهو حامِلٌ حَسَنًا أو حُسَيْنًا، في إحدَى صَلاتيِ العِشاءِ فوَضعَه، ثمَّ كَبَّرَ للصلاةِ فصَلَّى، فسَجَدَ بينَ ظَهرَى صَلاِته سَجْدَةً أطالَها، فلَمَّا قَضَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- الصلاة، قال النّاسُ: يَا رسول اللهِ، إنَّك سَجَدتَ بينَ ظَهرَى صَلاِتك سَجْدةً أطَلْتَها حتَّى ظَنَنَّا أنَّه قد حَدَث أمْرٌ، أو أنَّه يُوحَى إليك.
قال: «كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ، وَلَكِن ابْنِي ارتَحَلَنِي، فَكَرِهْتُ أن أُعجِّلَهُ حَتَّى يَقْضيِ حاجَتَهُ».
رواه الإمامُ أحمدُ، والنَّسَائِيّ 1، وهذا لَفْظُه.
فصل: ولا بَأْسَ أن يضَعَ مرفَقَيْه على رُكبْتيْه إذا طال 2 السجُودُ؛ لِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: شَكا أصحابُ رسولِ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- مَشَقَّةَ السجُودِ عليهم، فقال: «اسْتَعِينُوا بِالركبِ».
قال ابنُ عَجْلانَ: هو أن يَضَعَ مِرْفَقَيْه على رُكْبتيْه إذا طال (2) السُّجُودُ وأعْيىَ.
رَواه الإمامُ أحمدُ، وأبو داودَ 3. وقال عُمَرُ، رضىَ اللهُ عنه: إنَّ الرُّكَبَ قد سُنَّتْ لكم، فخُذُوا بالرُّكَبِ.
رَواه الترمِذِيُّ 4، وقال: حديثٌ حسنٌ صحيحٌ.
ثُمَّ يَرفَعُ رأسَهُ مُكَبرًا، وَيَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، يَفْرِشُ رِجْلَهُ
414 - مسألة: (ثمَّ يرفَعُ رأسَه مُكبرًا)
يَعْنِي إذا قَضَى [سُجُودَه، رَفَعَ] (1) رأسَه مُكبرًا وجَلَس، ويكونُ ابتداء تَكْبِيرِه مع ابتداءِ رفْعِه، وانْتِهاؤُه مع انْتِهائِه.
وهذا الرفْعُ والاعْتِدالُ عنه واجبٌ.
وهو قَوْل الشافعيِّ.
وقال مالكٌ وأبو حنيفةَ: ليس بواجِب.
بل يَكْفِي عندَ أبي حنيفةَ أن يَرفَعَ رأسَه مِثْلَ حَدّ السَّيفِ؛ لأنَّ هذه جَلْسَةُ فَصل بينَ مُتَشاكِلَيْن، فلم تَكُنْ واجبَةً، كجَلْسَةِ التشَهّدِ الأوَّلِ (2). ولَنا، قولُ النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- للمُسِيءِ في صَلاتِه: «ثُمّ اجْلِسْ حَتَّى تَطْمَئِنُّ جالِسًا».
متفَقٌ عليه (3). ورَوَتْ عائشةُ، قالت: كان، تَعْنِي النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، إذا رَفَع رأسَه مِن السَّجْدَةِ، لم يَسْجُدْ حتَّى يَسْتَوِي قاعِدًا.
مُتَفَقٌ عليه (4). ولأنَّه رَفعٌ واجبٌ، فكان الاعْتِدالُ عنه واجِبًا، كالرفْع مِن السَّجْدَةِ الأخِيرَةِ، والتَّشَهدُ الأولُ واجِبٌ عندَنا في الصَّحِيحِ.
415 -
مسألة، قال: «ويَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، يَفْرِش
5 رِجْلَه1234
الْيُسْرَى وَيَجْلِسُ عَلَيْها، وَيَنْصِبُ الْيُمْنَى، ثُمَّ يَقُولُ: رَبِّ اغْفِر لِي.
ثَلَاثًا،
اليُسْرَى 1، ويجْلِس عليها، ويَنْصِبُ اليُمْنَى ويَقُولُ: رَب اغْفِر لِي.
ثَلاثًا) السنَةُ أن يَجْلِسَ بينَ السَّجْدَتَيْن مُفْتَرِشًا، يَفْرِشُ رِجْلَه اليُسْرَى فيَبْسُطُها، ويَجْلِس عليها، ويَنْصِبُ رِجْلَه 2 اليُمْنَى ويُخْرِجُها مِن تَحتِه، ويَجْعَلُ بُطونَ أصابعِها على الأرضِ مُعْتَمِدًا عليها؛ لتَكُونَ أطْرافُ أصابِعِها إلى القِبْلَةِ؛ لقَوْلَ أبَى حُمَيْدٍ، في صِفَةِ صلاةِ رسولَ اللَهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ثمَّ ثَنَى رِجْلَه اليُسْرَى، وقَعَد عليها، ثمَّ اعْتَدَلَ، حتَّى رَجَعَ كلُّ عَظْم في مَوْضِعِه، ثمَّ هَوَى ساجِدًا 3. وفي حديثِ عائشةَ: وكان يَفرِشُ رِجْلَه اليُسرى ويَنْصِبُ اليُمنَى.
مُتُّفَقٌ عليه 4. قال الأثْرَمُ: تَفَقَّدْتُ أَبا عبدِ الله فرأَيتُه يَفْتَحُ أصابعَ رِجْلِه اليُمْنَى، فيَستقْبِلُ بها القِبْلَةَ.
وروَى، بإسْنادِه، عن عبدِ الرحمنِ بنِ يَزيدَ، قال: كُنا نُعَلَّمُ إذا جَلَسْنا في الصلاةِ أن يَفْتَرِشَ الرَّجُلُ مِنّا قَدَمَه اليُسْرَى، ويَنْصِبَ قَدَمَه اليُمنَى على صَدرِ قَدَمِه،
..................................
فإن كانت إبْهامُ أحَدِنا لتَنْثَنِي، فيُدْخِل يَدَه حتَّى يَعْدِلَها.
وعن ابنِ عُمَرَ، قال: مِن سُنةِ الصلاةِ أن يَنْصِبَ القَدَمَ اليُمْنَى، واستِقْبالُه بأصابِعِها القِبْلَةَ 1.
فصل: والمُسْتَحَبُّ عندَ أبي عبدِ اللهِ أن يقُولَ: رَبِّ اغْفِر لِي.
يُكَررُ ذلك، والواجِبُ منه مرَّةٌ، وأدْنَى الكمالَ ثلاثٌ، كقَوْلِنا في التَّسْبِيحِ.
وفي وُجُوبِه رِوايَتان، نَذْكُرُهما فيما يأتِي، إن شاء الله.
والأصلُ في هذا ما روَى حُذَيْفةُ، أنَّه صَلَّى مع النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فكان يقُولُ بين السَّجْدَتَيْن: «رَبِّ اغْفر لي، [رَب اغفِر لِي] 2». رَواه النسائِيُّ وابنُ ماجه 3. وإن قال: رَبّ اغْفِر لنا.
أو: اللَّهُمَّ اغْفِر لنا.
فلا بأس.
ثُمَّ يَسْجُدُ الثانِيَةَ كالأولَى،
416 - مسألة: (ثمَّ يَسْجُدُ الثّانِيَةَ كالأولَى)
وهذه السَّجْدَةُ واجِبَةٌ بالإجْماعِ؛ لأنَّ النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَسْجُدُ سَجْدَتَيْن، لم يَخْتَلِفْ عنه 1 في ذلك.
فصل: والمُسْتَحَبُّ أن يكُونَ شُرُوعُ المأمُومِ في أفْعالِ الصلاةِ؛ مِن الرفْع والوَضْع، بعدَ فَراغِ الإمام منه، ويُكْرَهُ فِعْلُه معه في قَوْلِ أكْثَرِ أهلِ العلمِ.
واستحَبَّ مالك أن تكُوَنَ أفْعالُه مع أفْعالِ الإمامِ.
ولَنا، ما روَى البَراءُ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا قال: «سَمِعَ اللهُ لمَنْ حَمِدَهُ».
لم نَزَلْ قِيامًا حتَّى نَراه قد وَضَعَ جَبْهَتَه بالأرضِ، ثمَّ نَتْبَعُه.
مُتَّفَقٌ عليه 2. وروَى أبو موسى، قال: خَطَبَنا رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- فبَيَّنَ لنا سُنتَّنا،
ثُمَّ يَرفَعُ رأسَهُ مُكَبرًا، وَيَقُومُ عَلَى صُدُورِ قَدَمَيْهِ، مُعْتَمِدًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ،
وعَلَّمَنا صَلاتَنا فقال: «إذا صَليْتُمْ فَأقِيمُوا صفُوفَكُمْ، وَليومكُمْ أحَدُكُمْ، فَإذا كَبر فَكَبروا».
إلى قَوْلِه: «وَإذا رَكَعَ، فاركَعُوا، فَإنَّ الْإمامَ يركَعُ قَبْلَكُمْ، وَيرفَعُ قَبْلَكُمْ».
فقال رسول الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «فَتِلْكَ بِتِلْكَ».
رَواه مسلمٌ (1). وعن أبي هُرَيرةَ، عن النبيِّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-، أنّه قال: «إنما جُعِلَ الإمامُ لُيؤتَم بِهِ، فَلا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ، فإذا كَبَّرَ فَكبروا، وَإذا رَكَعَ فاركَعُوا».
إلى قَوْلِه: «وَإذا سَجَد فاسْجُدُوا».
مُتَفَقٌ عليه (2). رَتَّبَه عليه بفاءِ التعْقِيبِ، فيَقْتَضِي أن يكُونَ بعدَه، كقَوْلِه: جاء زَيدٌ فعَمْرٌو.
أي بَعْدَه.
فإن وافَقَ إمامَه في الأفْعالِ، فرَكَعَ وسَجَد معه، أساء، وصحتْ صَلَاتُه.
417 -
مسألة: (ثمَّ يَرفعُ رأسَه مُكَبرًا، ويَقُومُ على صُدُورِ قَدمَيْه مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْه)
وجُمْلَتُه أنَّه إذا قَضَى السجْدَة الثانِيَةَ نَهَضَ للقِيامِ12
..................................
مُكَبرًا، والقِيامُ رُكْنٌ، وفي وُجُوبِ التَّكبِيرِ رِوايَتان، ذَكَرنا وَجْهَهما.
ويَنْهَضُ على صُدُورِ قَدَمَيْه، مُعْتَمِدًا على رُكْبَتَيْه، ولا يَعْتَمِدُ على الأرضِ بيَدَيْه.
قال القاضي: لا يَخْتَلِفُ قَوْلُه أنَّه لا يَعْتَمِدُ على الأرضِ، سَواءٌ قُلْنا: يَجْلِسُ للاسْتِراحَةِ أوْ لا.
وقال مالكٌ والشافعيُّ: السُّنةُ أن يَعْتَمِدَ على يَدَيْه في النُّهُوضِ؛ لأنَّ مالكَ بنَ الحُوَيْرِثِ قال، في صِفَةِ صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: أنَّه لَمّا رَفَع رأسه مِن السَّجْدَةِ الثّانِيَةِ، اسْتَوَى قاعِدًا، ثمَّ اعْتَمَدَ على الأرضِ.
رَواه النسائِيُّ 1. ولأنَّه أعْوَنُ للمُصَلِّي.
ولَنا، ما روَى وائِلُ بنُ حُجْرٍ، قال: رَأيتُ رسولَ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا سَجَد وَضَع رُكْبَتَيْه [قبلَ يَدَيْه، وإذا نَهَض رَفَع يَدَيْه قبلَ رُكْبَتَيْه.
رَواه النَّسائِيُّ 2، والأثْرَمُ.
وفي لَفْظٍ: وإذا نَهَض، نَهَض على رُكْبَتَيه] 3، واعْتَمَدَ على
..................................
فَخِذَيْه.
وعن ابنِ عُمَرَ، قال: نَهَى رسولُ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يعْتَمِدَ الرجلُ على يَدَيْه إذا نَهض في الصلاةِ.
رَواهما أبو داودَ 1. وقال على، رَضِيَ اللهُ عنه: إن مِن السُّنةِ في الصلاةِ المَكْتُوبَةِ، إذا نَهَض الرجلُ في الركْعَتَيْن الأولَيَيْن، أن لا يَعْتمِدَ بيَدَيْه على الأرضِ، إلَّا أن يكُونَ شَيْخًا كبيرًا لا يَسْتَطِيعُ.
رَواه الأثْرَمُ.
ولأنه أشَقُّ فكان أفْضَلَ، كالتَّجافِي.
وحديثُ مالكٌ مَحمُولٌ على أنَّه كان مِن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- لمَشَقَةِ القِيامِ عليه 2؛ لكبَرِه، فإنَّه قال، عليه السلامُ: «إنِّي قَدْ بَدَّنْتُ 3، فَلا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلا بِالسُّجُودِ» 4.
إلَّا أنْ يَشُقَّ عَلَيْهِ، فيَعْتَمِدَ بِالْأَرضِ.
وَعَنْهُ، يَجْلِسُ جِلْسَةَ الِاسْتِرَاحَةِ عَلَى قَدَمَيْهِ وأَليَتَيْهِ،
418 - مسألة: (إلَّا أن يشقَّ عليه فيَعْتَمدَ بالأرضِ)
يَعْنِي إذا شَقَّ عليه النهُوضُ على الصحفَةِ المَذْكُورَةِ، فلا بأسَ باعْتِمادِه على الأرضِ بيَدَيْه.
لا نَعْلَمُ أحَدًا خالَفَ في هذا.
وقد دَلَّ عليه حَدِيثُ مالكِ بنِ الحُوَيْرِثِ، وقولُ عليّ، رَضِيَ اللهُ عنه: إلَّا أن يكُونَ شَيْخًا كبيرًا.
والمَشَقةُ تكونُ لكبرٍ، أو ضَعْفٍ (1)، [أو مَرَض] (2)، أو سِمَن أو نَحوِه.
419 -
مسألة: (وعنه، أنَّه يَجْلِسُ جَلْسَةِ الاستِراحَةِ على قَدَمَيْه وألْيَتَيْه)
اخْتَلَفَتِ الروايَةُ عن أحمدَ في جلْسَةَ الاسْتِراحَةِ، فرُوِيَ عنه، لا يَجْلِسُ.
اخْتارَه الخِرَقِيُّ.
ورُوِي ذلك عن عُمَرَ، وعلى، وابنِ عُمَرَ،12
..................................
وابنِ مسعودٍ، وابنِ عباسٍ.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ وأصحابُ الرأيِ.
قال أحمدُ: أكْثَرُ الأحادِيثِ على هذا.
قال الترمِذِيُّ: وعليه العَمَلُ عندَ أهلِ العلمَ.
قال أبو الزنادِ: تلك السُّنةُ.
والثَّانِيَةُ، أنَّه يَجْلِسُ.
اخْتارَها الخَلَّالُ.
وهو أحَدُ قَوْلَيِ الشافعيّ.
قال الخَلّالُ: رَجع أبو عبدِ اللهِ عن قَوْلِه بتَركِ الجُلُوس.
لِما روَى مالكُ بنُ الحُوَيْرِثِ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَجْلِسُ، إذا رَفَع رأسَه مِن السُّجُودِ، قبلَ أن يَنْهَضَ.
مُتفَق عليه 1. وذكره أبو حُمَيْدٍ في صِفةِ صلاةِ رسولَ اللهَ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- 2، وهو حديثٌ صحيحٌ، فيَتَعَيَّنُ العَمَلُ به.
وقِيلَ: إن كان المُصَلِّي ضَعِيفًا، جَلَس للاسْتِراحَةِ؛ لحاجَتِه، وإن كان قَوِيًّا لم يَجْلِسْ، كما قُلْنا في الاعْتِمادِ بيَدَيْه على الأرضِ.
وحُمِل جُلوسُ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- على أنَّه كان في آخِرِ عُمُرِه، عندَ كِبَرِه.
قال شيخُنا 3: وفي هذا جَمْعٌ بينَ الأخْبارِ، وتَوَسُّطٌ بينَ
..................................
القَوْلَيْن.
فإذا قُلْنا.
يَجْلِسُ فإَّنه يَجْلِسُ: مُفْتَرِشًا، كالجُلُوس بينَ السَّجْدَتَيْن، وهو مَذْهَبُ الشافعيَّ؛ لقَوْلِ أبي حُمَيْدٍ في صِفَةِ صلاةِ رسولِ الله -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم-: ثمَّ ثَنَى رِجْلَه، وقَعَد عليها 1، واعْتَدَلَ حتَّى رَجَع كلُّ عُضْو في مَوْضِعِه، ثمَّ نهَض.
وهذا صَرِيحٌ، لا يَنْبَغِي العُدُولُ عنه.
وقال الخَلالُ: روَى عن أحمدَ من لا أُحصِيه كَثرةً، أنَّه يَجْلِسُ على ألْيَتَيْه.
قال القاضي: يَجْلِس على قَدَمَيْه وألْيَتَيْه، مُفْضِيًا بهما إلى الأرض؛ لأنه لو جَلَس مُفْتَرِشًا، لم يأمنِ السَهْوَ، فيَشكَّ هل جَلَس عن السَّجْدَةِ الأولَى أو الثانِيَةِ؛ وقال أبو الحسنِ الآمِدِي: لا يَخْتَلِفُ أصحابُنا، أنَّه لا يُلْصِقُ ألْيَتَيْه بالأرضِ في جَلْسَةِ الاسْتِراحَةِ، بل يَجْلِسُ مُعَلقًا عن الأرضِ.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أن يكُونَ ابْتداءُ تَكْبِيرِه مع ابْتداءِ رَفْع رأسِه مِن السُّجُودِ، وانْتِهاؤُه عندَ اعْتِدالِه قائِمًا؛ ليكُونَ مُسْتَوْعِبًا بالتكْبِيرِ جَمِيعَ الرُّكن، وعلى هذا بَقِيَّةُ التكبيراتِ، إلَّا مَن جَلَس جَلْسَةَ الاسْتِراحَةِ، فإنَّه يَنْتَهِي تكبِيرُه عندَ انْتِهاءِ جُلُوسِه، ثمَّ يَنْهَضُ بغيرِ تَكبِير.
وقال أبو الخَطّابِ: يَنْهَضُ مُكبرًا.
ولا يَصِحُّ؛ فإنَّه يُفْضِي إلى المُوالاةِ بينَ تَكبِيرتَيْن في رُكْن واحِدٍ، لم يَردِ الشرعُ بجَمْعِهما فيه.
ثُمَّ يَنْهَضُ.
ثُمَّ يُصَلى الثانِيَةَ كَذَلِكَ، إلَّا في تَكْبِيرَةِ الْإحرامَ والِاسْتِفتاحِ، وَفِي الِاسْتِعاذَةِ رِوايَتانِ.
420 - مسألة: (ثمَّ يَنْهَضُ، ثمَّ يُصَلى الثَّانِيَةَ كذلك، إلَّا في تَكْبيرَةِ الإحرام والاسْتِفْتاحِ، وفي الاسْتِعاذَةِ رِوايَتان)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّه يصنَعُ في الركْعَةِ الثانِيَةِ، كما صَنَع في الأولَى، على ما وَصفْنا؛ لأن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وصَف الركْعَةَ الأولَى للمُسئِ في صلاته، ثمَّ قال: «افْعَلْ ذَلِكَ في صلَاتك كُلها» 1. وهذا لا نَعْلم فيه خِلافًا، إلَّا أن الثّانِيَةَ تَنْقُصُ النِّيَّةَ وتَكْبِيرةَ الإحرام والاسْتِفْتاحَ؛ لأن ذلك يُرادُ لافْتِتاحَ الصلاةِ، ولا نَعْلَمُ في تَركِ هذه الأمُورِ الثَلَاثة خِلافًا، فيما عدا الرَّكْعَةَ الأولَى.
فأمّا الاستِعاذَة، ففيها روايَتان؛ إحْداهما، تخْتَصُّ الركْعَة الأولَى.
..................................
وهو قَوْلُ عَطاءٍ، والحسنِ، والثوْرِي؛ لِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: كان رسولُ اللهِ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا نَهَض مِن الركْعَةِ الثانِيَةِ اسْتَفْتَحَ القِراءَةَ بـ ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، ولم يَسْكُتْ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه لم يَكُنْ يَسْتَعِيذُ.
رَواه مسلمٌ 1. ولأنَّ الصلاةَ جُمْلَة واحِدَةٌ، فالقِراءَةُ فيها كلها كالقراءةِ الواحِدَةِ، ولذلك اعْتَبرنا الترتِيبَ في القِراءَةِ في الرَّكْعَتَيْن، أشبهَ ما لو سَجَد للتلاوَةِ في أثْناءِ قِراءَتِه 2 فمتى أتَى بالاستِعاذَةِ في أوَّلِها كَفَى ذلك، كالاسْتِفْتاحِ.
فعلى هذه الرِّوايَةِ، إذا تَرَك الاستِعاذةَ في الأولَى؛ لنِسْيانٍ
..................................
أو غيرِه، أتَى بها في الثانِيَةِ، والاسْتِفْتاحُ بخِلافِ ذلك.
نَصَّ عليه؛ لأنّه يُرادُ لافْتِتاحِ الصلاةِ، فإذا نَسِيَه في أوَّلِها، فات مَحَله، والاسْتِعاذَةُ للِقراءَةِ، وهو يَسْتَفْتِحها في الثّانِيةِ.
والروايَة الثانيةُ، يَسْتَعِيذُ في كلّ رَكْعَةٍ.
وهو قول ابنِ سِيرينَ، والشافعي؛ لقَوْلِه سبحانه: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾ 1. فيَقْتَضِي ذلك تَكْرِيرَ الاسْتِعاذَةِ عندَ تَكْرِيرِ القِراءَةِ، ولأَنّها مَشْرُوعَة للقراءَةِ فَتتَكَرَّرُ بتَكرِيرِها، كما لو كانت في صَلَاتيْن.
فصل: والمَسْبُوقُ إذا أدرَكَ الإمامَ فيما بعدَ الرَّكْعَةِ الأولَى لم يَسْتفتحْ، وأمّا الاسْتِعاذَةُ، فإن قُلْنا: تَخْتَصُّ بالركْعَةِ الأولى.
لم يَسْتَعِذْ؛ لأنَّ ما يُدرِكُه المأمُومُ مع الإمامِ آخِرُ صَلاِته، فإذا قام للقَضاءِ اسْتَفْتَحَ واسْتَعاذَ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن قُلْنا بالرِّوايَةِ الثَّانية، اسْتَعاذَ، وإذا أَرادَ المأمُومُ القِراءَةَ، اسْتَعاذَ؛ لقوْلِ الله تِعالى: ﴿فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ﴾.
ثُمَّ يَجْلِسُ مُفْتَرِشًا، وَيَضَعُ يَدَهُ الْيُمْنَى عَلَى فَخِذِهِ الْيُمْنَى؛ يَقْبِضُ مِنْها الْخِنْصِرَ والْبِنْصِرَ، وَيُحَلِّقُ الإبهامَ مَعَ الْوُسْطَى، وَيُشِيرُ بِالسبابَةِ في تَشَهُّدِهِ مِرارًا، وَيَبْسُطُ الْيُسْرَى عَلَى الْفَخِذِ الْيُسرى.
421 - مسألة: (ثمَّ يجْلِسُ مُفْتَرِشًا، ويَضَعُ يَدَه اليُمْنَى علَى فَخِذِه اليُمْنَى، يَقْبضُ منها الخِنْصِرَ والبِنْصِرَ، ويُحَلقُ الإبهامَ مع الوُسْطَى، ويُشِير بالسبابَةِ في تَشَهُدِه مِرارًا، ويَبْسُطُ اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرى)
متى فَرَغ مِن الركْعَتَيْن، جَلَس للتشَهُّدِ، وهذا الجُلوسُ والتَّشهُّدُ فيه مشرُوعان بغيرِ خِلافٍ، نَقَلَه الخلفُ عن السّلَفِ، عن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- نقْلًا مُتَواتِرًا، فإن كانتِ الصلاةُ أكثر مِن رَكْعَتَيْن فهما واجِبان فيها، على إحْدَى
..................................
الرِّوايَتَيْن.
وسيأتي ذِكْرُه، إن شاء اللهُ تعالى.
وصِفَةُ الجُلُوس لهذا التشهدِ كصِفَةِ الجُلُوسِ بينَ السجْدَتَيْن مُفْتَرشًا، كما وَصفْنا.
وسَواءٌ كان آخِرَ صَلاِته أو لم يَكُنْ.
وبهذا قال الثوْرِيُّ، وإسْحاقُ، وأصحابُ الرأيِ.
وقال مالكٌ: يكُونُ متُوَركًا على كل حالٍ، لِما روَى ابنُ مسعودٍ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَجْلِسُ في وَسَطِ الصلاةِ وفي آخِرِها متوركًا 1. وقال الشافعيُّ، إن كان مُتَوَسطًا، كقَوْلنا، وإن كان آخِرَ صَلاِته، كقَوْلِ مالكٍ.
ولَنا، حديثُ أبي حُمَيْدٍ 2، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- جَلَس، يَعْنِي للتشَهُّدِ، فافترَشَ 3 رِجْلَه اليُسرى، وأقْبَلَ بصَدرِ اليُمْنَى على قِبْلَتِه.
وفي لَفْظٍ: فإذا جَلَس في الركْعَتَيْن، جَلَس على اليُسرى ونَصَب الأخْرَى.
..................................
حديثٌ صحيحٌ.
وهذا يُقَدَّمُ على حديثِ ابنِ مسعودٍ؛ فإنَّ أَبا حُمَيْدٍ ذَكَر حَدِيثَه في عَشَرَةٍ مِن الصَّحابَةِ فصَدّقُوه، وهو مُتَأخر عن ابنِ مسعودٍ، وإنما يُؤْخَذُ بالآخِرِ فالآخِرِ، ولأنَّ أَبا حُمَيْدٍ قد بَينَ في حديثه الفَرقَ بينَ التَّشَهُّدَيْن، والأخْذُ بالزيادَةِ واجِبٌ.
ويُسْتَحَب أن يَضَعَ يَدَه اليُمْنَى على الفَخِذِ اليُمْنَى، ويَبْسُطَ اليُسْرَى على الفَخِذِ اليسْرَى، مَضْمُومَةَ الأصابعِ، مُستقْبلًا بأطْرافِ أصابِعِها القِبْلَةَ كما ذَكَرنا؛ لِما روَى وائلُ بنُ حُجْر، أن النَّبِيّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع مِرفَقَه الأيمَنَ على فَخِذِه اليُمْنَى، ثمَّ عَقَد مِن أصابِعِه الخِنْصِرَ والتي تَلِيها، وحَلَّقَ حَلْقَة بإصبِعِه الوُسْطى على الإبهامِ، ورَفَع السبابَةَ يُشيرُ بها 1. قال أبو الحسنِ الآمِدِيُّ: ورُوي عن أبي عبدِ الله، أنَّه يَجْمَعُ أصابِعَه الثلاثَ، ويَعْقِدُ الإبهامَ كعَقْدِ الخَمْسِين؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع يَدَه اليُمْنَى على رُكْبَتِه اليُمْنَى، وعَقَد ثَلَاثًا
..................................
وخَمسِين، وأشارَ بالسبابَةِ.
رَواه مسلمٌ 1. وفي حديثِ وائِلِ بنِ حُجْرٍ، أن النبيَّ -صَلَّى الله عَلَيْهِ وَسَلَّم- وَضَع يَدَه [اليُسْرَى على فَخِذِه اليُسرى] 2. ويشيرُ بالسبابَةِ عندَ ذِكْرِ اللَهِ تعالى ولا يُحَركُها؛ لِما روَى ابنُ الزُّبير، أنَّ النبيَّ