..................................
فَافْزَعُوا إلَى الصَّلَاةِ حَتَّى تَنْجَلِىَ» 1. فجَعَلَ الانْجِلاءَ غايَةً للصلاةِ.
ولأنَّ الصلاةَ إنَّما سُنَّتْ رَغْبَةً إلى اللَّهِ في رَدِّها، فإذا حَصَل ذلك حَصَل مَقْصُودُ الصَّلاةِ.
وإن تَجَلَّتْ وهو في الصَّلاةِ أتَمَّها خَفِيفةً؛ لأنَّ المَقْصُودَ التَّجَلِّى، وقد حَصَل.
وإنِ اسْتَتَرَتِ الشَّمْسُ والقَمَرُ بالسَّحابِ، وهما مُنْكَسِفان، صَلَّى؛ لأنَّ الأصْلَ بَقاءُ الكُسُوفِ.
وإن تَجَلَّى السَّحابُ عن بعقِمها فرَأوْه صافِيًا، صَلَّوْا، ولأنَّ الباقِىَ لا يُعْلَمُ حالُه.
وإن غابَتِ الشَّمْسُ كاسِفَةً، أو طَلَعَتْ على القَمَرِ وهو خاسِفٌ، لم يُصَلِّ؛ لأنَّه قد ذَهَب وَقْتُ الانْتِفاعِ بنُورِهما.
وإن غاب القَمَرُ لَيْلًا، فقال القاضى: يُصَلِّى؛ لأنَّه لم يَذْهَبْ وَقْتُ الانْتِفاعِ بنُورِه.
ويَحْتَمِلُ أن لا يُصَلِّىَ؛ لأنَّ ما يُصَلِّى له قد غاب، أشْبَهَ ما لو غابَتِ الشَّمْسُ.
فإن لم يُصَلِّ حتى طَلَع الفَجْرُ الثَّانِى ولم يَغِبْ، أو ابْتَدَأ الخَسْفُ بعدَ طُلُوعِ
..................................
الفَجْرِ وغاب قبلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ، ففيه احْتِمالان ذَكَرَهما القاضى؛ أحَدُهما، لا يُصَلِّى؛ لأنَّ القَمَرَ آيَةُ اللَّيْلِ وقد ذَهَب اللَّيْلُ، أشْبَهَ إذا طَلَعَتِ الشَّمْسُ.
والثانِى، يُصَلِّى؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بنُورِه باقٍ، أشْبَهَ ما قبلَ الفَجْرِ.
وإن فَرَغ مِن الصَّلاةِ والكُسُوفُ قائِم لم يُصَلِّ صلاةً أُخْرَى، واشْتَغَلَ بالذِّكْرِ والدُّعاءِ؛ لأنَّ الصَّحِيحَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه لم يَزِدْ على رَكْعَتَيْن.
فصل: وإذا اجْتَمَعَ مع الكُسُوفِ صلاةٌ أُخْرَى كالجُمُعَةِ، والعِيدِ، أو الوِتْرِ، أو صلاةٍ مَكْتُوبَةٍ، بَدَأ بأخْوَفِهما فَوْتًا.
فإن خِيفَ فَوْتُهما بَدَأ بالواجِبَةِ، فإن لم يكنْ فيهما واجِبَةٌ بَدَأ بالكُسُوفِ؛ لتَأكُّدِه، ولهذا تُسَنُّ له الجَماعَةُ، ولأنَّ الوِتْرَ يُقْضَى، وصلاةُ الكُسُوفِ لا تُقْضَى.
فإنِ اجْتَمَعتِ التَّراويِحُ والكُسُوفُ، ففيه وَجْهان عندَ أصْحابِنا.
وقال شيخُنا 1: الصَّحِيحُ أنَّ الصَّلَواتِ الواجبَةَ التى تُصَلَّى في الجَماعَةِ تُقَدَّمُ على الكُسُوفِ بكلِّ حالٍ؛ لأنَّ تَقْدِيمَ الكُسُوفِ عليها يُفْضِى إلى المَشَقَّةِ؛
..................................
لإِلْزامِ الحاضِرِين بفِعْلِها مع كَوْنِها ليست واجِبَةً عليهم، وانْتِظارِهم الصلاةَ الواجِبَةَ، مع أنَّ فيهم الضَّعِيفَ والكَبِيرَ وذا الحاجَةِ.
وقد أمَرَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بتَخْفِيفِ الصَّلاةِ الواجِبَةِ؛ لئلَّا يَشُقَّ على المَأْمُومِين، فتَأْخِيرُ هذه الصَّلاةِ الطَّوِيلَةِ الشّاقَّةِ، مع [أنَّها غيرُ] 1 واجِبَةٍ، أوْلَى، وإنِ اجْتَمَعَتْ مع التَّراوِيحِ، قُدِّمَتِ التَّراوِيحُ لذلك.
وإنِ اجْتَمَعَتْ مع الوِتْرِ في أوَّلِ وَقْتِ الوِتْرِ، قُدِّمَتْ؛ لأنَّ الوِتْرَ لا يَفُوتُ، وإن خِيفَ فَواتُ الوِتْرِ قُدِّمَ؛ لأنَّه يَسِيرٌ يُمْكِنُ فِعْلُه وإدْراكُ وَقْتِ الكُسُوفِ، وإن لم يَبْقَ إلَّا قَدْرُ الوِتْرِ، فلا حاجَةَ إلى التَّلبّسِ بصلاةِ الكُسُوفِ؛ لأنَّها تَقَعُ في وَقْتِ النَّهْى.
فإنِ اجْتَمَعَتْ مع صلاةِ الجِنازَةِ، قُدِّمَتِ الجِنازَةُ وجْهًا واحِدًا؛ لأنَّ المَيِّتَ يُخافُ عليه.
واللَّهُ أعلمُ.
وَإِنْ أَتَى فِى كُلِّ رَكْعَةٍ بِثَلَاثِ رُكُوعَاتٍ، أَوْ أَرْبَعٍ، فَلَا بَأْسَ.
فصل: إذا أدْرَكَ المَأْمُومُ الإِمامَ في الرُّكُوعِ الثانِى، احْتَمَلَ أن تَفُوتَه الرَّكْعَةُ.
قاله القاضى؛ لأنَّه فاتَه مِن الرَّكْعَةِ رُكُوع، أشْبَهَ ما لو فاتَه الرُّكُوعُ مِن غيرِ هذه الصَّلاةِ.
واحْتَمَلَ أن تَصِحَّ له الرَّكْعَةُ؛ لأنَّه يَجُوزُ أن يُصَلِّىَ هذه الصلاةَ برُكُوع واحِدٍ، فاجْتُزِئَ به في حَقِّ المَسْبُوقِ.
وهذا الخِلافُ على الرِّوايَةِ التى تَقُولُ: يَرْكَعُ رُكُوعَيْن.
فأمَّا على الرِّوايَةِ التى يَرْكَعُ أكْثَرَ مِن رُكُوعَيْن، فإنَّه يَكُون مُدْرِكًا للرَّكْعَةِ إذا فاتَه رُكُوعٌ واحِدٌ؛ لإِدْراكِه مُعْظَمَ الرِّكْعَةِ.
حكاهُ ابنُ عَقِيلٍ.
700 -
مسألة: (وإن أتَى في كلِّ رَكْعَةٍ بثَلاثِ رُكُوعاتٍ، أو أرْبَعٍ، فلا بَأْسَ)
تَجُوزُ صلاةُ الكُسُوفِ على كل صِفَةٍ رُوِيَتْ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، كما قُلْنا في صلاةِ الخَوْفِ، والأَوْلَى عندَ أبى عبدِ اللَّهِ الصلاةُ على
..................................
الصِّفَةِ التى ذَكَرْنا؛ فإنَّه قال: رُوِىَ عن ابنَ عباس، وعائشةَ، في صَلاةِ الكُسُوفِ أرْبَعُ رَكَعاتٍ وأرْبَعُ سَجَداتٍ، وأمَّا علىٌّ فيَقُولُ: سِتُّ رَكَعاتٍ وأرْبَعُ سَجَداتٍ.
نَذهَبُ إلى قَوْلِ ابنِ عباس وعائشةَ.
ورُوِىَ عن ابنِ عباسٍ، أنَّه صَلَّى سِتَّ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ.
وعن حُذَيْفَةَ.
وهو قولُ إسْحاقَ، وابنِ المُنْذِرِ؛ لأنَّه قد رُوِىَ عن عائشةَ، وابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى لسِتَّ رَكَعاتٍ وأرْبَعَ سَجَداتٍ.
أخْرَجَه مسلمٌ 1. ورُوِىَ عنه -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه صَلَّى أرْبَعَ رَكَعاتٍ وسَجْدَتَيْن في كلِّ رَكْعَةٍ.
رَواه مسلمٌ 2. قال ابنُ المُنْذِرِ: رُوِينا عن علىٍّ، وابنِ عباسٍ، أنَّهُما صَلَّيا هذه الصلاةَ.
وحُكِىَ عن إسْحاقَ، أنَّه قال: وَجْهُ الجَمْعِ
..................................
بينَ هذه الأحاديثِ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما كان يَزِيدُ في الرُّكُوعِ إذا لم يَرَ الشَّمْسَ قد انْجَلَتْ، فإذا انْجَلَتْ سَجَد، فمِن ههُنا صارَتْ زِيادَةُ الرَّكَعاتِ.
قال شيخُنا 1: ولا يُجاوِزُ أرْبَعَ رَكَعاتٍ في كلِّ رَكْعَةٍ؛ لأنَّه لم يَأْتِنا عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكْثَرُ مِن ذلك.
قُلْتُ: وقد روَى أُبَىُّ بنُ كَعْبٍ، قال: انْكَسَفَتِ الشَّمْسُ على عَهْدِ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وأنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى بهم فقَرَأ سُورَةً مِن الطِّوالِ، ورَكَع خمْسَ رَكَعاتٍ، وسَجَد سَجْدَتَيْن، ثم جَلَس كما هو مُسْتَقْبِلَ القِبْلَةِ يَدْعُو، حتى انْجَلَى كُسُوفُها.
وَلَا يُصَلِّى لِشَىْءٍ مِنْ سَائِرِ الْآيَاتِ، إِلَّا الزَّلْزَلَةَ الدَّائِمَةَ.
رَواه أبو داودَ (1). فعلى هذا لا بَأْسَ أن يَأْتِىَ في كلِّ رَكْعَةٍ بخَمْسِ رُكُوعاتٍ؛ لهذا الحديثِ، ولا يَزِيدُ عليها؛ لِما ذَكَرْنا.
701 -
مسألة: (ولا يُصلِّى لشئٍ مِن سائِرِ الآياتِ، إلَّا الزَّلْزَلَةَ الدّائِمَةَ)
قال أصْحابُنا: يُصَلِّى للزَّلْزَلَةِ كصلاةِ الكُسُوفِ.
نَصَّ عليه.1
..................................
وهو مَذْهَبُ إسْحاقَ، وأبى ثَوْرٍ.
قال القاضى: ولا يُصَلِّى للرَّجْفَةِ، والرِّيحِ الشَّدِيدَةِ، والظُلْمَةِ، ونحْوِها.
وقال الآمِدِىُّ: يُصَلِّى لذلك، ولرَمْىِ الكَواكِبِ والصَّواعِقِ، وكَثْرَةِ المَطَرِ.
وحَكاه عن ابنِ أبى موسى.
وقال أصحابُ الرَّأْى: الصلاةُ لسائِرِ الآياتِ حَسَنَة؛ لأنَّ النبىَّ
..................................
- صلى اللَّه عليه وسلم- عَلَّلَ الكُسُوفَ بأنَّه مِن آياتِ اللَّهِ، يُخَوِّفُ بها عِبادَه، وصَلَّى ابنُ عباسٍ للزَّلْزَلَةِ بالبَصْرَةِ.
رَواه سَعِيدٌ 1. وقال مالكٌ والشافعىُّ: لا
..................................
يُصَلِّى لشئٍ مِن الآياتِ سِوَى الكُسُوفِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يُصَلِّ لغيرِه ولا خُلَفاؤُه، وقد كان في عَصْرِه بعضُ هذه الآياتِ.
ووَجْهُ الصَّلاةِ للزَّلْزَلَةِ فِعْلُ ابنِ عباسٍ، وغيرُها لا يُصَلِّى له؛ لِما ذَكَرْنا.
واللَّهُ أعلمُ.
بَابُ صَلاةِ الاسْتِسْقَاءِ
وَإذَا أَجْدَبَتِ الْأَرْضُ، وَقَحَطَ الْمَطَرُ، فَزِعَ النَّاسُ إِلَى الصَّلَاةِ.
بابُ صَلاةِ الاسْتِسْقاءِ
702 -
مسألة: (وإذا أجْدَبَتِ الأرْضُ، وقَحَط المَطَرُ، فَزِع النَّاسُ إلى الصَّلاةِ)
صَلاةُ الاسْتِسْقاءِ عندَ الحاجَةِ إليها سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَلَها، وكذلك خُلَفاؤُه، فروَى عبدُ اللَّه بِنُ زَيْدٍ، قال: خَرَج النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَسْتَسْقِى، فتَوَجَّهَ إلى القِبْلَةِ يَدْعُو، وحَوَّلَ رِداءَه، وصَلَّى رَكْعَتَيْن جَهَر فيهما بالقِراءَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. وهذا قولُ سَعِيدِ بنِ
..................................
المُسَيَّبِ، وداودَ، ومالكٍ، والأوْزاعِىِّ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُسَنُّ صلاةُ الاسْتِسْقاءِ، ولا، الخُروجُ إليها، لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَسْقَى على المِنْبَرِ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ولم يَخْرُجْ، ولم يُصَلِّ لها.
وليس هذا بشئٍ، فإنَّه قد ثَبَت بما روَيْناه مِن حديثِ عبدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ.
وروَى أبو هُرَيْرَة، أنَّه خَرَج وصَلَّى 1. وفِعْلُه -صلى اللَّه عليه وسلم- ما ذَكَرُوه لا يَمْنَعُ فِعْلَ ما ذَكَرْنا.
قال ابن المُنْذِرِ: ثَبَت أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى صلاةَ الاسْتِسْقاءِ.
وهو قولُ عَوامِّ أهلِ العِلْمِ إلَّا أبا حنيفةَ، وخالَفَه صاحِباه واتَّبَعا سائِرَ العُلَماءِ، والسُّنَّةُ يُسْتَغْنَى بها عن كلِّ قولٍ، ولا يَنْبَغِى أن يُعَرَّجَ على ما خالَفَها.
وَصِفَتُهَا فِى مَوْضِعِهَا وَأحْكَامِهَا، صِفَةُ صَلَاةِ الْعِيدِ.
703 - مسألة: (وصِفَتُها في مَوْضِعِها وأحْكامِها صِفَةُ صلاةِ العِيدِ)
وجملَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ فِعْلُها في المُصَلَّى، كصلاةِ العِيدِ.
قالت عائشةُ: شَكَا النّاسُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَحْطَ المَطَرِ، فأمَرَ بمِنْبَرٍ فوُضِعَ له في المُصَلَّى.
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّ النَّاسَ يَكْثُرُون فكان المُصَلَّى أرْفَقَ بهم.
وهى رَكْعَتان عندَ العامِلِين بها، لا نَعْلَمُ بَيْنَهم خِلافًا في ذلك.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايةُ في صِفَتِها، فرُوِىَ أنَّه يُكَبِّرُ فيها سَبْعًا في الأُولَى، وخَمْسًا في الثَّانيةِ، كتَكْبِيرِ العِيدِ.
وهو قولُ سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العزِيزِ، وداودَ، والشافعىِّ.
وحُكِىَ عن ابنِ عباسٍ في حديثِه: ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن كما يُصَلِّى العِيدَ.
رَواه أبو داود 2. وروَى الدَّارَقُطْنِىُّ 3، عن
..................................
ابنِ عباسٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- صَلَّى كْعَتَيْن، كَبَّرَ في الأُولَى سَبْعَ تَكْبِيراتٍ، وقَرَأ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وقَرَأَ في الثَّانيةِ: ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
وكَبَّرَ فيها خَمْسَ تَكْبِيراتٍ.
وروَى جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأبا بكرٍ، وعُمَرَ، كانوا يُصَلُّون صلاةَ الاسْتِسْقاءِ، يُكَبِّرُون فيها سَبْعًا وخَمْسًا.
رَواه الشافعىُّ 1. والثانية، أنَّه يُصَلِّى رَكْعَتَيْنِ، كصلاةِ التَّطَوُّعِ.
وهو مَذْهَبُ مالكٍ، وأبى ثَوْرٍ، والأوْزاعِىِّ، وإسْحاقَ؛ لأنَّ عبدَ اللَّهِ بنَ زَيْدٍ، قال: صَلَّى رَكْعَتَيْن.
ولم يَذْكرْ أنَّه كَبَّرَ سَبْعًا وخَمْسًا.
وروَى أبو هُرَيْرَةَ نَحْوَه 2. وظاهِرُه أنَّه لم يُكَبِّرْ، وهذا ظاهِرُ كَلامِ الخِرَقِىِّ.
ويُسَنُّ أن يَجْهَرَ فِيهما بالقِراءَةِ؛ لِما ذَكَرْنا من حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ، وأن يَقْرَأَ فيهما بـ: ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾، و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
لحدِيثَى ابنِ عباسٍ.
..................................
فصل: ولا يُسَنُّ لها أذانٌ ولا إقامَةٌ.
لا نَعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ خِلافًا فيه.
وقد روَى أبو هُرَيْرَةَ، قال: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَوْمًا يَسْتَسْقِى، فصَلَّى بنا رَكْعَتَيْن، بلا أذانٍ ولا إقامَةٍ.
رَواه الأثْرَمُ.
ولأنَّها نافِلَةٌ، فلم يُؤَذَّنْ لها كسائِرِ النَّوافِلِ.
قال أصْحابُنا: ويُنادَى لها: الصلاةَ جامِعَةً.
كالعِيدِ وصلاةِ الكُسُوفِ.
وليس لها وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، إلَّا أنَّها لا تُفْعَلُ في وَقْتِ النَّهْى بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ وَقْتَها مُتَّسِعٌ، فلا يُخافُ فَوْتُها، والأَوْلَى فِعْلُها في وَقْتِ صلاةِ العِيدِ، لِما روَت عائشةُ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج حينَ بَدَا حاجبُ الشَّمْسِ.
رَواه أبو داودَ 1. ولأنَّها تُشْبِهُها في المَوْضِعِ والصِّفَةِ، فكذلك في الوَقْتِ.
وقال ابنُ عبدِ البَرِّ: الخُرُوجُ إليها عندَ زَوالِ الشَّمْسِ، عندَ جَماعَةِ العُلَماءِ، إلَّا أبا بكرِ ابنَ حَزْمٍ 2. وهذا على سَبِيلِ الاخْتِيارِ لا أنَّه يَتَعَيَّنُ فِعْلُها فيه.
وَإذَا أَرَادَ الإِمَامُ الْخُرُوجَ لَهَا، وَعَظَ النَّاسَ، وَأَمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِنَ الْمَعَاصِى، وَالْخُروجِ مِنَ الْمَظَالِمِ، وَالصِّيَامِ، وَالصَّدَقَةِ، وَتَرْكِ التَّشَاحُنَ،
704 - مسألة: (وإذا أرادَ الإِمامُ الخُرُوجَ إليها، وَعَظ النَّاسَ، وأمَرَهُمْ بِالتَّوْبَةِ مِن المعاصِى، والخُرُوجِ مِن المَظَالِمِ، والصِّيامِ، والصَّدَقَةِ، وتَرْكِ التَّشاحُنِ)
لكَوْنِ المعاصِى سَبَبَ الجَدْبِ، والتَّقْوَى سَبَبَ البَرَكاب، قال اللَّهُ تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ 1. وقال مُجاهِدٌ في قَوْلِه تعالى: ﴿وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ﴾ 2: البَهائِمُ تَلْعَنُ عُصاةَ بَنِى آدَمَ، إذا أمْسَك المَطَرُ.
وقال: هذا مِن شُؤْمِ بَنِى آدَمَ.
وَيَعِدُهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُونَ فِيهِ، وَيَتَنَظَّفُ لَهَا، وَلَا يَتَطَيَّبُ، وَيَخْرُجُ مُتَوَاضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلًا، مُتَضَرِّعًا،
705
- مسألة: (و يَعِدُهُمْ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه) لِما روَت عائشةُ، قالت: شَكَا النَّاسُ إلى رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قُحُوطَ المَطَر، فأمَرَ بمِنْبَرٍ فوُضِعَ له في المُصَلَّى، ووَعَدَ النَّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه.
رَواه أبو داودَ (1). 706 -
مسألة: (وَيَتَنَظَّفُ لها)
بالغُسْلِ، والسِّواكِ، وإزالَةِ الرّائِحَةِ، قِياسًا على صلاةِ العِيدِ (ولا يَتَطَيَّبُ) لأنَّه يَوْمُ اسْتِكانَةٍ وخُشُوعٍ.
707 -
مسألة: (ويَخْرُجُ مُتَواضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَذَلِّلًا، مُتَضَرِّعًا)
السُّنَّةُ الخُرُوجُ لصلاةِ الاسْتِسْقاءِ على الصِّفَةِ المذْكُورَةِ، مِن التَّواضُعِ والخُشُوعِ، في ثِيابِ بِذْلَتِه، ولا يَلْبَسُ ثِيابَ زِينَةٍ؛ لأنَّه يَوْمُ تَواضعٍ، ويكونُ مُتَخَشِّعًا في مَشْيِه وجُلُوسِه، مُتَضَرِّعًا إلى اللَّهِ تعالى، مُتَذَلِّلًا، راغِبًا إليه.
قال ابنُ عباسٍ: خَرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- للاسْتِسْقاءِ مُتَذَلِّلًا، مُتَواضِعًا، مُتَخَشِّعًا، مُتَضرِّعًا، حتى أتى المُصَلَّى، فلم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكُم هذه، ولكن لم يَزَلْ في الدُّعاءِ [والتَّضَرُّعِ] 2 والتَّكْبِيرِ، وصَلَّى رَكْعَتَيْن كما كان يُصَلِّى في العِيدِ.
قال التِّرْمِذىُّ 3: هذا حَدِيثٌ1
وَمَعَهُ أَهْلُ الدِّينَ وَالصَّلَاحِ، وَالشُّيُوخُ، وَيَجُوزُ خُروجُ الصِّبْيَانِ.
وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ: يُسْتَحَبُّ.
حسنٌ صحيحٌ.
708 -
مسألة: (و)
يَخْرُجُ (معه أهلُ الدِّينِ والصَّلاحِ، والشُّيُوخُ) لأنَّه أسْرَعُ للإِجابَةِ.
ويُسْتَحَبُّ الخُرُوجُ لِكافَّةِ النّاسِ، فأمَّا النِّساءُ، فلا بَأْسَ بخُرُوجِ العَجائِزِ منهنَّ، ومَن لا هَيْئةَ لها.
وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ.
فأمَّا الشَّوابُّ، وذَواتُ الهَيْئَةِ، فلا يُسْتَحَبُّ لهُنَّ؛ لأنَّ الضَّرَرَ في خُرُوجِهِنَّ أكْثَرُ مِن النَّفْعِ.
ولا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ البَهائِمِ؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَفْعَلْه.
وبه قال أصحابُ الشافعىِّ؛ لأنَّه رُوِىَ أنَّ سُلَيمانَ عليه السلامُ خَرَج يَسْتَسْقِى، فرَأَى نَمْلَةً مُسْتَلْقِيَةً وهى تقولُ: اللَّهُمَّ إنَّا خَلْقٌ مِن خَلْقِكَ، ليس بنا غِنًى عن رِزْقِك.
فقال سُلَيمانُ: ارْجِعُوا فقد سُقِيتُم بدَعْوةِ غيرِكم (1). وقال ابنُ عَقِيلٍ، والقاضى: لا بَأْسَ به لذلك.
والاقْتِداءُ بالنبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى.
709 -
مسألة: (ويَجُوزُ خُبرُوجُ الصِّبْيانِ)
كغيرِهم مِن النَّاسِ.
(وقال ابنُ حامِدٍ: يُسْتَحَبُّ) اخْتارَه القاضى، فقال: خُرُوجُ الشُّيُوخِ1
وَإنْ خَرَجَ أَهْلُ الذِّمَّةِ لَمْ يُمْنَعُوا، وَلَمْ يَخْتَلِطُوا بِالْمُسْلِمِينَ.
والصِّبْيانِ أشَدُّ اسْتِحْبابًا مِن الشَّبابِ؛ لأنَّ الصِّبْيانَ لا ذُنُوبَ عليهم.
710 -
مسألة: (وإن خَرَج معهم أهْلُ الذِّمَّةِ لم يُمْنَعُوا، ولم يَخْتَلِطُوا بالمسلمين)
وجملَةُ ذلك، أنَّه لا يُسْتَحَبُّ إخْراجُ أهْلِ الذِّمَّةِ؛
..................................
لأنَّهم أعْداءُ اللَّهِ الذين بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا، فهم بَعِيدُون مِن الإِجابَةِ، وإن أُغِيثَ المسلمون فرُبَّما قالوا: هذا حَصَل بدُعائِنا وإجابَتِنا.
وإن خَرَجُوا
..................................
لم يُمْنَعُوا؛ لأنَّهم يَطْلُبون أرْزاقَهم مِن رَبِّهم، فلا يُمْنَعُون مِن ذلك.
ولا يَبْعُدُ أن يُجِيبَهم اللَّهُ تعالى؛ لأنَّه قد ضَمِن أرْزاقَهم في الدُّنْيا، كما ضَمِن أرْزاقَ المُؤْمِنين.
ويُؤْمَرُون بالانْفِرادِ عن المُسْلِمين، لأَنَّه لا يُؤْمَنُ أن يُصِيبَهم عَذابٌ، فيَعُمَّ مَن حَضَرَهم، فإنَّ عادًا اسْتَسْقَوْا، فأرْسَلَ اللَّهُ عليهم رِيحًا صَرْصَرًا، فأهْلَكَتْهُم.
فإن قِيلَ: فيَنْبَغِى أن يُمْنَعُوا الخُرُوجَ يَوْمَ يَخْرُجُ المسلمون، لئلَّا يَظُنُّوا أنَّ ما حَصَل مِن السُّقْيا بدُعائِهم.
قُلْنا: ولا يُؤْمَنُ أن يَتَّفِقَ نُزولُ الغَيْت يَوْمَ يَخْرُجُونَ وحدَهم، فيكونُ أعْظَمَ لفِتْنَتِهم، ورُبَّما فُتِن بهم غيرُهم.
فَيُصَلِّى بِهِمْ، ثُمَّ يَخْطُبُ خُطْبَةً وَاحِدَةً، يَفْتَتِحُهَا بِالتَّكْبِيرِ كَخُطْبَةِ الْعِيدِ،
711 - مسألة: (فيُصَلِّى بهم، ثم يَخْطُبُ خُطْبَةً واحِدَةً، يَفْتَتِحُها بالتَّكْبِيرِ، كخُطْبَةِ العِيدِ)
قد ذَكَرْنا الاخْتِلافَ في مَشرُوعِيَّةِ صلاةِ الاسْتِسْقاء وصِفَتِها.
واخْتَلَفَتِ الرِّوايَةُ في خُطْبَةِ الاسْتِسْقاءِ وفى مَوْضِعِها، فرُوِىَ، أنَّه لا يَخْطُبُ، وإنَّما يَدْعُو ويَتَضَرَّعُ؛ لقولِ ابنِ عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكُم هذه، لكنْ لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ.
والمَشْهُورُ أن فيها خُطْبَةً بعدَ الصَّلاةِ.
قال أبو بكر: اتَّفَقُوا عن أبى عبدِ اللَّهِ، أنَّ في صلاةِ الاسْتِسْقاءِ خُطْبَةً، وصُعُودًا على المِنْبَرِ.
والصَّحِيحُ أنَّها بعدَ الصَّلاةِ.
وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ، ومحمدُ بنُ الحسنِ.
قال ابنُ عبدِ البَرِّ: وعليه جَماعَةُ الفُقَهاءِ؛ لقولِ أبى هُرَيْرَةَ: صَلَّى رَكْعَتَيْن، ثم
..................................
خَطَبَنا 1. لأنَّها صلاةٌ ذَاتُ تَكْبِيرٍ، فأشْبَهَتْ صلاةَ العِيدَيْن.
وفيها رِوايَةٌ ثانيةٌ، أنَّه يَخْطُبُ قبلَ الصَّلاةِ.
رُوِىَ ذلك عن عُمَرَ، وابنِ الزُّبَيْرِ، وأبانَ بنِ عُثْمان 2، وهِشَامِ بنِ إسماعِيلَ 3، وأبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ.
وبه قال اللَّيْثُ بنُ سَعْدٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لما روَى أنَسٌ، وعائشةُ، أنَّ النبىَّ - رضي اللَّه عنه - خَطَب وصَلَّى 4. وعن عبد اللَّهِ بنِ زيدٍ، قال: رَأيْتُ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، يَوْمَ خَرَج يَسْتَسْقِى، فحَوَّلَ ظَهْرَه إلى النّاسِ، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، ثم حَوَّلَ رِداءَه، ثم صَلَّى رَكْعَتَيْن، جَهَر فيهما بالقِراءَةِ.
مُتَّفَقٌ عليه 5. وفيها رِوايَةٌ ثالثةٌ، أنَّه مُخَيَّرٌ في الخُطْبَةِ قبلَ
..................................
الصَّلاةِ وبعدَها؛ لوُرُودِ الأخْبارِ بكِلا الأمْرَيْن، ودلالَتِها على كِلْتا الصِّفَتَيْن 1، فحُمِلَ على أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فَعَل الأمْرَيْن.
وأيًّا ما فَعَل مِن ذلك فهو جائِزٌ؛ لأنَّ الخُطْبَةَ غيرُ واجِبَةٍ على جَمِيِعِ الرِّواياتِ.
والأَوْلَى أن يَخْطُبَ بعدَ الصَّلاةِ، كالعِيدِ، وليكونُوا قد فرغُوا مِن الصَّلاةِ، فإن أُجِيبَ دُعاؤُهم وأُغِيثُوا لم يَحْتاجُوِا إلى الصَّلاةِ في المَطَر.
وقولُ ابنِ عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم.
نفْىٌ لصِفَةِ الخُطْبَةِ لا لأصْلِها؛ بدَلِيلِ قَوْلِه: إنَّما كان جُلُّ خُطْبَتِه الدُّعاءَ والتَّضَرُّعَ والتَّكْبِيرَ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَفْتَتِحَها بالتَّكْبِيرِ، كخُطْبَةِ العِيدِ.
فصل: والمَشْرُوعُ خُطْبَةٌ واحِدَةٌ، وبهذا قال عبدُ الرحمنِ بنُ مَهْدِىٍّ.
وقال مالكٌ والشافعىُّ: يَخْطُبُ كخُطْبَتَى العِيدَيْن؛ لقَوْلِ ابنِ عباسٍ: صَنَع النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كما صَنَع في العِيدِ 2. ولأنَّها
وَيُكْثِرُ فِيهَا الِاسْتِغْفَارَ، وَقِرَاءَةَ الْآياتِ الَّتِى فِيهَا الْأَمْرُ بِهِ،
أشْبَهَتْها في صِفَةِ الصَّلاةِ، فكذلك في صِفَةِ الخُطْبَةِ.
ولَنا، قولُ ابن عباسٍ: لم يَخْطُبْ كخُطْبَتِكم هذه، ولكن لم يَزَلْ في الدُّعاءِ والتَّكْبيرِ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّه ما فَصَل بينَ ذلك بسُكُوتٍ ولا جُلُوسٍ، ولأنَّ كلَّ مَن نَقَل الخُطْبَةَ لم يَنْقُلْ خُطْبَتَيْن.
والصَّحيحُ مِن حديثِ ابنِ عباسٍ، أنَّه قال: صَلَّى رَكْعَتَيْن، كما كان يُصَلِّى في العِيدِ.
ولو كان النَّقْلُ كما ذَكَرُوه، فهو مَحْمُولٌ على الصَّلاةِ، بدَلِيلِ أوَّلِ الحَدِيثِ.
وإذا صَعِد المِنْبَرَ للْخُطْبَةِ جَلَس، وإن شاء لم يَجْلِسْ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ، ولا ههُنا أذانٌ يَجْلِسُ لفَراغِه.
712 -
مسألة: (ويُكْثِرُ فِيها الاسْتِغْفارَ، وقِراءَةَ الآياتِ التى فيها الأمْرُ به)
يُسْتَحَبُّ أن يُكْثِرَ في خُطْبَتِه الاسْتِغْفارَ، والصلاةَ على النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقِرْاءَةَ الآياتِ التى فيها الأمْرُ بالاسْتِغْفارِ، كقَوْلِه تعالى: ﴿وَيَاقَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ 1. وكقولِه: ﴿فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا (10) يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَارًا﴾ 2. ولأنَّ الاسْتِغْفارَ سَبَبٌ لنُزُولِ الغَيْثِ؛ بدَلِيلَ ما ذَكَرْنا،
وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ، فَيَدْعُو بِدُعَاءِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-:
والمعاصِىَ سَبَبٌ لانْقِطاعِ الغَيْثِ، والاسْتِغْفارَ والتَّوْبَةَ يَمْحُوان المَعاصِىَ.
وقد رُوِىَ عن عُمَرَ، رَضِىَ اللَّه عنه، أنَّه خرَج يَسْتَسْقِى، فلم يَزِدْ على الاسْتِغْفارِ، وقال: لقد اسْتَسْقَيْتُ بمجَادِيح السَّماءِ (1).
713 -
مسألة: (ويَرْفَعُ يَدَيْه، فيَدْعُو بِدُعاءِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-)
يُسْتَحَبُّ رَفْعُ الأيْدِى في دُعاء الاسْتِسْقاءِ؛ لِما روَى البخارىُّ 2، عن أنَسٍ، قال: كِان النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لا يَرْفَعُ يَديْه في شئٍ مِن دُعائِه، إلَّا الاسْتِسْقاءَ، فإنَّه يَرْفَعُ حتى يُرَى بَياضُ إبطَيْه.
وفى حَدِيثِ أنَسٍ أيضًا: فَرَفَعَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدَيْه.
ورَفَع النّاسُ أيْدِيَهُم 3. ويُسْتَحَبُّ أن يَدْعُوَ بدُعاءِ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-1
«اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيئًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، سَحًّا عَامًّا، طَبَقًا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنَا الْغَيْثَ، وَلَا تَجْعَلْنَا مِنَ الْقَانِطِينَ، اللَّهُمَّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ، وَلَا بَلَاءٍ، وَلَا هَدْمٍ، وَلَا غَرَقٍ، اللَّهُمَّ إِنَّ بِالْعِبَادِ وَالْبِلَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لَا نَشْكُوهُ إِلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أَنْبِتْ لَنَا الزَّرْعَ، وَأَدرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّماءِ، وَأَنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهْدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَاكْشِفْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لَا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إِنَّا نسْتَغْفِرُكَ، إِنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا».
فروَى عبدُ اللَّهِ بنُ عُمَرَ، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا اسْتَسْقَى، قال: «اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا، هَنِيئًا مَرِيعًا، غَدَقًا مُجَلِّلًا، طَبَقًا سَحًّا دَائِمًا، اللَّهُمَّ اسْقِنا الغَيْثَ، ولا تَجْعَلْنَا مِنَ القَانِطِينَ، اللَّهُمَّ إنَّ بِالْعِبادِ وَالْبِلَادِ مِنَ اللَّأْوَاءِ وَالْجَهْدِ وَالضَّنْكِ مَا لا نَشْكُوهُ إلَّا إِلَيْكَ، اللَّهُمَّ أنْبِت لَنَا الزَّرْعَ، وَأدِرَّ لَنَا الضَّرْعَ، وَاسْقِنَا مِنْ بَرَكَاتِ السَّمَاءِ، وَأنْزِلْ عَلَيْنَا مِنْ بَرَكَاتِكَ، اللَّهُمَّ ارْفَعْ عَنَّا الْجَهدَ وَالْجُوعَ وَالْعُرْىَ، وَارْفَعْ عَنَّا مِنَ الْبَلَاءِ مَا لا يَكْشِفُهُ غَيْرُكَ، اللَّهُمَّ إنَّا نسْتَغْفِرُكَ، إنَّكَ كُنْتَ غَفَّارًا، فَأَرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْنَا مِدْرَارًا» 1. وروَى جابِرٌ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «اللَّهُمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا،
..................................
مَرِيئًا مَرِيعًا، نَافِعًا غَيْرَ ضارٍّ، عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ».
رَواه أبو داودَ 1. قال الخَطّابِىُّ 2: مَرِيعًا 3 يُرْوَى على وَجْهَيْنِ بالياء والباءِ، فمَن رَواه بالياءِ جَعَلَه مِن المَراعَةِ.
يُقالُ: أمْرَعَ المَكانُ.
إذا أَخْصَبَ.
ومَن رَواه بالباءِ مُرْبِعًا، كان مَعْناه: مُنْبِتًا للرَّبِيعِ.
وعن عائشةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنها، قالتْ: شَكَا النّاسُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- قُحُوطَ المَطَرٍ، فأمَرَ بمِنْبَر فَوُضِعَ له في المُصَلَّى، ووَعَدَ النّاسَ يَوْمًا يَخْرُجُون فيه، وخرَج رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- حينَ بَدَا حاجِبُ الشَّمْسِ، فقَعَدَ على المِنْبَرِ، فكَبَّرَ، وحَمِدَ اللَّهَ، ثم قال: «إنَّكُمْ شَكَوْتُمْ جَدْبَ دِيَارِكُمْ، واسْتِئْخَارَ المَطَرِ عَنْ إبَّانِ زَمَانِه عَنْكُمْ، فَقَدْ أمَرَكُمُ اللَّهُ أنْ تَدْعُوهُ، وَوَعَدَكُمْ أن يَسْتَجيبَ لَكُمْ».
ثم قال: «﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ (2) الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ (3) مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ لا إلهَ إلَّا اللَّهُ، يَفْعَلُ مَا يُريدُ، اللَّهُمَّ أنْتَ اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أنْتَ الْغَنِىُّ، ونَحْنُ الفُقَرَاءُ، أنْزِلْ عَلَيْنَا الْغَيْثَ، وَاجْعَلْ مَا أنْزَلْتَ لَنَا قُوَّةً وَبَلَاغًا إلَى حِينٍ».
ثم رَفَع يَدَيْه، فلم يَزَلْ في الرَّفْعَ حتى يُرَى بَياضُ
..................................
إبْطَيْه، ثم حَوَّل إلى النّاسِ ظَهْرَه، وقَلَب، أو حَوَّل رِداءَه، وهو رافِعٌ يَدَيْه، ثم أقْبَلَ على النّاسِ، فنَزَلَ فصَلَّى رَكْعَتَيْن.
رَواه أبو داودَ 1. وروَى ابنُ قُتَيْبَةَ، بإسْنادِه في «غَرِيبِ الحَدِيثِ» 2، عن أنَسٍ: أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج للاسْتِسْقاءِ، فصَلَّى بهم رَكْعَتَيْن، يَجْهَرُ فيهما بالقِراءَةِ، وكان يَقْرأُ في العِيدَيْن والاسْتِسْقاءِ في الرَّكْعَةِ الأُولَى بفاتِحةِ الكِتاب، و ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾.
وفى الرَّكْعَةِ الثَّانيةِ فاتِحَةَ الكِتابَ و ﴿هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ﴾.
فلمّا قَضَى صلاتَه اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ بوَجْهِه، وقَلَب رِداءَه، ورَفَع يَدَيْه، وكَبَّر تَكبِيرَه قبل أن يَسْتَسْقِىَ، ثم قال: «[اللَّهُمَّ اسْقِنَا وَأَغِثْنَا] 3، اللَّهُمَّ اسْقِنَا غَيْثًا فُغِيثًا، وَحَيًا رَبِيعًا، وَجَدًا طَبَقًا، غَدَقًا مُغْدِقًا مُونِقًا، هَنِيئًا مَرِيئًا مَرِيعًا مُرْبِعًا مُرْتِعًا، سَابِلًا مُسْبِلًا، مُجَلِّلًا دَيْمًا، دَرُورًا نَافِعًا غَيْرَ ضَارٍّ، عَاجلًا غَيْرَ رَائِثٍ 4؛ اللَّهُمَّ تُحْيِى به البِلَادَ، وَتُغِيثُ به العِبَادَ، وَتَجْعَلُهُ بَلَاغًا لِلْحَاضِرِ مِنَّا وَالْبَادِ، اللَّهُمَّ أَنْزِلْ في أرْضِنَا زِينَتَها، وأنْزِلْ عَلَيْنَا في أرْضِنَا سَكَنَها، اللَّهُمَّ أنْزِلْ عَلَيْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهورًا، فَأَحْى بِهِ بَلْدَةً مَيْتًا، وَأسْقِهِ مِمَّا خَلَقْتَ أنْعَامًا وَأَنَاسِىَّ كَثِيرًا».
قال ابنُ قُتَيْبَةَ: المُغِيثُ: المُحْيى بإذْنِ اللَّهِ تعالى.
وَيَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ في أثْنَاءِ الْخُطْبَةِ، وَيُحَوِّلُ رِدَاءَهُ، فَيَجْعَلُ الْأيْمَنَ عَلَى الْأيْسَرِ، وَالْأَيْسَرَ عَلَى الأَيْمَنِ، حَتَّى يَنْزِعُوهُ مَعَ ثِيَابِهِمْ.
والحَيا: الذى تَحْيا به الأرْضُ والمالُ.
والجَدا: المَطَرُ العامُّ، ومنه أُخِذَ جَدا العَطِيَّةِ، والجَدْوَى مَقْصُورٌ.
والطَّبَقُ: الذى يُطَبِّقُ الأرْضَ.
والغَدَقُ والمُغْدِقُ: الكَثِيرُ القَطْرِ.
والمُونِقُ: المُعْجِبُ.
والمَرِيعُ: ذُو المَراعَةِ والخِصْبِ.
والمُرْبعُ مِن قَوْلِك: رَبعْتُ بمكانِ كذا: إذا أقَمْتَ فيه.
وأرْبعْ على نَفْسِك: أرْفِقْ.
والمُرْتِعُ: مِن رَتَعَتِ الإبِلُ، إذا رَعَتْ.
والسّابِلُ: مِن السَّبَلِ، وهو المَطَرُ.
يقالُ: سَبَلُ السّابِلِ، كما يقالُ: مَطَرٌ ماطِرٌ.
والرّائِثُ: البَطِئُ.
والسَّكَنُ: القُوَّةُ، لأنَّ الأرْضَ تَسْكُنُ به.
714 -
مسألة: (ويَسْتَقْبِلُ القِبْلَةَ في أثْناءِ الخُطْبَةِ، ويُحَوِّلُ رِداءَه، ويَجْعَلُ الأيسَرَ على الأيْمَنِ، والأيْمَنَ على الأيْسَرِ، ويَفعَلُ النّاسُ كذلكِ، ويَتْرُكُونَه حَتَّى يَنْزِعُوه مع ثِيابِهم) وجملَةُ ذلك أنَّه يُسْتَحَبُّ للخَطِيب اسْتِقْبالُ القِبْلَةِ في أثْناءِ الخُطْبَةِ؛ لِما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَسْتَسْقِى، فتَوَجَّه إلى القِبْلَةِ يَدْعُو. رَواه البخارىُّ 1.
..................................
وفى لفظٍ: فحَوَّلَ إلى النّاسِ ظَهْرَه، واسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو.
ويُسْتَحَبُّ أن يُحَوِّلَ رِداءَه حالَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، لأنَّ في حَدِيثِ عبدِ اللَّهِ بن زَيْدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج يَسْتَسْقِى، فاسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ يَدْعُو، وحَوَّلَ رِداءَه.
مُتَّفَقٌ عليه 1. ولمُسْلِمٍ: فحَوَلَّ رِداءَه حينَ اسْتَقْبَلَ القِبْلَةَ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُسَنُّ، لأنَّه دُعاءٌ، فلا يُسْتَحَبُّ تَحْوِيلُ الرِّداءِ فيه، كسائِرِ الأدْعِيَةِ.
وسُنَّةُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أوْلَى بالاتِّباعِ.
ويُسْتَحَبُّ التَّحْوِيلُ للْمَأْمُومِ 2، في قولِ أكْثَرَ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن سَعِيدِ بنِ المُسَيَّبِ، وعُرْوَةِ، والثَّوْرِىِّ، أنَّ التَّحْوِيلَ مُخْتَصٌّ بالإمامْ.
وهو قولُ اللَّيْثِ، وأبى يُوسُف، ومحمدٍ، لأنَّه إنَّما نُقِلَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دُونَ أصحابِه.
ولَنا، أنَّ ما فَعَلَه النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَثْبُتُ في حَقِّ غيرِه، ما لم يَقُمْ على اخْتِصاصِه به دَلِيلٌ، كيف وقد عُقِلَ المَعْنَى في ذلك، وهو التَّفاؤُلُ بقَلْبِ الرِّداءِ، ليَقْلِبَ اللَّهُ ما بهم مِن الجَدْبِ إلى الخِصْب، وقد جاء ذلك في بَعْضِ الحَدِيثِ.
وروَى الإِمامُ أحمدُ 3 حَدِيثَ عبدِ اللَّهِ بنِ زَيْدٍ، وفيه أنَّه عليه الصلاةُ والسلامُ تَحَوَّلَ إلى القِبْلَةِ وحَوَّلَ رِداءَه فقَلَبَه ظَهْرًا لبَطْن، وتَحَوَّلَ النّاسُ معه.
إذا ثَبَت.
وَيَدْعُو سِرًّا حَالَ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ، فَيَقُولُ:
ذلك فصِفَةُ التَّقْلِيبِ أن يَجْعَلَ ما على اليَمِينِ على اليَسارِ، وما على اليسارِ على اليَمِينِ.
رُوِىَ ذلك عن أبانَ بنِ عُثمانَ، وعُمَرَ بنِ عبدِ العَزِيزِ، وهِشامِ بنِ إسماعِيلَ، وأبى بكرِ بنِ محمدِ بنِ عَمْرِو بنِ حَزْمٍ، ومالكٍ.
وكان الشافعىُّ يقولُ به، ثم رَجع، فقال: يَجْعَلُ أعْلاه أسْفَلَه؛ لأنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- اسْتَسْقَى وعليه خَمِيصَةٌ سَوْداءُ، فأرادَ أن يَجْعَلَ أسْفَلَها أعْلاها، فلَمَّا ثَقُلَتْ جَعَل العِطافَ (1) الذى على الأيْسَرِ على الأيْمَنِ.
رَواه أبو داودَ (2). ولَنا، ما روَى عبدُ اللَّهِ بنُ زَيْدٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- حَوَّلَ عِطافَه، وجَعَل عِطافَه الأيْمَنَ على عاتِقِه الأيْسَرِ، وجَعَل عِطافَه الأيْسَرَ على عاتِقِه الأيْمَنِ.
رَواه أبو داودَ (3). وفى حَدِيثِ أبى هُرَيْرَةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قَلَب رِداءَه، فجَعَلَ الأيْمَنَ على الأيْسَرِ، والأيْسَرَ على الأيْمَنِ.
رَواه الإِمامُ أحمدُ، وابنُ ماجه (4). والزِّيادَةُ التى نَقَلُوها، إن ثَبَتَتْ، فهى ظَنُّ الرّاوِى، لا يُتْرَكُ لها فِعْلُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقد نَقَل التَّحْوِيلَ جَماعَةٌ، لم يَنقُلْ أحَدٌ منهم أنَّه جَعَل أعْلاه أسْفَلَه.
ويَبْعُدُ أن يكونَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- تَرَك ذلك في جَمِيعِ الأوْقاتِ لثِقَلِ الرِّداءِ.
715 -
مسألة: (ويَدْعُو سِرًّا حالَ اسْتِقْبالِ القِبْلَةِ، فيَقُولُ: اللَّهُمَّ
1234
اللَّهُمَّ إِنَّكَ أمَرْتَنَا بِدُعَائِكَ، وَوَعَدتَّنَا إِجَابَتَكَ، وَقَدْ دَعَوْنَاكَ كَمَا أَمَرْتَنَا، فَاسْتَجِبْ لَنَا كَمَا وَعَدتَّنَا.
إنَّكَ أمَرْتَنا بدُعائِك، ووَعَدتَّنا إِجابَتَك، وقد دَعَوْناك كما أمَرْتَنا، فاسْتَجِبْ لَنا كما وَعَدْتَنا) اللَّهُمَّ فَامْنُنْ علينا بمَغْفِرَةِ ذُنُوبِنا، وإجابَتِنا في سُقْيانا، وسَعَةِ أرْزاقِنا.
ثم يَدْعُو بما شاء مِن أمْرِ دِينٍ أو دُنْيا.
وإنَّما اسْتُحِبَّ الإِسْرارُ؛ ليَكُونَ أقْرَبَ إلى الإِخْلاصِ، وأبْلَغَ في الخُشُوعِ والخُضُوعِ والتَّضَرُّعِ، وأسْرَعٍ في الإِجابَةِ، قال اللَّهُ تعالى: ﴿ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً﴾ 1. واسْتُحِبَّ الجَهْرُ ببَعْضِه؛ ليَسْمَعَ النّاسُ، فيُؤَمِّنُون على دُعائِه.
فصل: ويُسْتَحَبُّ أنْ يُسْتَسْقَى بمَن ظَهَر صَلاحُه، لأنَّه أقْرَبُ إلى إجابَةِ الدُّعاء، وقد اسْتَسْقَى عُمَرُ، رَضِىَ اللَّه عنه، بالعباسِ عَمِّ رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-.
فروَى ابنُ عُمَرَ، قال: اسْتَسْقَى عُمَرُ عامَ الرَّمادَةِ بالعباسِ، فقال: اللَّهُمَّ إنَّ هذا عَمُّ نَبِيِّك -صلى اللَّه عليه وسلم-، نَتَوَجَّهُ إليك به فاسْقِنا، فما بَرِحُوا حتى سَقاهُم اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ 2. ورُوِى أنَّ مُعاويَةَ خَرَج يَسْتَسْقِى، فلمّا جَلَس على المِنْبَرِ، قال: أَيْنَ يَزِيدُ بنُ الأسْوَدِ؟ فقامَ
فَإِنْ سُقُوا، وَإلَّا عَادُوا ثَانِيًا وَثَالِثًا.
وَإنْ سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهِمْ، شَكَروا اللَّهَ تَعَالَى، وَسَأَلُوة الْمَزِيدَ مِنْ فَضْلِهِ.
يَزِيدُ، فدَعاه مُعاويَةُ، فأجْلَسَه عندَ رِجْلَيْه، ثم قال: اللَّهُمَّ إنّا نَسْتَشْفِعُ إليك بِخَيْرِنا وأفْضَلِنا يَزِيدَ بنِ الأسْوَدِ، [يا يزيدُ] (1) ارْفَعْ يَدَيْك.
فرَفعَ يَدَيْه، ودَعا اللَّهَ، فثارَتْ في الغَرْبِ سَحابَةٌ مثلُ التُّرْسِ، وهَبَّ لها رِيحٌ، فسُقُوا حتى كادُوا لا يَبْلُغُون مَنازِلَهم.
واسْتَسْقَى به الضَّحّاكُ بنُ قَيْسٍ مَرَةً أُخْرَى.
716 -
مسألة: (فإن سُقُوا، وإلَّا عادُوا ثانِيًا وثالِثًا. وإن سُقُوا قَبْلَ خُرُوجِهم، شَكَرُوا اللَّهَ تعالى، وسَأَلُوه المَزِيدَ مِن فَضْلِه)
وبهذا قال مالكٌ والشافعىُّ.
وقال إسْحاقُ: لا يَخْرُجُون إلَّا مَرَّةً واحِدَةً؛ لأنَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- إنَّما خَرَج مَرَّةً واحِدَةً، ولكنْ يَجْتَمِعُون في مَساجِدِهم، فإذا فَرَغُوا مِن الصَّلاةِ، ذَكَرُوا اللَّهَ تعالى، ودَعَوْا، ويَدْعُو الإِمامُ يَوْمَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ، ويُؤَمِّنُ النّاسُ.
ولَنا، أنَّ هذا أَبْلَغُ في الدُّعاءِ والتَّضَرُّعِ، وقد جاء1
..................................
النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُلِحِّينَ في الدُّعَاءِ» 1. وأمّا النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- فإنَّما لم يَخْرُجْ ثانِيًا؛ لاسْتِغْنائِه بإجابَتِه أوَّلَ مَرَّةٍ، والخُرُوجُ في المَرَّةِ الأُولَى آكَدُ مِمّا بعدَها؛ لوُرُودِ السُّنَّةِ بها.
فصل: فإن تَأهَّبُوا، فسُقُوا قبلَ خُرُوجِهم، لم يَخْرُجُوا، وشَكَرُوا اللَّهَ وحَمِدُوه على نِعْمَتِه، وسَأَلُوه المَزِيدَ مِن فَضْلِه.
وقال القاضى، وابنُ عَقِيل: يَخْرُجُون، ويُصَلون شُكْرًا للَّه تِعالى.
وإن كانُوا قد خَرَجُوا فسُقُوا قبلَ أن يُصَلُّوا، شَكَرُوا اللَّهَ تعالى وحَمِدُوه، قال اللَّهُ تعالى: ﴿لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾ 2. ويُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ عندَ نُزُولِ الغَيْثِ؛ لِما رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «اطْلُبُوا اسْتِجَابَةَ الدُّعَاءِ عِنْدَ ثَلَاثٍ: عِنْدَ الْتِقَاءِ الْجُيُوشِ، وإقَامَةِ الصَّلَاةِ، ونُزُولِ الْغَيْثِ» 3. وعن عائشةَ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- كان إذا رَأى المَطَرَ، قال: «صَيِّبًا نَافِعًا».
رَواه البخارىُّ 4.
وَيُنادَى لَهَا: الصَّلَاةَ جَامِعَةً.
وَهَلْ مِنْ شَرْطِهَا إِذْنُ الإِمَامِ؟ عَلَى رِوَايَتَيْن.
717 - مسألة: (ويُنادَى لَها: الصلاةَ جامِعَةً)
كذلك ذَكَرَه أصحابُنا، قِياسًا على صلاةِ الكُسُوفِ.
718 -
مسألة: (وهل مِن شَرْطِها إذنُ الإِمامِ؟ على رِوايَتَيْن)
إحداهما، لا يُسْتَحَبُّ إلَّا إذا خَرَج الإِمامُ، أو رَجُلٌ مِن قِبَلِه، فإن خَرَجُوا بغيرِ إذنِ الإِمامِ، فقالَ أبو بكرٍ: يَدْعُون ويَنْصَرفُون بلا صلاةٍ ولا خُطْبَةٍ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
والثانيةُ، لا يُشْتَرَطُ، ويُصَلُّون لأنْفُسِهم، ويَخْطُبُ بهم أحَدُهم.
فعلى هذه الرِّوايَةِ يُشْرَعُ الاسْتِسْقاءُ في حَقِّ كُلِّ أحَدٍ؛ مُقِيمٍ ومُسافِرٍ، وأهلِ القُرَى، والأعْرابِ، قِياسًا على صلاةِ الكُسُوفِ.
ووَجْهُ الأُولَى، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَأْمُرْ بها، وإنَّما فَعَلَها على صِفَةٍ، وهو أنَّه صَلَّاها بأصحابِه، فلم يَتَعَدَّ تلك الصِفَةَ، وكذلك فَعَل خُلَفاؤُه ومَن بَعْدَهم، بخِلافِ صلاةِ الكُسُوفِ، فإنَّه أمَرَ بها.
وَيُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ في أوَّلِ الْمَطرَ، وَيُخْرِجَ رَحْلَهُ وَثِيَابَهُ؛ لِيُصِيبَهَا
719 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ أن يَقِفَ في أوَّلِ المَطَرِ، ويُخْرِجَ رَحْلَه وثِيابَه؛ ليُصِيبَها)
لِما روَى أنَسُ بنُ مالكٍ، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- لم يَزَلْ على
..................................
مِنْبَرِه حتى رَأيْنا المَطَرَ يَتَحادَرُ عن 1 لِحْيَتِه.
رَواه البخارىُّ 2. وعن ابنِ عباسٍ، أنَّه كان إذا أمْطَرتِ السَّماءُ قال لغُلامِه: أخْرِجْ رَحْلِى وفِراشِى يُصِيبُه المَطَرُ.
ويُسْتَحَبُّ أن يَتَوَضَّأَ مِن ماءِ المَطَرِ إذا سال السَّيْلُ؛ لِما رُوِىَ عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان إذا سال السَّيْلُ قال: «اخْرُجُوا بِنَا إلَى هَذَا الَّذِى جَعَلَهُ اللَّه طَهُورًا، فَنتَطَهَّرَ» 3.
فصل: قال القاضى، وابنُ عَقِيلٍ: إذا نَقَصَتْ مِياهُ العُيُونِ في البَلَدِ الذى يُشْرَبُ منها، أو غارَتْ وتَضَرَّرَ النّاسُ بذلك، اسْتُحِبَّ الاسْتِسْقاءُ، كما يُسْتَحَبُّ لانْقِطاعِ المَطَرِ.
وقال أصحابُنا: لا يُسْتَحَبُّ؛ لأنَّه لم يُنْقَلْ.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: والاسْتِسْقاءُ ثَلَاثَةُ أضْرُبٍ، ذَكَرها القاضى؛ أحَدُها، الخُرُوجُ والصلاةُ كما وَصَفْنا، وهو أكْمَلُها.
والثانِى، اسْتِسْقاءُ الإِمامِ يَوْمَ الجُمُعَةِ على المِنْبَرِ؛ لِما روَى أنَسٌ، أنَّ رَجُلًا دَخَل المَسْجِدَ يَوْمَ الجُمُعَةِ، ورسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ، فاسْتَقْبَلَ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قائِمًا، ثم قال: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ الأمْوالُ، وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادْعُ اللَّهَ يُغِثْنا.
فرَفَعَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدَيْه، فقال: «اللَّهُمَّ أغِثْنَا، اللَّهُمَّ أَغِثْنَا».
وَإذَا زَادَتِ الْمِيَاهُ فَخِيفَ مِنْهَا، اسْتُحِبَّ أنْ يَقُولُوا: اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ عَلَى الظِّرَابِ، وَالْآكَامِ، وَبُطُونِ الْأَوْدِيَةِ، وَمَنَابِتِ الشَّجَرِ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ الْآيَةَ.
قال أنَسٌ: ولا واللَّهِ ما نَرَى في السَّماءِ مِن سَحابٍ، ولا قَزَعَةٍ (1)، ولا شئٍ بَيْنَنا وبينَ سَلْعٍ (2) مِن بيتٍ ولا دارٍ، فطَلَعَت مِن وَرائِه سَحابَةٌ مِثْلُ التُّرْسِ، فلمّا تَوَسَّطَتِ السَّماءَ، انْتَشَرَتْ ثم أمْطَرَتْ، فلا واللَّهِ ما رَأيْنا الشَّمْسَ سَبْتًا (3)، ثم دَخَل مِن ذلك البابِ رَجُلٌ في الجُمُعَةِ المُقْبِلَةِ، ورسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يَخْطُبُ، فاسْتَقْبَلَه قائِمًا، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، هَلَكَتِ المَواشِى، وانْقَطَعَتِ السُّبُلُ، فادْعُ اللَّهَ أن يُمْسِكَها.
قال: فرَفَعَ النبىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يَدَيْه، وقال: «اللَّهُمَّ حَوَالَيْنَا وَلَا عَلَيْنَا، اللَّهُمَّ على الآكَامِ والظِّرَابِ (4)، وبُطُونِ الأوْدِيَةِ، ومَنَابِتِ الشَّجَرِ».
قال: فانْقَطَعَتْ، وخَرَجْنَا نَمْشِى في الشَّمْسِ.
مُتَّفَقٌ عليه (5). والثّالِثُ، أن يَدْعُوا اللَّهَ تعالى عَقِيبَ صلواتِهم، في خَلَواتِهم.
720 -
مسألة: (وإذا زادَتِ المِياهُ فخِيفَ منها، اسْتُحِبَّ له أن يقُولَ: اللَّهُمَّ حَوالَيْنا ولا عَلَيْنا، اللَّهُمَّ على الظِّرابِ، والآكامِ، وبُطُونِ
12345
..................................
الأوْدِيَةِ، ومَنابِتِ الشَّجَرِ، ﴿رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ 1. الآيةُ) لِما ذَكَرْنا مِن الحَدِيثِ.
وكذلك إن زادَتْ مِياهُ العُيُونِ بحَيثُ يَضُرُّ، اسْتُجِبَّ لهم أن يَدْعُوا اللَّهَ ليُخَفِّفَه عنهم، ويَصْرِفَه إلى أماكِنَ يَنْفَعُ ولا يَضرُّ؛ لأنَّ الضَّرَرَ بزِيادَةِ المَطَرِ أحَدُ الضَّرَرَيْن، فاسْتُحِبَّ الدُّعاءُ لإِزالَتِه وانْقِطاعِه كالآخَرِ.