الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 223-262

كِتابُ الصَّلَاةِ

صفحات 223-262

..................................  وعَلْقَمَةَ.
وهو قولُ الشَّافعيِّ؛ لِما روَى أبو سعيدٍ، قال: قَرَأ رسولُ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- على المِنبَرِ ص، فنَزَلَ فسَجَدَ، وسَجَد النَّاسُ معه، فلَمّا كان يَوْمٌ آخَرُ قَرَأها، فلما بَلَغ السجْدَة تَشَزَّنَ النَّاسُ 1 للسُّجُودِ، فقال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنَّما هِيَ تَوْبَةُ نَبيٍّ، وَلَكنِّي رَأيْتُكم تَشزَّنتُم لِلسجُودِ».
فنَزَلَ، فسَجَدَ، وسَجَدُوا.
رواه أبو داودَ 2. وعن ابنِ عباس، أنّ النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد في ص، وقال: «سَجَدَها دَاوُدُ تَوْبَةً، وَنحنُ نَسْجُدُها شُكْرًا».
أَخْرَجه النَّسائيُّ 3. وقال ابنُ عباس: ليست ص مِن عَزائِمِ السُّجُودِ.
والحديثُ الذى ذَكَرنَاه للروايةِ الأولَى مِن أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد فيها، يَدُلُّ على أنَّه إنما سَجَد فيها [شُكْرًا، كما بَينَ في حَدِيثِ ابنِ عباس.
فإذا قُلْنا: ليست مِن عَزائمِ السجُودِ، فسَجَدَهَا] 4 في الصلاةِ، احتَمَلَ أن لا تَبْطُلَ صلاتُه؛ لأنَّ سَبَبَها القِرَاءَةُ في الصلاةِ، أشْبَهَتْ عَزائِمَ السجُودِ، واحتَمَلَ أن تَبْطُلَ صلاتُه إذا فَعَل ذلك عَمدًا، كسائِرِ سُجُودِ الشكْرِ.
والله أعلمُ.

فِي الْحَجِّ مِنْها اثْنَتَانِ.

513 - مسألة؛ قال: (في الحَجِّ منها اثْنَتان)

وهذا قول الشَّافعيِّ، وإسحاقَ، وأبي ثَوْرٍ، وابنِ المُنْذِرِ.
وممَن كان يَسْجُدُ فها سَجْدَتَيْن؛ عُمَرُ، وعليٌّ، وعبدُ الله بن عُمَرَ 1، وأبو الدرداءِ، وأبو موْسى.
وقال ابنُ عباس: فَضُلَتِ الحَج بسَجْدَتَيْن.
وقال الحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبَيْر، والنخَعيُّ، ومالك، وأصحابُ الرأيِ: ليستِ الثانِيَةُ بسَجْدَةٍ 2، لأنَّه جَمَع فيها بينَ الركُوعِ والسُّجُودِ، فلم تَكُنْ سَجدَة، كقولِه: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ 3. ولَنا، حديثُ عمرِو بنِ العاص، الذى ذكَرْناه 4. وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر، قال: قلتُ لرسولِ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: في سُورَةِ الحَج سَجْدَتان؟ قال: «نَعَم، وَمَنْ لَمْ يَسْجُدهُمَا فَلَا يَقْرَأهمَا».
رَواه أبو داودَ 5. وقال أبو إسْحاقَ: أدرَكْتُ النَّاسَ منذُ سَبْعِينَ سَنَةً يَسْجُدُون في الحَجِّ سَجْدَتَيْن.
وقال ابنُ عُمَرَ: لو كُنْتُ تارِكًا إحداهما، لتَرَكْتُ الأولَى.
وذلك لأن الأولَى أخبار، والثانِيَةَ أمْرٌ، واتباعُ الأمرِ أوْلَى.
فصل: ومَواضِعُ السَّجَدات؛ آخِرُ، الأعرافِ، وفي

..................................  الرَّعْدِ: ﴿بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ﴾ 1. وفي النخلِ: ﴿ويَفْعَلُونَ مَا يُؤمَرُونَ﴾ 2. وفي بنِي إسرائِيلَ: ﴿وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا﴾ 3. وفي مَريَمَ: ﴿خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا﴾ 4. وفي الحَج: ﴿الله يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ﴾.
والثانِيَةُ: ﴿لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ 5. وفي الفُرقانِ: ﴿وَزَادَهُمْ نُفُورًا﴾ 6. وفي النملِ: ﴿رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ﴾ 7. وفي ألمَ تنزيل السجْدَةُ: ﴿وَهمْ لَا يَسْتَكبِرُون﴾ 8. وفي حمَ السَّجْدَةُ: ﴿وَهمْ لَا يَسْئَمونَ﴾ 9. وآخِرُ النَّجْمِ، وفي سُورَةِ الانْشِقاقِ: ﴿وَإِذَا قُرِئَ عَلَيْهِمُ الْقُرْآنُ لَا يَسْجُدُونَ﴾ 10. وآخِرُ اقْرَأ بِاسْمِ رَبِّك: ﴿وَاقْتَرِبْ﴾ 11. ورُوِيَ عن ابنِ عُمَرَ، أن السُّجُودَ في حمَ عندَ قَولِه: ﴿إيَّاهُ تَعبُدُونَ﴾ 12. وحَكاه ابنُ أبي موسى.
وبه قال

وَيكَبِّرُ إذَا سَجَدَ، وإذَا رَفَعَ،  الحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وِأصحابُ عبدِ اللهِ، والليْثُ، ومالكٌ؛ لأنَّ الأمرَ بالسجُودِ فيها.
ولَنا، أنَّ تَمامَ الكَلامِ في الثانيةِ، فكان السُّجُودُ بعدَها، كما في سَجْدَةِ النَّحْلِ عندَ قَوْلِه: ﴿وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾.
وذِكرُ السَّجْدَةِ في التى قَبْلَها.

514 -

مسألة؛ قال: (ويُكَبِّرُ إذا سَجَد، وإذا رَفَع)

1 متى سَجَد للتلاوَةِ فعليه التَّكبِيرُ للسجُودِ والرَّفْع منه، في الصلاةِ وغيرِها.
وبه قال الحسن 2، وابنُ سيرِينَ، والنخَعيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ

..................................  الرَّأْيِ.
وبه قال مالكٌ، إذا سَجَد في الصلاة.
واخْتَلَفَ 1 عنه في غيرِ الصلاةِ.
وقال ابنُ أبي موسى: في التكْبِيرِ، إذا رَفَع رَأسَه مِن سُجودِ التلاوَةِ، اخْتِلافٌ في 2 الصلاةِ وغيرِها.
ولَنا، ما روَى ابنُ عُمَرَ، قال: كان رسولُ اللَّهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَقْرَأ علينا القرآنَ، فإذا مَر بالسجْدَةِ كَبر وسَجَد، وسَجَدنا معه.
قال عبدُ الرزّاقِ: كان الثوْرِي يعجبُه هذا الحديثُ.
قال أبو داودَ: يعجبُه؛ لأنه كَبر.
رَواه أبو داودَ 3. ولأنَّه سُجُود مُنْفردٌ، فشُرِعَ التكْبِير في ابْتِدائِه والرفع منه، كسُجُودِ السهْوِ بعدَ السلامَ.
فصل: ولا يُشْرَعُ في ابتداءِ السجُودِ أكثرُ من تَكبِيرَةٍ.
وقال الشَّافعيّ: إذا سَجَد خارِجَ الصلاةِ كَبر تَكبِيرَتَيْن؛ للافْتِتاحِ، والسُّجُودِ، كما لو صَلى رَكْعَتَيْن.
ولَنا، حديثُ ابنِ عُمَرَ، وظاهِره أنَّه كبر واحِدَةً، ولأنَّ معرِفَةَ ذلك مِن الشرعَ، ولم يرد به، ولأنه سُجُود مُفْرَد، فلم يُشرع فيه تَكبِيرَتان، كسُجُودِ السَّهْوِ، وقِياسُهُم يَبْطُلُ بسُجُودِ السهْوِ، وقِياسُ هذا على سُجُودِ السَّهوِ أوْلَى مِن قِياسِه على الركْعَتَيْن؛ لشَبَهِه به، ولأن الإحرامَ بالركْعَتَيْن يَتَخلل بينَه وبينَ السُّجُودِ أفْعال كثيرَةَ، فلذلك لم يُكتَفَ بتَكْبِيرَةِ الإحرام عن تَكبِيرَةِ السُّجُودِ، بخِلافِ هذا.

وَيَجْلِسُ وَيُسَلِّمُ، وَلَا يَتَشَهدُ.

515 - مسألة: (ويَجْلِسُ ويسَلمُ، ولا يَتَشَهَّدُ)

المشْهُورُ عن أحمدَ، أنَّ التسْلِيمَ واجِبٌ في سُجُودِ التِّلاوَةِ.
وبه قال أبو قلابَة، وأبو عبدِ الرحمنِ؛ لقولِ النبيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «تَحرِيمها التكْبِير، وَتَحلِيلُها التَّسْلِيم» 1. ولأنَّها صلاةٌ ذاتُ إحرامٍ، فوَجَبَ السَّلامُ فيها، كسائِرِ الصلواتِ.
وفيه رِوايَة أخْرَى، لا تَسْلِيمَ فيه 2. وبه قال النخعيُّ،

..................................  والحسنُ، وسعيدُ بنُ جُبير.
ورُوِيَ ذلك عن أبي حنيفةَ.
واخْتَلَف قولُ الشَّافعيّ فيه.
قال أحمدُ: أمَا التَّسْلِيمُ فلا أدرِي ما هو؛ لأنه لم ينقَلْ عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-[فيه سَلامٌ] 1. فعلى قَوْلنا بوُجُوبِ السلامِ يُجْزِئُه تَسْلِيمَة واحِدة 2. نص عليه أحمدُ.
وبه قال إسحاقُ، قال: يقولُ: السلامُ عليكم.
وذَكَر القاضي في «المُجَردِ» عن أبي بكر، رِوايَة، لا تُجْزِئُه إلَّا اثْنَتان.
والصحِيحُ الأولُ؛ لأنَّها صلاةٌ ذات إحْرام لا رُكُوعَ فيها، أشبهتْ صلاةَ الجنازَةِ، ولا تَفْتَقِرُ إلى تَشَهُّدٍ.
نَص عليه أحمدُ؛ لأنه لم يُنْقَلْ عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، ولا عن أحَدٍ مِن أصحابه.
واخْتارَ أبو الخَطّابِ أنَّه يَفْتَقِر إلى التشَهدِ، قِياسًا على الصلاةِ.
ولَنا، أنها صلاة لا رُكوعَ فيها، فلم تفْتَقر إلى تَشهدٍ، كصلاةِ الجِنازَةِ، ولا يَسْجُدُ فيه للسَّهْوِ، كصلاةِ الجِنازَةِ.
فصل: ويقولُ في سُجُودِه ما يَقُولُ في سُجُودِ صلْبِ الصلاةِ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وإن قال ما رُوِيَ عن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فحَسَن.
قالَتْ عائشةُ: إن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يَقولُ في سُجُودِ القُرآنِ بالليْلِ: «سَجَدَ وَجْهى لِلذِي خَلَقَهُ

وَإنْ سَجَدَ فِي الصَّلَاةِ رَفَع يَدَيْهِ.
نَصَّ عَلَيْهِ.
وَقَالَ الْقَاضِي: لَا يرفَعُهُا.
وَصَوَّرهُ، وَشَقَّ سَمعَهُ وَبَصَرهُ، بِحَوْلِهِ وَقُوَّتِهِ» (1). قال الترمِذِي: هذا حديث حسن صحيح.
وعن ابنِ عباس، قال: جاء رجل إلى النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، فقال: يَا رسولَ الله إنِّي رَأيْتُنِي اللَّيْلَةَ أُصَلِّي خلفَ شَجَرَةٍ، فقَرَأْتُ السجْدَةَ، فسَجَدْتُ، فسْجَدَتِ الشجرَةُ لسُجُودِي، فسَمعْتُها وهي تقولُ: اللَّهُمَّ اكتب لي بها عندَك أجْرًا، وضَع عَنى بها وِزْرًا، واجْعَلْها لِي عندَكْ ذُخْرا، وتَقَبلَها مِنِّي كما تَقَبَّلْها مِن عَبْدِك داودَ.
فقَرَأ النبيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجدَةً ثم سَجَد، فقالَ ابنُ عباس: فسَمِعتُه يقُولُ مثلَما أخْبرَه الرجلُ عن قولَ الشَّجَرَةِ.
رواه أبو داودَ، وابنُ ماجه، والتِّرْمِذِيّ (2)، وقال: غريب.
ومهما قال مِن نحوِ ذلك فحَسَنٌ.

516 -

مسألة؛ قال: (وإذا سَجَد في الصلاةِ رَفَع يدَيْه. نَصَّ عليه. وقال القاضي: لا يرفَعُهما)

متى سَجَد للتِّلاوَةِ خارِجَ الصلاةِ رَفَع12

..................................  يَدَيْه في تَكْبِيرَةِ الابتِداءِ؛ لأنَّها تَكْبِيرَةُ إحرام 1، وإن كان في الصلاةِ فكذلك.
نَصَّ عليه أحمدُ؛ لِما روَى وائِلُ بنُ حُجْر، قال: قلْتُ لأنظُرَن إلى صلاةِ رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- فكان يُكبر إذا خَفَض ورَفَع، ويَرفَعُ يَدَيْه في التكبيرِ 2. قال أحمدُ: هذا يدخُلُ في هذا كلِّه.
وفي رِوايَةِ أخْرَى، لا يرفعُ يَدَيْه في الصلاةِ.
اخْتَاره القاضي.
وهوِ قِياسُ المَذْهبَ، لقولِ ابنِ عُمَرَ، وكان لا يَفْعَلُ ذلك في السُّجُودِ.
مُتفق عليه 3. ويَتَعينُ تقْدِيمُه على حديثِ وائِلِ بنِ حُجْر؛ أنَّه أخَص منه، ولذلك قُدِّمَ عليه في سُجُودِ الصلاةِ، كذلك هاهُنا.

وَلَا يُسْتَحَبُّ لِلْإمَامِ السُّجُودُ فِي صَلَاةٍ لَا يُجْهرُ فِيها،  فصل: ويُكْرَهُ اخْتِصارُ السُّجُودِ، وهو أن يَنْتَزِعَ الآيات التى فيها (1) السُّجُودُ، فيَقْرَأَها، ويَسْجُدَ فيها.
وبه قال الشَّعبِي، والنخعيُّ، والحسنُ، وإسحاقُ.
ورَخَّصَ فيه أبو حنيفةَ، ومحمدٌ، وأبو ثَورٍ.
وقِيل: اخْتِصارُ السُّجُودِ أن يَحْذِف في القِراءَةِ آياتِ السُّجُودِ.
وكِلاهما مَكْرُوهٌ؛ لأنه لم يروَ عن السلَفِ، رَحِمَهم اللهْ، بل المَنْقُولُ عنهم كَراهتُه.

517 -

مسألة: (ولا يُسْتَحَبُّ للإمامِ السُّجُودُ في صلاةٍ لا يُجْهرُ فيها)

قال بعضُ أصحابِنا: يكرهُ للإمام قراءةُ السجْدَةِ في صلاةِ السِّر، فإن قَرأ لم يَسْجدْ.
وبه قال أبو حنيفةَ؛ لأَنَّ فيه إيهامًا على المَأمُومِ.
وقال الشَّافعيّ: لا يُكرهُ؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- سَجَد في الظهْرِ، ثم قام فرَكَعَ، فَرأَى أصحابُه أنَّه قرَأ سُورَةَ السجْدَةِ.
رَواه أبو داودَ 2.1

فَإنْ فَعَلَ، فَالْمَأمُومُ مُخَير بَيْنَ أتباعِهِ وتَركِهِ.
قال شيخُنا (1): واتِّباعُ سُنةِ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أوْلَى.

518 -

مسألة: (فإن سَجَد، فالمَأمُومُ مُخَيَّر بينَ اتباعِه وتَركِه)

كذلك قال بعضُ أصحابِنا؛ لأنه ليس بمَسْنُونٍ للإمامِ، ولم يُوجَدْ الاسْتِماع المُقْتَضِي للسُّجُودِ.
قال شيخُنا 2: والأوْلَى السجُودُ؛ لقول النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إنمَا جُعِلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ، فَإذا سَجَدَ فَاسْجُدُوا» 3. وما ذَكَرُوه يَبْطُل بما إذا كان المَأمُومُ بَعِيدًا، أو أُطْرُوشًا في صلاةِ الجَهْرِ، فإنَّه يَسْجد بسُجُودِ إمامِه، وإن لم يَسْمَع.1

وَيُسْتَحَبُّ سُجُودُ الشُّكْرِ عِنْدَ تَجَدُّدِ النَّعَمِ، وَانْدِفَاعِ النَّقَمَ،

519 - مسألة: (ويُسْتَحَب سُجُودُ الشُّكر عندَ تَجَدُّدِ 1 النِّعَمِ، وانْدِفاعِ النِّقَمِ) وبهذا قال الشَّافعيّ، وإسحاقُ، وأبو ثَور، وابن المُنْذِرِ. وقال النَّخَعيُّ، ومالك، وأبو حنيفةَ: يُكْرهُ؛ لأَنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان في أيامِه الفُتُوحُ، واسْتَسْقَى فسُقِيَ، ولم يُنْقَلْ أنَّه سَجَد، ولو كان مُسْتَحبا لم يُخِلَّ به. ولَنا، ما روَى أبو بَكْرَةَ، أن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- إذا أتاهُ أمرٌ [يُسَرُّ به] 2 خرَّ ساجِدًا. رَواه ابنُ المُنْذِرِ 3. وسَجَد الصديقُ حينَ

وَلَا يَسْجُدُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ.
بُشِّرَ بفَتْحِ اليَمامَةِ (1)، وعليٌّ حينَ وَجَد ذا الثُّدَيَّة (2)، ورُوِيَ عن غيرِهما مِن الصحابَةِ، فثَبَتَ ظُهُورُه وانْتشارُه.
وتَرْكه تارَةً لا يَدُل على عَدَمِ اسْتِحْبابِه، فإن المُسْتَحَب يفْعَلُ تارَةً، ويُتْرَكُ أخْرَى.
وصِفَة سُجُودِ الشُّكْرِ كصِفَةِ سُجُودِ التلاوَةِ في أفْعالِه وأحْكامِه وشُرُوطِه، على ما بَيَّنَّا.

520 -

مسألة: (ولا يَسْجُدُ له في الصلاةِ)

لا يَجُوزُ أن يَسْجُد12

فَصْلٌ: فِي أوْقَاتِ النَّهْيِ، وَهِيَ خَمسَةٌ؛ بعدَ طُلُوعِ الْفَجْر  للشُّكْرِ في الصلاةِ؛ لأن سَبَبَه ليس منها، فإن فَعَل بَطَلَتْ صلاتُه إن كان عَمدًا، كما لو زاد فيها سُجُودًا غيرَه، وإن كان ناسِيًا، أو جاهِلًا بتَحرِيم ذلك لم تَبْطُلْ صلاتُه، كما لو زاد في الصلاةِ سُجُودًا ساهِيًا.
والله أعلمُ.
وقال ابن الزاغونيِّ: يَجُوزُ في الصلاةِ.
والأوَّلُ أوْلَى.
فصل: في أوْقاتِ النهْيِ، وهي خَمسَة؛ بعدَ طُلُوعِ الفَجْر حتَّى تَطْلُع

حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمس، وَبَعدَ الْعَصرِ، وَعِنْدَ طُلُوعِ الشَّمس حَتَى ترتَفِعَ قِيدَ رمْح، وَعِنْدَ قِيَامها حَتَى تَزُولَ، وإذا تَضَيَّفَتْ لِلْغُرُوبِ حَتى تَغْرُبَ.
الشمسُ، وبعدَ العصرِ، وعندَ طُلُوعِها حتَّى ترتَفِعَ قِيدَ رُمْحٍ، وعندَ قِيامِها حتَّى تَزُول، وإذا تَضَيَّفَتْ 1 للغرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ) كذلك عَدَّها

..................................  أصحابُنا خمسَةَ أوْقاتٍ كما ذَكرنا.
وقال بعضُهم: الوَقْتُ الخامس مِن حينِ شُرُوعِ الشَّمس في الغُرُوبِ إلى تَكامُلِه؛ لِما روَى ابنُ عُمَرَ، عن رسولِ اللهِ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أنَّه قال: «إذَا بَدَا حَاجِبُ الشَّمس فَأخرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَبْرُزَ، وَإذَا غَابَ حَاجبُ الشَّمس فَأخرُوا الصلَاةَ حَتى تَغِيب» 1. ووَجْهُ القولِ الأَولِ حديثُ عُقْبَةَ بنِ عامِر الذى نَذْكُرُه، إن شاء الله تَعالَى.
قال شيخُنا 2: والمَنْهِيُّ عنه مِن الأوْقاتِ عندَ أَحْمد: بعدَ الفَجْرِ حتَّى تَرتَفِعَ الشَّمس، وبعدَ العَصرِ حتَّى تَغْرُبَ، وعندَ قِيامِها حتَّى تَزُولَ.
وهو في مَعنَى قول الأصحابِ.
وهذه الأوْقاتُ مَنْهىٌّ عن الصلاةِ فيها، وهو قولُ الشَّافعيّ، وأصحابِ الرأيِ.
والأصلُ فيها ما روَى ابنُ عباس، قال: شَهِد عندِي رجال مَرضِيُّونَ، وأرضاهم عندِي عُمَرُ، أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- نَهى عن الصلاةِ بعدَ الصُّبحِ حتَّى تُشْرِقَ الشمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتَّى تَغْرُبَ

..................................  الشمسُ.
وعن أبي سعيد، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «لَا صَلَاةَ بعدَ الصُّبحِ حَتى ترتَفِعَ الشَّمس، وَلَا صَلَاةَ بعدَ الْعصرِ حَتى تَغِيبَ الشَّمسُ».
مُتفَق عليهما 1. وعن عُقْبَةَ بنِ عامِر، قال: ثَلاث ساعات كان النَّبِيُّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- يَنْهانا أن نُصَلِّيَ فيهِن، وأن نَقْبرَ فيهِن مَوْتانا؛ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمس بازِغَة حتَّى ترتَفِعَ، وحِينَ يَقُومُ قائمُ الظهِيرَةِ حتَّى تَمِيلَ، وحِينَ تتَضَيَّفُ الشَّمس للْغُرُوبِ حتَّى تَغْرُبَ.
وعن عمرِو بنِ عَبَسَة 2، قال: قلتُ يَا رسولَ الله، أخْبرني عن الصلاةِ قال: «صَلِّ صَلَاةَ الصبح، ثُمَّ أقصر عَنِ الصلَاةِ حَتى 3 تَطْلُعَ الشَّمس حَتَّى ترتَفِعَ؛ فَإنها تَطْلُعُ حِينَ

..................................  تَطْلُعُ بَيْنَ قرنَيْ شَيْطَان، وحِينَئذٍ يَسْجُدُ لَها الْكُفارُ، ثُمَّ صَلِّ فَإنَّ الصَّلَاةَ مَحضُورَةٌ مَشْهُودَةٌ، حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بالرُّمْحِ، ثم أقصر عن الصَّلَاةِ؛ فإنَّه حيِنَئِذٍ تُسْجَرُ جهنَّمُ، فَإذَا أقْبَلَ الفَيْءُ فَصَلِّ، فإنَّ الصلَاة مَشْهُودَةٌ مَحضورَةٌ، حَتَّى تُصَلىَ الْعصرَ، ثُم أقْصر فَي الصَّلَاةِ حَتَى تَغْربَ الشَّمس؛ فإنَّها تَغْرُبُ بَيْنَ قَرنيْ شَيْطَانٍ، وَحِينئذٍ يَسْجُدُ لَها الْكُفَّارُ».
رَواهما مسلمٌ 1. وقال ابن المُنْذِرِ: إنَّما المَنْهِيُّ عنه الأوْقاتُ الثَّلَاثةُ التى في حديثِ عُقْبَةَ؛ بدَليل تَخْصِيصِها بالنَّهْيِ في حدِيثِه.
وقَوْلُه: «لَا تُصَلُّوا بَعدَ الْعصرِ إلَّا أنْ تُصَلُّوا وَالشَّمسُ مُرتَفِعَةٌ».
رَواه أبو داودَ 2. وقالت

..................................  عائشةُ: وَهِمَ عُمَرُ، إنَّما نَهى رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- أن يَتَحَرَّى طُلُوع الشَّمس أو غرُوبَها 1. ولَنا، ما ذَكَرنا مِن الأحاديث، فإنّها صحيحِةٌ صَرِيحَةٌ.
والتَّخْصِيصُ في بعض الأحاديثِ لا يُعارِضُ العُمُومَ الموافِقَ له، بل يَدُلُّ على تَأكُّدِ الحُكْمِ فيما خَصَّه، وقولُ عائشةَ في رَدِّ خَبَر عمَرَ غيرُ مَقْبولٍ، فإنَّه مُثْبِتٌ لروايَتِه عن النَّبِيِّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-، وهي تَقُولُ برَأْيِها، ثم هي قد رَوَتْ ذلك أَيضًا، فرَوَتْ أنَّ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- كان يُصلِّى بعدَ العصرِ، ويَنْهى عنها.
رَواه أبو داودَ 2. فكيف يُقْبَلُ رَدُّها لِما قد أقَرَّتْ بصِحَتِه؟ وقد رَواه أبو سعيدٍ، وأبو هُرَيرةَ، وعمرو بنُ عَبسَةَ، وغيرُهم، كنَحوِ رِوايَةِ عُمَرَ، فكيف يُتركُ هذا بمُجَرَّدِ رَأى مُخْتَلفٍ؟

..................................  فصل: والنَّهْىُ بعدَ العَصرِ عن الصلاةِ مُتَعلقٌ بفِعلِها، فمن لم يُصَلِّ العَصر أُبِيحَ له التنفلُ، وإن صَلَّى غيرُه.
ومَن صَلَّى فليس له التَّنفُّلُ، وإن صَلَّى وحدَه.
لا نَعلَمُ في ذلك خِلافًا عندَ مَن مَنَع الصلاةَ بعدَ العَصرِ.
فأمّا النَّهْىُ بعدَ الفَجْرِ، ففيه رِوايتان؛ إحداهما، يَتَعلَّقُ بفعلِ الصلاةِ أَيضًا.
يُرْوَى ذلك عن الحسنِ والشافعيِّ؛ لِما روَى أبو سعيد، أن النبيَّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- قال: «لَا صلَاةَ بعدَ صلَاةِ 1 الْعصرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشمسُ، وَلَا صَلَاةَ بعدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ حَتى تطْلُعَ الشَّمس».
وروَى أبو داودَ حديثَ عُمَرَ بهذا اللَّفْظِ.
وفي حديثِ عمرِو بنِ عَبَسَةَ: «صَلِّ صلَاةَ الصبحِ ثُمَّ أقْصر عَنِ الصلَاةِ».
رَواه مسلمٌ.
وفي رِوايَةِ أبي داودَ، قال: قُلْتُ يَا رسولَ اللهِ، أي الليْلِ أسْمَعُ؟ قال: «جَوْفُ اللَّيْلِ الآخرِ، فَصَلِّ مَا شئتَ، فَإنَّ الصلَاةَ [مَشْهُودَة مَكْتُوبَةٌ] 2 حَتى تُصَلِّىَ الصبحَ، ثُمَّ أقصر حَتى تَطْلُعَ الشَّمس،

..................................  فَتَرتَفِعَ قِيسَ 1 رُمْحٍ أوْ رُمحَيْن».
ولأنَّ النهْىَ بعد العصر مُتَعَلق بفعلِ الصلاةِ.
فكذلك بعد الفَجْرِ.
والروايَةُ الثّانِيَةُ، أنَّ النهْىَ مُتَعَلِّقٌ بطُلوعِ الفَجْرِ.
وبه قال ابن المُسَيبِ، وحُميْدُ بنُ عبدِ الرَّحْمَن 2، وأصحابُ الرأيِ.
وقد رُوِيَتْ كَراهتُه عن ابنِ عُمرَ، وابنِ عمرو، وهو المَشْهُورُ في المَذْهبِ؛ لِما روَى يَسارُ مَوْلَى ابنِ عُمرَ، قال: رآني ابنُ عُمَرَ وأنا أُصَلِّي بعدَ طُلُوعِ الفَجْرِ، فقال: يَا يَسارُ، إنَّ رسولَ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- خَرَج علينا ونحن نُصَلِّي هذه الصلاةَ، فقال: «لِيُبَلِّغ شَاهِدُكُم غَائِبَكم، لَا تُصَلوا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتيْنِ».
رَواه أبو داود 3. وعن أبي هُرَيرةَ، رَضىَ اللهُ عنه، قال: قال رسولُ الله -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم-: «إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَلَا صلَاة إلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْر» 4. وهذا يُبَيِّنُ مرادَ النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- مِن اللفْظِ المُجْمَلِ، ولا يُعارضُه تَخصِيصُ ما بعدَ الصلاةِ بالنهْيِ 5 فإنَّ ذلك دَلِيلُ خِطابٍ، فالمَنْطُوقُ أوْلَى منه، وحديثُ عمرِو بن عَبَسَةَ قد اخْتَلَفَتْ ألفاظُ الرُّواةِ فيه، وهو في سننِ ابنِ ماجه: «حَتى يَطْلُعَ الْفَجْر».

وَيَجُوزُ قَضَاءُ الْفَرَائِضِ فِيها.

521 - مسألة؛ قال: (ويَجُوزُ قضاءُ الفَرائِض فيها)

يَجُوزُ قضاءُ الفرائض الفائتُةِ في جميع أوْقاتِ النهْيِ وغيرِها.
رُوِيَ نَحْوُ ذلك عن عليٍّ، رَضِيَ الله عنه، وغيرِ واحدٍ مِن الصحابَةِ.
وبه قال أبو العالِيَةِ، والنَّخَعِيُّ»، والشعبِي، والحَكَمُ، وحَمّادٌ، ومالكٌ، والأوْزاعِيُّ، والشافعيُّ، وإسحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ.
وقال أصحابُ الرأيِ: لا تُقْضَى الفَوائِتُ في الأوْقاتِ الثلَاثةِ التى في حديثِ عُقْبَةَ بني عامر، إلَّا عَصْرَ يومِه يُصَليها قبلَ غُروب الشَّمس؛ لعُمُومِ النَّهْي، ولأن النَّبِيّ -صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم- لَمّا نام عنِ صلاةِ الفَجْرِ حتَّى طَلَعَتِ الشمسُ، أخرَها حتَّى ابْيَضَّتِ الشمسُ.
مُتفق عليه 1.

..................................  ولَنا، قولُ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ نامَ عَنْ صَلَاةٍ أوْ نَسِيَها، فَلْيُصَلها إذَا 1 ذَكَرَها».
مُتَّفقْ عليه 2. وفي حديثِ أبي قتادَةَ: «إنَّمَا التفْرِيطُ في اليَقَظَةِ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَل الصلَاةَ حَتى يَجِيءَ وقْتُ الأخْرَى فَمَنْ 3 فَعَل ذَلِكَ فَلْيُصَلِّها حِينَ يَنْتَبهُ لَها».
مُتَّفَقْ عليه 4. وخَبَرُ النهْيِ مَخْصُوص بالقَضاءِ في الوَقْتَين الآخَرَين، فنَقِيسُ مَحَلَّ النِّزاعِ على المَخْصُوص وقِياسُهم مَنْقُوضٌ بذلك أَيضًا، وحديثُهم يَدُلُّ على جَوازِ التأخير، لا على تَحرِيمَ الفعلِ.

..................................  فصل: ولو طَلَعَتِ الشَّمَس وهو في صلاةِ الصبحِ، أتمَّها.
وقال أصحابُ الرأيِ: تَفْسُدُ؛ لأنها صارَتْ في وقْتِ النَّهْي.
ولَنا، ما روَى أبو هُرَيرَةَ، عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «إذا أدرَكَ أَحَدُكم سَجْدَة مِنْ صَلَاةِ الْعصر قَبْلَ أنْ تَغِيبَ الشمسُ، فَلْيتِمَّ صلاتهُ، لَماذَا أدرَكَ سَجْدَة مِنْ صَلَاةِ الصبحِ قبْلَ أنْ تَطْلُعَ الشمسُ فليتم صلاتهُ».
مُتفَق عليه 1. وهذا نَص خاص يُقَدَّمُ 2 على عُموم ما ذَكَروه.
فصل: ويَجُوز فِعل الصلاةِ المَنْذورَةِ في وقْتِ النهْيِ؛ سَواء كان النذْرُ مطْلَقا أو موقتا.
ويَتَخَرَّجُ لنا (2) أنَّه لا يجوز بِناءً على صَوْم الواجِبِ في أيامِ التَّشريقِ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ؛ لعُمُومِ النهْيِ.
ولَنا، أنَّها صلاة واجِبَةٌ، فأشْبَهتِ الفَوائتَ مِن الفَرائِضِ وصلاةَ الجِنازَةِ، فإنَّه قد وافَقَنا فيما بعدَ صَلاةِ العَصرِ والصبحِ.

وَتَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ، وَرَكْعَتَا الطَّوَافِ، وإعَادَةُ الجَماعَةِ إذَا أقِيمَتْ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ، بَعْدَ الْفَجْرِ والعصرِ.
وهل يَجُوزُ فِي الثلَاثةِ الْبَاقِيَةِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.

522 - مسألة: (وتَجُوزُ صلاةُ الجِنازَةِ، ورَكْعَتا الطَوافِ 1، وإعادَةُ الجَماعَةِ إذا أقيمَتْ وهو في المسجدِ، بعد الفَجْرِ والعصرِ. وهل يَجُوزُ في الثلاثةِ البَاقيةِ؟ علَى رِوايَتَين) تَجُوزُ صلاةُ الجِنازَةِ بعدَ الصُّبْحِ

..................................  حتى تَطْلعَ الشمسُ، وبعدَ العَصْرِ حتى تَمِيلَ الشمسُ للغُرُوبِ، بغير خِلافٍ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: إجْمَاعُ المسلمين في الصلاةِ على الجِنازَةِ بعدَ العصرِ والصبحِ.
فأما الصلاةُ عليها في الأوْقاتِ الثلاثةِ التي في حديثِ عُقْبَةَ فلا تَجُوز.
ذَكَره القاضي، وغيرُه، وحَكاه الأثْرَمُ عن أحمدَ.
وقد رُوِيَ عن جابر، وابن عُصَرَ نحوُ هذا القولِ.
قال الخَطَابي: هذا قولُ أكثرِ أهْلِ العلم.
وفيه رِواية أخْرى، أنه يَجُوزُ.
حَكاها أبو الخَطَّاب.
وهو مَذهبُ الشافعي؛ لأنَّها صلاة تُباحُ بعدَ الصبحِ والعصرِ 1، فأبِيحَتْ في سائِر الأوْقاتِ، كالفَرائض.
ولنا، قولُ عُقْبَةَ بين عامِر: ثَلاثُ ساعاتٍ كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يَنْهانا عن الصلاةِ فهن، وأن نَقْبُرَ فيهِنُّ مَوْتانا 2. وذِكْرُه

..................................  للصلاةِ مَقْرونًا بالدَّفْنِ يَدُل على إرادَةِ صلاةِ الجنازَةِ.
ولأنها صلاة عِن غيرِ الصلواتِ الخَمس، أشْبَهتِ النوافِلَ، وإنما أبِيحَتْ بعدَ الصبحِ والعَصرِ لطُولِ مدَّتِهما، فالانتِظارُ يُخافُ منه عليها؛ بخِلافِ هذه الأوْقاتِ، وقِياسُهم على الفَرائِض لا يَصِح؛ لتَأكدِها، ولا يَصِحُّ قِياسُ الأوْقاتِ الثلاثةِ على الوَقْتَين الطويلَين؛ لِما ذَكَرنا.
فصل: وتَجُوزُ رَكْعَتا الطوافِ بعده في هذين الوَقْتَين، وممن طاف بعدَ الصبحِ والعَصرِ وصَلى رَكْعَتَين؛ ابنُ عُمَرَ، وابنُ الزُّبَيرِ، وابنُ عباس، والحسن، والحسينُ، ومُجاهِد، والقاسِمُ بنُ محمدٍ، وفَعَلَه عُروَة بعدَ الصبحِ، وهو قولُ الشافعي، وأبي ثَور.
وقال أبو حنيفةَ، ومالك: لا يَجُوزُ؛ لعُمومِ أحاديثِ النهْي.
ولَنا، ما روَى جُبَيرُ بنُ مُطْعِم، أن رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يَا بنِي عَبْدِ مَنَافٍ، لَا تَمنَعُوا أحَدًا طَافَ بِهذَا الْبَيتِ، وَصلَّى فِيهِ في آية سَاعَةٍ شَاءَ، عِنْ لَيل أوْ نهارٍ» رَواه

..................................  الأثْرَم، والترمذِي 1، وقال: حديث حَسَن صحيح.
ولأن رَكْعتي الطوافِ تابِعَة له، فإذا أبِيحَ المَتْبُوعُ أبيح التبعُ، وحديثُهم مَخْصُوص بالفَوائِتِ، وحديثنا لا تَخْصِيص فيه، فيكونَ أوْلَى.
وهل يَجُوزُ في الثلاثةِ الباقِيَةِ؟ فيه رِوايَتان؛ إحداهما، يَجُوزُ؛ لِما ذَكرنا، وهو مَذْهبُ الشافعي، [وأبي ثور] 2. والثانِيَةُ، لا يَجوز، لحديثِ عُقْبَة بنِ عامِرٍ، ولتأكدِ النهْي في هذه الأوْقاتِ الثلاثةِ، وقَصرها، وكَوْنِها لا يَشُق تَأخِيرُ الرُّكوعَ للطَّوافِ فيها بخِلافِ غيرِها.

..................................  فصل 1: وتَجُوز إعادَة الجَماعَةِ إذا أقيمتْ وهو في المسجدِ، أو دَخَل وهم يُصَلُّون بعدَ الفَجْرِ والعصر.
وهذا قول الحسنِ، والشافعي.
واشْتَرَطَ القاضي لجَوازِ الإعادَةِ ههُنا أن يكونَ مع إمامِ الحيِّ، ولم يفرِّقْ 2 ههُنا بينَ إمامِ الحَي وغيرِه، ولا بينَ المُصَلِّي جَماعَةً أو فُرادَى.
وهو ظاهِرُ قولِ الخِرقِيِّ.
وكلامُ أحمدَ يَدُلُّ على ذلك أيضًا.
قال الأثْرَمُ: سَألْتُ أبا عبدِ الله عمَّن صَلَّى في جَماعَةٍ، ثم دَخَل المسجدَ وهم يُصَلون، أيصَلي معهم؟ قال: نَعَم.
وقال أبو حنيفةَ: لا تُعاد الفَجْرُ ولا العصرُ في وَقتِ النَّهْي؛ لعُمُومِ النهي.
ولَنا، ما روَى جابِرُ بنُ [يزِيدَ بين الأسْوَدِ] 3، عن أبِيه، قال: شَهدتُ مع رسولِ الله - صلى الله عليه وسلم - حَجتَه، فصَلّيتُ

..................................  معه صلاةَ الفَجْرِ في مسجدِ الخَيفِ، وأنا غُلام شاب، فلما قَضَى صلاته إذا هو برَجُلَين في آخِرِ القومِ لم يُصَليا معه، فقال: «عَلَيَّ بِهما».
فأُتِيَ بهما ترعَدُ فرائِصُهما، فقال: «مَا مَنَعَكمَا أنْ تُصَليَا مَعَنَا؟»، فقالا: يا رسولَ اللهِ قد صلَينا في رحالِنا.
قال: «لَا تَفْعَلَا، إذَا صَلَيتُمَا فِي رِحَالِكمَا، ثُمَّ أتيتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصليَا مَعَهُم؛ فَإنَّها لَكُمَا نَافِلَةً».
رَواه أبو داودَ، والأثْرَمُ، والترمِذي 1. وهذا صَرِيح في إعادَةِ الفَجْرِ، والعَصرُ مِثْلُها.
والحدِيثُ بإطْلاقِه يَدُل على الإعادَةِ، سَواء كان مع إمامِ الحَي أو غيرِه، وسواء صَلَّى وحدَه أو في جَماعَةٍ، وهل يَجُوزُ في الأوْقاتِ الباقِيَةِ؟ على رِوايَتَين؛ إحداهما، يَجُوزُ؛ لِما روَى أبو ذر، قال: إن خَلِيلي، يَعنِي النبيَّ - صلى الله عليه وسلم -، أوْصانِي أن أصَلي الصلاةَ لوَقْتِها 2: «فَإذا أدرَكتها مَعَهم فصَل مَعَهم، فَإنها لَك نَافِلَة».
رَواه

وَلَا يَجوزُ التَطَوُّعُ بغَيرِها فِي شَيء مِنْ هذهِ الْأوْقَاتِ الْخَمسَةِ، إلَّا مَا لَهُ سَبَبٌ؛ كَتَحِيَّةِ الْمَسجِدِ، وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ، وَصلَاةِ الْكُسُوفِ، وَقَضَاءِ السننِ الرَّاتِبَةِ، فَإنها عَلَى رِوَايَتَينِ.
مسلم (1)، وقِياسا على الوَقْتَينْ الآخَرَين.
والثّانِيَةُ، لا يَجُوزُ؛ لحديثِ عُقْبَةَ بنِ عامرٍ، ولِما بينَها وبينَ هذين الوَقْتَين مِن الفَرقِ.

523 -

مسألة: (ولا يَجُوزُ التَّطَوُّعُ بغيرِها في شيء مِن هذه 2 الأوْقاتِ الخمسَةِ، إلَّا ما له سَبب؛ كتَحِيَّةِ المسجدِ، وسُجُود التلاوَةِ، وصلاةِ الكُسُوفِ، وقَضاءِ السُّنَن الرّاتِبَةِ، فإنها على روايَتَين) أرادَ بغيرِ ما ذكَر مِن الصَّلَواتِ، وهي صلاةُ الجِنازَةِ، ورَكْعَتا الطَوافِ، وإعادَةُ الجماعَةِ، وليس في المَذْهبِ خِلاف نَعلَمُه في أنَّه لا يَجُوز أن يَبْتَدِئَ في هذه الأوْقاتِ تَطَوُّعًا لا سَبَبَ له. وهذا قولُ الشافعي، وأصحابِ الرأي.1

..................................  وقال ابن المُنْذر: رَخَّصت طائِفةً في الصلاة بعدَ العَصرِ، يروَى ذلك عن على، والزُّبَيرِ، وابنِه، وتمِيم الدارِي، والنعمانِ بنِ بَشِيرٍ، وأبي أيُّوبَ الأنْصاري، وعائشةَ، رَضِيَ الله عنه، وجَماعَةٍ مِن أهلِ العِلْمِ سِواهم.
ورُوِيَ عن أحمدَ، أنه قال.: لا نَفْعَلُه ولا نعِيبُ فاعِلَه؛ لقَوْلِ عائشةَ: ما تَرَك رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - رَكعَتَين بعدَ العَصرِ عندِي قط.
وقولِها: وهِمَ عُمَرُ، إنما نَهى رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - يَتَحَرَّى طُلُوعَ الشمس أو غُرُوبَها.
رَواهما مسلم 1. وقولُ علي، - رضي الله عنه -، عن النبي - صلى الله عليه وسلم -: «لَا صَلَاة بعدَ الْعصرِ إلّا وَالشمس مُرتَفِعَة» 2. ولَنا، الأحاديثُ المذْكُورَةُ، وهي

..................................  صَحِيحَة صرِيحَة.
وروَى أبو بَصرَةَ، قال: صَلى بِنا رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - صلاة العَصرِ بالمُخَمَّصِ 1، فقال: «إنَّ هذهِ الصَّلاة عُرِضَتْ عَلى مَنْ كَانَ قَبْلَكم فَضَيَّعُوها، فمَنْ حَافَظَ عَلَيها كَانَ لَهُ أجْرُهُ مَرَّتَينِ، وَلا صَلاةَ بَعدَها حَتَّى يَطْلُعَ الشاهِدُ».
رَواه مسلم 2. وهذا خاصٌّ في مَحَل النزاعِ.
وأما حديثُ عائشةَ،، فقد روَى عها ذَكْوانُ مَوْلاها، أنها حَدَّثَتْه، أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - كان يُصَلي بعدَ العَصرِ وينْهى عنها.
رواه أبو داودَ 3. وعن أمِّ سَلَمَةَ، قالت: سَمعت رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَنْهى عنهما، ثم رأيتُه يُصَليهما، وقال: «يَا بنْتَ ابنِ أبِي أمَيَّةَ، إنَّهُ أتانِيَ نَاس مِنْ عَبْدِ الْقَيس بالإسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِم، فشَغَلُوني عَنِ الركْعَتَينِ اللَّتَينِ بعدَ

..................................  الظهْرِ، فهُمَا هاتَان».
رواه مسلم 1. وهذا يَدُلُّ على أن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - إنّما فَعَلَه لسَبَبٍ، وهو قَضاءُ ما فات مِن السنةِ، وأنه نَهى عن الصلاةِ بعدَ العَصرِ، كما رَواه غيرُهما، وحديثُ عائشةَ يَدُل على اخْتِصاص النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -[بذلك، ونَهْيه غيرَه، وهو حُجّة على مَن خالف ذلك، فإن النِّزاعَ في غيرِ النبي - صلى الله عليه وسلم -] 2، وقد ثبَت ذلك مِن غيرِ مُعارض له، وقَوْلُها: وَهِمَ عُمَرُ.
قد أجبنا عنه.
فصل: فأما ما له سَبَب، فالمَنْصُوصُ عن أحمدَ، - رضي الله عنه -، في الوتْرِ أنَّه يُفْعَلُ بعدَ طُلوعِ الفَجْرِ قبلَ الصلاةِ.
رُوِيَ ذلك عن ابنِ مسعود، وابنِ عُمَرَ، وابنِ عباس، وحُذَيفَةَ، وأبِي الدرداءِ، وعُبادَةَ بنِ الصامِتِ، وعائشِة، وغيرِهم، رَضِيَ الله عنهم.
وبه قال مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والأوْزاعِي، والشافعي.
ورُوِيَ عن علي، رَضِيَ الله عنه،

..................................  إنّه خَرج بعدَ طلُوعِ الفَجْرِ، فقال: لنِعمَ هذه ساعَةُ الوتْرِ 1. وقد رُوِيَ عن أبي موسى، أنَّه سُئِل عن رجل لم يُوتِر حتى أذنَ المُؤذنُ، فقال: لا وتر.
له.
وأنكَر ذلك عَطاء، والنَّخَعِي، وسعيدُ بنُ جُبير.
وهو قول أبي موسى؛ لعمومِ النهْي.
ولَنا، ما روَى أبو بَصرَة الغِفاري، قال: سَمعتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «إنَّ الله زَادَكم صلَاة فَصَلُّوها مَا بَينَ الْعِشَاءِ إلَى صلَاةِ الصبحَ، الوتر الوتر 2». رَواه الأثْرَمُ، واحتَجَّ به أحمدُ 3. وأحادِيثُ النهْي ليست صَرِيحَة في النهْي قبلَ صلاةِ الفَجْرِ؛ كما حَكَيناه مُتَقَدَّمًا.
وقد روَى أبو هُريرةَ 4، قال: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: «مَن نَامَ عن الْوتر

..................................  فَلْيُصَلِّهِ إذا أصبح».
رَواه ابنُ ماجه 1. إذا ثَبَت هذا، فإنه لا يَنْبَغِي أن يَتَعَمَّدَ تركَ الوتْرِ حتى يُصبِحَ؛ لهذا الخَبَرِ، ولأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «فَإذَا خشيَ أحَدُكُم الصبحَ فَلْيُصَل رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى».
مُتفَق عليه 2. وقال مالك: مَن فاتَتْه صلاةُ اللَّيلِ، فله أن يُصَلِّيَ بعدَ الصبحِ قبلَ أن يُصَلِّيَ الصبحَ.
وحَكاه ابنُ أبي موسى في «الإرشادِ» مَذْهبًا لأحمدَ، قِياسًا على الوتْرِ، ولأن هذا الوَقتَ، لم يَثْبُتِ النَّهْيُ فيه صَرِيحًا، فكان حُكمُه خَفِيفًا.
فصل: فأما سُجُودُ التلاوَةِ، وصلاةُ الكُسوفِ، وتَحِيُّةُ المسجدِ، فالمَشْهُورُ في المَذْهبِ أنه لا يَجُوزُ فِعلُها في شيءٍ مِن أوْقاتِ النَّهْي، وكذلك قَضاء السننِ الراتِبَةِ في الأوْقاتِ الثلاثةِ المَذْكورَةِ في حديثِ عُقْبَةَ بنِ عامِر.

..................................  ذَكَرَه الخِرَقي في سُجُودِ التلاوَةِ، وصلاةِ الكسُوفِ.
وقال القاضِي: في ذلك رِوايَتان؛ أصَحُهما، أنه لا يَجُوزُ.
وهو قولُ أصحاب الرَّأي.
والثانِيةُ، يجُوزُ.
وهو قول الشافعيِّ؛ لقَوْلِ النبي - صلى الله عليه وسلم -: «إذَا دَخَل أحَدُكُمُ الْمَسْجِدَ، فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَركَعَ رَكْعَتَينِ».
مُتَفَق عليه 1. وقال في الكسُوفِ: «فإذَا رأيتُموها 2 فصَلوا» 3 وهذا خاصٌّ في هذه الصلاةِ، فيُقَدمُ على النَّهْي العام، ولأنها صلوات ذَواتُ أسبابٍ أشْبَهتْ ما ثَبَت جَوازُه.
ولَنا، أن كل واحِدٍ خاصٌّ مِن وَجْهٍ، [وعام من وَجْهٍ] 4 إلَّا أن النهْيَ للتحرِيمِ، والأمرَ للندبِ، وتَركُ المُحَرُّمِ أوْلَى مِن فِعلِ المَنْدُوبِ.

..................................  فصل: فأما قَضاءُ السُّننِ الرّاتِبَةِ في الوَقتَين الآخَرَين، فالصَّحِيحُ أن رَكْعَتَي الفَجْرِ تُقْضَى بعدَها؛ [إلا أن] 1 أحمدَ قال: أنا أخْتارُ أن يَقْضِيَهما مع الضحَى.
كان صلّاهما بعدَ الفَجْرِ أجْزَأه؛ لِما روَى قَيسُ بنُ قَهْدٍ، قال: رَآنِي رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - وأنا أصَلّي رَكْعَتَي الفَجر بعدَ صلاةِ الفَجْرِ، فقال: «مَا هاتَانِ الركْعَتَانِ يَا قَيسُ؟» قُلْتُ: يا رسولَ الله، لم أكُنْ صَلَيتُ رَكْعَتَي الفَجْرِ، فهما هاتانِ.
رَواه الامامُ أحمدُ، وأبو داودَ، والترمِذِي 2. وسُكُوتُ النبي - صلى الله عليه وسلم - يَدُل على الجَوازِ.
وفيه رِوايَةٌ أخْرَى، لا يَجُوزُ ذلك.
وهو قولُ أصحابِ الرأي، لعُمُومِ أحاديثِ النَّهْي، ولِما روَى أبو هُرَيرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ لَمْ يُصَل رَكْعَتَي الْفَجْرِ فَلْيُصَلِّهمَا بَعْدَ مَا تَطْلُعُ الشمسُ».
رَواه الترمِذِيُّ 3.

..................................  وحديثُ قَيسٍ مُرسَل، قاله أحمدُ، والترمِذِي.
وإذا كان الأمرُ هكذا كان تأخِيرُهما إلى وَقتِ الضُّحَى أحسَنَ؛ ليَخْرُجَ مِن الخِلافِ، ولا يُخالِفُ عُمومَ الحدِيتِ، وإن فَعَلَهما جاز؛ لأنَّ هذا الخبَرَ لا يَقْصُرُ عن الدَّلالةِ على الجَوازِ.
والصحِيحُ أن السننَ الراتِبَةَ تُقْضَى بعدَ العَصرِ؛ لأن النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فَعَلَه، فإنه قَضَى الركْعَتَين اللَّتَين بعدَ الظهْر بعدَ العَصرِ في حَدِيثِ أم سَلمَةَ الذي ذَكَرناه 1، والاقتِداءُ بما فَعَلَه النبي - صلى الله عليه وسلم - مُتَعيِّن.
ولأن النهْيَ بعدَ العَصرِ خَفِيف، لِما روىَ في خِلافِه مِن الرُّخْصَةِ.
وقولُ عائشةَ: إنه كان يَنْهى عنها.
معنَاه والله أعلمُ، أنه نَهى 2 عنها لغيرِ بهذا السببِ، أو أنه كان بَفْعَلُها على الدَّوامِ.
وهذا مذهب الشافعي.
وفيه رِوايَة أخْرَى، لا يَجُوزُ.
وهو قولُ أصحابِ الرأي؛ لعُمُومِ النهْي.
والأخْذُ بالحدِيثِ الخاص أوْلَى.

..................................  فصل: ولا فَرقَ بينَ مَكَّةَ وغيرِها في المَنْع مِن التطَوُّعِ في أوْقاتِ النَّهْي.
وقال الشافعي: لا يُمنَعُ؛ لِما ذَكَرنا مِن حديثِ جُبَيرِ بنِ مُطعم 1، ولِما روَى أبو ذَر، قال: سَمعتُ رسولَ الله - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «لَا يُصَليَن أحَدٌ بَعدَ الصبحِ إلى طُلُوعِ الشمس، وَلَا بَعْدَ الْعصرِ إلَى أنْ تَغْرُبَ 2 الشمسُ، إلّا بمَكَّةَ».
قال ذلك ثلاثًا.
رَواه الدّارَقطني 3. ولَنا، عُمومُ النهْي، ولأنه مَعنى يَمنَعُ الصلاةَ، فاستَوَتْ فيه مَكَة وغيرُها، كالحَيضِ، وحديثُ جُبَير أرادَ به رَكْعَتَي الطَّوافِ وحديثُ أبي ذَر يرويه عبدُ الله 4 بنُ المُؤملِ، وهو ضَعِيفْ.
قاله يَحيَى بنُ مَعِين.
فصل: ولا فَرقَ في وَقتِ الزّوالِ بينَ يومِ الجُمُعَةِ وغيرِه، ولا بينَ الشِّتاءِ والصيفِ.
كان عُمَرُ بنُ الخطْابِ يَنْهى عنه، وقال ابنُ مسعود: كُنا نُنْهى عن ذلك.
يَعنِي يومَ الجُمُعَةِ.
ورَخَّصَ فيه الحَسَنُ، وطاوس والأوْزاعي، والشافعي، وإسحاقُ في يوم الجُمُعَةِ، لِما روَى أبو سعيد، أنَّ النبي - صلى الله عليه وسلم - نهى عن الصلاةِ نِصفَ النهارِ إلى يومَ الجُمعَةِ.
رَواه أبو

جارٍ التحميل