فإِن دَعَاهُ اثنَانِ، أَجَابَ أَوَّلهُمَا،
3322 - مسألة: (وَإن دَعاه اثنان، أجابَ أوَّلَهما)
لأَنَّ إجابتَه وَجَبتْ حينَ دَعاه، فلم يَزُلِ الوُجوبُ بدُعاءِ الثَّانِى، ولم تجبْ إجابةُ الثَّانى؛ لأنَّها غيرُ مُمْكِنَةٍ مع إجابةِ الأَوَّلِ، فإنِ اسْتَوَيا، أجابَ أقْرَبَهُما منه 1
فَإِنِ اسْتَوَيَا، أجَابَ أَدْيَنَهُمَا، ثُمَّ أَقْرَبَهُمَا جِوَارًا.
بابًا؛ لِما روَى أبو داودَ 1 بإسْنادِه عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا اجْتَمَعَ داعيانِ، فَأجِبْ أقْرَبَهُما بَابًا؛ فَإنَّ أقْرَبَهُما بابًا 2 أقْرَبُهُمَا جِوَارًا، فَإن سَبَقَ أحَدُهُما، فَأجبِ الَّذى سَبَقَ».
ورَوَى البُخَارِىُّ 3 عن عائشةَ، قالت: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إنَّ لى جارَيْنِ، فإلى أيِّهما أُهْدِى؟ قال: «إلَى 4 أَقْرَبِهِما مِنْكِ بابًا».
ولأَنَّ هذا من أَبْوابِ البِرِّ، فقُدِّمَ بهذه المعانى.
فإنِ اسْتَوَيا، أجابَ أقْرَبَهُما رَحِمًا؛ لِما فيه مِن صِلَةِ الرَّحِمِ (فإنِ اسْتَوَيا، أجابَ أدْيَنَهما) فإنِ اسْتَوَيا 5، أقْرَعَ بينَهما؛ لأَنَّ القُرْعةَ تُعَيِّنُ المُسْتَحِقَّ عندَ اسْوءِ الحُقوقِ.
واللَّهُ أعلمُ.
وَإِنْ عَلِمَ أَنَّ فِى الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا، كَالزَّمْرِ وَالْخَمْرِ، وَأَمْكَنَهُ الإِنْكَارُ، حَضَرَ وَأَنكَرَ، وَإِلَّا لَمْ يَحْضُرْ.
وَإِنْ حَضَرَ، فَشَاهَدَ الْمُنْكَرَ، أَزَالَهُ، وَجَلَسَ، فَإِنْ لَمْ يَقْدِرِ، انْصَرَفَ،
3323 - مسألة: (وَإن عَلِمَ أَنَّ في الدَّعْوَةِ مُنْكَرًا، كالزَّمْرِ والخَمْرِ، وأَمْكَنَهُ الإِنْكَارُ، حَضَرَ وأنْكَرَ، وإلَّا لم يَحْضُرْ)
مَن دُعِىَ إلى وَليمةٍ فيها مَعْصِيَة، كالخَمْرِ والزَّمْرِ والعُودِ ونحوِه، فأمْكَنَه إزالةُ المُنْكَرِ، لَزِمَه الحُضُورُ والإِنْكارُ؛ لأنَّه يُؤدِّى فَرْضَيْنِ؛ إجابةَ أخيه المسلمِ، وإزالةَ المُنْكَرِ.
وإن لم يَقْدِرْ على الإِنْكارِ، لم يحضُرْ.
فإن لم يَعْلَمْ بالمُنْكَرِ حتى حضرَ، أزالَه، فإن لم يُمْكِنْه، انْصرَفَ.
ونحوَ هذا قال الشافعىُّ.
وقال
..................................
مالكٌ: أمَّا اللَّهْوُ الخَفِيفُ، كالدُّفِّ والكَبَرِ 1، فلا يَرْجِعُ.
وقالَه ابنُ القاسمِ.
وقال أصْبَغُ: يَرْجِعُ.
وقال أبو حنيفةَ: إذا وجدَ اللَّعِبَ، فلا بَأَسَ أن يَقْعُدَ فيأْكُلَ.
وقال محمدُ بنُ الحسنِ: إن كان ممَّن يُقْتَدَى به، فأحَبُّ إلىَّ أن يَخْرُجَ.
وقال اللَّيْثُ: إذا كان فيها الضَّربُ بالعُودِ، فلا يَنْبَغِى له أن يَشْهَدَها.
والأصلُ في هذا ما روَى سَفِينَةُ، أنَّ رجُلًا أضافَه علىٌّ، فَصنعَ له طعامًا، فقالتْ 2 فاطمةُ 3: لو دعَوْنا رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فأكلَ معنا.
فدعَوه، فجاءَ، فَوضَعَ يدَه على عِضَادَتَى البابِ، فرأى قِرامًا في ناحيةِ البيتِ، فرجَعَ، فقالتْ فاطمةُ لعلىٍّ: الحَقْه، فقل له: ما رَجَعَكَ يا رسولَ اللَّهِ؟ فقال: «إنَّهُ لَيْس لِى أن أدْخُلَ بَيْتًا مُزَوَّقًا» 4. حديثٌ حسنٌ.
ورَوَى أبو حفص، بإسْنادِه، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَن كان يُومِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ، فلا يَقْعُدْ على مائِدَةٍ يُدَارُ عليها الْخَمْرُ» 5. وعن نافعٍ، قال: كنتُ أسيرُ مع عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ،
وَإِنْ عَلِمَ بِهِ، وَلَمْ يَرَهُ وَلَمْ يَسْمَعْهُ، فَلَهُ الْجُلُوسُ،
فسَمِعَ زَمَّارَةَ راعٍ، فَوضعَ إِصْبَعَيْهِ (1) في أُذُنَيْهِ، ثم عدَلَ عن الطَّريقِ، [فلم يَزَلْ يَقُولُ: يا نافعُ أتسْمعُ؟ قلتُ: لا.
فأخرَجَ إِصْبعَيْه عن أُذُنَيْه، ثم رَجَع إلى الطَّريقِ] (2)، ثم قال: هكذا رأيتُ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- صنعَ.
روَاه أبو داودَ (3)، والخَلَّالُ.
ولأنَّه يُشاهِدُ المُنْكَرَ ويسمعُه مِن غيرِ حاجةٍ إلى ذلك، فَمُنِعَ منه، لو قَدَر على إزالَتِه.
ويُفارِقُ مَن له جارٌ مُقِيمٌ على المُنْكَرِ والزَّمْرِ، حيث يُباحُ له المُقَامُ، فإنَّ تلك حالُ حاجةٍ؛ لِما في الخُروجِ مِن المنزلِ مِن الضَّررِ.
3324 -
مسألة: (وإن عَلِمَ به، ولم يَرَه ولم يَسْمَعْه، فله الجُلوسُ)
والأَكْلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وله الامْتِناعُ مِن الحضُورِ في ظاهرِ123
وإنْ شَاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فِيها صُوَرُ الْحَيَوَانِ، لم يَجْلِسْ إِلّا أَنْ تُزَالَ، وَإِنْ كَانَتْ مَبْسُوطَةً أو عَلَى وِسَادَةٍ، فَلَا بَأْسَ بِهَا.
كلامِه؛ فإنَّه سُئِلَ عن الرَّجلِ يُدْعَى إلى الخِتَانِ أو العُرْسِ، وعندَه المُخَنَّثُونَ (1)، فيدْعُوه بعدَ ذلك بيوم أو ساعةٍ، وليسَ عندَه أولئك؟ فقال: أرْجُو أن لا يَأْثَمَ (2) إن لم يُجِبْ، وإن أجابَ فأرْجُو أن لا يكونَ آثِمًا.
فأسقطَ الوُجوبَ؛ لاسْقاطِ الدَّاعِى حُرْمةَ نَفْسِه باتِّخاذِ (3) المنكرِ، ولم يَمْنَعِ الإِجابةَ؛ لِكَوْنِ المُجيبِ لا يَرَى مُنْكَرًا ولا يَسْمَعُه.
وقال أحمدُ: إنَّما تجبُ الإِجابةُ إذا كان المَكْسَبُ طيِّبًا، ولم يرَ مُنْكَرًا (4). فعلى هذا، لا تجبُ إجابةُ مَن طَعامُه مِن مَكْسَبٍ خَبِيثٍ؛ لأَنَّ اتِّخَاذَه (5) مُنْكَرٌ، والأكلُ منه مُنْكَرٌ، فهو أوْلَى بالامْتِناعِ، وإن حضرَ لم يَأْكُلْ.
3325 -
مسألة: (وَإن شاهَدَ سُتُورًا مُعَلَّقَةً فيها صُوَرُ الحَيَوانِ، لم يَجْلِسْ إلَّا أن تُزالَ، وَإن كانت مَبْسُوطَةً أو على وَسائِدَ، فلا بَأْسَ)
12345
..................................
إذا كانت صورُ الحيوانِ على السُّتورِ والحِيطانِ وما لا يُوطَأُ، وأمْكَنَه حَطُّها 1، أو قَطْعُ رُءُوسِها، فَعَل وجَلَس، وإن لم يُمْكِن 2 ذلك 3، انصرفَ لم يَجْلِسْ.
وعلى هذا أكثرُ أهلِ العلمِ، قال ابنُ عبدِ البَرِّ 4: هذا أعْدَلُ المذاهبِ.
وحَكاه عن سعدِ بنِ أبى وَقَّاصٍ، وسالمٍ، وعُرْوةَ، وابنِ سِيرِينَ، وعَطاءٍ، وعِكْرِمَةَ بنِ خالدٍ، وسعيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ.
وكان أبو هُرَيْرَةَ يَكْرَهُ التَّصاويرَ، ما نُصِبَ منها وما بُسِطَ.
وكذلك مالكٌ، إلَّا أنَّه كان يَكْرَهُها تَنَزُّهًا، ولا يراها مُحَرَّمَةً.
ولَعَلَّهم يذهبونَ إلى عُمومِ 5 قولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ المَلائكَةَ لا تَدْخلُ
..................................
بَيْتًا فيه صُورَةٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. ورُوِىَ عن أبى 2 مسعودٍ، أنَّه دُعِىَ إلى طعامٍ، فلمَّا قيل له: إنَّ في البيتِ صُورةً.
أبَى أن يَذْهَبَ حتى كُسِرتْ 3. ولَنا، ما روَتْ عائشةُ، قالتْ: قَدِمَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- من سَفَرٍ، وقد ستَرْتُ لى سَهْوَةً بنَمَطٍ 4 فيه تَصاوِيرُ، فلمَّا رآه قال: «أَتسْتُرِينَ الخِدْرَ بسَتْرٍ 5 فيه تَصاوِيرُ؟» فهَتَكَهُ.
قالتْ: فَجَعَلْتُ منه مُنْتَبَذَتَيْنِ 6، كأنِّى أنْظُرُ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- مُتَّكِئًا على إحداهُما.
روَاه ابنُ
..................................
عبدِ البَرِّ 1. ولأنَّها إذا كانت تُداسُ وتُبْتَذَلُ، لم تكُنْ مُعَزَّزَةً [ولا] 2 مُعَظَّمَةً، فلا تُشْبِهُ الأَصْنامَ التى تُعْبَدُ وتُتَّخَذُ آلهةً، فلا تُكْرَهُ.
وما رَوَيناه أخَصُّ ممَّا رَوَوْه، وقد رُوِى عن أبى طَلْحَةَ أنَّه قِيل له: ألم يَقُلِ 3 النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لا تَدْخُلُ الملائكَة بَيْتًا فيه كَلبٌ ولا صُورَة»؟ قال: ألم تَسمَعْه قال: «إلَّا رَقْمًا في ثوْبٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 4. وهو محْمُولٌ على ما ذكَرْناه مِن أنَّ المُباحَ ما كان مَبْسوطًا، والمَكْرُوهَ منه ما كان مُعَلَّقًا، بدليلِ حديثِ عائشةَ 5.
فصل: فإن قَطَع رَأْسَ الصُّورةِ، ذَهَبتِ الكَراهَةُ.
قال ابنُ عبَّاسٍ:
..................................
الصُّورةُ الرَّأْسُ، فإذا قُطِعَ الرأْسُ فليسَ بصورةٍ 1. وحُكِىَ ذلك عن عِكْرِمَةَ.
وقد رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «أتانِى جِبْرِيلُ، فقالَ: اتيْتُكَ البارِحَةَ، فلم يَمْنَعْنِى أن أَكُونَ دَخَلْتُ إلَّا أَنَّه كان على البابِ تَمَاثِيلُ، وكان في البَيْتِ سِتْرٌ فيه تَماثِيلُ، وكان فِى البَيْتِ كَلْبٌ، فَمُرْ بِرَأْسِ [التِّمْثالِ الذى] 2 عَلَى بَابِ البَيْتِ فَيُقْطَعُ، فيَصِيرُ 3 كَهَيْئَةِ الشَّجَرَةِ، ومُرْ بِالسِّتْرِ فَلْيُقْطَعْ منه وِسادَتانِ مَنْبُوذَتانِ يُوطَآنِ، ومُرْ بِالْكَلْبِ فَلْيُخْرَجْ».
ففَعَلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- 4. وإن قَطَع منه ما لا تَبْقَى الحياةُ بعدَ ذَهابِه 5، كصَدْرِه أو بَطْنِه، أو جُعِلَ له رَأْسٌ مُنْفَصِلٌ عن بدَنِه، لم يَدْخُلْ تحت النَّهْى، لأَنَّ الصُّورةَ لا تَبْقَى بعدَ ذَهابِه، فهو كقَطْعِ الرَّأْسِ.
وإن كان الذَّاهِبُ يَبْقَى الحيوانُ بعدَه، كالعَيْنِ واليَدِ والرِّجْلِ، فهو صُورةٌ داخلةٌ تحتَ النَّهْى.
فإن كان في ابْتِداءِ التَّصْويرِ صورةُ بَدَنٍ بلا رَأْسٍ،
..................................
أو رَأْسٍ بلا بدَنٍ، أو جُعِلَ له رَأْسٌ، وسائِرُ بدَنِه صورةُ غيرِ حيوانٍ، لم يدْخُلْ في النَّهْى؛ لأنَّه ليس بصُورةِ حيوانٍ.
فصل: وصَنْعَةُ التَّصاوِيرِ مُحَرَّمةٌ على فاعِلِها؛ لِما روَى ابنُ عمرَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «الَّذِينَ يَصْنَعُونَ هَذِهِ الصُّوَرَ يُعَذَّبُونَ يومَ القِيَامَةِ، يُقَالُ لهم: أحْيُوا ما خَلَقْتُمْ».
وعن مَسْروقٍ، قال: دَخَلْنا مع عبدِ اللَّهِ بيتًا فيه تماثيلُ، فقال لتمثالٍ منها: تمثالُ مَن هذا؟ قالوا: تمثالُ مَرْيَمَ 1. قال عبدُ اللَّهِ: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ أشَدَّ النَّاسِ عَذابًا يومَ القِيَامَةِ المُصَوِّرُونَ».
مُتَّفَقٌ عليهما 2. والأمْرُ بعَمَلِه مُحَرَّمٌ، كعَملِه.
فصل: فأمَّا دُخولُ مَنْزِلٍ فيه صُورةٌ، فليسَ بمُحَرَّمٍ، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُ إجابةِ 3 الدَّعْوةِ لأجْلِه عُقُوبةً للدَّاعِى، بإسْقاطِ حُرْمَتِه؛ لاتِّخاذِه المُنْكَرَ
..................................
في دارِه.
ولا يَجِبُ على مَن رآه في منزلِ الدَّاعِى الخُروجُ، في ظاهرِ كلامِ أحمدَ؛ فإنَّه قال في رِوايةِ الفَضْلِ، إذا رأى صُوَرًا على السِّتْرِ، لم يكُنْ رآها حينَ دخلَ؟ قال: هو أسْهَلُ مِن أن يكونَ على الجِدَارِ.
قيلَ له: فإن لم يَرَه إلَّا عندَ وَضْعِ الخِوانِ بينَ أيْدِيهم، أُيَخْرُجُ؟ فقال: لا تُضَيِّقْ علينا، ولكنْ إذا رأى هذا وَبَّخَهُم 1 ونَهاهم.
يعنى لا يَخْرُجُ.
وهذا مذهبُ مالكٍ؛ فإنَّه كان يَكْرَهُها تَنَزُّهًا، ولا يراها مُحَرَّمَةً.
وقال أكثرُ أصْحابِ الشافعىِّ: إذا كانتِ الصُّوَرُ على السُّتورِ، أو 2 ما ليس بمَوْطُوءٍ، لم يَجُزْ له الدُّخولُ؛ لأَنَّ الملائكةَ لا تَدْخُلُه، ولأنَّه لو لم يكُنْ مُحَرَّمًا، لَما جازَ تَرْكُ الدَّعوةِ الواجبةِ لأجْلِه.
ولَنا، ما رُوِى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دَخَل الكَعْبةَ، فرأى فيها صُورةَ إبراهيمَ وإسماعيلَ يسْتَقْسِمانِ بالأزْلامِ، فقال: «قاتَلَهُمُ اللَّه، لقدْ عَلِمُوا أنَّهُما ما اسْتَقْسَما بها قَطُّ».
روَاه أبو داود 3. وما ذكَرْنا مِن خَبَرِ عبدِ اللَّهِ أنَّه دخلَ بيتًا فيه تماثيلُ.
وفى شُروطِ عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، على أهلِ الذِّمَّةِ: أن يُوَسِّعُوا أبوابَ كَنائِسِهم وبِيَعِهم، ليَدْخُلَها المسلمونَ للمَبِيتِ بها، والمارَّةُ بدَوابِّهم 4.
وَإِنْ سُتِرَتِ الْحِيطَانُ بِسُتُورٍ لَا صُوَرَ فِيهَا، أَو فِيهَا صُوَرُ غَيْرِ الْحَيَوَانِ، فَهَلْ تُبَاحُ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
ورَوَى ابنُ عائذٍ (1)، في «فُتوحِ الشَّامِ»، أن النَّصارَى صَنَعوا لعُمَرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، حينَ قَدِمَ الشامَ طعامًا، فدَعَوْه، فقال: أين هو؟ قالوا: في الكنيسةِ.
فأبى أن يذهبَ، وقال لعلىٍّ: امْضِ بالنَّاسِ، فليَتَغَدَّوْا.
فذَهبَ علىٌّ بالنَّاسِ، فدخلَ الكنيسةَ، وتغَدَّى هو والمسلمونَ، وجعلَ علىٌّ ينظرُ إلى الصُّوَرِ، وقال: ما على أميرِ المؤمنينَ لو دخلَ وأكلَ (2). وهذا اتِّفاقٌ منهم على إباحةِ دُخُولِها وفيها الصُّوَرُ، ولأَنَّ دُخولَ الكنائسِ والبِيَعِ غيرُ مُحَرَّمٍ، فكذلك المنازلُ التى فيها الصُّوَرُ، وكَوْنُ الملائكةِ لا تَدْخُلُه، لا يُوجِبُ تَحْريمَ دُخولِه، كما لو كان فيه كلبٌ، ولا يَحْرُمُ علينا (3) صُحْبة رُفْقةٍ فيها جَرَسٌ، مع أنَّ الملائكةَ لا تَصْحَبُهم، وإنَّما أُبِيحَ تَرْكُ الدَّعوةِ مِن أجْلِه عُقوبة لفاعلِه، وزجْرًا له عن فِعْلِه.
3326 -
مسألة: (فَإن سُتِرَتِ الحِيطانُ بِسُتُورٍ لا صُوَرَ فيها، أو فيها صُوَرُ غيرِ الحَيَوانِ، فهل تُباحُ؟ على رِوايَتَيْنِ)
أمَّا إذا اسْتَعْمَلَ ذلك123
..................................
لحاجةٍ، مِن وِقايةِ حَرٍّ أو بَرْدٍ، فلا بَأْسَ بهِ؛ لأنَّه يَسْتَعْمِلُه لحاجةٍ، فأشْبَهَ السِّتْرَ على البابِ.
وإن كان لغيرِ حاجةٍ ففيه روايتان؛ إحْدَاهما، هو مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّمٍ، وهو عُذْرٌ في تَرْكِ الإِجابةِ إلى الدَّعوةِ؛ بدليلِ ما رَوَى سالمُ ابنُ عبدِ اللَّهِ بنِ عمرَ، قال: أعْرَستُ في عَهْدِ أبى، فآذَنَ أبى النَّاسَ، فكان في مَن آذَنَ أبو أيُّوبَ، وقد سَتَرُوا بَيْتى بجُنادِىٍّ 1 أخْضَرَ، فأقبلَ أبو أيُّوبَ مُسْرِعًا 2، فاطَّلعَ فرأى البيتَ مستترًا 3 بجُنادِىٍّ (1) أخْضَرَ، فقال: يا عبدَ اللَّهِ أتَسْتُرونَ الجُدُرَ؟ فقال أبى، واسْتَحْيَا: غَلَبَنا 4 النِّساءُ يا أبا أيُّوبَ.
فقال: مَن خَشِيتُ 5 أن يَغْلِبْنَه، فلم أخْشَ أن يَغْلِبْنَكَ.
ثم قال: لا أطْعَمُ لكم طَعامًا، ولا أدْخُلُ لكم بيتًا، ثم خرجَ.
رواه الأَثْرَمُ 6. قال
..................................
القاضى: وكلامُ أحمدَ يَحْتَمِلُ أمْرَيْنِ؛ أحدَهما، الكَراهةَ مِن غيرِ تَحْريمٍ؛ لأَنَّ ابنَ عمرَ أقَرَّ على فِعْلِه، ولأَنَّ كَراهَتَه لِما فيه مِن السَّرَفِ 1، وذلك لا يَبْلُغُ به التَّحْريمَ، كالزِّيادةِ في الملْبُوسِ والمَأكُولِ الطَّيِّبِ 2، ويَحْتَمِلُ التَّحْريمَ.
وهى الرِّوِايةُ الثَّانيةُ؛ لِما روَى الخَلَّالُ بإسْنادِه عن علىِّ بنِ الحسينِ، قال: نهى رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- أن تُسْتَرَ الجُدُرُ 3. ورَوتْ عائشةُ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إنَّ اللَّهَ لَم يَأمرْنا فيما رَزَقَنا أَن نَسْتُرَ الْجُدُرَ» 4. واخْتارَ شيْخُنا 5 أنَّ سَتْرَ الحِيطانِ مَكْرُوهٌ غيرُ مُحَرَّم.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ إذ لم يَثْبُتْ في تَحْرِيمِه حديثٌ، وقد فَعلَه ابنُ عمرَ، وفُعِلَ في زَمَنِ الصَّحابةِ، رَضِىَ اللَّهُ عنهم، ولو ثَبَت الحديثُ، حُمِلَ على الكَراهةِ؛ لِما ذكَرْنا.
واللَّهُ أعلمُ.
فصل: سُئِلَ أحمدُ عن السُّتورِ فيها القرآنُ، فقال: لا يَنْبَغِى أن يكونَ شيئًا مُعَلَّقًا فيه القرآنُ، يُسْتهانُ به، ويُمْسَحُ به 6. قيلَ له: فيُقْلَعُ؟ فكَرِهَ أن يُقْلَعَ القرآنُ، وقال: إذا كان سِتْر فيه ذِكْرُ اللَّهِ تعالى، فلا بَأْسَ.
..................................
وكَرِه أن يُشْتَرَى الثَّوْبُ فيه ذِكْرُ اللَّهِ، ممَّا يُجْلَسُ عليه.
فصل: قيلَ لأبى عبدِ اللَّهِ: الرَّجُلُ يَكْتَرِى بيتًا فيه تصاويرُ، تَرَى أن يحُكَّها؟ قال: نعم.
قال المَرُّوذِىُّ: قلتُ لأبى عبدِ اللَّهِ: دخلتُ حمَّامًا، فرأيتُ صورةً، تَرَى أن أَحُكَّ الرأْسَ؟ قال: نعم.
إنَّما جازَ ذلك لأَنَّ اتِّخاذَ الصُّورةِ مُنْكرٌ، فجازَ تَغْيِيرُها، كآلةِ اللَّهْوِ والصَّليبِ والصَّنَمِ، ويُتْلَفُ منها ما يُخْرِجُها عن حَدِّ الصُّورةِ، كالرَّأسِ ونحوِه؛ لأَنَّ ذلك يَكْفِى.
قال أحمدُ: ولا بَأْسَ باللُّعَب ما لم تكُنْ صُورةً؛ لِما رُوِى عن عائشةَ، قالت: دخلَ علىَّ رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- وأنا ألْعَبُ باللُّعَبِ، فقال: «مَا هذا يا عائشةُ؟».
فقلتُ: هذه خَيْلُ سُلَيْمانَ.
فجعلَ يضحكُ 1.
فصل: واتِّخاذُ آنِيَةِ الذَّهب والفِضَّة مُحَرَّمٌ، فإذا رآه المَدْعُوُّ في منزلِ الدَّاعِى، فهو مُنْكَرٌ يَخْرُجُ مِن أجلِه.
وكذلك ما كان من الفِضَّةِ مُسْتَعْمَلًا كالمُكْحُلَةِ ونحوِه.
قال الأَثْرَمُ: سُئلَ أحمدُ: إذا رأى حَلْقَةَ مِرآةٍ فِضَّةً، ورأسَ مُكْحُلَةٍ، يَخْرُجُ مِن ذلك؟ فقال: هذا تَأْوِيل تَأَولْتُه، وأمَّا الآنِيَةُ
..................................
نَفْسُها 1 فليس فيها شَكٌّ.
وقال: ما لا يُسْتَعْمَلُ فهو أسْهَلُ، مِثْل الضَّبَّةِ في السِّكِّينِ والقَدَحِ.
وذلك لأَنَّ رُؤْيَةَ المُنْكَرِ كسَماعِه، فكما لا يجْلِسُ في مَوْضِعٍ يَسْمَعُ فيه صوتَ الزَّمْرِ، لا يجلسُ في موضعٍ يَرَى فيه مَن يشربُ الخمرَ وغيرَه مِنَ المنكرِ.
وَلَا يُبَاحُ الأَكْلُ بِغَيْرِ إِذْنٍ.
وَالدُّعَاءُ إِلَى الْوَلِيمَةِ إِذْنٌ فِيهَا.
3327 - مسألة: (ولا يُباحُ الأَكْلُ بغيرِ إذْنٍ)
لأَنَّ أكلَ مالِ الغيرِ بغيرِ إذْنِه مُحَرَّمٌ (والدُّعاءُ إلى الوَلِيمَةِ إذْنٌ) في الدُّخولِ والأكْلَ؛ بدليلِ ما رَوى أبو هُرَيْرَةَ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إِذَا دعِىَ أحَدُكُمْ، فجاءَ 1 مَعَ الرَّسُولِ، فَذلِكَ إذْنٌ لَهُ».
رَواه أبو داودَ 2. وقال عبدُ اللَّهِ بنُ مسعودٍ:
..................................
إذا دُعِيتَ فقد أُذِنَ لك.
روَاه الإِمامُ أحمدُ بإسْنادِه 1
وَالنِّثَارُ وَالْتِقَاطُهُ مَكْرُوهٌ.
وَعَنْهُ، لَا يُكْرَهُ.
3328 - مسألة: (والنِّثارُ والتِقاطُهُ مَكْرُوهٌ. وعنه، لا يُكْرَهُ)
اخْتلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ في النِّثارِ والْتِقاطِه؛ فرُوِىَ أنَّ ذلك مَكْرُوهٌ في العُرْسِ وغيرِه.
رُوِى ذلك عن أبى مسعودٍ البَدْرِىِّ، وعِكْرِمَةَ، وابنِ
..................................
سِيرِينَ، وعَطاءٍ، وعبدِ اللَّهِ ابنِ زيدٍ الخَطْمِىِّ 1، وطلحةَ وزُبَيْدٍ الْيامِيَّيْنِ 2. وبه قال مالكٌ، والشافعىُّ.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه ليس بمَكْرُوهٍ.
اخْتارَها أبو بكرٍ.
وهو قولُ الحَسنِ، وقَتادةَ، والنَّخَعِىِّ، وأبى حنيفةَ، وأبى عُبَيْدٍ، وابنِ المُنْذِرِ، لِما روَى عبدُ اللَّه بِنُ قُرْطٍ، قال: قُرِّبَ إلى النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَمْسُ بَدَناتٍ أو سِتٌّ، فطَفِقْنَ يَزْدَلِفْنَ إليه بِأَيَّتِهِنَّ يبدأُ، فنَحَرَها رسولُ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-، وقال كلمةً لم أسْمَعْها، فسألْتُ مَن قَرُبَ منه، فقال: قال: «مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ».
روَاه أبو داودَ 3. وهذا جارٍ مَجْرَى النِّثارِ.
وقد رُوِى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- دُعِىَ إلى وَلِيمةِ رجُلٍ مِن الأنْصارِ،
..................................
ثم أُتُوا بنَهْبٍ فأُنْهِبَ عليه.
قال الرَّاوِى: ونظرتُ إلى رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم- يُزاحِمُ النَّاسَ ويَحْثُو 1 ذلك.
قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، أوَ ما نَهَيْتَنا 2 عن النُّهْبَةِ؟ قال: «نَهَيْتُكُمْ عن نُهْبَةِ الْعَساكِرِ» 3. ولأنَّه نوْعُ إباحةٍ، فأشْبَهَ إباحةَ الطَّعامِ للضِّيفانِ.
ولَنا، ما رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «لَا تَحِل النُّهْبَى والمُثْلَةُ 4» 5. ولأَنَّ فيه نَهْبًا وتَزاحُمًا وقِتالًا، ورُبَّما أخَذَه مَن يَكْرَهُ صاحِبُ النِّثارِ أخْذَه، لحِرْصِه وشَرَهِه ودَناءةِ نفْسِه، ويُحْرَمُه مَن يُحِبُّ صاحِبُه، لمُروءَتِه وصِيانَةِ نفْسِه وعِرْضِه، والغالبُ 6 هذا، فإنَّ أهلَ المُروءاتِ يصُونونَ أنفُسَهم عن مُزاحَمةِ سَفِلَةِ النَّاسِ على شئٍ مِن 7 الطَّعامِ أو غيرِه، ولأَنَّ في هذا دناءةً، واللَّه يُحِبُّ مَعالِىَ الأُمورِ،
..................................
ويَكْرَهُ سَفْسافَها.
فأمَّا خَبَرُ البَدَناتِ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- علمَ أنَّه لا نُهْبَةَ في ذلك، لكَثْرَةِ اللَّحْمِ، وقِلَّةِ الآخِذِينَ، أو فعَلَ ذلك لاشْتِغالِه بالمَناسكِ عن تَفْرِيقِها.
وفى الجملةِ، فالخلافُ إنَّما هو في كراهةِ ذلك، وأمَّا الإِباحةُ، فلا خلافَ فيها 1، ولا في الالْتِقاطِ، لأنَّه نَوْعُ إباحةٍ لمالِه، فأَشْبَهَ سائرَ المُباحَاتِ.
فصل: فأمَّا إن قَسَمَ على الحاضِرينَ ما يُنْثَرُ مِثل اللَّوْزِ والسُّكَّرِ وغيرِه، فلا خلافَ في أنَّ ذلك حسَنٌ غَيرُ مكْروهٍ.
وقد رُوِى عن أبى هُرَيْرَةَ، قال: قسمَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- بينَ أصْحابِه تَمْرًا، فأَعْطَى كلَّ إنْسانٍ سبْعَ تَمَراتٍ، فأَعْطانِى سبعَ تَمَراتٍ إحْداهُنَّ حَشَفَةٌ، فلم يَكُنْ مِنْهُنَّ تَمْرَةٌ أعجبَ إلىَّ منها، شَدَّت في مَضاغِى.
رَواه البُخَارِىُّ 2. وكذلك إن وضَعه بينَ أيدِيهم وأَذنَ لهم في أخْذِه على وَجْهٍ لا يقَعُ تَناهُبٌ، فلا يُكْرَهُ أيضًا.
قال المَرُّوذِىُّ: سألْتُ أبا عبدِ اللَّهِ عن الجوزِ يُنْثَرُ، فَكَرِهَه، وقال: يُعْطَوْنَ، يُقْسَمُ عليهم.
وقال [محمدُ بنُ علىِّ] 3 بنِ بحرٍ: سمعتُ
وَمَنْ حَصَلَ فِى حِجْرِهِ شَىْءٌ مِنْهُ، فَهُوَ لَهُ.
حُسْنَ 1 أمَّ وَلَدِ أحمدَ بنِ حَنْبَلٍ تقولُ: لَمَّا حَذَق ابنِى حسَنٌ، قال لى مَوْلاىَ: حُسْنُ، لا تَنْثُروا عليه.
فاشْتَرى تمرًا وجَوْزًا، فأرْسلَه إلى المُعَلِّمِ، قالتْ: وعمِلْتُ أنا عَصِيدَةً، وأطْعَمْتُ الفقراءَ، فقال: أحْسَنْتِ أحسنتِ.
وفرَّقَ أبو عبدِ اللَّهِ على الصِّبْيانِ الجوْزَ، [لكلِّ واحدٍ] 2 خمسةٌ خمسةٌ.
3329 - مسألة: (ومَنْ حَصَل في حِجْرِهِ شَىْءٌ، فهو له) غير مَكْرُوهٍ؛ لأنَّه مُباحٌ حصَل في حِجْرِه، فمَلَكه، كما لو وثَبتْ سمكةٌ مِن 3 البَحْرِ فوقَعتْ في حِجْرِه، وليسَ لأحَدٍ أَنْ يأخُذَه 4؛ لِما ذكَرْناه.
وقال في «المُحرّرِ»: يَمْلِكُه مع القَصْدِ، وبدُونِ القَصْدِ وَجْهان.
وَيُسْتَحَبُّ إِعْلَانُ النِّكَاحِ وَالضَّرْبُ عَلَيْهِ بِالدُّفِّ.
3330 - مسألة: (ويُسْتَحَبُّ إعْلانُ النِّكاحِ والضَّرْبُ عليه بِالدُّفِّ)
قال أحمدُ: يُسْتَحَبُّ أن يُظْهَرَ النِّكاحُ، ويُضْرَبَ عليه بالدُّف، حتى يَشْتَهِرَ ويُعْرَفَ.
قيلَ له: ما الدُّفُّ؟ قال: هذا الدُّفُّ.
وقال: لا بَأْسَ بالغَزَلِ في العُرْسِ، كقولِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- للأنْصارِ:
«أَتَيْناكُمْ، أَتَيْناكُمْ، فَحَيُّونَا نُحَيِّيكُم، لولا 1 الذَّهَبُ الأحْمَرُ ما 2 خلَّتْ بَوادِيكُمْ، ولَوْلا الحَبَّةُ السَّوداءُ مَا سُرَّتْ 3 عَذَارِيكُمْ» 4 لا على
..................................
ما يصْنَعُ النَّاسُ اليومَ.
ومِن غيرِ هذا الوَجْهِ: «وَلَوْلا الحِنْطَةُ الحَمْراءُ، ما سَمِنَتْ 1 عَذارِيكُم».
وقال أحمدُ أيضًا: يُسْتَحَبُّ ضَرْبُ الدُّفِّ، والصَّوْتُ في الإِمْلاكِ.
فقيلَ له: ما الصَّوْتُ؟ قال: يُتَكَلَّمُ ويُتَحَدَّثُ ويُظْهَرُ.
والأَصْلُ في هذا ما روَى محمدُ بنُ حاطِبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «فَصْلُ ما بينَ الحَلالِ والْحَرَامِ، الصَّوْتُ والدُّفُّ فِى النِّكاحِ».
روَاه النَّسَائِىُّ 2. وقال عليه الصلاةُ والسلامُ: «أعْلِنُوا النِّكاحَ» 3. وفى لفظٍ: «أظْهِرُوا النِّكاحَ» 4. وكان يُحِبُّ أن يُضْرَبَ عليها بالدُّفِّ.
وفى لفظٍ: «اضْرِبُوا عليه بالغِرْبالِ» (4). وعن
..................................
عائشةَ، أنَّها زَوَّجَتْ يَتِيمةً رَجُلًا مِن الأنْصارِ، وكانت عائشةُ في مَن أهْداها إلى زَوْجِها، قالت: فلمَّا رَجَعْنا قال لنا رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَا قُلْتُمْ يَا عَائِشَةُ؟» قالت: سَلَّمْنا، ودَعَوْنا بالبَرَكَةِ، ثم انْصَرَفْنا.
فقال: «إنَّ الأنْصارَ قَوْمٌ فِيهِمْ غَزَلٌ، ألَا قُلْتُمْ يا عائِشَةُ: أتَيْناكُم أتَيْناكُم، فحَيَّانا وحَيَّاكُم».
رَوَى هذا كلَّه أبو 1 عبدِ اللَّهِ ابنُ ماجَه، في «سُنَنِه» 2. وقال أحمدُ: لا بَأْسَ بالدُّفِّ في العُرْسِ والخِتانِ، وأكْرَهُ الطَّبْلَ، وهو المُنْكَرُ، وهو الكُوبَةُ التى نَهى عنها النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- 3. وإنَّما يُسْتَحَبُّ الضَّرْبُ بالدُّفِّ للنِّساءِ.
ذكَرَه شيْخُنا، رَحِمَه اللَّهُ.
فصل: ولا بَأْسَ أن يَخْلِطَ المُسافِرون أزْوادَهم، ويأْكُلونَ جميعًا،
.................................. وإن أكلَ بعْضُهم أكْثرَ مِن بعضٍ، فلا بَأْسَ، وقد كان السَّلَفُ يَتَناهَدُونَ 1 في الغَزْوِ والحجِّ، ويُفارِقُ النِّثارَ، فإنَّه يُؤْخَذُ بنَهْبٍ وتَسالُبٍ وتَجاذُبٍ، بخِلافِ هذا.
..................................
فصولٌ في آدابِ الأَكلِ
يُسْتَحَبُّ غَسْلُ اليَدِ قبلَ الطَّعامِ وبعدَه، وإن كان على وُضوءٍ.
قال المَرُّوذِىُّ: رأيتُ أبا عبدِ اللَّه يِغْسِلُ يَدَيْه قبلَ الطَّعامِ وبعدَه،
..................................
وإن كان على وُضوءٍ.
وقد رُوِى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «مَن أَحَبَّ أَن يَكْثُرَ خَيْرُ بَيْتِه، فَلْيَتَوَضَّأْ إذا حَضرَ غَدَاؤُه، وإذا رُفِعَ».
رواه ابنُ ماجه 1. ورَوَى أبو بكرٍ بإسْنادِه عن الحسنِ 2، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه قال: «الوُضوءُ قبلَ الطَّعامِ يَنْفِى الفَقْرَ، وبعدَه يَنْفِى اللَّمَمَ» 3. يعنى به غَسْلَ اليدَيْنِ.
وقال النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن نام وفى يدِه رِيحٌ غَمَرٍ 4، فَأَصابَه شَىْءٌ، فَلا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَه».
روَاه أبو داودَ 5. ولا بَأْسَ بتَرْكِ الوُضوءِ؛ لِما روَى أبو هُرَيْرَةَ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- خَرَج مِن الغائِطِ، فأُتِىَ
..................................
بطَعامٍ، فقال رجُلٌ: يا رسولَ اللَّهِ، ألا آتِيكَ بوَضوءٍ؟ قال: «أُرِيدُ 1 الصَّلاةَ!».
روَاه ابنُ ماجه 2. وعن جابرٍ قال: أقبلَ رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- من شِعْبِ الجَبَلِ 3، وقد قَضَى حاجَتَه، وبينَ أيدِينا تَمْرٌ على تُرْسٍ أو حَجَفَةٍ 4، فدَعَوْناه فأكلَ معنا، وما مَسَّ ماءً.
روَاه أبو داودَ 5.
..................................
ورُوِىَ عنه، أنَّه كان يَحْتَزُّ 1 مِن كَتِفِ شَاةٍ في يَدِه، فدُعِىَ إلى الصَّلاةِ، فألقاها من يَدِه، ثُمَّ قام فصَلَّى ولم يَتَوَضَّأْ.
روَاه البُخارِىُّ 2. ولا بَأْسَ بتَقْطِيعِ اللَّحْمِ بالسِّكِّينِ؛ [لهذا الحَدِيثِ.
وقال مُهَنَّا: سَألْتُ أحمدَ عن حديثٍ يُرْوَى عنِ النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-] 3: «لا تَقْطَعُوا اللَّحْم بالسِّكِّينِ؛ فإنَّه مِن صَنيعِ الأعاجِمِ، وانْهَشُوه نَهْشًا؛ فَإنَّهُ أهْنَأُ وَأمْرَأُ» 4. قال: ليس بصَحيحٍ.
واحْتَجَّ بهذا الحديثِ الَّذى ذكَرْناه.
..................................
فصل: وتُسْتَحَبُّ التَّسْمِيَةُ عندَ الأَكْلِ، وأن يَأْكُلَ بيَمِينِه ممَّا يَلِيه؛ لِما روَى عمرُ بنُ أبى سَلَمَةَ، قال: كُنْتُ يتيمًا في حِجْرِ رسول اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-، فكانتْ يدِى تَطِيشُ في الصَّحْفَةِ 1، فقال [لى رسولُ اللَّهِ] 2 -صلى اللَّه عليه وسلم-: «يَا غُلامُ، سَمِّ اللَّهَ، [وكُلْ بيَمِينِك] 3، وكُلْ مِمَّا يَلِيكَ».
مُتَّفَقٌ عليه 4. وعن ابنِ عمرَ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَأْكُلْ بيمِينِه، فَإنَّ الشَّيْطانَ يَأْكُلُ بِشِمالِه ويَشْرَبُ بِشِمالِه».
رواه مسلمٌ 5. وعن
..................................
عائشةَ أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «إذَا أَكَل أَحَدُكُم فَلْيَذْكُرِ اسْمَ 1 اللَّهِ، فَإن نَسِىَ أن يَذْكُرَ اسْمَ اللَّه في أوَّلِه فَلْيَقُلْ: بِسْمِ اللَّهِ أَوَّلَهُ وَآخِرَهُ».
وكان رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- جالِسًا ورَجُلٌ يَأْكُلُ، فلم يُسَمِّ حتَّى لم يَبْقَ مِن طعامِه إلَّا لقمةٌ، فلمَّا رَفَعها إلى فِيه قال: بسمِ اللَّهِ.
فضَحِكَ النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، ثُمَّ قال: «مَا زَالَ 2 الشَّيْطَانُ يَأْكُلُ معه، فلمَّا ذَكَر اللَّهَ قَاءَ ما فِى بَطْنِهِ».
روَاهُنَّ أبو داودَ 3. وعن عِكْرَاشِ بنِ ذُؤَيْبٍ قال: أُتِى النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- بجَفْنَةٍ كثيرةِ الثَّرِيدِ والوَدَكِ 4، فأقْبَلْنا نأكلُ، فخَبَطْتُ يَدِى في نَواحِيهَا، فقال: «يَا عِكْرَاشُ، كُلْ مِن مَوْضِعٍ وَاحِدٍ؛ فَإنَّه طَعَامٌ وَاحِدٌ».
ثم أُتِينَا بطَبَقٍ فيه ألْوان مِن الرُّطَبِ، فَجالَتْ يَدُ رسولِ اللَّهِ
..................................
- صلى اللَّه عليه وسلم- في في الطَّبَقِ، وقال: «عِكْرَاشُ، كُلْ مِن حيثُ شِئْتَ؛ فَإنَّهُ غيرُ لَوْنٍ واحدٍ».
روَاه ابنُ ماجه 1. ولا يأكُلُ مِن ذرْوَةِ الثَّرِيدِ؛ لِما رَوَى ابنُ عباسٍ عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّها قال: «إذا أَكَل أَحَدُكُمْ طَعامًا، فَلا يَأْ كُلْ مِن أعْلَى الصَّحْفَةِ، ولكنْ لِيَأْكُلْ مِن أسْفَلِها، فَإِنَّ البَرَكَةَ تَنْزِلُ مِن أعْلاها».
وفى حديثٍ آخَرَ: «كُلُوا مِن جَوانِبِها، وَدَعُوا ذِرْوَتَها، يُبارَكْ فيها 2». رَواهما ابنُ ماجه 3.
..................................
فصل: ويُسْتَحَبُّ الأَكْلُ بالأصابعِ الثَّلاثِ، ولا يَمْسَحُ يَدَه حتَّى يَلْعَقَها.
قال مُثَنَّى 1: سألْتُ أبا عبد اللَّهِ عن الأكْلِ بالأصابعِ 2 كلِّها؟ فذهبَ إلى ثلاثِ أصابِعَ، فذكَرْتُ له الحديثَ الَّذى يُرْوَى عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان يأكلُ بكَفِّه كلِّها 3. فلم يُصَحِّحْه، ولم يَرَ إلَّا ثلاثَ أصابِعَ.
..................................
وقد رَوَى كَعْبُ بنُ مالكٍ، قال: كان النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- يأكلُ بثلاثِ أصابِعَ، ولا يَمْسَحُ يَدَه حتَّى يَلْعَقَها.
رَواه الخَلَّالُ بإسْنادِه 1. ويُكْرَهُ الأكلُ مُتَّكِئًا؛ لِما روَى أبو جُحَيْفَةَ 2، أنَّ رسولَ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «لا آكُلُ مُتَّكِئًا».
روَاه البُخَارِىُّ 3. ولا يَمْسَحُ يَدَه بالمِنْدِيلِ حتَّى يلْعَقَها؛ [لِما رَوَيْنا.
ورَوَى ابنُ عبَّاسٍ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا أَكَل أَحَدُكُمْ طَعَامًا، فلا يَمْسَحْ يَدَهُ حَتَّى يَلْعَقَها] 4 [أو يُلْعِقَها] 5». رَواه أبو داودَ 6.
..................................
وعن نُبَيْشَةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «مَن أَكَل في قَصْعَةٍ فَلَحَسَها، اسْتَغْفَرَتْ له القَصْعَةُ».
روَاه التِّرْمِذِىُّ 1. وعن جابِرٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إذا وَقَعَتِ اللُّقْمَةُ مِن 2 يَدِ أَحَدِكُمْ، فَلْيَمْسَحْ ما عليها مِن الأَرْضِ، وَلْيَأْكُلْهَا».
رَوَاه 3 ابنُ ماجه 4.
..................................
فصل: ويَحْمَدُ اللَّهَ إذا فَرَغ؛ لقولِ رسولِ اللَّه -صلى اللَّه عليه وسلم-: «إنَّ اللَّهَ لَيَرْضَى مِنَ العَبْدِ أن يَأْكُلَ الْأَكْلَةَ، أو يَشْرَبَ الشَّرْبَةَ، فَيَحْمَدَه عليها».
رَوَاه مسلمٌ 1. وعن أبى سعيدٍ، قال: كان النَّبِىُّ -صلى اللَّه عليه وسلم- إذا أكلَ طعامًا قال: «الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أَطعَمَنا وَسَقانَا وجَعَلَنا مسْلِمِينَ».
رَواه أبو داودَ 2. وعن أبى أُمامَةَ، عن النَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أنَّه كان يقول إذا رُفِعَ طَعامُه: «الحَمْدُ للَّهِ كَثِيرًا، مُبارَكًا فِيهِ، غَيْرَ مَكْفِىٍّ، ولَا مُوَدَّعٍ، ولَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ، رَبَّنَا».
وعن مُعاذِ بنِ أنَس الجُهَنِىِّ 3، عن رسولِ اللَّهِ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «مَن أَكَل طَعامًا فقال: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أطْعَمَنِى هَذَا وَرَزَقَنِيهِ، مِن غيرِ
..................................
حَوْلٍ مِنِّى ولا قُوَّةٍ.
غُفِرَ له ما تَقَدَّمَ مِن ذَنْبِهِ».
رَواهُنَّ ابنُ ماجه 1. و 2 رُوِى أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- أكلَ طَعامًا هو وأبو بكرٍ وعمرُ، ثم قال: «مَن قال في أَوَّلِهِ: بِسْمِ اللَّهِ، [وَبَرَكَةِ اللَّهِ] 3. وَفِى آخِرِه: الْحَمْدُ للَّهِ الَّذِى أَطْعَمَ وَأَرْوَى وَأَنْعَمَ وَأَفْضَلَ.
فَقَدْ أدَّى شُكْرَهُ» 4. ويُسْتَحَبُّ الدُّعاءُ لصاحب الطَّعامِ؛ لِما روَى جابِرُ بنُ عبدِ اللَّهِ قال: صَنَع أبو الهَيْثمِ للنَّبِىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأَصْحابِه طعامًا، فدعا النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- وأصْحابَه، فلمَّا فرَغَ قال: «أَثيبُوا صَاحِبَكُمْ».
قالوا: يا رسولَ اللَّهِ، وما إثَابَتُه؟ قال: «إنَّ الرَّجُلَ إذا دُخِلَ بَيْتُهُ، وَأُكِلَ طَعامُهُ، وشُرِبَ شَرابُه، فَدَعَوْا له، فذَلك إثابَتُه».
وعن أنَسٍ، أنَّ النَّبِىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- جاءَ إلى سعدِ بنِ عُبادَةَ يَعُودُه،