..................................
مَن يُوجِبُها في التَّسْمِيَةِ الفاسِدَةِ.
وعنِ أحمدَ رِوايةٌ أخْرَى، أنَّ التَّسْمِيَةَ صحِيحةٌ؛ لأنَّه شَرَطَ فِعلَا لها فيه 1 نفْعٌ وفائدةٌ، لِما يَحْصُلُ لها مِن الرَّاحَةِ بطَلاقِها مِن مُقاسمتِها وضَرَرِهَا والغَيرَةِ مِنها، فَصَحَّ هذا كعِتْقِ أبِيها، وخِياطَةِ قَمِيصِها, ولهذا صَحَّ بَدَلُ العِوَضِ في طَلاقِها بالخُلْعِ.
فعلى هذا، إن لم يُطَلِّقْ ضَرَّتَها، فلها مِثْلُ صَداقِ الضَّرَّةِ؛ لأنَّه سَمَّى لها صداقًا لم تَصِلْ إليه، فكان لها قِيمَتُه، كما لو أصْدَقَها عبدًا فخرَجَ حرًّا.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لها مَهْرَ مِثْلِها؛ لأنَّ الطَّلاقَ لا قِيمَةَ له.
فإن جعَل صَداقَها أنَّ طَلاقَ ضَرَّتِها إليها إلى سنَةٍ، [فلم تُطَلِّقْها، فقال أحمدُ: إذا تزوَّج امرأة، وجعَل طلاقَ الأولى مَهْرَ الأُخرى إلى سَنةٍ] 2 أو إلى وَقْتٍ، فجاءَ الوَقْتُ ولم تَقْضِ شيئًا، رجَع الأمْرُ إليه.
فقد [أسقَطَ أحمدُ حقَّها] 3؛ لأنَّه جعلَه لها إلى وَقْتٍ، فإذا مضَى الوَقْتُ ولم تَقْضِ فيه شيئًا، بطَل تصرُّفُها،
..................................
كالوكيلِ.
وهل يَسْقُطُ حَقُّها مِن المَهْرِ؟ فيه وجهان، ذكَرهما أبو بكرٍ؛ أحدُهما، يَسْقُطُ؛ لأنَّها ترَكتْ ما شرَط لها باخْتِيارِها، فسَقَط حَقُّها، كما لو تَزَوَّجَها على عبدٍ فأعْتقَتْه.
والثاني، لا يَسْقُطُ؛ لأنَّها أخَّرَتِ استِيفاءَ حقِّها، فلم يَسْقُطْ، كما لو أخَّرَتْ قَبْضَ دَراهِمِها.
وهل يَرْجِعُ إلى مَهْرِ مِثْلِها، [أو إلى] 1 مَهْرِ الأُخْرَى؟ يَحْتَمِلُ وجهَين.
فصل: الزِّيادَةُ في الصَّداقِ بعدَ العَقْدِ تَلْحَقُ به.
نَصَّ عليه أحمدُ، قال في الرَّجُلِ يتَزَوَّجُ المرأةَ على مَهْرٍ، فلمَّا رآها زادَها في مَهْرِها: فهو جائِزٌ، فإن طلَّقها قبلَ الدُّخولِ بها، فلها نِصْفُ الصَّداقِ الأوَّلِ، ونِصْفُ الزِّيادَةِ.
وهذا قولُ أبي حنيفةَ.
وقال الشافعيُّ: لا تَلْحَقُ الزِّيادَةُ بالعَقْدِ، فإن زادَها، فهي هِبَةٌ تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، وإن طلَّقها بعدَ هِبَتِها, لم يَرْجِعْ
..................................
بشيءٍ مِن الزِّيادَةِ.
قال القاضي: وعن أحمدَ مثْلُ ذلك، فإنَّه قال: إذا زوَّج رَجلٌ أمَتَه عَبْدَه، ثم أَعْتَقَهما جميعًا، فقالتِ الأمَةُ: زِدْنِي في مَهْرِي حَتَّى أخْتارَكَ.
فالزِّيادَةُ للأَمَةِ، ولو لحِقَتْ بالعَقْدِ، كانتِ الزِّيادَةُ للسَّيِّدِ.
قال شيخُنا 1: وليس هذا دليلًا على أنَّ الزيادةَ لا تَلْحَقُ بالعَقْدِ، فإنَّ معْنى لُحُوقِ الزيادَةِ بالعَقْدِ، أَنَّها تَلْزَمُ ويَثْبُتُ فيها أحكامُ الصَّداقِ، مِن التَّنْصِيفِ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، وغيرِه، وليس 2 معناه أنَّ المِلْكَ يَثْبُت فيها قبلَ وُجُودِها، وأنَّها تكونُ للسَّيِّدِ.
وحُجَّةُ الشافعيِّ أنَّ الزَّوْجَ مَلَك البُضْعَ بالمُسَمَّى في العَقْدِ، فلم يَحْصُلْ بالزِّيادَةِ شيءٌ مِنَ المعْقُودِ عليه، فلا يكونُ عِوضًا في النِّكاحِ، كما لو وهَبَها شيئًا, ولأنَّها زيادةٌ في عِوَضِ العَقْدِ بعدَ لُزُومِه، فلم تَلْحَقْ به، كما في البَيعِ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى: ﴿وَلَا جُنَاحَ عَلَيكُمْ فِيمَا تَرَاضَيتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ﴾ 3. ولأنَّ ما بعدَ العَقْدِ زمنٌ لِفرضِ المَهْرِ، فكان حالةً للزِّيادَةِ 4 كحالةِ العَقْدِ.
وبهذا فارق البَيعَ والإِجارةَ.
وقولُهم: إنَّه لم 5 يَمْلِكْ شيئًا مِن المعْقُودِ عليه.
قُلْنا: هذا يَبْطُلُ بجميعِ الصَّداقِ؛ فإنَّ المِلْكَ ما حصل به، ولهذا صَحَّ خُلوُّه عنه، وهذا أَلْزَمُ عندَهم، فإنَّهم قالوا: مَهْرُ المُفَوّضَةِ إنَّما
..................................
وجب بِفَرْضِه لا بالعَقْدِ، وقَدْ مَلَكَ البُضْعَ بدُونِه.
ثم إنَّه يجُوزُ أن يَسْتَنِدَ ثُبُوتُ هذه الزيادةِ إلى حالةِ العَقْدِ، فيكون كأنَّه ثبَت بِهما جميعًا، كما قالوا في مَهْرِ المُفَوّضَةِ إذا فرَضه، وكما قُلْنا جميعًا فيما إذا فرَض لها أكثرَ مِن مَهْرِ مِثْلِها.
إذَا ثبَت هذا، فإنَّ معنَى لُحُوقِ الزيادَةِ بالعَقْدِ، أنَّه يَثْبُتُ لها حُكْمُ المُسَمَّى في العَقْدِ، في أنَّها تُنَصَّفُ 1 بالطَّلَاقِ قبلَ الدُّخولِ، ولا تَفْتَقِرُ إلى شُرُوطِ الهِبَةِ، وليس معناه أنَّ المِلْكَ يَثْبُتُ فيها مِن حينِ العَقْدِ، ولا أنَّها تَثْبُتُ لمَن كان الصَّداقُ له؛ لأنَّ المِلْكَ لا يجوزُ تَقَدُّمُه على سَبَبِه، ولا وُجودُه في حالِ عَدَمِه، وإنَّما يَثْبُتُ المِلْكُ بعدَ سَبَبِه مِن حِينئذٍ.
وقال القاضي: في الزِّيادَةِ وَجْهٌ آخَرُ، أنَّها تَسْقُطُ بالطَّلاقِ.
قال شيخُنا 2: ولا أعْرِفُ [وَجْهَ] 3 ذلك، فإنَّ مَن جعَلَها صداقًا، جعلَها تَسْتَقِرُّ بالدُّخولِ، وتَتَنَصَّفُ بالطَّلاقِ قَبْلَه، وتَسْقُطُ كُلُّها إذا جاء الفَسْخُ مِن قِبَل المرأةِ، ومَن جعلَها هِبَةً 4، لا تَتَنَصَّفُ بطَلاقِها، إلَّا أن تكونَ غيرَ مَقْبوضَةٍ، فإنَّها عندَه 5 غيرُ لازِمَةٍ، فإن كان القاضي أَرادَ ذلك، فهذا وَجْهٌ، وإلَّا فلا.
وَإِنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ كَانَ أَبُوهَا حَيًّا، وَأَلْفَينَ إِنْ كَانَ مَيِّتًا، لَمْ يَصِحَّ.
نَصَّ عَلَيهِ.
وَإنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ زَوْجَةٌ، وَأَلْفَينِ إنْ كَانَ لَهُ زَوْجَةٌ، لَمْ يَصِحَّ في قِيَاسِ الَّتِي قبْلهَا.
وَالمَنْصُوصُ أَنَّهُ يَصِحُّ.
3260 - مسألة: (وإن تَزَوَّجَها على أَلْفٍ إن كانَ أَبُوها حيًّا، وألفَينِ إن كان ميِّتًا، لم تَصِحَّ)
التَّسْمِيَةُ، ولها صَداقُ نِسائِها (نَصَّ عليه) أحمدُ في رِوايةِ مُهَنَّا؛ لأنَّ حال الأبِ غيرُ معلومَةٍ، فيكونُ مَجْهولًا.
3261 -
مسألة: (وإن تزوَّجها على ألْفٍ إن لم يكنْ له زوجةٌ، وألْفَينِ إن كان له زوجةٌ، لم تَصِحَّ)
التَّسْمِيَةُ (في قِياسِ التي قَبْلَها)
..................................
وكذلك إن تَزَوَّجَها على ألْفٍ إن لم يُخْرِجْها مِن دارِها، [وعلى ألْفَين إن أخرَجَها مِن دارِها] 1. ونَصَّ أحمدُ على صِحَّةِ التَّسْمِيَةِ في هاتَين المَسْألَتَين.
قال أبو بكرٍ، [والقاضي] 2: في الجميعِ رِوايَتانِ؛ إحدَاهما، لا يَصِحُّ.
[واختارَه أبو بكرٍ] 3؛ لأنَّ سبيلَه سبيلُ الشَّرْطَين، فلم يَجُزْ، كالبَيعِ.
والثانيةُ، يَصِحُّ؛ لأنَّ [ألفًا معلومةٌ] 4، وإنَّما جُهِلَ الثاني، وهو معلَّقٌ 5 على شَرْطٍ، فإن وُجِدَ الشَّرْطُ، كان زيادَةً في الصداقِ، وهي جائزةٌ.
والأُولَى أَوْلَى.
والقولُ بأنَّ هذا تَعلِيقٌ على شَرْطٍ لا يَصِحُّ؛ لوجهين؛ أحدُهما، أنَّ الزيادَةَ لا يَصِحُّ تعلِيقُها على شرطٍ، فلو قال: إن مات أبوكِ، فقَدْ زِدْتُكِ في 6 صَداقِكِ ألفًا.
لم يَصِحَّ، ولم تَلْزَمِ الزيادَةُ عندَ مَوْتِ الأبِ.
والثاني، أنَّ الشَّرْطَ ههُنا لم يتَجَدَّدْ في قولِه: إن كان لي زَوْجَةٌ -أو 7 - إن كان أبُوك ميِّتًا.
ولا الذي جَعَل الألْفَ فيه
..................................
معلومَ 1 الوُجودِ؛ ليكونَ الألْفُ الثاني زيادَةً عليه.
ويمكِنُ الفَرْقُ بينَ المسْألَةِ التي نَصَّ أحمدُ على إبْطالِ التَّسْمِيَةِ فيها وبينَ التي نَصَّ على الصِّحَّةِ فيها، بأنَّ الصِّفَةَ التي جعَل الزيادةَ فيها ليس للمرأةِ فيها غَرَضٌ يَصِحُّ بَذْلُ العِوَضِ فيه، وهو كونُ أبِيها ميِّتًا، بخِلافِ المسْألتَينِ اللَّتَينِ صَحَّحَ التَّسْمِيَةَ فيهما، فإنَّ خُلُوَّ المرأةِ مِن ضَرَّةٍ تُعَيِّرُها 2، وتُقَاسِمُها، وتُضيِّقُ عليها، مِن أكبرِ أغراضِها، وكذلك قَرارُها 3 في دارِها 4 بينَ أهلِها وفي وَطَنِها، فلذلك خفَّفتْ صَداقَها لتَحْصيلِ غَرَضِها، وثقَّلَتْه عندَ فَواتِه.
فعلى هذا، يَمْتَنِعُ قياسُ إحدى الصورَتَين على الأُخرى، ولا يكونُ في كلِّ مَسْأَلةٍ إلَّا رِوايَةٌ واحدةٌ، وهي الصِّحَّةُ في المَسْأَلتَينِ الآخِرَتَين، والبُطْلانُ في المسألةِ الأولَى، وما جاء مِن المسائِلِ أُلْحِقَ بأشْبهِهما 5 به.
وَإذَا قَال الْعَبْدُ لِسَيِّدَتِهِ: أَعْتِقِينِي عَلَى أَنْ أَتَزَوَّجَكِ.
فَأَعْتَقَتْهُ عَلَى ذَلِكَ، عَتَقَ، وَلَمْ يَلْزَمْهُ شَيْءٌ.
وَإذَا فَرَضَ الصَّدَاقَ مُؤجَّلًا وَلَمْ
3262 - مسألة: (وإذا قال العَبْدُ لسَيِّدَتِه: أَعْتِقِينِي على أن أتَزَوَّجَكِ. فأعتَقَتْه على ذلك، عَتَقَ، ولم يَلْزَمْه شيءٌ)
وكذلك إن قالتْ لعَبْدِها: أعْتَقْتُك على أن تَتَزَوَّجَ بي.
لم يَلْزَمْه ذلك، ويَعْتِقُ، ولا يَلْزَمُه قيمَةُ نَفْسِه؛ لأنَّها اشْتَرَطَتْ عليه شَرْطًا هو حَقٌّ له، فلم يَلْزَمْه، كما لو شَرَطَت عليه أن تَهَبَه دَنانيرَ فيَقْبَلَها, ولأنَّ النكاحَ مِن الرَّجلِ لا عِوضَ له، بخلافِ نكاحِ المرأةِ، وكذلك لو شرَط السيدُ على أمتِه أن تُزوِّجَه نفْسَها, لم يَلْزَمْه ذلك.
3263 -
مسألة: (وإذا فرَض الصَّداقَ مُؤجَّلًا ولم
يَذْكُرْ مَحِلَّ الأجَلِ، صَحَّ في ظَاهِرِ كَلَامِهِ.
وَمَحِلُّهُ الْفُرْقَةُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا، وَعِنْدَ أَبِي الْخَطَّابِ لَا يَصِحُّ.
يَذْكُرْ محِلَّ الأجَلِ، صَحَّ.
ومحِلُّه الفُرقَةُ عندَ أصحابِنا، وعندَ أبي الخطابِ لا يَصِحُّ) يجوزُ أن يكونَ الصَّداقُ مُؤَجَّلًا ومُعَجَّلًا، وبَعْضُه مُعَجَّلًا وْبَعْضُه مُؤَجَّلًا؛ لأنَّه عَقْدٌ في مُعاوَضَةٍ، فجازَ ذلك فيه، كالثَّمَنِ.
ومتى أَطْلَقَ اقْتَضَى الحُلُولَ، كما لو أَطْلَقَ ذِكْرَ الثَّمَنِ.
وإن شَرَطَه مُؤجَّلًا إلى وَقْتٍ، فهو إلى أجَلِه.
وإن شَرَطَه مُؤجَّلًا ولم يَذْكُرْ أجَلَه، فقال القاضي: يَصِحُّ، ومَحِلّه الفُرْقَةُ 1. قال أحمدُ: إذا تزَوَّج 2 على العاجلِ والآجل، لا يَحِلُّ إلَّا بموتٍ أو فُرْقةٍ.
وهذا قولُ النَّخَعِيِّ، والشَّعْبِيِّ.
وقال الحسنُ، وحمّادُ بنُ أبي سليمانَ، وأبو حنيفةَ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ: يَبْطُلُ الأجَلُ، ويكونُ حالًا.
وقال إياسُ بنُ مُعَاويةَ: لا يَحِلُّ حتَّى يُطَلِّقَ، أو يَخْرُجَ مِن مِصْرِها، أو يَتَزَوَّجَ عليها 3. وعن مَكْحولٍ،
..................................
والأوْزَاعِيِّ: يَحِلُّ إلى سنةٍ بعدَ الدُّخُولِ بها.
واختارَ أبو الخطَّابِ فسادَ المُسَمَّى، ولها مَهْرُ المِثْلِ.
وهو قولُ الشافعيِّ؛ لأنَّه عِوَضٌ مَجْهُولُ المَحِلِّ، فَفَسَدَ، كثمنِ المَبِيعِ.
وَوَجْهُ الأوَّلِ، أنَّ المُطْلَقَ يُحْمَلُ على العُرْفِ 1، والعادةُ في الصَّداقِ الآجلِ تَرْكُ المطالبةِ به إلى حينِ الفُرْقَةِ، فحُمِلَ عليه، فيَصِيرُ حينئذٍ معلومًا بذلك.
فأمَّا إن جَعَل الأجَلَ مُدَّةً مجْهُولةً 2، كقُدُومِ زَيدٍ ونحوه، لم يَصِحَّ؛ للجهالةِ، وإنَّما صَحَّ المُطْلَقُ لأنَّ أجَلَه الفُرْقَةُ بحُكْمِ العادَةِ، وقد صَرَفَه ههُنا عن العادَةِ بذكْرِ الأجَلِ، ولم يُبَيِّنْه، فبَقِيَ مجهولًا، فَيَحْتَمِلُ أن تَبْطُلَ التَّسْمِيَةُ، ويَحْتَمِلُ أن يَبْطُلَ التَّأْجِيلُ ويَحِلَّ.
فَصْلٌ: وَإنْ أصْدَقَهَا خَمْرًا أوْ خِنْزِيرًا أوْ مَالًا مَغْصُوبًا، صَحَّ النِّكَاحُ، وَوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ.
وَعَنْهُ، أَنَّهُ يُعْجِبُهُ اسْتِقبَال النِّكَاحِ.
اخْتَارَهُ أبُو بَكْرٍ.
وَالْمَذْهَبُ صِحَّتُهُ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وإن أصْدَقَها خَمْرًا أو خِنْزِيرًا أو مَالًا مَغْصُوبًا، صَحَّ النِّكاحُ، وَوَجَب مَهْرُ المِثْلِ) نَصَّ عليه أحمدُ.
وبه قال عامَّةُ الفقهاءِ؛ منهم الثَّوْرِيُّ، والأوْزَاعِيُّ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وحُكِيَ عن أبي عُبَيدٍ أنَّ النِّكاحَ فاسِدٌ.
اخْتارَه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ.
ورُوِيَ عن أحمدَ نحوُ ذلك، فإنَّه قال في رِوايةِ المَرُّوذِيِّ: إذا تَزَوَّجَ على مالٍ 1 غيرِ طَيِّبٍ، فكَرِهَه.
فقلتُ: تَرَى اسْتِقْبال النِّكاحِ؟ فأعْجَبَه.
..................................
وحُكِيَ عن مالكٍ أنَّه يَثْبُتُ إذا دَخَل بها، وإن كان قَبْلَه فُسِخَ.
قالوا: لأنَّه نِكاحٌ جُعِلَ الصَّدَاقُ فيه مُحَرَّمًا، فأشْبَه نِكاحَ الشِّغَارِ.
ولَنا، أنَّه نِكاحٌ لو كان عِوَضُه صحيحًا، كان صحيحًا، فوَجَب أن يَصِحَّ وإن كان عِوضُه 1 فاسدًا، كما لو كان مجْهُولًا.
ولأنَّه عَقْدٌ لا يَبْطُلُ بجهالةِ العِوَضِ، فلا يَفْسُدُ بتَحْريمِه، كالخُلْعِ، ولأنَّ فسادَ العِوَضِ لا يَزِيدُ على عَدَمِه، ولو عُدِمَ كان العَقْدُ صحيحًا، فكذلك إذا فَسَدَ.
وكلامُ أحمدَ في رِوايةِ المَرُّوذِيِّ محمولٌ على الاسْتِحْبابِ، فإنَّ مسْألةَ المرُّوذِيِّ في المالِ الذي ليس بطَيِّبٍ، وذلك لا يَفْسُدُ العَقْدُ بتَسْمِيَتِه فيه.
وما حُكِيَ عن مالكٍ لا يَصِحُّ، وما كان فاسِدًا قبلَ الدُّخولِ فهو بعدَه فاسدٌ، كنِكاحِ ذواتِ المحارِمِ.
فأمّا إذا فَسَدَ الصَّداقُ 2 لجهالتِه، أو عَدَمِه، أو العَجْزِ عن تَسْلِيمِه، فالنِّكاحُ ثابِتٌ.
لا نَعْلَمُ فيه خلافًا.
..................................
فصل: ويَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالكٌ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأبو ثَوْرٍ، 1 وأصْحابُ الرَّأْي.
وذلك لأنَّ فَسادَ العِوَضِ يَقْتَضِي رَدَّ العِوَضِ، وقد تَعَذَّرَ رَدُّه لِصِحَّةِ النكاحِ، فيَجِبُ رَدُّ قِيمَتِه، وهو مهرُ المِثْلِ، كمَن اشْتَرى شيئًا بثمنٍ فاسِدٍ، فقَبَضَ المَبِيعَ، وتَلِفَ في يَدِه، فإنَّه يَجِبُ عليه رَدُّ قيمتِه.
فإن دَخَل بها، اسْتَقَرَّ مهرُ المِثْلِ في قولِهم جميعًا.
وإن مات أحَدُهما، فكذلك؛ لأنَّ الموتَ يَقومُ مَقامَ الدُّخولِ في تَكْمِيلِ الصَّداقِ وتَقْرِيرِه.
وقال أبو الخَطَّابِ: فيه روايةٌ أخْرَى، أنَّه لا يَسْتقِرُّ بالموتِ، إلَّا أن يكونَ قد فَرَضَه لها.
..................................
فصل: ويَجِبُ مهرُ المثْلِ بالغًا ما بَلَغ.
وبه قال الشافعيُّ، وزُفَرُ.
وقال أبو حنيفةَ وصاحباه: يَجِبُ الأقَلُّ مِن المُسمَّى أو مهرِ المثلِ؛ لأنَّ البُضْعَ لا يُقَوَّمُ إلَّا بالعَقْدِ، فإذا رَضِيَتْ بأقلَّ من مهرِ مِثْلِها, لم يُقَوَّمْ بأكْثرَ ممَّا رَضِيَتْ به؛ لأنَّها رَضِيَتْ بإسْقاطِ الزِّيادةِ.
ولَنا، أنَّ ما يُضْمَنُ بالعَقْدِ الفاسدِ، اعتُبِرَتْ قيمتُه بالغًا ما بَلَغَ، كالمبيعِ، وما ذكرُوه مَمْنوعٌ، لا يَصِحُّ عندَهم؛ فإنَّه لو وطِئَها وَجَب مهرُ المثْلِ، ولم يَكنْ له قيمةٌ، فَلِمَ يَجبُ؟ فإن قيل: إنَّما وَجَب لحقِّ الله تعالى.
قيل: لو كان كذلك لوَجَبَ أقلُّ المهرِ ولم يَجِبْ مهرُ المثْلِ.
فصل: فأمّا إن طَلَّقها قبلَ الدُّخولِ فلها نصفُ مهرِ المِثْلِ.
وبه قال الشافعيُّ.
وقال أصحابُ الرأْي: لها المتْعَةُ، كما لو لم يُسَمِّ لها صداقًا؛ لأنَّ هذه التَّسْميةَ كعَدَمِها.
وذكَر القاضي في «الجامعِ»، أنَّه لا فَرْقَ بينَ مَن لم يُسَمِّ لها صداقًا وبينَ مَن سَمَّى لها مُحرَّمًا كالخَمْرِ، أو مَجْهولًا كالثَّوْبِ، في الجميعِ روايتان؛ إحْداهما، لها المتعةُ إذا طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّ ارْتِفاعَ العَقْدِ يُوجبُ رَفْعَ ما أوْجَبَه مِن العِوَضِ، كالبَيعِ، لكنْ تَركْناه في نِصْفِ المُسمَّى لتَراضِيهما عليه، فكان ما تَراضَيا عليه أَوْلَى، ففي مهرِ
وَإنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى عَبْدٍ فَخَرَجَ حُرًّا أَوْ مَغْصُوبًا، أو عَصِيرِ فَبَانَ خَمْرًا، فَلَهَا قِيمَتُهُ.
المثْلِ يَبْقَى على الأصْلِ في أنَّه يَرْتَفِعُ وتَجِبُ المُتْعةُ.
والثانية، أنَّ لها نِصْف مهرِ المِثْلِ؛ لأنَّ ما أَوْجَبَه عَقْدُ النكاحِ يَنْتَصِفُ بالطَّلاقِ قبلَ الدُّخولِ، ومهرُ المثْلِ قد أَوْجَبَه العَقْدُ، فيَنتَصِف به، كالمُسَمَّى.
3264 -
مسألة: (وإن تَزَوَّجَها على عبدٍ فخَرَجَ حرًّا أو مَغْصُوبًا، أو عصيرٍ فبان خَمْرًا، فلها قِيمَتُه)
إذا تَزَوَّجَها على عبدٍ بعَينِه، تَظُنُّه عبدًا مملوكًا للزَّوْجِ، فخَرَجَ حُرًّا أو مَغْصوبًا، فلها قِيمَتُه.
وبهذا قال أبو يُوسُفَ، والشافعيُّ في قَدِيمِ قولِه.
وقال في الجَدِيدِ: لها مَهْرُ المثْلِ.
وقال أبو حنيفةَ ومحمدٌ في المَغْصوبِ كقَوْلِنا، وفي الحُرِّ كقَوْلِه؛ لأنَّ العَقْدَ تعَلَّقَ بعينِ الحُرِّ بإشارَتِه إليه، فأشْبَهَ ما لو عَلِمَاه حُرًّا.
ولنا، أنَّ العَقْدَ وقَع على التَّسْمِيَةِ، فكانت لها قِيمَتُه، كالمغْصُوبِ، ولأنَّها رَضِيَتْ بقِيمَتِه إذ ظَنَّتْهُ مَمْلوكًا، فكانت لها قِيمَتُه، كما لو وَجَدَتْه مَعِيبًا فرَدَّتْه، بخِلافِ ما إذا قال: أصْدَقْتُكِ هذا الحُرَّ -أو- هذا المَغْصوبَ.
..................................
فإنَّها رَضِيَتْ بغيرِ شيءٍ، لرِضَاها بما تَعْلَمُ أنَّه ليس بمالٍ، أو بما لا يقْدِرُ على تمْلِيكِها إيَّاه، فصارَ وُجودُ التَّسْمِيةِ كعَدَمِها، فكان لها مهرُ المثْلِ.
وسواءٌ سلَّمه إليها أو لم يُسَلِّمْه؛ لأنَّه سَلّم ما لا يجوزُ تَسْلِيمُه، فكان وجودُه كعَدَمِه.
فصل: فإن أصْدَقَها جَرَّةَ خَلٍّ فخَرَتَجْا خَمْرًا أو مَغْصوبةً، فلها مثْلُه خلًّا؛ لأنَّه مِن ذواتِ الأمْثالِ، والمِثْلُ أقْربُ إليه مِن القِيمةِ، ولهذا يُضْمَنُ به في الإِتْلافِ.
وهذا مذهبُ أبي حنيفةَ، وبعضِ أصحابِ الشافعيِّ.
وقال القاضي: لها قِيمَتُه؛ لأنَّ الخَمْرَ ليس بمالٍ، ولا مِن ذواتِ الأمْثالِ.
والصحيحُ الأوَّلُ؛ لأنَّه سمَّاه خلًّا فرَضِيَتْ به على ذلك، فكان لها بَدَلُ المُسَمَّى، وما ذكَرَه يَبْطُلُ بما إذا أصْدَقَها عبدًا فبان حُرًّا, ولأنَّه إن أوْجَبَ قِيمَةَ الخَمْرِ، فلا قِيمَةَ له، وإن أَوْجَبَ قِيمَةَ الخَلِّ، فقدِ اعْتَبَرَ التَّسْمِيَةَ 1 في إيجابِ قِيمَتِه، ففي إيجابِ مثْلِه أوْلَى.
..................................
فصل: فإن قال: أصْدَقْتُكِ هذا الخَمْرَ.
وأشار إلى الخلِّ.
أو: عبدَ فُلانٍ هذا.
وأشار إلى عبدِه، صَحَّتِ التَّسْميَةُ، ولها المُشارُ إليه؛ لأنَّ المَعْقُودَ عليه يَصِحُّ العَقْدُ عليه، فلا يَخْتَلِفُ حُكْمُه باختِلافِ صِفَتِه، كما لو قال: بِعْتُكِ هذا الأسْودَ.
وأشار إلى أبْيَضَ.
أو: هذا الطويلَ.
وأشار إلى قصِيرٍ.
فصل: وإن تَزوَّجَها على عَبْدَينِ فخَرَج أحدُهما حُرًّا أو مَغْصوبًا، صَحَّ الصَّداقُ في مِلْكِه، ولها قيمةُ الآخَرِ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وإن كان عبدًا واحدًا فخَرج نصفُه حُرًّا أو مَغْصوبًا، فلها الخِيارُ بينَ رَدِّه وأخْذِ قِيمَتِه، وبينَ إمْساكِ نِصْفِه وأخْذِ قيمةِ باقِيه.
نصَّ عليه أحمدُ؛ لأن الشَّرِكةَ عَيبٌ، فكان لها الفَسْخُ، كما لو وَجَدَتْه مَعِيبًا.
فإن قيل: فلِمَ لا تَقُولُونَ 1 ببطْلانِ التَّسْمِيَةِ [في الجميعِ] 2، وتَرْجِعُ بالقِيمَةِ كلِّها 3 في المَسألتَين،
وَإنْ وَجَدَتْ بِهِ عَيبًا، فَلَهَا الْخِيَارُ بَينَ أَخْذِ أَرْشِهِ أَوْ رَدِّهِ وَأَخْذِ قِيمَتِهِ.
كما في تفريقِ الصَّفْقَةِ؟ قُلْنا: لأنَّ القِيمةَ بَدَلٌ إنَّما يُصارُ إليها عندَ العَجْزِ عنِ الأصْلِ، وههُنا العَبْدُ المَمْلوكُ مقدورٌ عليه، ولا عَيبَ فيه، وهو مُسْتَحَقٌّ في العَقْدِ، فلا يجوزُ الرُّجوعُ إلى بدَلِه، أمَّا تفْرِيقُ الصَّفْقَةِ، فإنَّه إذا بَطَلَ العَقْدُ في الجميعِ، صِرْنَا إلى الثَّمَنِ، وليس هو بدلًا عنِ المَبيعِ، وإنَّما انْفَسَخَ العَقْدُ، فرَجعَ في رأْسِ مالِه (1)، وههُنا لا يَنْفَسِخُ العَقْدُ، وإنَّما يَرْجِعُ إلى (2) قِيمَةِ الحُرِّ منهما لتَعَذُّرِ تسْلِيمِه، فلا وَجْهَ لإِيجابِ قيمَتِه، أمَّا إذا كان نِصْفُه حرًّا، ففيه عَيبٌ، فجازَ رَدُّه بِعَيبِه.
وقال أبو حنيفةَ: إذا أصْدَقَها عبْدَين، فإذا أحَدُهما حُرٌّ، فلها العَبْدُ وحدَه صَداقًا، ولا شيءَ لَها سِوَاهُ.
ولَنا، أنَّه أصْدَقَها حُرًّا، فلم تَسْقُطْ تَسْمِيَتُه إلى غيرِ شيءٍ، كما لو كان مُنْفَرِدًا.
3265 -
مسألة: (وإن وَجَدَت به عَيبًا، فلها الخِيارُ بين أخْذِ أرْشِه
12
..................................
أو رَدِّه وأخْذِ قِيمَتِه) وجملةُ ذلك, أنَّ الصَّداقَ إذا كان مُعَيَّنًا، فوَجَدَتْ به عَيبًا، فلها رَدُّه، كالمَبِيعِ المَعِيبِ، ولا نعلمُ في هذا خلافًا إذا كان العَيبُ كَثيرًا.
وإن كان يَسِيرًا، فحُكِيَ عن أبي حنيفةَ، أنَّه لا يُرَدُّ به.
ولَنا، أنَّه عَيبٌ يُرَدُّ به المَبِيعُ، فرُدَّ به الصَّداقُ، كالكَثيرِ.
وإذا رُدَّ به، فلَها قِيمَتُه؛ [لأنَّ العَقْدَ] 1 لا يَنْفَسِخُ برَدِّه، فيَبْقَى سَبَبُ اسْتِحقاقِه، فتَجِبُ عليه قِيمَتُه، كما لو غَصَبَها إيَّاه فأتْلَفَه 2. فإن كان الصَّداقُ مِثْلِيًّا، كالمكِيلِ والمَوْزُونِ، فرَدَّتْه، فلها عليه مِثْلُه؛ لأنَّه أقْرَبُ إليه.
فإنِ اخْتارتْ إمْساكَ المَعِيبِ وأخْذَ أرْشِه، فلها ذلك، في قِياسِ المذْهبِ.
وإن حدَثَ به عَيبٌ عِنْدَها، ثم وَجَدَتْ به عَيبًا، خُيِّرَتْ بينَ أَخْذِ أرْشِه ورَدِّه ورَدِّ أرْشِ العَيبِ؛ لأنَّه عِوَضٌ في عَقْدِ مُعاوَضَةٍ، فيَثْبُتُ فيه ذلك، كالبَيعِ.
وسائرُ فُرُوعِ الرَّدِّ بالعَيبِ تَثْبُتُ ها هنا، مثلَ ما تَثْبُت في البَيعِ، والخِلافُ فيه كالبَيعِ؛ لِما ذكَرْنا.
..................................
فصل: فإن شَرَطَتْ في الصَّداقِ صِفَةً مَقْصُودَةً، كالكِتابَةِ والصِّناعَةِ، فبانَ بخِلافِها، فلها الرَّدُّ، كما تُرَدُّ في البَيعِ، وهكذا إن دَلَّسَه تَدْلِيسًا يُرَدُّ به المَبِيعُ، كتَحْمِيرِ وَجْهِ الجاريةِ، وتَسْويدِ شَعَرِها، وتَضْمِيرِ الماءِ على الرَّحَى، وأشْبَاهِ ذلك، فلها الرَّدُّ به.
وإن وَجَدَتِ الشَّاةَ مُصَرَّاةً، فلها رَدُّها، وتَرُدُّ صاعًا من تَمْرٍ، قياسًا على البَيعِ.
ونَقَل مُهَنَّا عن أحمدَ، في مَن تَزَوَّجَ امرَأةً على دارٍ 1 ألفِ ذرَاعٍ، فإذا هي تِسْعُمائةٍ: هي بالخِيارِ، إن شاءَتْ أخَذَتِ الدَّارَ، وإنَّ شاءتْ أخَذَتْ قِيمَةَ ألْفِ ذِرَاعٍ، والنكاحُ جائزٌ.
وهذا فيما إذا أصْدَقَها دارًا بعَينِها على أنَّها ألْفُ ذِرَاعٍ، فخَرَجَتْ تِسْعَمائةٍ، فهذا كالعَيبِ في ثُبُوتِ الرَّدِّ؛ لأنَّه شَرَطَ شَرْطًا مَقْصُودًا، فبَان بخِلافِه، فأشْبَهَ ما لو شَرَطَ العَبْدَ كاتِبًا 2، فبانَ بخِلافِه.
وجَوَّزَ أحمدُ الإِمْساكَ لأنَّ المرأةَ رَضِيَتْ بها ناقِصةً، ولم يَجْعَلْ لها مع الإِمْساكِ أرْشًا؛ لأنَّ ذلك ليس بعَيبٍ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ لها الرُّجوعَ بقِيمَةِ نَقْصِها 3، أو رَدَّها وأخْذَ قِيمَتِها.
فَصْلٌ: وَإنْ تَزَوَّجَهَا عَلَى أَلْفٍ لَهَا وَأَلْفٍ لِأَبِيهَا، صَحَّ، وَكَانَا جَمِيعًا مَهْرَهَا،
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه الله: (وإن تَزَوَّجَها على أَلْفٍ لَهَا وأَلْفٍ لِأبِيها، صَحَّ) وجُملةُ ذلك، أنَّه 1 يجوزُ لأبي المرأةِ أن يَشْتَرِطَ شيئًا مِن صَداقِها لنَفْسِه.
وبهذا قال إسحاقُ.
وقد روىَ عن مسْرُوقٍ، أنَّه لمَّا زَوَّجَ ابْنَتَه، اشْتَرَطَ لنفسِه عَشَرَةَ آلافٍ، فجَعَلَها في الحجِّ والمساكينِ، ثم قال للزَّوْجِ: جَهِّزِ امْرَأَتَك.
ورُوِيَ ذلك عن 2 عليِّ بنِ الحسينِ.
وقال عطاءٌ، وطاوُسٌ، وعِكْرِمَةُ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والثَّوْرِيُّ، وأبو عُبَيدٍ: يكونُ ذلك كُلُّه للمرأةِ.
وقال الشافعيُّ: إذا فعل ذلك، فلها مَهْرُ المِثْلِ، وتَفْسُدُ التَّسْمِيَةُ؛ لأنَّه نَقَصَ مِن صَداقِها لأجْلِ هذا الشَّرْطِ الفاسِدِ؛ لأنَّ المَهْرَ لا يَجبُ إلَّا للزَّوْجَةِ، لكَوْنِه عِوَضَ بُضْعِها، فيَبْقَى مَجْهُولًا؛ لأنَّنا نحتاجُ أن نَضُمَّ إلى المَهْرِ ما نَقَصَ منه لأجْلِ هذا الشّرْطِ، وذلك مَجْهُولٌ فيَفْسُدُ.
ولَنا، قولُ اللهِ تعالى، في قِصَّةِ شُعَيبٍ، عليه السلامُ: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنْكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَينِ عَلَى أَنْ تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ﴾ 3. فجَعلَ الصَّداقَ الإجارةَ على رِعايةِ غَنَمِه، وهو شَرْطٌ لِنَفْسِه، ولأنَّ للوالدِ الأخذَ من مالِ وَلَدِه، بدَلِيلِ قَولِه عليه
فَإِنْ طَلَّقَهَا قَبْلَ الدُّخُولِ بَعْدَ قَبْضِهِمَا، رَجَعَ عَلَيهَا بِأَلْفٍ، وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْأَبِ شَيْءٌ مِمَّا أخَذَ.
الصلاةُ والسلامُ: «أَنْتَ وَمَالُكَ لِأبِيكَ» (1). وقولِه: «إنَّ أَولَادَكُم مِن أطْيَبِ كَسْبِكُمْ، فكُلُوا مِن أمْوَالِهِمْ».
أخْرَجَهُ أبو داودَ، وأخْرَجَ نحوَه التِّرْمِذِيُّ (2)، وقال: هذا حديثٌ حسنٌ.
فإذا شرَط لنَفْسِه.
شيئًا من الصَّداقِ، يكونُ ذلك أخْذًا من مالِ ابْنَتِه، وله ذلك.
قولُهم: هو شَرْطٌ فاسدٌ.
ممنوعٌ.
قال القاضي: ولو شَرَط جميعَ الصَّداقِ لنَفْسِه, صَحَّ، بدليلِ قِصَّةِ شُعَيبٍ، - عليه السلام -، فإنَّه شَرَط الجميعَ لنَفْسِه.
3266 -
مسألة: (فإن طَلَّقَها قبلَ الدُّخولِ، رجَع عليها بَالألْفِ)
الذي قَبَضَتْه، ولم يَرْجِعْ على 3 الأبِ بشيءٍ ممّا أخَذَ؛ لأنَّ الطلاقَ قبلَ الدُّخولِ يُوجِبُ تَنْصِيف الصَّداقِ، والألْفانِ جميعُ صَداقِها، فرَجَعَ عليها بنِصْفِها، وهو ألْفٌ (ولم يكُنْ على الأبِ شيءٌ) لأنَّه أخَذَ من مالِ ابنتِه12
..................................
ألْفًا، فلا يجوزُ الرُّجوعُ عليه به.
وهذا فيما إذا كان قَبَّضَها الألفَينِ.
فإن طَلَّقَها قبلَ قَبْضِهما 1، سَقَط عن الزَّوْجِ ألْفٌ، وبَقِيَ عليه ألْفٌ للزَّوْجَةِ، يأْخُذُ الأبُ منها ما شاء.
وقال القاضي: يكونُ بينهما نِصْفَينِ.
وقال: نَقَلَه مُهَنَّا عن أحمدَ؛ لأنَّه شَرَط لنَفْسِه النِّصفَ، ولم يَحْصُلْ من الصَّداقِ إلَّا النِّصْفُ.
وليس هذا القولُ على سبيلِ الإِيجابِ، فإنَّ للأبِ أن يأْخُذَ ما شاءَ، ويَتْرُكَ ما شاء، وإذا مَلَك الأخْذَ من غيرِ شَرْطٍ، فكذلك إذا شَرَط.
فصل: فإن شَرَط لنَفْسِه جَمِيعَ الصَّداقِ، ثم طَلَّقَ قبلَ الدُّخولِ بعدَ تسْليمِ الصَّداقِ إليه، رَجَع في نِصْفِ ما أعْطَى الأبَ؛ لأنَّه الذي فَرَضَه لها، فيَرجعُ في نِصْفِه؛ لقولِه تعالى: ﴿فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ﴾ 2. ويَحْتَمِلُ أَن يَرْجِعَ عليها بنِصْفِه، ويكونَ ما أخَذَه الأبُ له؛ لأنَّنا قَدَّرْنا أنَّ الجميعَ صارَ لها، ثم أخَذَه الأبُ منها، فتَصِيرُ كأنَّها قَبَضَتْه ثم أخَذَه منها.
.................................. وهكذا لو أصْدَقَها ألفًا لها وألْفًا لأبِيها، ثم ارْتَدَّتْ قبلَ الدُّخولِ، فهل يَرْجِعُ في الألفِ الذي قَبَضَه الأبُ عليه أو عليها؟ على وَجْهَين.
وَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيرُ الأَبِ، فَالْكُلُّ لَهَا دُونَهُ.
وَلِلأَب تَزْويجُ ابْنَتِهِ
3267 - مسألة: (وإن فَعَل ذلِك غَيرُ الأبِ، فالكُلُّ لَها دُونَه)
إذا شَرَط ذلك غيرُ الأبِ من الأوْلِياءِ، كالجَدِّ والأخِ، فالشَّرْطُ باطِلٌ.
نصَّ عليه أحمدُ.
وجَمِيعُ المُسَمَّى لها.
ذكَره أبو حَفْصٍ، وهو قولُ بَن سَمَّينا في أوَّلِ المسألةِ.
وقال الشَّافعيُّ: يَجِبُ مَهْرُ المِثْلِ.
وهكذا ذَكَر القاضي في «المُجَرَّدِ»؛ لأنَّ الشَّرطَ إذا بَطَلَ احْتَجْنا أن نَرُدَّ إلى الصَّداقِ ما نَقَصَتِ الزَّوْجةُ لأجْلِه، ولا نعْرِفُ قَدْرَه، فيَصِيرُ الكُلّ مَجْهُولًا فيَفْسُدُ، وإن أصْدَقَها ألْفَينِ، على أن تُعْطِيَ أخاها ألْفًا، فالصَّداقُ صحيحٌ؛ لأنَّه شَرْطٌ لا يُزَادُ في المَهْرِ من أجلِه، ولا يُنْقَصُ منه، فلا يُؤثِّرُ في المَهْرِ، بخِلافِ التي قبْلَها.
ولَنا، أنَّ ما اشْتَرَطَه عِوَضٌ في تَزْويجِها، فيكونُ صَداقًا لها، كما لو جَعَلَه لها، وإذا كان صَداقًا انْتَفَتِ الجَهالةُ.
وهكذا لو كان الأبُ هو المُشْتَرِطَ، لكان الجميعُ صَداقًا، وإنَّما هو أخَذَ مِن مالِ ابْنَتِه لأنَّ له ذلك.
ويُشْتَرَطُ أن لا يكون مُجْحِفًا بمالِ ابْنَتِه، فإن كان مُجْحِفًا بمالِها, لم يَصِحَّ الشَّرْطُ، وكان الجميعُ لها، كما لو اشتَرَطَه سائرُ الأوْلِياءِ.
ذكره القاضي في «المُجَرَّدِ».
3268 -
مسألة: (وللأبِ تَزْويجُ ابْنَتِه البِكْرِ والثَّيِّبَ بِدُونِ صَدَاقِ
الْبِكْرِ وَالثَّيِّبِ بِدُونِ صَدَاقِ مِثْلِهَا، وَإنْ كَرِهَتْ،
مِثْلِها، وإنْ كَرِهَتْ) وجملةُ ذلك، أنَّ للأَبِ تَزْويجَ ابْنَتِه 1 بِدونِ صَداقِ مِثْلِها، بكرًا كانت أو ثَيِّبًا، صغيرةً أو كَبِيرةً.
وبه قال أبو حنيفةَ، ومالكٌ.
وقال الشافعيُّ: ليس له ذلك، فإن فَعَل، فلَها مَهْرُ مِثْلِها؛ لأنَّه عَقْدُ مُعاوَضَةٍ، فلم يَجُزْ أن يَنْقُصَ فيه عن قِيمَةِ المعَوَّضِ، كالبَيعِ، ولأنَّه تَفْرِيطٌ في مالِها, وليس له ذلك.
ولَنا، أنَّ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنه، خَطَبَ النَّاسَ فقال: ألَا لا تُغالُوا في صُدُقِ 2 النِّساءِ، فما أصْدَقَ رسول اللهِ - صلى الله عليه وسلم - أحدًا من نِسائِه، ولا أحدًا من بَناتِه، أكثرَ من اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أوقِيَّةً 3. وكان ذلك بمحْضَرٍ من الصَّحابةِ، ولم يُنْكِرُوه، فكان اتِّفاقًا منهم على أنَّ له أن يُزَوِّجَ بذلك وإن كان دونَ صَداقِ المِثْلِ.
وزوَّجَ سعيدُ
.................................. ابنُ المُسَيَّبِ ابْنَتَه بدِرْهَمَين، وهو مِن أشْرافِ 1 قُرَيشٍ، شَرَفًا وعِلْمًا ودِينًا، ومِن المعْلومِ أنَّه لم يَكُنْ مَهْرَ مِثْلِها, ولأنّه ليس المقصودُ مِن النِّكاحِ العِوَضَ، وإنَّما المقصودُ السَّكَنُ والازْدواجُ 2، ووَضْعُ المرأةِ في مَنْصبٍ عندَ مَن يَكْفُلُها، ويصونُها، ويُحْسِنُ عِشْرَتَها، والظاهِرُ من الأبِ مع تَمامِ شَفَقَتِه وبُلوغِ نظرِه، أنَّه لا يَنْقُصُها من صَداقِها إلَّا لتَحْصيلِ المعانِي المقصودَةِ بالنِّكاحِ، فلا يَنْبَغِي أن يُمْنَعَ من تَحْصِيلِ المقصودِ بتفْويتِ غيرِه، ويفارِقُ سائرَ عقودِ المُعاوضاتِ، فإنَّ المقْصودَ فيها العِوَضُ، فلم يَجُزْ تَفْويتُه.
وَإنْ فَعَلَ ذَلِكَ غَيرُهُ بِإِذْنِهَا، صَحَّ، وَلَمْ يَكُنْ لغَيرِهِ الاعْتِرَاضُ، فَإِنْ فَعَلَهُ بِغَيرِ إِذْنِهَا، وَجَبَ مَهْرُ الْمِثْلِ.
3269 - مسألة: (وإن فَعَل ذلك غيرُه بإذْنِها، صَحَّ، ولم يَكُنْ لغيرِه الاعْتِراضُ)
إذا كانت رَشِيدَةً؛ لأنَّ الحقَّ لها، وقد أسْقَطَتْه، فأشْبَهَ ما لو أذِنت في بَيعِ سِلْعةٍ لها بدُونِ ثمنِ مِثْلِها (وإن فَعَلَه بغيرِ إذْنِها، وَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ) لأنَّه قيمةُ بُضْعِها, وليس للوَلِيِّ نَقْصُها منه، فوَجَبَ مَهْرُ المِثْلِ، والنِّكاحُ صحيحٌ؛ لأنَّ فسادَ التَّسْمِيَةِ وعدَمَها لا يُؤثِّرُ في النِّكاحِ.
فصل: وتمامُ المَهْرِ على الزَّوْجِ؛ لأنَّ التَّسْمِيَةَ فاسدةٌ ههُنا، لكَوْنِها غيرَ مأْذونٍ فيها شَرْعًا، فوَجَبَ على الزَّوْجِ مَهْرُ المِثْلِ، كما لو زَوَّجَها بمُحَرَّمٍ 1. وعلى الوَلِيِّ ضمانُه؛ لأنَّه المُفَرِّطُ، فكان عليه الضَّمانُ، كما
وَيَحْتَمِلُ أن لَا يَلْزَمَ الزَّوْجَ إلا الْمُسَمَّى، وَالْبَاقِي عَلَى الْوَلِيِّ، كَالْوَكِيلِ فِي الْبَيعِ.
وَإنْ زَوَّجَ ابْنَهُ الصَّغِيرَ بِأَكْثَرَ مِنْ مَهْرِ الْمِثْلِ، صَحَّ، وَلَزِمَ ذِمَّةَ الابْنِ،
لو باعَ مالها بدونِ ثَمَنِ مثلِه.
قال أحمدُ: أخافُ أنَّ يكونَ ضامنًا، وليس الأبُ مثلَ الوَلِيِّ (ويَحْتَمِلُ أنَّ لا يَلْزَمَ الزَّوْجَ إلَّا المُسَمَّى، والباقِي على الوَلِيِّ، كالوَكيلَ في البَيعِ).
3270 -
مسألة: (وإن زَوَّجَ ابْنَه الصَّغِيرَ بأكثَرَ مِن مهرِ المِثْلِ، صَحَّ، ولَزِمَ ذِمَّةَ الابْنِ)
وفيه اخْتِلافٌ ذكَرْناه فيما مَضَى، لأنَّ العِوَضَ
فَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا، فَهَلْ يَضْمَنُهُ الْأَبُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَينِ.
له، فكان المُعَوَّضُ (1) عليه، كالكبيرِ، وكثَمَنِ المَبِيعِ.
3271 -
مسألة: (فإن كان مُعْسِرًا، فهل يَضْمَنُه الأبُ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَين)
ذكر شيخُنا في كتابِ «المُغْنِي» 2 فيه رِوايَتَين مطلقًا؛ إحداهما، يَضْمَنُه.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: تَزْويجُ الأبِ لأبنِه الطِّفْلِ1
..................................
جائزٌ، ويضْمَنُ الأبُ المَهْرَ؛ لأنَّه الْتَزَمَ العِوَضَ عنه، فضَمِنَه، كما لو نَطَق بالضَّمانِ.
والأُخْرَى، لا يَضْمَنُه؛ لأنَّه عَقدُ مُعاوَضَةٍ، نابَ فيه عن غيرِه، فلم يضْمَنْ عِوَضَه 1، كثَمَنِ مَبِيعِه وكالوكيلِ.
قال القاضي: وهذا أصَحُّ.
قال القاضي: إنَّما الرِّوايتانِ فيما إذا كان الابْنُ مُعْسِرًا، أما المُوسِرُ، فلا يَضْمَنُه الأبُ، روايةً واحدةً.
فإن طَلَّقَ قَبْلَ الدُّخولِ، سَقَط نِصْفُ الصَّداقِ، فإن كان ذلك بعدَ دفعِ الأبِ الصَّداقَ عنه، رجَعِ نِصْفُه إلى الابْنِ، وليس للأبِ الرُّجُوعُ فيه، بمَعْنَى الرُّجوعِ في الهبةِ؛ لأنَّ الابْنَ مَلَكَه بالطَّلاقِ عن غيرِ أبِيه، فأشْبَه ما لو وهبَهُ الأبُ أجْنَبِيًّا، ثم وَهَبَه
وَلِلْأَب قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِهِ الصَّغِيرَةِ بِغَيرِ إِذْنِهَا، وَلَا يَقْبِضُ صَدَاقَ الثَّيِّبِ الْكَبِيرَةِ إلا بِإِذْنِهَا.
وَفِي الْبِكْرِ الْبَالِغِ رِوَايَتَانِ.
الأجْنَبِي للابْنَ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يَرْجِعَ فيه؛ لأنَّه تَبَرُّع عن ابنِه (1)، فلم يَسْتقرَّ المِلْكُ حتى اسْتَرْجَعَه الابْنُ.
وكذلك الحُكْمُ [فيما لو قَضَى الصَّداقَ عن ابْنِه الكَبيرِ، ثم طَلَّقَ قبلَ الدُّخولِ، فالحُكْمُ] (2) في الرُّجوعِ في جَمِيعِه، كالحُكْمِ في الرُّجوعِ في نِصْفِه بالطَّلاقِ.
3272 -
مسألة: (وللأبِ قَبْضُ صَدَاقِ ابْنَتِه الصَّغِيرَةِ بغيرِ إذْنِها)
لأنَّه يَلِي مالها، [فكان له قَبْضُه] 3، كَثَمنِ مَبِيعِها (ولا يَقبِضُ صَداقَ الثَّيِّبِ الكبيرةِ إلَّا بإذْنِها) إذا كانتْ رَشِيدَةً؛ لأنَّها المُتَصَرِّفَةُ في مالِها، فاعْتُبِرَ إذنها في قَبْضِه، كثَمَنِ مَبِيعِها (وفي البِكْرِ البالِغَةِ) العاقِلَةِ، (رِوايَتانِ) أصحُّهما، أنَّه لا يَقْبِضُه إلَّا بإذْنِها، إذا كانت رشيدةً،12
فَصْلٌ: وَإنْ تَزَوَّجَ الْعَبْدُ بِإِذْنِ سَيِّدِهِ عَلَى صَدَاقٍ مُسَمًّى، صَحَّ،
كالثَّيِّب.
والثانيةُ، له قَبْضُه بغيرِ إذْنِها؛ لأنَّه العادَةُ، ولأنَّه يَمْلِكُ إجْبارَها على النِّكَاحِ، أشْبَهَتِ 1 الصَّغِيرَةَ.
وهو قولُ أبي حنيفةَ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمه اللهُ: (وإن تَزَوَّجَ العبدُ بإذْنِ سَيِّدِه على صَداقٍ مُسَمًّى، صَحَّ) بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه، والمَهْرُ على سَيِّدِه، وكذلك النَّفَقَةُ، سواءٌ 2 ضَمِنَها أو لم يَضْمَنْها، وسواءٌ كان مَأْذُونًا له في التِّجارَةِ أو مَحْجورًا عليه.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وعنه ما يَدُلُّ على أنَّ ذلك يَتَعَلَّقُ بكَسْبِه، فإنَّه قال: نَفقَتُه من ضَرِيبَتِه.
وقال: إن كانت نَفَقَتُه بقدرِ
وَهَلْ يَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهِ أوْ ذِمَّةِ سَيِّدِهِ؟ عَلَى رِوَايَتَينِ.
ضَريبَتِه، أنْفَقَ عليها، ولا يُعْطِي الوَلِيَّ، وإن لم يكنْ عنده ما يُنْفِقُ، يُفَرَّقُ بَينَهما.
وهذا قولٌ للشافعيِّ 1؛ لأُنه لا يخلو؛ إمَّا أنَّ يتَعَلَّقَ برَقَبةِ العَبْدِ، أو ذِمَّتِه، أو كَسْبه، أو ذمَّةِ السَّيِّدِ، لا جائزٌ أنَّ يَتَعَلَّقَ بذِمَّةِ العَبْدِ فيُتْبَعَ به بعدَ العِتْقِ؛ لأَنَه يَسْتَحِقُّ العِوَضَ في الحالِ مُعَجَّلًا، فلا يجوزُ تأخِيرُ العِوَضِ، ولا جائز أنَّ يتعَلَّقَ برقَبَتِه؛ لأنَّه وَجَبَ برِضاء سَيِّدِه، أشْبَهَ ما لو اقْتَرَضَ برِضائِه، ولا جائزٌ أنَّ يتعَلَّقَ بذِمَّةِ السَّيِّدِ؛ لأنَّه إنَّما يتعَلَّقُ بذِمَّتِه ما ضَمِنَه عن عَبْدِه، ولم يَضْمَنْ عنه المَهْرَ والنَّفَقَةَ، فَثَبَتَ تَعَلُّقُه
..................................
بكَسْبِه ضَرورَةً.
وفائِدَةُ الخِلافِ، أنَّ مَن ألْزَمَ السَّيِّدَ المَهْرَ والنَّفَقَةَ، أوْجَبَهُما عليه وإن لم يكنْ للعَبْدِ كَسْبٌ، وليس للمرأةِ 1 الفَسْخُ لعدَمِ 2 كسْب العَبْدِ، وللسَّيِّدِ اسْتِخْدامُه ومَنْعُه الاكْتِسابَ، ومَن عَلَّقَه بكَسْبِه، فللمرأةِ الفَسْخُ إذا لم يكنْ له كسْبٌ، وليس لسَيِّدِه مَنْعُه مِن التَّكَسُّبِ.
ولَنا، أنَّه حقٌّ تعلَّقَ بالعَقْدِ برِضا سيِّدِه، فتعَلَّقَ بسَيِّدِه، وجازَ بَيعُه فيه، كما لو رَهَنَه 3 بدَين.
فعلى هذا، لو باعَه سَيِّدُه أو أَعتَقَه، لم يَسْقُطِ المَهْرُ
وَإنْ تَزَوَّجَ بِغَيرِ إِذْنِهِ، لَمْ يَصِحَّ النِّكَاحُ،
عن السَّيِّدِ.
نَصَّ عليه، لأنَّه حقٌّ تعَلَّقَ بذِمَّتِه، فلم يَسْقُطْ بِبَيعِه وعِتْقِه، كأَرْشِ جِنايَتِه.
فأمَّا النَّفَقَةُ، فإنَّها تَتَجَدَّدُ، فتكونُ في الزَّمَنِ المُسْتَقْبَلِ على المشْتَرِي، وعلى العَبْدِ إذا عَتَقَ.
3273 -
مسألة: (وَإن تَزَوَّجَ بغيرِ إذنِ سَيِّدِه، لم يَصِحَّ النِّكاحُ)
أجْمعَ العلماءُ على أنَّ العَبْدَ ليس له أنَّ يَنْكِحَ بغيرِ إذنِ السَّيِّدِ، فإن فعلَ لم يَنْفُذْ نِكاحُه في قولِ الجميعِ.
وقال ابنُ المُنْذِرِ: أجْمَعوا على أنَّ نِكاحَه
..................................
باطلٌ.
قال شيخُنا 1: والصَّوابُ ما قُلْنا، إن شاء الله تعالى، فإنَّهم اخْتَلفوا في صِحَّتِه، فعن أحمدَ في ذلك رِوايتانِ؛ أظهرُهما، أنَّه باطِلٌ.
وهو قولُ عثمانَ، وابنِ عمرَ، رَضِيَ اللهُ عنهما.
وبه قال شرَيحٌ.
وهو قولُ الشافعيِّ.
وعن أحمدَ، أنَّه مَوْقوفٌ على إجازَةِ السَّيِّدِ، فإن أجَازَه وإلَّا بَطَلَ.
وهو قولُ أصحابِ الرَّأْي؛ لأنَّه عَقْدٌ يَقِفُ على الفَسْخِ، فوَقَفَ على الإجازَةِ، كالوَصِيَّةِ.
ولَنا، ما رَوَى جابرٌ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ 2 بِغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ».
رَواه الأثْرَمُ، [والتِّرْمِذِيُّ، وقال: حسنٌ] 3. وأبو داودَ، وابنُ ماجه 4. ورَوَى الخلَّالُ بإسنادِه، عن مُوسَى بنِ عُقْبَةَ، عن نافِع، عن ابنِ عمرَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أيُّما عَبْدٍ تَزَوَّجَ بغَيرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ زَانٍ» 5.
..................................
قال حَنْبَلٌ 1: ذَكَرْتُ هذا الحديثَ لأبي عبدِ اللهِ، لقال: هذا حديثٌ مُنْكَرٌ.
رواهُ أبو داودَ، وابنُ ماجه 2، عن ابْنِ عُمَرَ، مَوْقُوفًا من قولِه.
ولأنَّه عَقْدٌ فَقَدَ شَرْطَه، فلم يَصِحَّ، كما لو تَزَوَّجَها بغَيرِ شُهُودٍ.
3274 -
مسألة: فإنْ فارَقَها قبلَ الدُّخُولِ، فلا شيءَ عليه؛ لأنَّه عَقْدٌ باطلٌ؛ فلا يُوجِبُ بمجرَّدِه شيئًا، كالبَيعِ الباطلِ، وهكذا سائرُ الأنْكِحَةِ الفاسدةِ، لا تُوجِبُ بمجَرَّدِها شيئًا.
فإن أصابَها، وجَبَ لها المَهْرُ، في الصَّحِيحِ من المَذهبِ، رواه عن أحمدَ جماعةٌ وروَى عنه حَنْبَلٌ أنَّه لا مَهْرَ لها إذا تَزَوَّجَ العَبْدُ بغيرِ إذْنِ سَيِّدِه.
وهذا يمكنُ حَمْلُه على ما قبلَ الدُّخولِ، فيكونُ مُوافِقًا لرِوايةِ الجماعةِ، ويمكنُ حَمْلُه على عُمُومِه في عَدمِ الصَّداقِ.
وهو قولُ ابنِ عُمَرَ.
ورَواه الأثرَمُ، عن نَافِعٍ، قال: كان إذا تَزَوَّجَ مَمْلُوكٌ [لابنِ عُمَرَ]
3 [بغيرِ إذْنِه] 4، جَلَدَه
..................................
الحَدَّ، وقال للمرأةِ: إنَّكِ أربحْتِ فَرْجَكِ.
وأبْطَلَ صَدَاقَها 1. ووَجْهُه أنَّه وَطِئَ امرأةً مُطاوعَةً في غيرِ نِكاحٍ صحيحٍ، فلم يَجِبْ به مَهْرٌ، كالمُطاوعَةِ على الزِّنى.
قال القاضي: هذا إذا كانا عالِمَين بالتَّحْرِيمِ، فأمَّا إن جَهِلَتِ المرأةُ ذلك، فلها المَهْرُ، لأنَّه لا يَنْقُصُ عن وَطْءِ الشُّبْهَةِ.
ويمكنُ حملُ هذه الروايةِ على أنَّه لا مَهْرَ لها في الحال، بل يَجِبُ في ذِمَّةِ العَبْدِ، يَتَعَلَّقُ به بعدَ 2 العِتْقِ.
وهو قولُ الشافعيِّ الجديدُ؛ لأنَّ هذا حقٌّ لَزِمَ برِضَا مَن له حَقٌّ، فكان مَحِلُّه الذِّمَّةَ، كالدَّينِ.
والصَّحيحُ أنَّ المهْرَ واجِبٌ؛ لقولِه عليه الصلاةُ والسلامُ: «أيُّما امرأةٍ نَكَحَتْ نَفْسَها بِغَيرِ إذْنِ وَلِيِّهَا، فَنِكاحُها باطلٌ، فإن أصَابَها، فلها المَهْرُ بما اسْتَحَلَّ منِ فَرْجِها» 3. [وهذا قد اسْتَحَلَّ فَرْجَها] 4، فيكونُ مَهْرُها عليه.
ولأنَّه اسْتَوْفَى مَنافِعَ البُضْعِ باسمِ النِّكاحِ، فكان المَهْرُ واجِبًا، كسائرِ الأنْكِحَةِ الفاسِدةِ.
فصل: ويتعَلَّقُ المَهْرُ برَقَبَتِه يُباعُ فيه 5 إلَّا أنَّ يَفْدِيَه السَّيِّدُ.
ويَحْتَمِلُ أنَّ يتعَلَّقَ بذِمَّةِ العَبْدِ، وقد ذكَرْناه.
وهذا أظْهَرُ؛ لأنَّ الوَطءَ أُجْرِيَ مُجْرَى الجِنايَةِ المُوجِبَةِ للضَّمانِ بغيرِ [إذنِ الموْلَى، ولذلك] 6
وَإنْ دَخَلَ بِهَا، وَجَبَ فِي رَقَبَتِهِ مَهْرُ المِثْلِ.
[وجبَ المَهْرُ ههُنا وفي سائرِ الأنْكِحَةِ الفاسدةِ، ولو لم تَجْرِ مَجْراها ما] (1) وَجَبَ شيءٌ؛ لأنَّه برِضَا المُسْتَحِقِّ.
3275 -
مسألة: (والواجِبُ مَهْرُ المِثْلِ)
وهو قولُ أكثرِ الفقهاءِ؛ لأنَّه وَطْءٌ يُوجِبُ المَهْرَ، فأوْجَبَ مَهْرَ المِثْلِ بكَمالِه،1