وَلَا مَدْخَلَ لِلنِّسَاءِ فِى شَهَادَةِ الْفَرْعِ.
وَعَنْهُ، لَهُنَّ مَدْخَل.
الآخر.
فعلى قَوْلِ الشافعىِّ، إن ثَبَت الحقُّ بشَهادةِ رَجل وامرأتَيْن، وجَبَ أن يكونَ شُهودُ الفَرعِ سِتَّة، وإن كان ثَبَتَ بأربعِ نِسْوَة، وجَبَ أن يكونَ شُهودُ الفَرْعِ ثمانيةً، وإن كان المشْهودُ به زِنًى، خُرِّجَ فيه خمسةُ أقْوالٍ؛ أحدُها، لا مَدْخلَ لشَهادةِ الفَرْعِ في إثْباتِه.
والثانى، يجوزُ، ويَجِبُ أن يكونَ شُهودُ الفَرْعِ سِتَّةَ عشر.، فيَشْهَدَ على كُلِّ واحدٍ مِن شُهودِ الأصْلِ أربَعة.
الثالث، يَكْفِى ثَمانيةٌ.
والرابعُ، يكونُون أربعةً، يَشْهدونَ على كلِّ واحدٍ.
والخامِس، يَكْفِى شاهِدَان يَشْهَدان على كلِّ واحدٍ مِن شهودِ الأصْلِ.
وهذا إثْبات لحدِّ الزِّنى بشاهِدَيْنِ، وهو بَعِيدٌ.
فصل: فإن شَهِدَ بالحقِّ شاهِدُ أصْل، وشاهِدَا فَرْع، يَشْهدان على شَهادةِ أصلٍ آخَرَ، جازَ.
وإن شَهِدَ شاهدُ أصل، وشاهدُ فَرْع، خُرِّجَ فيه ما ذكَرْنا من الخلافِ مِن قبلُ.
فصل: وإن شَهِدَ شاهدُ أصلٍ، ثم شَهِدَ هو وآخَرُ فَرْعًا على شاهدِ أصْل آخَرَ، لم تُفِدْ شَهادتُه الفَرْعِيةُ شيئًا، وكان حُكْمُ ذلك حُكْمَ ما لو شَهِدَ على شَهادتِه شاهدٌ واحدٌ.
5072 -
مسألة: (ولا مَدْخَلَ للنِّساءِ في شَهادَةِ الفَرْعِ. وعنه،
..................................
لَهُنَّ مَدْخَلٌ) [اخْتَلَفَتِ الروايَةُ؛ هل الذُّكُورِيَّةُ شَرْط في شُهودِ الفَرْعِ أم لا؟ فعنه، أنَّها شرط] 1، فلا يُقْبَلُ في شُهودِ الفَرْعِ نِساءٌ بحالٍ، سواءٌ كان الحقُّ ممَّا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ أوْ لا.
وهذا قول الشافعىِّ، ومالكٍ، والثَّوْرِىِّ؛ لأنَّهم يُثْبِتونَ بشَهادتِهم 2 شُهودَ الأصْلِ دونَ الحقِّ.
وليس ذلك بمالٍ، ولا المقْصودُ منه المالَ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ، فأشْبَهَ القِصاصَ والحَدَّ.
والثانيةُ، لَهُنَّ مَدْخَل، فيما كانَ المشْهودُ 3 به يَثْبُتُ بشَهادَتِهنَّ في الأصْلِ.
قال حَرْبٌ: قيل لأحمدَ: فشَهادةُ امْرأتَيْن على شَهادةِ امْرأتَيْن، تجوزُ؟ قال: نعم.
يعنى إذا كان معهما رَجلٌ.
وذكَرَ الأوْزاعِىُّ، قال: سمِعْتُ نُمَيْرَ بنَ أوْسٍ 4 يُجِيزُ شَهادةَ المرأةِ على شَهادةِ المرأةِ.
ووَجْهُه أنَّ المقْصودَ بشَهادَتِهِنَّ إثْباتُ الحقِّ الذى شَهِدَ به شُهودُ
فَيَشْهَدُ رَجُلَانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأتيْنِ، أو رَجُلٌ وَامْرَأتانِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتيْنَ.
الأصْلِ»، [فقُبِلتْ فيه شَهادَتُينَّ، كالبيع.
ويفارِقُ الحَدُّ والقِصاصَ، فإنَّه ليس القَصْد مِن الشهادةِ به إثباتَ مالٍ بحالٍ.
فأمّا شهودُ الأصلِ] 1، فيَدْخُل النِّساءُ فيه، فيَجوزُ أن يَشْهَدَ رَجلان على رجلٍ وامْرأتَيْن، [في كُلِّ حَقٍّ ثبتَ بشهادتِهنَّ مع الرجالِ، في قولِ أكثرِ أهلِ العلم.
وأن يَشْهَدَ رجلٌ وامرأتان على رجلٍ وامرأتين] 2. وذكَرَ أبو الخَطَّابِ رِوايةً أخْرَى، أن النِّساءَ ليس لهُنَّ مَدْخَلٌ في الشَّهادةِ على الشَّهادةِ؛ لأنَّ فيها ضَعْفًا؛ لِما ذكَرْنا مِن قبلُ، فلا مَدْخَلَ لهنَّ فيها؛ لأنَّها
وَفَالَ الْقَاضِى: لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ عَلَى رَجُلٍ وَامْرَأَتَيْنِ.
تَزْدادُ بشَهادَتِهِن ضَعْفًا، فاعْتُبِرَتْ تَقْوِيتُها باعْتِبارِ الذُّكورِيَّةِ فيها.
فعلى هذه الروايةِ لَا تَكُن أصُولًا ولا فُروعًا.
ولَنا، أنَّ شُهودَ الفَرْعِ إن كانوا يُثْبِتونَ شَهادةَ الأصُولِ، فهى تَثْبُتُ بشَهادَتِهمِ، وإن كانوا يُثْبِتُونَ نَفْسَ الحقِّ، فهو يَثْبُتُ بشهادَتِهِم، ولأنَّ النِّساءَ يَشْهَدْن بالمالِ، أو ما يُقْصَدُ به المالُ، فيَثْبُتُ بشَهادتِهنَّ, كما لو أدَّيْنَها عندَ الحاكمِ.
وما ذُكِرَ للرِّوايةِ الأخْرَى لا أصْلَ له.
5073 -
مسألة: (قال القاضِى: لَا تَجُوزُ شهادةُ رَجُلَيْنِ على)
نَصَّ عَلَيْهِ احْمَدُ.
قَالَ أبو الْخَطَّابِ: وَفِى هَذِهِ الرِّوَايَةِ سَهْوٌ مِنْ نَاقِلِهَا.
وَلَا يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أنْ يَحْكُمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَىِ الْفَرْعِ، حَتَّى تَثْبُتَ عِنْدَهُ عَدَالتهُمَا، وَعَدَالَةُ شَاهِدَىِ الْأصْلِ.
شهادَةِ (رَجُل وَامْرَأتيْنِ.
نَص عليه أحمدُ.
وقال أبو الخَطابِ: في هذه الرِّوايةِ سَهْوٌ مِن ناقِلِها).
5074 -
مسألة: (ولا يَجُوزُ للحاكِمِ أن يَحْكُمَ بشهادةِ شاهِدَىِ الفَرْعِ، حَتى تَثْبُت عندَه عَدالَتُهَما، وعدالَةُ شاهِدَىِ الْأصْلِ)
وذلك
وَإنْ شَهِدَا عِنْدَهُ، فَلَمْ يَحْكُمْ حَتَّى حَضَرَ شُهُودُ الأصْلِ، وَقَفَ الْحُكْمُ عَلَى سَمَاعِ شَهَادَتِهِمْ.
لأنَّ الحُكْمَ يَنْبَنِى على الشَّهادَتَيْن جميعًا، فاعْتُبِرَتِ الشُّروطُ في كلِّ واحدٍ منهما.
ولا نَعْلَمُ في هذا خلافًا.
فإن عَدَّلَ شُهودَ الأصْلِ شُهودُ الفَرْعِ، فشهِدَا بعَدالتِهما، وعلى شَهادتِهما، جازَ، بغيرِ خلافٍ نعْلَمُه.
وإن لم يَشْهدَا بعدَالَتِهما، جازَ، ويتَوَلَّى الحاكِمُ ذلك، فإذا عَلِمَ عَدَالَتَهما حَكَمَ، وإن لم يَعْرِفْهما، [بحثَ عنهما] (1). وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وتال الثَّوْرِىُّ، وأبو يوسفَ: إن لم يُعَدِّلْ شَاهِدَا الفَرْعِ شاهِدَىِ الأصْلِ، لم يَسْمَعِ الحاكِمُ شَهادَتَهما؛ لأنَّ تَرْكَ تَعْدِيله يَرْتابُ به الحاكمُ.
ولا يَصِحُّ ذلك؛ لأنَّه يجوزُ أن لا يَعْرِفا ذلك، فيُرْجَعُ فيه إلى بَحْثِ الحاكمِ، ويجوزُ أن يَعْرِفا (2) عَدالَتَهما ويَتْرُكاها، اكْتِفاءً بما يَثْبُتُ عندَ الحاكمِ مِن عَدالَتِهما.
5075 -
مسألة: (وإن شَهِدَا عندَه، فلم يَحْكُمْ حتَّى حَضَر شُهُودُ الأصْلِ، وَقَف الحُكْمُ على سَماعِ شهادَتِهم)
لأنَّه قَدَرَ على الأصْلِ قبلَ العمَلِ بالبَدَلِ، فأشْبَهَ المُتَيَمِّمَ إذا قَدَر على الماءِ، فلا تَصِحُّ صَلاُته حتى يَتَوَضَّأَ.12
وإنْ حَدَثَ مِنْهُمْ مَا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، لَمْ يَجُزِ الْحُكْمُ.
[352 ظ] وَإنْ حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمَا، ثُمَّ رَجَعَ شُهُودُ الْفَرْعِ، لَزِمَهُمُ الضَّمَانُ.
وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الْأصْلِ، لَمْ يَضْمَنُوا.
وَيَحْتَمِلُ أنْ يَضْمَنُوا.
5076 - مسألة: (وإن حَدَثَ منهم ما يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهَادَةِ، لم يَجُزِ الحُكْمُ)
لا بُدَّ مِن اشْتِراطِ اسْتِمْرارِ العَدالَةِ في الجميعِ إلى اسْتِمرارِ (1) الحُكْمِ؛ لِما ذكَرْنا في شاهدِ (2) الأصْلِ قبلَ هذا.
فعلى هذا، إن رَجَعُوا قبلَ الحُكْمِ، لم يَحْكُمْ بها؛ لأنَّ الحُكْمَ يَنْبَنِى عليها، فأشْبَهَ ما لو فسَقَ شُهودُ الفَرْعِ أو رَجعُوا.
5077 -
مسألة: (فإن حَكَمَ بشَهادَتِهما، ثم رَجَع شُهُودُ الفَرْعِ، لَزِمَهم الضَّمانُ)
لأنَّ الإِتْلافَ كان بشَهادَتِهم، فلَزِمَهم الضَّمانُ, كما لو أتْلَفوا بأيْدِيهم.
5078 -
مسألة: (فإن رَجَع شُهُودُ الأصْلِ، لم يَضْمَنُوا)
لأنَّ12
..................................
الإتْلافَ كان بشَهادةِ غيرِهم، فلا يَلْزَمُهم ضَمان، كالمُتَسَبِّبِ مع المُباشِرِ، ولأنَّهم لم يُلْجِئُوا الحاكمَ إلى الحُكْمِ (ويَحْتَمِلُ أن يَضْمَنُوا) لأنَّ الحُكْمَ يُضافُ إليهم، بدليلِ أنَّه تُعْتَبَرُ عَدالتهم، فلَزِمَهم الضَّمانُ، كما لو حُكمَ بشَهادتِهم، ثم رَجعوا، ولأنَّهم سَبَبٌ في الحُكْمِ، فيَضْمَنُوا، كالمُزَكِّين.
فصل: فإن ماتَ شُهودُ الأصْلِ أو الفَرْعِ، لم يَمْنَعِ الحُكْمَ، وكذلك لو ماتَ شُهودُ الأصْلِ قبلَ أداءِ الفُروعِ شهادَتَهم 1، لم يَمْنَعْ مِن أدائِها، والحُكْمِ بها؛ لأنَّ مَوْتَهم مِن شَرْطِ سَماعِ شَهادةِ الفُروعِ
فَصْلٌ: وَمَتَى رَجَعَ شُهُودُ الْمَالِ بَعْدَ الْحُكْمِ، لَزِمَهُمُ الضمَانُ، وَلَمْ يُنْقَضِ الْحُكْمُ، سَوَاء مَا قَبْلَ الْقَبْضِ وَبَعْدَهُ، وَسَوَاءٌ كَانَ الْمَالُ قَائِمًا أوْ تَالِفًا.
والحُكمِ، فلا يجوزُ جَعْلُه مانِعًا، وكذلك إن جُنُّوا؛ لأنَّ جُنونَهم بمَنْزلةِ مَوْتِهم.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه الله: (ومتى رَجَعَ شُهودُ المالِ بعدَ الحُكمِ، لَزِمَهم الضَّمانُ، ولم يُنْقَضِ الحُكْمُ، سواءٌ كان قبلَ القضاءِ أو بَعْدَه، وسَواءٌ كان المالُ قائمًا أو تَالِفًا) أمَّا الرُّجوعُ به على المَحْكومِ له، فلا نعْلَمُ بينَ أهلِ العلمِ فيه 1 خِلافًا، أنَّه لا يَرْجِعُ به عليه، ولا
..................................
يُنْقَضُ الحُكْمُ في قولِ أهلِ الفُتْيَا مِن عُلَماءِ الأمْصارِ.
وحُكِىَ عن سعيدِ ابنِ المُسَيَّبِ، والأوْزاعِىِّ، أنَّهما قالا: يُنْقَضُ الحكمُ [248/ 8 ظْ] وإنِ اسْتُوفِىَ الحقُّ؛ [الأنَّ الحَقّ] 1 ثَبَت بشَهادتِهما، فإذا رَجعا، زالَ ما ثَبَت به الحكمُ, كما لو تَبَيَّنَ أنَّهما كانا كافِرَيْن.
ولَنا، أنَّ حقَّ المشْهودِ له وجَبَ له، فلا يسْقُطُ بقَوْلِهما, كما لو ادَّعَياه لأنْفُسِهما، يُحَقِّقُ هذا أن حَقَّ الانسانِ لا يَزُولُ إلَّا ببَينةٍ أو إقْرارٍ، ورُجوعُهما ليس بشَهادةٍ، ولهذا لا يَفْتَقِرُ إلى لَفْظِ الشَّهادةِ، ولا هو إقْرار مِن صاحب الحَقِّ، وفارَقَ ما إذا تَبَينَ أنَّهما كانا كافِرَيْن؛ لأنَّنا تَبَيَّنَّا أنه لم يُوجَدْ شَرْطُ الحُكْمِ، وهو شَهادةُ العُدولِ، وفى مسْأَلَتِنا لم يَتَبَيَّنْ ذلك؛ لجوازِ أن يكونَا عَدْلَيْن صادقَيْن في شَهادَتِهما، وإنَّما كذَبا في رُجوعِهما، ويُفارِقُ العُقوباتِ، حيث لا تُسْتَوْفَى؛ لأنَّها تُدْرَأْ بالشُّبُهاتِ.
وأمّا الرُّجوعُ على الشّاهِدَيْن به، فهو قولُ اكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم مالك، وأصْحابُ الرَّأى.
وقولُ الشافعىِّ القَديمُ، وقال في الجديدِ: لا يَرْجِعُ عليهما بشيءٍ، إَلَّا أن يشْهَدَا بعِتْقِ عبدٍ، فيَضْمَنا قِيمَتَه؛ لأنَّه لم يُوجَدْ منهما إتْلافٌ للمال، ولا يَدٌ عادِيَةٌ عليه، فلم يَضْمَنا, كما لو رُدَّتْ شَهادَتُهما.
ولَنا، أنَّهما أقَرَّا [أنَّهما أخْرجَا] 2 مالَه مِن يَدِه بغيرِ حقٍّ، وحالَا بينَه وبينَه، فلَزِمَهما الضَّمان،
كما لو شَهِدَا بعِتْقِه، ولأنَّهما أزالَا يَدَ السيِّدِ عن عبدِه بشَهادتِهما المَرْجوعِ
وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الْعِتْقِ، غَرِمُوا الْقِيمَةَ.
عنها، فأشْبَهَ ما لو شَهِدَا بحُرِّيته، ولأنَّهما تسَبَّبا إلى إتْلافِ حَقِّه بشَهادَتِهما بالزُّورِ عليه، فلَزِمَهما الضَّمانُ، كشاهِدَىِ القِصاصِ.
يُحَقِّقُ هذا، أنَّه إذا لَزِمَهما القِصاصُ الذى يُدْرَأ بالشُّبُهاتِ، فوُجوبُ المالِ أوْلَى.
وقولُه: إنَّهما ما أتْلَفا المالَ.
يَبْطُلُ بما إذا شَهِدَا بعِتْقِه، فإن الرِّق في الحَقِيقَةِ لا يزُولُ بشَهادةِ الزُّورِ، وإنَّما حالَا بينَ سيِّدِه وبينَه، وفى مَوْضعِ إتْلافِ المالِ، فهُما تَسَبَّبا إلى تَلَفِه، فلَزِمَهما ضَمانُ ما تَلِفَ بسبَبِهما، كشَاهِدَىِ القِصاصِ، وشُهودِ الزِّنَى، وحافِرِ البِئْرِ، وناصِبِ السِّكِّينِ.
5079 -
مسألة: (وإن رَجَعَ شُهُودُ العِتْقِ، غَرِمُوا القِيمَةَ)
[أمّا إذا شَهِدَا بالعَبْدِ أو الأمَةِ لغيرِ مالِكِه، فالحُكْمُ فيه] 1 كالحُكْمِ في الشَّهادةِ بالمالِ، على ما ذكَرْنا مِن الخلافِ؛ لأنهما مِن جُمْلَةِ المالِ.
وإن شَهِدَا بالحُرِّيَّةِ ثم رَجَعَا عن الشَّهادةِ، لَزِمَهما غَرامةُ قِيمَتِهما لسَيِّدِهما، بغيرِ خلافٍ بينَهم فيه، فإنَّ المُخالِفَ في التى قبلَها هو الشافعىُّ، وقد وافَقَ هاهُنا، وهو حُجَّةٌ عليه فيما خالَفَ فيه.
ويَغْرَما القِيمَةَ؛ لأنَّ العَبِيدَ مِن المتقَوِّماتِ.
وَإنْ رَجَعَ شُهُودُ الطَّلاقِ قَبْلَ الدُّخُولِ، غَرِمُوا نِصْفَ الْمُسَمَّى، وَإنْ كَانَ بَعْدَهُ، لَم يَغْرَمُوا شَيْئًا.
5080 - مسألة: (وإن رَجَعَ شهود الطَّلاق قبلَ الدُّخول، غَرِموا نِصْفَ المسَمَّى، وإن كان بَعْدَه، لم يَغْرَموا شَيْئًا)
إذا شَهِدَا بطَلاقِ امرأةٍ تَبِين به، فحَكَمَ الحاكِم بالفرْقَةِ، ثم رَجَعا عن الشَّهادةِ، وكان قبلَ الدُّخولِ، فالواجِبُ عليهما نِصْفُ المُسَمَّى.
وبهذا قال أبو حنيفةَ.
وقال الشافعى في أحَدِ قَوْلَيْه: يجبُ مَهْرُ المِثْلِ؛ لانهما أتْلَفا عليه البُضْعَ، فلَزِمَهما عِوَضُه، وهو مَهْرُ المِثْلِ.
وفى القولِ الآخر، يَلْزَمُهما نِصْفُ مَهْرِ المِثْلِ؛ لأنَّه إنَّما مَلَكَ 1 نِصْفَ البُضْعِ، بدليلِ أنَّه إنَّما يجِب عليه
..................................
نِصْفُ المَهْرِ.
ولَنا، أنَّ خُروجَ البُضْعِ مِن مِلْكِ الزَّوجِ غيرُ مُتَقَوَّم، بدَليلِ ما لو أخْرجَه من مِلْكِه برِدَّتِها، أو 1 إسْلامِها، أو قَتْلِها نَفْسَها، فإنَّها لا تَضْمَنُ شيئًا، ولو فَسَخَتْ نِكاحَها قبلَ الدُّخولِ، برَضاعِ مَن يَنْفَسِخُ به نِكاحُها، لم يَغْرَمْ شيئًا، وإنَّما يجبُ نِصْفُ المُسَمَّى 2؛ لأنَّهما ألْزَماه للزَّوْجِ بشَهادتِهما، وقرَّراه 3 عليه, كما يَرْجِعُ به على مَن 4 فَسَخَ نكاحَه برَضاعٍ أو غيرِه.
وقولُه: إنَّه ملكَ نِصْفَ البُضْعِ.
غيرُ صَحيحٍ؛ فإنُّ البُضْعَ لا يجوزُ تَمْلِيكُ 5 نِصْفِه، ولأنَّ العَقْدَ ورَدَ على جَمِيعِه، والصَّداقُ واجب جميعُه، ولهذا تَمْلِكُه المرأةُ إذا قَبَضَته، ونَماؤه لها، وتَمْلِكُ طَلَبَه إذا لم تَقْبِضْه، وإنَّما يَسْقُطُ نِصْفه بالطَّلاقِ.
وأمَّا إن كان 6 الحكمُ بالفُرْقَةِ بعدَ الدُّخولِ، فليس عليهما
وإنْ رَجَعَ شُهُودُ القِصَاصِ أوِ الْحَدِّ قَبْلَ الِاسْتِيفَاءِ، لَمْ يُسْتَوْفَ، وإنْ كَانَ بَعْدَهُ، وَقَالُوا: أخْطَأْنَا.
فَعَلَيْهِمْ دِيَةُ مَا تَلِفَ، وَيَتَقَسَّطُ الْغُرْمُ عَلَى عَدَدِهِمْ، فَإن رَجَعَ أحَدُهُمْ وَحْدَهُ، غَرِمَ بِقِسْطِهِ.
ضَمانٌ.
وبه قال أبو حنيفةَ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، عليهما ضَمانُ المُسَمَّى في الصَّداقِ؛ لأنهما فَوَّتا عليه نِكاحًا وجَبَ عليه به عِوَضٌ، فكانَ عليهما ضَمانُ ما وَجَبَ به, كما قبلَ الدُّخولِ.
وقال الشافعىُّ: يَلْزَمُهما له مَهْرُ المِثْلِ؛ لأنَّهما أتْلَفا البُضْعَ عليه 1. وقد سَبَق الكَلامُ معه في هذا، ولا يَصِحُّ القياسُ على ما قبلَ الدُّخولِ؛ لأنَّهما قَرَّرَا عليه نِصْفَ المُسَمَّى، وكان بعَرَضِ 2 السُّقوطِ، وهاهُنا قد تقَرَّر المَهْرُ كلُّه بالدُّخولِ، فلم يُقَرِّرَا عليه شيئًا، ولم يُحرِجَا مِن مِلْكِه مُتَقَوَّمًا، فأشْبَهَ ما لو أخْرَجَاه مِن مِلْكِه بقَتْلِها، أو أخرَجَتْه هى برِدَّتِها.
5081 -
مسألة: (وإن رَجَعَ شُهُودُ القِصَاص أو الحَدِّ قبلَ الاسْتِيفَاءِ، لم يُسْتَوْفَ، وإن كان بعدَه، وقالوا: أخْطَأَنَا.
فعليهم دِيَةُ ما تَلِفَ، ويُقَسَّطُ الغُرْمُ على عَدَدِهم، فإن رَجَعَ أحَدُهم، غَرِمَ بقِسْطِهِ)
..................................
وجملةُ ذلك، أنَّ الشُّهودَ إذا رَجَعُوا عن شَهادَتِهم بعدَ أدائِها، لم تَخْلُ مِن ثَلاثةِ أحْوالٍ؛ أحدُها، أن يَرْجعُوا قبلَ الحُكْمِ بها، فلا يجوزُ الحكمُ بها، في قولِ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
وحُكِىَ عن أبى ثَوْرٍ، أنَّه شَدَّ عن أهلِ العلمِ، وقال: يُحْكَمُ بها؛ لأنَّ الشَّهادةَ قد أُدِّيَتْ، فلا تَبْطُلُ برُجوعِ مَن شَهِدَ بها، كما لو رَجَعا بعدَ الحُكْمِ.
وهذا فاسِدٌ؛ لأنَّ الشَّهادَةَ شَرْطُ الحُكْمِ، فإذا زَالَتْ قبلَه، لم يَجُزْ، كما لو فَسَقا، ولأنَّ رُجوعَهما يَظْهَرُ به كَذِبُهما، فلم يَجُزْ به الحكمُ، كما لو شَهِدَا 1 بقَتْلِ رجلٍ، ثم عَلِمَ حَياتَه، ولأنَّه زالَ ظَنُّه في أنَّ ما شُهِدَ به حَقٌّ، فلم يَجُزْ لَه 2 الحُكْمُ به، كما لو تَغَيَّرَ اجْتِهادُه.
وفارَقَ [ما بعدَ] 3 الحكمِ، فإنَّه تَمَّ بشَرْطِه، ولأنَّ الشَّكَّ لا ئزيلُ ما حُكِمَ به، كما لو تَغَيَّرَ اجْتِهادُه.
الحالُ الثانى، أن يَرْجِعا بعدَ الحُكْمِ وقبلَ الاسْتِيفاءِ؛ فإن كان المحكومُ به عُقوبَةً، كالحدِّ والقِصاصِ، لم يَجُزِ
..................................
اسْتِيفاؤُه؛ لأنَّ الحُدودَ تُدْرَأْ بالشُّبُهاتِ، [ورُجوعُهما مِن أعْظمِ الشُّبُهاتِ] 1، ولأنَّ المحكومَ به عُقوبَةٌ لم يَبْقَ ظَنُّ اسْتِحْقاتِها، ولا سبيلَ إلى جَبْرِها 2، فلم يَجُزِ اسْتِيفاؤُهَا، كما لو رَجَعا قبلَ الحُكْمِ.
وإن كان المحكومُ به مالًا، اسْتُوفىَ، ولم يُنْقَضِ الحكمُ، وقد ذكَرْناه.
وفارَقَ المالُ القِصاصَ والحدَّ، فإنَّه يُمْكِنُ جَبْرُه، بإلْزامِ الشاهِدِ عِوَضَه، والحَدُّ والقِصاصُ لا يُجْبَرُ بإيجابِ مِثْلِه على الشَّاهِدَيْن؛ لأنَّ ذلك ليس بِجَبْرٍ، ولا يَحْصُلُ لمَن وَجَب له منه عِوَضٌ، وإنَّما شُرِعَ للزَّجْرِ والتَّشَفِّى والانْتِقامِ، لا للجَبْرِ.
فإن قِيلَ: فلِمَ قُلْتُم: إنَّه إذا حُكِمَ بالقِصاصِ، ثم فَسَقَ الشَّاهِدُ، اسْتُوفِىَ فِى أحَدِ الوَجْهَيْن.
قُلْنا: الرُّجوعُ أعْظَمُ في الشُّبْهَةِ مِن طَرَيانِ الفِسْقِ؛ لأنَّهما يُقِرَّان أنَّ شَهادتَهما زُورٌ، وأنَّهما كانا فاسِقَيْن حين شَهِدَا، وحينَ حَكَم الحاكمُ بشَهادَتِهما، وهذا الذى طَرَأَ فِسْقُه لا يتحَقَّقُ كونُ شَهادتِه كَذِبًا، ولا أنَّه كان فاسِقًا حينَ أدَّى الشَّهادةَ،
..................................
ولا حينَ الحُكمِ بها، ولهذا لو فَسَقَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، لم يَلْزَمْه شئٌ، والرّاجِعان تَلْزَمُهما غَرامَةُ ما شَهِدَا به، فافْتَرَقا.
الحالُ الثالثُ، أن يَرْجِعا بعدَ الاسْتِيفاءِ، فإنَّه لا يَبْطُلُ الحكمُ، ولا يَلْزَمُ المَشْهودَ له شئٌ، سَواءٌ كان المَشْهودُ به مالًا أو عُقوبةً؛ لأنَّ الحُكْمَ قد تَمَّ باسْتِيفاءِ المحْكومِ به، ووُصولِ الحق إلى مُسْتَحِقِّه، ويَرْجِعُ به على الشّاهِدَيْن.
فإن كان المَشْهودُ به 1 إتْلافًا في مِثْلِه القِصاصُ، كالقتلِ والجَرْحِ، وقالا: عَمَدْنا الشَّهادةَ عليه بالزُّورِ؛ ليُقْتَلَ، أو: يُقْطَعَ.
فعليهما القِصاصُ.
وبه قال ابنُ أبى ليلَى، والأوْزاعِىُّ، والشافعىُّ، وأبو عُبَيْدٍ.
وقال أصْحابُ الرَّأْىِ: لا قَوَدَ عليهما؛ لأنَّهما لم يُباشِرَا الإتْلافَ، فأشْبَها حافِرَ البِئْرِ، إذا تَلِفَ به شئٌ.
ولَنا، أنَّ عليًّا، رَضِىَ اللهُ عنه، شَهِدَ عندَه رَجلان على رجلٍ بالسَّرِقَةِ، فقطَعَه، ثم عادَا، فقالا: أخْطَأْنا، ليس هذا السَّارِقَ.
..................................
فقال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: لو أعْلَمُ أنَّكما تَعَمَّدْتُما، لقَطَعْتُكما 1. ولا مُخالِفَ له في الصَّحابةِ، ولأنَّهما تَسَبَّبا إلى قَتْلِه وقَطْعِه، بما يُفْضِى إليه غالِبًا، فلَزِمَهما القِصاصُ، كالمُكْرَهِ، وفارَقَ الحَفْرَ، فإنَّه لا يُفْضِى إلى القَتْلِ غالبًا.
وقد ذكَرْنا هذه المسألةَ في الجِناياتِ 2. فإن قالا: عَمَدْنا الشَّهادةَ عليه، ولم نَعْلَمْ أنَّه يُقْتَلُ بهذا.
وكانا ممَّن يجوزُ أن يَجْهَلا ذلك، وجَبَتِ الدِّيَةُ في أمْوالِهما مُغلَّظَةً؛ لأنَّه شِبْهُ عَمْدٍ، ولم تَحْمِلْه العاقِلَةُ؛ لأنَّه ثَبَتَ باعْتِرافِهما.
وإن قال أحدُهما: عمَدْتُ قَتْلَه.
وقال الآخَرُ: أخْطَأْتُ.
فعلى العامِدِ نِصْفُ الدِّيَةِ مُغَلَّظَةً، وعلى الآخَرِ نِصْفُها مُخَفَّفَةً.
ولا قِصاصَ في الصَّحيحِ مِن المذهبِ.
وإن قال كُلُّ واحدٍ منهما: [عَمَدْتُ وأخْطَأَ صاحِبى.
احْتملَ وجُوبُ القِصاصِ عليهما به؛ لاعْتِرافِ كُلِّ واحدٍ منهما بعمدِ نفسِه.
واحتمل أن لا يَجِبَ إلا الدِّيَةُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما] 3 إنَّما اعْتَرفَ بعَمْدٍ شارَكَ فيه مُخْطِئًا، وهو لا يُوجِبُ القِصاصَ، والإنْسانُ إنَّما يُؤاخَذُ بإقْرارِه، لا بإقْرارِ غيرِه.
فعلى هذا، تَجِبُ عليهما دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ.
وإن قال أحدُهما: عَمَدْنا جميعًا.
وقال الآخَرُ: عَمَدْتُ وأخْطأَ صاحِبى.
فعلى الأوَّلِ القِصاصُ، وفى الثّانى وَجْهان، كالتى قبلَها.
وإن قالا: أخْطَأْنا.
فعليهما الدِّيَةُ مُخَفَّفَةً في
..................................
أمْوالِهما؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْترافَ.
وإن قال أحدُهما: عَمَدْنا معًا.
وقال الآخَرُ: أخْطَأْنا معًا.
فعلَى الأوَّلِ القِصاصُ، وعلى الثانى نِصْفُ الدِّيَةِ مُخَفَّفَةً؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما يُؤاخَذُ بإقْرارِه.
وإن قال كلُّ واحدٍ منهما: عَمَدْتُ، ولا أدْرِى ما فَعَلَ صاحِبِى.
فعليهما القِصاصُ؛ لإِقْرارِ كلِّ واحدٍ منهما بالعَمْدِ.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ عليهما القِصاصُ؛ لأنَّ إقْرارَ كلِّ واحدٍ منهما لو انْفَرَدَ، لم يجِبْ عليه قِصاصٌ، وإنَّما يُؤاخَذُ الإنْسانُ بإقرارِه، لا بإقْرارِ صاحِبِه.
وإن قال أحدُهما: عَمَدْتُ، ولا أدْرِى ما قَصَدَ صاحِبى.
سُئِلَ صاحِبُه، فإنْ قال مثلَ قَوْلِه، فهى كالتى قبلَها، وإنْ قال: عَمَدْنا معًا.
فعليه القِصاصُ، وفى الأوَّلِ وَجْهانِ.
وإنْ قال: أخْطَأْتُ.
أو: أخْطَأْنا.
فلا قِصاصَ على واحدٍ منهما.
وإن جُهِلَ حالُ الآخَرِ؛ بجُنونٍ، أو مَوْتٍ، أو لم يُقدَرْ عليه، فلا قِصاصَ على المُقِرِّ، وعليه نَصِيبُه مِن الدِّيَةِ المُغَلَّظَةِ.
فصل: وإن رجَعَ أحدُ الشّاهِدَيْن وحدَه، فالحُكْمُ فيه كالحُكْمِ في رُجوعِهما، في أنَّ الحاكمَ لا يَحْكُمُ بشَهادتِهما، إذا كان رُجوعُه قبلَ الحُكْمِ، ولا تُسْتَوْفَى العُقوبَةُ إذا رجعَ قبلَ اسْتِيفائِها؛ لأنَّ الشَّرْطَ يَخْتَلُّ برُجوعِه، كاخْتِلالِه برُجوعِهما.
وإن كان رُجوعُه بعدَ الاسْتِيفاءِ، لَزِمَه حُكْمُ إقْرارِه وحدَه، فإن أقَرَّ بما يُوجِبُ القِصاصَ، وجَبَ عليه، وإنْ أقَرَّ بما يُوجِبُ دِيَةً مُغَلَّظَةً، وجَبَ عليه قِسْطُه منها، وإنْ أَقَرَّ بالخطَأ، وجَبَ عليه قِسْطُه مِن الدِّيَةِ المُخَفَّفَةِ.
وإن كان الشُّهودُ أكثرَ
وَإِذَا شَهِدَ عَلَيْهِ سِتَّةٌ بِالزِّنَى فَرُجِمَ، ثُمَّ رَجَعَ مِنْهُمُ اثْنَانِ، غَرِ مَا ثُلُثَ الدِّيَةِ.
مِن اثْنَيْنِ في الحُقوقِ المالِيَّةِ، أو القِصاصِ، ونحوِه، فيما يَثْبُتُ بشَاهِدَيْن أو أكثرَ مِن أرْبعةٍ، فرجَعَ الزَّائِدُ منهم قبلَ الحُكْمِ أو الاسْتِيفاءِ، لم يَمْنَعْ ذلك الحكمَ ولا الاسْتِيفاءَ؛ لأنَّ ما بَقِىَ مِن البَيِّنَةِ كافٍ في إثْباتِ الحُكْمِ واسْتِيفاثِه.
وإن رَجَعَ بعدَ الاسْتِيفاءِ، فعليه القِصاصُ إن أقَرَّ بما يُوجِبُه، أو قِسْطُه مِن الدِّيَةِ أو مِن المُفَوَّتِ بشَهادتِهم إن كان غيرَ ذلك.
وفى ذلك اختلافٌ، ذكَرْنا بعْضَه.
فصل: وكلُّ مَوْضِعٍ وجَبَ الضَّمانُ على الشُّهودِ بالرُّجوعِ، فإنَّه يُوَزَّعُ بينَهم على عدَدِهم، قَلُّوا أو كَثُروا.
قال أحمدُ في رِوايةِ ابنِ مَنْصورٍ: إذا شَهِدَ بشَهادةٍ، ثم رجَعَ وقد أتْلَفَ مالًا، فإنَّه ضامِنٌ بقَدْرِ ما كانوا في الشَّهادةِ، فإن كانوا اثْنَيْنِ، فعليه النِّصْفُ، وإن كانوا ثَلاثةً، فعليه الثُّلُثُ.
وعلى هذا، لو كانوا عشَرَةً، فعليه العُشرُ.
فإن رجَعَ أحدُهم وحدَه، غَرِمَ بقِسْطِه، على ما ذكَرْنا، وفيه اخْتلافٌ يُذْكَرُ إن شاءَ اللهُ تعالى.
فإذا شَهِدَ أربعةٌ بالقتلِ، فقُتِلَ المَشْهودُ عليه، ثم رجَعَ واحدٌ، فعليه الرُّبْعُ إن قال: أخْطَأْنا.
وإن رجَعَ اثْنانِ، فعليهما النِّصْفُ.
5082 -
مسألة: فإذا شَهِدَ سِتَّةٌ بِالزِّنَى على مُحْصَنٍ،
فَرُجِمَ
وَإِنْ رَجَعَ الْكُلُّ، لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا.
بشَهادَتِهم، ثم رَجَع واحِدٌ، فعليه القِصاصُ أو سُدْسُ الدِّيَةِ.
وإن رَجَع اثْنَانِ، فعليهما القِصاصُ أو ثُلُثُ الدِّيَةِ.
وبهذا قال أبو عُبَيْدٍ.
وقال أبو حنيفةَ: إن رجَعَ واحدٌ أو اثْنان، فلا شئَ عليهما؛ لأنَّ بَيِّنَةَ الزِّنَى قائمَةٌ، فَدَمُه غيرُ مَحْقُونٍ، وإن رجَعَ ثلاثةٌ، فعليهم رُبْعُ الدِّيَةِ، وإن رجَعَ أربعةٌ، فعليهم نِصْفُ الدِّيَةِ، وإن رجَعَ خَمسةٌ، فعليهم ثلاثةُ أرْباعِها، وإن رجَعَ السِّتَّةُ، فعلى كلِّ واحدٍ منهم سُدْسُها.
ومَنْصوصُ الشافغىِّ فيما إذا رَجَع اثْنان، كمذهبِ أبى حنيفةَ.
واخْتلَفَ أصْحابُه فيما إذا شَهِدَ بالقِصاصِ ثلاثةٌ، فرجَعَ أحدُهم، فقال أبو إسْحاقَ: لا قِصاصَ عليه؛ لأنَّ بَيِّنَةَ القِصاصِ قائمةٌ، وهل يَجِبُ عليه ثُلُثُ الدِّيَةِ؟ على وَجْهَيْن.
وقال ابنُ
..................................
الحَدّادِ 1: عليه القِصاصُ.
وفَرَّقَ بينَه وبينَ الرّاجعِ مِن شُهودِ الزِّنَى إذا كان زائدًا، بأنَّ دَمَ المشْهودِ عليه بالزِّنَى غيرُ مَحْقُونٍ، وهذا دمُه مَحْقُونٌ، وإنَّما أُبِيحَ دَمُه لوَلِىِّ القِصاصِ وحْدَه.
واخْتلَفوا فيما إذا شَهِدَ بالمالِ ثلاثةٌ، فرَجَعَ أحدُهم، على وَجْهَيْن؛ أحدُهما، يَضْمنُ الثُّلُثَ.
والثانى، لا شئَ عليه.
ولَنا، أنَّ الإتْلافَ حصَلَ بشَهادتِهم، فالرّاجِعُ يُقِرُّ بالمُشارَكَةِ فيه عَمْدًا عُدْوانًا لِمَن 2 هو مِثْلُه في ذلك، فلَزِمَه القِصاصُ، كما لو أقَرَّ بمُشارَكَتِهم في مُباشرَةِ قَتْلِه، ولأنَّه أحدُ مَن قُتِلَ المشْهودُ عليه بشَهادتِه، فأشْبَهَ الثانَى مِن شُهودِ القِصاصِ، والرابعَ مِن شُهودِ الزِّنَى، ولأنَّه أحدُ مَن حصَلَ الإتْلافُ بشَهادتِه، فلَزِمَه مِن الضَّمانِ بقِسْطِه، كما لو رجَعَ الجميعُ.
وقولُهم: إنَّ دمَه غيرُ مَحْقُونٍ.
[غيرُ صَحيحٍ] 3؛ فإنَّ الكلامَ فيما إذا قُتِلَ، ولم يَبْقَ له دمٌ يُوصَفُ بحَقْنٍ ولا عَدَمِه، وقيامُ الشَّهادةِ لا يَمْنَعُ وُجوبَ القِصاصِ، كما لو شَهِدَت لرجلٍ باسْتِحْقاقِ القِصاصِ، فاسْتَوْفاه، ثم أقَرَّ بأنَّه قَتَلَه ظُلْمًا، وأنَّ الشُّهودَ شُهودُ زُورٍ 4. والتَّفْريقُ بينَ القِصاصِ والرَّجْمِ بكَوْنِ دَمِ القاتلِ غيرَ
وَإِنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَاثْنَانِ بِالإِحْصَانِ، فَرُجِمَ، ثُم رَجَعَ الْجَمِيعُ، لَزِمَتْهُمُ الدِّيَةُ أَسْدَاسًا، فِى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ.
وَفِى الْآخَرِ، عَلَى شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعَلَى شُهُودِ الإِحْصَانِ [353 و] النِّصْفُ.
وَإنْ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ بِالزِّنَى، وَشَهِدَ اثْنَانِ مِنْهُمْ بِالإِحْصَانِ، صَحَّتِ الشَّهَادَةُ، فَإِنْ رُجِمَ ثُمَّ رَجَعُوا عَنِ الشَّهَادَةِ،
مَحْقُونٍ، لا يَصِحُّ؛ لأنَّه غيرُ مَحْقُونٍ بالنِّسْبَةِ إلى مَن قَتَلَه، ولأنَّ كلَّ واحدٍ مُؤَاخَذٌ بإقْرارِه، ولا يُعْتَبَرُ قولُ شَريكِه، ولهذا لو أقَرَّ أحدُ الشَّرِيكَيْن بعَمْدِهما 1، وقال الآخَرُ: أخْطَأْنا.
وجبَ القِصاصُ على المُقِرِّ 2 بالعَمْدِ.
5083 -
مسألة: (وإن شَهِدَ أرْبَعَةٌ بالزِّنَى، واثْنانِ بالإِحْصانِ، ثم رَجَع الجَمِيعُ، لَزِمَتْهم الدِّيَةُ أسْداسًا، في أحَدِ الوَجْهَيْن.
وفِى الآخَرِ، على شُهُودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعلى شُهُودِ الإِحْصَانِ النِّصْفُ.
فإن شَهِدَ أرْبَعَةٌ بِالزِّنى، وشَهِدَ اثْنَانِ منهم بالإِحْصَانِ، صَحَّتِ الشَّهَادَةُ، فإن رُجِمَ ثم
فَعَلَى مَنْ شَهِدَ بِالإِحْصَانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِى، يَلْزَمُهُمْ ثَلَاَثةُ أَرْبَاعِهَا.
رَجَعُوا عن الشَّهادَةِ، فعلى مَن شَهِدَ بالإِحْصانِ ثُلُثَا الدِّيَةِ، على الوَجْهِ الأوَّل.
وِعلى الثَّانِى، يَلْزَمُهُم ثَلَاَثةُ أَرْبَاعِهَا) وجملةُ ذلك، أنَّه إذا شَهِدَ أربعةٌ بالزِّنى، واثْنان بالإِحْصانِ [صَحَّتِ الشَّهادَةُ.
فإن رُجِمَ] 1، ثمِ رَجعُوا عن الشَّهادةِ، فالضَّمانُ على جَمِيعِهم.
وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ على شُهودِ الإِحْصانِ؛ لأنَّهم شَهِدُوِا بالشَّرْطِ دونَ السَّبَبِ المُوجِبِ للقَتْلِ، وإنَّما يَثْبُتُ ذلك بشَهادةِ الزِّنَى.
ولأصْحابِ الشافعىِّ وَجْهان كالمَذْهَبَيْنِ.
ولَنا، أنَّ قتلَه حصَلَ بمجموعِ الشَّهادَتَيْن 2، فتجِبُ الغَرامَةُ على الجميعِ، كما لو شَهِدُوا جميعًا على الزِّنَى.
وفى كَيْفِيَّةٍ الضَّمانِ وَجْهان؛ أحدُهما، يُوَزَّعُ عليهم على عَدَدِ رُءوسِهم، كشُهودِ الزِّنَى؛ لأنَّ القتلَ حصَلَ مِن جميعِهم.
والثانى، على شُهودِ الزِّنَى النِّصْفُ، وعلى شُهودِ
..................................
الإحْصانِ النِّصْفُ؛ لأنَّهما حِزْبان، فلكلِّ حِزْبٍ نِصْفٌ.
فإن شَهِدَ أرْبعةٌ بالزِّنَى، واثْنان منهم بالإِحْصانِ، ثم رَجعُوا، فعلى الوَجْهِ 1 الأوَّلِ، على شاهِدَىِ الإِحْصانِ الثُّلُثانِ، وعلى الآخَرَيْن 2 الثُّلُثُ؛ لأنَّ عِلى شاهِدَىِ الإِحْصانِ الثُّلُثَ لشَهادتِهما به، والثُّلُثَ لشَهادَتِهما بالزِّنى، وعلى الآخَرَيْن الثُّلُثُ لشَهادتِهما بالزِّنَى وحْدَه.
وعلى الوَجْهِ الثانى، على شهودِ الإِحْصانِ ثلاثةُ أرْباعِ الدِّيَةِ؛ لأنَّ عليهما النِّصْفَ لشَهادتِهما بالإِحْصانِ، ونِصْفَ الباقى لشَهادتِهما بالزِّنَى.
ويَحْتَمِلُ أن لا يَجِبَ على شاهِدَى الإِحْصانِ إلَّا النِّصْفُ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهما جَنَى جِنايَتَيْنِ، وجَنَى كلُّ واحدٍ مِن الآخَرَيْن جِنايةً واحدةً، فكانتِ الدِّيَةُ بينَهم على عددِ رُءوسِهم، لا على عَدَدِ جِناياتِهم، كما لو قَتَلَ اثْنان واحدًا، جَرَحَه أحدُهما جُرْحًا، والآخَرُ اثْنَيْنَ.
..................................
فصل: وإذا حَكَمَ الحاكمُ في المالِ برَجُلٍ وامرأتَيْنِ، ثم رجَعُوا عن الشَّهادة، تَوَزَّعَ الضَّمانُ عليهم، على الرَّجُلِ نِصْفُه، وعلى كلِّ امرأةٍ رُبْعُه.
وَإن رجَعَ أحدُهم وحْدَه، فعليه مِن الضَّمانِ حِصَّتُه.
وإن كان الشُّهودُ رَجُلًا وعشْرَ نِسْوةٍ، فرَجَعوا عن شَهادتِهم، فعلى الرَّجُلِ السُّدْسُ، وعلى كلِّ امرأةٍ نصفُ السُّدسِ.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ؛ لأنَّ كلَّ امْرأتَيْنِ كرَجُلٍ، فالعَشْرُ كخَمْسَةِ رجالٍ.
ويَحْتَمِلُ أن يجبَ عليْهِنَّ النِّصْفُ، وعلى الرجلِ النِّصْفُ.
وبهذا قال أبو يوسفَ، ومحمدٌ؛ لأنَّ الرجلَ نصفُ البَيِّنَةِ، بدَليلِ أنَّه لو رجَعَ وحْدَه قبلَ الحكمِ، كان كرجُوعِهنَّ كُلِّهنَّ، فيكونُ الرَّجُلُ حِزْبًا والنِّساءُ حِزْبًا.
فإنْ رجَعَ بعْضُ النِّسْوَةِ وحْدَه، [أو الرجلُ] 1، فعلى الرَّاجِعِ
..................................
مثلُ ما عليه إذا رجَعَ الجميعُ.
وعندَ أبى حنيفةَ وأصْحابِه، متى رجعَ مِن النِّسْوَةِ ما زادَ على اثْنَيْنِ، فليس على الرّاجِعاتِ شئٌ.
وقد مضَى الكلامُ معهم في هذا.
فصل: وإذا شَهِدَ أرْبعةٌ بأرْبَعِمائةٍ، فحكمَ الحاكمُ بها، ثم رجَعَ واحدٌ عن مائةٍ، وآخَرُ عن مائَتَيْنِ، والثالثُ عن ثلاثِمائةٍ، والرابعُ في أرْبَعِمائةٍ، فعلى كلِّ واحدٍ ممّا 1 رجَعَ عنه بقِسْطِه، فعلى الأوَّلِ خمسةٌ وعشرون، وعلى الثانى خَمْسون، وعلى اِلثالثِ خَمسةٌ وسَبْعونَ، وعلى الرّابعِ مائةٌ؛ لأنَّ كلَّ واحدٍ منهم يُقِرُّ بأنَّه فَوَّتَ على المَشْهودِ عليه رُبْعَ ما رجَعَ عنه.
ويقْتَضىِ مذهبُ أبى حنيفةَ أن لا يَلْزَمَ الرَّاجِعَ عن الثَّلاِثمِائة والأربَعِمِائة أكثرُ مِن خمْسينَ خمسينَ؛ لأنَّ المائَتَيْنِ التى 2 رجعَا 3 عنهما قد بَقِىَ بها 4 شاهِدَان.
وَإِنْ حَكَمَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ، فَرَجَعَ الشَّاهِدُ، غَرِمَ الْمَالَ كُلَّهُ.
وَيَتَخَرَّجُ أَنْ يَغْرَمَ النِّصْفَ.
5084 - مسألة: (وإذا حَكَمَ)
الحَاكِمُ (بشاهِدٍ ويَمِينٍ، فرَجَع الشّاهِدُ، غَرِمَ المالَ كُلَّه.
ويَتَخرَّجُ أن يَغْرَمَ النِّصْفَ) المنْصوِصُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، أنَّه يَضْمَنُ المالَ كلَّه، في رِوايَةِ جماعةٍ.
ويتَخرَّجُ أن يَغرَمَ 1 النِّصْفَ.
وبه قال مالكٌ، والشّافعىُّ؛ لأنَّه أحدُ حُجَّتَىِ الدَّعْوَى، فكان عليه النِّصْفُ، كما لو كانا شاهِدَيْنِ.
ولَنا، أنَّ الشاهِدَ حُجَّةُ الدَّعْوَى، فكان الضَّمانُ عليه، كالشّاهِدَيْن.
يُحَقِّقُه أنَّ اليَمِينَ قولُ
..................................
الخَصْمِ، وقولُ الخَصْمِ ليس بحُجَّةٍ على خَصْمِه، وإنَّما هو شَرْطُ الحُكْمِ، فجَرَى مَجْرَى مُطالَبَتِه للحاكمِ بالحُكْمِ، وبهذا يَنْفَصِلُ عمَّا ذكَرُوه.
وإن سَلَّمْنا أنَّها حُجَّةٌ، لكنْ إنَّما جعَلَها حُجَّةً شَهادةُ الشاهدِ، ولهذا لم يَجُزْ تَقْدِيمُها على شَهادَتِه، بخلافِ شَهادةِ الشّاهدِ الآخَرِ.
قال أبو الخَطَّابِ: ويتَخَرَّجُ أن لا يَلْزَمَه إلَّا النِّصْفُ، إذا قُلْنا بِرَدِّ اليَمِينِ على المُدَّعِى.
فصل: وإذا شَهِدَ شاهِدَان أنَّه أعْتَقَ هذا العبدَ عن ضَمانِ مائةِ في رهمٍ، وقِيمةُ العبدِ مائتانِ، فحكمَ الحاكمُ بشَهادتِهما، ثم رَجَعا، رَجَعَ السَّيِّدُ على الشّاهِدَيْن بمائةٍ؛ لأنَّها تَمامُ القِيمَةِ.
وكذلك إن شَهِدا على رجلٍ أنَّه طَلَّقٍ امْرأتَه قبلَ الدُّخولِ على مائةٍ، ونِصْفُ المُسَمَّى مائتان، غَرِ ما للزَّوجِ مائةً؛ لأنَّهما فَوَّتَاها بشَهادتِهما المرْجُوعِ عنها.
فَإِن بَانَ بَعْدَ الْحُكْمِ أَنَّ الشَّاهِدَيْنِ كَانَا كَافِرَيْنِ، أَوْ فَاسِقَيْنِ،
فصلٌ: وإن شَهِدَ رجلانِ على رَجُلٍ بنِكاحِ امرأةٍ، بصَداقٍ ذكَراه، وشَهِدَ آخَران بدُخولِه بها، ثم رَجَعُوا بعدَ الحكمِ عليه بصَداقِها، فعلى شُهودِ النِّكاحِ الضَّمانُ؛ لأنَّهم ألْزَمُوه المُسَمَّى.
ويَحْتَمِلُ أن يكونَ عليهم النِّصْفُ، وعلى الآخَرَيْن النِّصْفُ؛ لأنَّهما قَرَّراهُ، وشاهِدَا النِّكاحِ أوْجَباه، فيُقْسَمُ بينَ الأرْبعةِ أرْباعًا.
وإن شَهِدَ مع هذا شاهِدَان بالطَّلاقِ، لم يَلْزَمْهما شئٌ؛ لأنَّهما لم يُفوِّتا عليه شيئًا يَدَّعِيه، ولا أوْجَبا عليه ما لم يكُنْ عليه (1) واجِبًا.
5085 -
مسألة: (وإن بان بعدَ الحُكْمِ أنَّ الشّاهِدَيْن كانا
1
نُقِضَ، وَيُرْجَعُ بِالْمَالِ أَوْ بِبَدَلِهِ عَلَى الْمَحْكُومِ لَهُ.
وَإِنْ كَانَ الْمَحْكُومُ بِهِ إِتْلَافًا، فَالضَّمَانُ عَلَى المُزَكِّينَ.
فَان لَمْ يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ، فَعَلَى الْحَاكِمِ.
وَعَنْهُ، لَا يُنْقَضُ إِذَا كَانَا فَاسِقَيْنِ.
كَافِرَيْنِ، أو فاسِقَيْنِ، نُقِضَ، ويُرْجَعُ بِالمالِ أو ببَدَلِه على المَحْكُومِ له.
وإن كان المَحْكُومُ به إتْلافًا، فالضَّمانُ على المُزَكِّينَ.
فإن لم يَكُنْ ثَمَّ تَزْكِيَةٌ، فَعلى الحَاكِمِ.
وعنه، لا يُنْقَضُ إذا كانا فاسِقَيْنِ) وجملةُ ذلك، أنَّ الحاكمَ إذا حَكَمَ بشَهادةِ شاهِدَيْنِ، ثم بانا فاسِقَيْنِ أو كافِرَيْنِ، فإنَّ الإِمامَ ينْقُضُ حُكْمَه، ويَرُدُّ المالَ إن كان قائِمًا، أو عِوَضَه إن كان تالِفًا.
فإن تعَذَّرَ ذلك؛ لإِعْسارِه أو غيرِه، فعلى الحاكمِ، ثم يَرْجِعُ على المشْهودِ له.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرَى، لا يَنْقُضُ حُكْمَه إذا كانا فاسِقَيْن، ويَغْرَمُ الشُّهودُ المالَ.
وكذلك إذا شَهِدَ عندَه عَدْلان أنَّ الحاكِمَ قَبْلَه حكمَ بشَهادةِ فاسِقَيْنِ، ففيه الرِّوَايتان.
واخْتَلَفَ أصْحابُ الشافعىِّ فيه أيضًا.
ولا خِلافَ بينَ الجميعِ في 1 أنَّه يَنْقُضُ حُكْمَه إذا كانا كافِرَيْنِ،
.................................. ويَنْقُضُ حكمَ غيرِه إذا ثَبَت عندَه أنَّه حَكَمَ بشَهادةِ كافِرَيْنِ، فنَقِيسُ على ذلك إذا حكَمَ بشَهادةِ فاسِقَيْنِ، فإنَّ شَهادةَ الفاسِقَيْنِ مُجْمَعٌ على رَدِّها، وقد نَصَّ اللهُ تَعالى على التَبّيِّنِ فيها، فقال سبحانَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ 1. وأمَرَنا بإشْهادِ العُدولِ، فقال سبحانه: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 2. وقال سبحانه: {مِمَّن
..................................
تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ} 1. فيجبُ نَقْضُ الحُكمِ لفَواتِ العَدالةِ، كما يَجِبُ نَقْضُه لفَواتِ الإسْلامِ، ولأنَّ الفِسْقَ معْنًى لو ثَبَت عندَ الحاكمِ قبلَ الحُكمِ مَنَعَه، فإذا شَهِدَ شاهِدَان أنَّه كان مَوْجُودًا حالَ الحُكْمِ، وجَبَ نَقْضُ الحكمِ، كالكُفْرِ والرِّقِّ في العُقوباتِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ أبا حنيفةَ قال: لا يَسْمَعُ الحاكمُ الشَّهادةَ بفِسْقِ الشّاهِدَيْنِ قبلَ الحُكْمِ ولا بعدَه، ومتى جرَحَ المشْهودُ عليه البَيِّنَةَ، لم تُسْمَعْ بَيِّنَتُه بالفِسْقِ، لكنْ يُسْأَلُ عن الشّاهِدَيْن، ولا يُسْمَعُ على الفِسْقِ شَهادةٌ؛ لأنَّ الفِسْقَ لا يتعَلَّقُ به حَقُّ أحدٍ، فلا تُسْمَعُ فيه الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ.
ولَنا، أنَّه معْنًى يَتعلَّقُ به الحُكْمُ، فسُمِعَتْ فيه الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ، كالتَّزْكِيَةِ.
وقولُه: لا يَتَعلَّقُ به حَقُّ أحَدٍ.
مَمْنُوعٌ؛ فإنَّ المَشْهودَ عليه يتَعلَّقُّ حَقُّه بفِسْقِه في مَنْعِ الحُكْمِ عليه قبلَ الحكمِ، ونَقْضِه بعدَه، وتَبْرِئتِه مِن أخْذِ مالِه أو عُقُوبتِه بغيرِ حَقٍّ، فوجبَ أن تُسْمَعَ فيه الدَّعْوَى والبَيِّنَةُ، كما لو ادَّعَى رِقَّ الشَّاهدِ ولم يَدَّعِه لنَفْسِه، ولأنَّه إذا لم تُسْمَعِ البَيِّنَةُ بالفِسْقِ أدَّى إلى ظُلْمِ المشْهودِ عليه؛ [لأنَّه يُمْكِنُ أن لا يَعْرِف فِسْقَ الشّاهِدَيْنِ إلَّا شُهودُ المشْهودِ عليه] 2،
..................................
فإذا لم تُسْمَعْ عليه شَهادتُهم، وحُكِمَ عليه بشَهادةِ الفاسِقَيْن، كان ظالِمًا له.
فأمَّا إن قامتِ البَيِّنَةُ أنَّه حكَمَ بشَهادةِ والدَيْنِ، أو وَلَدَيْنِ، أو عَدُوَّيْنِ؛ فإن كان الحاكمُ الذى حَكَم بشَهادتِهما ممَّن يَرَى الحُكْمَ به، لم يَنْقُضْ حُكْمَه؛ لأنَّه حَكَم باجْتِهادِه فيما يَسُوغُ فيه الاجْتِهادُ، ولم يُخالِفْ نَصًّا ولا إجْماعًا.
فإنْ كان 1 ممَّن لا يَرَى الحُكْمَ بشَهادتِهم، نَقَضَه؛ لأنَّ الحاكِمَ يَعْتَقِدُ بُطْلانَه.
فصل: فإن كان المحكومُ به إتْلافًا، كالقَطْعِ في السَّرِقَةِ والقتلِ، ثم
..................................
بانَ أنَّهما كافِرَان، أو فاسِقَانِ، أو عَبْدان، أو أحدُهما، فلا ضَمانَ على الشّاهِدَيْن؛ لأنَّهما مُقِيمانِ على أنَّهما صادِقَان فيما شَهِدَا به، وإنَّما الشَّرْعُ مَنَعَ قَبولَ شَهادَتِهما، بخِلافِ الرّاجِعَيْنِ عن الشَّهادَةِ، فإنَّهما اعْتَرفا بكَذِبِهما.
فإنْ لم يكُنْ ثَمَّ مُزَكُّون، فالضَّمانُ على الحاكمِ أو الإِمامِ الذى تَوَلَّى ذلك؛ لأنَّه حكمَ بشَهادةِ مَن لا يجوزُ له الحُكْمُ بشَهادَتِه، ولا قِصاصَ عليه؛ لأنَّه مُخْطِئٌ، وتَجِبُ الدِّيَةُ.
وفى مَحَلِّها رِوايتان؛ إحداهما، في بيتِ المالِ.
والثانيةُ، على العاقِلَةِ.
وقد ذكَرْنا ذلك فيما مضَى.
وللشافعىِّ قَوْلان كالرِّوايَتَيْن.
فإن قُلْنا: الدِّيَةُ على العاقِلَةِ.
لم تَحْمِلْ إلَّا الثُّلُثَ فما زادَ، ولا تَحْمِلُ الكَفَّارةَ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ذلك في مَحَلِّ الوِفَاقِ، كذا ههُنا، وتكونُ الكَفَّارةُ في مالِ القاتلِ.
وإن قُلْنا: في بيتِ المالِ.
فيَنْبَغِى أن يكونَ فيه القليلُ والكثيرُ؛ لأنَّه يَكْثُرُ فيه 1 خَطَؤُه، فجَعْلُ الضَّمانِ عليه يُجْحِفُ به وإن قَلَّ، ولأَنَّ جَعْلَه في بيتِ المالِ لعِلَّةِ أنَّه نائِبٌ عنهم، وخَطَأُ النَّائِبِ على مُسْتَنِيبِه، وسواءٌ توَلَّى الحاكمُ الاسْتِيفاءَ بنَفْسِه أو أَمَرَ مَن يَتَولَّاه.
قال أصْحابُنا: وإن كان الوَلِىُّ اسْتَوْفاه، فهو كما لو
..................................
اسْتَوْفاه الحاكمُ؛ لأَنَّ الحاكِمَ سَلَّطَه على ذلك، ومَكَّنَه منه، والولِىَّ يَدَّعِى أنَّه حَقُّه.
فإن قيلَ: فإذا كانَ الوَلِىُّ اسْتَوْفَى حَقَّه، فيَنْبَغِى أن يكونَ الضَّمانُ عليه، كما لو حَكَم له بمالٍ فقَبضَه، ثم بانَ فِسْقُ الشُّهودِ، كان الضَّمانُ على المُسْتَوْفِى دونَ الحاكم، كذا ههُنا.
قُلْنا: ثَمَّ حصَلَ في يَدِ المُسْتَوْفِى مالُ المحْكُومِ عليه بغيرِ حَقٍّ، فوَجبَ عليه رَدُّه أو ضَمانُه إن تَلِفَ، وههُنا لم يحْصُلْ في يَدِه شئٌ، وإنما أتْلَفَ شيئًا بخَطَأَ الإِمامِ وتَسْلِيطِه عليه، فافْتَرَقا.
فصل: فإنْ كان ثَمَّ مُزَكُّون، مثلَ أن يَشْهَدَ بالزِّنَى أرْبَعَةٌ، فيُزَكِّيهم 1 اثْنان، فَرُجِمَ المَشْهودُ عليه، ثم بانَ أنَّ 2 الشُّهودَ فَسَقَةٌ، أو عبيدٌ، أو بعضُهم، فلا ضَمانَ على الشُّهودِ؛ لأنَّهم يَزْعُمون أنَّهم مُحِقُّون، ولم يُعْلَمْ كَذِبُهم يَقِينًا، والضَّمانُ على المُزَكِّين.
وبهذا قال أبو حنيفةَ، والشافعىُّ.
وقال القاضى: الضَّمانُ على الحاكمِ؛ لأنَّه حَكَمَ بقَتْلِه مِن غيرِ تَحَقُّقِ شَرْطِه، ولا ضَمانَ على المُزَكِّينَ؛ لأَنَّ شَهادتَهما شَرْطٌ، وليستِ المُوجِبَةَ.
وقال أبو الخَطَّابِ في «رُءوسِ المسائلِ»: الضَّمانُ على الشُّهودِ بالزِّنَى.
ولَنا، أنَّ المُزَكِّين شَهِدُوا بالزُّورِ شَهادةٌ أفْضَتْ إلى قَتْلِه، فلَزِمَهم الضَّمانُ، كشُهودِ الزِّنَى إذا رَجَعُوا، ولا ضَمانَ
وَإِنْ شَهِدُوا عِنْدَ الْحَاكِمِ بِحَقٍّ، ثُمَّ مَاتُوا، حَكَمَ بِشَهَادَتِهِمْ، إِذَا
على الحاكمِ؛ لأنَّه أمْكَنَ إحالةُ الحُكْمِ على الشُّهودِ، فأشْبَهَ ما إذا رَجَعُوا عن الشَّهادةِ.
وقولُهم: إنَّ شَهادَتَهم شَرْطٌ.
لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ مِن أصْلِنا أنَّ شُهودَ الإِحْصانِ يَلْزَمُهم الضَّمانُ وإن لم يَشْهَدُوا بالسَّبَبِ.
وقد نَصَّ عليه أحمدُ.
وقولُ أبى الخَطّابِ لا يَصِحُّ؛ لأَنَّ شُهودَ الزِّنَى لم يَرْجِعُوا، ولا عُلِمَ كَذِبُهم، بخِلافِ المُزَكِّين، فإنَّه تبَيَّنَ كَذِبُهم، وأنَّهم شَهِدُوا بالزُّورِ.
فأمّا إن تبَيَّنَ فِسْقُ المُزَكِّين، فالضَّمانُ على الحاكمِ؛ لأَنَّ التَّفْرِيطَ منه، حيثُ قَبِلَ شَهادةَ فاسِقٍ مِن غيرِ تَزْكِيَةٍ، ولا بَحْثٍ، فلَزِمَه الضَّمانُ، كما لو قَبِلَ شَهادةَ شُهودِ الزِّنَى مِن غيرِ تَزْكِيَةٍ، ثم تَبَيَّنَ كَذِبُهم.
فصل: ولو جلَدَ الإِمامُ إنْسانًا بشَهادةِ شُهودٍ، ثم بانَ أنَّهم فَسَقَةٌ، أو كَفَرَةٌ، أو عَبِيدٌ، فعلى الإِمامِ ضَمانُ ما حصَلَ بسَبَبِ الضَّرْب.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا ضَمانَ عليه.
ولَنا، أنَّها جِنايةٌ صدَرَتْ عن خَطأ الإِمامِ، فكانتْ مَضْمُونةً عليه، كما لو قَطَعَه أو قَتَلَه.
5086 -
مسألة: (وإن شَهِدُوا عندَ الْحاكِمِ بحَقٍّ، ثم ماتُوا،
ثَبَتَتْ عَدَالتهُمْ.
وَإِذَا عَلِمَ الْحَاكِمُ بِشَاهِدِ الزُّورِ، عَزَّرَهُ، وَطَافَ بِهِ فِى الْمَوَاضِعِ الَّتِى يَشْتَهِرُ فِيهَا، فَيُقَالُ: إِنَّا وَجَدْنَا هَذَا شَاهِدَ زُورٍ، فَاجْتَنِبُوهُ.
حَكَمَ بشهادَتِهم، إذا ثَبَتَتْ عَدالتُهم) لأنَّهم أدَّوُا الشَّهادةَ، أشْبَهَ ما لو كانوا أحْياءً، وكذلك إن جُنُّوا؛ لأن جُنونَهم بمَنْزلةِ مَوْتِهم.
5087 -
مسألة: (وإذا عَلِمَ الحَاكِمُ بِشاهِدِ الزُّورِ، عَزَّرَه، وَطافَ به في المَوَاضِعِ التى يَشْتَهِرُ فيها، فيُقالُ: إنَّا وَجَدْنَا هذا شَاهِدَ زُورٍ، فَاجْتَنِبُوه)
شَهادةُ الزُّورِ مِن أكْبرِ الكبائرِ، وقد نَهَى اللَّهُ عنها في كتابِه، مع نَهْيِه عن الأوْثانِ، فقال سبحانَه: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ 1. ورَوَى أبو بَكْرَةَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّ النبىَّ -صلى اللَّه عليه وسلم- قال: «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ؟».
قالوا: بَلَى يا رسولَ اللَّهِ.
قال: «الإشْرَاكُ باللَّهِ وعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ».
وكانَ مُتَّكِئًا فَجلَسَ فقال: «ألَا وَقَوْلُ الزُّورِ، وَشَهَادَةُ الزُّورِ».
فما زالَ يُكَرِّرُها، حتى قُلْنا: لَيْتَه سَكَتَ.
مُتَّفَقٌ عليه 2. ورَوَى أبو حنيفةَ،
..................................
عن مُحارِبِ بنِ دِثَارٍ، عن ابنِ عمرَ، عن النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-، أنَّه قال: «شَاهِدُ الزُّورِ، لَا تَزُولُ قَدَمَاهُ حَتَّى تَجِبَ لَهُ النَّارُ» 1. فمتى ثَبَت عندَ الحاكمِ أنَّ رَجلًا شَهِدَ بزُورٍ عَمْدًا، عَزَّرَه، وشَهَّرَه.
في قولِ أكثرِ أهلِ العلمِ.
ورُوِىَ ذلك عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه 2. وهو قولُ شرَيْحٍ، والقاسمِ ابنِ محمدٍ، وسالمِ بنِ عبدِ اللَّهِ، والأوْزاعِىِّ، وابن أبى ليلَى، ومالكٍ، والشافعىِّ.
وقال أبو حنيفةَ: لا يُعَزَّرُ، ولا يُشَهَّرُ؛ لأنَّه قَوْلُ مُنْكَرٍ وزُورٍ، فلا يُعَزَّرُ به، كالظِّهارِ.
ورَوَى عنه الطَّحاوِىُّ أنَّه يُشَهَّرُ.
وأنْكَرَه المُتَأَخِّرُون.
ولَنا، أنَّه قَوْلٌ مُحَرَّمٌ يَضرُّ به الناسَ، فأوْجَبَ العُقوبَةَ على قائلِه، كالسَّبِّ والقَذْفِ، ويُخالِفُ الظِّهارَ مِن وِجْهَيْنِ؛ أحدُهما، أنَّه يَخْتَصُّ بِضرَرِه.
والثانى، أنَّه أوْجَبَ كفَّارةً شاقَّةً هى أشَدُّ مِن التَّعْزِيرِ، ولأنَّه قولُ عمر، رَضِىَ اللَّهُ عنه، ولا نَعْلَمُ له في الصَّحابَةِ مُخالِفًا.
إذا ثَبَت ذلك، فإنَّ عُقُوبَتَه غيرُ مُقَدَّرَةٍ، وإنَّما ذلك مُفَوَّضٌ إلى رَأْىِ الحاكِمِ؛ إن رأى ذلك بالجَلْدِ، فَعَلَ، وإن رآه بحَبْسٍ أو كَشْفِ رأْسِه وتَوْبِيخِه،
..................................
فَعَل، ولا يَزِيدُ في جَلْدِه على عَشْرِ جَلَداتٍ.
وقال الشافعىُّ: لا يَزيدُ على تِسْعٍ وثلاثين.
وقال ابنُ أبى ليلَى: يُجْلَدُ خَمْسةً وسبعين سوطًا.
وهذا أحدُ قَوْلَىْ أبى يوسُفَ.
وقال الأوْزاعِىُّ في شاهِدَىِ الطَّلاقِ: يُجْلَدان مائةً، ويَغْرَمان الصَّداقَ.
ولَنا، قولُ النبىِّ -صلى اللَّه عليه وسلم-: «لَا يُجْلَدُ أَحدٌ فَوْقَ عَشْرِ جَلَدَاتٍ، إلَّا فِى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ».
مُتُّفَقٌ عليه 1. وقال القاسمُ، وسالمٌ: يُخْفقُ 2 سَبْعَ خَفَقاتٍ.
فأمَّا شُهْرَتُه بينَ الناسِ، فإنَّه يُوقَفُ في سُوقِه إن كان مِن أهلِ السُّوقِ، أو في قَبِيلَتِه إن كان مِن أهلِ القبائلِ، أو في مَسْجدِه إن كان مِن أهلِ المساجدِ، ويقولُ المُوَكَّلُ به: إنَّ الحاكمَ يَقْرأُ عليكم السَّلامَ، ويقولُ: هذا شاهِدُ زُورٍ، فاعْرِفُوه.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وأُتِىَ الوليدُ بنُ عبدِ الملكِ بشاهدِ زُورٍ، فأمرَ بقَطْعِ لِسانِه، وعندَه القاسمُ وسالمٌ، فقالا: سبحانَ اللَّهِ، بحَسْبِه أن يُخفَقَ سَبْعَ خَفَقاتٍ، ويُقامَ بعدَ العَصرِ، فَيُقالَ: هذا أبو قُبَيْسٍ، وجَدْناه شاهِدَ زُورٍ.
فَفعَلِ ذلك به.
ولا يُسَخَّمُ وَجْهُه، ولا يُرْكَبُ، ولا يُكَلَّفُ أن يُنادِىَ على نفْسِه.
ورُوِىَ عن عمرَ، رَضِىَ اللَّهُ عنه، أنَّه يُجْلَدُ أرْبعينَ