الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 415-16

كِتَابُ الشَّهادَاتِ

صفحات 415-16

..................................  فَكُلُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ» 1. ولا يُوجَدُ هذا في شَهادةِ الابنِ لأبِيه.
وعنه رِوايةٌ ثَالِثَةٌ، تُقْبَلُ شَهادةُ كُلِّ واحدٍ منهما لصاحِبِه، فيما لا تُهْمَةَ فيه؛ كالنِّكاحِ، والطَّلاقِ، والقِصاصِ، والمالِ إذا كان مُسْتَغْنًى عنه؛ لأنَّ كُلَّ واحدٍ منهما لا يَنْتَفِعُ بما يَثْبُتُ للآخَرِ مِن ذلك، فلا تُهْمَةَ في حَقِّه.
ورُوِىَ عن عمرَ بنِ الخَطَّابِ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّ شَهادَةَ كُلِّ واحدٍ منهما للآخرِ مَقْبُولَةٌ 2. ورُوِىَ ذلك عن شُرَيْحٍ 3. وبه قال عمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، وأبو ثَوْرٍ، والمُزَنِيُّ، وداودُ، وإسْحاقُ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لعُمومِ الآياتِ، ولأنَّه عَدْلٌ تُقْبَلُ شَهادتُه في غيرِ هذا الموضِعِ، فتُقْبَلُ شَهادتُه فيه، كالأجْنَبِىِّ.
ولَنا، ما رَوَى الزُّهْرِيُّ، [عن عُرْوَةَ] 4، عن عاثشةَ، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَاثِنَةٍ، وَلَا ذِي غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ، وَلَا ظَنِينٍ فِى قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ» 5. والظَّنِينُ: المُتَّهَمُ.
والأبُ مُتَّهَمٌ لوَلَدِه؛ لأنَّ مالَه كمالِه بما ذكَرْنا، ولأنَّ بينَهما بَعْضِيَّةً، فكأنَّه يَشْهَدُ لنَفْسِه، ولهذا قال عليه الصّلاةُ والسلامُ: «فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّى،

وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ، فِى أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ.
يَرِيبُنِى مَا رَابَهَا» (1). ولأنَّه مُتَّهَمٌ في الشَّهادةِ على عَدُوِّه، والخَبَرُ أخَصُّ مِن الآياتِ، فتَخْتَصُّ به.

5057 -

مسألة: (وتُقْبَلُ شَهادَةُ بعضِهِم على بَعْض، في أصَحِّ الرِّوايَتَيْنِ)

أمَّا شهادةُ أحدِهما على صاحِبِه، فتُقْبَلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
وهذا قولُ عامَّةِ أهلِ العلمِ.
قال شيْخُنا 2: ولم أجِدْ عن أحمدَ في «الجامعِ» فيه اختِلافًا؛ وذلك لقولِه تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ 3. فأمرَ بالشَّهادَةِ عليهم، ولولم تُقْبَلْ لَمَا أمرَ بها، ولأنَّها إنَّما رُدَّتْ شَهادَتُه له للتُّهْمَةِ في إيصالِ النَّفْعِ، ولا تُهْمَةَ في شهادَتِه عليه، فوَجَبَ أن تُقْبَلَ،1

..................................  كشَهادةِ الأجْنَبِيِّ، بل أَوْلَى، فإنَّ شهادَتَه لنَفْسِه لَمَّا رُدَّتْ للتُّهْمَةِ في إيصَالِ النَّفْعِ إلى نَفْسِه، كان إقْرارُه عليها مَقْبولًا.
وفيه رِوايَةٌ أُخْرَى، أنَّ شهادةَ أحدِهما لا تُقبلُ على صاحبِه.
حَكاها القاضي في «المُجَرَّدِ»؛ لأنَّ شَهادتَه غيرُ مَقْبولَةٍ له 1، فلا تُقْبَلُ عليه، كالفاسِقِ.
وقال بعضُ الشافعيةِ: لا تُقبَلُ شَهادةُ الابنِ على أبِيه في قِصاصٍ، ولا حَدِّ قَذْفٍ؛ لأنَّه لا يُقْتَلُ بقَتْلِه، ولا يُحَدُّ بقَذْفِه، فلا يَلْزَمُه ذلك.
والمذهبُ الأوَّلُ؛ لِما ذكرْنا، ولأنَّه يُتَّهَمُ له ولا يُتَّهَمُ عليه، فشهادتُه عليه أبْلَغُ في الصِّدْقِ، كشَهادتِه على نَفْسِه.
فصل: فإن شَهِدَ اثْنانِ بطلاقِ ضَرَّةِ أُمِّهِما، أو قَذْفِ زَوْجِها لها، قُبِلَت شَهادتُهما؛ لأنَّ حَقَّ أُمِّهما لا يَزْدادُ به، وسواءٌ كان المشْهودُ عليه أباهُما أو أجْنَبِيًّا، وتَوفِيرُ المِيراثِ لا يَمْنَعُ قَبُولَ الشَّهادةِ، بدليلِ قَبولِ شَهادةِ الوَارِثِ لمَوْرُوثِه.

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِصَاحِبِهِ، فِى إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ.
فصل: وتجوزُ شَهادةُ الرَّجُلِ لابنِه مِن الرَّضاعةِ، وأبيه (1)، وسائرِ أقارِبِه منها؛ لأنَّه لا نَسَبَ بينَهما يُوجِبُ الإِنْفاقَ، والصِّلَةَ، وعِتْقَ أحدِهما على صاحِبِه، وتَبسُّطَه (2) في مالِه، بخِلافِ قَرابَةِ النَّسَبِ.
واللهُ أعلمُ.

5058 -

مسألة: (وَلَا تُقْبَلُ شَهادَةُ أحَدِ الزَّوْجَيْنِ لصاحِبه، فِي إحْدَى الرِّوايَتَيْن)

هذا الذى ذكَره الخِرَقِيُّ.
وبه قال الشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ،12

..................................  ومالكٌ، وإسْحاقُ، وأبو حنيفةَ.
والرِّوايةُ الأُخْرَى، يجوزُ.
وهو قولُ شُرَيْحٍ، والحسنِ، والشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ؛ لأنَّه عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ، فلا يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادَةِ، كالإِجارَةِ.
وقال الثَّوْريُّ، وابنُ أبي ليلَى: تُقْبَلُ شَهادَةُ الرَّجُلِ لامْرأتِه؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ في حقِّه، ولا تُقْبَلُ شَهادَتُها له؛ لأنَّ يسَارَه وزِيادَةَ حَقِّها مِن النَّفَقَةِ، يحْصُلُ بشَهادَتِها له بالمالِ، فهى مُتَّهَمَةٌ لذلك.
ولَنا، أنَّ كُلَّ واحدٍ مِن الزَّوْجَيْن يَرِثُ الآخَرَ مِن غيرِ حَجْبٍ، ويتَبَسَّطُ في مالِه عادةً، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه له، كالابنِ مع أبِيه، ولأنَّ يَسَارَ الرَّجُلِ يَزِيدُ نَفَقةَ امْرأتِه، ويَسارَ المرأةِ يَزِيدُ في قِيمَةِ

وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، وَلَا الْعَبْدِ لِسَيِّدِهِ.
بُضْعِها الممْلوكِ لزَوْجِها، فكان كُلُّ واحدٍ منهما [يَنْتَفِعُ بشَهادَتِه لصاحِبِه، فلم تُقْبَلْ، كشَهادتِه لنَفْسِه.
ويتحققُ هذا أنَّ مالَ كلِّ واحِدٍ منهما] (1) يُضافُ إلى الآخَرِ، قال اللهُ تعالى: ﴿وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ﴾ (2). وقال: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ (3). فأضافَ البُيُوتَ إليهنَّ تارَةً، وإلى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أُخْرَى، وقال تعالى: ﴿لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ﴾ (4). وقال عمرُ للذى قال له: إنَّ غُلامى سَرَقَ مِرْآةَ امْرَأتِي: لا قَطْعَ عليه، عَبْدُكم سرَقَ مَالَكُم (5). ويُفارِقُ عَقْدَ الإِجارَةِ مِن هذه الوُجوهِ كلِّها.

5059 -

مسألة: (ولا تُقْبَلُ شَهَادَةُ السَّيِّدِ لِعَبْدِهِ، ولا العَبْدِ لسَيِّدِهِ)

أمّا شهادةُ السَّيِّدِ لعَبْدِه، فغيرُ مَقْبولةٍ؛ لأنَّ مالَ العَبدِ لسَيِّدِه، فشَهادتُه له شَهادةٌ لنَفْسِه، ولهذا قال النبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَنْ بَاعَ عَبْدًا، وَلَهُ12345

..................................  مَالٌ، فَمَالُهُ للبائِعِ، إلَّا أنْ يَشْترِطَهُ المُبْتَاعُ» 1. ولا نَعْلَمُ في هذا خِلافًا.
ولا تُقْبَلُ شَهادتُه له أيضًا بنِكاحٍ، ولا لأَمَتِه بطَلاقٍ؛ لأنَّ في طَلاقِ أمَتِه تَخْلِيصَها 2 له، وإباحَةَ بُضْعِها، وفى نِكاحِ العَبدِ نَفْعٌ له، ونَفْعُ مالِ الإِنسانِ نَفْعٌ له.
ولا تُقْبَلُ شَهادةُ العَبْدِ لسَيِّدِه؛ لأنَّه يتَبَسَّطُ في مالِه، ويَنْتَفِعُ به، ويتَصَرَّفُ فيه، وتجبُ نَفَقَتُه منه، ولا يُقْطَعُ بسَرِقَتِه، فلا تُقْبَلُ شَهادتُه له، كالابنِ مع أَبِيه.

وَتُقْبَلُ شَهَادَةُ الأخِ لِأَخِيهِ، وَسَائِرِ الْأَقَارِبِ، وَالصَّدِيقِ لِصَدِيقِهِ، وَالْمَوْلَى لِعَتِيقِهِ.

5060

  • مسألة: (و تُقْبَلُ شَهادةُ الأخِ لأخِيهِ، وسائِرِ الْأقارِبِ، والصَّدِيقِ لصَدِيقِه، والمَوْلَى لِعَتِيقِه) قال ابنُ المُنْذِرِ 1: أجْمَعَ أهلُ العلمِ على أنَّ شهادةَ الأخِ لأخِيه جائِزةٌ.
    رُوِىَ ذلك عن ابنِ الزُّبَيْرِ.
    وبه قال شُرَيْحٌ، وعمرُ بنُ عبدِ العزيزِ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِىُّ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وإسْحاقُ، وأبو ثَوْرٍ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
    وحَكَى ابنُ المُنْذِرِ عن الثَّوْرِىِّ، أنَّه لا تُقْبَلُ شَهادةُ كُلِّ ذِى رَحِمٍ مَحْرَمٍ.
    وعن مالكٍ، أنَّه لا تُقْبَلُ شَهادتُه لأخِيه إذا كان مُنْقَطِعًا إليه في صِلَتِه وبِرِّه؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ في حقِّه.
    وقال ابنُ المُنْذِرِ: قال مالكٌ: لا تجوزُ شَهادةُ الأخِ لأخِيه في النَّسَبِ، وتجوزُ في الحُقوقِ.
    ولَنا، عُمومُ الآياتِ، ولأنَّه عَدْلٌ غيرُ مُتَّهَمٍ، فتُقْبَلُ شَهادتُه له، كالأجْنَبِيِّ، ولا يَصِحُّ القياسُ على الوالدِ والولدِ؛ لأنَّ بينَهما بَعْضِيَّةً وقَرابةً قَوِيَّةً 2، بخِلافِ الأخِ.

..................................  فصل: وشَهادةُ العمِّ وابْنِه، والخالِ وابنِه، وسائرِ الأقارِبِ، أَوْلَى بالجَوازِ؛ فإنَّ شَهادةَ الأخِ إذا أُجيزَتْ مع قُرْبِه، كان تَنْبِيهًا على قَبُولِ شَهادةِ مَن هو أبْعَدُ منه بطرِيقِ الأَوْلَى.
وتُقْبَلُ شهادةُ أحَدِ الصَّدِيقَيْن للآخَرِ، في قَوْل عامَّةِ العُلَماءِ، إلَّا مالِكًا قال: لا تُقْبَلُ شهادةُ الصَّدِيقِ المُلاطِفِ؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا بها، فهو مُتَّهَمٌ، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه، كشَهادَةِ العَدُوِّ على عَدُوِّه.
ولَنا، عُمومُ أدِلَّةِ الشَّهادةِ، وما قالَه يَبْطُلُ بشَهادةِ الغَرِيمِ للمَدِينِ قبلَ الحَجْرِ، وإن كان رُبَّما قَضاه دَيْنَه منه 1، فَجَرَّ إلى نَفْسِه نَفْعًا أعْظمَ مِمَّا يُرْجَى ههُنا مِن الصَّديقَيْن.
وأمَّا العَداوَةُ، فسَبَبُها محْصُورٌ 2، وفي الشَّهادةِ عليه شِفاءُ غَيْظِه منه، فخالَفَ الصَّداقةَ.

فَصْلٌ: الثَّانِي، أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ نَفْعًا بِشَهَادَتِهِ، كَشَهَادَةِ السَّيِّدِ لِمُكَاتَبِهِ، وَالْوَارِثِ لِمَوْرُوثِهِ بِالْجُرْحِ قَبْلَ الانْدِمَالِ.
وتجوزُ شهادةُ الموْلَى المُعْتِق لِعَتِيقِه؛ لأنَّه لا تُهْمَةَ فيه، أشْبَهَ الأجْنَبِيَّ، ولأنَّه بمَنْزِلةِ الأخِ، وشَهادةُ الأخِ لأخِيه مَقْبُولَةٌ [على ما] 1 ذكَرْنا.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه اللهُ: (الثانى، أن يَجُرَّ إلى نَفْسِه نَفْعًا بشَهادَتِه، كشَهادةِ السَّيِّدِ لمُكاتَبِه، والوارِثِ لمَوْرُوثِه) [الجَارُّ إلى نَفْسِه، هو الذى يَنْتَفِعُ بشَهادتِه، ويَجُرُّ بها إليه نَفْعًا، كشهادةِ السَّيِّدِ لمُكاتَبِه] 2، أو العَبْدِ المَأْذُونِ له في التِّجارةِ؛ [لأنَّه عبدُه، بدليلِ قَوْلِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «المُكَاتَبُ عَبْدٌ مَا بَقِىَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ» 3. وقد ذكرْناه] (2). (و) كذلك لا تُقْبَل شَهادةُ (الوارثِ لمَوْرُوثِه بالجُرْحِ قبلَ الانْدِمالِ)

..................................  لأنَّه قد يَسْرِى الجَرْحُ إلى نَفْسِه، فتَجِبُ الدِّيَةُ لهم بشهادتِه 1. ولا تُقْبَلُ شهادةُ الشَّفيعِ بِبَيْعِ الشِّقْصِ الذى له فيه الشُّفْعَةُ؛ لأنَّه يَجُرُّ إلى نَفْسِه نَفْعًا.
ولا تُقْبَلُ شَهادَةُ الغُرَماءِ بدَيْنٍ للمُفْلِسِ أو بعَيْنٍ، ولا شَهادَتُهم للمَيِّتِ بدَيْنٍ أو مالٍ؛ فإنَّه لو ثبَت للمُفْلِسِ أو للمَيِّتِ دَيْنٌ أو مالٌ، تعَلَّقَتْ حُقوقُهم به، ويُفارِق ما لو شَهِدَ الغُرَماءُ لِحَىٍّ لا حَجْرَ عليه بمالٍ، فإنَّ شَهادَتَهم تُقْبَلُ؛ لأنَّ حَقَّهم لا يتعَلَّقُ بمالِه، وإنَّما يتَعَلَّقُ بذِمَّتِه.
فإن قيل: إذا كان مُعْسِرًا سقَطَتْ عنه المُطالَبَةُ، فإذا شَهِدَا له بمالٍ، مَلَكا 2 مُطالَبَتَه، فجرُّوا إلى أنْفُسِهم نَفْعًا.
قُلْنا: لم تَثْبُتِ المُطالَبَةُ بشَهادَتِهِم، إنَّما ثَبَتتْ بيَسارِه وإقْرارِه؛ لدَعْواه الحقَّ الذى شَهِدُوِا به.
قال القاضي: ولا تُقْبَلُ شهادةُ الأجِيرِ لمَن اسْتَأْجَرَه.
[وقال] 3: نصَّ عليه أحمدُ.
فإن قيل: فَلِمَ قَبِلْتُم شَهادةَ الوارثِ لمَوْرُوثِه، مع أنَّه إذا ماتَ وَرِثَه، فقد جَرَّ إلى نَفْسِه نَفْعًا بشَهادتِه؟ قُلْنا: لا حَقَّ له في مالِه حينَ الشَّهادةِ، وإنَّما يَحْتَمِلُ أن يتَجَدَّدَ له حَقٌّ، وهذا لا يَمْنَعُ قَبولَ الشَّهادةِ، كما لو شَهِدَ لامْرأةٍ يَحْتَمِلُ أن يتَزَوَّجَها، أو لِغَريمٍ له بمالٍ يَحْتَمِلُ أن يُوفِّيَه منه 4 أو يُفْلِسَ، فيَتعلَّقُ

..................................  حقُّه به، وإنَّما المانِعُ ما يحْصُلُ به نَفْعٌ حالَ الشَّهادةِ.
فإن قيل: فقد مَنَعْتُم قَبُولَ 1 شَهادتِه لمَوْرُوثِه بالجُرْحِ قبلَ الانْدِمالِ؛ لجوازِ أن يتَجَدَّدَ له حَقٌّ، وإن لم يَكُنْ له حَقٌّ في الحالِ، فإن قُلْتُم: قد انْعَقَدَ سبَبُ حقِّه.
قُلْنا: [يَبْطُلُ بالشَّاهدِ] 2 لمَوْرُوثِه المريضِ بحَقٍّ 3، فإنَّ شَهادتَه تُقْبَلُ مع انْعِقادِ سبَبِ اسْتِحْقاتِه، بدَليلِ أنَّ عَطِيَّتَه له لا تَنْفُذُ، وعَطِيَّتَهَ لغيرِه تَقِفُ على الخُرُوجِ مِن الثُّلُثِ.
قُلْنا: إنَّما منَعْنا الشَّهادةَ لمَوْرُوثِه بالجُرْحِ؛ لأنَّه ربَّما أفْضَى إلى الموْتِ به، فتَجِبُ الدِّيَةُ للوَارثِ الشاهدِ به ابْتِداءً، فيكونُ شاهدًا لنَفْسِه، مُوجِبًا [له بها] 4 حقًّا ابْتِدَاءً، بخِلافِ الشَّاهدِ للمَرِيضِ أو المَجْرُوحِ بمالٍ، فإنَّه إنَّما يَجبُ للمَشْهُودِ له، ثم يجوزُ أن يَنْتَقِلَ، ويجوزُ أن لا يَنْتَقِلَ، فلم يَمْنَعِ الشَّهادةَ له، كالشَّهادةِ لغَرِيمِه.
فإن قيل: فقد أجَزْتُم شَهادةَ الغَرِيمِ لِغَرِيمِه بالجُرْعِ قبلَ الانْدِمالِ، كما أجَزْتُمْ شَهادتَه له بالمالِ.
قُلْنا: إنَّما أَجَزْناها؛ لأنَّ الدِّيَةَ لا

وَالْوَصِىِّ لِلْمَيِّتِ، وَالوَكِيلِ لِمُوَكِّلِهِ بِمَا هُوَ وَكِيلٌ فِيهِ، وَالشَّرِيكِ لِشَرِيكِهِ، وَالغُرَمَاءِ لِلْمُفْلِسِ بِالْمَالِ، وَأَحَدِ الشَّفِيعَيْنِ بِعَفْوِ الْآخَرِ عَنْ شُفْعَتِهِ.
تَجِبُ للشَّاهدِ ابْتِداءً، إنَّما تَجِبُ للقَتيلِ، أو لورَثَتِه، ثم يَسْتَوْفِى الغَرِيمُ منها، فأشْبَهَتِ الشَّهادةَ بالمالِ.

5061 -

مسألة: (و)

لا تُقْبَلُ شَهَادَةُ (المُوصَى له للمَيِّتِ، والوَكِيلِ لمُوَكِّلِهِ بما هو وَكِيلٌ فيه، والشَّرِيك لشَرِيكِه، والغُرَمَاءِ للمُفْلِسِ بِالمالِ، وأحَدِ الشَّفِيعَيْنِ بعَفْوِ الْآخَر عن شُفْعَتِه) وكذلك المُضارِبُ بمَالِ المُضَارَبَةِ؛ لأنَّه مُتَّهَمٌ، ولأنَّ الشُّفْعَةَ إذا بَطَلَتْ للمَشْهودِ عليه، تَوَفَّرَتْ على الشَّاهدِ، فيكونُ شاهِدًا لنَفْسِه.
وممّن رَدَّ شَهادةَ

..................................  الشّريكِ لشَريكِه شُرَيْحٌ، والنَّخَعِيُّ، والثَّوْرِيُّ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا 1. فأمَّا إن شَهِدَ الشَّريكُ لشَريكِه، في غيرِ ما هو شَرِيكٌ فيه، أو الوَكِيلُ لمُوَكِّلِه، في غيرِ ما هو وَكِيلٌ فيه، أو العَدُوُّ لعَدُوِّه، أو الوَارثُ لمَوْرُوثِه بمالٍ، أو بالجَرْحِ بعدَ الانْدِمالِ، أو شَهِدَ أحدُ الشَّفِيعَيْنِ بعدَأن أسْقطَ شُفْعتَه على الآخَرِ، بإسْقاطِ شُفْعتِه، أو أحدُ الوَصِيَّيْن بعدَ سُقُوطِ وَصِيَّتِه على الآخَرِ، بما يُسْقِطُ وَصِيَّتَه، أو كانت إحدى الوَصِيتَّيْن لا تُزاحَمُ بها الأُخْرَى، ونحو ذلك ممَّا لا تُهْمَةَ فيه، قُبِلَتْ؛ لأنَّ المُقْتَضِىَ لقَبولِ الشَّهادةِ مُتحَقِّقٌ، والمانعَ مُنْتَفٍ، فوجَبَ قَبولُها، عمَلًا بالمُقْتَضِى.

..................................  فصل: ولا تُقْبَلُ شَهادةُ الوَصِىِّ للمُوصَى عليهم، إن كانوا في حِجْرِه.
وهذا قولُ أكثرِ أهلِ العلمِ؛ منهم الشَّعْبِيُّ، والثَّوْرِيُّ، ومالكٌ، والشَّافعيُّ، والأوْزاعِيُّ، وأبو حنيفةَ.
وأجازَ شُرَيْحٌ وأبو ثَوْرٍ شَهادتَه لهم، إذا كان الخَصْمُ غيرَه؛ لأنَّه أجْنَبِي مُتَّهَمٌ، فقُبِلَتْ شَهادتُه لهم، كما بعدَ زَوالِ الوَصِيَّةِ.
ولَنا، أنَّه شَهِدَ بشئٍ هو خصْمٌ فيه، فإنَّه الذى يُطالِبُ بحُقوقِهم، ويُخاصِمُ فيها، ويتَصَرَّفُ فيها، فلم تُقْبَلْ شَهادتُه به، كما لو شَهِدَ بمال نَفْسِه، ولأنَّه يأْكُلُ مِن أمْوالِهم عندَ الحاجَةِ، فيكونُ مُتَّهَمًا بالشَّهادةِ به.
وقولُهم: في حِجْرِه.
احْتِرازٌ.
أمّا 1 لو شَهِدَ لهم بعدَ زَوالِ وِلايَتِه عنهم، فإنَّها تُقْبَلُ.
والحُكْمُ في أمينِ الحاكمِ يَشْهَدُ للأيْتامِ الذين هم تحتَ وِلايَتِه، كالحُكْمِ في الوَصِيِّ سواءً، قياسًا عليه.
فأمّا شَهادتُه عليهم فمَقْبُولةٌ، لا نَعْلَمُ فيه خِلافًا؛ فإنَّه لا يُتَّهَمُ عليهم، ولا يَجُرُّ بشَهادتِه عليهم نَفْعًا، ولا يَدْفَعُ بها عنهم ضَرَرًا، فهو كالأجْنَبِيِّ.

فَصْلٌ: الثَّالِثُ، أَنْ يَدْفَعَ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا، كَشَهَادَةِ العَاقِلَةِ بِجَرْحِ شُهُودِ قَتْلِ الْخَطَأِ، وَالغُرَمَاءِ بِجَرْحِ شُهُودِ الدَّيْنِ عَلَى المُفْلِسِ، وَالسَّيِّدِ بِجَرْحِ مَنْ شَهِدَ عَلَى مُكَاتَبِهِ أَوْ عَبْدِهِ بِدَيْنٍ، وَالْوَصِيِّ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى الأَيْتَامِ، وَالشَّرِيكِ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَى شَرِيكِهِ، وَسَائِرِ مَنْ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لِإنْسَانٍ، إِذَا شَهِدَ بِجَرْحِ الشَّاهِدِ عَلَيْهِ.
فصل: قال، رَحِمَه الله: (الثالثُ، أن يَدْفَعَ عن نَفْسِه ضَرَرًا، كشَهادةِ العاقِلَةِ بجَرْحِ شُهودِ قَتْلِ الخَطَأِ، والغُرماءِ بجَرْحِ شُهودِ الدَّيْنِ على المُفْلِسِ، والسَّيِّدِ بجَرْحِ مَن شَهِدَ على مُكاتَبِه أو عبدِه بدَيْنٍ، والوَصِىِّ بجَرْحِ الشّاهدِ على الأيْتامِ، والشَّريكِ بجَرْحِ الشّاهِدِ على شَريكِه، وسائرِ مَن لا تُقْبَلُ شَهادتُه لإِنْسانٍ، إذا شَهِدَ بجَرْحِ الشّاهِدِ

..................................  عليه) إنَّما لم تُقْبَلْ شَهادةُ العاقِلَةِ بجَرْحِ شُهود قَتْلِ الخَطَأَ، لِما فيه مِن دَفْعِ الدِّيَةِ عن أنْفُسِهم.
فإن كان الشّاهِدان بالجَرْحِ فَقِيرَيْن، احْتمَلَ قَبولُ شَهادتِهما؛ لأنَّهما لا يَحْمِلانِ شيئًا مِن الدِّيَةِ، واحْتَمَلَ أن لا تُقْبَلَ؛ لجَوازِ أن يُوسِرَا قبلَ الحَوْلِ، فيَحْمِلا.
وكذلك الخِلافُ في البَعيدِ الذى لا يَحْمِلُ لبُعْدِه؛ لجَوازِ أنْ يموتَ مَن هو أقْرَبُ منه قبلَ الحَوْلِ، فيَحْمِلَ.
ولا تُقْبَلُ شَهادةُ الضَّامِنِ للمَضْمونِ عنه بقضاءِ الحقِّ، أو الإِبْراءِ منه.
ولا شَهادةُ أحدِ الشَّفِيعَيْن على الآخَرِ بإسقاطِ شُفْعَتِه.
ولا شَهادةُ بعْضِ غُرماءِ المُفْلِسِ على بَعْض بإسْقاطِ دَيْنِه، أو اسْتِيفائِه، [ولا] 1 بعْضِ مَن أوْصَى له بمالٍ على آخَرَ بما يُبْطِلُ وَصِيَّتَهَ، إذا كانت وَصِيَّتُه تَحْصُلُ بها مُزاحَمتُه؛ إمَّا لضِيقِ الثُّلُثِ عنهما، أو لكَوْنِ الوَصِيَّتَيْن بمُعَيَّنٍ.

فَصْلٌ: الرَّابعُ، الْعَدَاوَةُ، كَشَهَادَةِ الْمَقْذُوفِ عَلَىْ قَاذِفِهِ، وَالمَقْطُوعِ عَلَيْهِ الطَّرِيقُ عَلَى قَاطِعِهِ، وَالزَّوْجِ بِالزِّنَى عَلَى امْرَأَتِهِ.
فهذا وأشْباهُه لا تُقْبَلُ الشَّهادةُ فيه؛ لأنَّ الشّاهِدَ به مُتَّهَمٌ، لِما يحْصُلُ بشَهادتِه مِن دَفْعِ الضَّرَرِ عن نَفْسِه، ونَفْعِها، فيكونُ شاهِدًا لنَفْسِه، وقد قال الزُّهْرِيُّ: مَضَتِ السُّنَّةُ في الإِسلامِ، أن لا تجوزَ شَهادةُ خَصْمٍ، ولا ظَنِينٍ.
والظَّنِينُ: المُتَّهَمُ.
ورَوَى طَلْحَةُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عَوْفٍ، قال: قَضَى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، أَنْ لا شَهادةَ لخَصْمٍ، ولا ظَنِينٍ 1. فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (الرابعُ، العَداوةُ، كشَهادةِ المَقْذُوفِ على قاذِفِه، والمَقْطُوعِ عليه الطَّريقُ على قاطعِه، والزَّوْجِ بالزِّنَى على امْرأتِه) وجملةُ ذلك، أنَّ شَهادةَ العَدُوِّ لا تُقْبَلُ على عَدُوِّه، في قولِ أكثرِ

..................................  أهلِ العلمِ؛ منهم رَبيعَةُ، والثَّوْرِيُّ، وإسْحاقُ، ومالكٌ، والشافعيُّ.
والمُرادُ بالعَداوةِ ههُنا العَداوةُ الدُّنْيَوِيَّةُ، مثل شَهادةِ المقْذوفِ على القَاذِفِ، والمقْطوِع عليه الطَّريقُ على القاطعِ، وِالمقْتولِ وَلِيُّه على القاتلِ، والمَجْروح على الجارحِ، والزَّوْجِ يَشْهَدُ بالزِّنَى على امْرأتِه، فلا تُقْبَلُ شَهادتُه؛ لأنَّه يُقِرُّ على نفْسِه بعداوَتِه لها؛ بإفْسادِها فِراشَه.
وأمّا العَداوةُ في الدِّينِ، كالمُسْلمِ يَشْهدُ على الكافرِ، أو المُحِقِّ مِن أهلِ السُّنَّةِ يَشْهدُ على المُبْتَدِعِ، فلا تُرَدُّ شَهادتُه؛ لأنَّ العَداوةَ في الدِّينِ، والدِّينُ يَمْنعُه مِن ارْتكابِ مَحْظورٍ في دِيِنه.
وقال أبو حنيفةَ: لا تَمْنَعُ العَداوةُ الشَّهادةَ؛

..................................  لأنَّها لا تُخِلُّ بالعَدالةِ، فلا تَمْنَعُ الشَّهادةَ، كالصَّداقةِ، لا تَمْنَعُ الشَّهادةَ له.
ولَنا، ما رَوَى عمرُو بنُ شُعَيْبٍ، عن أبِيه، عن جَدِّه، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، وَلَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ».
رواه أبو داودَ 1. والغِمْرُ: الحِقْدُ.
ولأنَّ العَداوَةَ تُورِثُ التُّهْمةَ، فتَمْنَعُ الشَّهادةَ، كالقَرابَةِ القَرِيبَةِ، وتُخالِفُ الصَّداقةَ؛ فإنَّ شَهادةَ الصَّديقِ لصَديقِه بالزُّورِ نَفْعُ غيرِه بمَضَرَّةِ نَفْسِه، وبَيْعُ آخِرَتِه بدُنْيا غيرِه.
وشهادةُ العَدُوِّ على عدُوِّه يَقْصِدُ بها نَفْعَ نَفْسِه، بالتَّشَفِّى مِن عَدُوِّه، فافْتَرقا.
فإن قيل: فلِمَ قَبِلْتُم 2 شَهادةَ المسلمين على الكُفَّارِ مع العَداوَةِ؟ قُلْنا: العَداوَةُ ههُنا دِينِيَّةٌ، والدِّينُ لا يَقْتَضِى شَهادةَ

..................................  الزُّورِ، ولا أن يَتْرُكَ دِينَه بمُوجِبِ دِينِه.
فصل: فإن شَهِدَ على رَجلٍ بحَقٍّ، فقَذَفَه المشْهودُ عليه، لم تُرَدَّ شَهادَتُه بذلك؛ لأنّا لو أبْطَلْنا شَهادته بهذا، لَتَمَكَّنَ كُلُّ مَشْهودٍ عليه بإبْطالِ شَهادةِ الشّاهدِ بقَذْفِه، ويُفارِقُ ما لو طَرَأ الفِسْقُ بعدَ أداءِ الشَّهادةِ، وقَبلَ الحُكْمِ، فإنَّ رَدَّ الشَّهادةٍ فيه لا يُفْضِى إلى ذلك، بل إلى عَكْسِه؛ لأنَّ طَرَيانَ الفِسْقِ يُورِثُ تُهْمَةً في حالِ أداءِ الشَّهادةِ؛ لأنَّ العادةَ إسْرارُه، فظُهورُه بعدَ أداءِ الشَّهادةِ، يدُلُّ على أنَّه كان يُسِرُّه حالَ أدائِها، وههُنا حصَلَتِ العَداوَةُ بأمرٍ لاتُهْمَةَ على الشّاهدِ فيه.
وأمَّا المُحاكَمَةُ في الأمْوالِ، فليستْ عَداوَةً تَمْنَعُ الشَّهادةَ في غيرِ ما حاكمَ 1 فيه.

فَصْلٌ: الْخَامِسُ، أَنْ يَشْهَدَ الْفَاسِقُ بِشَهَادَةٍ، فَتُرَدَّ، ثُمَّ يَتُوبَ، فَيُعِيدَهَا، فَإِنَّهَا لَا تُقْبَلُ؛ لِلتُّهْمَةِ.
فصل: قال، رَحِمَه اللهُ: (الخامسُ، أن يَشْهَدَ الفاسِقُ بشَهادةٍ، فتُرَدَّ، ثم يتُوبَ، فَيُعيدَها، فإنَّها لا تُقبَلُ للتُّهْمَةِ) وبهذا قال الشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وقال أبو ثَوْرٍ، والمُزَنِيُّ، وداودُ: تُقْبَلُ.
قال ابنُ المُنْذِرِ: والنَّظَرُ يدُلُّ على هذا؛ لأنَّها شَهادةُ عَدْلٍ 1 تُقْبَلُ في غيرِ هذه الشَّهادةِ، فقُبِلَتْ فيها، قِياسًا على غيرِها، وكما لو شَهِدَ وهو كافرٌ، فرُدَّتْ شَهادتُه، ثم شَهِدَ بها بعدَ إسلامِه.
ولَنا، أنَّه مُتَّهَمٌ في أدائِها؛ لأنَّه يُعَيَّرُ برَدِّها، وتَلْحَقُه غَضاضَةٌ؛ لكَوْنِها رُدَّتْ بسَببِ نقْصٍ يتَعَيَّرُ به، وصلاحُ حالِه بعدَ ذلك مِن فِعْلِه يَزُولُ به العارُ، فتَلْحَقُه التُّهْمَةُ في أنَّه قَصَدَ إظْهارَ العَدالةِ، وإعادةَ الشَّهادةِ لتُقْبَلَ، فيزولُ ما حصَلَ برَدِّها، ولأنَّ الفِسْقَ يَخْفَى، فيُحْتاجُ في مَعْرِفَتِه إلى بَحْثٍ واجْتِهادٍ، فعندَ ذلك نقولُ: شَهادتُه مَرْدودةٌ بالاجْتِهادِ، فلا تُقْبَلُ بالاجْتِهادِ؛ لأنَّ ذلك يُؤدِّى إلى نَقْضِ الاجْتِهادِ بالاجْتِهادِ.
وفارَقَ ما إذا رَدَّ شهادةَ كافرٍ لكُفْرِه، أو صَبِيٍّ لصِغَرِه، أو عبدٍ لرِقِّه، ثم أسلمَ الكافِرُ، وبلَغَ الصَّبِيُّ، وعَتَقَ العبدُ،

وَلَوْ لَمْ يَشْهَدْ بِهَا عِنْدَ الْحَاكِمِ حَتَّى صَارَ عَدْلًا، قُبِلَتْ.
وَلَوْ شَهِدَ كَافِرٌ، أوْ صَبِيٌّ، أَوْ عَبْدٌ، فَرُدَّتْ شَهَادَتُهُمْ، ثُمَّ أَعَادُوهَا  وأعادُوا تلك الشَّهادةَ، فإنَّها لا تُرَدُّ؛ لأنَّها لم تُرَدَّ أوَّلًا بالاجْتِهادِ، وإنَّما رُدَّتْ باليَقِينِ، ولأنَّ البُلوغَ.
والحُرِّيَّةَ ليسا مِن فِعْلِ الشَّاهدِ، فيُتَّهمُ أنَّه فَعَلَهُما لتُقْبَلَ شَهادتُه، والكافِرُ لا يَرَى كُفْرَه عارًا، ولا يَتْرُكُ دِينَه مِن أجْلِ شَهادَةٍ رُدَّتْ.

5062 -

مسألة: (ولو لم يَشْهَدْ بها عندَ الحَاكِمِ حتى صار عَدْلًا، قُبِلَتْ)

وذلك لأنَّ التَّحَمُّلَ لا تُعْتَبَرُ فيه العَدالةُ، ولا البُلوغُ، ولا الإسلامُ؛ لأَنَّه لا تُهْمَةَ في ذلك، وإنَّما يُعْتَبَرُ ذلك للأداءِ، فإذا رأى الفاسِقُ شيئًا، أو سَمِعَه، ثم عُدِّلَ، وشَهِدَ به، قُبِلَتْ شَهادتُه.
بغيرِ خِلافٍ نَعْلَمُه.
وهكذا الصَّبِىُّ، والكافِرُ [إذا شَهِدَا (1) بعدَ الإسلامِ والبُلوغِ، قُبِلَتْ.
وكذا الرِّوايَةُ.
وكذلك (2) كان الصِّبْيانُ] (3) في زَمَنِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - يَرْوُونَ عنه بعدَ أن كَبِرُوا، كالحسَنِ، والحُسَيْنِ، وابنِ عباسٍ، وابنِ الزُّبيْرِ، وابنِ جَعْفرٍ، والنُّعمانِ بنِ بَشِيرٍ.
والرِّوايَةُ في مَعنى الشَّهادةِ، تُشْتَرَطُ لها العَدالةُ وغيرُها مِن الشُّروطِ المُعْتَبرَةِ للشَّهادةِ.
5063 -

مسألة: (ولو شَهِدَ)

وهو (كافِرٌ، أو صَبِيٌّ، أو عَبْدٌ،123

بَعْدَ زَوَالِ الْكُفْرِ وَالرِّقِّ والصِّبَا، قُبِلَتْ.
فَرُدَّتْ شَهادَتُهُم، شا أعادُوها بعدَ زَوالِ الكُفرِ والصِّبَا والرِّقِّ، قُبِلَتْ) لِما ذكَرْنا في الفَصْلِ الذى قبلَها.
وقد رُوِىَ عن النَّخَعِيِّ، وقَتادةَ، وأبي الزِّنادِ، ومالكٍ، أنَّها تُرَدُّ أيضًا في حقِّ مَن أسْلَمَ وبَلَغ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أُخْرى 1 كذلك؛ لأنَّها شَهادةٌ مَرْدُودَةٌ، فلم تُقْبَلْ، كشَهادةِ مَن كان فاسِقًا، وقد ذكَرْنا ما يَقْتَضِى فَرْقًا بينَهما 2، فيَفْتَرِقان.
ورُوِىَ عن أحمدَ في العبدِ إذا رُدَّت شَهادتُه لرِقِّه، ثم عَتَق 3، وأعادَ تلك الشَّهادةَ رِوايتان.
وقد ذكَرْنا أنَّ 4 الأَولَى أنَّ شَهادتَه تُقْبَلُ؛ لأنَّ العِتْقَ مِن غيرِ فِعْلِه، وهو أمرٌ يَظْهَرُ، بخِلافِ الفِسْقِ.

وَإِنْ شَهِدَ لِمُكَاتَبِهِ، أوْ لِمَوْرُوثِهِ بِجُرْحٍ قَبْلَ بُرْثِهِ، فَرُدَّتْ، ثُمَّ أَعَادَهَا بَعْدَ عِتْقِ الْمُكَاتَبِ وبُرْءِ الْجُرْحِ، فَفِى رَدِّهَا وَجْهَانِ.

5064 - مسألة: (وإن شَهِدَ لمُكَاتَبِه، أو لمَوْرُوثِه بِجُرْحٍ قبلَ بُرْئِه، فَردَّتْ، ثم أعادَها بعدَ عِتْقِ المُكَاتَبِ وبُرْءِ الْجُرْحِ، ففى رَدِّها وجهانِ)

أحدُهما، تُقْبَلُ؛ لأنَّ زَوالَ المانعِ ليس مِن فِعْلِهم، فأَشْبَهَ زَوالَ [الصِّبَا والبُلوغَ] 1، ولأنَّ رَدَّها بسبَبٍ لا عارَ فيه، فلا يُتَّهَمُ في قَصْدِ نَفْيِ العارِ بإعادَتِها، بخِلافِ الفِسْقِ.
والثاني، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه رَدَّها باجْتِهادِه، فلا يَنْقُضُها باجْتِهادِه.
والأوَّل أصَحُّ، فإنَّ الأصْلَ قَبولُ شَهادةِ العَدْلِ، ما 2 لم يَمْنَعْ منه مانِعٌ، ولا يَصِحُّ القِياسُ على الشَّهادةِ المَرْدُودَةِ بالفِسْقِ؛ لِما ذكَرْنا بينَهما مِن الفَرْقِ.
ويُخَرَّجُ على هذا كُلُّ شَهادةٍ مَرْدُودَةٍ؛ إمّا للتُّهْمَةِ، أو لعَدَمِ الأهْلِيَّةِ، إذا أعَادها 3 بعدَ زَوالِ التُّهْمَةِ، ووُجودِ الأهْلِيَّةِ، هل تُقْبَلُ؟ على وَجْهَيْن.

وَإِنْ شَهِدَ الشَّفِيعُ بِعَفْوِ شَرِيكِهِ فِى الشُّفْعَةِ عَنْهَا فَرُدَّتْ، ثُمَّ عَفَا الشَّاهِدُ عَنْ شُفْعَتِهِ، وَأَعَادَ تِلْكَ الشَّهَادَةَ، لَمْ تُقْبَلْ.
ذَكَرَهُ الْقَاضِي، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُقْبَلَ.

5065 - مسألة: (وإن شَهِدَ الشَّرِيكُ بعَفْوِ شَرِيكِه عن الشُّفْعَةِ، ثم عَفا الشّاهِدُ عن شُفْعَتِه، وأعادَ تلك الشَّهادَةَ، لم تُقْبَلْ. ذَكَرَه القاضِي)

لأنَّه مُتَّهَمٌ، فأشْبَهَ الفاسِقَ.
والأَولَى أنَّها تُخَرَّجُ على الوَجْهَيْن؛ لأنَّها إنَّما رُدَّتْ لكَوْنِه يَجُرُّ بها إلى نَفْسِه نَفْعًا، وقد زَالَ ذلك بعَفْوِه.
واللهُ أعلمُ.

حقوق الطبع محفوظة

الطبعة الأولى 1417 هـ - 1996 م

المكتب: 4 ش ترعة الزمر- المهندسين - جيزة تليفون: 3452579 - فاكس: 3451756

المطبعة: 2، 6 ش عبد الفتاح الطويل أرض اللواء - تليفون: 3452963 ص. ب: 63 إمبابة

يوزع على نفقة خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبد العزيز آل سعود خدمة للعلم وطلابه أجزل الله مثوبته.. ووفقه لمرضاته

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

بَابُ أَقْسَامِ المَشْهُودِ بِهِ

وَالْمَشْهُودُ بِهِ يَنْقَسِمُ خَمْسَةَ أَقْسَامٍ، أَحَدُهَا، الزِّنَى وَمَا يُوجِبُ حَدَّهُ، فَلَا تُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا شَهَادَةُ أَرْبَعَةِ رِجَالٍ أَحْرَارٍ.
بابُ أقْسامِ الْمَشْهُودِ به (والمَشْهودُ به ينْقَسِمُ خمْسةَ أقْسامٍ؛ أحدُها، الزِّنَى وما يُوجبُ حَدَّه، فلا يُقْبَلُ فيه إلَّا أرْبعةُ رِجالٍ أحْرارٍ) أجْمَعَ المسلمون على أنَّه لا يُقْبَلُ في الزِّنَى أقَلُّ مِن أربعةِ شُهودٍ.
وقد نَصَّ اللهُ تعالى عليه بقولِه سبحانه: ﴿لَوْلَا جَاءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ 1. وقد رُوِىَ عن النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال [لهلالِ بنِ أُمَيَّةَ] 2: «أرْبَعَةٌ، وَإِلَّا حَدٌّ فِى ظَهْرِكَ» 3. في أخْبارٍ سِوَى هذا.

وَهَلْ يَثْبُتُ الإقْرَارُ بِالزِّنَى بِشَاهِدَيْنِ، أَوْ لَا يَثْبُتُ إِلَّا بِأَرْبَعَةٍ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
وأجْمَعوا على أنَّه يُشْتَرَطُ كونُهم عُدولًا، ظاهِرًا وباطِنًا، مُسلمينَ، سَواءٌ كان المشْهودُ عليه مُسْلِمًا أو ذِمِّيًّا.
وجُمهورُ العُلَماءِ على أنَّه يُشْتَرطُ أنْ يكونُوا رِجالًا أحْرارًا، فلا تُقْبَلُ فيه شَهادةُ النِّساءِ ولا العَبِيدِ.
وبه يقولُ مالِكٌ، والشافعيُّ، وأصْحابُ الرَّأْيِ.
وشَذَّ أبو ثَوْرٍ، فقال: تُقْبَلُ شهادةُ العَبِيدِ.
وحَكاه أبو الخَطّابِ والشَّريفُ رِوايةً في المَذهبِ.
وحُكِىِ عن حَمَّادٍ وعَطاءٍ أنَّهما قالا: تجوزُ شَهادةُ ثلاثةِ رجالٍ وامرأتَيْن؛ لأنَّه نقَصَ واحِدٌ مِن عدَدِ الرِّجالِ، فقامَ مَقامَه امْرأتانِ، كالأمْوالِ.
ولَنا، ظاهِرُ الآيةِ، وأنَّ العَبْدَ مُخْتَلَفٌ في شَهادتِه، فكان ذلك شُبْهَةً في الحَدِّ؛ لأنَّه يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولا يَصِحُّ قياسُ هذا على الأموالِ؛ لخِفَّةِ حُكْمِها، وشِدَّةِ الحاجَةِ إلى إثْباتِها (1)، لكَثْرةِ وُقُوعِها، والاحْتِياطِ في حِفْظِها، ولهذا زِيدَ في عَدَدِ شُهودِ الزِّنَى على شُهودِ المالِ.

5066 -

مسألة: (وهل يَثْبُتُ الإقْرارُ بالزِّنَى بشاهِدَيْنِ، أو لا يَثْبُتُ إلَّا بأرْبَعَةٍ؟ على رِوايتين)

وللشافعيِّ فيه 2 قوْلان؛ أحدُهما،1

الثَّانِى، الْقِصَاصُ، وَسَائِرُ الْحُدُودِ، فَلَا يُقبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ حُرَّانِ.
يَثْبُتُ بشاهِدَيْن، قِياسًا على سائِرِ الأقَارِيرِ.
والثانى، لا يَثْبُتُ إلَّا بأرْبعةٍ؛ لأنَّه مُوجِبٌ لحدِّ الزِّنَى، فأشْبَهَ فِعْلَه.
(الثانى، القِصاصُ، وسائِرُ الحُدودِ، فلا يُقْبَلُ فيه إلا رَجُلانِ حُرَّانِ)

..................................  إلَّا ما رُوِىَ عن عَطاءٍ وحَمَّادٍ أنَّهما قالا: يُقْبَلُ فيه رَجلٌ وامْرأتان، قِياسًا على الشَّهادةِ في الأمْوالِ.
ولَنا، أنَّ هذا ممَّا يُحْتاطُ لدَرْئِه وإسْقاطِه، ولهذا يَنْدَرِئُ بالشُّبُهاتِ، ولا تَدْعُو الحاجَةُ إلى إثْباتِه، وفى شَهادةِ النِّساءِ شُبْهَةٌ، بدَليلِ قولِه تعالى: ﴿أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى﴾ 1. وأنَّ شَهادَتَهُنَّ لا تُقْبَلُ وإنْ كَثُرْنَ، ما لم يكُنْ مَعَهُنَّ رجلٌ، فوجَبَ أن لا تُقْبَلَ شَهادَتُهُنَّ فيه.
ولا يَصِحُّ قِياسُ هذا على المالِ؛ لِما ذكَرْنا مِن الفَرْقِ.
وبهذا الذى ذكَرْناه قال سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والشَّعْبِىُّ، والنَّخَعِىُّ، وحَمَّادٌ، والزُّهْرِيُّ، ورَبِيعَةُ، ومالكٌ، والشافعيُّ، وأبو عُبَيْدٍ، وأبو ثورٍ، وأصْحابُ الرَّأْيِ.
واتَّفَقَ هؤلاءِ كلُّهم على أنَّها تَثْبُتُ بشَهادةِ رَجُلَيْنِ ما خلَا الزِّنَى، إلَّا الحسنَ، فإنَّه قال: الشَّهادةُ على القتلِ، كالشَّهادةِ على الزِّنَى، لا يُقْبَلُ فيها إلَّا أرْبَعَةٌ.
ورُوِىَ ذلك عن أبي عبدِ اللهِ؛ لأنَّها شَهادةٌ يَثْبُتُ بها القَتْلُ، فلم تَثْبُتْ إلَّا بأرْبعةٍ، كالشّهادةِ على زِنَى المُحْصَنِ.
ولَنا، أنَّه أحدُ نَوْعَىِ القِصاصِ، فيُقْبَلُ فيه اثْنان، كقَطْعِ الطَّرَفِ، وفارَقَ الزِّنَى؛ فإنَّه مُخْتَصٌّ بهذا، وليستِ العِلَّةُ كوْنَه قَتْلًا، بدليلِ وُجوبِ الأرْبعةِ في زِنَى البِكْرِ، ولا قَتْلَ فيه، ولأنَّه انْفَرَدَ بإيجابِه الحدَّ على الرَّامِي به، والشُّهودِ إذا لم تَكْمُلْ شَهادَتُهُم، فلم يَجُزْ أن يَلْحَقَ به ما ليس مثلَه.

..................................  فصل: ولا تُقْبَلُ الشَّهادةُ على القَتْلِ إلَّا مع زَوالِ الشُّبْهَةِ في لَفْظِ الشّاهدِ، نحوَ أن يقولَ: ضَرَبَه فَقَتَله.
وقد ذكَرْنا ذلك.
فإن كانتِ الشَّهادةُ بالجَرْحِ، فقالا: ضَرَبَه فأوْضحَه.
أو: فاتَّضَحَ منه.
أو: فوَجَدْناه مُوضَحًا مِن الضَّرْبَةِ.
قُبِلَتْ شَهادتُهما.
فإن قالا: ضَرَبَه فاتَّضَحَ رَأْسُه.
أو: فَوَجَدْناه مُوضَحًا.
أو: فأسالَ دمَه.
أو: وجَدْنا في رأْسِه مُوضِحَةً.
لم يَثْبُتِ الإِيضاحُ؛ لجَوازِ أن يتَّضِحَ عَقِيبَ ضَرْبِه بسَبَبٍ آخَرَ.
ولابدَّ مِن تَعْيِينِ 1 المُوضِحَةِ في إيجابِ القِصاصِ؛ لأنَّه إن كان في رَأْسِه مُوضِحَتان، فيَحْتاجان إلى بَيانِ ما شَهِدا به منهما، وإن كانتْ واحدةً، فيَحْتَمِلُ أن يكونَ قد أوْسَعَها غيرُ المشْهودِ عليه، فيَجِبُ أن يُعَيِّنَها الشّاهِدان، فيقولان: هذه.
فإن قالا: أوْضَحَه في مَوْضِعِ كذا مِن رَأْسِه مُوضِحَةً، قَدْرُ مِساحَتِها كذا وكذا.
قُبِلَتْ شَهادَتُهما.
وإن قالا: لا نعلَمُ قَدْرَها.
أو: مَوْضِعَها 2. لم يُحْكَمْ بالقِصاصِ؛ لأنَّه يتَعَذَّرُ مع الجهَالَةِ، وتَجِبُ دِ يَةُ المُوضِحَةِ؛ لأنَّها لا تَخْتلِفُ باخْتِلافِها.
وإن قالا: ضَرَبَ رأْسَه، فأسالَ دَمَه.
فهى 3 بازلَةٌ.
وإن قالا: فسالَ دَمُه.
لم يَثْبُتْ شئٌ؛ لجَوازِ أنْ يَسِيلَ دَمُه بسبَبٍ آخَرَ.
وإن قالا: نَشْهَدُ أنَّه ضَرَبَه، فقَطَعَ يَدَه.
ولم يكُنْ أقْطَعَ اليَدَيْن، قُبِلَتْ شَهادَتُهما، ويَثْبُتُ القِصاصُ؛

..................................  لعَدَمِ الاشْتِباهِ.
وإن كان أقْطَعَ اليَدَيْن، ولم يُعَيِّنا المقْطوعَةَ، لم يَجِبْ قِصاصٌ؛ لأنَّهما لم يُعَيِّنا اليَدَ التى يَجِبُ 1 القِصاصُ منها، وتَجِبُ دِيَةُ اليَدِ؛ لأنَّها تَخْتَلِفُ باخْتِلافِ الأيْدِى.
فصل: فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه عَمْدًا، والآخَرُ أنَّه 2 أقَرَّ بقَتْلِه.
ولم يَقُل: عَمْدًا ولا خَطَأً.
ثبتَ القتلُ؛ لأنَّ البَيِّنَةَ قد كَمَلَتْ عليه، ولم تَثْبُتْ صِفتُه، فيُسْألُ 3 المشْهودُ عليه عن صِفَتِه، فإنْ أنْكَرَ أصْلَ القتلِ، لم يُقْبَلْ إنْكارُه؛ لِقيام البَيِّنَةِ به.
وإن أقَرَّ بقَتْلِ العَمْدِ، ثَبَت بإقْرارِه.
وإن أَقَرَّ بالخَطَأِ، فأنكَر الوَلِيُّ، فالقَوْلُ قَوْلُ القاتِلِ.
وهل يُسْتَحْلَفُ على ذلك؟ يُخَرجُ فيه وجْهانِ.
فإن صدَّقَه الوَلِيُّ على الخَطَأِ، ثَبَت عليه.
وإن أقَرَّ بقَتْلِ العَمْدِ، وكَذَّبَه الوَلِيُّ، وقال: بل كان خَطَأً.
لم يَجِبِ القَوَدُ؛ لأنَّ الوَلِىَّ لا يَدَّعِيه، وتَجِبُ دِيَةُ الخَطإِ.
ولا تَحْمِلُها العاقِلَةُ في هذه المواضِعِ كُلِّها، ولا شيئًا منها، وتكونُ في مالِه؛ لأنَّها لم تثْبُتْ ببَيِّنَةٍ، وفي بَعْضِها القاتِلُ مُقِرٌّ بأنَّها في مالِه دونَ مالِ عاقِلَتِه.
وإنْ شَهِدَ أحدُهما أنَّه قتَلَه عَمْدًا، وشَهِدَ الآخَرُ أنَّه قَتَلَه خَطَأً، [ثَبَت القَتْلُ] 4

..................................  دونَ صِفَتِه، ويُطالَبُ بِبَيانِ صِفَتِه على ما ذكرنا؛ لأنَّ الفِعْلَ قد يَعْتَقِدُه أحدُهما خَطَأ، والآخر عَمْدًا، ويكونُ الحُكْمُ؛ لو شَهِدَ أحدُهما أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه [عَمْدًا، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه] 1 خَطَأً، أنَّ المشْهودَ عليه يُسْألُ، على ما ذكَرْنا في أوَّلِ الفَصْلِ.
فإن شَهِدَ أحدُهما أنَّه قتلَه غُدْوِةً، والآخر أنَّه قتلَه عَشِيَّةً، أو شَهِدَ أحدُهما أنَّه قَتَلَه بسَيْفٍ، وقال الآخر: قَتَلَه 2 بِعَصًا.
لم تَتِمَّ الشَّهادةُ.
ذكرَه القاضى؛ لأنَّ كُلّ واحدٍ منهما يُخالِفُ صاحِبَه ويُكَذِّبُه.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ.
وقال أبو بكر: يثْبُتُ القتلُ؛ لاتِّفاقِهما عليه، واخْتِلافِهما في الصِّفَةِ، فيَثْبُتُ القتلُ, كما لو شَهِد 3 أحدُهما بقَتْلِ العَمْدِ، والآخر بقَتْلِ الخَطَأ.
والأوَّلُ أصَحُّ؛ لأنَّ القَتْلَ غُدْوةً غيرُ القَتْلِ 4 عَشِيَّة، ولا يُتَصَوَّرُ أنْ يُقتَلَ غُدْوَةً ثم يُقتَلَ عَشِما 5، ولا أنْ يُقْتَلَ بسَيْفٍ، ثم يُقْتَلَ بِعَصًا، بخِلافِ الخَطَأ والعَمْدِ؛ فإنَّ الفِعْلَ واحدٌ، والخِلافُ في نِيَّته وقَصْدِه، وقد يَخْفَى ذلك على أحَدِهما

..................................  دُونَ الآخَرِ.
وإنْ شَهِدَ أحدُهما أَّنه قتلَه، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ بقَتْلِه، ثَبَت القَتْلُ.
نَصَّ عليه أحمدُ.
واخْتارَه أبو بكر.
واخْتارَ القاضىِ أنَّه لا يثْبُتُ.
وهو مذهبُ الشافعىِّ؛ لأنَّ أحدَهما شَهِدَ بغيرِ ما شَهِدَ به الآخر، فلم تَتَّفِقْ شَهادَتُهما على فِعْل واحِدٍ.
ولَنا، أنَّ الذى أقَرَّ به هو القَتْلُ الذى شَهِدَ به الشّاهِدُ، فلا تَنافِىَ بينَهما، فيَثْبُتُ بشهادَتِهما، كما لو شَهِدَ أحدُهما بالقَتْلِ عَمْدًا، وشَهِدَ الآخر بالقَتْلِ خَطَأً، أو كما لو شَهِدَ أحدُهما أنَّ له عليه ألفًا، وشَهِدَ الآخر أنَّه أقَرَّ له بألْفٍ.
فصل: إذا قُتِلَ رَجُل عَمْدًا قَتْلًا يُوجِبُ القِصاصَ، فشَهِدَ أحدُ الوَرَثَةِ على واحدٍ منهم 1 أنَّه عَفَى عن القِصاصِ، سَقَط القَوَدُ، سَواءٌ كان الشَّاهِدُ عَدْلًا أو فاسِقًا؛ لأنَّ شَهادتَه تَضَمَّنَتْ سُقُوطَ حَقِّه مِن القِصاصِ، وقوْلُه مَقْبولٌ في ذلك؛ فإنَّ أحدَ الوَلِيين إذا عَفَا عن حَقِّه، سَقَط القِصاصُ كلُّه.
ويُشْبِهُ هذا ما لو كان عبدٌ بينَ شَرِيكَيْن، فشَهِدَ أحَدُهما أنَّ شَرِيكَه أعْتَقَ نَصِيبَه وهو مُوسِرٌ، عَتَقَ نَصِيبُ الشَّاهِدِ وإن أنْكَرَه الآخر.
فإن كان الشّاهِدُ بالعَفْوِ 2 شَهِدَ بالعَفْوِ عن القِصاصِ والمالِ، لم يَسْقُطِ المالُ؛ لأنَ الشَاهِدَ اعْتَرفَ أنَ نَصِيبَه سَقَط بغيرِ اخْتِيارِه، فأمّا نَصِيبُ المشْهودِ عليه، فإن كان الشّاهِدُ ممَّن لا تُقْبَلُ شَهادَتُه، فالقَوْلُ قَوْلُ المشْهودِ عليه مع يَمِينه، فإذا حَلَفَ ثَبَتَتْ حِصَّتُه مِن الدِّيَةِ، وإن كان مَقبولَ القَوْلِ، حَلَفَ الجانِى

..................................  مَعه، وسَقَط حَقُّ المشْهودِ عليه، ويَحْلِفُ الجانِى أنَّه عَفا عن الدِّيَةِ، ولا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِ العَفْوِ عن القِصاصِ؛ لأنَّه قد سَقَط بشَهادَةِ الشَّاهِدِ، فلا يَحْتاجُ إلى ذِكْرِه في اليَمِينِ؛ ولأنه إنَّما يَحْلِفُ على ما يُدعَى عليه، ولا يُدَّعَى عليه غيرُ الديةِ.
فصل: إذا جُرِحَ رَجُل، فشَهِدَ له رَجُلانِ مِن وَرَثَتِه غيرِ الوَالِدين والمَوْلُودِين، وكانتِ الجِراحُ مُنْدَمِلَةً، قُبِلَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما لا يَجُرَّانِ إلى أنْفُسِمهما نَفْعًا، وإنْ كانت غيرَ مُنْدَمِلَةٍ، لم يُحْكَمْ بشَهادَتِهما، وقد ذَكرْناه.
وإن شَهِدَ وارثا 1 المَرِيضِ له بمالٍ، ففى قَبُولِ شَهَادَتِهم 2 وَجْهان؛ أظْهَرُهما، قَبُولُها, كما لو شَهِدَا له وهو صَحِيح.
والثانى، لا تُقْبَلُ؛ لأنَّه متى ثَبَت المالُ للمَرِيضِ، تَعلقَ حَقُّ ورَثَتِه به، ولهذا لا يَنْفُذُ تَبَرُّعُه فيه فيما زادَ على الثُّلُثِ.
وإن شَهِدَ للمجروحِ بالجرْحِ مَن لا يَرِثُه، لكَوْنِه مَحْجُوبًا، كالأخَوَيْن يَشْهدَانِ لأخِيهِما، وله ابنٌ، سُمِعَتْ شَهادَتُهما، فإن ماتَ ابنُه، نَظرتَ؛ فإن كان الحاكمُ حَكَمَ بشَهادَتِهما، لم يُنْقَضْ حُكْمُه؛ لأنَّ ما يَطْرأُ بعدَ الحُكْمِ بالشَّهادةِ لا يُؤثِّرُ فيها، كالفِسْقِ، وإن كان ذلك قبلَ الحُكْمِ بالشَّهادَةِ، لم يُحْكَمْ بها؛ لأنَّهما صَازا مُسْتَحِقَّيْنِ، فلا يُحْكَمُ بشَهادَتِهما, كما لو فَسَقَ الشّاهِدَان قبلَ الحُكْمِ بشَهادَتِهما.
وإن شُهِدَ على رَجُلٍ بالجُرْحِ

..................................  المُوجِبِ للدِّيَةِ على العاقِلَةِ، فَشَهِدَ بعْضُ عَاقِلَةِ المشْهُودِ عليه بجَرْحٍ الشُّهُودِ، لم تُقْبَلْ شَهادَتُه وإن كان فَقِيرًا؛ لأنَّه قد يكونُ ذا مالٍ وقت العَقْلِ، فيَكُونُ دافِعًا عن نَفْسِه.
ويَحْتَمِلُ أن تُقْبَلَ؛ لأنهما لا يَحْمِلانِ شيئًا مِن الدِّيَةِ.
وإن كان الجرْحُ ممَّا لا تَحْمِلُه العاقِلَةُ، كجِرَاحَةِ العَمْدِ، [أو العبدِ] 1، سُمِعَتْ شَهادَتُهما؛ لأنَّهما لا يَدْفَعان عن أنْفُسِهما ضَرَرًا، وإن كان الشَّاهِدان شَهِدَا على إقرارِه بالجُرْحِ، قُبِلَتْ 2؛ لأنَّ العاقِلَةَ لا تَحْمِلُ الاعْتِرافَ.
وإنْ كانتْ شَهادَتُهما بجُرْحٍ عَقْلُه دونَ ثُلُثِ الدِّيَةِ خَطَأ، وكانتْ شَهادَتُهما بالجرْحِ قبلَ الانْدِمالِ، لم تُقْبَلْ؛ لأنَّها ربَّما صارتْ نفسًا فتَحْمِلُها، وإن كان بعدَه، قُبِلَتْ؛ لأنَّها لا تَحْمِلُ ما دونَ ذلك.
فصل: وإذا شَهِدَ رَجُلان على رَجُلَيْن، أنَّهما قَتَلا رَجُلًا، ثم شَهِدَ المشْهُودُ عليهما على الأوَّلَيْن أنَّهما اللَّذانِ قَتَلاه، فصَدَّقَ الوَلِىُّ الأوَّلَيْن، وكَذبَ الآخِرَيْن، وجبَ القتلُ عليهما؛ لأنَّ الوَلِىَّ يُكَذِّبُهما، وهما يَدْفَعانِ بِشَهادَتِهما عن أنْفُسِهما ضَرَرًا.
[وإن صَدَّقَ الآخِرَيْن وحدَهما، بطَلَتْ شَهادةُ الجميعِ؛ لأنَّ الأوَّلَين بَطَلَتْ شهادَتُهما لتَكْذِيبِه لهما، ورُجُوعِه عمَّا شَهِدَا له به، والآخِران لا تُقْبَلُ شهادتُهما؛ لأنَّهما عَدُوَّان للأوَّلَين] 3,

الثّالِثُ، مَا لَيْسَ بِمَالٍ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ المَالُ، وَيَطَّلِعُ عَلَيْهِ الرِّجَالُ فِى غَالِبِ الأحْوَالِ، غَيْرُ الْحُدُودِ والْقِصَاصِ؛ كَالطَّلَاقِ، وَالنَّسَبِ، وَالْوَلَاءِ، وَالْوَكَالَةِ فِى غَيْرِ الْمَالِ، وَالوَصِيَّةِ الَيْهِ، وَمَا أشْبَهَ ذَلِكَ، فَلَا يُقْبَلُ فِيهِ إِلَّا رَجُلَانِ.
وَعَنْهُ فِى النِّكَاحِ،  [ولأنهما يَدْفَعان عن أنْفُسِهما ضَرَرًا] 1، وإنْ صَدَّقَ الجميعَ، بَطَلَتْ شَهادَتُهم أيضًا؛ لأنَّه بتَصْديقِ الأوَّلَيْن مُكَذِّب للآخِرَيْن، وتَصْدِيقُه الآخِرَيْنِ تَكْذِيب للأوَّلَيْن، وهما مُتَّهمان، لِما ذكَرْناه.
فإن قيل: فكيف تُتَصَوَّرُ هذه المْسَألةُ، والشَّهادةُ إنَّما تكونُ بعدَ الدَّعْوَى، فكيفَ يُتَصَوَّرُ فَرْضُ تَصْدِيقِهم وتَكْذِيبِهم؛ قُلْنا: يُتَصَوَّرُ أنْ يَشْهَدَا قبلَ الدَّعْوَى، إذا لم يَعْلَمِ الوَلِىُّ مَن قَتَلَه، ولهذا رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - أنَّه قال: «خَيْرُ الشُّهَدَاءِ الَّذِى يَأتِى بشَهَادَتِه قبلَ أنْ يُسْألهَا» 2. وهذا مَعْنى ذلك.
(الثالثُ، ما ليس بمالٍ، ولا يُقْصَدُ به المالُ، ويَطَّلِعُ عليه الرِّجالُ في غالِبِ الأحْوالِ، غيرُ الحُدودِ والقِصاصِ) كالنكاحِ (والطَّلاقِ) ؤالرَّجْعَة، (والنَّسَبِ) والعِتْقِ (والوَلاء، والوَكالَةِ في غيرِ المالِ، والوصِيَّةِ إليه، وما أشْبَهَ ذلك، فلا يُقْبَلُ فيه إلًّا رَجلانِ.
وعنه في الرَّجْعَةِ،

وَالرَّجْعَةِ، وَاِلْعِتْقِ، أنَهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَهَادَةُ رَجُل وَامْرأتيْنِ.
وَعَنْهُ فِى الْعِتْقِ، أنَهُ يُقْبَلُ فِيهِ شَاهِدٌ وَيَمِينُ المُدَّعِى.
وَقَالَ القَاضِى: النِّكَاحُ وَحُقُوقُهُ؛ مِنَ الطَّلَاقِ، وَالْحُلْعِ، وَالرَّجْعَةِ، لَا يَثْبُتُ [351 و] إِلَّا بِشَاهِدَيْنِ، رِوَايَةً وَاحِدَةً، وَالْوَكَالَةُ، وَالْوَصِيَّةُ، وَالْكِتَابَةُ، وَنَحْوُهَا، تُخَرَّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ.
والنِّكاحِ، والعِتْقِ، أنَّه يُقْبَلُ فيه شَهادةُ رَجل وامْرَأتَيْن.
وعنه في العِتْقِ، أنَّه يُقْبَلُ فيه شاهِدٌ ويَمِينُ المُدَّعِى.
وقال الفاضى: النِّكاحُ وحُقُوتُه؛ مِن الطَّلاقِ، والخُلْعِ، والرَّجْعَةِ، لا يَثْبُتُ إلَّا بشاهِدَيْن، رِوايَةً واحِدَةً، والوَكالَةُ، والوَصِيَّةُ، والكِتابَةُ، ونحوُها، تُخَرَّجُ على رِوايَتَيْن) وجُملةُ

جارٍ التحميل