..................................
أحَقُّ مِن شَهادَتِهما، وإنَّ الجامَ لصاحبِهم.
فنزلَتْ فيهم: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآية.
وعن الشَّعْبِىِّ، أنَّ رجلًا مِن المُسلمين حضَرَتْه الوَفَاةُ بِدَقُوقَا 1، ولم يَجِدْ أحدًا مِنَ المُسلمين يُشْهِدُه على وَصِيَّتِه، فأشْهَدَ رجُلَيْن مِن أهلِ الكِتابِ، فقَدِما الكُوفَةَ، فأَتَيا الأشْعَرِىَّ، فأخْبَراه، وقَدِمَا بتَرِكَتِه ووَصِيَّتِه، فقال الأشْعَرِىُّ: هذا أمرٌ لم يكُنْ بعدَ الذى كان في عَهْدِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، فأحْلَفَهما بعدَ العَصْرِ، ما خَانا، ولا كَذَبا، ولا بَدَّلا، ولا كَتَما، ولا غَيَّرَا، وإنَّها لَوَصِيَّةُ الرَّجُلِ، وتَرِكَتُه، فأمْضَى شَهادتَهما.
رَواهما 2 أبو داودَ 3. ورَوَى
..................................
الخَلَّالُ 1 حديثَ أبى موسى بإسْنادِه.
وحَمْلُ الآيةِ على أنَّه أرادَ مِن غيرِ عَشِيرَتِكم، لا يَصِحُّ؛ لأنَّ الاَيةَ نزَلَتْ في قِصَّةِ عَدِىٍّ وتَمِيمٍ، بلا خِلافٍ بين المُفَسِّرينَ، وقد فَسَّرَه بما قُلْنا سَعيدُ بنُ المُسَيَّبِ، والحسنُ، وابنُ سِيرِينَ، وعَبِيدَةُ، وسَعِيدُ بنُ جُبَيْرٍ، وسُلَيمانُ التَّيمِىُّ، وغيرُهم، ودلَّتْ عليه الأحاديثُ التى رَوَيْناها.
ولأنَّه لو صَحَّ ما ذكَرُوه، لم تَجِبِ الأيْمانُ؛ لأنَّ الشَّاهِدَيْن مِن المسلِمينَ لا قَسَامَةَ عليهم.
وحَمْلُها على التَّحَمُّلِ لا يَصِحُّ؛ لأنَّه أمرَبإحْلافِهم، ولا أيْمانَ في التَّحَمُّلِ.
وحَمْلُها على اليَمِينِ لا يَصِحُّ؛ لقولِه: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ﴾ 2. ولأنَّه عَطَفَها على ذَوَىِ العَدْلِ مِن
الْخَامِسُ، أنْ يَكُونَ مِمَّنْ يَحْفَظُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ مُغَفَّلٍ، وَلَا مَعْرُوفٍ بِكَثْرَةِ الْغَلَطِ وَالنِّسْيَانِ.
المُؤْمِنين، وهما شَاهِدان.
ورَوَى أبو عُبَيْدٍ في «النَّاسِخِ والمَنْسُوخِ» 1 أنَّ ابنَ مَسعودٍ قَضَى بذلك في زَمَنِ عُثمانَ.
قال أحمدُ: أهلُ المَدينةِ ليس عندَهم حديثُ أبى موسى، مِن أينَ يَعْرِفُونَه؟ فقد ثَبَت هذا الحُكْمُ بكتابِ اللهِ، وقَضاءِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، وقَضاءِأصْحابِه به 2 وعَملِهم بما ثِبَت في الكِتابِ والسُّنَّةِ، فتَعَيَّنَ المصِيرُ إليه، والعَملُ به، سواءٌ وَافقَ القِياسَ أو خالَفَه.
(الخامسُ، أن يكونَ مِمَّن يحْفَظُ، فلا تُقْبَلُ شَهادةُ مُغَفَّلٍ، ولا مَعْروفٍ بكَثْرَةِ الغَلَطِ والنِّسْيانِ) لأنَّ الثِّقَةَ لا تحْصُلُ بقَوْلِه؛ لاحْتِمالِ أن يكونَ مِن غَلَطِه، وتُقْبَلُ شَهادةُ مَن يَقِلٌّ ذلك منه؛ لأنَّ أحدًا لا يَسْلَمُ مِن الغَلَطِ.
فَصْلٌ: السَّادِسُ، الْعَدَالَةُ، وَهِىَ اسْتِوَاءُ أحْوَالِهِ فِى دِيِنهِ، وَاعْتِدَالُ أقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ.
وَقِيلَ: الْعَدْلُ مَنْ لَمْ تَظْهَرْ مِنْهُ رِيبَةٌ.
وَيُعْتَبَرُ لَهَا شَيْئَانِ؛ الصَّلَاحُ فِى الدِّينِ، وَهُوَ أدَاءُ الفَرَائِضِ، وَاجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ، وَهُوَ أَنْ لَا يَرْتَكِبَ كَبِيرَةً، وَلَا يُدْمِنَ عَلَى صَغِيرَةٍ.
فصل: قال الشَّيْخُ، رَحِمَه الله: (السادسُ، العَدالَةُ، وهى اسْتِواءُ أحْوالِه في دِينِه، واعْتِدالُ أقْوالِه وأفْعالِه.
وقيل: العَدْلُ مَن لم تَظْهَرْ منه رِيبَةٌ.
ويُعْتَبَرُ لها شَيْئان؛ الصَّلاحُ في الدِّينِ، وهو أداءُ الفَرائِضِ، واجْتِنابُ المَحارِمِ، وهو أن لا يَرْتَكِبَ كبيرةً، ولا يُدْمِنَ على صَغِيرةٍ) فإنَّ اللهَ تعالى نَهَى أن تُقْبَلَ شَهادةُ القاذِفِ، فيُقاسُ عليه كُلُّ مُرْتَكِبِ كبيرةٍ، ولا يُخْرِجُه عن العَدالةِ فِعْلُ صَغِيرةٍ؛ لقولِ اللهِ تعالى: ﴿الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلَّا اللَّمَمَ﴾ 1. قيل: اللَّمَمُ صِغارُ الذُّنوبِ.
ولأنَّ التَّحَرُّزَ منها غيرُ مُمْكِنٍ، وجاءَ عنِ النَّبِى - صلى الله عليه وسلم -،
..................................
أنَّه قال:
إنْ تَغْفرِ اللَّهُمَّ تَغْفِرْ جَمَّا
وأىُّ عَبْدٍ لَكَ لَا أَلَمَّا 1
أىْ: لم يُلمَّ.
فإنَّ «لا» مع الماضِى بمَنْزِلةِ «لم» مع المُسْتَقْبَلِ.
وقيل: اللَّمَمُ أن يُلمَّ بالذَّنْبِ، ولا يَعُودَ فيه.
والكَبائِرُ كلُّ ذَنْبٍ فيه حَدٌّ، والإِشْراكُ باللهِ، وقَتْلُ النًّفْسِ التى حَرَّمَ اللهُ، [وشهادَةُ الزُّورِ] 2، وعُقُوقُ الوَالِدَيْن.
وقد رَوَى أبو بَكْرَةَ 3 أنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - قال: «ألَا أُنَبَّئُكُمْ بِأكْبَرِ الكَبائِرِ؟ الإشْرَاكُ بِاللهِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِى حَرَّمَ اللهُ، وعُقُوقُ
..................................
الوَالِدَيْن».
وكان مُتَّكِئًا فَجَلَس، فقال: «ألَاوَقَوْلُ الزُّورِ، وشَهَادَةُ الزُّورِ».
فما زَالَ يُكَرِّرُهَا حتى قُلْنا: لَيْتَه سَكَت.
مُتَّفَقٌ عليه 1. قال أحمدُ: لا تجوزُ شَهادَةُ آكلِ الرِّبَا، والعَاقِّ، وقَاطِعِ الرَّحِمِ، [ولا مَنْ] 2 لا يُؤدِّى زَكاةَ مالِه، وإذا أخْرجَ في طريقِ المُسلمينَ الأُصْطُوانةَ 3 والكَنِيفَ لا يكونُ عَدْلًا، ولا يكونُ ابْنُه عَدْلًا إذا وَرِثَ أباه، حتى يَرُدَّ ما أخَذَ مِن طريقِ المسلمين، ولا يكونُ عَدْلًا إذا كذَبَ الكَذِبَ الشَّديدَ؛
..................................
لأنَّ النَبِىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَدَّ شَهادةَ رجلٍ في كِذْبَةٍ 1. وقال: عن الزُّهْرِىِّ، عن عُرْوةَ، عن عائِشَةَ، عن النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ، ولَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَجْلُودٍ فِى حَدٍّ، وَلَا ذِى غِمْرٍ 2 عَلَى أخِيه في عَدَاوَةٍ، ولَا القَانِعِ 3 لأهْلِ البَيْتِ، وَلَا مُجَرَّبٍ عَلَيْهِ شَهَادَةُ زُورٍ، ولَا ظَنِينٍ 4 في قَرَابَةٍ وَلَا وَلَاءٍ» 5. وقد روَاه أبو داود 6، وفيه 7: «لا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِن وَلَا خَائِنَةٍ، ولَا زَانٍ وَلَا زَانِيَةٍ، ولَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أخِيهِ».
فأمَّا
.................................. الصَّغائِرُ، فإن كان مُصِرًّا عليها، رُدَّتْ شَهادتُه، وإن كان الغالِبُ مِن أمْرِه
وَقِيلَ: أنْ لَا يَظْهَرَ مِنْهُ إِلَّا الْخَيْرُ.
الطَّاعاتِ، لم تُرَدَّ؛ لِما ذكَرْنا مِن عَدَمِ إمْكانِ التَّحَرُّزِ منه (وقيل): هو (أن لا يَظْهَرَ منه إلَّا الخيرُ).
وَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ فَاسِقٍ،
5042 - مسألة: (ولا تُقْبَلُ شهادَةُ فاسِقٍ)
لقوْلِه سبحانَه وتعالى: ﴿وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ 1. وقال سبحانه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾ الآية 2. والشَّهادَةُ نَبَأٌ، فيَجِبُ التَّوَقُّفُ عنه.
وقد رُوِىَ في الحديثِ: «لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ خَائِنٍ
سَوَاءٌ كَانَ فِسْقُهُ مِنْ جِهَةِ الأفْعَالِ، أَوْ الِاعْتِقَادِ.
وَلَا خَائِنَةٍ، وَلَا مَحْدُودٍ فِى الإسْلامِ، وَلَا ذِى غِمْرٍ عَلَى أَخِيهِ».
رواه أبو عُبَيْدٍ 1. وكان أبو عُبَيْدٍ لا يَرَىَ الخائِنَ والخائِنَةَ مُخْتَصًّا بأمانَاتِ الناسِ، بل جَميعَ ما فَرَضَ اللهُ تعالى على العِبَادِ القيامَ به، واجْتِنابَه، مِن كبيرِ ذلك وصغيرِه، قال اللهُ تعالى: ﴿إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا﴾ الاَية 2. ورُوِىَ عن عمرَ، أنَّه قال: لا يُؤْسَرُ 3 رَجلٌ بغيرِ العُدولِ 4. ولأنَّ دِينَ الفاسِقِ لا يَزَعُه عن ارْتِكابِ مَحْظُوراتِ الدِّينِ، فلا يُؤْمَنُ أنْ لا 5 يَزَعَه عن الكَذِبِ، فلا تحْصُلُ الثِّقَةُ بخَبَرِه.
إذا تَقَرَّرَ هذا، فالفِسْقُ نَوْعان؛ أحدُهما، مِن جِهَةِ الأفْعالِ، فلا خِلافَ في رَدِّ شَهادَتِه.
الثانى، مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ، وهو اعْتِقادُ البِدْعَةِ، فيُوجِبُ رَدَّ الشَّهادَةِ أيضًا.
وبه قال مالكٌ، وشَرِيكٌ، وإسْحاقُ، وأبوعُبَيْدٍ، وأبو ثَوْرٍ.
قال شَرِيكٌ: أرْبعةٌ لا تجوزُ شَهادتهم؛ رَافِضِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ 6 له إمامًا مُفْتَرَضَةٌ طاعَتُه، وخارِجِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ الدُّنْيا دارُ
..................................
حَرْبٍ، وقَدَرِىٌّ يَزْعُمُ أنَّ المَشِيئَةَ إليه، ومُرْجئٌ.
ورَدَّ شَهادةَ يعْقوبَ 1، وقال: ألا أردُّ شَهادةَ قومٍ يَزْعُمونَ أنًّ الصَّلاةَ ليستْ مِن الإيمانِ؟ وقال أبو حامدٍ، مِن أصْحابِ الشافعىِّ: المُخْتَلِفُون على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ ضَرْبٌ اخْتلَفُوا في الفُرُوعِ، فهؤلاء لا يُفَسَّقُون بذلك 2، ولا تُرَدُّ شَهادَتُهم، وقد اخْتَلَفَ الصحابةُ في الفُرُوعِ ومَن بعدَهم مِن التّابِعينَ.
الثانى، مَن نُفَسِّقُه ولا نُكَفِّرُه، وهو مَن يسبَّ الْقَرابَةَ، كالخَوَارِجِ، أو مَن يسبَّ الصَّحابةَ، كالرَّوافِضِ، فلا تُقْبَلُ لهم شَهادَة لذلك.
الثالثُ، مَن نُكَفِّرُه، وهو مَن قال بخَلْقِ القُرْآنِ، ونَفْىِ الرُّؤْيَةِ، وأضافَ المَشِيئَةَ إلى نَفْسِه، فلا تُقْبَلُ له شَهادةٌ.
وذكرَ القاضى أبو يَعْلَى مِثْلَ هذا سواءً.
قال: وقال أحمدُ: ما تُعْجِبُنى شَهادةُ الجَهْمِيَّةِ، والرّافِضَةِ، والقَدَرِيَّةِ المُغْلِيَةِ 3. وظاهرُ قولِ الشافعىِّ، وابنِ أبى ليلَى، والثَّوْرِىِّ، وأبى حنيفةَ، وأصحابِه، قَبولُ شَهادةِ أهلِ الأهْواءِ.
وأجازَ سَوَّارٌ شَهادةَ ناس مِن بنى العَنْبَرِ، ممَّن يَرَى الاعْتِزَالَ.
قال الشافعىُّ: إلَّا أن يكونَ ممَّن يَرَى الشَّهادةَ بالكَذِبِ، [بعضُهم لبعض] 4، كالخَطَّابِيَّةِ، وهم أصْحابُ أبى الخَطَّابِ 5، يَشْهَدُ بعْضُهم
وَيَتَخَرَّجُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَبُولُ شَهادَةِ الفَاسِقِ مِنْ جِهَةِ الِاعْتِقَادِ المُتَدَيِّنِ بِهِ، إِذَا لَمْ يَتَدَيَّنْ بِالشَّهَادَةِ لمُوَافِقِهِ عَلَى مُخَالِفِهِ.
لبعضٍ بتَصْديقِه.
ووَجْهُ قولِ مَن أجازَ شَهادَتَهم، أنّه اخْتِلافٌ لم يُخْرِجْهم عن الإسْلامِ، أشْبَهَ الاخْتِلافَ في الفُروعِ، ولأنَّ فِسْقَهم لا يدُلُّ على كَذِبِهم؛ لكَوْنِهم ذَهبُوا إلى ذلك تَدَيُّناً واعْتِقادًا أنَّه الحقُّ، ولم يَرْتَكِبُوه عالِمينَ بتَحْريمِه، بخِلافِ فِسقِ الأفْعالِ.
5043 -
مسألة: (ويَتَخَرَّجُ على قَبُولِ شَهَادَةِ أهْلِ الذِّمَّةِ، قَبُولُ شهادةِ الفاسِقِ مِن جِهَةِ الاعْتِقادِ المُتَدَيِّنِ به، إذا لم يَتَدَيَّنْ بالشهادَةِ لمُوافِقِيهِ على مُخالِفِيهِ)
كالخَطَّابِيَّةِ.
وكذلك قال أبو الخَطَّابِ.
ورُوِىَ عن أحمدَ جوازُ الرِّوايَةِ عن القَدَرِىِّ، إذا لم يكُنْ داعِيَةً، فكذلك الشَّهادةُ.
ولَنا، أنَّه أحدُ نَوْعَىِ الفِسْقِ، فتُرَدُّ به الشَّهادةُ، كالنَّوعِ الآخَرِ؛ ولأنَّه فاسِقٌ، فتُرَدُّ شَهادَتُه، للآيَةِ.
= ثم آلهة، ولَمَّا وقف عيسى بن موسى صاحب المنصور على خبث دعوته قتله.
الملل والنحل 1/ 380، 381.
وَأمَّا مَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الفُرُوعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهَا، فَتَزَوَّجَ بِغَيْرِ وَلِىٍّ، أوْ شَرِبَ مِنَ النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أوْ أخَّرَ الْحَجَّ الوَاجِبَ مَعَ
5044 - مسألة: (فأمّا مَن فَعَل شَيْئًا مِن الفُرُوعِ المُخْتَلَفِ فيها، فتَزَوَّجَ بغيرِ وَلِىٍّ، أو شَرِبَ مِن النَّبِيذِ مَا لَا يُسْكِرُهُ، أو أخَّرَ الحَجَّ الواجِبَ
إِمْكَانِهِ، وَنَحْوَهُ، متَأوِّلًا، فَلَا ترَدُّ شَهَادَتُةُ، وَإنْ فَعَلَهُ مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَهُ، رُدَّتْ شَهَادَتُهُ.
وَيَحْتَمِلُ أنْ لَا تُرَدَّ.
مَعَ إمْكَانِهِ، ونَحْوَه، مُتَأَوِّلًا، فَلَا تُرَدُّ شهِادَتُهُ، وإن فعلَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه، رُدَّتْ شَهادتُه.
ويَحْتَمِلُ أن لا تُرَدَّ) نصَّ عليه أحمدُ، في شارِبِ النَّبِيذِ 1: يُحَدُّ، ولا تُرَدُّ شَهادتُه.
وبهذا قال الشافعىُّ.
وقال مالكٌ: تُرَدُّ شَهادتُه، لأنَّه فَعلَ ما يَعْتقِدُ الحاكمُ تحْرِيمَه، فأشْبَهَ المُتَّفَقَ على تحْرِيمِه.
ولَنا، أنَّ الصَّحابةَ، رَضِىَ اللهُ عنهم، كانوا يخْتَلِفُون في الفُروعِ، فلم يكُنْ بعْضُهم يَعِيبُ مَن خالَفَه، ولا يُفَسِّقُه، ولأنَّه فَرْعٌ مُخْتَلَفٌ فيه، فلم تُرَدَّ شهادةُ فاعِلِه، كالذى يُوافِقُه عليه الحاكمُ.
فأمَّا إن فعلَه مُعْتَقِدًا تَحْرِيمَه، رُدَّتْ شهادتُه إذا تكَرَّرَ.
ويَحْتَمِلُ أن لا تُرَدَّ.
وبه قال أصْحابُ الشافعىِّ، لأنَّه فِعْلٌ لا تُرَدُّ شَهادَةُ بعضِ الناسِ به 2،
..................................
فلا تُرَدُّ شَهادةُ البعضِ الاَخَرِ، كالمُتَّفَقِ على حِلِّه.
ووَجْهُ الأوَّلِ، أنَّه فِعْلٌ مُحَرَّمٌ على فاعلِه، ويَأْثَمُ به، فأشْبَهَ المُتَّفَقَ على تحْرِيمِه، وبهذا فارَقَ مُعْتَقِدَ حِلِّه.
وقد رُوِىَ عن أحمدَ، في مَن يجبُ عليه الحَجُّ فلا يَحُجُّ: تُرَدُّ شَهادتُه.
وهذا يُحْمَلُ على مَن اعْتقَدَ وُجوِبَه على الفَوْرِ.
فأمّا مَن يعْتَقِدُ أنَّه على التَّراخِى، ويَتْرُكُه بنِيَّةِ فِعْلِه، فلا تُرَدُّ شَهادته، كسائرِ ما 1
الثَّانِى، اسْتِعْمَالُ المُرُوءَةِ، وَهُوَ فِعْلُ مَا يُجَمِّلُهُ وَيُزَيِّنُهُ، وَتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ وَيَشِينُهُ، فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَةُ الْمُصَافِعِ، وَالْمُتَمَسْخِرِ،
ذَكَرْنا.
وقيل: تُرَدُّ؛ لأَّنه قد رُوِى عن عمرَ، رَضِىَ اللهُ عنه، أنَّه قال: لقد هَمَمْتُ أن أنظُرَ في الناسِ، فمَن وَجَدْتُه يَقْدِرُ على الحَجِّ ولا يَحُجُّ، ضَرَبْتُ عليه الجِزْيَةَ.
ثم قال: ما هم بمسلمين، ما هم بمسلمين.
5045 -
مسألة: (الثانى، استِعْمَالُ المُرُوءَةِ، وهو فِعْلُ ما يُجَمِّلُهُ ويُزَيِّنُهُ، وتَرْكُ مَا يُدَنِّسُهُ ويَشِينُهُ، فلا تُقْبَلُ شَهادَةُ المُصَافِعِ
1،
وَالمُغَنىِّ، وَالرَّقَّاصِ، واللَّاعِبِ بِالشِّطْرَنْجِ، وَالنَّرْدِ، والْحَمَامِ، وَالَّذِى يَتَغَدَّى فِى السُّوقِ، وَيَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِى مَجْمَعِ النَّاسِ، وَيُحَدِّثُ بِمُبَاضَعَتِهِ أهْلَهُ أوْ أمَتَهُ، وَيَدْخُلُ الْحَمَّامَ بِغَيْرِ مِئْزَرٍ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
والمُتَمَسْخِرِ، والمُغَنِّى، والرَّقَّاصِ، واللَّاعِبِ بالشِّطْرَنْجِ، والنَّرْدِ، والحَمَامِ، والذى يَتَغَدَّى فِى السُّوقِ، ويَمُدُّ رِجْلَيْهِ فِى مَجْمَعِ الناسِ، ويُحَدِّثُ بمُبَاضَعَةِ أهْلِه وأمَتِه، ويَدْخُلُ الحَمَّامَ بغَيْرِ مِئْزَرٍ، ونَحوِ ذلك) لأنًّ المُرُوءَةَ 1 اجْتِنابُ الأُمورِ الدَّنِيئَةِ المُزْرِيَةِ به، وذلك نَوْعانِ؛ أحدُهما، في الأفْعالِ، كالأكْلِ في السُّوقِ، وهو الذى يَنْصِبُ مائدةً في السُّوقِ، ويأْكُلُ والناسُ يَنْظُرونَ إليه، ولا يَعنى أكْلَ شئٍ يَسِيرٍ، كالكِسْرَةِ ونحوِها.
وإنْ كان يَكْشِفُ ما جرَتِ العادةُ بتَغْطِيَته مِن بَدَنِه، أو يَمُدُّ رِجْلَيْه في مَجْمَعِ النَّاسِ 2، أو يتَمَسْخَرُ بما يُضْحِكُ الناسَ به، أو يُخاطِبُ امْرَأتَه أو أمَتَه أو غيرَهما بحَضرةِ الناسِ بالخِطابِ الفاحِشِ، أو يُحَدِّثُ الناسَ بمُباضَعَتِه أهْلَه، أو نحوِ هذا مِن الأفْعالِ الدَّنِيئَةِ، فلا تُقْبَلُ شَهادَتُه، لأنَّ هذا سُخْفٌ ودَناءَةٌ، فمَن رَضيَه
..................................
لنَفْسِه واسْتحسَنَه، فليستْ له مُروءةٌ، ولا تَحْصُلُ الثقَةُ بقَوْلِه.
قال أحمدُ في رجلٍ شَتَمَ بَهِيمَةً: قال الصَّالحُونَ: لا تُقْبَلُ شَهادَتُه حتى يَتُوبَ.
وقد روَى أبو 1 مسعودٍ البَدْرِىُّ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ مِمَّا أدْرَكَ النَّاسُ مِنْ كَلَامِ النُّبُوَّةِ الأُولَى، إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَع مَا شِئتَ» 2. يَعنى مَن لمَ يَسْتَحِ 3 صَنَع ما شاءَ.
ولأنَّ المُروءةَ تمْنعُ الكَذِبَ، وتَزْجُرُ عنه، ولهذا يَمْتَنِعُ منه ذُو المُروءَةِ وإن لم يكُنْ ذا دِينٍ، فقد رُوِىَ عن أبى سُفيانَ، أنَّه حينَ سَأله قَيْصَرُ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - وصِفَتِه، قال: واللهِ لولا أنِّى كَرِهْتُ أن يُؤْثَرَ عنِّىَ الكَذِبُ، لَكَذَبْتُه 4. ولم يكُنْ
..................................
يومَئذٍ ذا دِينٍ.
ولأنَّ الكَذِبَ دَناءةٌ، والمُروءةُ تَمْنَعُ مِن الدَّناءَةِ.
وإذا كانتِ المُروءةُ مانعةً مِن الكَذِبِ، اعْتُبِرَتْ في العَدالةِ، كالدِّينِ، ومَن فعلَ شيئًا مِن هذا مُخْتَفِيًا به، لم يَمْنَعْ مِن قَبُولِ شَهادَتِه؛ لأنَّ مُروءَتَه لا تَسْفُطُ به.
وكذلك إن فعلَه مَرَّةً، أو شيئًا قليلًا، لم تُرَدَّ شَهادتُه؛ لأنَّ صغيرَ المعاصِى لا يَمْنَعُ الشَّهادةَ إذا قَلَّ، فهذا أوْلَى، ولأنَّ المُروءةَ لا تَخْتَلُّ بقليلِ هذا، ما لم يكُنْ عادةً.
فصلٌ في اللَّعِبِ: كلُّ لَعِبٍ فيه قِمارٌ، فهو مُحَرَّمٌ، أىَّ لَعِبٍ كان، وهو مِن المَيْسِرِ الذى أمرَ الله تعالى باجْتِنَابِه، ومَن تَكَرَّرَ منه ذلك رُدَّتْ شَهادَتُه.
وما خَلا مِن 1 الْقِمارِ، وهو اللَّعِبُ الذى لا عِوَضَ فيه مِن
..................................
الجانِبَيْن، ولا مِن أحَدِهما، فمنه ما هو مُحَرَّمٌ، ومنه ما هو مُباحٌ؛ فالمُحَرَّمُ اللَّعِبُ بالنَّرْدِ، وهذا قولُ أبى حنيفةَ، وأكْثَرِ أصْحاب الشافعىِّ.
وقال بعْضُهم: هو مَكْرُوهٌ، غيرُ مُحَرَّمٍ.
ولَنا، ما رَوَى أبَو موسى، قال: سمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ 1: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَقَدْ عَصَى اللهَ وَرَسُولَهُ».
ورَوَى بُرَيْدَةُ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ لَعِبَ بِالنَّرْدَشِيرِ، فَكَأَنَّمَا غَمَسَ يَدَهُ فِى لَحْمِ الْخِنْزِيرِ وَدَمِه».
روَاهما أبو داودَ 2. وكان سعيدُ بنُ جُبَيْرٍ إذا مَرَّ على أصْحابِ النَّرْدَشِيرِ، لم يُسَلِّمْ عليهم.
إذا ثَبَت هذا، فمَن تكَرَّرَ منه اللَّعِبُ به، لم تُقْبَلْ شَهادتُه، سواءٌ لَعِبَ به قِمارًا أو غيرَ قِمارٍ.
وهذا قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ، وظاهِرُ مذهبِ الشافعىِّ.
وقال مالكٌ: مَن لَعِبَ بالشِّطْرَنْجِ والنَّرْدِ، فلا أرَى شَهادَتَه إلَّا باطِلَةً 3؛ لأنَّ اللهَ تعالى قال: ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾ 4.
..................................
وهذا ليس مِن الحقِّ، فيكونُ مِن الضَّلالِ.
فصل: والشِّطْرَنْجُ كالنَّرْدِ في التَّحْريمِ، إلَّا 1 أنَّ تَحْرِيمَ النَّرْدِ آكَدُ؛ لوُرُودِ النَّصِّ في تَحْرِيمِه، وهذا في مَعْناه، فيَثْبُتُ فيه حُكْمُه قياسًا عليه.
وذكَر القاضى أبو الحُسينِ ممَّن ذهبَ إلى تَحْرِيمِه؛ علىَّ بنَ أبى طالِبٍ، وابنَ عمرَ، وابنَ عباسٍ، وسعيدَ بنَ المُسَيَّبِ، والقاسِمَ، وسالِمًا، وعُرْوَةَ، ومحمدَ بنَ علىِّ بنِ الحُسينِ، ومَطرًا الوَرَّاقَ 2، ومالِكًا.
وبه قال أبو 3 حنيفةَ.
وذهبَ الشافعىُّ إلى إباحَتِه.
وحَكَى ذلك أصْحابُه عن أبى هُرَيْرَةَ، وسعيدِ بنِ المُسَيَّب، وسَعِيدِ بنِ جُبَيْرٍ.
واحْتَجُّوا بأنَّ الأصْلَ الإباحَةُ، ولم يَرِدْ بتَحْرِيمِه نَصٌّ، ولا هو في مَعْنَى المنْصوصِ عليه، فيَبْقَى على الِإباحَةِ.
ويُفارِقُ الشِّطْرَنْجُ النَّرْدَ من وَجْهَيْن؛ أحدُهما، أنَّ في الشِّطْرَنْجِ تَدْبِيرَ الحَرْبِ، فأشْبَهَ اللَّعِبَ بالحِرابِ، والرَّمْىَ بالنُّشَّابِ، والمُسابقَةَ بالخَيْلِ.
والثانى، أنَّ المُعَوَّلَ في النَّرْدِ على ما تُخْرِجُه الكَعْبَتانِ 4، فأشْبَهَ الأزْلَامَ، والمُعَوَّلَ في
..................................
الشِّطْرَنْجِ على حِذْقِه وتَدْبيرِه، فأشْبَهَ المُسابقَةَ بالسِّهام.
ولَنا، قولُ اللهِ سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾ 1. قال علىٌّ، رَضِىَ اللهُ عنه: الشِّطْرَنْجُ مِن المَيْسِرِ.
ومَرَّ، رَضِىَ اللهُ عنه، على قومٍ [يلعبون بالشِّطْرَنجِ] 2، فقال: ﴿مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ 3. قال أحمدُ: أصَحُّ ما في الشطْرَنْجِ، قولُ علىٍّ، رَضِىَ الله عنه.
ورَوَى واثِلَةُ بنُ الأسْقَعِ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ للهِ عَزَّ وَجَلَّ فِى كُل يَوْمٍ ثَلاَثمائةٍ 4 وسِتِّينَ نَظْرَةً، لَيْسَ لِصاحِبِ الشَّاهِ فِيهَا نصِيبٌ» 5. ولأنَّه لَعِبٌ يَصُدُّ عنِ ذِكْرِ اللهِ تعالى وعن الصَّلاةِ، فأَشْبَهَ اللَّعِبَ بالنَّرْدِ.
وقولُهم: لا نَصَّ فيها.
قد ذكَرْنا فيها نَصًّا، وهى في مَعْنى النَّرْدِ 6
..................................
المَنْصوصِ على تَحْرِيمِه.
وقولُهم: إنَّ فيها تَدْبِيرَ الحرْبِ.
قُلْنا: لا يُقْصَدُ هذا منها، وأكثْرُ اللَّاعِبين بها إنَّما يَقْصِدُونَ منها اللَّعِبَ والقِمارَ.
وقولُهم: إنَّ المُعَوَّلَ فيها على تَدْبِيرِه.
فهو أبْلَغُ في اشْتِغَالِه 1 بها، وصَدِّها عن ذِكْرِ اللهِ وعن الصَّلاةِ.
إذا ثَبَت هذا، فقال أحمدُ: النَّرْدُ أشَدُّ مِن الشِّطْرَنجِ.
إنَّما قال ذلك؛ لورُودِ النَّصِّ في النَّرْدِ، بخِلافِ الشِّطرَنْجِ.
إذا ثبت هذا، فقال القاضى: هو كالنَّرْدِ في رَدِّ الشَّهادةِ.
وهو قولُ أبى حنيفةَ، ومالكٍ؛ لاشْتِراكِهما في التَّحْريمِ.
وقال أبو بكرٍ: إن فَعَلَه مَن يَعْتَقِدُ 2 تَحْرِيمَه، فهو كالنَّرْدِ في حَقِّه، وإن فعَلَه مَن يَعْتَقِدُ إباحَتَه، لم تُرَدَّ شَهادَتُه، إلَّا أن يَشْغَلَه عن الصَّلاةِ في أوْقاتِها، أو يُخْرِجَه إلى الحَلِفِ الكاذِبِ، أو نحوِه مِن المُحَرَّماتِ، أو يَلْعَبَ بها على الطرَّيقِ، أو يَفْعَلَ في لَعِبِه ما يُسْتَخَفُّ به مِن أجْلِه، ونحوَ هذا ممَّا يُخْرِجُه عن المُروءَةِ.
وهذا مذهبُ الشافعىِّ؛ وذلك لأنَّه 3 مُخْتَلَفٌ فيه، أشْبَهَ سائِرَ المُخْتَلَفِ فيه.
فصل: فأمَّا اللَّاعِبُ بالحَمامِ يُطَيِّرُها، فلا شَهادَةَ له.
وهذا قولُ
..................................
أصْحابِ الرَّأْىِ.
وكان شُرَيْحٌ لا يُجِيزُ شَهادةَ صاحِب 1 حَمامٍ ولا حَمَّامٍ؛ ولأنَّه سَفَهٌ ودَناءَةٌ وقِلَّةُ مُرُوءَةٍ، ويتَضَمَّنُ أَذَى الجيرَانِ، وإشْرَافَه 2 على دُورِهم، ورَمْيَه إيَّاها بالحِجَارَةِ.
وقد رُوِىٍ أَنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - رَأى رجلًا يَتْبَعُ حَمامًا، فقال: «شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً» 3. فإنِ اتَّخَذَ الحَمامَ لطَلَبِ فِرَاخِها، أو لحَمْلِ الكُتُبِ، أو للأنْسِ بها مِن غيرِ أذًى يَتعدَّى إلى الناسِ، فلا بَأْسَ.
وقد رَوَى عُبادَةُ بنُ الصّامِتِ، أنَّ رَجُلًا [جاء إلى] 4 النَّبِىِّ - صلى الله عليه وسلم -، فَشَكا إليه الوَحْشَةَ، فقال: «اتَّخِذْ زَوْجًا مِنْ حَمَامٍ» 5.
.................................. فصل: فأمَّا المُسابَقَةُ المَشْرُوعةُ، بالخَيْلِ وغيرِها مِن
..................................
الحيواناتِ، أو على الأقْدامِ، فَمُباحٌ 1 ولا دَناءَةَ فيه 2، ولا تُرَدُّ به 3 الشَّهادةُ، وقد ذكَرْنا مَشْرُوعِيَّةَ ذلك في بابِ المُسابَقَةِ 4. وكذلك ما في مَعْناه من الثِّقَافِ، واللَّعِبِ بالحِرَابِ.
وقد لَعِبَ الحَبَشَةُ بينَ يَدَىِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم - بالحِرابِ، وقامتْ عائشةُ، رَضِىَ الله عنها، تَنْظُرُ إليهم، وتَسْتَتِرُ به، حتى مَلَّتْ 5. وسائِرُ اللَّعِبِ إذا لم يَتَضَمَّنْ ضَرَرًا، ولا شَغلًا عن فَرْضٍ، فالأصلُ إباحَتُه، فما كان منه 6 فيه دَناءَةٌ يتَرفَّعُ عنه ذَوُو المُروءاتِ، مَنَعَ الشَّهادةَ إذا فَعلَه ظاهِرًا، وتَكَرَّرَ منه، وما [كان منه] 7 لا دَناءَةَ فيه، لم تُرَّ الشَّهادةُ به بحالٍ.
والله أعلمُ.
فَأمَّ الشَّيْنُ فِى الصِّنَاعَةِ؛ كَالحَجَّامِ، وَالْحَائِكِ، وَالنَّخَّالِ، وَالنَّفَّاطِ، وَالْقَمَّامِ، والزَّبَّالِ، وَالْمُشَعْوِذِ، وَالدَّبَّاغِ، وَالْحَارِسِ، وَالْقَرَّادِ، والْكَبَّاشِ، فَهَلْ تُقْبَلُ شَهَادَتُهُمْ إذَا حَسُنَتْ طَرَائِقُهُمْ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ.
5046 - مسألة: (فأمّا الشَّيْنُ في الصَّناعَةِ)
[وهو النوع الثانى] 1 (كَالحَجَّامِ، والحَائِكِ، والنَّخّالِ، والنَّفّاطِ، والقَمّامِ، والزَّبّالِ، والمُشَعْوِذِ، والدَّبّاغِ، والحَارِسِ، والقَرَّادِ 2، والكَبَّاشِ 3، فهل تُقْبَلُ شَهَادَتُهم إذا حَسُنَتْ طَرائِقُهم؟ على وَجْهَيْنِ) الصَّناعاتُ الدَّنِيئَةُ، كالكَسّاحِ، والكنَّاسِ 4، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهما؛ لِما رَوَى سعيدٌ، في «سُنَنه» أنَّ رَجُلًا أتَى ابنَ عمرَ، فقال له: إنِّى رجلٌ كنَّاسٌ.
فقال له: أىَّ شئٍ تَكْنُسُ 5، الزِّبْلَ؟ قال: لا.
قال: فالعَذِرَةَ؟ قال: نعم.
قال:
..................................
منه كَسَبْتَ المالَ، ومنه تَزَوَّجْتَ، ومنه حَجَجْتَ؟ قال: نعم.
قال 1: الأجْرُ خَبِيثٌ، وما تزَوَّجْتَ فخَبِيثٌ، حتى تَخْرُجَ منه كما دخَلْتَ فيه 2. وعن ابنِ عباسٍ مثلُه في الكَسَّاحِ 3. ولأنَّ هذا دَناءةٌ يَجْتَنِبُه أهلُ المُروءاتِ، فأشْبَهَ الذى قبلَه.
فأمّا الزَّبَّالُ والقرَّادُ وَالحَجَّامُ 4 ونحوُهم، ففيه وَجْهان؛ أحدُهما، لا تُقْبَلُ شَهادَتُهم؛ لأنَّها دَناءةٌ يَجْتَنِبُها أهلُ المُروءاتِ، فهو كالذى قبلَه.
والثانى، يُقْبَلُ؛ لأنَّ بالناسِ إليه حاجةً.
فعلى هذا الوَجْهِ، إنَّما تُقْبَلُ شَهادَتُه إذا كان يتَنَظَّفُ للصَّلاةِ في وَقْتِها ويُصَلِّيها، فإن صلَّى بالنَّجاسَةِ، لم تُقْبَلْ شَهادتُه، وَجْهًا واحدًا.
وأمّا الحائِكُ والحارسُ والدَّبّاغُ، فهو أعلَى مِن هذه الصَّنائِعِ، فلا تُرَدُّ
..................................
به الشَّهادةُ.
وذكَرَ شيْخُنا فيها وَجْهَيْن، وكذلك ذكَرَها أبو الخَطَّابِ.
والأوْلَى قَبولُ شَهادةِ الحائِكِ والحارسِ والدَّبَّاغِ، لأنَّه قد تَوَلَّاها كثير مِن الصَّالحين وأهلِ المُروءاتِ.
وأمّا سائِرُ الصِّناعاتِ التى لا دَناءَةَ فيها، فلا تُرَدُّ الشَّهادةُ بها، وقد قِيل:
ألَا إنَّما التَّقْوَى هى العِزُّ والكَرَمْ … وحُبُّكَ للدُّنْيَا هو الذُّلُّ والهَرَمْ
ولَيْسَ على عَبْدٍ تَقِىٍّ نَقِيصَةٌ … إذا صَحَّح التَّقْوَى وإن حاك أو حَجَمْ 1
إلَّا مَن كان منهم يَحْلِفُ كاذِبًا، أو يَعِدُ ويُخْلِفُ، وغَلبَ هذا عليه،
..................................
فإنَّ شَهادتَه تُرَدُّ.
وكذلك مَن كان منهم يُؤَخِّرُ الصَّلاةَ عن أوْقاتِها، أو 1 لا يَتَنَزَّهُ عن النَّجاساتِ، فلا شهادةَ له.
ومَن كانت صِناعتُه [مُحَرَّمَةً؛ كصانِعِ المَزامِيرِ والطَّنَابِيرِ، فلا شَهادَةَ له.
ومَن كانَتْ صِناعَتُه] 2 يَكْثُرُ فيها الرِّبا، كالصّائِغِ والصَّيْرَفِىِّ، ولم يَتَوَقَّ 3 ذلك، رُدَّتْ شَهادتُه.
فصلٌ في الملاهِى: وهى على ثلاثةِ أضْرُبٍ؛ محَرَّمٌ، وهو ضَرْبُ الأوْتارِ والنّاياتِ، والمَزامِيرِ كلِّها، والعُودِ، والطُّنْبُورِ، والمَعْزَفَةِ، والرَّبابِ، ونحوِها، فمَن أدامَ اسْتِماعَها 4، رُدَّتْ شَهادتُه؛ لأنَّه يُرْوَى عن علىٍّ، رَضِىَ اللهُ عنه، عن النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «إذَا ظَهَرَ فِى أُمَّتِى خَمْس عَشْرَةَ
..................................
خَصْلَةً، حَلَّ بِهِمُ الْبَلَاءُ» 1. ذكَرَ منها إظْهارَ المَعازِفِ والمَلاهِى.
وقال سعيدٌ: ثنا فرَجُ بنُ فَضَالَةَ، عن علىِّ بنِ يَزِيدَ، عن القاسِمِ، عن أبى أُمامَةَ، قال: قال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ بعَثَنِى رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ، وَأمَرَنِى بِمَحْقِ الْمَعازِفِ وَالْمَزَامِيرِ، لَا يَحِلُّ بَيْعُهُنَّ، وَلَا شِرَاؤُهُنَّ، ولا تَعْلِيمُهُنَّ 2، وَلَا التِّجَارَةُ فِيهِنَّ، وثَمَنُهُنَّ حَرَامٌ» 3. يعنى الضَّارباتِ.
ورَوَى نافِعٌ، قال: سمِعَ ابنُ عمرَ مِزْمارًا، فوَضَعَ إصْبَعَيْه على أُذُنَيْه، ونَأَى عن الطَّريقِ، وقال لى: يا نافعُ، هل تَسْمَعُ شيئًا؟ قال: فقلتُ: لا.
قال: فرَفَعَ إصْبَعَيْه مِن أُذُنَيْه، وقال: كنتُ مع النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -،
..................................
فسَمِعَ مثلَ هذا، فصنَعَ مثلَ هذا.
رَوَاه الخَلَّالُ في «جَامِعِه» مِن طريقَيْن.
ورَوَاه أبو داودَ، في «سُنَنِه» 1، وقال: حديثٌ مُنْكَرٌ.
وقد احْتَجَّ قومٌ بهذا الخَبَرِ على إباحَةِ المِزْمارِ، وقالوا: لو كان حَرامًا لَمَنَعَ النَّبِىُّ - صلى الله عليه وسلم - ابنَ عمرَ مِن سَماعِه، ومَنَعَ ابنُ عمرَ نافِعًا مِن اسْتِماعِه، ولأنْكَرَ على الزَّامِرِ بها.
قُلْنا: أمَّا 2 الأوَّلُ فلا يَصِحُّ؛ لأنَّ المُحَرَّمَ اسْتِماعُها دونَ سَماعِها، والاسْتِماعُ غيرُ السَّماعِ، ولهذا فَرَّقَ الفُقَهاءُ في سُجودِ التِّلاوَةِ بينَ السّامِعِ والمُسْتَمِعِ، ولم يُوجِبُوا على مَن سَمِعَ شيئًا مُحَرَّمًا سَدَّ أُذُنَيْه، قال اللهُ تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ﴾ 3. ولم يَقُلْ: سَدُّوا آذَانَهم.
والمُسْتَمِعُ هو الذى يَقْصِدُ السَّماعَ، ولم يُوجَدْ هذا مِن ابنِ عمرَ، وإنَّما وُجِدَ منه 4 السَّماعُ؛ ولأنَّ بالنبىِّ - صلى الله عليه وسلم - حاجَةً إلى مَعْرِفةِ انْقِطاعِ سَماعِ الصَّوْتِ عنه؛ لأنَّه عَدَلَ عن الطَّريقِ، وسَدَّ أُذُنَيْه، فلم
..................................
يكُنْ ليَرْجِعَ إلى الطَّريقِ، ولا يَرْفَعَ إصْبَعَيْه مِن أُذُنَيْه، حتى يَنْقَطِعَ الصَّوْتُ عنه، فأُبِيحَ للحاجَةِ.
وأمّا الِإنْكارُ، فلَعلَّه كان في أوَّلِ الهِجْرَةِ، حينَما لم يكُنِ الإِنْكارُ واجِبًا، أو قبلَ إمْكانِ الإِنْكارِ؛ لكَثْرَةِ الكُفَّارِ، وقلَّةِ أهلِ الِإسْلام.
فإن قيلَ: فهذا الخبَرُ ضَعِيفٌ.
فإنَّ أبا داودَ روَاه، وقال: هو حديَثٌ مُنْكَرٌ.
قُلْنا: قد روَاه الخَلَّالِ بإسنادِهِ 1 مِن طريقَيْن، فلَعلَّ أبا داودَ ضَعَّفَه؛ لأنَّه لم يَقَعْ له إلَّا مِن إحْدَى الطَّريقَيْنِ.
وضَرْبٌ مُباحٌ، وهو الدُّفُّ؛ فإنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «أعْلِنُوا النِّكَاحَ، واضْرِبُوا عَلَيْهِ بِالدُّفِّ».
أخْرَجَه مسلمٌ 2. وذكَرَ أصْحابُنا، وأصْحابُ الشافعىِّ، أنَّه مَكْرُوهٌ في غيرِ النِّكاحِ؛ لأنَّه يُرْوَى عن عُمَرَ، أنَّه كان إذا سَمِعَ صَوْتَ الدُّفِّ، بعَثَ فنَظَرَ، فإن كان في وَلِيمَةٍ سكَتَ، وإن كان في غيرِها، عَمَدَ بالدِّرَّةِ 3. ولَنا، ما رُوِىَ عنِ النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّ امرأةً جاءَتْه، فقالتْ: إنِّى نَذَرْتُ إن رَجَعْتَ مِن سَفرِكَ سَالِمًا، أن أضْرِبَ على رَأسِكَ بالدُّفِّ.
فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم -: «أوْفِ بِنَذْرِكِ».
رَواه أبو داودَ 4. ولو كان مَكْرُوهًا، لم يَأْمُرْها به وإن كان مَنْذُورًا.
ورَوَتِ
..................................
الرُّبَيِّعُ بنتُ مُعَوِّذٍ، قالتْ: دخَلَ علىَّ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - صَبِيحَةَ بُنِىَ بى، فجَعَلَتْ جُوَيْرِيَاتٌ يَضْرِبْنَ بدُفِّ لهنَّ، ويَنْدُبْنَ مَن قُتِلَ مِن آبائى يومَ بَدْرٍ، إلى أن قالَتْ إحْداهُنَّ: وفينا نَبِّىٌّ يَعْلَمُ ما في غَدٍ.
فقال: «دَعِى هَذَا، وَقُولِى الَّذِى كُنْتِ تَقُولِينَ».
مُتَّفَقٌ عليه 1. فأمَّا الضَّرْبُ به للرِّجالِ فهو مَكْرُوةٌ على كلِّ حالٍ؛ لأنَّه إنَّما كان 2 يَضْرِبُ به النِّساءُ، والِمُخَنَّثُونَ، والمُتَشبِّهون 3 بهِنَّ، ففى ضَرْبِ الرِّجالِ به تَشَبُّهٌ بالنِّساء.
فأمَّا الضَّرْبُ بالقَضِيبِ، فيُكْرَهُ إذا انْضَمَّ إليه مَكْرُوهٌ أو مُحَرَّمٌ كالتًّصْفِيقِ والغِنَاءِ والرَّقْصِ، وإن خلا عن ذلك كُلِّه، لم يُكْرَهْ؛ لأنَّه ليس بآلةِ لَهْوٍ ولا بطَرَبٍ، ولا يُسْمَعُ مُنْفَرِدًا، بخلافِ الْمَلاهِى.
ومذهبُ الشافعىِّ في هذا الفَصْلِ كما قُلْنا.
فصل: واخْتَلَفَ أصْحابُنا في الغِناءِ، فذهبَ أبو بكرٍ 4 الخَلَّالُ،
..................................
وصاحبُه أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ، إلى إباحَتِه.
قال أبو بكرٍ عبدُ العزيزِ: والغِناءُ والنَّوْح مَعْنًى واحدٌ، مباحٌ ما لم يكنْ معه مُنْكَرٌ، ولا فيه طَعْنٌ.
وكانَ 1 الخَلَّالُ يَحْمِلُ الكَراهَةَ مِن أحمدَ على الأفْعالِ المذْمُومَةِ، لا على القَوْلِ بعَيْنِه.
ورُوِىَ عن أحمدَ أنَّه سَمِعَ مِن عندِ ابْنِه صالحٍ قَوَّالًا، فلم يُنْكِرْ عليه، وقال له صالحٌ: يا أبَةِ، أليس كُنتَ تَكْرَهُهُ 2؟ فقال: قِيلَ لى: إنَّهم يَسْتَعْمِلون المُنْكَرَ.
وممَّن ذهبَ إلى إباحَتِه 3 مِن غيرِ كَرَاهَةٍ؛ إبراهيمُ ابنُ سعدٍ، وكثيرُ مِن أهلِ المدينةِ، والعَنْبَرِىُّ؛ لِما رُوِىَ عن عائِشةَ، رَضِىَ الله عنها، قالتْ: كانتْ عندِى جَارِيَتان تُغَنِّيان، فدخَلَ أبو بكرٍ، فقال: مَزْمُورُ 4 الشَّيْطانِ في بيتِ رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «دَعْهُما، فَإنَّهَا أيَّامُ عِيدٍ».
مُتَّفَقٌ عليه 5. وعن عمرَ، - رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -، أَنَّه قال: الغِناءُ زادُ الرَّاكِبِ 6. واختارَ القاضى أنَّه مَكرُوهٌ غيرُ
..................................
مُحَرَّمٍ.
وهو قولُ الشافعىِّ، وقال: هوَ 1 مِن اللَّهْوِ المَكْرُوهِ.
وقال أحمدُ: الغِناءُ يُنْبِتُ النِّفاقَ في القَلْبِ، لا يُعْجِبُنِى.
وذهبَ آخُرون مِن أصْحابِنا إلى تَحْرِيمِه.
قال أحمدُ، في مَن مات وخَلَّفَ ولدًا يَتيمًا، وجارِيَةً مُغَنَّيةً، فاحْتاجَ الصَّبِىُّ إلى بَيْعِها: تُباعُ ساذَجَةً.
قيل له: إنها تُساوِى مُغَنَّيَةً ثلاثين ألفًا، وتُساوى سَاذَجَةً عِشرين دِينارًا.
فقال: لا تُباعُ إلَّا على 2 أنَّها سَاذَجَةٌ.
واحْتَجُّوا على تَحْرِيمِه بما رُوِىَ عن ابنِ الحَنَفِيَّةِ، في قولِه تعالى: ﴿وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ﴾ 3. قال: الغِناءُ.
وقال ابنُ عبَّاسٍ، وابنُ مَسعودٍ، في قولِ اللهِ تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ﴾ 4. قال: هو الغِناءُ 5. وعن أبى أُمامَةَ، أنَّ النبىَّ - صلى الله عليه وسلم -[نَهَى عن شِراءِ المُغَنِّياتِ، وبَيْعِهِنَّ، والتِّجارَةِ فِيهنَّ، وأكْلُ أثْمانِهِنَّ حَرامٌ.
أخْرَجَه التِّرْمِذِىُّ 6، وقال: لا نَعْرِفُه إلَّا مِن حديثِ علىِّ بنِ يَزِيدَ، وقد تَكَلَّمَ أهلُ العلمِ فيه.
ورَوَى ابنُ مَسعودٍ، أنَّ النَّبِىَّ - صلى الله عليه وسلم -] 7 قال: «الغِنَاءُ يُنْبِتُ النِّفَاقَ فِى الْقَلْبِ» 8. والصَّحِيحُ أنَّه مِن 9 قولِ ابنِ
..................................
مَسعودٍ.
وعلى كلِّ حالٍ، مَن اتَّخَذَ الغِناءَ صِناعَةً، يُؤْتَى إليه، ويَأْتِى له، أو اتَّخذَ غُلامًا أو جارِيَةً مُغَنَّييْن، يَجْمَعُ عليهما الناسَ، فلا شَهادةَ له؛ لأنَّ هذا عندَ مَن لم يُحَرِّمْه سَفَهٌ ودَناءةٌ وسُقوطُ مُروءَةٍ، ومَن حَرَّمَه فهو مع سَفَهِه عاصٍ، مُصِرٌّ مُتَظاهِرٌ بفِسْقِه.
وبهذا قال الشافعىُّ، وأصْحابُ الرَّأْىِ.
وإن كان لا يَنْسِبُ نَفْسَه إلى الغِناءِ، وإنَّما يتَرَنَّمُ لنَفْسِه، ولا يُغَنِّى للناسِ، أو كان غُلامُه وجارِيَتُه إنَّما يُغَنِّيان له، انْبَنَى هذا على الخِلافِ فيه، فمَن أباحَه أو كَرِهَه، لم تُرَدَّ شَهادَتُه، ومَن حَرَّمَهُ، قال: إن دامَ عليه، رُدَّت شَهادتُه، كسائِرِ الصَّغائِرِ، وإن لم يُداوِمْ عليه، لم تُرَدَّ شَهادتُه.
وإن فعَلَه [مَن يَعْتَقِدُ] 1 حِلَّه، فقِياسُ المذهبِ أن لا تُرَدّ شَهادتُه بما لا يَشْتَهِرُ به 2 منه، كسائرِ المُخْتَلَفِ فيه مِن الفُروعِ.
ومَن كان يَغْشَى بُيوتَ الغِناءِ 3، أو يَغْشاه المُغَنُّون للسَّماعِ، مُتَظاهِرًا بذلك، وكَثُرَ منه، رُدَّتْ شَهادتُه، في قولِهم جميعًا؛ لأنَّه سَفَهٌ ودَناءةٌ.
وإن كان مُسْتَتِرًا به، فهو كالمُغَنِّى لنَفْسِه، على ما ذُكِرَ مِن التَّفْصِيلِ فيه.
فصل: فأمّا الحُدَاءُ، وهو الإنْشادُ الذى تُساقُ به الإِبلُ، فمُباحٌ، لا بَأْسَ به في فِعْلِه واسْتِماعِه؛ لِما رُوِىَ عن عائشةَ، رَضِىَ اللهُ عنها، قالت: كُنَّا مع رسولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - في سَفَرٍ، وكان عبدُ اللهِ بنُ رَواحَةَ
..................................
جيِّدَ الحُدَاءِ، وكان مع الرِّجالِ، وكان أنْجَشَةُ مع النِّساءِ، فقال النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لابنِ رَوَاحَةَ: «حَرِّكْ بِالْقَوْمِ».
فانْدَفَعِ يُنْشِدُ، فتَبِعَه أنْجَشَةُ، فأعْنَقَتِ الإبِلُ، فقالَ النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - لأنْجَشةَ: «رُوَيْدَكَ، رِفْقًا بِالْقَوارِيرِ» 1. يَعنى النِّساءَ.
وكذلك نَشِيدُ الأعْرابِ، وهو النَّصْبُ، لا بَأْسَ به، وسائرُ أنْواعِ الإنْشادِ، ما لم يَخْرُجْ إلى حَدِّ الغِناءِ.
وقد كان النبىُّ - صلى الله عليه وسلم - يَسْمَعُ إنْشادَ الشِّعْرِ، فلا يُنْكِرُه.
والغِناءُ، مِن الصَّوتِ، مَمْدودٌ مَكْسورٌ.
والغِنَى، مِن المالِ، مَقْصورٌ.
والحُدَاءُ، مَمْدودٌ مَضْمُومٌ، كالدُّعاءِ، ويَجوزُ الكَسْرُ، كالنِّداءِ.
فصل: والشِّعْرُ كالكَلامِ؛ حَسَنُه كحَسَنِه، وقَبِيحُه كقَبِيحِه.
وقد رُوِىَ عن النبىِّ - صلى الله عليه وسلم -، أنَّه قال: «إن مِنَ الشِّعْرِ لَحُكْمًا» 2. وكان
..................................
يَضَعُ لحسَّانَ مِنْبَرًا يقَومُ عليه، فيَهْجُو مَن هَجَا رسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - والمسلمينَ 1. وأنْشَدَه كَعْبُ بنُ زُهَير قَصِيدَتَه:
بَانَتْ سُعادُ فَقَلْبِى الْيَوْمَ مَتْبُولُ
في المسجدِ 2. وقال له عَمُّه العَباسُ: [يا رسولَ الله] 3، إنِّى أُرِيدُ أنْ أمْتَدِحَكَ.
فقال: «قلْ لَا يَفْضُضِ اللهُ فَاكَ».
فأنْشَدَه:
مِنْ قَبْلِها طِبْتَ فِى الظِّلالِ 4 وفى … مُسْتَوْدَعٍ حيثُ يُخْصَفُ الوَرَقُ 5
وقال عمرُو 6 بنُ الشَّرِيدِ: أرْدَفَنِى رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - فقال: «أمَعَكَ مِنْ شِعْرِ أُمَيَّةَ؟».
قلتُ: نعم.
فأنْشدْته بيتًا.
فقال: «هِيهِ».