الشرح الكبير على المقنع ت التركيصفحات 54-61

كِتَابُ الشَّركَةِ

صفحات 54-61

وَإِذَا أَطَارَتِ الرِّيحُ الْغَرَضَ، فَوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ، فَإِنْ كَانَ شَرْطُهُمْ خَوَاصِلَ، احْتُسِبَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ خَوَاسِقَ، لَمْ يُحْتَسَبْ لَهُ بِهِ وَلَا عَلَيهِ.
أو يُظْهِرَ (1) أنَّه يُعَلِّمُه.
وهكذا الحاضِرُ معهما، مثلُ الأمِينِ والشّاهِدَين، يُكْرَهُ لهم مَدْحُ المُصِيبِ وتَعْنِيفُ المُخْطِئِ وزَجْرُه؛ لأنَّ فيه كَسْرَ قَلْبِ أحَدِهما وغَيظَه.

2249 -

مسألة: (وإذا أطارَتِ الرِّيحُ الغَرَضَ، فوَقَعَ السَّهْمُ مَوْضِعَهُ، فإن كان شَرْطُهما خَواصِلَ، احْتُسبَ)

له (به) لعِلْمِنا أنَّه لو كان الغَرَضُ في مَوْضِعِه أصابَه.
2250 -

مسألة: (وإن كَانَ)

شَرْطُهما (خَواسِقَ، لم يُحْتَسَبْ له به، ولا عليه) وهذا قولُ أبي الخَطّابِ؛ لأنّا لا نَدْرِي هل يَثْبُتُ في الغَرَضِ إن كان مَوْجُودًا أو لا؟ وقال القاضي: يُنْظَرُ؛ فإن كانت صَلابَةُ الهَدَفِ كصَلابَةِ الغَرَضِ، فثَبَت في الهَدَفِ، احْتُسِبَ له به؛ لأنَّه1

..................................  لو بَقِيَ مَكانَه لثَبَتَ فيه، كثُبُوتِه في الهَدَفِ، وإن لم يَثْبُتْ فيه مع التَّساوي، لم يُحْتَسَبْ.
وإن كان الهَدَفُ أصْلَبَ فلم يَثْبُتْ فيه، أو كان رِخْوًا، لم يُحْتَسَبِ السَّهْمُ له ولا عليه؛ لأنَّنا لا نَعْلَمُ هل كان يَثْبُتُ في الغَرَضِ لو بَقِيَ مَكانَه أو لا؟ وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
فإن وَقَع السَّهْمُ في غيرِ مَوْضِعِ الغَرَضِ، احْتُسِبَ به على رامِيه؛ لأنَّه أخْطَأَ، ولو وَقَع في الغَرَضِ في المَوْضِعِ الذي طار إليه، حُسِب عليه أيضًا، إلَّا أن يكونا اتَّفَقا على رَمْيِه في المَوْضِعِ الذي طار إليه.
وكذلك الحُكْمُ إذا ألْقَتِ الرِّيحُ الغَرَضَ على وَجْهِه.
فصل: إذا كان شَرْطُهما خَواصِلَ، فأصاب بنَصْلِ السَّهْمِ، حُسِب له كيف كان، فإن أصاب بعَرْضِه، أو بفُوقِه، نحوَ أن يَنْقَلِبَ السَّهْمُ بينَ يَدَي الغَرَضِ، فيُصِيبَ فُوقُه الغَرَضَ، لم يُعْتَدَّ به؛ لأنَّ هذا مِن سَيِّئِ الخَطَأ.
فإنِ انْقَطَعَ السَّهْمُ قِطْعَتَين، فأصابَتِ القِطْعَةُ الأُخْرَى، لم يُعْتَدَّ به.
وإن كان الغَرَضُ جِلْدًا خِيطَ عليه شَنْبَرٌ كَشَنْبَرِ المُنْخُلِ، وجَعَلا له عُرًى وخُيُوطًا تُعَلَّقُ به في العُرَى، فأصاب الشَّنْبَرَ أو العُرَى، نَظَرْتَ في شَرْطِهما؛ فإن شَرَطا إصابَةَ الغَرَضِ، اعْتُدَّ له؛ لأنَّ ذلك مِن الغَرَضِ، فأمّا المَعالِيقُ، وهي الخُيُوطُ، فلا يُعْتَدُّ له بإصابَتِها على كلا الشَّرْطَين؛ لأنَّها ليسَتْ مِنَ الجِلْدَةِ ولا مِنَ الغَرَضِ، فهي كالهَدَفِ.
فصل: فإن كان شَرْطُهما خَواسِقَ، وهو ما ثَقَب الغَرَضَ وثَبَت فيه، فمتى أصاب الغَرَضَ بنَصْلِه وثَبَت فيه، احْتُسِبَ به.
وإن خَدَشَه ولم يَثْقُبْه،

..................................  لم يُحْتَسَبْ له، وحُسِب عليه.
وإن مَرَق منه، احْتُسِبَ له به؛ لأنَّ ذلك لِقُوَّةِ رَمْيِه، فهو أبْلَغُ مِن الخاسِقِ، وإن خَرَقَه ووَقَع بينَ يَدَيه، احْتُسِبَ له به، في أحَدِ الوَجْهَين؛ لأنَّه ثَقَب ثَقْبًا يَصْلُحُ للخَسْقِ، وإنَّما لم يَثْبُتِ السَّهْمُ لسَبَبٍ آخَرَ، مِن سَعَةِ الثَّقْبِ أو غيرِه.
والثانِي، لا يُحْتَسَبُ له.
وهو أوْلَى؛ لأنَّ الخاسِقَ ما ثَبَت، وهذا لم يَثْبُتْ، وثُبُوتُه يكونُ لحِذْقِ الرّامِي، وقَصْدِه برَمْيِه ما اتَّفَقا عليه، إلَّا أن يكونَ امْتِناعُ السَّهْمِ مِن الثبوتِ لوُجُودِ ما يَمْنَعُ الثُّبُوتَ؛ مِن حَصاةٍ، أو حَجَرٍ، أو عَظْمٍ، أو أرْضٍ غَلِيظَةٍ، ففيه الوَجْهان أيضًا؛ إلَّا أنَّه إذا لم يُحْتَسَبْ له، لم يُحْتَسَبْ عليه؛ لكونِ العارِضِ مَنَعَه مِن الثُّبُوتِ، أشْبَهَ ما لو مَنَعَه عارِضٌ مِن الإصابَةِ.
فإنِ اخْتَلَفا في وُجُودِ العارِضِ؛ فإن عُرِف مَوْضِعُ الثَّقْبِ باتِّفاقِهما أو بَيِّنَةٍ، نُظِر في المَوْضِعِ؛ فإن لم يكنْ فيه ما يَمْنَعُ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ، وإن كان فيه ما يَمْنَعُ، فالقولُ قولُ المُدَّعِي، بغيرِ يَمِينٍ؛ لأنَّ الحال تَشْهَدُ بصِدْقِ ما ادَّعاه.
وإن لم يَعْلَما مَوْضِعَ الثَّقْبِ، إلَّا أنَّهما اتَّفَقا على أنَّه خَرَق الغَرَضَ، ولم يكنْ وراءَه شيءٌ [يَمْنَعُ، فالقولُ قولُ المُنْكِرِ بغيرِ يَمِينٍ أيضًا؛ لأنَّه لا مانِعَ.
وإن كان وراءَه ما يَمْنَعُ] 1، وادَّعَى المُصابُ عليه أنَّه لم يكنِ السَّهْمُ في مَوْضِع وراءَه ما يَمْنَعُ، فالقولُ قَوْلُه مع يَمِينِه؛ لأنَّ الأصْلَ عَدَمُ الإِصابَةِ مع احْتِمالِ ما يَقُولُه المُصِيبُ.
وإن أنْكَرَ أن يكونَ خَرَق، فالقولُ قَوْلُه أيضًا مع يَمِينِه؛ لِما ذَكَرْنا.

وَإنْ عَرَضَ عَارِضٌ؛ مِنْ كَسْرِ قَوْسٍ، أَوْ قَطْعِ وَتَرٍ، أَوْ رِيحٍ  فصل: إذا شَرَطا خاسِقًا، فوَقَعَ السَّهْمُ في ثَقْبٍ في الغَرَضِ، أو مَوْضِعٍ بالٍ، فثَقَبَه وثَبَت في الهَدَفِ مُعَلَّقًا في الغَرَضِ؛ فإن كان الهَدَف صُلْبًا كصَلابَةِ الغَرَضِ، حُسِب له؛ لأنَّه عُلِم أنَّه لو كان الغَرَضُ صَحِيحًا، لثَبَتَ فيه، وإن كان الهَدَفُ تُرابًا أُهِيلَ، لم يُحْتَسَبْ له ولا عليه؛ لأنا لا نَعْلَمُ هل كان يَثْبُتُ في الغَرَضِ لو أصاب مَوْضِعًا منه قَويًّا أو لا؟ وإن صادَفَ السَّهْمَ في ثَقْبٍ في الغَرَضِ قد ثَبَت في الهَدَفِ مع قِطْعَةٍ مِن الغَرَضِ؛ فقال.
الرّامِي: خَسَقْتُ، وهذه الجِلْدَةُ قَطَعَها سَهْمِي لشِدَّةِ الرَّمْيَةِ.
فأنْكَرَ الآخرُ، وقال: بل كانت مَقْطُوعَةً.
فإن عُلِم أنَّ الغَرَضَ كان صَحِيحًا، فالقولُ قولُ الرّامِي، وإنِ اخْتَلَفا، فذَكَرَ القاضي أنَّها كالتي قبلَها؛ إن كانْ الهدَفُ رِخْوًا [لم يُعْتَدَّ به] (1)، وإن كان قَويًّا صُلْبًا اعْتُدَّ به.
وإن وَقَع سَهْمُه في سَهْمٍ ثابِتٍ في الغَرَضِ، اعْتُدَّ له به إن كان شَرْطُهما خَواصِلَ، وإن كان خَواسِقَ، لم يُحْتَسَبْ له ولا عليه؛ لأنَّا لا نَعْلَمُ يَقِينًا أنَّه لولا فُوقُ السَّهْمِ الثّابِتِ لخَسَقَ.
وإن أصابَ السَّهْمَ ثم سَبَح عنه فخَسَقَ، احْتُسِبَ له به.

2251 -

مسألة: (وإن عَرَض عارِضٌ؛ مِن كَسْرِ قَوْسٍ، أو

1

شَدِيدَةٍ، لَمْ يُحْتَسَبْ عَلَيهِ بِالسَّهْمِ.
قَطْعِ وَتَرٍ، أو رِيحٍ شَدِيدَةٍ، لم يُحْتَسَبْ عليه بالسَّهْمِ) إذا أخْطَأ لعارِضٍ ممّا ذَكَرْنا، أو حَيَوانٍ اعْتَرَضَ بينَ يَدَيه، أو رِيحٍ شَدِيدَةٍ تَرُدُّ السَّهْمَ عَرْضًا، لم يُحْتَسَبْ عليه بذلك السَّهْمِ؛ لأنَّ خَطَأَه للعارِضِ، لا لسُوءِ رَمْيِه.
قال القاضي: ولو أصاب لم يُحْتَسَبْ له، لأنَّه إذا لِم يُحْتَسَبْ عليه، لم يُحْتَسَبْ له؛ لأنَّ الرِّيحَ الشَّدِيدَةَ كما يَجُوزُ أن تَصْرِف الرَّمْيَ الشَّدِيدَ فيُخْطِيء، يجوزُ أن تَصْرِفَ السَّهْمَ المُخْطِئَ عن خَطَئِه فيَقَعَ مُصِيبًا، فتكونَ إصابَتُه بالرِّيحِ، لا بحِذْقِ رَمْيِه.
فأمّا إن وَقَع السَّهْمُ في حائِلٍ بينَه وبينَ الغَرَضِ فمَرَقَه وأصاب الغَرَضَ، حُسِب له، لأنَّ إصابَتَه لسَدادِ رَمْيِه، ومُروقَه لقُوَّتِه، فهو أوْلَى مِن غيرِه.
وإن كانتِ الرِّيحُ لَيِّنَةً لا تَرُدُّ السَّهْمَ عادَةً، لم يُمْنَعْ، لأنَّ الجَوَّ لا يَخْلُو مِن رِيحٍ، ولأنَّ الرِّيحَ اللَّيِّنةَ لا تُوثِّرُ إلَّا في الرَّمْي الرِّخْو الذي لا يُنْتَفَعُ به.
فصل: إذا قال رجلٌ لآخَرَ: ارْمِ هذا السَّهْمَ، فإن أصَبْتَ به فلك

..................................  دِرْهَمٌ.
صَحَّ، وكان جَعالةً؛ لأنَّه بَذَل مالًا في فِعْل له فيه غَرَضٌ 1 صَحِيحٌ، ولم يكُنْ نِضالًا؛ لأنَّ النِّضال يكونُ بينَ اثْنَين أو جَماعَةٍ على أن يَرْمُوا جَمِيعًا، ويكونُ الجُعْلُ لبَعْضِهم إذا كان سابِقًا.
وإن قال: إن أصَبْتَ به فلك دِرْهَمٌ، وإن أخْطَأْتَ فعليك دِرْهَمٌ 2. لم يَصحَّ، لأنَّه قِمارٌ.
وإن قال: ارْمِ عَشَرَةَ أسْهُمٍ، فإن كان صَوابُك أكْثَرَ مِن خَطَئِك، فلك دِرْهَم.
صَحَّ؛ لأنَّه جَعَل الجُعْلَ في مُقابَلَةِ إصابَةٍ مَعْلُومَةٍ، فإنَّ أكثَرَ العَشرَةِ أقَلُّه سِتَّةٌ، وليس ذلك مَجْهُولًا؛ لأنَّه بالأقَلِّ يَسْتَحِقُّ الجُعْلَ.
وإن قال: إن كان صَوابُك أكْثَرَ، فلك بكلِّ سَهْمٍ أصَبْتَ به دِرْهَمٌ.
صَحَّ.
وكذلك إن قال: ارْمِ عَشَرَةً ولك بكلِّ سَهْمٍ أصَبْتَ به منها دِرْهَمٌ.
أو قال: فلك بكلِّ سَهْمٍ زائِدٍ على النِّصْفِ مِن المُصِيباتِ دِرْهَمٌ 3. لأن الجُعْلَ مَعْلُومٌ بتَقْدِيرِه بالإِصابَةِ، فأشْبَهَ ما لو قال: اسْتَقِ لي مِن هذا البئْرِ، ولك بكل دَلْوٍ تَمْرَةً.
أَو قال: مَن رَدَّ عَبْدًا مِن عَبِيدِي، فله بكلِّ عَبْدٍ درْهَمٌ.
وإن قال: إن كان خَطَؤُك أكْثَرَ، فعليك درْهَمٌ.
أو نحوَ هذا، لَم يَجُزْ؛ لأنَّه قِمارٌ.
وإن قال: ارْمِ عَشَرَةً، فإن أخْطَأْتَها فعليك دِرْهَمٌ.
أو نحوَ هذا، لم يَجُزْ؛ لأنَّ الجُعْلَ يكونُ في مُقابَلَةِ عَمَل، ولم يُوجَدْ مِن المُقابِلِ 4 عَمَلٌ فيَسْتَحِقُّ به شيئًا.
وكذلك 5 لو قال الرّامِي لأجْنَبِيٍّ:

وَإنْ عَرَضَ مَطَرٌ أوْ ظُلْمَةٌ، جَازَ تَأْخِيرُ الرَّمْي.
إن أخْطَأْتَ فلك دِرْهَمٌ.
لم يَجُزْ؛ لذلك.
فصل: وإن شَرَطا أن يَرْمِيا أرْشاقًا كَثِيرَةً، جاز؛ لأنَّه إذا جاز على القَلِيلِ جاز على الكَثِيرِ، ولا بُدَّ أن تكونَ مَعْلُومَةً.
فإن شَرَطا أن يَرْمِيا منها كلَّ يَوْم قَدْرًا اتَّفَقا عليه، جاز؛ لأنَّ الغَرَضَ في ذلك صَحِيحٌ، فإنَّهما أو أحَدَهما قد يَضْعُفُ عن الرَّمْي كلِّه مع حِذْقِه.
وإن أطْلَقا العَقْدَ، جاز، وحُمِل على التَّعْجِيلِ والحُلُولِ، كسائِرِ العُقُودِ، فيَرْمِيان مِن أوَّلِ النَّهارِ إلى آخِرِه، إلَّا أن يَعْرِضَ عُذْرٌ يَمْنَعُ؛ مِن مَرَضٍ، أو عُذْرٍ، كرِيحٍ تُشَوِّشُ السِّهامَ، أو لحاجَةٍ إلى طَعامٍ أو شَرابٍ أو صلاةٍ أو قَضاءِ حاجَةٍ؛ لأنَّ هذه مُسْتَثْناةٌ بالعُرْفِ.
وإذا جاء اللَّيلُ تَرَكاه؛ لأنَّ العادَةَ تَرْكُ الرَّمْي بالليلِ، فحُمِلَ العَقْدُ عليه مع الإطْلاقِ، إلَّا أن يَشْتَرِطاه ليلًا، فيَلْزَمَ.
فإن كانَتِ اللَّيلَةُ مُقْمِرَةً مُنِيرَةً، اكْتَفِيَ بذلك، وإلَّا رَمَيَا في ضَوْءِ شَمْعَةٍ أو مِشْعَلٍ.

2252 -

مسألة: (وإن عَرَض مَطرٌ أو ظُلْمَةٌ، جاز تَأْخِيرُ الرَّمْي)

لأنَّ المَطَرَ يُرْخِي الوَتَرَ ويُفْسِدُ الرِّيشَ.
وإن عَرَض ظُلْمَةٌ، كمَجِئِ اللَّيلِ، تَرَكا الرَّمْيَ إلى الغَدِ؛ لأنَّ العادَةَ الرَّمْيُ نَهارًا، إلَّا أن يَشْتَرِطا الرَّمْيَ ليلًا، فيَأخُذُ أحَدُهما صاحِبَه بذلك، وقد ذَكَرْناه في الفَصْلِ قبلَه.

وَيُكْرَهُ لِلْأَمِينِ وَالشُّهُودِ مَدْحُ أَحَدِهِمَا؛ لِمَا فِيهِ مِنْ كَسْرِ قَلْبِ صَاحِبِهِ.

2253 - مسألة

جارٍ التحميل