فَصْلٌ: الضَّرْبُ الثَّانِي، عَقْدٌ عَلَى مَنْفَعَةٍ فِي الذِّمَّةِ، مَضْبُوطَةٍ بِصِفَاتٍ، كَالسَّلَمِ؛ كَخِيَاطَةِ ثَوْبٍ، وَبِنَاءِ دَارٍ، وَحَمْلٍ إِلَى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ.
وَلَا يَكُونُ الْأَجِيرُ فِيهَا إِلَّا آدَمِيًّا جَائِزَ التَّصَرُّفِ، وَيُسَمَّى الْأَجِيرَ الْمُشْتَرَكَ.
فصل: قال الشيخُ، رَحِمَه اللهُ: (الضَّرْبُ الثاني، عَقْدٌ على مَنْفَعَةٍ في الذِّمَّةِ، مَضْبُوطةٍ بصِفَاتٍ، كالسَّلَمِ؛ كخِياطَةِ ثَوْبٍ، وبِناءِ دارٍ، وحَمْلٍ إلى مَوْضِعٍ مُعَيَّنٍ.
ولا يكونُ الأجِيرُ فيها إلَّا آدِميًّا جائِزَ التَّصَرُّفِ، ويُسَمَّى الأجِيرَ المُشْتَركَ) يجوزُ للآدَمِيِّ أَن يُؤْجِرَ نَفْسَه، بغيرِ خِلافٍ، وقد أجَرَ مُوسَى، - عليه السلام -، نَفْسَه لرِعايةِ الغَنَمِ، واسْتَأْجَرَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأبو بكرٍ، -رَضِيَ اللهُ عنه-، رَجُلًا ليَدُلَّهُما على الطَّرِيقِ 1؛ لأنَّه يجوزُ الانْتِفاعُ به مع بَقاءِ عَينِه، أشْبَهَ الدُّورَ، ثمَّ إنَّ إجارَتَه تَقَعُ على مَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ، كالسَّلَمِ، ومتى كانت 2 على عَمَلٍ مَوْصُوفٍ في الذِّمَّةِ لم يَكُنِ الأجيرُ فيها إلا آدَمِيًّا جائِزَ التَّصَرُّفِ؛ لأنَّ الذِّمَّةَ لا تكونُ لغيرِ الآدَمِيِّ، ولا تَثْبُتُ المُعاوَضَةُ لِعَمَلٍ في الذِّمَّةِ لغيرِ جائِزِ التَّصَرُّفِ، ولا بُدَّ أن يكونَ
وَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَينَ تَقْدِيرِ الْمُدَّةِ وَالْعَمَلِ، كَقَوْلِهِ: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِيَ هَذَا الثَّوْبَ فِي يَوْمٍ.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَصِحَّ.
العَمَلُ الذي يَتَعَلَّقُ بالذِّمَّةِ مَضْبوطًا بصِفاتِ السَّلَمِ ليَحْصُلَ العِلْمُ به [وقد ذكرنا ذلك] (1). ويُسَمَّى الأجِيرُ فيها الأجِيرَ المُشْتَرَكَ، مثلَ الخَيّاطِ الذي يَتَقَبَّلُ الخِياطَةَ لجَماعَةٍ، وكذلك القَصَّارُ، ومَن في معناه، فتكونُ مَنْفَعَتُه مُشْتَرَكةً بينهم.
2187 -
مسألة: (ولا يجوزُ الجَمْعُ بين تَقْدِيرِ المُدَّةِ والعَمَلِ، كقَوْلِه: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِيَ هذا الثَّوْبَ في يومٍ. وعنه، يجوزُ)
لا يجوزُ الجَمْعُ بينَ تَقْدِيرِ المُدَّةِ والعَمَلِ، كقَوْلِه: اسْتَأْجَرْتُكَ لِتَخِيطَ لِيَ هذا الثَّوْبَ في يَوْمٍ.
أو: تَبنىَ هذه الدّارَ في شَهْرٍ.
وهو قولُ1
..................................
أبي حنيفةَ، والشافعيِّ؛ لأنَّ الجَمْعَ بينهما يَزِيدُ الإِجارَةَ غَرَرًا لا حاجَةَ إليه؛ لأنَّه قد يَفْرَغُ مِنَ العَمَلِ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، فإنِ اسْتُعْمِلَ في بَقِيَّةِ المُدَّةِ، فقد زادَ على ما وَقَع عليه العَقْدُ، وإن لم يَعْمَلْ، كان تاركًا للعَمَلِ في بعضِ المُدَّةِ، فهذا غَرَرٌ قد أمْكَنَ التَّحرُّزُ منه، ولم يُوجَدْ مِثلُه في محَلِّ الوفاقِ، فلم يَجُزِ العَقْدُ معه.
ورُوِيَ عن أحمدَ في مَن اكْتَرَى دابَّةً إلى مَوْضِعٍ على أن يَدْخُلَه في ثلاثٍ، فدَخَلَه في سِتٍّ، قال: قد أضَرَّ به.
فقِيلَ: يَرْجِعُ عليه بالقِيمَةِ؟ قال: لا، يُصالِحُه 1. وهذا يَدُلُّ على جَوازِ تَقْدِيرِهما جَمِيعًا، وهو قولُ أبي يُوسُفَ، ومحمدٍ؛ لأنَّ الإِجارَةَ مَعْقُودةٌ على العَمَلِ 2، والمُدَّةُ إنَّما ذُكِرَتْ للتَّعْجِيلِ، فلا تَمْنَعُ ذلك.
فعلى هذا، إذا أتمَّ العَملَ قبلَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، لم يَلْزَمْه العَمَلُ في بَقِيَّتِها؛ لأنَّه وَفَّى ما عليه قبل مُدَّتِه، فلم يَلْزَمْه شيءٌ آخَرُ، كما لو قَضَى الدَّينَ قبلَ أجَلِه، وإن مَضَتِ المُدَّةُ قبلَ العَمَلِ 3، فلِلمُسْتَأْجِرِ فَسْخُ الإِجارَةِ؛ لأنَّ الأجِيرَ لم يَفِ له بشَرْطِه، فإن رَضِيَ بالبَقاءِ عليه لم يَمْلِكِ الأجِيرُ الفَسْخَ؛
وَلَا تَصِحُّ الْإِجَارَةُ عَلَى عَمَلٍ يَخْتَصُّ فَاعِلُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْقُرْبَةِ؛ كَالْحَجِّ، وَالْأَذَانِ، وَنَحْوهِمَا.
وَعَنْهُ؛ تَصِحُّ.
لأنَّ الإِخْلال بالشَّرْطِ منه، فلا يكونُ ذلك وَسِيلةً له إلى الفَسْخِ، كما لو تَعَذَّرَ المُسَلَّمُ فيه في وَقْتِه لم يَمْلِكِ المُسَلَّمُ إليه الفَسْخَ، ومَلَكَهُ المُسَلِّمُ، فإن اخْتارَ إمْضاءَ العَقْدِ طالبَه بالعَمَلِ لا غيرُ، كالمُسَلِّمِ إذا صَبَر عند تَعَذُّرِ المُسَلَّمِ فيه إلى حينِ وُجُودِه، لم يَكُنْ له أكْثَرُ مِن المُسَلَّمِ فيه، وإن فَسَخ العَقْدَ قبلَ العَمَلِ، سَقَط الأجْرُ والعَمَلُ، وإن كان بعد عَمَلِ بعضِه، فله أجْرُ المِثْلِ؛ لأنَّ العَقْدَ قد انْفَسَخَ، فسَقَطَ المُسَمَّى، ورَجَع إلى أجْرِ المِثْلِ.
2188 -
مسألة: (ولا تجوزُ الإِجارَةُ على عَمَلٍ يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ من أهْلِ القُرْبَةِ؛ كالحَجِّ، والأذانِ، ونحوهما. وعنه، تَصِحُّ)
معنى قولِه: يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ.
أنَّه يكونُ مُسْلِمًا.
وقد اخْتَلَفتِ الرِّوايةُ عن أحمدَ، رَحِمَه اللهُ، في الاسْتِئْجارِ على ما 1
..................................
يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مُسْلِمًا؛ كالإِمامَةِ، والحَجِّ، والأذانِ، وتَعْلِيمِ القُرْآنِ، فرُوِيَ عنه، أنَّها لا تَصِحُّ.
وبه قال عَطاءٌ، والضَّحّاكُ بنُ قَيسٍ، وأبو حنيفةَ، والزُّهْرِيُّ.
وكَرِهَ إسحاقُ تَعْلِيمَ القُرْآنِ بأجْرٍ.
قال عبدُ اللهِ بنُ شَقِيقٍ: هذه الرُّغْفانُ التي يَأْخُذُها المُعَلِّمُونَ مِنَ السُّحْتِ.
وكَرِهَ أجْرَ المُعَلِّمِ مع الشَّرْطِ؛ الحَسَنُ، وابنُ سِيرِينَ، وطاوُسٌ، والشَّعْبِيُّ، والنَّخَعِيُّ.
وعن أحمدَ رِوايةٌ أخرى، أنَّه يجوزُ.
حكاهَا أبو الخَطّابِ، ونَقَل أبو طالبٍ عن أحمدَ أنَّه قال: التَّعْلِيمُ أحَبُّ إليَّ مِن أن يتَوَكَّلَ لهؤلاءِ السَّلاطِينِ، ومِن أن يتَوَكَّلَ لِرَجُلٍ مِن عامَّةِ الناسِ في ضَيعةٍ، ومِن أن يَسْتَدِينَ ويَتَّجِرَ، لعلَّه لا يَقْدِرُ على الوَفاءِ فيَلْقَى اللهَ بأماناتِ الناسِ، التَّعْلِيمُ أحَبُّ إليَّ.
وهذا يَدُلُّ على أنَّ مَنْعَه منه في مَوْضِعِ مَنْعِه للكَراهةِ لا للتَّحْرِيمِ.
ومِمَّنْ أجازَ ذلك مالكٌ، والشافعيُّ.
ورَخَّصَ في أُجُورِ المُعَلِّمينَ أبو قِلابَةَ، وأبو ثَوْرٍ، وابنُ المُنْذِرِ؛ لأنَّ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -
..................................
زَوَّجَ رَجُلًا بما مَعَهُ مِنَ القُرْآنِ.
مُتَّفَقٌ عليه 1. فإذا جازَ تَعْلِيمُ القُرآنِ عِوَضًا في النِّكاحِ وقامَ مَقامَ المَهْر، جازَ أخْذُ الأُجْرةِ عليه في الإِجارَةِ.
وقال رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -: «أحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ علَيهِ أَجْرًا كِتابُ اللهِ» 2. حَديِثٌ
..................................
صَحِيحٌ.
وفي حَدِيثِ أبي سعيدٍ أنَّ رَجلًا رَقَى رَجُلًا بِفاتِحَةِ الكِتابِ على جُعْلٍ، فَبَرأ، وأخَذَ أصحابُه الجُعْلَ، فأتَوْا به النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - فأخْبَرُوه وسَألُوه، فقال: «لَعَمْرِي لَمَنْ أكَلَ بِرُقْيَةِ باطِلٍ، لَقَدْ أكَلْتَ بِرُقْيَةِ حَقٍّ، كُلُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ بِسَهْمٍ» 1. حَدِيثٌ صَحِيحٌ.
وإذا جازَ أخْذُ الجُعْلِ، جازَ أخْذُ الأجْرِ؛ لأنَّه في مَعْناه، ولأنَّه يجوزُ أخْذُ الرِّزْقِ عليه مِن بَيتِ المالِ، فجازَ أخْذُ الأجْرِ عليه، كبِناءِ المَساجِدِ، ولأنَّ الحاجَةَ تَدْعُو إلى الاسْتِنابةِ في الحَجِّ عَمَّنْ وَجَب عليه وعَجَز عن فِعْلِه، ولا يَكادُ يُوجَدُ مُتَبَرِّعٌ بذلك، فيُحْتاجُ إلى بَذْلِ الأجْرِ فيه.
ووَجْهُ الرِّوايةِ الأُولَى، ما رَوَى عُثمانُ بنُ أبي العاصِ، قال: إنَّ آخِرَ ما عَهِدَ إليَّ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، أنِ
..................................
اتَّخِذْ مُؤَذِّنًا لا يَأْخُذُ على أذانِه أجْرًا.
قال التِّرْمِذِيُّ 1: هذا حَدِيثٌ حَسَنٌ.
وروَى عُبادَةُ بنُ الصّامِتِ، قال: عَلَّمْتُ أُناسًا مِن أهْلِ الصُّفَّةِ القُرْآنَ والكِتابةَ، فأهْدَى إليَّ رَجُلٌ منهم قَوْسًا، قال: قلتُ: قَوْسٌ ولَيسَتْ بمالٍ 2، أتَقَلَّدُها في سَبِيلِ اللهِ.
فذَكَرْتُ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -. وقَصَّ عليه القِصَّةَ، قال: «إِنْ سَرَّكَ أنْ يُقَلِّدَكَ اللهُ قَوْسًا مِنْ نارٍ فَاقْبَلْها» 3. وعن أُبَيِّ بنِ كَعْبٍ، أنَّه عَلَّمَ رجلًا سُورَةً مِن القُرآنِ، فأهْدَى له خَمِيصَةً 4 أو ثَوْبًا.
فذَكَرَ ذلك للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «لَوْ أنَّكَ لَبِسْتَها، أوْ أخَذْتَها، ألْبَسَكَ اللهُ مَكانَها ثَوْبًا مِنْ نَارٍ» 5 وعن أُبَيٍّ، قال: كُنْتُ أَخْتَلِفُ إلى رجلٍ مُسِنٍّ قد أصابَتْه عِلَّةٌ، قد احْتَبَسَ في بَيتِه أُقْرِئُه القُرآنَ، فكان عندَ فَراغِه ممَّا أُقْرِئُه يقولُ لجارِيَةٍ له: هَلُمِّى طَعامَ أخِي.
فيُؤْتَى بطَعامٍ لا آكُلُ
..................................
مثلَه بالمَدِينةِ، فحاكَ في نَفْسِي منه شيءٌ، فذَكَرْتُه للنبيِّ - صلى الله عليه وسلم -، فقال: «إنْ كَانَ ذَاكَ الطَّعامُ طَعَامَهُ وطَعامَ أهْلِه فَكُلْ مِنْهُ، وإن كان يُتْحِفُكَ به فَلَا تَأْكُلْهُ» 1. وعن عبدِ الرحمنِ بنِ شِبْلٍ الأنْصارِيِّ، قال: سَمِعْتُ رسولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ: «اقْرَأُوا القُرْآنَ، وَلَا تَغْلُوا فيه، ولا تَجْفُوا عَنْهُ، وَلَا تَأْكُلُوا بِهِ، وَلَا تَسْتَكْثِرُوا بِهِ» 2. روَى هذه الأحادِيثَ كُلَّها الأثْرَمُ في «سُنَنِه».
ولأنَّ مِن شَرْطِ صِحَّةِ هذه الأفْعالِ كَوْنَها قُرْبةً إلى اللهِ تعالى، فلم يَجُزْ أخْذُ الأجْرِ عليها، كما لو اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يُصَلُّونَ خَلْفَه الجُمُعَةَ أو التَّراويحَ.
فأمَّا الأخْذُ على الرُّقْيَةِ، فإنَّ أحمدَ اخْتارَ جَوازَه، وقال: لا بَأْسَ.
وذَكَرَ حَدِيثَ أبي سعيدٍ.
والفَرْقُ بينه وبينَ ما اخْتُلِفَ فيه، أنَّ الرُّقْيَةَ نَوْعُ مُداواةٍ؛ والمَأْخُوذُ عليها جُعْلٌ، والمُداواةُ يُباحُ أخْذُ الأجْرِ عليها، والجَعالةُ أوْسَعُ مِنَ الإِجارَةِ، ولهذا تجوزُ مع جَهالةِ العَمَلِ والمُدَّةِ.
وقولُه - عليه السلام -: «أَحَقُّ مَا أَخَذْتُمْ عَلَيهِ أَجْرًا كِتَابُ اللهِ».
يَعْنِي به الجُعْلَ أيضًا في الرُّقْيَةِ؛ لأنَّه ذَكَر ذلك في سِياقِ خَبَرِ الرُّقْيَةِ.
وأمَّا جَعْلُ تَعْلِيمِ القُرْآنِ صَداقًا، فعنه فيه اخْتِلافٌ، وليس في الخَبَرِ تَصْرِيحٌ
..................................
بأنَّ التَّعْلِيمَ صَداقٌ، إنَّما قال: «زَوَّجْتُكهَا [على ما] 1 مَعَكَ مِنَ القُرْآنِ».
فيَحْتَمِلُ أنَّه [زَوَّجه إياها] 2 بغيرِ صَداقٍ إكْرامًا له، كما زَوَّجَ أبا طَلْحةَ أُمَّ سُلَيمٍ على إسْلامِه 3، ونُقِلَ عنه جوازُه.
والفَرْقُ بين المَهْرِ والأجْرِ، أنَّ المَهْرَ ليس بعِوَضٍ مَحْضٍ وإنَّما وَجَب نِحْلَةً ووُصْلَةً، ولهذا جاز خُلُوُّ العَقْدِ عن تَسْمِيَتِه، وصَحَّ مع فَسادِه، بخِلافِ الأجْرِ في غيرِه.
فصل: فأمَّا الرِّزْقُ مِن بَيتِ المالِ، فيجوزُ على ما يَتَعَدَّى نَفْعُه مِن هذه الأُمُورِ؛ لأنَّ بَيتَ المالِ مِن مَصالِحِ المُسْلِمِين، فإذا كان بَذْلُه لمن يَتَعَدَّى نَفْعُه إلى المُسْلِمِين مُحْتاجًا إليه، كان مِنَ المَصالِحِ، وكان له أخْذُه؛ لأنَّه مِن أهْلِه، وجَرَى مَجْرَى الوَقْفِ على مَن يَقُومُ بهذه المَصالِحِ، بخِلافِ الأجْرِ.
فصل: فإن أُعْطِيَ المُعَلِّمُ شَيئًا مِن غيرِ شَرْطٍ، جازَ، في ظاهِرِ كلامِ أحمدَ، فإنَّه قال، في رِوايةِ أيُّوبَ 4 ابنِ سافرى: لا يَطْلُبُ، ولا يُشارِطُ، فإن أُعْطِيَ شيئًا أخَذَه.
وقال، في رِوايةِ أحمدَ بنِ سعيدٍ: أكْرَهُ أجْرَ المُعَلِّمِ إذا شَرَط.
وقال: إذا كان المُعَلِّمُ لا يُشارِطُ، ولا يَطْلُبُ
..................................
مِن أحَدٍ شيئًا، إن أتاهُ شيءٌ قَبِلَه.
كأنَّه يَراه أهْوَنَ.
وكَرِهَهُ طائِفَةٌ مِن أهْلِ العِلْمِ؛ لِما تَقَدَّمَ مِن حَدِيثِ القَوْسِ والخَمِيصَةِ التي أُعْطِيَهما 1 أُبَيٌّ وعُبادَةُ مِن غيرِ شَرْطٍ.
ولأنَّ ذلك قُرْبةٌ، فلم يَجُزْ أخْذُ العِوَضِ عنه بِشَرْطٍ ولا بغيرِه، كالصَّلاةِ والصِّيامِ.
ووَجْهُ الأوَّلِ، قولُ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «مَا أتَاكَ مِنْ هَذَا الْمَالِ مِنْ غَيرِ مسألةٍ وَلَا إِشْرَافِ نَفْسٍ فَخُذْهُ وتَمَوَّلْهُ، فَإنَّه رِزْقٌ سَاقَهُ اللهُ إِلَيكَ» 2. وقد أرْخَصَ رسولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - لأُبَيٍّ 3 في أكْلِ طَعامِ الذي كان يُعَلِّمُه إذا كان طَعامَه وطَعامَ أهْلِه.
ولأنَّه إذا كان بغيرِ شَرْطٍ كان هِبَةً مُجَرَّدَةً، فجازَ، كما لو لم يُعَلِّمْه شيئًا.
فأمَّا حَدِيثُ القَوْسِ والخَمِيصَةِ فقَضِيَّتان في عَينٍ، فيَحْتَمِلُ أنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلِمَ أنَّهما فَعَلا ذلك خالِصًا، فكَرِهَ أخْذَ العِوَضِ عنه مِن غيرِ اللهِ تعالى، ويَحْتَمِلُ غيرَ ذلك.
فأمَّا إن أُعْطِيَ المُعَلِّمُ أجْرًا على تَعْلِيمِ الخَطِّ وحِفْظِه، جازَ.
نَصَّ عليه أحمدُ، فقال: إن كان المُعْطِي يَنْوي أنَّه يُعْطِيه لحِفْظِ الصَّبِيِّ وتَعْلِيمِه، فأرْجُو إذا كان كذا.
ولأنَّ هذا ممَّا يجوزُ أخْذُ الأجْرِ
..................................
عليه مُفْرَدًا، فجازَ مع غيرِه، كسائِرِ ما يجوزُ الاسْتِئْجارُ عليه.
وهكذا لو كان إمامُ المَسْجِدِ [قَيِّمًا يَكْنُسُه] 1، ويُسْرِجُ قَنادِيلَه، ويُغْلِقُ بابَه ويَفْتَحُه، فأخَذَ أجْرًا على خِدْمَتِه، أو كان النائِبُ في الحَجِّ يَخْدِمُ المُسْتَنِيبَ له في طَرِيقِ الحَجِّ، ويَشُدُّ 2 له، ويَحُجُّ عن قَرِيبِه، فدَفَعَ إليه أجْرًا لخِدْمَتِه، جازَ ذلك، إن شاء اللهُ تعالى.
فصل: فأمَّا ما لا يَخْتَصُّ فاعِلُه أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، كتَعْلِيمِ الخَطِّ والحِسابِ والشِّعْرِ المُباحِ 3 وشِبْهِه، وبناءِ المَساجِدِ والقَناطِرِ، فيجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه؛ لأنَّه يَقَعُ تارَةً قُرْبةً، وتارَةً غيرَ قُرْبةٍ، فلم يُمْنَعْ مِن الاسْتِئْجارِ لِفِعْلِه، كغَرْسِ الأشْجارِ، وبناءِ البُيُوتِ.
وكذلك في تَعْلِيمِ الفِقْهِ والحَدِيثِ.
ذَكَرَه شَيخُنا 4. وذَكَر القاضِي في «الخِلافِ» أنَّهما مِن القِسْمِ الأوَّلِ.
والأوْلَى، إن شاء اللهُ، ما ذَكَرَه شَيخُنا؛ لكَوْنِ فاعِلِها 5 لا يَخْتَصُّ أن يكونَ مِن أهْلِ القُرْبَةِ، واللهُ
فَإِنِ اسْتَأْجَرَهُ لِيَحْجُمَهُ، صَحَّ، وَيُكْرَهُ لِلْحُرِّ أَكْلُ أُجْرَتِهِ، وَيُطْعِمُهُ الرَّقِيقَ وَالْبَهَائِمَ.
وَقَال الْقَاضِي: لَا تَصِحُّ.
أعلمُ.
وأمَّا ما لا يَتَعَدَّى نَفْعُه فاعِلَه مِن العِباداتِ المَحْضَةِ، كالصِّيامِ، وصَلاةِ الإِنْسانِ لِنَفْسِه، وحَجِّه عن نَفْسِه، وأداءِ زَكاةِ نَفْسِه، فلا يجوزُ أخْذُ الأجْرِ عليه بغيرِ خِلافٍ؛ لأنَّ الأجْرَ عِوَضٌ للانْتِفاعِ، ولم يَحْصُلْ لغيرِه ههُنا انْتِفاعٌ، فأشْبَهَ إجارَةَ الأعْيانِ التي لا نَفْعَ فيها.
2189 -
مسألة: (وإنِ اسْتَأْجَرَ مَن يَحْجُمُه، صَحَّ، ويُكْرَهُ للْحُرِّ أكْلُ أُجْرَتِه، ويُطْعِمُه الرَّقِيقَ والبَهائِمَ. وقال القاضي: لا يَصِحُّ)
يجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ حَجّامًا لِيَحْجُمَه، وأجْرُه مُباحٌ.
اختارَه أبو الخَطّابِ.
وهو قولُ ابنِ عَبَّاسٍ، قال: أنا آكُلُه.
وبه قال عِكْرِمةُ، والقاسِمُ، ومحمدُ بنُ عليِّ بنِ الحُسَينِ، ورَبِيعَةُ، ويَحْيَى الأنْصارِيُّ، ومالِكٌ، والشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
وقال القاضي: لا يجوزُ.
وذَكَرَ أنَّ أحمدَ نَصَّ عليه، قال: وإن أُعْطِيَ شيئًا مِن غيرِ عَقْدٍ ولا شَرْطٍ، فله أخْذُه، ويَصْرِفُه في عَلْفِ دابَّتِه، وطُعْمِ عَبْدِه، ومُؤْنَةِ صِناعَتِه، ولا يَحِلُّ أكْلُه.
وكَرِهَ كَسْبَ الحَجّامِ عثمانُ، وأبو هريرةَ، والحَسَنُ، والنَّخَعِيُّ؛
..................................
لأنَّ النبيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ».
مُتَّفَقٌ عليه 1.
وقال: «أطْعِمْهُ ناضِحَكَ ورَقِيقَكَ» 2. ولَنا، ما روَى ابنُ عباسٍ، قال: احْتَجَمَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - وأعْطَى الحَجّامَ أجْرَه، ولو عَلِمَه حَرامًا لم يُعْطِه.
مُتَّفَقٌ عليه 3. وفي لَفْظٍ: ولو عَلِمَه خَبِيثًا لم يُعْطِه.
ولأنَّها مَنْفَعةٌ مُباحَةٌ، لا يَخْتَصُّ فاعِلُها بكَوْنِه مِن أهْلِ القُرْبَةِ، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالخِتانِ، ولأنَّ بالناسِ حاجَةً إليها، ولا نَجِدُ كُلَّ أحَدٍ مُتَبَرِّعًا بها، فجازَ الاسْتِئْجارُ عليها، كالرَّضَاعِ، ولأنَّ قولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - في كَسْبِ الحَجّامِ: «أطْعِمْهُ رَقِيقَكَ».
دَلِيلٌ على إباحَتِه، إذ غيرُ جائزٍ أن يُطْعِمَ رَقِيقَه ما يَحْرُمُ
..................................
أكْلُه؛ فإنَّ الرَّقِيقَ آدَمِيٌّ يُحَرَّمُ عليه أكْلُ ما حُرِّمَ على الحُرِّ، وتَخْصِيصُ ذلك بما أُعْطِيَه مِن غيرِ اسْتِئْجارٍ تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه.
فعلى هذا، تَسْمِيةُ كَسْبِه خَبِيثًا لا يَلْزَمُ منه التَّحْرِيمُ، فقد سَمَّى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - الثُّومَ والبَصَلَ خَبِيثَينِ 1 مع إباحَتِهما، وإنَّما كَرِهَ النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - ذلك للحُرِّ تَنْزِيهًا له؛ لِدَناءةِ صِناعَتِه، وليس عن أحمدَ نَصٌّ في تَحْرِيمِ 2 كَسْبِ الحَجّامِ ولا اسْتِئْجارِه عليها، وإنَّما قال: نحنُ نُعْطِيه كما أعْطَى النبيُّ - صلى الله عليه وسلم -، ونقولُ له كما قال النبيُّ - صلى الله عليه وسلم - لَمّا سُئِلَ عن أكْلِه نَهاهُ، وقال: «أَعْلِفْهُ النَّاضِحَ والرَّقِيقَ».
هذا مَعْنَى كلامِه في جميعِ الرِّواياتِ، وليس هذا صَرِيحًا في تَحْرِيمِه، بل فيه دَلِيلٌ على إباحَتِه، كما في قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - على ما بَيَّنّا، فإنَّ إعْطاءَه للحَجّامِ دَلِيلُ إباحَتِه، إذ لا يُعْطِيه ما يَحْرُمُ عليه، وهو عليه
..................................
السلامُ، يُعَلِّمُ الناسَ ويَنْهاهم عن المُحَرَّماتِ، فكيف يُعْطِيهم إيّاها؟! فعلى هذا، يكونُ نَهْيُه - عليه السلام - عن أكْلِه نَهْيَ كَراهةٍ لا نهْيَ تَحْرِيمٍ، وكذلك قولُ الإِمامِ أحمدَ، فإنَّه لم يَخْرُجْ عن قولِ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وفِعْلِه، بل قَصَد اتِّباعَه، وكذلك سائِرُ مَن كَرِهَه مِنَ الأئِمَّةِ، يتَعَيَّنُ حَمْلُ قَوْلِهم على الكَراهةِ، فلا يكونُ في المَسْألةِ قائِلٌ بالتَّحْرِيمِ.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّه يُكْرَهُ للحُرِّ أكْلُ أُجْرَةِ الحَجّامِ، ويُكْرَهُ تَعَلُّمُ صِناعَةِ الحِجامةِ وإجارَةُ نَفْسِه لها؛ لِما ذَكَرْنا مِنَ الأخْبارِ، ولأنَّ فيها دَناءةً، فَكُرِه الدُّخُولُ فيها، كالكَسْحِ.
وفيما ذَكَرْناه إن شاء اللهُ تعالى جَمْعٌ بين الأخْبارِ وتَوْفِيقٌ بينَ الأدِلَّةِ الدَّالَّةِ عليها.
فعلى هذا، يُطْعِمُه الرَّقِيقَ والبَهائِمَ، كما جاء في الأخْبارِ الصَّحِيحَةِ.
واللهُ أعلمُ.
فصل: فأمَّا اسْتِئْجارُ الحَجّامِ لغيرِ الحِجامةِ، كالفَصْدِ، وحَلْقِ الشَّعَرِ وتَقْصِيرِه، والخِتانِ، وقَطْعِ شيءٍ مِن الجَسَدِ للحاجةِ إليه، فجائِزٌ؛ لأنَّ قَولَ النبيِّ - صلى الله عليه وسلم -: «كَسْبُ الحَجَّامِ خَبِيثٌ».
يُرِيدُ بالحِجامَةِ، كما نَهَى عن مَهْرِ البَغِيِّ، أي في البِغاءِ.
ولذلك 1 لو كَسَب بصِناعةٍ 2 أُخْرَى لم يَكُنْ خَبِيثًا، بغيرِ خِلافٍ.
وهذا النَّهْي مُخالِفٌ لِلْقِياسِ فيَخْتَصُّ بالمَحلِّ الذي وَرَد فيه، ولأنَّ هذه الأُمُورَ تَدْعُو الحاجَةُ إليها، ولا تَحْرِيمَ فيها، فجازَتِ الإِجارَةُ فيها، كسائِرِ المنافِعِ المُباحَةِ.
..................................
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ كَحّالًا لِيَكْحَلَ عَينَه؛ لأنَّه عَمَلٌ جائِزٌ، ويُمْكِنُ تسْلِيمُه ويُقَدِّرُ 1 ذلك بالمُدَّةِ؛ لأنَّ العَمَلَ غيرُ مَضْبُوطٍ، ويَحْتاجُ إلى بَيانِ عَدَدِ ما يَكْحَلُه، في كلِّ يومٍ مَرَّةً أو مَرَّتَينِ.
فإن قَدَّرَها بالبُرْءِ، فقال القاضي: لا يجوزُ؛ لأنَّه غيرُ مَعْلُومٍ.
وقال ابنُ أبي موسى: لا بَأْسَ بمُشارَطةِ الطَّبِيبِ على البُرْءِ؛ لأنَّ أبا سَعِيدٍ حينَ رَقَى الرجلَ شارَطَه على البُرْءِ.
قال شيخُنا 2: والصَّحِيحُ، إن شاء اللهُ، جوازُ ذلك، لكن 3 يكونُ جَعالةً لا إجارَةً؛ فإنَّ الإِجارَةَ لابُدَّ فيها مِن مُدَّةٍ مَعْلُومةٍ، أو عَمَلٍ مَعْلُومٍ، والجَعالةُ تجوزُ على عَمَلٍ مَجْهُولٍ، كَرَدِّ اللُّقَطَةِ والآبِقِ.
وحَدِيثُ أبي سَعيدٍ في الرُّقْيَةِ إنَّما كان جَعالةً، فيجوزُ ههُنا مثلُه.
إذا ثَبَت هذا، فإنَّ الكُحْلَ إن كان مِن العَلِيلِ، جازَ؛ لأنَّ آلاتِ العَمَلِ تكونُ مِن المُسْتَأْجِرِ، كاللَّبِنِ في البِناءِ والطِّينِ والآجُرِّ ونحوها.
وإن شَرَطَه على الكَحّالِ، جازَ.
وقال القاضي: يَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّ الأعْيانَ لا تُمْلَكُ بعَقْدِ الإِجارَةِ، فلا يَصِحُّ اشْتِراطُه على العامِلِ، كَلَبِنِ الحائِطِ.
ولَنا، أنَّ العادَةَ جارِيَةٌ به، ويَشُقُّ على العَلِيلِ 4 تَحْصِيلُه، وقد
..................................
يَعْجِزُ عنه بالكُلِّيَّةِ، فجازَ ذلك، كالصِّبْغِ مِن الصَّبّاغِ، والحِبْرِ والأقْلامِ مِن الوَرّاقِ.
وما ذَكَرَه يَنتَقِضُ بهذَينِ الأصْلَينِ.
وفارَقَ لَبِنَ الحائِطِ؛ لأنَّ العادَةَ تَحْصِيلُ المُسْتَأْجِرِ إيّاه، ولا يَشُقُّ ذلك، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
وقال أصحابُ مالكٍ: يجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ مَن يَبْنِي له جِدارًا والآجُرُّ مِن عندِه؛ لأنَّه اشْتَرَى ما يُتِمُّ به الصَّنْعَةَ التي عَقَد عليها، فإذا كان مَعْرُوفًا، جازَ، كما لو اسْتَأْجَرَه لِيَصْبُغَ له ثَوْبًا والصِّبْغُ مِن عندِه.
ولَنا، أنَّ عَقْدَ الإِجارَةِ عَقْدٌ على المَنْفَعَةِ، فإذا شَرَط بَيعَ العَينِ، صار كبَيعَتَين في بَيعةٍ.
ويُفارِقُ الصِّبْغَ، مِن حيثُ إنَّ الحاجَةَ داعِيَةٌ إليه؛ لأنَّ تَحْصِيلَ الصِّبْغِ يَشُقُّ على صاحِبِ الثَّوْبِ، وقد يكونُ الصِّبْغُ لا يَحْصُلُ إلَّا في حببٍ 1 يَحْتاجُ إلى مُؤْنةٍ كَثِيرةٍ، لا يَحْتاجُ إليها في صَبْغِ هذا الثَّوْبِ، فجازَ؛ لِمَسِيسِ الحاجَةِ إليه، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
فصل: فإنِ اسْتَأْجَرَه مُدَّةً، فكَحَلَه فيها، فلم تَبْرَأْ عَينُه، اسْتَحَقَّ الأجْرَ.
وبه قال الجماعةُ.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه لا يَسْتَحِقُّ أجْرًا حتى تَبْرَأَ عَينُه.
ولم يَحْكِ ذلك أصحابُه، وهو فاسِدٌ؛ لأنَّ المُسْتَأْجِرَ قد وَفَّى
..................................
العَمَلَ الذي وَقَع العَقْدُ عليه، فوَجَبَ له الأجْرُ وإن لم يَحْصُلِ الغَرَضُ، كما لو اسْتَأْجَرَه لبِناءِ حائِطٍ يَوْمًا، أو لخِيَاطةِ قَمِيصٍ، فلم يُتِمَّه فيه.
فإن بَرِئَتْ عَينُه في أثْناءِ المُدَّةِ، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ فيما بَقِيَ مِنَ المُدَّةِ؛ لتَعَذُّرِ العَمَلِ، فهو كما لو حَجَز عنه أمْرٌ غالِبٌ، وكذلك لو ماتَ.
فإنِ امْتَنَعَ عن الاكْتِحالِ مع بَقاءِ المَرَضِ، اسْتَحَقَّ الكَحّالُ الأجْرَ بمُضِيِّ المُدَّةِ، كما لو اسْتَأْجَرَه يومًا للبِناءِ فلم يَسْتَعْمِلْه فيه.
فأمَّا إن شارَطَه على البُرْءِ، فهي جَعالةٌ لا يَسْتَحِقُّ شيئًا حتى يُوجَدَ البُرْءُ، سواءٌ وُجِدَ قَرِيبًا أو بَعِيدًا، فإن بَرِئَ بغيرِ كَحْلِه أو تَعَذَّرَ الكَحْلُ لمَوْتِه أو غيرِ ذلك مِن المَوانِعِ التي مِن جِهَةِ المُسْتَأْجِرِ، فله أجْرُ مِثْلِه، كما لو عَمِلَ العامِلُ في الجَعالةِ ثمَّ فَسَخ العَقْدَ.
فإنِ امْتَنَعَ لأمرٍ مِنْ جِهَةِ الكَحّالِ أو غيرِ المُسْتَأْجِرِ، فلا شيءَ له.
وإن فَسَخ الجاعِلُ الجَعالةَ بعدَ عَمَلِ الكَحّالِ، فعليه أجْرُ عَمَلِه، وإن فَسَخ الكَحّالُ، فلا شيءَ له، على ما يُذْكَرُ في بابِ الجَعالةِ، إن شاءَ اللهُ تعالى.
فصل: ويَصِحُّ أن يَسْتَأْجِرَ طَبِيبًا لِمُداواتِه.
والكلامُ فيه كالكَلامِ في الكَحّالِ سواءً، [إلَّا أنَّه] 1 لا يجوزُ اشْتِراطُ الدَّواءِ على الطَّبِيبِ؛ لأنَّه إنَّما جازَ في الكَحّالِ على خِلافِ الأصْلِ؛ للحاجَةِ إليه، وجَرْي العادَةِ به، ولم يُوجَدْ ذلك المَعْنَى 2 ههُنا، فيَثْبُتُ الحُكْمُ فيه على وَفْقِ الأصْلِ.
فَصْلٌ: وَلِلْمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفَاءُ الْمَنْفَعَةِ بِنَفْسِهِ وَبِمِثْلِهِ، وَلَا يَجُوزُ بِمَنْ هُوَ أَكْثَرُ ضَرَرًا مِنْهُ، وَلَا بِمَنْ يُخَالِفُ ضَرَرُهُ ضَرَرَهُ.
فصل: ويجوزُ أن يَسْتَأْجِرَ مَن يَقْلَعُ ضِرْسَه؛ لأنَّها مَنْفَعةٌ مُباحَةٌ مَقْصُودَةٌ، فجاز ذلك عليها، كالخِتانِ.
فإنْ أخْطَأَ فقَلَعَ غيرَ ما أُمِرَ بقَلْعِه، ضَمِنَه؛ لأنَّه مِن جِنايَتِه.
وإن بَرَأ الضِّرْسُ قبلَ قَلْعِه، انْفَسَخَتِ الإِجارَةُ؛ لأنَّ قَلْعَه لا يجوزُ.
وإن لم يَبْرَأْ، لكنِ امْتَنَعَ المُسْتَأْجِرُ مِن قَلْعِه، لم يُجْبَرْ عليه؛ لأنَّ إتْلافَ جُزْءِ الآدَمِيِّ مُحَرَّمٌ في الأصْلِ، وإنَّما أُبِيحَ إذا صار بقَاؤُه ضَرَرًا، وذلك مُفَوَّضٌ إلى كلِّ إنْسانٍ في نَفْسِه إذا كان أهْلًا لذلك، فصاحِبُ الضِّرْسِ أعْلَمُ بمَضَرَّتِه ونَفْعِه وقَدْرِ ألَمِه.
فصل: قال، - رَضِيَ اللهُ عنه -: (وللمُسْتَأْجِرِ اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ بنَفْسِه وبِمثْلِه، [ولا يجوزُ بِمَن هو أكْثَرُ ضَرَرًا منه، ولا بِمَن يُخالِفُ ضَرَرُه ضَرَرَه) كلُّ مَن اسْتَأْجَرَ عَينًا لمَنْفَعَتِها فله أن يَسْتَوْفِيَ المَنْفَعَةَ بنَفْسِه وبِمثْلِه] 1. فإذا اكْتَرَى دارًا للسُّكْنَى فله أن يُسْكِنَها مثلَه؛ لأنَّه لم يَزِدْ على اسْتِيفاءِ حَقِّه، ولأنَّه حَقُّه، فجازَ أن يَسْتَوْفِيَه بنَفْسِه وبِوَكِيلِه إذا كان مِثْلَه
..................................
في الضَّرَرِ أو دُونَه، كقَبْضِ المَبِيعِ، واسْتِيفاءِ الدَّينِ.
ويَضَعُ فيه ما جَرَتْ عادَةُ السّاكِنِ به مِن الرَّحْلِ والطَّعامِ، ويَخْزُنُ فيها الثِّيابَ وغيرَها ممَّا لا يَضُرُّ بها.
ولا يُسْكِنُها مَن يَضُرُّ بها كالقَصّارِينَ والحَدّادِينَ، ولا يَجْعَلُ فيها الدَّوابَّ؛ لأنَّها تَرُوثُ فيها وتُفْسِدُها، ولا يَجْعَلُ فيها السِّرْجِينَ ولا رَحىً، ولا ما يَضُرُّ بها، ولا شيئًا ثَقِيلًا فوقَ سَقْفٍ؛ لأنَّه يُثْقِلُه، وقد يَكْسِرُ خَشَبَه، فإن شَرَط ذلك، جازَ.
وبه قال الشافعيُّ، وأصحابُ الرَّأْي.
ولا نَعْلَمُ فيه مُخالِفًا.
ولا يَمْلِكُ فِعْلَ ما يَضُرُّ بها؛ لأنَّه فوقَ المَعْقُودِ عليه، فلم يَكُنْ له فِعْلُه، كما لو اشْتَرَى شيئًا لم يَمْلِكْ أخْذَ أكْثَرَ منه، فإن جَعَل الدّارَ مَخْزَنًا للطَّعامِ، فقال أصحابُنا: يجوزُ ذلك؛ لأنَّه يجوزُ أن يَجْعَلَها مَخْزَنًا لغيرِه، ويَحْتَمِلُ أن لا يجوزَ؛ لأنَّه يُفْضِي إلى تَخْرِيقِ الفأرِ أرْضَها وحِيطانَها، وذلك ضَرَرٌ لا يَرْضَى به صاحِبُ الدّارِ.
..................................
فصل: وإنِ اكْتَرَى ظَهْرًا لِيَرْكَبَه، فله أن يُرْكِبَه مِثْلَه ومَن هو أخَفُّ منه، ولا يُرْكِبُه مَن هو أثْقَلُ منه؛ لأنَّ العَقْدَ اقْتَضَى اسْتِيفاءَ مَنْفَعَةٍ مُقَدَّرةٍ بذلك الرّاكِبِ، فكان له أن يَسْتَوْفِيَ ذلك بنَفْسِه ونائِبِه، وله اسْتِيفاءُ أقَلَّ منه؛ لأنَّه بعضُ حَقِّه، وليس له اسْتِيفاءُ أكْثَرَ منه؛ لأنَّه أكْثَرُ ممّا عَقَدَ عليه.
ولا يُشْتَرَطُ التَّساوي في الطُّولِ والقِصَرِ، ولا المَعْرِفةِ بالرُّكُوبِ.
وقال القاضي: يُشْتَرطُ أن يكونَ مِثْلَه في هذه الأوْصافِ كلِّها؛ لأنَّ قِلَّةَ المَعْرِفةِ بالرُّكُوبِ يُثْقِلُ على المَرْكُوبِ ويَضُرُّ به.
قال الشاعر:
لم يَرْكَبُوا الخَيلَ إلَّا بَعْدَما كَبِرُوا … فَهُمْ ثِقالٌ عَلَى أكْفالِهَا عُنُفُ 1
ولَنا، أنَّ التَّفاوُتَ في هذه الأُمُورِ مع التَّساويِ في الثِّقَلِ يَسِيرٌ، فَعُفِيَ عنه، ولهذا لا يُشْتَرَطُ ذِكْرُه في الإِجارَةِ، ولو اعْتُبِرَ ذلك لاشْتُرِطَتْ مَعْرِفَتُه في الإِجارَةِ، كالثِّقَلِ والخِفَّةِ.
فصل: فإن شَرَط أن لا يَسْتَوْفِيَ المَنْفَعَةَ بمِثْلِه ولا بمَن دُونَه، فقِياسُ قولِ أصحابِنا صِحَّةُ العَقْدِ وبُطْلانُ الشَّرْطِ، فإنَّهم قالُوا في مَن شَرَط أن يَزْرَعَ في الأرْضِ حِنْطَةً ولا يَزْرَعَ غيرَها: يَبْطُلُ الشَّرْطُ ويَصِحُّ العَقْدُ.
ويَحْتَمِلُ أن يَصِحَّ الشَّرْطُ.
وهو أحَدُ الوَجْهَين للشّافِعيَّةِ؛ لأنَّ
..................................
المُسْتَأْجِرَ يَمْلِكُ المَنافِعَ مِن جِهَةِ المُؤْجِرِ، فلا يَمْلِكُ ما لم يَرْضَ به، ولأنَّه قد يكونُ له غَرَضٌ في تَخْصِيصِه باسْتِيفاءِ هذه المَنْفَعَةِ.
وقالوا في الوَجْهِ الآخَرِ: يَبْطُلُ الشَّرْطُ؛ لأنَّه يُنَافِي مُوجِبَ العَقْدِ، إذ مُوجِبُه مِلْكُ المَنْفَعَةِ والتَّسْلِيطُ على اسْتِيفائِها بنَفْسِه ونائِبِه، واسْتِيفاءُ بعضِها بنَفْسِه وبعضِها بنائِبِه، والشَّرْطُ يُنافِي ذلك، فكان باطِلًا.
ولا يَبْطُلُ به العَقْدُ في أصَحِّ الوَجْهَين؛ لأنَّه لا يُؤَثِّرُ في حَقِّ المُؤْجِرِ نَفْعًا ولا ضَرًّا، فأُلْغِي، وبَطَل العَقْدُ على مُقْتَضاه.
والآخَرُ يُبْطِلُه؛ لأنَّه يُنافِي مُقْتَضاه، أشْبَهَ ما لو شَرَط أن لا يَسْتَوْفِيَ المَنافِعَ.
وَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ الْمَنْفَعَةَ وَمَا دُونَهَا فِي الضَّرَرِ مِنْ جِنْسِهَا، فَإِذَا اكْتَرَى لِزَرْعِ الْحِنْطَةِ، فَلَهُ زَرْعُ الشَّعِيرِ وَنَحْوهِ، وَلَيسَ لَهُ زَرْعُ الدُّخْنِ وَنَحْوهِ.
وَلَا يَمْلِكُ الْغَرْسَ وَلَا الْبِنَاءَ.
وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِأَحَدِهِمَا، لَمْ يَمْلِكِ الْآخَرَ.
فَإِنِ اكْتَرَاهَا لِلْغَرْسِ، مَلَكَ الزَّرْعَ.
2190 - مسألة: (وله اسْتِيفاءُ المَنْفَعَةِ وما دُونَها في الضَّرَرِ مِن جِنْسِها)
قال أحمدُ: إذا اسْتَأْجَرَ دابَّةً ليَحْمِلَ عليها تَمْرًا، فَحَمَل عليها حِنْطَةً، أرْجُو أن لا يكونَ به بَأْسٌ إذا كان الوَزْنُ واحِدًا.
وإن كانت المَنْفَعَةُ التي يَسْتَوْفِيها أكْثَرَ ضَرَرًا، أو مُخالِفَةً للمَعْقُودِ عليها في الضَّرَرِ، لم يَجُزْ؛ لأنَّه يَسْتَوْفِي أكْثَرَ مِن حَقِّه أو غيرَ ما يَسْتَحِقُّه.
2191 -
مسألة: فإذا اسْتَأْجَرَ أرْضًا (لزَرْعِ الحِنْطةِ، فله زَرْعُ الشَّعِيرِ ونحوه.
وليس له زَرْعُ الدُّخْنِ ونَحْوه.
ولا يَمْلِكُ الغَرْسَ ولا البِناءَ.
وإنِ اكْتَراها لأحَدِهما، لم يَمْلِكِ الآخَرَ.
وإنِ اكْتَراها لِلْغَرْسِ، مَلَك الزَّرْعَ)
وجُمْلَةُ ذلك، أنَّ إجارَةَ الأرْضِ صَحِيحةٌ، وقد ذَكَرْنا
..................................
ذلكَ.
ولا يَصِحُّ حتى يَرَى الأرْضَ؛ لأنَّ المَنْفَعَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلافِها، ولا تُعْرَفُ إلَّا بالرُّؤْيةِ؛ لِكَوْنِها لا تَنْضَبِطُ بالصِّفَةِ، ولا يَصِحُّ حتى يَذْكُرَ ما يَكْتَرِي له؛ مِن زَرْعٍ، أو غَرْسٍ، أو بِناءٍ؛ لأنَّ الأرْضَ تَصْلُحُ لذلك كلِّه، وتَأْثِيرُه في الأرْضِ يَخْتَلِفُ، فوَجَبَ بَيانُه.
فإن قال: أجَرْتُكَها لِتَزْرَعَها أو تَغْرِسَها.
لم يَصِحَّ؛ لأنَّه لم يُعَيِّنْ أحَدَهُما، أشْبَهَ ما لو قال: بِعْتُكَ أحَدَ هَذَين العَبْدَين.
فإن قال: لِتَزْرَعَهَا ما شِئْتَ، وتَغْرِسَها ما شِئْتَ.
صَحَّ.
وهذا مَنْصُوصُ الشافعيِّ.
وخالفَه أكْثَرُ أصحابِه، فقالوا: لا يجوزُ؛ لأنَّه لا يَدْرِي كم يَزْرَعُ ويَغْرِسُ.
وقال بعضُهم: يَصِحُّ، ويَزْرَعُ نِصْفَها ويَغْرِسُ نِصْفَها.
ولَنا، أنَّ العَقْدَ اقْتَضَى إباحَةَ هَذَين الشَّيئَين، فصَحَّ، كما لو قال: لتَزْرَعَها ما شِئْتَ.
ولأنَّ اخْتِلافَ الجِنْسَينِ كاخْتِلافِ النَّوْعَينِ.
وقولُه: لِتَزْرَعَها ما شِئْتَ.
إذْنٌ في نَوْعَينِ وأنْواعٍ، وقد صَحَّ، كذلك 1 في الجِنْسَين.
وله أن يَغْرِسَها كُلَّها، وأن يَزْرَعَها كُلَّها، كما لو أذِنَ له في أنْواعِ الزَّرْعِ كلِّه، كان له زَرْعُها نَوْعًا واحِدًا، وزَرْعُها جَمِيعِها مِن نوْعَين، كذلك ههُنا.
..................................
فصل: فإنِ اكْتَرَاها 1 للزَّرْعِ وحدَه، ففيه أرْبَعُ مَسائِلَ؛ إحْداهُنَّ، اكْتَراها للزَّرْعِ مُطْلَقًا، أو قال: لِزَرْعِ 2 ما شِئْتَ.
فيَصِحُّ، وله زَرْعُ ما شاءَ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
وحُكِيَ عن ابنِ 3 سُرَيجٍ أنَّه لا يَصِحُّ حتى يُبَيِّنَ الزَّرْعَ؛ لأنَّ ضَرَرَه يَخْتَلِفُ، فلم يَصِحَّ بدُونِ البَيانِ، كما لو لم يَذْكُرْ ما يَكْتَرِي له؛ مِن زَرْعٍ أو غَرْسٍ أو بِناءٍ.
ولَنا، أنَّه يجوزُ اسْتِئْجارُها لأكْثَرِ الزَّرْعِ ضَرَرًا، ويُباحُ له جَمِيعُ الأنواعِ؛ لأنَّها دُونَه، فإذا عَمَّمَ أو أطْلَقَ، تَناوَلَ الأكْثَرَ، وكان له ما دُونَه، ويُخالِفُ الأجْناسَ المُخْتَلِفَةَ، فإنَّه لا يَدْخُلُ بعضُها في بعضٍ.
فإن قِيلَ: فلو اكْتَرَى دابَّةً للرُّكُوبِ وَجَب تَعْيِينُ الرّاكِبِ.
قلنا: لأنَّ إجارَةَ المَرْكُوبِ لأكْثَرِ الرُّكّابِ ضَرَرًا لا تجوزُ، بخِلافِ المَزْرُوعِ، ولأنَّ لِلْحَيَوانِ حُرْمَةً في نَفْسِه، فلم يَجُزْ إطْلاقُ ذلك فيه، بخِلافِ الأرْضِ.
فإن قِيلَ: فلو اسْتَأْجَرَ دارًا للسُّكْنَى مُطْلَقًا، لم يَجُزْ أن يُسْكِنَها مَن يَضُرُّ بها، كالقَصّارِ والحَدّادِ، فلِمَ قُلْتُم: إنَّه يَجُوزُ أن يَزْرَعَها ما يَضُرُّ بها؟ قُلْنا: السُّكْنَى
..................................
لا تَقْتَضِي ضَرَرًا، فلذلك مُنِعَ مِن إسْكانِ مَن يَضُرُّ بها؛ لأنَّ العَقْدَ لم يَقْتَضِه، والزَّرْعُ يَقْتَضِي الضَّرَرَ، فإذا أطْلَقَ كان راضِيًا بأكْثَرِه، فلهذا جازَ.
وليس له أن يَغْرِسَ [ولا يَبْنِيَ في الأرْضِ] 1؛ لأنَّ ضَرَرَه أكْثَرُ مِن المَعْقُودِ عليه.
المسألةُ الثانيةُ، اكْتَراها 2 لِزَرْعِ حِنْطَةٍ أو نَوْعٍ بعَينِه، فإنَّ له زَرْعَ ما عَيَّنَه وما ضَرَرُه كضَرَرِه أو دُونَه، ولا يَتَعَيَّنُ ما عَيَّنَه في قولِ عامَّةِ أهْلِ العِلْمِ، إلَّا أهْلَ الظّاهِرِ، فإنَّهم قالوا: لا يجوزُ له زَرْعُ غيرِ ما عَيَّنَه، حتى لو وَصَف الحِنْطَةَ بأنَّها سَمْراءُ، لم يَجُزْ أن يَزْرَعَ بَيضاءَ؛ لأنَّه عَيَّنَه بالعَقْدِ، فلم يَجُزِ العُدُولُ عنه، كما لو عَيَّنَ المَرْكُوبَ، أو عَيَّنَ الدَّراهِمَ في الثَّمَنِ.
ولَنا، أنَّ المَعْقُودَ عليه مَنْفَعَةُ الأرْضِ دُونَ القَمْحِ، ولهذا يَسْتَقِرُّ عليه الأجْرُ بمُضِيِّ المُدَّةِ إذا تَسَلَّمَ الأرْضَ ولم يَزْرَعْها.
وإنَّما ذَكَر القَمْحَ لتَتَقَدَّرَ به المَنْفَعَةُ، فلم يَتَعَيَّنْ، كما لو اسْتَأْجَرَ دارًا لِيَسْكُنَها، فله أن يُسْكِنَها غيرَه.
وفارَقَ المَرْكُوبَ والدَّراهِمَ في الثَّمَنِ، فإنَّه مَعْقُودٌ عليهما، فتَعَيَّنا، والمَعْقُودُ عليه ههُنا مَنْفَعةٌ مُقَدَّرَةٌ، وقد تَعَيَّنَتْ أيضًا، ولم يَتَعَيَّنْ ما قُدِّرَتْ
..................................
به، كما لا يَتَعَيَّنُ المِكْيالُ والمِيزانُ في المَكِيلِ والمَوْزُونِ.
فعلى هذا، يجوزُ له زَرْعُ القَمْحِ والشَّعِيرِ والباقِلَّا؛ لأنَّه أقَلُّ ضَرَرًا، وليس له زَرْعُ الدُّخْنِ والذُّرَةِ والقُطْنِ؛ لأنَّه إمّا أن يكونَ أكْثَرَ ضَرَرًا، فيَأْخُذَ فَوْقَ حَقِّه، أو يكونَ ضَرَرُه مُخالِفًا لضَرَرِ القَمْحِ، فيَأْخُذَ ما لم يَتناوَلْه العَقْدُ ولا شيئًا مِن جِنْسِه.
المسألةُ الثالثةُ، قال: ازْرَعْها حِنْطةً وما ضَرَرُه كضَرَرِها أو دُونَه.
فهذه كالتي قَبْلَها، إلَّا أنَّه لا مُخالِفَ فيها؛ لأنَّه شَرَط ما اقْتَضاهُ الإِطْلاقُ، وبَيَّنَ ذلك بصَرِيحِ نَصِّه، فزال الإِشْكالُ.
المسألةُ الرابعةُ، قال: ازْرَعْها حِنْطةً ولا تَزْرَعْ غيرَها.
فذَكَرَ القاضِي، أنَّ الشَّرْطَ باطِلٌ؛ لمُنافاتِه مُقْتَضَى العَقْدِ؛ لأنَّه يَقْتَضِي اسْتِيفاءَ المَنْفَعَةِ كيف شاءَ، فلم يَصِحَّ الشَّرْطُ، كما لو شَرَط عليه اسْتِيفاءَ المَبِيعِ بنَفْسِه.
والعَقْدُ صَحِيحٌ؛ لأنَّه لا ضَرَرَ فيه، ولا غَرَضَ لأحَدِ المُتَعاقِدَين؛ لأنَّ ما ضَرَرُه مِثْلُه، لا يَخْتَلِفُ في غَرَضِ المُؤْجِرِ، فلم يُؤَثِّرْ في العَقْدِ، فأشْبَهَ شَرْطَ اسْتِيفاءِ المَبِيعِ أو الثَّمنِ بنَفْسِه.
وقد ذَكَرْنا فيما إذا شَرَط مُكْتَرِي الدّارِ أن لا يُسْكِنَها غيرَه، وَجْهًا في صِحَّةِ الشَّرْطِ، ووَجْهًا في فسادِ العَقْدِ، فيُخَرَّجُ ههُنا مِثْلُه.
..................................
فصل: فإنِ اكْتَراها 1 للغِراسِ، ففيه ما ذَكَرْنا مِن المَسائِلِ، إلَّا [أنَّ لَه] 2 أن يَزْرَعَها؛ لأنَّ ضَرَرَ الزَّرْعِ أقَلُّ مِن ضَرَرِ الغِراسِ، وهو مِن جِنْسِه؛ لأنَّ كلَّ واحِدٍ منهما يَضُرُّ بباطِنِ الأرْضِ.
وليس له البِناءُ؛ لأنَّ ضَرَرَه مُخَالِفٌ لضَرَرِه، فإنَّه يَضُرُّ بظاهِرِ الأرضِ.
وإنِ اكْتَراها للزَّرْعِ، لم يَمْلِكِ الغَرْسَ ولا البِناءَ؛ لأنَّ ضَرَرَ الغَرْسِ أكْثَرُ، وضَرَرُ البناء مُخالِفٌ لضَرَرِه.
وإنِ اكْتَراها للبناءِ، لم يَكُنْ له الغَرْسُ ولا الزَّرْعُ؛ لأنَّ ضَرَرَهما يُخالِفُ ضَرَرَه.
فصل: ولا تَخْلُو الأرْضُ مِن قِسْمَين؛ أحَدُهما، أن يكونَ لها ماءٌ دائِمٌ؛ إمّا مِن نَهْرٍ لم تَجْرِ العادَةُ بانْقِطاعِه، أو لا يَنْقَطِعُ إلَّا مُدَّةً لا تُؤَثِّرُ في الزَّرْعِ، أو مِن عَينٍ تَنْبُعُ، أو بِرْكَةٍ مِن مِياهِ الأمْطارِ يَجْتَمِعُ فيها الماءُ ثمَّ يَسْقِي به، أو مِن بِئْرٍ يَقُومُ بكِفايَتِها، أو ما يَشْرَبُ بعُرُوقِه لِنَداوَةِ الأرْضِ وقُرْبِ الماءِ الذي تحتَ الأرْضِ، فهذا كلُّه دائِمٌ، ويَصِحُّ اسْتِئْجارُها للغَرْسِ والزَّرْعِ، وكذلك الأرْضُ التي تَشْرَبُ مِن مِياهِ الأمْطارِ، ويُكْتَفَى بالمُعْتادِ منه 3؛ لأنَّ ذلك بِحُكْمِ العادَةِ، لا تَنْقَطِعُ إلَّا نادِرًا، فهي كسائِرِ الصُّوَرِ المَذْكُورَةِ.
والثاني، أن لا يكونَ لها ماءٌ دائِمٌ، وهي نوعان؛ أحَدُهما، ما يَشْرَبُ مِن زِيادةٍ مُعْتادةٍ تَأْتِي وَقْتَ الحاجةِ، كأرضِ مِصْرَ الشّارِبَةِ مِن زِيادَةِ النِّيلِ، وما يَشْرَبُ مِن زِيادةِ الفُراتِ وأشْباهِه،
..................................
وأرْضِ البَصْرَةِ الشّارِبَةِ مِن المَدِّ والجَزْرِ، وأرْضِ دِمَشْقَ الشّارِبَةِ من زِيادَةِ بَرَدَى، أو ما يَشْرَبُ مِن الأوْدِيَةِ الجارِيَةِ مِن ماءِ المَطَرِ، فتَصِحُّ إجارَتُها قبلَ وُجُودِ الماءِ الذي تُسْقَى به وبعدَه.
وحَكَى ابنُ الصَّبّاغِ ذلك مَذْهَبًا للشافعيِّ.
وقال أصحابُه: إن أكْراها بعدَ الزِّيادَةِ، صَحَّ، ولا تَصِحُّ قبلَها؛ لأنَّها مَعْدُومَةٌ، لا يُعْلَمُ هل يَقْدِرُ عليها أو لا.
ولَنا، أنَّ هذا مُعْتادٌ، الظاهِرُ وُجُودُه، فجازَتْ إجارَةُ الأرْضِ الشّارِبَةِ منه، كالشّارِبَةِ مِن مياهِ الأمْطارِ، ولأنَّ ظَنَّ القُدْرَةِ على التَّسْلِيمِ في وَقْتِه يَكْفِي في صِحَّةِ العَقْدِ، كالسَّلَمِ في الفاكِهَةِ إلى أوانِها.
النوعُ الثاني، أن يكونَ مَجِئُ الماءِ نادِرًا، أو غيرَ ظاهِرٍ، كالأرْضِ التي لا يَكْفِيها إلا المَطَرُ الشَّدِيدُ الكَثِيرُ الذي يَنْدُرُ وُجُودُه.
أو يكونُ شُرْبُها مِن فَيضِ ماءٍ وُجُودُه نادِرٌ، أو مِن زِيادةٍ نادِرَةٍ في نَهْرٍ أو عَينٍ غالِبَةٍ، فهذه إن أجَرَها بعدَ وُجُودِ ماءٍ يَسْقِيها به، صَحَّ؛ لأنَّه أمْكَن الانْتِفاعُ بها وزَرْعُها، فجازَت إجارَتُها، كذاتِ الماءِ الدائِمِ.
وإن أجَرَها قبلَه 1، لم يَصِحَّ؛ لأنَّه يتَعَذَّرُ الزَّرْعُ غالِبًا، أو يتَعَذَّرُ المَعْقُودُ عليه في الظاهِرِ، فلم تَصِحَّ إجارَتُها، كالآبِقِ والمَغْصُوب.
وإنِ اكْتَراها على أنَّها لا ماءَ لها، جازَ؛ لأنَّه يتَمَكَّنُ مِن الانْتِفاعِ بها بالنُّزُولِ فيها، ووَضْعِ رَحْلِه، وجَمْعِ الحَطَبِ فيها، وله أن يَزْرَعَها رَجاءَ الماءِ.
وإن حَصَل له ماءٌ قبلَ زَرْعِها، فله زَرْعُها؛ لأنَّ ذلك مِن مَنَافِعِها المُمْكِنِ اسْتِيفاؤُها.
وليس له أن يَبْنِيَ ولا يَغْرِسَ؛
..................................
لأنَّ ذلك يُرادُ للتَّأْبِيدِ، وتَقْدِيرُ الإِجارَةِ بمُدَّةٍ يَقْتَضِي تَفْرِيغَها عندَ انْقِضائِها.
فإن قيلَ: فلو اسْتَأْجَرَها للغِراسِ والبِناءِ صَحَّ مع تَقدِيرِ المُدَّةِ.
قلنا: التَّصْرِيحُ بالبناءِ والغِرَاسِ صَرَفَ التَّقْدِيرَ عن مُقْتَضاه، بظاهِرِه في التَّفْرِيغِ عندَ انْقِضاءِ المُدَّةِ، إلَّا أن يَشْتَرِطَ قَلْعَ ذلك عند انْقضاءِ المُدَّةِ، فيُصْرَفُ الغِراسُ والبِناءُ عَمّا يُرادُ له بظاهِرِه، بخِلافِ مَسْألَتِنا.
وإن أطْلَقَ إجارَةَ هذه الأرضِ، مع العِلْمِ بِحَالِها وعَدَمِ مائِها، صَحَّ؛ لأنَّهُما دَخَلَا في العَقْدِ عَلَى أنَّها لَا مَاءَ لَهَا، فَأَشْبَهَ ما لو شَرَطَاهُ.
وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ عَدَمَ مَائِها أو ظَنَّ المُكْتَرِي أنَّه يُمْكِنُ تَحْصِيلُ ماءٍ لها بوَجْهٍ مِن الوُجُوهِ، لم يَصِحَّ العَقْدُ؛ لأنَّه رُبَّما دَخَل في العَقْدِ بِناءً على أنَّ المالِكَ يُحَصِّلُ لها ماءً، وأنَّه يَكْتَرِيها للزِّراعَةِ مع تعَذُّرِها.
وقيل: لا يَصِحُّ العَقْدُ مع 1 الإِطْلاقِ وإن عَلِمَ حالها؛ لأنَّ إطْلاقَ كِرَاءِ الأرْضِ يَقْتَضِي الزِّراعةَ.
والأَوْلَى صِحَّتُه؛ لأنَّ العِلْمَ بالحالِ يَقُومُ مَقامَ الاشْتِراطِ، كالعِلْمِ بالعَيبِ يَقُومُ مَقامَ شَرْطِه.
ومتى كان لها ماءٌ غيرُ دائِمٍ، أو الظاهِرُ انْقِطاعُه قبلَ الزَّرْعِ، أو لا يَكْفِي الزَّرْعَ، فهي كالتي لا ماءَ لها.
ومَذْهَبُ الشافعيِّ في هذا كلِّه كما ذَكَرْنا.
فصل: وإنِ اكْتَرَى أرْضًا غارِقةً بالماءِ، لا يُمْكِنُ زَرْعُها قبل انْحِسارِه عنها، وقد يَنْحَسِرُ ولا يَنْحَسِرُ، فالعَقْدُ باطِلٌ؛ لأنَّ الانْتِفاعَ بها في الحالِ غيرُ مُمْكِنٍ، ولا يَزُولُ المانِعُ غالِبًا.
وإن كان يَنْحَسِرُ عنها وَقْتَ الحاجَةِ
..................................
إلى الزِّراعةِ، كأرْضِ مِصْرَفي وَقْتِ مَدِّ النِّيلِ، صَحَّ العَقْدُ؛ لأنَّ المَقْصُودَ مُتَحَقِّقٌ 1 بحُكْمِ العادَةِ [المَشْهُورَةِ.
وإن] 2 كانتِ الزراعةُ فيها مُمْكِنةً، ويُخافُ غَرَقُها، والعادَةُ غَرَقُها، لم تَجُزْ إجارَتُها؛ لأنَّها في حُكْمِ الغارِقَةِ بحُكْمِ العادَةِ المُسْتَمِرةِ.
فصل: ومتى زَرَع فغَرِقَ الزَّرْعُ، أو هَلَك بحَرِيقٍ أو جَرادٍ أو بَرْدٍ أو غيرِه، فلا ضَمانَ على المُؤْجِرِ، ولا خِيارَ لِلْمُكْتَرِي.
نَصَّ عليه أحمدُ.
ولا نَعْلَمُ فيه خِلافًا.
وهو مَذْهَبُ الشافعيِّ؛ لأنَّ التّالِفَ غيرُ المَعْقُودِ عليه، وإنَّما تَلِفَ مالُ المُكْتَرِي فيه، فأشْبَهَ مَن اكْتَرَى دُكّانًا فاحْتَرَقَ مَتاعُه فيه.
ثمَّ إن أمْكَنَ المُكْتَرِيَ الانْتِفاعُ بالأرْضِ بغيرِ الزَّرْعِ، أو بالزَّرْعِ في بقيَّةِ المُدَّةِ، فله ذلك، وإن تَعَذَّرَ ذلك، لَزِمَه الأجْرُ؛ لأنَّ تَعَذُّرَه لِفَواتِ وَقْتِ الزِّراعةِ بِسَبَبٍ غيرِ مَضْمُونٍ على المُؤْجِرِ، لا لِمَعْنىً في العَينِ.
وإن تَعَذَّرَ الزَّرْعُ بِسَبَبِ غَرَقِ الأرْضِ أو 3 انْقِطاعِ مائِها، فلِلْمُسْتَأْجِرِ الخِيارُ؛ لأنَّه 4 لِمَعْنىً في العَينِ.
وإن تَلِفَ الزَّرْعُ بذلك، فليس على المُؤْجِرِ ضَمانُه؛ لأنَّه لم يَتْلَفْ بمُباشَرةٍ ولا بِسَبَبٍ.
وإن قَلَّ الماءُ بحيث لا يَكْفِي الزَّرْعَ، فله الفَسْخُ؛ لأنَّه عَيبٌ.
فإن كان ذلك بعدَ الزَّرْعِ، فله الفَسْخُ أيضًا، ويَبْقَى الزَّرْعُ في الأرْضِ إلى أن يَسْتَحْصِدَ، وعليه مِن المُسَمَّى
وَإِنِ اكْتَرَى دَابَّةً لِلرُّكُوبِ، أَو الْحَمْلِ، لَمْ يَمْلِكِ الْآخَرَ.
وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِحَمْلِ الْحَدِيدِ، أَو الْقُطْنِ، لَمْ يَمْلِكْ حَمْلَ الْآخَرِ.
بحِصَّتِه إلى حينِ الفَسْخِ، وأجْرُ المِثْلِ لِما بَقِيَ مِن المُدَّةِ لأرْضٍ لها مِثْلُ ذلك الماءِ.
وكذلك إنِ انْقَطَعَ الماءُ بالكُلِّيَّةِ، أو حَدَثَ بها عَيبٌ مِن غَرَقٍ يَهْلِكُ به بعضُ الزَّرْعِ، أو تَسُوءُ حالتُه به.
2192 -
مسألة: (وإنِ اكْتَرَى دابَّةً لِلرُّكُوبِ، أو الحَمْلِ، لم يَمْلِكِ الآخَرَ. وإنِ اكْتَراها لِحَمْلِ الحَدِيدِ، أو القُطْنِ، لم يَمْلِكْ حَمْلَ 1 الآخَرِ) إذا اكْتَرَى دابَّةً للرُّكُوبِ، لم يَمْلِكِ الحَمْلَ عليها؛ لأنَّ الرّاكِبَ يُعِينُ الظَّهْرَ بحَرَكَتِه. وإنِ اكْتَراها لِيَحْمِلَ عليها، فليس له رُكُوبُها؛ لأنَّ الرّاكِبَ يَقْعُدُ في مَوْضِعٍ واحدٍ، فيَشْتَدُّ على الظَّهْرِ، والمَتاعُ يَتَفَرَّقُ على جَنْبَيها. وإنِ اكْتَراها لِيَرْكَبَها عَرِيًّا، لم يَجُزْ أن يَرْكَبَ بِسَرْجٍ؛ لأنَّه يَحْمِلُ عليه أكْثَرَ ممَّا عَقَد عليه. وإنِ اكْتَرَاها لِيَرْكَبَها بِسَرْجٍ، فليس له رُكُوبُها عَرِيًّا؛ لأنَّ الرُّكُوبَ بغيرِ سَرْجٍ يَحْمَى به الظَّهْرُ، فرُبَّما عَقَرَها. وإنِ اكْتَرَاها لِيَرْكَبَ بِسَرْجٍ، لم يَجُزْ أن يَرْكَبَ بأثْقَلَ منه. فإنِ اكْتَرَى حِمارًا بِسَرْجٍ، لم يَجُزْ أن يَرْكَبَه بِسَرْجِ البِرذَونِ إن كان أثْقلَ مِن سَرْجِه. وإنِ اكْتَرَى دابَّةً بِسَرْجٍ، فرَكِبَها بأثْقَلَ منه أو أضَرَّ مِنْه، لم يَجُزْ. وإن كان أخَفَّ أو أقَلَّ ضَرَرًا، فلا بَأْسَ. وإنِ اكْتَرَى
..................................
دابَّةً لِيَحْمِلَ عليها حَدِيدًا، لم يَحْمِلْ عليها قُطْنًا؛ لأنَّه يتَجافَى، وتَهُبُّ فيه الرِّيحُ، فيُتْعِبُ الظَّهْرَ.
وإن اكْتَرَاها لِحَمْلِ القُطْنِ، فليس له حَمْلُ الحَدِيدِ؛ لأنَّه يَجْتَمِعُ في مَوْضِعٍ واحدٍ، فيَثْقُلُ عليه، والقُطْنُ يتَفَرَّقُ فيَقِلُّ 1 ضَرَرُه.
ومتى فَعَل ما ليس له فِعْلُه كان ضامِنًا، وعليه أجْرُ المِثْلِ.
وهذا كلُّه مَذْهَبُ الشافعيِّ، وأبي ثَوْرٍ.
فصل: وإنِ اكْتَرَى دابَّةً لِيَرْكَبَها في مَسافَةٍ مُعَيَّنةٍ مَعْلُومَةٍ، أو يَحْمِلَ عليها فيها، فأراد العُدُولَ بها 2 إلى ناحيةٍ أُخرى مِثْلِها في القَدْرِ، وهي أضَرُّ منها، أو يُخالِفُ ضَرَرُها ضَرَرَها، بأن تكونَ إحْداهما أخْوَفَ والأُخْرَى أخْشَنَ، لم يَجُزْ، وإن كانت مِثْلَها في السُّهُولَةِ والحُزُونَةِ والأمْنِ، أو التي يَعْدِلُ إليها أقَلَّ ضَرَرًا، فذَكَرَ القاضِي أنَّه يَجوزُ.
وهو قولُ أصحابِ الشافعيِّ؛ لأنَّ المَسافَةَ عُيِّنَتْ لِيَسْتَوْفِيَ بها المَنْفَعَةَ، ويَعْلَمَ قَدْرَها بها، فلم تَتَعَيَّنْ، كَنَوْعِ المَحْمُولِ والرّاكِبِ.
قال شيخُنا 3: ويَقْوَى عِنْدِي، أنَّه متى كان لِلْمُكْرِي 4 غَرَضٌ في تلك الجِهَةِ المُعَيَّنَةِ، لم يَجُزِ العُدُولُ إلى غيرِها، مثلَ مَن يُكْرِى جِماله إلى مَكَّةَ لِيَحُجَّ معها، فلا يجوزُ له أن يَذْهَبَ بها إلى غيرِها.
ولو أكْراها إلى بَغْدادَ، لكَوْنِ أهْلِه بها أو بِبَلَدِ العِراقِ، فليس له الذَّهابُ بها 5 إلى مِصْرَ، ولو أكْرَى جِماله
فَإِنْ فَعَلَ، فَعَلَيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ.
جُمْلةً إلى بَلَدٍ، لم يَجُزِ التَّفْرِيقُ بينها بالسَّفَرِ ببعضِها إلى جِهَةٍ وبِباقِيها إلى غيرِها؛ وذلك لأنَّه عَيَّنَ المَسافَةَ لِغَرَضٍ في فَواتِه ضَرَرٌ، فلم يَجُزْ تَفْويتُه، كما في حَقِّ المُكْتَرِي (1)، فإنَّه لو أراد حَمْلَه إلى غيرِ المكانِ الذي اكْتَرَى إليه، لم يَجُزْ، وكما لو عَيَّنَ طَرِيقًا سَهْلًا أو آمِنًا، فأرادَ سُلُوكَ ما يُخالِفُه في ذلك.
فصل: إذا اكْتَرَى قَمِيصًا لِيَلْبَسَهُ، جازَ؛ لأنَّ الانْتِفاعَ به مُمْكِنٌ مع بَقَاءِ عَينِه ويجوزُ بَيعُه، أشْبَهَ العَقارَ.
ولا بُدَّ مِن تَقْدِيرِ المنْفَعَةِ بالمُدَّةِ، فإن كانت العادَةُ في بَلَدِه نَزْعَ ثِيابِهم عندَ نَوْمِ اللَّيلِ، فعليه نَزْعُه؛ لأنَّ الإِطْلاقَ يُحْمَلُ على العادَةِ، وله لُبْسُه فيما سِوَى ذلك، ولا يَلْزَمُه نَزْعُه إذا نامَ نَهارًا؛ لأنَّه العُرْفُ.
ويَلْبَسُ القَمِيصَ على ما جَرَتِ العادَةُ به [وليس له] (2) أن يَتَّزِرَ به؛ لأنَّه يَعْتَمِدُ عليه فيَشُقُّه، وفي اللُّبْسِ لا يَعْتَمِدُ.
ويجوزُ الارْتِداءُ به؛ لأنَّه أخَفُّ مِن اللُّبْسِ.
ومَن مَلَك شيئًا، مَلَك ما هو أخَفُّ منه.
وقيل: لا يجوزُ؛ لأنَّه اسْتِعْمالٌ له فيما لا تَجْرِي العادَةُ به في القَمِيصِ، أشْبَهَ الاتِّزارَ به.
واللهُ أعلمُ.
2193 -
مسألة: (وإن فعل)
ما ليس له فِعْلُه (فعليه أجْرُ المِثْلِ)12
وَإِنِ اكْتَرَاهَا لِحُمُولَةِ شَيءٍ، فَزَادَ عَلَيهِ، أَوْ إِلَى مَوْضِعٍ، لأنَّه اسْتَوْفَى مَنْفَعَةً غيرَ التي عَقَد عليها [لا يجوزُ له اسْتِيفاؤُها] (1) فَلَزِمَه أجْرُ المِثْلِ، كالغاصِبِ.
2194 -
مسألة: (وإنِ اكْتَرَاها لحُمولةِ شيءٍ، فزادَ عليه، أو إلى
1
فَجَاوَزَهُ، فَعَلَيهِ الْأُجْرَةُ الْمَذْكُورَةُ وَأُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلزَّائِدِ.
ذَكَرَهُ الْخِرَقِيُّ.
وَقَال أَبُو بَكْرٍ: عَلَيهِ أُجْرَةُ الْمِثْلِ لِلْجَمِيعِ.
مَوْضِعٍ، فجاوَزَهُ، فعليه الأُجْرَةُ المَذْكُورَةُ وأُجْرَةُ المِثْلِ للزّائِدِ.
ذَكَرَه الخِرَقِيُّ.
وقال أبو بكرٍ: عليه أُجْرَةُ المِثْلِ للجَمِيعِ) وجملةُ ذلك، أنَّ مَنِ اكْتَرَى دابَّةً لحُمُولةِ شيءٍ فزادَ عليه، كمَن اكْتَرَى لحَمْلِ قَفِيزَين فحَمَلَ ثلاثةً، أو إلى مَوْضِعٍ فجاوَزَه؛ مثلَ أن يَكْتَرِيَها مِن دِمَشْقَ إلى القُدْسِ فيَرْكَبَها إلى مِصْرَ، وَجَب عليه الأجْرُ المُسَمَّى، وأجْرُ المِثْلِ لِما زاد، وضَمانُها إن تَلِفَتْ.
وهذا مَذْهَبُ الشافعيِّ.
ونَصَّ عليه أحمدُ، فيما إذا اسْتَأْجَرَها إلى مَوْضِعٍ فجاوَزَه.
وإليه ذَهَب ابنُ شُبْرُمَةَ، والحَكَمُ، وهو الظاهِرُ مِن قَوْلِ الفُقَهاءِ السَّبْعَةِ.
وقال الثَّوْرِيُّ، وأبو حنيفةَ: لا أجْرَ عليه لِما زادَ؛ لأنَّ مَنافِعَ الغَصْبِ غيرُ مَضْمُونَةٍ عندَهما.
وحُكِيَ عن مالكٍ، أنَّه إذا تَجاوَزَ بها إلى مَسافَةٍ بَعِيدةٍ، خُيِّرَ صاحِبُها بينَ أَجْرِ المِثْلِ وبينَ المُطالبةِ بقِيمَتِها يومَ التَّعَدِّي؛ لأنَّه مُتَعَدٍّ بإمْساكِها، فكان لصاحِبِها تَضْمِينُها إيّاهُ.
ولَنا، أنَّ العَينَ باقِيةٌ بحالِها يُمْكِنُ أخْذُها، فلم تَجِبْ قِيمَتُها، كما لو كانت المَسافَةُ قَرِيبةً.
وما ذَكَرُوه 1 تَحَكُّمٌ لا دَلِيلَ عليه ولا نَظِيرَ له، فلا يجوزُ المَصِيرُ إليه.
وسَيأتِي الكَلامُ مع أبي حنيفةَ في بابِ
..................................
الغَصْبِ، إن شاء اللهُ تعالى.
وحَكَى القاضي، أنَّ قولَ أبي بكرٍ فيما إذا اكْتَرَى لحُمُولَةِ شيءٍ فزادَ عليه، وُجُوبُ أجْرِ المِثْلِ [في الجَمِيع] 1، [أخْذًا مِن قولِه في مَن اسْتَأْجَرَ أرْضًا لِيَزْرَعَها شَعِيرًا، فزَرَعَها حِنْطَةً، أنَّ عليه أجْرَ المِثْلِ للجَمِيعِ] 2؛ لأنَّه عَدَل عن المَعْقُودِ عليه إلى غيرِه، فأشْبَهَ ما لو اسْتَأْجَرَ أرْضًا فَزَرَع أُخْرَى.
فجَمَعَ القاضي بينَ مَسْألَةِ الخِرَقِيِّ ومَسْألَةِ أبي بكرٍ، وقال: يُنْقَلُ قولُ كلِّ واحدٍ مِن إحْدَى المسْألَتَين إلى الأُخْرَى؛ لِتَساويهِما في أنَّ الزِّيادَةَ لا تَتَمَيَّزُ، فيكونُ في المَسْألَتَين وَجْهانِ.
وليس الأمْرُ كذلك، فإنَّ بينَ المَسْألَتَين فَرْقًا ظاهِرًا، فإنَّ الذي حَصَل التَّعَدِّي فيه في الحَمْلِ مُتَمَيِّزٌ عن المَعْقُودِ عليه، وهو القَفِيزُ الزائِدُ، بخِلافِ الزَّرْعِ، ولأنَّه في مسألةِ الحَمْلِ اسْتَوْفَى المَنْفَعَةَ المَعْقُودَ عليها وزادَ، وفي الزَّرْعِ لم يَزْرَعْ ما وَقَع العَقْدُ عليه، ولهذا عَلَّلَه أبو بكرٍ بأنَّه عَدَل عن المَعْقُودِ عليه، ولا يَصِحُّ هذا القَوْلُ في مَسْألةِ الحَمْلِ، فإنَّه قد حَمَل المَعْقُودَ عليه وزادَ عليه، بل إلحاقُ هذه المسْألةِ بما إذا اكْتَرَى إلى مَسافَةٍ فزادَ عليها أشَدُّ، وشَبَهُها بها أشَدُّ؛ لأنَّه في مَسْألَةِ الحَمْلِ مُتَعَدٍّ بالزِّيادَةِ وَحْدَها، وفي مَسْألةِ الزَّرْعِ مُتَعَدٍّ بالزَّرْعِ كلِّه، فأشْبَهَ الغاصِبَ.
..................................
فصل: فأمَّا مَسْألَةُ الزَّرْعِ فيما إذا اكْتَرَى لِزَرْعِ الشَّعِيرِ، فزَرَعَ حِنْطَةً، فقد نَصَّ أحمدُ، في رِوايةِ عبدِ اللهِ، فقال: يَنْظُرُ ما يَدْخُلُ على الأرْضِ مِن النُّقْصانِ ما بينَ الحِنْطةِ والشَّعِيرِ، فيُعْطِي رَبَّ الأرْضِ.
فجَعَلَ هذه المَسْألةَ كمسْألَتَي الخِرَقِيِّ، في إيجابِ المُسَمَّى وأجْرِ المِثْلِ للزّائِدِ.
ووَجْهُه، أنَّه لمّا عَيَّنَ الشَّعِيرَ، لم يَتَعَيَّنْ، ولم يَتَعَلَّقِ العَقْدُ بِعَينِه، كما سَبَقَ ذِكْرُه، ولهذا قُلْنا: له زَرْعُ مِثْلِه وما هو دُونَه في الضَّرَرِ.
فإذا زَرَع حِنْطةً، فقَدِ اسْتَوْفَى حَقَّه وزِيادَةً، أشْبَهَ ما لو اكْتَرَاها إلى مَوْضِعٍ فجاوَزَه.
وقد ذَكَرْنا قولَ أبي بكرٍ أنَّ له أجْرَ المِثْلِ؛ لأنَّه عَدَل عن المَعْقُودِ عليه 1، فإنَّ الحِنْطَةَ ليست بشَعِيرٍ وزِيادَةٍ.
وإن قلنا: إنَّه قدِ اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عليه وزِيادَةً، غيرَ أنَّ الزِّيادَةَ ليست مُتَمَيِّزَةً عن المَعْقُودِ عليه.
بخِلافِ مَسْألَتَي الخِرَقِيِّ.
وقال الشافعيُّ: المُكْرِي مُخَيَّرٌ بينَ أخْذِ الكِراءِ وما نَقَصتِ الأرْضُ عمّا يَنْقُصُها الشَّعِيرُ، وبينَ أخْذِ كِراءِ مِثلِها لِلْجَمِيعِ؛ لأنَّ هذه المَسْألةَ أخَذَتْ شَبَهًا مِن أصْلَين؛ أحدهما، إذا رَكِبَ دابَّةً فجازَ 2 بها المَسافَةَ المُشْتَرَطةَ، لكَوْنِه اسْتَوْفَى المَعْقُودَ عليه
..................................
وزِيادةً.
والثاني، إذا اسْتَأْجَرَ أرْضًا فَزَرَع غيرَها؛ لأنَّه زَرَع مُتَعَدِّيًا، فلهذا خَيَّرَه بينَهما، ولأنَّه وُجِدَ سَبَبٌ يَقْتَضِي كلَّ واحدٍ مِن الحُكْمَين، وتَعَذَّرَ الجَمْعُ بينَهما، فكان له أوْفَرُهُما.
وفَوَّضَ اخْتِيارَه إلى المُسْتَحِقِّ، كقَتْلِ العَمْدِ.
والأَوْلَى، إن شاء اللهُ تعالى، قولُ أبي بكرٍ، فإنَّ هذا مُتَعَدٍّ بالزَّرْعِ كلِّه، فكان عليه أجْرُ المِثْلِ، كالغاصِبِ، ولهذا مَلَك رَبُّ الأرْضِ مَنْعَه مِن زَرْعِه، ويَمْلِكُ [أخْذَه بنَفَقَتِه] 1 إذا زَرَعَه.
ويُفارِقُ مَن زادَ على حَقِّه زِيادَةً مُتَمَيِّزَةً، في كَوْنِه لم يَتَعَدَّ بالْجَمِيعِ، إنَّما تَعَدَّى بالزِّيادَةِ فقط، ولهذا لا يَمْلِكُ المُكْرِي مَنْعَه مِن الجَمِيعِ.
ونَظِيرُ هاتَين المسْألتَين، مَن اكْترَى 2 غُرْفةً لِيَجْعَلَ فيها أقفِزَةَ حِنْطةٍ، فجَعَلَ أكْثَرَ منها، ومَنِ اكْتَراها ليَجْعَلَ فيها قِنطارَ قُطْنٍ، فجَعَلَ فيها قِنْطارَ حَدِيدٍ، ففي الأُولَى، له المُسَمَّى وأجْرُ الزِّيادَةِ، وفي الثّانيةِ، يُخَرَّجُ فيها مِن الخِلافِ كقَوْلِنا في مسألةِ الزَّرْعِ.
وحُكْمُ المُسْتَأْجِرِ الذي يَزْرَعُ أضَرَّ مِمّا اكْتَرَى له حُكْمُ الغاصِبِ، لِرَبِّ الأرْضِ مَنْعُه في الابْتِداءِ؛ لِما يَلْحَقُه مِن الضَّرَرِ، فإن زَرَع، فرَبُّ الأرْضِ مُخيَّرٌ بين تَركِ الزَّرْعِ بالأجْرِ 3 وبينَ أخْذِه ودَفْعِ النَّفَقَةِ، وإن لم يَعْلَمْ حتى أخَذَ المُسْتَأْجِرُ زَرْعَه، فله الأجْرُ، على ما نَذْكُرُ في الغَصْبِ.